Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
٦٤٧ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".
بمثله.
٦٤٨ - عن أبي الخير قال: رأيت على ابن السبئي فروا. فمسسته. فقال: ما لك تمسه؟ قد سألت عبد الله بن عباس. قلت: إنا نكون بالمغرب. ومعنا البربر والمجوس نؤتى بالكبش قد ذبحوه. ونحن لا نأكل ذبائحهم. ويأتونا بالسقاء يجعلون فيه الودك. فقال ابن عباس: قد سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "دباغه طهوره".
٦٤٩ - عن ابن وعلة السبئي قال: سألت عبد الله بن عباس قلت: إنا نكون بالمغرب. فيأتينا المجوس بالأسقية فيها الماء والودك. فقال: اشرب. فقلت: أرأي تراه؟ فقال ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول "دباغه طهوره".
-[المعنى العام]-
إن الشريعة السمحة، التي تحل الطيبات وتحرم الخبائث، تدعو إلى الانتفاع بكل ما يمكن الانتفاع به، فليس معنى خبثه وتحريم أكله تحريم الاستفادة منه، ليس معنى تحريم أكل الميتة إبطال جميع منافعها، وإنما الذي حرم أكلها، محافظة على صحة الإنسان من خبث لحمها، أما الانتفاع بجلدها بعد الدبغ فعمل مشروع، وقد كان رسول الله ﷺ رجلا عمليا يضع القول عند العمل، وينتهز الفرصة والواقعة ليبين للأمة شريعتها الغراء، ويطبقها في بيته قبل أن يطالب بها الآخرين. رأى شاة ميتة في بيت زوجه ميمونة، أخرجوها وطرحوها في خربة مهجورة، فقال: ما هذه؟ قالوا: شاة أعطيتها مولاة زوجك ميمونة، فماتت فطرحناها، قال: كان خيرا أن تسلخوها وتأخذوا جلدها وتدبغوه وتنتفعوا به بشتى أنواع الانتفاع قالوا: إنها ميتة وقد حرم الله علينا الميتة؟ قال ﷺ إنما حرم الله أكل الميتة، ولم يحرم الانتفاع بجلدها، فسلخوها وأخذوا جلدها ودبغوه
стр. 1017
وانتفعوا به، واستفاد بجلد الميتة من علم، واستفهم من لم يعلم فهذا أبو الخير يجهل الحكم، ويرى ابن السبئي يلبس جلد شاة، فمسه متعجبا فقال ابن السبئي: لم تعجب؟ إنني استفتيت ابن عباس قبل أن أفعله، قلت له: إننا ببلاد فيها مجوس لا نأكل ذبائحهم، ولكنهم يأتوننا بالماء والشحم في قرب اتخذوها من جلود ذبائحهم التي هي في حكم الميتة، فماذا نفعل؟ قال ابن عباس: اشرب من قربهم وكل. قلت: أهذا رأي لك أو حكم الشريعة عن الرسول ﷺ ؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "دباغ الجلد طهوره".
-[المباحث العربية]-
(تصدق على مولاة لميمونة بشاة) "تصدق" بضم التاء والصاد، مبني للمجهول، وفي الرواية الثانية "أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة" وفي رواية للبخاري عن ابن عباس قال: "مر النبي ﷺ بعنز ميتة" قال الحافظ ابن حجر: العنز هي الماعزة، وهي الأنثى من المعز، ولا ينافي رواية "ماتت شاة" لأنه يطلق عليها شاة كالضأن. اهـ.
وعندي أن العنز غير الشاة، وحمل الروايتين على حادثتين مختلفتين أولى من حمل العنز والشاة على ذات واحدة.
(هلا أخذتم إهابها فدبغتموه) "هلا" بتشديد اللام حرف تحضيض، مختص بالجمل الفعلية الخبرية، وهي في دخولها على الماضي الذي لا يمكن تداركه للتنديم، لكنها هنا للتحضيض، لأن الماضي يمكن تداركه وعمله.
والإهاب بكسر الهمزة وتخفيف الهاء هو الجلد قبل أن يدبغ، وقيل: هو الجلد دبغ أو لم يدبغ، وجمعه "أهب" بفتحتين، ويجوز بضمتين، وفي الرواية الثانية "هلا انتفعتم بجلدها"؟
(إنها ميتة) بسكون الياء، ويجوز في غير الرواية تشديد الياء المكسورة، ففي القاموس: هي ميتة وميتة وميت، والميتة ما لم تحلقه الذكاة. اهـ وفي اللسان: وقيل: الميت بسكون الياء الذي مات، والميت بالتشديد والمأت بالهمز الذي لم يمت بعد. قال تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠].
(إنما حرم أكلها) "حرم" بضم الراء المخففة، وروي بضم الحاء وكسر الراء المشددة، والضمير في "أكلها" يعود للميتة، أي إنما حرم أكل الميتة، والقصر إضافي، وهو قصر إفراد، لأن المخاطبين كانوا يعتقدون حرمة الأكل والانتفاع.
(ألا أخذوا إهابها فدبغوه) "ألا" هنا بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف عرض وتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث.
стр. 1018
(أن داجنة كانت لبعض نساء رسول الله ﷺ يقال: دجن بالمكان يدجن دجونا أقام به وألفه، ودجن في بيته إذا لزمه، وبه سميت دواجن البيوت وهي ما ألف البيت من الشاء وغيرها، الواحدة داجن وداجنة، وظاهر هذه الرواية أن الشاة كانت لواحدة من أزواج النبي ﷺ ، والروايات الأخرى صريحة بأنها كانت لمولاة ميمونة، فإن كانت القصة واحدة كانت الرواية هنا على المجاز، فما كان لمولاة ميمونة هو لميمونة مجازا وإن كانت القصة مختلفة فلا مجاز وهو الظاهر، ففي البخاري عن ابن عباس عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: "ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها".
(إذا دبغ الإهاب فقد طهر) يقال: طهر الشيء بفتح الهاء وضمها لغتان، والفتح أفصح.
(رأيت على ابن السبئي فروا) ابن السبئي هو عبد الرحمن بن وعلة السبئي بفتح السين والباء بعدهما همزة ثم ياء النسب، والفرو بدون هاء هو الصحيح المشهور في اللغة، وجمعه فراء، ككعب وكعاب، ويقال فروة بالهاء كما يقولها العامة، وهي لغة قليلة حكاها ابن فارس.
(فمسسته) بكسر السين الأولى على اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة بفتحها، فعلى الأولى المضارع يمسه بفتح الميم، وعلى الثانية بضمها.
(ويأتونا بالسقاء) أصله ويأتوننا حذفت النون الأولى تخفيفا، والسقاء القربة من الجلد المدبوغ.
(يجعلون فيه الودك) بفتح الواو والدال، هو الشحم، قال النووي: هكذا هو في الأصول ببلادنا "يجعلون" بالعين بعد الجيم، وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر الرواة قال: ورواه بعضهم "يجملون" بالميم بعد الجيم، ومعناه يذيبون، يقال: يجملون بفتح الياء وضمها، لغتان، يقال: جملت الشحم وأجملته أذبته. اهـ.
-[فقه الحديث]-
اختلف العلماء في طهارة جلود الميتة بالدباغ على سبعة مذاهب:
أحدها: مذهب الشافعي، وهو أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا جلد الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما، وذلك لنجاسة عينهما في المذهب، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵄ وهو مذهب الأكثرين. ومجموع الأحاديث تؤيده، والرواية السادسة "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" صريحة في عموم المأكول وغير المأكول، ومن المعلوم أن نجس العين لا يطهر، والرواية السابعة والثامنة صريحة في طهارة ظاهر الجلد وباطنه بعد الدبغ، وصريحة في استعماله في الماء والودك.
стр. 1019
ثانيها: لا يطهر شيء من جلود الميتة بالدباغ. روي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة ﵁، وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك، وتمسكوا بحديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل مونه "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" أخرجه الشافعي وأحمد والأربعة، وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي وفي رواية الشافعي "قبل موته بشهر".
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه معارض للأحاديث الصحيحة له وأنها عن سماع، وهذا كتابة كتاب، وأنها أصح مخارج، بل طعن بعضهم فيه بالاضطراب، وأعله بعضهم بالانقطاع، وعلى فرض صحته وقوته يحمل على الجلد قبل الدبغ، فالإهاب هو الجلد قبل الدبغ على المشهور وأنه بعد الدبغ لا يسمى إهابا.
ثالثها: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحق بن راهويه، واحتجوا بأن الأحاديث وردت في الشاة، بل جزم الرافعي وبعض أهل الأصول بأن اللفظ العام "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ورد أيضا في شاة مولاة ميمونة، فلهذا السبب يقصر الجواز على المأكول، ويتقوى ذلك بأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو ذكي لم يطهر بالذكاة عند الأكثر، فكذلك الدباغ، وأجاب الجمهور بالتمسك بلفظ العموم، وأن العدرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبعموم الإذن بالمنفعة، ولأن الحيوان طاهر ينتفع به قبل الموت، فكان الدباغ بعد الموت قائما له مقام الحياة.
رابعها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات إلا جلد الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة، ولا يختلف عن مذهب الشافعي إلا في جلد الكلب.
خامسها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات بدون استثناء، إلا أنه يطهر ظاهر الجلد، دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلي عليه لا فيه وهذا مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابه عنه. والرواية السابعة والثامنة تعارضه، فإن جلود ما ذكاه المجوس نجسة، وقد نص على طهارتها بالدباغ واستعمالها في الماء والودك.
سادسها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات بدون استثناء طاهرا وباطنا، وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف.
سابعها: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو مذهب الزهري ووجه شاذ لبعض الشافعية، وقد يحتج له بالرواية الثانية والرابعة والخامسة "هلا انتفعتم بجلدها"؟ "ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به"؟ "ألا انتفعتم بإهابها"؟ حيث لم يذكر دباغها.
وأجاب الجمهور بأن هذه الروايات المطلقة، وأخواتها الباقيات مقيدة بالدبغ، وأن الدباغ طهور الجلد، فيحمل المطلق على المقيد.
هذا، ويجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه. ولا يحصل الدبغ بالتشميس عند الشافعية، ويحصل عند الحنفية ويحصل بالأدوية النجسة على الصحيح، ويجب غسله بعد الفراغ من الدباغ بلا خلاف.
стр. 1020
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - استدل بها على جواز بيع جلود الميتة، لأنها تجيز الاستمتاع والانتفاع وكل ما ينتفع به يصح بيعه، وما لا فلا.
٢ - أخذ ابن أبي جمرة من قولهم: "إنها ميتة" مراجعة الإمام فيما لا يفهم السامع معنى ما أمره، كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حرمت علينا؟ فبين له وجه التحريم.
٣ - وفيه حسن مراجعتهم وبلاغتهم في الخطاب، لأنهم جمعوا معاني كثيرة في كلمة واحدة، هي قولهم: "إنها ميتة".
٤ - وأخذ منها بعضهم جواز تخصيص الكتاب بالسنة، لأن لفظ القرآن: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال، فخصت السنة ذلك بالأكل. قاله الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يرد بأن المخصص هو قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥] حيث خصت التحريم بالأكل.
٥ - استدل بها ابن أبي جمرة على جواز تنمية المال، لأنهم نصحوا بأخذ جلد الميتة ودبغه والانتفاع به بعد أن كان مطروحا.
والله أعلم
стр. 1021
(١٤٨) باب التيمم
٦٥٠ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره. حتى إذا كنا بالبيداء (أو بذات الجيش) انقطع عقد لي فأقام رسول الله ﷺ على التماسه. وأقام الناس معه. وليسوا على ماء. وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة "أقامت برسول الله ﷺ وبالناس معه. وليسوا على ماء. وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام. فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس. وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت: فعاتبني أبو بكر. وقال ما شاء الله أن يقول. وجعل يطعن بيده في خاصرتي. فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي. فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير (وهو أحد النقباء): ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر فقالت عائشة فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته".
٦٥١ - عن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة. فهلكت فأرسل رسول الله ﷺ ناسا من أصحابه في طلبها. فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء. فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم. فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا. فوالله! ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا. وجعل للمسلمين فيه بركة.
٦٥٢ - عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى. فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا. كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا. فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة، (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) [المائدة: ٦] فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية، لأوشك إذا برد عليهم الماء، أن يتيمموا بالصعيد. فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني
стр. 1022
رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت. فلم أجد الماء. فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة. ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له. فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا" ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة. ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه، ووجهه؟ فقال عبد الله: أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ .
٦٥٣ - عن شقيق قال: قال أبو موسى لعبد الله. وساق الحديث بقصته. نحو حديث أبي معاوية. غير أنه قال: فقال رسول الله ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا" وضرب بيديه إلى الأرض. فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه.
٦٥٤ - عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه؛ أن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء. فقال: لا تصل. فقال عمار: أما تذكر، يا أمير المؤمنين! إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا. فلم نجد ماء. فأما أنت فلم تصل. وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت. فقال النبي ﷺ "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض. ثم تنفخ. ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" فقال عمر: اتق الله. يا عمار! قال: إن شئت لم أحدث به. قال الحكم وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه مثل حديث ذر قال وحدثني سلمة عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم فقال عمر نوليك ما توليت.
٦٥٥ - عن ابن عبد الرحمن بن أبزى قال قال الحكم وقد سمعته من ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء. وساق الحديث. وزاد فيه قال عمار: يا أمير المؤمنين! إن شئت -لما جعل الله علي من حقك- لا أحدث به أحدا. ولم يذكر حدثني سلمة عن ذر.
٦٥٦ - عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس؛ أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ . حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري. فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل.
стр. 1023
فلقيه رجل فسلم عليه. فلم يرد رسول الله ﷺ عليه. حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه. ثم رد ﵇.
٦٥٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رجلا مر، ورسول الله ﷺ يبول، فسلم. فلم يرد عليه.
-[المعنى العام]-
تزوجت عائشة رسول الله ﷺ وهي بنت تسع سنين، وخرجت معه في هذه السفرة في غزوة بني المصطلق وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة، صبية في تلك السن، تحرص على التجمل لزوج له ست نساء غيرها، لكنها لا تحافظ على ما تحت يدها، قليلة الخبرة مستهينة بالأمور، لا يمتد غور تفكيرها إلى النتائج والعواقب، استعارت من أختها أسماء قلادتها وهي عقد جميل من خرز يمني، ولبسته وسافرت به، ويبدو أنها لم تتعود إحكام غلقه فسقط منها ليلة عند بئر المريسيع واضطرب بسبب بحثها عنه إلى التأخر عن الجيش الذي رحل وتركها، وكانت العاقبة حديث الإفك، وفي نفس طريق العودة وقريبا من المدينة ينزل الجيش ليستريح، فيسقط منها العقد مرة أخرى، لكنها في هذه المرة أسرعت وأبلغت رسول الله ﷺ ، فبعث ﷺ رجالا على رأسهم أسيد بن حضير للبحث عنه، وانطلقوا هنا وهناك، يفتشون المظان في الطريق، وغابوا وأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء لعدم الماء، وتأخروا، وطال انتظار القوم، وهم لا يجدون الماء في مكان نزولهم، وكاد ينفد ما عندهم منه.
إن بعضهم يسمع همس المنافقين بحديث الإفك، فيألم، ويحمل في نفسه على عائشة أن وضعت نفسها موضع التهم، ثم هي الآن بسبب إهمال آخر تعرض الجيش للقحط والعطش، لقد ضاقوا ذرعا، فذهبوا إلى أبي بكر يشكونها، يقولون: ألم تر يا أبا بكر إلى ما صنعت ابنتك عائشة؟ أضاعت عقدها للمرة الثانية، فحبستنا وحبست رسول الله ﷺ في هذه الصحراء حيث لا ماء، وكان أبو بكر ممن سمع همس المنافقين، وقلبه يتقطع أسى وحسرة، فدخل مغضبا على ابنته، يعنفها ويؤنبها، ويحرص على عدم إزعاج رسول الله ﷺ الذي وجده نائما على فخذها، يطعنها بيده في جنبها، يقول لها: ما أكثر عناءك وبلاءك على الناس، تحبسينهم في قلادة تافهة وهم على غير ماء، يطعنها فتتألم ولا تتحرك، يطعنها فتشد على أسنانها وتكتم أنفاسها وآهاتها، وما الفائدة في الطعن والشتم وقد حصل ما حصل، والليل المخيم على الناس لا يشجع على الرحيل، أصبح الناس ليسمعوا فضل الله ورحمته بأمة محمد ﷺ ليسمعوا آية التيمم المختومة بقوله جل شأنه: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦] فيبتهجون بهذه البشرى، ويقول حبيبهم: ما أكثر بركاتكم يا آل أبي بكر، ما أنزل الله بكم ضيقا إلا جعل لكم منه مخرجا، وجعل
стр. 1024
للمسلمين من ورائه خيرا وبركة، ويعود الباحثون عن العقد دون أن يجدوه، فلما أقاموا البعير الذي كانت تركبه عائشة وجدوا العقد تحته. وهكذا أسباب ومسببات، يقدرها الله، ﴿إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ [الطلاق: ٣].
وتعلم الصحابة التيمم، وتيمموا، لكنهم لم يسألوا عن التيمم في حال الجنابة حتى سافر عمار بن ياسر مع عمر بن الخطاب في سرية، فحدثت لهما جنابة، فأما عمر فلم يصل، وأما عمار فتمرغ في التراب كما يتمرغ الحيوان، وصلى، فلما رجع إلى النبي ﷺ وأخبره، قال له: إن التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر، فكان يكفيك أن تضرب الأرض بيديك ثم تمسح بهما وجهك وكفيك.
وعلم عمار حكم التيمم للجنابة، وظل عمر على ما يفهم، حتى جاءه رجل يسأله عمن أجنب ولم يجد الماء، فقال عمر: لا يصلي، فقال عمار: بل يتيمم ويصلي، وساق ما علم، فقال عمر لعمار: استوثق يا عمار مما تقول: قال عمار: إن شئت -يا أمير المؤمنين أن لا أحدث بهذا أحدا، قال عمر: لا. تول ما توليت، وأد ما تحملت، وتمسك عبد الله بن مسعود بموقف عمر، وأن الجنب لا يتيمم ولا يصلي، وتمسك الناس بموقف عمار، ودار الحوار بين أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود، يحكي أبو موسى ما حكاه عمار ويحكي عبد الله بن مسعود ما حكاه عمر، لكنه حين يعلم أن عمر أذن لعمار أن ينشر حديثه يعود فيرجع عن رأيه إلى رأي الجماعة، ويقبل تيمم الجنب الفاقد للماء ليؤدي الصلاة. وبهذه الصورة نرى مدى حرص الصحابة على دقة الاتباع وتحريهم أحكام الشريعة الغراء فجزاهم الله عنا خير الجزاء.
-[المباحث العربية]-
(خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) أي خرجت عائشة والصحابة، وكان ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأصابت القرعة عائشة في هذه السفرة وكانت غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع.
(حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش) "حتى" غاية للسفرة في عمومها فإن العقد انقطع في العودة في طريقهم إلى المدينة قريبا منها، و"البيداء" بفتح الباء، مرتفع قريب من ذي الحليفة في طريق مكة، و"ذات الجيش" بفتح الجيم موضع قريب منه، وبينه وبين المدينة نحو عشرين كيلو مترا.
(انقطع عقد لي) أي انفك من موضع ربط الطرفين، ولم ينفرط فإنه وجد غير مبعثر ولم يضع منه حبة، وكان العقد من خرز يمني، وقيمته نحو اثنى عشر درهما، كما جاء في بعض الروايات، والعقد في اللغة بكسر العين كل ما يعقد ويعلق في العنق، والقلادة ما يجعل في العنق، فلا تعارض بين التعبير بالعقد في الرواية الأولى وبالقلادة في الرواية الثانية.
وأما قولها "عقد لي" في الرواية الأولى، والتصريح في الرواية الثانية بأنه كان لأسماء أختها
стр. 1025
استعارته منها فقد قال النووي: لا مخالفة بينهما، فهو في الحقيقة ملك لأسماء، وأضافته في الرواية إلى نفسها لكونه في يدها.
(فأقام رسول الله ﷺ على التماسه) أي فتوقف عن المسير، وأقام بالمكان لأجل التماسه وطلبه والبحث عنه.
(وليس معهم ماء) الظاهر أن المراد ليس معهم ماء للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون معهم.
(فعاتبني أبو بكر) أي لامني وعنفني. قال الحافظ ابن حجر: والنكتة في قول عائشة "فعاتبني أبو بكر" ولم تقل: أبي. لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل، مغاير لذلك في الظاهر، فلذلك أنزلته منزلة الأجنبي، فلم تقل: أبي. اهـ. وفيه نظر.
(وقال ما شاء الله أن يقول) كناية عن كلام مؤلم كثير، وكان مما قال -على ما تذكره بعض الروايات- حبست رسول الله ﷺ والناس في قلادة لا تساوي اثنى عشر درهما؟ في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس؟ .
(وجعل يطعن بيده في خاصرتي) "يطعن" بضم العين، وكذا في جميع ما هو حسي، وأما المعنوي فيقال: "يطعن" بالفتح هذا هو المشهور، وحكي فيهما معا الفتح، كما حكي فيهما معا الضم، وخاصرة الإنسان وسطه.
(فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي) المستثنى منه عموم الفاعل، فلا يمنعني من التحرك شيء إلا كون رسول الله على فخذي.
(فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء) في رواية البخاري "فقام حين أصبح على غير ماء" والمعنى فيهما متقارب، لأن كلا منهما يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح، فـ"حتى" غاية للنوم، وقال بعضهم: ليس المراد بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح، لأنه قيد قولها "حتى أصبح" بقولها "على غير ماء" أي آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء، وهو كلام حسن.
(فأنزل الله أية التيمم) من باب تسمية الكل باسم الجزء، لقوله تعالى فيها: ﴿فتيمموا﴾ والتيمم لغة القصد، وشرعا القصد إلى التراب ونحوه لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها.
﴿فتيمموا﴾ أي فامتثلها الصحابة وتيمموا وصلوا. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون خبرا عن فعل الصحابة، أي فتيمم الناس بعد نزول الآية، ويحتمل أن يكون حكاية لبعض الآية، وهو الأمر في قوله: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ بيانا لقوله: "آية التيمم" أو بدلا. اهـ. والأول هو الظاهر.
(فقال أسيد بن حضير) "أسيد" تصغير "أسد" وهو صحابي جليل من كبار الصحابة،
стр. 1026
زادته عائشة تعظيما بقولها "وهو أحد النقباء" وهدفها الاعتزاز بشهادته فيها، لأن شهادة العظيم يعتز بها.
(ما هي بأول بركتكم) أي ما هذه البركة والخير الذي جاء على يديكم بأول بركة وخير يأتي عنكم، بل هي مسبوقة بغيرها من بركاتكم.
(فبعثنا البعير الذي كنت عليه) أي أثرنا البعير الذي كنت عليه في حالة السفر.
(فوجدنا العقد تحته) في الإسناد مجاز، لأن الذي وجد العقد هو أسيد بن حضير، كما ورد في بعض الروايات.
(فهلكت) أي فضاعت، تعني هلكت بعض الوقت.
﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ اختلف في المراد بالصعيد، والأكثرون على أنه هنا التراب، وقال الآخرون: هو كل ما صعد على وجه الأرض، وسيأتي مزيد إيضاح له في فقه الحديث، أما الطيب فقيل: الطاهر، وقيل: الحلال، والأول أولى بالقبول.
(لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا). قال النووي: معنى "أوشك" قرب وأسرع، وقد زعم بعض أهل اللغة أنه لا يقال: أوشك، وإنما يستعمل مضارعا، فيقال: يوشك كذا وكذا. وليس كما زعم هذا القائل، بل يقال: أوشك أيضا، ومما يدل عليه هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح مثله. وقوله: "برد" هو بفتح الباء والراء، وقال الجوهري "برد" بضم الراء، والمشهور الفتح. اهـ.
(كما تمرغ الدابة) "تمرغ" بفتح التاء وضم الغين، وأصله تتمرغ، فحذفت إحدى التاءين.
(إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) استعمل القول بدل الفعل أي إنما كان يكفيك أن تفعل بيديك هكذا، ولعل في هذا التعبير إشارة إلى مصاحبة قول القلب أي النية لعمل اليدين، ورواية البخاري "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا".
و"ها" في "هكذا" للتنبيه، والكاف صفة لمصدر محذوف و"ذا" اسم إشارة، والتقدير أن تفعل بيديك فعلا مثل هذا.
(أما تذكر يا أمير المؤمنين) "أما" حرف عرض بمنزلة "ألا" ويمكن أن يقال فيها: إن الهمزة للاستفهام التقديري، و"ما" نافية.
(وأما أنا فتمعكت في التراب) في القاموس: معكه في التراب كمنعه دلكه وتمعك تمرغ.
(اتق الله يا عمار) أي اتق الله فيما ترويه وتثبت، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك الأمر، فإني كنت معك ولا أتذكر شيئا من هذا.
стр. 1027
(إن شئت لم أحدث به) معناه إن رأيت المصلحة في إمساكي عن التحديث به راجحة على التحديث به وافقتك وأمسكت، فإني قد بلغته، فلم يبق علي فيه حرج، ولم أعد كاتما للعلم، وطاعتك واجبة علي في غير المعصية. ويحتمل أنه أراد إن شئت لم أحدث به تحديثا شائعا، بحيث يشتهر بين الناس بل لا أحدث به إلا نادرا، قاله النووي، لكنه لا تساعده الرواية الآتية "لا أحدث به أحدا".
(قال عمر: نوليك ما توليت) أي لا يلزم من كوني لا أتذكره ألا يكون حقا في نفس الأمر فليس لي منعك من التحديث به.
(أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار) قال النووي: هكذا هو في أصول صحيح مسلم، وقوله "عبد الرحمن" خطأ صريح، وصوابه عبد الله بن يسار.
(حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة) قال النووي: أما "الصمة" فبكسر الصاد وتشديد الميم، وأما أبو الجهم فبفتح الجيم وبعدها هاء ساكنة، هكذا هو في مسلم، وهو غلط، وصوابه ما وقع في صحيح البخاري وغيره "أبو الجهيم" بضم الجيم وفتح الهاء وزيادة ياء.
(من نحو بئر جمل) بفتح الجيم والميم، ورواية النسائي "بئر الجمل" بالألف واللام، وهو موضع بقرب المدينة، أي من جهة الموضع الذي يعرف بذاك.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو خصيصة خص الله به هذه الأمة، زادها الله تعالى شرفا، وأجمعت الأمة على أن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها.
ثم قال: واختلف العلماء في كيفية التيمم، فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا بد من ضربتين، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وممن قال بذلك من العلماء سفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي وآخرون ﵃ أجمعين-. وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد وإسحق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث. وحكي عن الزهري أنه يجب مسح اليدين إلى الإبطين. قال الخطابي: لم يختلف أحد من العلماء في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين وحكي عن ابن سيرين أنه قال: لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات. ضربة للوجه، وضربة ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه.
وأجمع العلماء على جواز التيمم عن الحدث الأصغر، وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار ومن قبلهم على جوازه للجنب والحائض والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف، إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وقيل إن عمر وعبد الله بن مسعود رجعا عنه، وقد جاءت بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة المشهورة.
стр. 1028
وإذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره ﷺ للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء.
ويجوز للمسافر والمغرب في الإبل وغيرهما أن يجامع زوجته وإن كانا عادمين للماء، ويغسلان فرجيهما، ويتيممان ويصليان، ويجزيهما التيمم، ولا إعادة عليهما إذا غسلا فرجيهما، وأما إذا كان على بعض أعضاء المحدث نجاسة فأراد التيمم بدلا عنها فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا يجوز، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: يجوز أن يتيمم إذا كانت النجاسة على بدنه، ولم يجز إذا كانت على ثوبه، واختلف أصحابه في وجوب إعادة هذه الصلاة، وقال ابن المنذر: كان الثوري والأوزاعي وأبو ثور يقولون: يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلي.
وأما إعادة الصلاة التي بالتيمم فمذهبنا أنه لا يعيد إذا تيمم للمرض أو الجراحة ونحوهما، وأما إذا تيمم للعجز عن الماء فإن كان في موضع يعدم فيه الماء غالبا كالسفر لم تجب الإعادة، وإن كان في موضع لا يعدم فيه الماء إلا نادرا وجبت الإعادة على المذهب الصحيح.
وأما جنس ما يتيمم به فاختلف العلماء فيه، فذهب الشافعي وأحمد وابن المنذر وداود الظاهري وأكثر الفقهاء إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق بالعضو. وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز التيمم بجميع أنواع الأرض، حتى بالصخرة المغسولة، وزاد بعض أصحاب مالك فجوزه بكل ما اتصل بالأرض من الخشب وغيره، وعن مالك في الثلج روايتان، وذهب الأوزاعي وسفيان الثوري إلى أنه يجوز بالثلج وكل ما على الأرض.
وأما حكم التيمم فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا يرفع الحدث، بل يبيح الصلاة فيستبيح به فريضة، وما شاء من النوافل، ولا يجمع بين فريضتين بتيمم واحد، وإن نوى بتيممه الفرض استباح الفريضة والنافلة، وإن نوى النفل استباح النفل ولم يستبح به الفرض، وله أن يصلي على جنائز بتيمم واحد، وله أن يصلي بالتيمم الواحد فريضة وجنائز، ولا يتيمم قبل دخول وقتها، وإن رأى المتيمم لفقد الماء ماء وهو في الصلاة لم تبطل صلاته، بل له أن يتمها إلا إذا كان ممن تلزمه الإعادة، فإن صلاته تبطل برؤية الماء انتهى بتصرف.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - جواز الإقامة في موضع لا ماء فيه، وإن احتاج إلى التيمم، وكذا سلوك الطريق الذي لا ماء فيها. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن المدينة كانت قريبة منهم وهم على قصد دخولها، ويحتمل أن يكون ﷺ لم يعلم بعدم وجود الماء مع الركب، وإن كان قد علم بأن المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن يكون قوله "ليس معهم ماء" أي كثير.
٢ - استدل به على أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول آية الوضوء، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، وقال الحافظ ابن حجر: قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه
стр. 1029
وسلم لم يصل منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند. قال: وفي قوله في هذا الحديث "آية التيمم: إشارة إلى الذي طرأ عليهم من العلم حينئذ حكم التيمم، لا حكم الوضوء.
قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه متلوا بالتنزيل. اهـ.
وقال غيره: ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديما، فعلموا به الوضوء، ثم نزل بقيتها وهو ذكر التيمم في هذه القصة، وإطلاق آية التيمم على هذا من تسمية الكل باسم البعض.
قال الحافظ ابن حجر: لكن الرواية التي أخرجها البخاري في التفسير تدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة، فالظاهر ما قاله ابن عبد البر. اهـ.
وهذا الإشكال مبني على أن المراد بآية التيمم في الحديث آية المائدة ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦].
أما لو أريد بآية التيمم آية النساء ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا﴾ [النساء: ٤٣] فلا إشكال.
قال ابن العربي: هذه مشكلة ما وجدت لدائها من دواء لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة. قال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة، وقال القرطبي: هي آية النساء ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء فيتجه تخصيصها بآية التيمم.
وأورد الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا.
قال الحافظ ابن حجر: وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد، لرواية عمرو بن الحارث، إذ صرح فيها بقولها فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية.
٣ - استدل بقوله في الآية "فتيمموا" على وجوب النية في التيمم، لأن معنى "فتيمموا" اقصدوا، وهو قول فقهاء الأمصار إلا الأوزاعي.
٤ - واستدل بهذه اللفظة أيضا على أنه يجب نقل التراب، ولا يكفي هبوب الريح، بخلاف الوضوء كما لو أصابه مطر، فنوى الوضوء به، فإنه يجزئ، قال الحافظ ابن حجر: والأظهر الإجزاء لمن قصد التراب من الريح الهابة، بخلاف من لم يقصد.
стр. 1030
٥ - واستدل بقوله "إذا قمتم إلى الصلاة" على أنه يجب التيمم لكل فريضة.
٦ - وبقوله ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ على عدم جواز التيمم في الحضر لمن فقد الماء، وقد اختلف السلف في أصل المسألة، فذهب مالك إلى عدم وجوب الإعادة على من تيمم في الحضر، ووجهه ابن بطال بأن التيمم إنما ورد في المسافر والمريض لإدراك وقت الصلاة، فيلتحق بهما الحاضر إذا لم يقدر على الماء، قياسا، وقال الشافعي: تجب عليه لندور ذلك، وعن أبي يوسف وزفر لا يصلي إلى أن يجد الماء ولو خرج الوقت، والرواية الخامسة، وتيمم الرسول ﷺ من الجدار تجيز التيمم في الحضر.
٧ - استدل بقوله "صعيدا طيبا" على تعين الصعيد الطيب للتيمم، لكن اختلف العلماء في المراد بالصعيد الطيب، وقد سبق بيان هذا الاختلاف.
٨ - استدل بقوله في ملحق الرواية الثالثة "فنفض يديه" وبقوله في الرواية الرابعة "ثم تنفخ" على استحباب تخفيف التراب.
٩ - وعلى سقوط استحباب التكرار في التيمم، لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف.
١٠ - بل استدل بالنفخ والنفض على أن التراب ليس شرطا، بل الشرط القصد فجوزوا التيمم بالحجارة وما لا غبار عليه، قالوا: إذ لو كان الغبار معتبرا لم ينفض اليد، وهذا القول بعيد عن القبول: لأن المراد بالنفض تخفيف الغبار الكثير، لا إزالته كله، إذ يصير الضرب عبثا.
١١ - استدل بقوله في الرواية الثالثة "ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ... إلخ" على الاكتفاء بضربة واحدة في التيمم للوجه والكفين جميعا، وللآخرين أن يجيبوا عنه بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، وهو جواب ضعيف.
١٢ - استدل بقوله في ملحق الرواية الثالثة "فمسح وجهه وكفيه" وقوله في الرواية الرابعة "ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" على أن ما زاد على الكفين ليس بفرض وإليه ذهب أحمد وإسحق وابن جرير وابن المنذر ونقله ابن الجهم وغيره عن مالك، ونقله الخطابي عن أصحاب الحديث. وهذا القول وإن كان مرجوحا لدى جمهور العلماء هو القوي في الدليل، ولا يقاومه قياس التيمم على الوضوء في البلوغ باليدين إلى المرفقين، لأن القياس فاسد الاعتبار في مقابلة النص. والله أعلم.
١٣ - استدل بقوله في الرواية الثانية "فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء" على أن من عدم الماء والتراب يصلي على حاله، نعم ليس في الحديث فقد التراب، وكان قبل نزول التيمم، لكن وجه الدلالة أنهم صلوا معتقدين وجوب الصلاة عند فقد المطهر، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدثين، وأكثر أصحاب مالك اختلفوا في وجوب الإعادة فالمنصوص عن الشافعي وجوبها وصححه أكثر أصحابه، واحتجوا بأنه عذر نادر، فلم يسقط الإعادة، والمشهور عن أحمد، وبه قال المزني وسحنون وابن المنذر لا تجب، واحتجوا بحديث الباب، وبأنها لو كانت واجبة لبينها لهم النبي ﷺ ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ورد عليهم بأن الإعادة لا تجب على الفور، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة، وقال مالك
стр. 1031
وأبو حنيفة في المشهور عنهما: لا يصلي فاقد الطهورين، ولا يجب عليه القضاء عند مالك فيما حكاه عنه المدنيون، ويجب عند أبي حنيفة وأصحابه، وبه قال الثوري والأوزاعي، ونقل عن الشافعي في القديم: تستحب له الصلاة وتجب الإعادة.
١٤ - أخذ من قصة عمار جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، فإن عمارا ﵁ اجتهد في صفة التيمم، واستعمل القياس، لأنه لما رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئته وأعضائه، رأى أن التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل. قال النووي: وقد اختلف أهل الأصول في هذه المسألة على ثلاثة أوجه: أصحها، يجوز الاجتهاد في زمنه ﷺ بحضرته وفي غير حضرته، والثاني: لا يجوز بحال، والثالث: لا يجوز بحضرته ويجوز في غير حضرته.
١٥ - كما أخذ من تمرغ عمار في التراب حيث أجزأه ذلك أن من غسل رأسه بدل المسح في الوضوء أجزأه.
١٦ - وجواز الزيادة على الضربتين في التيمم.
١٧ - وسقوط إيجاب الترتيب في التيمم عن الجنابة.
١٨ - استدل بقولها في الرواية الأولى "فنام حتى أصبح" على الرخصة للنبي ﷺ في ترك التهجد في السفر، إن ثبت أن التهجد كان واجبا عليه.
١٩ - ويؤخذ من الرواية الخامسة جواز التيمم بالجدار.
٢٠ - وجواز التيمم للنوافل والفضائل، فإن قيل: كيف تيمم بالجدار من غير إذن مالكه أجيب بأنه محمول على العلم برضا صاحبه.
٢١ - ويؤخذ من الرواية الأولى شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر لكون النبي ﷺ كان نائما، وكانوا لا يوقظونه.
٢٢ - ويؤخذ منها نسبة الفعل إلى من كان سببا فيه، لقولهم، وصنعت وحبست.
٢٣ - وجواز دخول الرجل على ابنته، وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاه بذلك، ولم تكن حالة مباشرة.
٢٤ - وتأديب الرجل ولده بالقول والفعل والضرب ونحوه.
٢٥ - تأديب الرجل ابنته وإن كانت كبيرة وزوجة وخارجة عن بيته.
٢٦ - وجواز مسافرة الزوج بزوجته الحرة.
٢٧ - وجواز العارية.
٢٨ - وجواز عارية الحلي.
٢٩ - وجواز المسافرة بالعارية، وهو محمول على رضا صاحبها.
стр. 1032
٣٠ - وجواز اتخاذ النساء الحلي تجملا لأزواجهن.
٣١ - واعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين وأموالهم وإن قلت، فقد ثبت أن العقد لم يكن يساوي اثنى عشر درهما وأقام ﷺ بالناس على التماسه.
٣٢ - وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال.
٣٣ - وفيه حب عائشة لرسول الله ﷺ وشدة حرصها على راحته وعدم إزعاجه.
٣٤ - وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها وتكرار البركة منها.
٣٥ - ويكره الكلام أثناء قضاء الحاجة، كما يكره ذكر الله ولو كان واجبا. تشير إلى ذلك الرواية الخامسة والسادسة، قال العلماء: ولا يستحق المسلم في تلك الحال جوابا. قال النووي: وهذا متفق عليه. ثم قال: ويكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، "فإن سلم عليه كره رد السلام، وكذا يكره الكلام على قضاء الحاجة بأي نوع كان من أنواع الكلام، ويستثنى من هذا كله موضع الضرورة. كما إذا رأى ضريرا يكاد أن يقع في بئر أو رأى حية أو عقربا يقصد إنسانا أو نحو ذلك فإن الكلام في مثل هذه المواضع ليس بمكروه بل هو واجب، وهذا الذي ذكرناه مذهب الأكثرين. وحكي عن النخعي وابن سيرين عدم كراهة الكلام مطلقا عند قضاء الحاجة.
واختلف في العاطس يحمد الله، والأولى أن يحمد بقلبه؛ لتشريف الذكر وتعظيمه وتنزيهه.
والله أعلم
стр. 1033
(١٤٩) باب المسلم لا ينجس
٦٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ أنه لقيه النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جنب. فانسل فذهب فاغتسل. فتفقده النبي ﷺ . فلما جاءه قال: "أين كنت؟ يا أبا هريرة! " قال: يا رسول الله! لقيتني وأنا جنب. فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس".
٦٥٩ - عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جنب. فحاد عنه فاغتسل. ثم جاء فقال: كنت جنبا قال "إن المسلم لا ينجس".
-[المعنى العام]-
كان من عادة رسول الله ﷺ إذا التقى بصحابي أن يمسح عليه، وأن يربت عليه بيده، وأن يصاحبه فيجالسه، تلطفا وتأنيسا وتكرما وتوددا، وفي يوم من الأيام، وفي بعض طرق المدينة، وجد أبو هريرة نفسه مقابلا لرسول الله ﷺ في طريق واحد، وكان جنبا، فأخذه رسول الله ﷺ بيده، وجالسه وهو في هذه الحالة غير المستحبة، فاستخفى وتسلل وانصرف، وذهب إلى بيته، فاغتسل، وعاد إلى رسول الله ﷺ كأن لم يحدث شيء.
وكان ﷺ قد أحس به ينخنس وينسل، ويتوارى في خفاء، فلما جاء سأله: ماذا بك يا أبا هريرة؟ أين كنت؟ وأين ذهبت؟ وماذا فعلت! قال: يا رسول الله. لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، وكان أدبا حسنا من أبي هريرة أن يفعل ذلك احتراما وتقديسا لحضرة النبي ﷺ ، وفهم ﷺ أن أبا هريرة يعتقد نجاسة الجنب، وأنه لا يصح للنجس أن يجالس النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال: سبحان الله؟ عجبا لك يا أبا هريرة في فهمك الخطأ، إن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا، فلا تكن الجنابة مانعة من لقاء الأصحاب، وإن حسن التعجيل بالغسل. وحسن اللقاء على أحسن هيئة وأبلغ نظافة.
-[المباحث العربية]-
(لقيه النبي ﷺ ... فانسل) عطف على محذوف أبرزته رواية البخاري "لقيني
стр. 1034
رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد، فانسللت" أي ذهبت خفية. وفي رواية البخاري "فانخنست، أي مضيت عنه مستخفيا، ولذلك وصف الشيطان بالخناس وروي "فانبجست" أي جريت واندفعت، وروي "فانبخست" من البخس وهو النقص، أي اعتقدت نقصان نفسي، قال الحافظ ابن حجر: وقد نقل الشراح فيها ألفاظا مختلفة مما صحفه بعض الرواة، لا معنى للتشاغل بذكرها.
(فذهب) إلى رحله، كما بينته رواية البخاري "فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت".
(سبحان الله) مصدر منصوب بفعله المحذوف، وهذه الكلمة تقال في مثل هذا الموضع للتعجب، وكذا "لا إله إلا الله" ومعنى التعجب هنا: كيف يخفى عليك مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟
(إن المؤمن لا ينجس) لغتان في الماضي والمضارع يقال نجس بضم الجيم فيها من باب كرم، وبكسر الجيم في الماضي وفتحها في المضارع من باب سمع.
(فحاد عنه) أي مال وعدل عنه.
-[فقه الحديث]-
قال الإمام النووي: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا، فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين. قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه.
هذا حكم المسلم الحي، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان الصحيح منهما أنه طاهر، ولهذا غسل، ولقوله ﷺ "إن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا" هذا حكم المسلم.
وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف، وأما قول الله ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما، فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين، وكذلك الصبيان، أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة، فتجوز الصلاة في ثيابهم، والأكل معهم من المائعات إذا غمسوا أيديهم فيها، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: تمسك بعض أهل الظاهر بمفهوم قوله "المؤمن لا ينجس" فقال: إن
стр. 1035
الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء، لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك، لعدم تحفظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار وحجتهم أن الله أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس ينجس العين، إذ لا فرق بين النساء والرجال. وأغرب القرطبي في الجنائز من شرح مسلم، فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - استصحاب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة.
٢ - استحباب احترام أهل الفضل، وأن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم فيكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله في حال مجالسة شيخه، فيكون متطهرا متنظفا، بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقص الأظفار، وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة وغير ذلك، فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء، ذكره النووي.
٣ - أن العالم إذا رأى من متابعه أمرا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وقال له صوابه وبين له حكمه.
٤ - وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه، لقوله: أين كنت؟ فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن لا يفارقه حتى يعلمه.
٥ - وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه.
٦ - وبوب عليه ابن حبان: الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أن ماء البئر ينجس.
٧ - واستدل به البخاري على طهارة عرق الجنب، لأن بدنه لا ينجس بالجنابة فكذلك ما تحلب منه.
٨ - وعلى جواز تصرف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل.
والله أعلم
стр. 1036
(١٥٠) باب أكل المحدث الطعام وذكر الله حال الجنابة
٦٦٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على أحيانه.
٦٦١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج من الخلاء. فأتي بطعام. فذكروا له الوضوء فقال "أريد أن أصلي فأتوضأ؟ ".
٦٦٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: كنا عند النبي ﷺ . فجاء من الغائط. وأتي بطعام. فقيل له: ألا توضأ؟ فقال "لم أأصلي فأتوضأ؟ ".
٦٦٣ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ذهب رسول الله ﷺ إلى الغائط. فلما جاء، قدم له طعام. فقيل: يا رسول الله! ألا توضأ؟ قال: "لم أللصلاة؟ ".
٦٦٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء. فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء. قال وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث؛ أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ؟ قال: "ما أردت صلاة فأتوضأ" وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث.
-[المعنى العام]-
جاء الإسلام وسطا بين مادية اليهود ورهبانية النصارى، جاء بخيري الدنيا والآخرة، جاء باليسر والرفق في الأمور وكانت القاعدة "أوغل في الدين برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" جاء بصفاء الروح والتقشف والزهد، كما جاء بالتمتع بالمتع الدنيوية المباحة ﴿وابتغ فيما أتاك الله
стр. 1037
الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧] ويضرب الرسول ﷺ المثل الأعلى لأمته، والقدوة الصالحة الحسنة.
فيلازم الوضوء في عامة أحواله، ولا يخرج من الخلاء فيشتغل بأمر أهم من الوضوء، ويلحظ الصحابة هذه الملازمة، فيظنون التزامها، ويكاد يستقر في نفوسهم وجوبها، لكنه ﷺ رسول من أنفسنا، عزيز عليه عنتنا، حريص علينا بالمؤمنين رءوف رحيم، كان إذا واظب على أمر خالفه ولو مرة، خشية أن يفرضه الله على أمته فيعجزوا عنه، وليزيل من عقائدهم المشادة في الدين، ووجوب ما ليس بواجب، ومن هذا القبيل ما يحكيه هذا الحديث. لقد خرج من الخلاء، وانتهى من قضاء الحاجة ولم يتجه نحو الوضوء، بل وجد أهله قد أعدوا الطعام فاتجه إليه، فقال أصحابه: يا رسول الله إنك لم تتوضأ كعادتك، ألا تتوضأ قبل أن تأكل؟ فقال: إني لم أقصد الصلاة، وإنما يجب الوضوء عند إرادة الصلاة، وفي الوقت متسع، وإن لبدنك عليك حقا، والدين يسر، فيسروا ولا تعسروا، وإذا حضر العشاء والعشاء فقدموا العشاء على العشاء؛ ولا صلاة كاملة بحضرة طعام. فصلى الله وسلم عليه.
-[المباحث العربية]-
(كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) "على" بمعنى "في" أي في كل أوقاته، وفي جميع أحواله، متوضئا كان أو محدثا، جنبا أو غير جنب، والمقصود من "كل" الغالب والكثير، فلم يكن يذكر حين قضاء الحاجة، ولا وهو مستغرق في النوم مثلا.
(خرج من الخلاء) أصل الخلاء بفتح الخاء الموضع الخالي، وسمي به موضع قضاء الحاجة، لأنهم كانوا يقصدون المكان الخالي للحاجة، وخروجه ﷺ من الخلاء يشعر بأن هذا الموضع كان ميسورا مهيأ لذلك، حتى يدخل إليه صاحب الحاجة، ويخرج منه.
(فأتي بطعام) التعبير بالفاء للإشارة إلى الترتيب والتعقيب، وعدم الفصل بين الخروج من الخلاء والإتيان بالطعام بوضوء.
(فذكروا له الوضوء) معطوف على محذوف، أي فأقبل على الطعام، فظنوا أنه نسي أن يتوضأ قبل أن يأكل، فذكروه، بأن قالوا له: يا رسول الله. ألا تتوضأ قبل الطعام؟
(فقال: أريد أن أصلي فأتوضأ؟ ) الكلام على الاستفهام، والأصل: أأريد أن أصلي فأتوضأ؟ والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أريد أن أصلي حتى أتوضأ.
(فجاء من الغائط) "الغائط" في الأصل المنخفض من الأرض في الفضاء، وسمي به موضع قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا يقصدونه للتستر فيه، ومنه هذا الحديث وقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم
стр. 1038
من الغائط﴾ ثم اتسع فيه حتى صار يطلق على الخارج المعروف من دبر الآدمي. وليس مرادا هنا، لاحتمال أنه جاء من البول.
(ألا توضأ؟ ) أصله: ألا تتوضأ؟ فحذف إحدى التاءين، و"ألا" للعرض.
(أأصلي فأتوضأ)؟ أي أأريد الصلاة وأقصدها فأتوضأ لها؟ والاستفهام إنكاري كما سبق.
(إنك لم توضأ) أصله: إنك لم تتوضأ، والمقصود التذكير ليتوضأ.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اعلم أن العلماء مجمعون على أن للمحدث أن يأكل ويشرب ويذكر الله ، ويقرأ القرآن، ويجامع، ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السنة الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة.
وقد اختلف أصحابنا ﵏ في وقت وجوب الوضوء، هل هو بخروج الحدث ويكون وجوبا موسعا؟ أم لا يجب إلا بالقيام إلى الصلاة! أم يجب بخروج الحدث والقيام إلى الصلاة معا! ثلاثة أوجه، أصحها عندهم الثالث.
ثم قال: والمراد من الوضوء في هذا الحديث الوضوء الشرعي، وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغوي، وجعل المراد غسل الكفين، وحكي اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام، واستحبابه، وحكي الكراهة عن مالك والثوري -رحمهما الله تعالى- والظاهر ما قدمناه أن المراد الوضوء الشرعي. اهـ.
وسبب تذكير الصحابة لرسول الله ﷺ أنهم عهدوه إذا خرج من الخلاء توضأ وأنه كان محافظا على الوضوء في جميع أوقاته، وهو الداعي إلى مداومة الوضوء، لأنه سلاح المؤمن.
وإنما تركه ﷺ هذه المرة متعمدا البيان الجواز وتبليغ التشريع ورفع ما يمكن أن يحل بنفوس أصحابه أنه لا يجوز لمن خرج من الخلاء أن يأكل قبل أن يتوضأ.
أما ذكر الله تعالى فقد قال النووي: ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، فلا يسبح ولا يهلل، ولا يرد السلام ولا يشمث العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس، ولا يقول مثل ما يقول المؤذن، ولا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع، وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرك به لسانه. ثم قال: وهذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر في حال البول والجماع هو كراهة تنزيه لا تحريم، فلا إثم على فاعله، فقول عائشة "كان النبي ﷺ يذكر الله على جميع أحواله" مخصوص بما سوى هذه الأحوال، والكثير الغالب ينزل منزلة الكل.
والمقصود أنه ﷺ كان يذكر الله متطهرا ومحدثا وجنبا، وقائما وقاعدا ومضطجعا وماشيا.
стр. 1039
ثم قال: واختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض. فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعا، ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية، فإن الجميع يحرم، ولو قال الجنب: بسم الله أو الحمد لله، ونحو ذلك، إن قصد به القرآن حرم عليه؛ وإن قصد به الذكر، أو لم يقصد شيئا لم يحرم، ويجوز للجنب والحائض أن يجريا القرآن على قلوبهما، وأن ينظرا في المصحف، ويستحب لهما إذا أرادا الاغتسال أن يقولا: بسم الله، على قصد الذكر.
والله أعلم
стр. 1040
(١٥١) باب ما يقول إذا دخل الخلاء
٦٦٥ - عن أنس ﵁ (في حديث حماد كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وفي حديث هشيم أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الكنيف) قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
٦٦٦ - عن عبد العزيز بهذا الإسناد وقال "أعوذ بالله من الخبث والخبائث".
-[المعنى العام]-
يكتفى بما سيأتي في فقه الحديث
-[المباحث العربية]-
(اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) "الخبث" بضم الباء وإسكانها وجهان مشهوران، قال الخطابي: الخبث جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، قال: يريد ذكران الشياطين وإناثهم. اهـ. وقيل: الخبث الشياطين والخبائث المعاصي، وقيل: هما الشر. قال ابن الأعرابي: الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار.
-[فقه الحديث]-
ويسن إذا دخل الخلاء أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، فقد روى الجماعة أن رسول الله ﷺ كان يقول ذلك. وهذا في الأمكنة المعدة، وأما في غيرها فيسن أن يقول ذلك في أول الشروع في تشمير الثياب.
ويسن أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، فالاستغفار لترك الذكر حال قضاء الحاجة، ولما عساه أن يكون قد وقع من كشف أو خطأ. والحمد للإشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنة عظيمة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه
стр. 1041
من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وحق على من أكل ما يشتهيه، فسد به جوعته وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى غايته واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة خرج بسهولة، فزال الأذى. حق على من هذا شأنه أن يستكثر من حمد الله ﷻ وعظمت آلاؤه.
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
والله أعلم
стр. 1042
(١٥٢) باب نوم الجالس لا ينقض الوضوء
٦٦٧ - عن أنس ﵁ قال أقيمت الصلاة ورسول الله ﷺ نجي لرجل "وفي حديث عبد الوارث ونبي الله ﷺ يناجي الرجل) فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم.
٦٦٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلا. فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ثم جاء فصلى بهم.
٦٦٩ - عن أنس ﵁ قال كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون. ثم يصلون ولا يتوضئون قال قلت سمعته من أنس قال إي والله.
٦٧٠ - عن أنس ﵁ أنه قال أقيمت صلاة العشاء فقال رجل لي حاجة فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم (أو بعض القوم) ثم صلوا.
-[المعنى العام]-
كتب الله النوم على الإنسان راحة لبدنه من مشاق الحياة، وامتن عليه بهذه النعمة، فقال ﴿وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا﴾ [الفرقان: ٤٧] وقال ﴿وجعلنا نومكم سباتا﴾ [النبأ: ٩] أي راحة وانقطاعا عن العمل، وقطعا لكمال الإحساس والحياة، كما قال ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ [الأنعام: ٦٠].
ولما كان النوم بهذه المثابة كان شبيها بالإغماء في ضعف الإدراك والإحساس، مما يعلم بالبداهة والمشاهدة.
ولما كان كذلك كان النائم عرضة لأن يقع منه الحدث، وخروج الريح دون أن يشعر فمن باب الحيطة للعبادة رأى بعض الفقهاء أن النوم ناقض للوضوء، ورأى الآخرون أنه لا ينقض الوضوء، وأحاديث الباب مع الآخرين.
стр. 1043
-[المباحث العربية]-
(أقيمت الصلاة ورسول الله ﷺ نجي لرجل) أي يناجي رجلا ويناجيه رجل، وفي الرواية الرابعة "أقيمت صلاة العشاء فقال رجل" أي لرسول الله ﷺ "لي حاجة" أي لي مطلب أسر به إليك، فاستجاب له ﷺ فطالت المناجاة، ومازال يناجيه حتى نام القوم.
(فما قام إلى الصلاة) أي فما وقف موقف الصلاة، واستعد لها.
-[فقه الحديث]-
سبق في أول كتاب الطهارة وفي باب (١١٢) باب الوضوء من الحدث أن تكلمنا عن المذاهب في نقض النوم للوضوء، ونعيد ما قلناه هناك لطول العهد، فنقول: وقد اختلف العلماء في النوم على مذاهب ثمانية ذكرها النووي:
الأول: أنه لا ينقض الوضوء على أي حال، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب والشيعة الإمامية، واستدلوا بما رواه أبو داود ومسلم والترمذي عن أنس قال "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون".
الثاني: أن النوم ينقض الوضوء بكل حال: قليله وكثيره، وهو مذهب الحسن البصري والمزني وابن المنذر، واستدلوا بما رواه أحمد والنسائي والترمذي عن صفوان بن عسال قال "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم" فذكر الأحداث التي ينزع منها الخف، وعد من جملتها النوم، وجعله مقترنا بالبول والغائط اللذين هنا ناقضان بالإجماع، كما استدلوا بما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ" لم يفرق بين قليل النوم وكثيره ولا بين حال للنائم وحال أخرى.
الثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بكل حال، وهو مذهب الأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. واستدلوا بحديث أنس السابق، وحملوا ما فيه على قليل النوم.
الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع والساجد والقائم والقاعد مستلقيا على قفاه انتقض، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وهو قول غريب للشافعي، واستدلوا بما رواه البيهقي "إذا نام العبد في سجوده باهى الله به الملائكة".
الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، وهو مروي عن أحمد، ولعل وجهه أن الركوع والسجود مظنة للانتقاض.
السادس: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد وهو مروي أيضا عن أحمد.
стр. 1044
السابع: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، ونسب إلى أبي حنيفة.
الثامن: أنه إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينقض، سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي، وعنده أن النوم ليس حدثا في نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح، قال النووي: وهذا أقرب المذاهب عندي، وبه يجمع بين الأدلة. اهـ.
والله أعلم
стр. 1045
كتاب الصلاة
стр. 1046
(١٥٣) بدء الأذان
٦٧١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات وليس ينادي بها أحد فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم قرنا مثل قرن اليهود فقال عمر أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ قال رسول الله ﷺ "يا بلال قم فناد بالصلاة".
-[المعنى العام]-
كان المسلمون بمكة قليلي العدد، يستخفون كثيرا في صلاتهم، ولا يكادون يجتمعون، وإذا اجتمعوا ترقبوا دخول الوقت، وقدروا حينه وزمنه، ثم قاموا إلى الصلاة، دون أذان أو إقامة، فلما هاجر رسول الله ﷺ وبنى المسجد النبوي، وكثر الناس، ولم يعودوا يخشون الجهر بالعبادات استشار رسول الله ﷺ أصحابه في وسيلة يجمع بها الناس للصلاة، فقال بعضهم: نرفع راية، فإذا رآها المسلمون علموا أنه قد حان وقت الصلاة فجاءوا، ورد هذا الاقتراح، لأن الذين يرون الراية قلة من المسلمين، ثم هي لا ترى بالليل فلا تنفع للإعلان عن وقت العشاء والفجر، قال بعضهم: نوقد نارا عند حلول وقت الصلاة، قال ﷺ : إن رفع النار من فعل المجوس، ولا نحب أن نقتدي بهم، قال آخر: نتخذ بوقا، ننفخ فيه، فيرتفع الصوت، فيسمعه من يريد الصلاة، قال ﷺ : اتخاذ البوق من فعل اليهود ولا نحب أن نفعل مثلهم. قال رابع: نتخذ ناقوسا، نضربه عند حلول وقت الصلاة قال ﷺ : اتخاذ الناقوس من فعل النصارى، وسكت ﷺ يفكر، أليس النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا؟ أليست المشابهة في عمل من أعمالهم أقل خطرا على المسلمين من مشابهة غيرهم؟ لم لا نتخذ ناقوسا حتى يأتي أمر الله؟ فأمر ﷺ بصنع ناقوس، قال عمر: لا نتشبه بالمجوس ولا باليهود ولا بالنصارى، وينبغي أن نبعث رجلا إلى مكان مرتفع، أو إلى باب المسجد، ينادي، يجمع الناس للصلاة. ورضي رسول الله ﷺ بهذه المشورة، فقال: يا بلال. قم وناد بالصلاة، فقام بلال إلى باب المسجد ونادى بأعلى صوته الحسن: الصلاة جامعة. الصلاة جامعة.
وانصرف الصحابة إلى بيوتهم تلك الليلة، وهم مشغولون بما دار من حديث، وفيهم عبد الله بن زيد، قال: انصرفت وأنا مهتم لهم رسول الله ﷺ ، فرأيت في منامي، وأنا بين النائم واليقظان رجلا يحمل ناقوسا في يده، فقلت يا عبد الله. أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. فقال: تقول:
стр. 1047
الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة. حي على الصلاة. حي على الفلاح. حي على الفلاح. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله [وعلمه الإقامة أيضا] فلما أصبح عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره بما رأى، وكان الوحي قد نزل مؤيدا الأذان، فقال ﷺ لعبد الله بن زيد: إنها لرؤيا حق قم مع بلال، فألق عليه ما رأيت. فليؤذن به، فإنه أندى منك صوتا، فقام، فجعل يلقى، وبلال يؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب، وكان قد رأى نفس ما يسمع، فخرج يجري يجر رداءه، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل هذا، فقال ﷺ : وما منعك أن تخبرنا؟ قال: سبقني عبد الله، قال. ﷺ : ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: ٤٣].
-[المباحث العربية]-
(كتاب الصلاة) الصلاة لغة الدعاء، وقيل الرحمة، وعرفا أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة. وهل هي مأخوذة من الصلاة بمعنى الدعاء لاشتمالها عليه؟ أو من الصلاة بمعنى الرحمة لأنها سببها؟ الأول قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم، وقيل: مشتقة من الصلة، لأنها صلة بين العبد وربه، ويرد هذا بأن الصلة معتلة الفاء، لأنها مصدر "وصل" والصلاة معتلة اللام، وقيل: مشتقة من صليت العود على النار إذا أقمته وقومته، لأنها تقوم العبد على الطاعة كما قال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ورد هذا بأن صليت العود على النار يائي والصلاة واوي.
وقيل مشتقة من الصلوين، وهما عرقان من الردف، أو عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، قالوا: ولهذا كتبت الصلاة بالواو في المصحف، ورد هذا بأنه والحالة هذه من الجوامد، وقيل غير ذلك مما هو بعيد.
(بدء الأذان) أصل الأذان الإعلام، يقال فيه الأذان والأذين والتأذين قاله الجوهري.
وقال الأزهري: يقال أذن المؤذن تأذينا وأذانا، أي أعلم الناس بوقت الصلاة، فوضع الاسم موضع المصدر، قال: وأصله من الأذن كأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة.
(كان المسلمون حين قدموا المدينة) مهاجرين من مكة.
(فيتحينون الصلوات) أي يقدرون أحيانها، ليأتوا إليها، والحين الوقت والزمان.
(وليس ينادي بها أحد) الجملة حالية من "الصلوات" ورواية البخاري "ليس ينادى لها" واسم "ليس" ضمير الحال والشأن والجملة خبرها.
стр. 1048
(اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى) كان ناقوس النصارى أولا خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، فتحدث صوتا، ثم صاروا إلى الناقوس المعروف اليوم في الكنائس والمدارس.
(وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود) "قرنا" مفعول به لفعل محذوف، أي اتخذوا قرنا، والقرن والبوق أسطوانة واسعة من الطرف البعيد، ضيقة من الطرف الذي ينفخ فيه، تضخم الصوت وترفعه، وهو مستعمل في الجيش، وفي بعض النداءات الشعبية، ويقال له "الصور" و"الشابور".
(أو لا تبعثون رجلا) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي أتقتدون بالنصارى واليهود ولا تبعثون رجلا؟ فالهمزة لإنكار الجملة الأولى وتقرير الجملة الثانية، توبيخا على القول باللاقتداء بأهل الكتاب، وحثا وبعثا على الاستقلال بالنداء. ومراده من النداء الإعلام بالصلاة بأي لفظ، لا بلفظ الأذان، وسيأتي في فقه الحديث زيادة إيضاح.
(يا بلال: قم فناد بالصلاة) قال القاضي عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقت الصلاة، لا بخصوص الأذان المشروع، اهـ وهذا قول حسن، لأن هذا القول كان قبل رؤيا الأذان، وهل المراد من الأمر بـ"قم" الوقوف؟ أو الذهاب إلى البعد؟ خلاف يأتي توضيحه.
-[فقه الحديث]-
ذكرنا في حديث الإسراء أن جماعة من العلماء ذهبوا إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما كان وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وأن بعضهم ذهب إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، وذكرنا أن المحققين من العلماء يرون أن الصلاة فرضت في الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١].
واختلف في السنة التي شرع فيها الأذان، والراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل: كان في الثانية، أما الأحاديث التي وردت بأن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة فهي ضعيفة لا تصح، وقد ذكر الطبراني منها عن ابن عمر عن أبيه قال: "لما أسري بالنبي ﷺ أوحى الله إليه الأذان، فنزل به، فعلمه بلالا" وذكر الدارقطني منها: "عن أنس أن جبريل أمر النبي ﷺ بالأذان حين فرضت الصلاة" وذكر ابن مردويه منها عن عائشة مرفوعا "لما أسري بي أذن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدمني، فصليت" وذكر البزار منها من حديث علي قال "لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابة يقال لها البراق، فركبها .... الحديث. وفيه، "إذ خرج ملك من وراء الحجاب، فقال: الله أكبر ... الله أكبر ... وفي آخره، ثم أخذ الملك بيده، فأم أهل السماء".
стр. 1049
قال الحافظ ابن حجر: والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك. اهـ.
وجمع القرطبي بأنه لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه، وجمع بعضهم بحمل الأذان فيها على المعنى اللغوي، وجمع آخرون بتعدد الإسراء، والحق أن كل ذلك تكلف وتعسف، والأخذ بما صح أولى، وحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ظاهر في أن الأذان إنما شرع بعد الهجرة: فإنه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقا.
وظاهر حديث الباب أن النداء الأول للصلاة الذي قام به بلال بني على كلامهم في طريقة الإعلام، وفي جلسة تشاورهم في ذلك، وعقب قول عمر الصادر عن رأيه "أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة" وهذا الظاهر حسن على أن يكون المراد بالنداء الإعلام المحض بحضور الوقت، لا خصوص الأذان المشروع، وقد أخرج ابن سعد في الطبقات أن اللفظ الذي كان ينادي به بلال للصلاة قوله "الصلاة جامعة" لكن الحديث على هذا لا يتعرض لبدء الأذان المشروع المعروف، بمعنى أنه لا يتعرض لألفاظه كيف جاءت؟ ومن جاء بها؟ وكيف أقرت؟ وإن تعرض للبدء به في الجملة.
والأحاديث التي تعرضت لذلك كثيرة، منها ما رواه أبو داود: "اهتم النبي ﷺ للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له: القنع -يعني الشبور- وقال زياد شبور اليهود فلم يعجبه ذلك [والشبور هو القرن] وقال: هو من أمر اليهود، فذكر له الناقوس، فقال هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد، وهو مهتم لهم رسول الله ﷺ ، فأرى الأذان في منامه، فغدا على رسول الله ﷺ ، فأخبره، فقال: يا رسول الله، أني لبين نائم يقظان إذ أتاني آت، فأراني الأذان -وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما، ثم أخبر النبي ﷺ فقال له: "ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت فقال رسول الله ﷺ : يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله فأذن بلال".
وما رواه أبو داود أيضا عن عبد الله بن زيد قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس، يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس. فقال: وما تصنع به. فقلت له: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: تقول: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة. حي على الصلاة. حي على الفلاح. حي على الفلاح. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال. ثم تقول: إذا أقمت الصلاة: الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة. حي على الفلاح. قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. فلما أصبحت. أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق، فقم مع
стр. 1050
بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه، ويؤذن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب ﵁، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما أرى. فقال ﷺ : فلله الحمد".
وروى ابن ماجه هذا الحديث غير أن فيه "وأمر بالناقوس فنحت" ولا تعارض بين هذه الرواية وبين قوله في الرواية السابقة "هو من أمر النصارى" لأن هذا القول كان ابتداء، ولما اضطر إلى اتخاذ شيء يجمع الناس به إلى الصلاة أمر أن يعمل، ولعله ﷺ اختار ناقوس النصارى لأنهم أكثر طواعية له ﷺ ، وأكثر مودة إليه من اليهود، قال تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ [المائدة: ٨٢].
قال الحافظ ابن حجر: قوله "وكان عمر قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما، ثم أخبر النبي ﷺ " لا يخالفه أن عبد الله بن زيد لما قص منامه، فسمع عمر الأذان "فجاء، فقال: لقد رأيت ..... " لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله، بل متراخيا عنه لقوله "ما منعك أن تخبرنا"؟ أي عقب إخبار عبد الله. فاعتذر بالاستحياء، فدل على أنه لم يخبر بذلك على الفور. اهـ.
ويبعد هذا الجمع الذي جمع به الحافظ ابن حجر سياق الرواية، إذ فيها "فكتمه عشرين يوما، ثم أخبر النبي ﷺ ، فقال له: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد، فافعله فأذن بلال".
فهذا السياق صريح في أن إخبار عمر لم يكن متراخيا عن إخبار عبد الله، والأولى أن يقال: لعل عمر رآه فلم يحفظه، فتردد وكتمه، وانتظر لعله يراه مرة أخرى أو ينزل به الوحي، وأشار على القوم بالنداء، أي نداء، حتى إذا سمعه خرج يؤيده، فعاتبه ﷺ على عدم الإخبار فاعتذر بأن الله أراد لعبد الله بن زيد أن يسبقه، فحصل له حينئذ الحياء من التأخير والخجل من التردد.
ويكون قوله "وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما ثم أخبر النبي ﷺ ، فقال: ما منعك أن تخبرني؟ فقال سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت" هذا القول معترض بين كلام عبد الله، إذ أتاني آت، فأراني الأذان، وبين فقال الرسول ﷺ : يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله ... إلخ ولو أنه أخر هذا الكلام المعترض لم يكن هناك توهم لإشكال.
وقد حاول القرطبي أن يجعل حديث الباب في بدء الأذان المعروف المشروع، وأن يجعل بالنداء في قول عمر "أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة" أي ينادي بالأذان المعروف، فقال: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدقه النبي ﷺ بادر عمر فقال: أو لا تبعثون رجلا ينادي أي يؤذن للرؤيا المذكورة؟ فقال النبي ﷺ "قم يا بلال" فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبي ﷺ ، فقص عليه، فصدقه فقال عمر .. إلخ. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: إن سياق حديث عبد الله بن زيد الذي رواه أبو داود يخالف ذلك، فإنه يدل
стр. 1051
على أن عمر لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. اهـ.
ولم يخرج البخاري ومسلم حديث عبد الله بن زيد كما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم لأنه ليس على شرطهما وإن كان صحيحا. والله أعلم.
وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، حيث إن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي إذ لا يؤمن عليها الخطأ، وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو لأنه ﷺ أمر بمقتضاها، لينظر أيقر على ذلك أم لا؟ ولا سيما لما رأى أن نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده ﷺ في الأحكام، وهو القول الراجح في الأصول.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح مما حكى الداودي عن ابن إسحاق "أن جبريل أتى النبي ﷺ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام". اهـ.
والحكمة في إعلام الناس بالأذان على غير لسانه ﷺ التنويه بقدره والرفع لذكره على لسان غيره. ليكون أقوى لأمره، وأفخم لشأنه، قاله السهيلي، وقال عنه الحافظ ابن حجر: حسن بديع.
وقد ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعائر الإسلام وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة.
والحكمة في اختيار القول له دون الفعل، سهولة القول وتيسره لكل أحد، في كل زمان ومكان.
وأما السبب في تخصيص بلال بالنداء والإعلام فقد جاء مبينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما في الحديث الصحيح، حديث عبد الله بن زيد، أن النبي ﷺ قال له: "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتا منك" قيل معناه أرفع صوتا، وقيل أطيب، وقيل أرفع وأطيب.
وذكر بعضهم مناسبة حسنة في اختصاص بلال بالأذان، فقال: إنما خص بذلك دون غيره؛ لأنه كان لما عذب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد. أحد. فجوزي بولاية الأذان المشتملة على التوحيد في ابتدائه وانتهائه. اهـ.
ومما كثر السؤال عنه. هل باشر النبي ﷺ الأذان بنفسه؟ قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع عند السهيلي "أن النبي ﷺ أذن في سفر، وصلى بأصحابه، وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبلة من أسفلهم" أخرجه الترمذي وقواه، ولكن وجدناه في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه الترمذي، ولفظه "فأمر بلالا فأذن" فعرف أن في رواية الترمذي اختصارا، وأن معنى قوله "أذن" أمر بلالا به. اهـ.
وفي حكم الأذان قال النووي: الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس بالنصوص الصحيحة والإجماع، ولا يشرع الأذان ولا الإقامة لغير الخمس بلا خلاف، سواء كانت منذورة، أو جنازة، أو سنة،
стр. 1052
وسواء سن لها الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء أم لا، كالضحى، ولكن ينادي للعيد والكسوف والاستسقاء: الصلاة جامعة، وكذا ينادي للتراويح: الصلاة جامعة، إذا صليت في جماعة، ولا يستحب ذلك في صلاة الجنازة على أصح الوجهين.
ثم قال: وفي الأذان والإقامة ثلاثة أوجه: أصحهما أنهما سنة. والثاني: فرض كفاية، والثالث: فرض كفاية في الجمعة، سنة في غيرها، ومما احتجوا به لكونهما سنة قوله ﷺ للأعرابي المسيء صلاته، افعل كذا وكذا، ولم يذكرهما، مع أنه ﷺ ذكر الوضوء، واستقبال القبلة، وأركان الصلاة، قال أصحابنا: فإن قلنا فرض كفاية فأقل ما يتأدى به الفرض أن ينتشر الأذان في جميع أهل ذلك المكان، فإن كانت قرية صغيرة، بحيث إذا أذن أحد سمعوا كلهم سقط الفرض بواحد، وإن كان بلدا كبيرا وجب أن يؤذن في كل موضع واحد، بحيث ينتشر الأذان في جميعهم، فإن أذن واحد فقط سقط الحرج عن الناحية التي سمعوه، دون غيرهم.
وحكى إمام الحرمين عن صاحب الإبانة أن فرض الكفاية يسقط بالأذان لصلاة واحدة في كل يوم وليلة، ولا يجب لكل صلاة، وقال ولم أر لأصحابنا إيجابه لكل صلاة. قال: ودليله أنه إذا حصل مرة في كل يوم وليلة لم يندرس الشعار. قال النووي: وهذا الذي ذكره خلاف ظاهر كلام جمهور أصحابنا، فإن مقتضى كلامهم وإطلاقهم أنه إذا قيل: إنه فرض كفاية وجب لكل صلاة، وهذا هو الصواب، وإذا قلنا: إن الأذان سنة حصلت بما يحصل به إذا قلنا فرض كفاية، والقول في الإقامة كالقول في الأذان في جميع ما ذكرناه.
ثم قال: والمشهور في مذهب الشافعية أنهما سنة لكل الصلوات في الحضر والسفر، للجماعة والمنفرد، لا يوجبان بحال، فإن تركهما صحت صلاة المنفرد والجماعة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وجمهور العلماء، وقال ابن المنذر: هما فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر.
قال: وقال مالك: تجب في مسجد الجماعة، وقال عطاء والأوزاعي: وإن نسي الإقامة أعاد الصلاة، وقال العبدري: هما سنة عند مالك، وفرض كفاية عند أحمد، وقال داود: هما فرض لصلاة الجماعة، وليسا بشرط لصحتها.
قال الحافظ ابن حجر: ومنشأ الخلاف أن مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها ﷺ بين أصحابه حتى استقر برؤيا بعضهم فأقره كان ذلك بالمندوبات أشبه، ثم لما واظب على تقريره، ولم ينقل أنه تركه، ولا أمر بتركه، كان ذلك بالواجبات أشبه. اهـ.
ثم قال النووي: وهل يسن للفوائت؟ ثلاثة أقوال: قال في الأم: يقيم لها ولا يؤذن، لأن الأذان للإعلام بالوقت، وقد فات الوقت، والإقامة لاستفتاح الصلاة، وذلك موجود: وقال في القديم: يؤذن ويقيم للأولى وحدها، ويقيم للتي بعدها، لأنهما صلاتان، جمعهما وقت واحد فكانتا بأذان وإقامتين، كالمغرب والعشاء بالمزدلفة فإن النبي ﷺ صلاهما بأذان وإقامتين. وقال في الإملاء: إن أمل اجتماع الناس أذن وأقام، وإن لم يؤمل أقام، لأن الأذان يراد لجمع الناس، فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان
стр. 1053
وجه، وإذا أمل له وجه قال أبو إسحاق: وهذا يقال للصلاة الحاضرة أيضا، إذا أمل الاجتماع لها أذن وأقام، وإن لم يؤمل أقام ولم يؤذن. اهـ.
وهذا الخلاف مبني على الخلاف في: هل الأذان حق الوقت، أو حق الفريضة؟ أو حق الجماعة؟ ثم قال النووي: والمنفرد في صحراء أو بلد يؤذن على المذهب، وقيل: لا يؤذن وقيل: إن رجا حضور جماعة أذن، وإلا فلا، وإذا قلنا يؤذن، فهل يرفع صوته؟ نظر. إن صلى في مسجد قد صليت فيه جماعة لم يرفع، لئلا يوهم دخول وقت صلاة أخرى، وإن لم يكن كذلك فوجهان.
وإن جمع بين صلاتين، فإن جمع بينهما في وقت الأولى منهما أذن وأقام للثانية، كما فعل النبي ﷺ بمعرفة، وإن جمع بينهما في وقت الثانية فهما كالفائتتين، لأن الأولى قد فات وقتها والثانية تابعة لها.
ولا يجوز الأذان لغير الصبح قبل دخول الوقت، لأنه يراد للإعلام بالوقت، فلا يجوز قبله، وأما الصبح فيجوز أن يؤذن له بعد نصف الليل، لقول النبي ﷺ "إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" لأن الصبح يدخل وقتها والناس نيام، وفيهم الجنب والمحدث، فاحتيج إلى تقديم الأذان، وأما الإقامة فلا يجوز تقديمها على الوقت، لأنها تراد لاستفتاح الصلاة، فلا تجوز قبل الوقت. وبهذا قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز قبل الفجر.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - مشروعية التشاور في الأمور، لا سيما المهمة، وذلك مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء.
قال النووي واختلف أصحابنا: هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله ﷺ ؟ أم كانت سنة في حقه ﷺ ، كما في حقنا؟ والصحيح عندهم وجوبها، وهو المختار، قال الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩] والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء، ومحققو أهل الأصول أن الأمر للوجوب.
٢ - وأنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده، ثم صاحب الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة.
٣ - وأنه لا حرج على أحد من المتشاورين إذا أخبر بما أدى إليه اجتهاده ولو أخطأ.
٤ - وفيه أن المطلوب مخالفة أهل الباطل في أعمالهم.
٥ - وفيه منقبة عظيمة لعبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب ﵄.
٦ - وأن رؤيا المؤمن قد تكون حقا وصريحة.
٧ - وفيه مراعاة المصالح، والعمل بها، وذلك أنه لما شق عليهم التبكير إلى الصلاة، فتفوتهم أشغالهم، أو التأخير فيفوتهم وقت الصلاة نظروا في ذلك.
٨ - قال القاضي عياض: في قوله "يا بلال. قم فناد بالصلاة" حجة لشرع الأذان من قيام،
стр. 1054
وأنه لا يجوز الأذان قاعدا، قال: وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور، فإنه جوزه، ووافقه أبو الفرج المالكي. قال النووي: وهذا الذي قاله ضعيف لوجهين، أحدهما: أنا قدمنا عنه أن المراد بهذا الإعلام بالصلاة، لا الأذان المعروف، والثاني: أن المراد "قم" فاذهب إلى موضع بارز، فناد بالصلاة ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان لكنه يحتج للقيام في الأذان، بأحاديث معروفة غير هذا، وأما قوله: مذهب العلماء كافة أن القيام واجب، فليس كما قال بل مذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذن قاعدا بغير عذر صح أذانه، لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذن مضجعا مع قدرته على القيام صح أذانه على الأصح، لأن المراد الإعلام، وقد حصل، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء. اهـ.
وقال الأبي: أجاز مالك الأذان قاعدا لمن به علة، أو أذن لنفسه. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: والمشهور عند الحنفية كلهم أن القيام سنة، وأنه لو أذن قاعدا صح، والصواب ما قاله ابن المنذر من أنهم اتفقوا على أن القيام من السنة. اهـ.
٩ - قد يؤخذ من الحديث أن الأذان للرجال، وأنه لا يصح أذان المرأة. قال النووي في المجموع: لا يصح أذان المرأة للرجال. هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، ونقل إمام الحرمين الاتفاق عليه، وهناك وجه ضعيف بأنه يصح كما يصح خبرها، وأما إذا أراد جماعة نسوة الصلاة استحب لهن الإقامة، وكره لهن الأذان. لأن في الأذان ترفع الصوت وفي الإقامة لا ترفع، وقيل لا تستحب الإقامة لهن.
وقيل يستحب لهن الأذان والإقامة بشرط ألا ترفع صوتها فوق ما تسمع صواحبها، فإن رفعت فوق ذلك حرم كما يحرم تكشفها بحضرة الرجال، لأنه يفتتن بصوتها، وممن صرح بتحريمه إمام الحرمين والغزالي والرافعي، وقال السرخسي: رفع صوتها مكروه. اهـ.
١٠ - ويؤخذ من اختيار بلال وتعليل ذلك بحسن صوته في بعض الروايات استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه.
قال النووي: وهذا متفق عليه.
والله أعلم
(ملحوظة) للحديث صلة قوية بالحديث الآتي، وشرح كل منهما يتمم الآخر فليراجع.
стр. 1055
(١٥٤) باب ألفاظ الأذان والإقامة وشفع الأذان وإيتار الإقامة
٦٧٢ - عن أنس ﵁ قال أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة زاد يحيى في حديثه عن ابن علية فحدثت به أيوب فقال إلا الإقامة.
٦٧٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن ينوروا نارا أو يضربوا ناقوسا فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
٦٧٤ - حدثنا خالد الحذاء بهذا الإسناد لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا بمثل حديث الثقفي غير أنه قال أن يوروا نارا.
٦٧٥ - عن أنس ﵁ قال أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
٦٧٦ - عن أبي محذورة ﵁ أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان "الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله" ثم يعود فيقول "أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة (مرتين) حي على الفلاح (مرتين) زاد إسحق "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله".
-[المعنى العام]-
لزيادة الإعلام بوقت الصلاة، شرع تكرير ألفاظ الأذان، وأن تنطق كلماته مرتين وتعددت الجمل في الأذان ولم يكتف بجملة أو جملتين للمبالغة في تحقيق الغرض منه، وأختيرت هذه العبارات من الشرع الحكيم لما فيها من معان سامية يقول عنها القاضي عياض:
следующие страницы →