Полный текст (6 200 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
(ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد) أي لا يخلو الرجل إلى الرجل ولا يدخل معه في ثوب واحد.
(لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل) بضم العين وسكون الراء، وبكسر العين وإسكان الراء، وبضم العين وفتح الراء وتشديد الياء، قال النووي: وكلها صحيحة.
(كانت بنو إسرائيل) أي جماعتهم، وهو كقوله تعالى ﴿قالت الأعراب آمنا﴾ [الحجرات: ١٤] فتأنيث الفعل على قول من يقول: حكم ظاهر الجمع مطلقا حكم ظاهر المؤنث غير الحقيقي، وأما على قول من يقول: كل جمع مؤنث، إلا جمع السلامة المذكر فتأنيثه على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة.
(يغتسلون عراة) جمع "عار" كقضاة وقاض، وانتصابها على الحال.
(ينظر بعضهم إلى سوأة بعض) الجملة في محل النصب على الحال و"السوأة" العورة المغلظة، أي القبل والدبر، سميت بذلك لأن صاحبها يسوؤه كشفها.
(وكان موسى ﵇ يغتسل وحده) أي منفردا، فلفظ "وحده" حال على التأويل.
(إلا أنه آدر) بهمزة ممدودة؛ ثم دال ثم راء مخففتين. قال في المنتخب: الأدرة فتق يكون في إحدى الخصيتين، وفي المخصص لابن سيده: الأدرة الخصية العظيمة، وفي المحكم: الآدر والمأدور هو الذي يصيبه فتق في إحدى الخصيتين.
(فجمح موسى بإثره) قال ابن سيده: يقال: جمح الفرس بصاحبه جمحا وجماحا ذهب يجري جريا عاليا، وكل شيء مضى ليس على وجهه فقد جمح، والإثر بكسر الهمزة وسكون التاء، وبفتح الهمزة والثاء: البقية وما تخلف عن الشيء، أي مضى موسى مسرعا مقتفيا الحجر، ومتتبعا آثاره قبل أن يغيرها الريح، كناية عن السرعة وعدم الإمهال.
(يقول: ثوبي حجر. ثوبي حجر) "ثوبي" مفعول به لفعل محذوف أي أعطني ثوبي، أو رد لي ثوبي، و"حجر" منادى مبني على الضم في محل نصب، وفي رواية البخاري "ثوبي يا حجر" والجملة في محل نصب مقول القول، وجملة "يقول" في محل النصب على الحال من فاعل "جمح" قال الحافظ ابن حجر: وإنما خاطبه لأنه أجراه مجرى العقلاء، لكونه فر بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان فناداه.
(والله ما بموسى من بأس) "بموسى" خبر مقدم، و"بأس" مبتدأ مؤخر و"من" زائدة، والبأس: الشدة والضر، والمقصود ليس به ما كنا نظنه فيه من عيب خلقي.
(فقام الحجر حتى نظر إليه) أي توقف الحجر عن الجري حتى نظر القوم إلى موسى
стр. 982
وسوأته، أي لم يكتف برؤيتهم لموسى وهو يجري، بل أوقف الله الحجر وموسى عندهم ليتأكدوا من براءته مما آذوه به.
(فطفق بالحجر ضربا) "طفق" بكسر الفاء وفتحها، لغتان، وهي من أفعال المقاربة وتدل على الشروع، والباء زائدة، و"الحجر" مفعول به لفعل محذوف أي يضرب الحجر ضربا، والجملة خبر "طفق" والمعنى جعل وأقبل وصار ملتزما بضرب الحجر. قيل: يحتمل أنه أراد بضربه إظهار المعجزة بتأثير ضربه فيه، ويحتمل أنه أوحى إليه أن يضربه لإظهار المعجزة.
(إنه بالحجر ندب) اسم "إن" ضمير الحال والشأن، و"بالحجر ندب" خبر ومبتدأ والجملة خبر "إن" والندب بفتح النون والدال هو الأثر.
(ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر) "ستة أو سبعة" خبر مقدم و"ضرب موسى بالحجر" مبتدأ مؤخر، والباء زائدة في مفعول المصدر.
(لما بنيت الكعبة) أي لما بدأ بناؤها، والكعبة ذاك البيت المبني في الحرم المكي، سميت بذلك لعلوها وارتفاعها، ومنه الكعب للعظم البارز في القدم، وقيل: لاستدارتها وعلوها، ومنه قيل: للفتاة كاعب، إذا برز ثديها واستدار، وقيل: لأنها مكعبة الشكل طولها مثل عرضها مثل ارتفاعها.
(اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة) وفي رواية "على عنقك" وفي رواية "على منكبك" والعاتق ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر، وبعض العرب يؤنثه، وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا يعرف. وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تذكر وتؤنث:
وهاك من الأعضاء ما قد عددته ... يؤنث أحيانا وحينا يذكر
لسان الفتى، والعنق، والإبط، والقنا ... وعاتقه. والمتن والضرس يذكر
وعندي ذراع، والكراع، مع المعا ... وعجز الفتى، ثم القريض المحبر
كذا كل نحوي حكى في كتابه ... سوى سيبويه وهو فيهم مكبر
يرى أن تأنيث الذراع هو الذي ... أتى، وهو للتذكير في ذاك منكر
(فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء) أي فسقط رسول الله ﷺ إلى الأرض مغشيا عليه، أي مغمى عليه، وذلك لظنه انكشاف عورته، و"طمحت عيناه" بفتح الطاء والميم أي ارتفعت إلى السماء.
(لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة) "المنكب" بفتح الميم وسكون النون وكسر الكاف مجتمع رأس الكتف مع العضد، وجواب "لو" محذوف إن كانت شرطية، وتقديره: لكان أسهل عليك، وإن كانت للتمني فلا حذف، والمراد: وضع الإزار على المنكب ليكون حائلا بين الحجارة والكتف تخفيفا لصلابة الحجارة على الكتف.
стр. 983
(أقبلت بحجر أحمله ثقيل) "ثقيل" صفة "حجر" وجملة "أحمله" صفة أخرى، والصفة المفردة أولى بالتقديم من الجملة، لكنه هنا على خلاف الأولى.
(هدف) بفتح الهاء والدال: كل مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل.
(أو حائش نخل) قال النووي: بالحاء والشين، وقد فسره في الكتاب بحائط النخل وهو البستان، وهو تفسير صحيح، ويقال فيه أيضا: حش بفتح الحاء وضمها.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من هذه الروايات]-
١ - حرمة كشف العورة أمام الناس، وعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة، وعورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة. قال النووي: وفي السرة والركبة نفسيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها: ليستا بعورة، والثاني: هما عورة. والثالث: السرة عورة، والركبة ليست بعورة.
وعورة المرأة مع محرمها -وهو الذي لا يباح له نكاحها- ما بين السرة والركبة على الصحيح، وقيل: لا يحل له إلا ما يظهر في حال الخدمة والتصرف.
وعورة الرجل أمام محارمه ما بين السرة والركبة، وأما عورة المرأة مع الأجنبي فجميع بدنها، وعورة الرجل مع المرأة الأجنبية جميع بدنه كذلك. قاله النووي. اهـ.
وهذا الذي ذكره هو مذهب الشافعية، لم يشذ منهم عن ذلك إلا الإصطخري، حيث قال: إن عورة الرجل هي القبل والدبر.
كما أنه هو مذهب أبي حنيفة، ومالك في أصح أقواله، وأحمد في أصح روايتيه وأبي يوسف ومحمد وزفر.
وعن أحمد في إحدى الروايات، ومالك في رواية عنه أن عورة الرجل هي القبل والدبر فقط.
وبه قال أهل الظاهر وابن جرير، قال ابن حزم في المحلى: والعورة المفروض سترها عن الناظر وفي الصلاة من الرجال الذكر وحلقه الدبر فقط، وليس الفخذ منه عورة، وهي من المرأة جميع جسدها، حاشا الوجه والكفين فقط. اهـ. ومما احتجوا به الرواية السادسة والسابعة من روايات الباب، وفيهما أن النبي ﷺ حل إزاره، ووضعه على عاتقه، فكشف بذلك عن فخذيه.
كما احتجوا بما رواه البخاري "عن أنس أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ النبي ﷺ ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى أني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ".
قالوا: ظاهره أن المس كان بدون حائل، ومس العورة بدون حائل لا يجوز وحيث جاز المس لم تكن عورة، وقالوا: لو كانت الفخذ عورة ما حسر الإزار عنها.
стр. 984
كما احتجوا بما رواه الطحاوي عن حفصة قالت "كان رسول الله ﷺ ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر، فاستأذن، فأذن له ﷺ على هيئته ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه والنبي ﷺ على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له، ثم أخذ رسول الله ﷺ ثوبه فجلله، قالت: فقلت: يا رسول الله. جاء أبو بكر وعمر وعلي وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان جللت بثوبك، فقال: "أو لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة"؟ .
وأجاب الجمهور عن هذه الأدلة بأن روايتي بناء الكعبة كانت قبل النبوة، فقد قال ابن بطال: كان عمره ﷺ خمس عشرة سنة، وقال الزهري: لما بنت قريش الكعبة لم يبلغ النبي ﷺ الحلم، وقال هشام: بين بناء الكعبة والمبعث خمس سنين، والمشهور أن بناء الكعبة بعد تزوج خديجة بعشر سنين، فيكون عمره ﷺ إذ ذاك خمسا وثلاثين، فبناء الكعبة قبل البعثة، ولا يستدل بمثل هذا العمل في التشريع.
وأجابوا عن حديث أنس في خيبر بأنه ليس فيه التصريح بأن المس كان بدون حائل فلا يصح الاستدلال به لتطرق الاحتمال إليه، ولو سلم أنه كان بدون حائل فتلك كانت حالة زحام وشدة، فانكشاف الفخذ كان على غير قصد، يدل لذلك رواية مسلم "فانحسر الإزار عن فخذ رسول الله ﷺ "وفي بعض روايات البخاري "فحسر الإزار عن فخذ رسول الله" بالبناء للمجهول ولو سلم القصد فإن هذه قضية معينة في وقت خاص وحالة خاصة، يتطرق إليها من الاحتمال ما لا يتطرق للأحاديث الآتية التي تعطي حكما كليا بأن الفخذ عورة.
وأجابوا عن حديث الطحاوي بأنه على هذا الوجه غريب. قال أبو عمر: الحديث الذي رووه عن حفصة فيه اضطراب، وقال البيهقي: قال الشافعي: والذي روي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه. وقال الطبري: والأخبار التي رويت عن النبي ﷺ أنه دخل عليه أبو بكر وعمر، وهو كاشف فخذه واهية الأسانيد، لا يثبت بمثلها حجة في الدين، والأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ والنهي عن كشفها أخبار صحاح. اهـ.
وقد روى جماعة من أهل البيت حديث الطحاوي على غير الوجه الذي رواه. فقد أخرج مسلم عن سعيد بن العاص أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان ﵁ حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عمر ﵁، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف. قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر، كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ : إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلي في حاجته".
وأخرجه الطحاوي أيضا، وقال: فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلا. اهـ.
стр. 985
قال العيني: فإن قلت: روى مسلم أيضا في صحيحه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيته، كاشفا عن فخذيه -أو ساقيه- فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ ، وسوى ثيابه فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهش له، ثم دخل عمر فلم تهش له ولم تباله، فلما دخل عثمان جلست وسويت ثيابك؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"؟ قلت: قال الشافعي: إن هذا مشكوك فيه، لأن الراوي قال: "فخذيه أو ساقيه" وقال أبو عمر: هذا حديث مضطرب.
والأحاديث التي استدل بها الجمهور على عورة الفخذين كثيرة، منها ما أخرجه مالك في الموطأ وابن حبان في صحيحه، والترمذي وحسنه وصححه عن ابن جرهد الأسلمي عن أبيه أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي ﷺ "غط فخذك فإنها من العورة" ومنها ما رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن أبي كثير مولى محمد بن جحش ﵁ قال "كنت أصلي مع النبي ﷺ ، فمر على معمر وهو جالس عند داره بالسوق، وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر. غط فخذيك فإن الفخذين عورة" ومنها ما رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال "الفخذ عورة".
أما مذاهب العلماء في عورة المرأة فقد قال القاضي عياض من المالكية: وعورة المرأة على الأجنبي ما عدا الوجه والكفين. وقيل: ما عدا الوجه. اهـ وقال الأبي: قال أبو عمر: وقيل: ما عدا الوجه والكفين والقدمين.
قال القاضي عياض: وعورتها على ذي المحرم ما سوى الذراعين، وما سوى ما فوق المنحر، وعورتها على المرأة المسلمة عورتها على ذي محرم، وقيل كالرجل مع الرجل. ثم قال: وتستر الحرة في الصلاة ما سوى الوجه والكفين وقال أحمد: تستر حتى الظفر وأجمعوا على أنها تعيد الصلاة إن صلت منكشفة الرأس. واختلفوا في كشف بعضه، فقال الشافعي: إن كشفت بعضه تعيد، وقال أبو حنيفة: إن كشفت أقل من ربعه لم تعد، وكذلك أقل من ربع بطنها أو فخذها، وقال أبو يوسف: لا تعيد في أقل من النصف، وقال مالك: تعيد في الوقت في القليل والكثير من ذلك، وكذا لو صلت منكشفة الصدر والقدمين.
وعند المالكية خلاف طويل في ستر العورة في الصلاة، قيل: الستر فيها واجب وشرط في صحة الصلاة، والكشف حرام، وقيل: الستر واجب وليس شرطا في صحة الصلاة، وقيل: كشفها في الصلاة مكروه.
أما الشافعية والحنفية وعامة الفقهاء وأهل الحديث فإن ستر العورة عندهم فرض في الصلاة، وشرط في صحتها، فرضها ونفلها.
وأما كشف العورة في حال الخلوة ففيه خلاف. قال النووي: كشف الرجل عورته في حال الخلوة
стр. 986
بحيث لا يراه آدمي، فإن كان لحاجة، كحالة الاغتسال والبول ومعاشرة الزوجة ونحو ذلك جاز. قال العلماء: والتستر بمئزر ونحوه في حال الاغتسال في الخلوة أفضل من التكشف، وخالف فيه ابن أبي ليلى، وحرم التكشف في الخلوة، وكأنه تمسك بما رواه أبو داود أن النبي ﷺ رأى رجلا يغتسل عريانا وحده، فقال "إذا اغتسل أحدكم فليستتر" وبما أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وصححه الحاكم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا نبي الله، عوراتنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" قلت: يا رسول الله أحدنا إذا كان خاليا؟ قال "الله أحق أن يستحيا منه من الناس".
وحمله الجمهور على الندب والأفضل، واستدلوا على جواز الكشف خاليا بحديث موسى ﵇، ووجه الدلالة منه -على ما قال ابن بطال- أنه ممن أمرنا بالاقتداء به وقد اغتسل وحده عريانا. قال الحافظ ابن حجر: وهذا إنما يتأتى على رأي من يقول: شرع من قبلنا شرع لنا، والذي ظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ قص القصة، ولم يتعقب فدل على موافقتها لشرعنا، وإلا فلو كان فيها شيء غير موافق لبينه، فعلى هذا يجمع بين الحديثين، فيحمل حديث بهز بن حكيم على الأفضل، ورجح بعض الشافعية تحريم الكشف خاليا لغير حاجة. قال النووي: والزيادة على قدر الحاجة حرام على الأصح. قال الحافظ ابن حجر: والمشهور عند متقدميهم كغيرهم الكراهة فقط. اهـ. وتستر الرسول ﷺ في الغسل كما في الرواية الأولى والثانية، وفي البول كما في الرواية التاسعة محمول على الأفضل والكمال، أو على حالة خشية رؤية الناس.
قال النووي: ويتساهل كثير من الناس بالاجتماع في الحمام، فيجب على الحاضر فيه أن يصون بصره ويده وغيرها عن عورة غيره، وأن يصون عورته عن بصر غيره ويد غيره، ويجب عليه إذا رأى من يخل بشيء من هذا أن ينكر عليه، قال العلماء: ولا يسقط عنه الإنكار بكونه يظن أن لا يقبل منه، بل يجب عليه الإنكار إلا أن يخاف على نفسه وغيره فتنة اهـ.
وقد نقل ابن بطال عن أئمة الفتوى أن من دخل الحمام بغير مئزر تسقط شهادته بذلك، وهذا قول مالك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي ﵃ واختلفوا فيما إذا نزع مئزره ودخل الحوض وبدت عورته عند دخوله، فقال مالك والشافعي تسقط شهادته، وقال أبو حنيفة والثوري: لا تسقط شهادته، ويعذر، لأنه لا يمكن التحرز عنه. والله أعلم.
وأما نظر أحد الزوجين لعورة الآخر فقد قال النووي: لكل واحد من الزوجين النظر إلى عورة صاحبه جميعها إلا الفرج نفسه، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه مكروه لكل واحد منهما النظر إلى فرج صاحبه من غير حاجة، وليس بحرام، والثاني أنه حرام عليهما، والثالث أنه حرام على الرجل مكروه للمرأة، والنظر إلى باطن فرجها أشد كراهة وتحريما. اهـ.
وفي نظر عورة الأجنبي والأجنبية يقول النووي: ويحرم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل بالإجماع. ونبه ﷺ بنظر الرجل إلى عورة الرجل على نظره إلى عورة المرأة، وذلك بالتحريم أولى، فيحرم
стр. 987
عليه النظر إلى أي شيء من بدنها، وكذلك يحرم عليها النظر إلى أي شيء من بدنه، سواء كان نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها، وقال بعض أصحابنا: لا يحرم نظرها إلى وجه الرجل بغير شهوة.
وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة سواء كان نظره بشهوة أم لا، وسواء أمن الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، نص عليه الشافعي وحذاق أصحابه -رحمهم الله تعالى- ودليله أنه في معنى المرأة، فإنه يشتهي كما تشتهي، وصورته في الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثير منهم أحسن صورة من كثير من النساء، بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر، وهو أنه يتمكن في حقهم من طرق الشر ما لا يتمكن من مثله في حق المرأة. والله أعلم. قال: وهذا الذي ذكرناه من تحريم النظر هو فيما إذا لم تكن حاجة، أما إذا كانت حاجة شرعية فيجوز النظر كما في حالة البيع والشراء والتطيب والشهادة ونحو ذلك، ولكن يحرم النظر في هذه الحال بشهوة، فإن الحاجة تبيح النظر للحاجة إليه، وأما الشهوة فلا حاجة إليها قال أصحابنا: النظر بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد، حتى يحرم على الإنسان النظر إلى أمه وبنته بالشهوة. والله أعلم. اهـ.
٢ - ويؤخذ من قوله ﷺ "ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" تحريم لمس عورة غيره بأي موضع من بدنه، والنهي نهي تحريم باتفاق، والمقصود من الإفضاء المنهي عنه الإفضاء بدون حائل، ولما كان التجرد مظنة مس أحدهما عورة الآخر ومس العورة حرام كالنظر نهي عن الإفضاء في الثوب الواحد، سدا للذرائع.
٣ - ومن الرواية الأولى والثانية يؤخذ جواز اغتسال الإنسان بحضرة امرأة من محارمه، إذا كان يحول بينها وبينه ساتر من ثوب أو غيره.
٤ - وجواز تستر الرجال بالنساء.
٥ - ومن الرواية التاسعة يؤخذ استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة بحائط أو هدف أو شجر أو وهدة أو نحو ذلك، بحيث يغيب جميع شخص الإنسان عن أعين الناظرين.
٦ - ويستفاد من حديث أم هانئ سنة صلاة الضحى، وأنها ثماني ركعات.
٧ - ويؤخذ من قوله في الرواية السادسة "فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء" بعض ما أكرم الله نبيه ورسوله، وأنه ﷺ كان مصونا محميا في صغره عن القبائح وأخلاق الجاهلية.
٨ - ومن نفس الرواية ما جبل عليه ﷺ من الأخلاق الحسنة والحياء الكامل، حتى كان أشد حياء من العذراء في خدرها.
٩ - ومن حديث موسى ﵇ أخذ بعضهم أن شريعة بني إسرائيل كانت تجيز رؤية العورة، وإلا لما أقرهم موسى على ذلك، وإنما اغتسل موسى وحده استحياء، وأخذا بالأفضل، وأغرب ابن بطال فقال: هذا يدل على أنهم كانوا عصاة لموسى. اهـ وتبعه القرطبي على قوله، وأطال في ذلك.
стр. 988
١٠ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن الأنبياء في خلقهم وخلقهم على غاية من الكمال، وأن من نسب نبيا من الأنبياء إلى نقص في خلقته فقد آذاه ويخشى على فاعله الكفر.
١١ - وجواز المشي عريانا للضرورة. وقال ابن الجوزي: لما كان موسى في خلوة وخرج من الماء فلم يجد ثوبه تبع الحجر، بناء على أن لا يصادف أحدا وهو عريان، فاتفق أنه كان هناك قوم، فاجتاز بهم، كما أن جوانب الأنهار، وإن خلت غالبا، لا يؤمن وجود قوم قريب منها، فبني الأمر على أنه لا يراه أحد لأجل خلاء المكان، فاتفق رؤية من رآه، والذي يظهر أنه استمر يتبع الحجر على ما في الخبر، حتى وقف على مجلس لبني إسرائيل كان فيهم من قال فيه ما قال. وبهذا تظهر الفائدة، وإلا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة لم يقع في ذلك الموقع. اهـ.
ونقل ابن الجوزي عن النيسابوري أن موسى نزل إلى الماء مؤتزرا، فلما خرج تتبع الحجر، والمئزر مبتل بالماء، فعلموا عند رؤيته أنه غير آدر، لأن الأدرة تبين تحت الثوب المبلول بالماء. اهـ، قال الحافظ ابن حجر: إن كان هذا على سبيل الاحتمال احتمل، لكن المنقول يخالفه، لأن رواية أنس عند أحمد في هذا الحديث "أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يوارى عورته في الماء".
١٢ - استدل برؤيتهم جسد موسى على جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية لذلك، من مداواة أو براءة من عيب، كما لو ادعى أحد الزوجين على آخر البرص ليفسخ النكاح فأنكر.
١٣ - وفيه دلالة على معجزة موسى ﵇ من مشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل، وندائه للحجر، وتأثير ضربه فيه.
١٤ - وفيه ما غلب على موسى ﵇ من البشرية حتى ضرب الحجر.
١٥ - وفيه ما كان عليه الأنبياء ﵈ من تحمل الأذى والصبر على الجهال وأن العاقبة لهم على من آذاهم.
١٦ - ويؤخذ من حلف أبي هريرة جواز الحلف على الأخبار، وبخاصة الغريب منها.
стр. 989
(١٤٤) باب وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل
٦١٦ - عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه ﵁ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الأثنين إلى قباء. حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان. فصرخ به. فخرج يجر إزاره. فقال رسول الله ﷺ "أعجلنا الرجل" فقال عتبان: يا رسول الله! أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن. ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ "إنما الماء من الماء".
٦١٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "إنما الماء من الماء".
٦١٨ - عن أبي العلاء بن الشخير ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه بعضا. كما ينسخ القرآن بعضه بعضا.
٦١٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار. فأرسل إليه. فخرج ورأسه يقطر. فقال "لعلنا أعجلناك؟ " قال: نعم. يا رسول الله! قال "إذا أعجلت أو أقحطت. فلا غسل عليك. وعليك الوضوء". وقال ابن بشار: "إذا أعجلت أو أقحطت".
٦٢٠ - عن أبي بن كعب ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يصيب من المرأة ثم يكسل؟ فقال "يغسل ما أصابه من المرأة. ثم يتوضأ ويصلي".
٦٢١ - عن أبي بن كعب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "في الرجل يأتي أهله ثم لا ينزل قال يغسل ذكره ويتوضأ".
стр. 990
٦٢٢ - عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان. قال قلت: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن؟ قال عثمان: "يتوضأ كما يتوضأ للصلاة. ويغسل ذكره". قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ .
أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ .
٦٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها. فقد وجب عليه الغسل". وفي حديث مطر "وإن لم ينزل". قال زهير من بينهم "بين أشعبها الأربع".
٦٢٤ - عن قتادة بهذا الإسناد مثله غير أن في حديث شعبة "ثم اجتهد" ولم يقل "وإن لم ينزل".
٦٢٥ - عن أبي موسى ﵁ قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار. فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك. فقمت فاستأذنت على عائشة. فأذن لي. فقلت لها: يا أماه! (أو يا أم المؤمنين! ) إني أريد أن أسألك عن شيء. وإني أستحييك. فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك. فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت. قال رسول الله ﷺ "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل".
стр. 991
٦٢٦ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل. هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة. فقال رسول الله ﷺ "إني لأفعل ذلك. أنا وهذه. ثم نغتسل".
-[المعنى العام]-
كان العرب من المولعين بالنساء، وكانوا يكثرون من إتيانهن، وكان يشق على المسلمين اعتزال النساء أسبوع المحيض، فأذن لهم بمباشرتهن فيما فوق السرة وتحت الركبة، وصعب عليهم اعتزالهن في رمضان، وعلم الله أنهم كانوا يختانون أنفسهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأحل لهم ليلة الصيام الرفث إلى نسائهم، وأباح للرجل جمع أربع من النسوة، ولم يحارب الإسلام هذه النزعة الشهوانية مادامت في الحلال، اعتبرها مصدر الإعفاف للرجل والمرأة على السواء، وشرع الإسلام الغسل من دفق المني، وكثرت العملية الجنسية بإنزال وبغير إنزال، ولم يشأ الإسلام أول الأمر أن يوجب الغسل لمجرد الإيلاج، تخفيفا على الأمة، وتأليفا للقلوب، وتدرجا فيما يشق من التكاليف، وهو يقدر قلة الماء عند القوم وحاجتهم إلى ما عندهم منه في الطعام والشراب وضرورات الحياة لكن بعضهم التزمه ظنا أنه واجب على كل حال، وعملا بما فهم من قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] حيث يدرك تحقق الجنابة بالوطء ولو بدون إنزال لكن الرسول ﷺ بين لهم يسر الدين، وعدم وجوب الغسل في حالة الإكسال وتعددت الوقائع بخصوص هذا الأمر، تحكيها لنا روايات الحديث. ومنها ما رواه الإمام مسلم، أنه خرج ﷺ في بعض الأيام، ومعه بعض أصحابه، يقصد ضاحية من ضواحي المدينة، يقصد قباء، ومر في طريقه بمنازل بني سالم في أطراف المدينة، ورأى نفسه أمام منزل عتبان الأنصاري الصحابي الجليل، فناداه، وانتظر، وإذا به يخرج مسرعا، ورأسه يقطر ماء، وإزاره يجر خلفه، يحاول لفه حول وسطه قبل أن يصل، فنظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه وقال: لقد أعجلنا الرجل، وأخرجناه من حاجته قبل أن يقضيها، ثم التفت إليه وقال: لعلنا أعجلناك.
قال: نعم يا رسول الله إني كنت مع أهلي، فلما سمعت صوتك أقلعت، فاغتسلت، أخبرني يا رسول الله ﷺ لو أن الرجل أعجل عن أهله، فلم ينزل منيا، ماذا عليه؟ فقال ﷺ لا غسل عليه؛ إنما الغسل من المني.
ومنها ما رواه الطحاوي عن أبي هريرة من "أن النبي ﷺ بعث إلى رجل من الأنصار، فأبطأ عليه، فلما جاء قال له: ما حبسك؟ وما أخرك؟ قال: كنت حين أتاني رسولك على امرأتي، فقمت، فاغتسلت، فقال: كان عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل.
стр. 992
ومنها حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أبو يعلى "أن رسول الله ﷺ انطلق ذات يوم في طلب رجل من الأنصار، فدعاه، فخرج الأنصاري ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله ﷺ : ما لرأسك؟ فقال: دعوتني وأنا مع أهلي فخفت أن أحتبس عليك، فعجلت فقمت وصببت على الماء، ثم خرجت. فقال: هل كنت أنزلت؟ قال: لا. قال: إذا فعلت ذلك لا تغتسلن. اغسل ما مس المرأة منك. وتوضأ وضوءك للصلاة، فإن الماء من الماء".
ومنها حديث رافع بن خديج أخرجه الطبراني وأحمد قال: "ناداني رسول الله ﷺ وأنا على بطن امرأتي، فقمت، ولم أنزل منيا، فاغتسلت. فقال رسول الله ﷺ : لا عليك إنما الماء من الماء".
ومنها ما أخرجه ابن راشد في جامعه "أن النبي ﷺ سلم على سعد بن عبادة فلم يأذن له كان على حاجته، فرجع النبي ﷺ ، فقام سعد سريعا، فاغتسل، ثم تبعه، فقال: يا رسول الله. إني كنت على حاجة، فقمت فاغتسلت، فقال ﷺ : الماء من الماء".
ومضى الأمر على هذا حتى كانت أخريات أيام الرسول ﷺ ، وكان الإسلام قد أشرب في قلوب أهله، واستقر في نفوسهم، وحرص أكثرهم على التطوع والمبالغة في العبادات، ووسع الله عليهم في الثياب والخير والمياه، فجاءت الشريعة بوجوب الغسل على من أولج ولو لم ينزل، فقال ﷺ : "إذا التقى الختانان وجب الغسل". و"جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ماذا يفعل الرجل الذي يجامع أهله، ثم يكسل ولا ينزل؟ -وعائشة جالسة- فقال ﷺ عليه الغسل، إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل".
وتوفي رسول الله ﷺ وهذا الحكم الجديد لم ينتشر بعد، مما جعل الأنصار وبعض الصحابة يتمسكون بالحكم الأول، واتسعت دائرة الخلاف والجدل، واستفتى العامة الخاصة، فسأل زيد بن خالد الجهني عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن حكم الرجل يجامع أهله ثم يكسل، ولم يمن، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ كما يتوضأ للصلاة. سمعته من رسول الله ﷺ وسئل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، فأجابوا بما أحاب به عثمان، وسئل أبو هريرة فقال: إن نبي الله ﷺ قال: إذا جلس الرجل بين شعب المرأة الأربع وتمكن منها وأولج وجب الغسل وإن لم ينزل، وسئلت عائشة فقالت: إن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل"، وسئل أبي بن كعب فقال: إن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل".
واتسعت دائرة الخلاف أكثر وأكثر، وتعصب كل لرأيه، "فقد أخرج الطحاوي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قلت لإخواني من الأنصار: اتركوا الأمر، ولا داعي لهذا الجدل والتعصب، أرأيتم لو أننا اغتسلنا ونحن على ما نقول من أنه لا يجب الغسل؟ هل من ضرر؟ قالوا: لا والله لا نغتسل ولا تغتسل، حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله في الرجل يأتي امرأته ولا ينزل.
واجتمع رهط من المهاجرين والأنصار، وحمي النقاش بينهما في المسألة وبينهم أبو موسى الأشعري، فقال: لا ينبغي أن نختلف وبيننا من يعلم الأمر حق العلم، أنا أكفيكم المهمة، وأشفي داء الخلاف، وقام وذهب إلى عائشة أم المؤمنين، فاستأذن. فأذنت له بالدخول: فقال: يا أم المؤمنين
стр. 993
لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر، إني أعظم أن أستقبلك به، واستحيي أن أسألك فيه. فقالت: ما هو؟ لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك، إنني أمك وأم المؤمنين. فقال لها: الرجل يصيب أهله فيكسل ولا ينزل، فهل يجب عليه الغسل؟ قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال أبو موسى: لا أسأل أحدا عن هذا بعدك أبدا.
وبلغ القوم بما روي، لكن الجدل لم يتوقف، وبلغ عمر أن نساء الأنصار تدخلت في نشر الفتوى بعدم الغسل: فقام يخطب فقال: إن نساء الأنصار يفتين أن الرجل إذا جامع فلم ينزل فإن على المرأة الغسل، ولا غسل عليه، وإنه ليس كما أفتين، وإذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل.
وكان المفروض أن ينتهي كل شيء بخطبة الفاروق، لكنه بلغه أن زيد بن ثابت يفتي الناس برأيه في الغسل من الجنابة، فقال علي به. فجاء زيد، فلما رآه عمر قال: أي عدو نفسه. "قد بلغت أنك تفتي الناس برأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين. بالله ما فعلت، لكني سمعت من أعمامي حديثا فحدثت به، من أبي أيوب ومن أبي بن كعب ومن رفاعة بن رافع، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك؟ إذا أصاب أحدكم من المرأة فأكسل لم يغتسل؟ فقال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، فلم يأتنا فيه تحريم، ولم يكن من رسول الله ﷺ فيه نهي، قال عمر: ويعلم رسول الله ﷺ ذلك؟ فقال: لا أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا له، فشاورهم، فأشار كثير منهم: لا غسل، وقال معاذ وعلي: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال عمر: هذا وأنتم أصحاب بدر، وقد اختلفتم، فمن بعدكم أشد اختلافا. فقال علي: يا أمير المؤمنين. إنه ليس أحد أعلم بهذا الأمر من أمهات المؤمنين. أزواج النبي ﷺ ، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم إلي بهذا، فأرسل إلى عائشة. فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال عمر ﵁: لا أسمع برجل فعل ذلك ثم لم يغتسل إلا أوجعته ضربا، وجعلته نكالا. ولم ينكر ذلك عليه منكر، وصار إجماعا من الأمة وحسم الخلاف، ولم يشذ عن الجماعة إلا الظاهرية. والله أعلم.
-[المباحث العربية]-
(يوم الإثنين إلى قباء) مكان قريب من المدينة، وهو الذي استقبل فيه ﷺ من أهل المدينة يوم الهجرة، وفائدة ذكره وذكر يوم الأثنين في الحديث التوثيق من الرواية، وأنه متأكد من كل ما جاء فيها حتى الزمان والمكان "وقباء" بضم القاف ممدود مذكر مصروف، وفي لغة مؤنث غير مصروف، وفي ثالثة مقصور.
(فصرخ به) أي ناداه بصوت عال، وفي القاموس: الصرخة الصيحة الشديدة والصراخ كغراب: الصوت، أو شديده، وعليه يرجح كون المعنى: فناداه بصوت معتدل لأنه المناسب لمقام رسول الله ﷺ ووقاره، ولا يقال: إن تعجل عتبان دليل على أن الصرخة كانت عالية مزعجة، لأنا نقول: إن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يهتمون بلقائه، ويسارعون إليه، بمجرد العلم به وبمكانه ﷺ .
стр. 994
(فخرج يجر إزاره) قلنا: إن الإزار ثوب طويل، وإن شئت قلت: عرض من النسيج طويل، يلف حول الوسط، أعلاه فوق السرة، وأسفله تحت الركبة، فمعنى "خرج يجر إزاره" أي لم يكمل لفه، حتى إن طرفه الأخير يجر وراءه.
(أعجلنا الرجل) بندائنا، أي جعلناه يعجل، أي يسرع، والمراد من الرجل عتبان بكسر العين، وقيل بضمها، ولعل التعبير عنه بالرجل للإشارة إلى أنه كان في مهمة الرجولة مع الأنوثة، كأنه قال: أعجلنا رجولته.
(أرأيت الرجل يعجل عن امرأته) "يعجل" بضم الياء وسكون العين وفتح الجيم، مضارع "أعجل" بالبناء للمجهول، أي يدفع إلى العجلة والإسراع و"أرأيت" معناها أخبرني، عن طريق مجازين: أحدهما في همزة الاستفهام بإرادة مطلق الطلب بدلا من طلب الفهم، والثاني في الرؤية بإرادة المسبب عنها، وهو الإخبار، قال الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ "أخبرني" وجملة "يعجل" في محل النصب على الحال، وفي الكلام مضافان محذوفان، والمعنى: أخبرني عن حكم الرجل يضطر إلى العجلة والإسراع عن جماع امرأته.
(ولم يمن) الرواية بضم الياء وسكون الميم وكسر النون مضارع "أمني" أي ولم ينزل المني، وهذه اللغة هي الأفصح والأشهر، وبها جاء القرآن الكريم، قال الله تعالى ﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ [الواقعة: ٥٨].
وهناك لغة ثانية "يمنى" بفتح الياء، مضارع "منى" ولغة ثالثة "يمنى" بضم الياء وفتح الميم وتشديد النون، مضارع "منى" بفتح الميم وتشديد النون. حكاها أبو عمرو.
(ماذا عليه) أي ما الذي يجب عليه؟ الغسل؟ أم الوضوء؟
(إنما الماء من الماء) المراد من الماء الأول ماء الغسل، ومن الماء الثاني المني فـ"أل" فيه للعهد الذهني، وفيه جناس تام، و"من" للسببية، والمعنى: إنما يجب الغسل بسبب إنزال المني، والقصر المستفاد من "إنما قصر" إفراد، أي إثبات الحكم لشيء، ونفيه عن شيء آخر، لأن المخاطب كان يعتقد أن الغسل واجب بسبب الجماع وبسبب الإنزال، وليس قصرا حقيقيا، حتى ينفى الغسل عن الأسباب الأخرى كالحيض والنفاس.
(عن أبي العلاء بن الشخير) بكسر الشين والخاء المشددتين، وهو تابعي، ومراد مسلم بروايته هذا الكلام عن أبي العلاء أن حديث "الماء من الماء" منسوخ.
(ينسخ حديثه بعضه بعضا) "حديثه" بالرفع، فاعل "ينسخ" و"بعضه" بدل بعض من كل والتقدير: ينسخ بعض حديثه بعضا.
(كما ينسخ القرآن بعضه بعضا) الكاف بمعنى "مثل" صفة لمصدر محذوف و"ما" مصدرية، والتقدير نسخا مثل نسخه بعض القرآن بعضا.
стр. 995
(فخرج ورأسه يقطر) ماء، وهو كناية عن الغسل العجل، والخروج السريع قبل التنشيف.
(إذا أعجلت أو أقحطت) قال النووي: أما "أعجلت" فهو في الموضعين بضم الهمزة، وإسكان العين، وكسر الجيم، و"أما" "أقحطت" فهو في الرواية الأولى بفتح الهمزة والحاء، وفي الرواية الثانية بضم الهمزة وكسر الحاء، مثل "أعجلت" والروايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا عدم الإنزال، وهو استعارة من قحوط المطر، وهو انحباسه، وقحوط الأرض، وهو عدم إخراجها النبات. اهـ.
(يصيب من المرأة ثم يكسل) قال النووي: ضبطناه بضم الياء، ويجوز فتحها، يقال: أكسل الرجل في جماعه إذا ضعف عن الإنزال، وكسل أيضا بفتح الكاف وكسر السين والأول أفصح. اهـ. و"من" في "يصيب من المرأة" زائدة داخلة على المفعول، أو المفعول محذوف، والتقدير: يصيب لذة من جماع المرأة.
(يغسل ما أصابه من المرأة) أي يغسل الرطوبة التي أصابت عضوه من فرج المرأة.
(قال في الرجل يأتي أهله) كناية عن جماع الزوجة.
(سمعته من رسول الله ﷺ الضمير المنصوب فيه يرجع إلى ما ذكره عثمان من قوله "يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره" وذلك بتقديره بالمذكور، قال العيني: وهذا سماع ورواية، وقوله أولا فتوى. اهـ.
(إذا جلس بين شعبها الأربع) بضم الشين وفتح العين جمع "شعبة" وفي الرواية الأخرى "أشعبها" جمع الجمع، والشعبة الطائفة من كل شيء، والقطعة منه، والشعب النواحي. قاله ابن الأثير.
واختلفوا في المراد بالشعب الأربع، فقيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: الفخذان والرجلان، وقيل: الفخذان والشعران، واختار القاضي عياض أن المراد من الشعب الأربع نواحيها الأربع، واختار ابن دقيق العيد أن المراد بها اليدان والرجلان، أو الرجلان والفخذان، ويكون التعبير كناية عن الجماع، واكتفى بما ذكر عن التصريح، لأن القعود كذلك مظنة الجماع، وما قاله ابن دقيق العيد أرجح، لأنه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينها، والضمير في "إذا جلس" يعود إلى الرجل الواطئ المفهوم من المقام، وإن لم يسبق ذكره، كما في قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] كذلك الضمير في "شعبها" يعود إلى المرأة الموطوءة.
(ثم جهدها) بفتح الجيم والهاء، أي بلغ جهده فيها، وقيل: بلغ مشقتها يقال: جهدته وأجهدته إذا بلغت مشقته، قال القاضي عياض: الأولى أن يكون "جهدها" بلغ جهده في عملها، وإلا فأي مشقة تلحقها؟ وصححه بعضهم بقوله: إن المعنى أجهدها وكدها بحركته، وقيل: المعنى نكحها وجامعها، والجهد من أسماء النكاح.
стр. 996
وفي ملحق الرواية السابعة "ثم اجتهد" وهي تؤيد المعنى الأول، وأن الكد والمشقة للرجل.
(اختلف في ذلك رهط) الإشارة إلى وجوب الغسل بالإجماع وإن لم ينزل و"الرهط" الجماعة من الناس، من ثلاثة إلى عشرة.
(لا يجب الغسل إلا من الدفق أو الماء) "أو" للشك في أي اللفظين وقع عند الاختلاف، والمراد من كل من اللفظين المني، و"من" سببية.
(بل إذا خالط فقد وجب الغسل) المخالطة كناية عن المبالغة في الجماع واختلاط العضوين، قال الحربي: والخلط من أسماء الجماع.
(قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك) الفاء في جواب شرط مقدر أي إذا كنتم مختلفين فأنا أشفيكم من الخلاف، فالإشارة إلى الاختلاف في هذا الموضوع، كأنه داء، ورفعه دواء.
(يا أماه) منادى مضاف إلى ياء المتكلم، وأصله: يا أمي: قلبت ياء المتكلم ألفا وألحق به هاء السكت.
(وإني أستحييك) في القاموس: واستحيا منه واستحياه. اهـ يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، والمعنى: وإني ذو حياء منك.
(لا تستحيي أن تسألني) الرواية "تستحيي" بياءين، و"لا" نافية، والفعل مضارع "استحيا" مرفوع، والمصدر "أن تسألني" مفعول به، أو مجرور بحرف جر محذوف، كما سبق.
(قلت: فما يوجب الغسل؟ ) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا أذنت ورفعت حيائي فما موجبات الغسل للرجل؟
(قالت: على الخبير سقطت) معناه: صادفت خيبرا بحقيقة ما سألت عنه عارفا بخفيه وجليه، حاذقا فيه، وهذا القول منها يدل على أنها فهمت أن سؤاله عما يوجبه من الجماع، لفهمها ذلك عن طريق اختلاف الصحابة في المسألة وأصل المثل لأحد حكماء العرب، وبه تمثل الفرزدق حين لقيه الحسين، وهو يريد العراق للبيعة، وقال للفرزدق: ما وراءك؟ فقال: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والأمر ينزل من السماء، فقال الحسين: صدقتني.
(ومس الختان الختان) الختان للرجل قطع قطعة الكمرة المغطية للحشفة وللمرأة قطع جلدة من أعلى الفرج، تشبه عرف الديك، مجاورة لمخرج البول بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة. قيل: يطلق الختان للرجل والمرأة، بخلاف "الخفاض" فلا يقال إلا للمرأة وقيل: الختان للرجل والخفاض للمرأة، وعليه فالتثنية على سبيل التغليب وقاعدته رد الأثقل إلى الأخف والأدنى إلى الأعلى.
стр. 997
والمراد هنا الموضع الذي قطعت عنه الجلدة، فإن كان الختان يطلق على القطع، وعلى مكانه -كما قيل- فلا حذف، وإن كان معناه المصدر فالكلام على حذف مضاف، أي موضع الختان.
ومس الختان الختان كناية عن مغيب الحشفة، وليس المقصود حقيقة المس لأن ختان المرأة -كما قلنا- في أعلى الفرج، لا يمسه الذكر في الجماع، ولو وضع عليه فمسه، ولم تغيب الحشفة لا يجب الغسل بالإجماع، فمس الختان كناية عن إدخال الحشفة، ومثل هذا يقال في رواية "إذا التقى الختانان" ورواية "إذا جاوز الختان الختان" ورواية "إذا التقى الرفغان" -والرفغ ما حول فرج المرأة والأنثيين من الرجل- ورواية "إذا التقى المواسي" أي موضع المواسي، جمع موسى، آلة القطع وسيأتي إيضاح هذا الحكم في فقه الحديث.
-[فقه الحديث]-
قال النووي في شرح مسلم: اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال. ثم قال: فإيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرنا.
قال أصحابنا: ولو غيب الحشفة في دبر امرأة أو دبر رجل أو فرج بهيمة أو دبرها وجب الغسل، سواء كان المولج فيه حيا أو ميتا، صغيرا أو كبيرا، وسواء كان ذلك عن قصد أم نسيان وسواء كان مختارا أو مكرها أو استدخلت المرأة ذكره وهو نائم وسواء انتشر الذكر أم لا، وسواء كان مختونا أم أغلف، فيجب الغسل في كل هذه الصور على الفاعل والمفعول به، إلا إذا كان الفاعل أو المفعول به صبيا أو صبية، فإنه لا يقال وجب عليه، لأنه ليس مكلفا، ولكن يقال: صار جنبا، فإن كان مميزا وجب على الولي أن يأمره بالغسل، كما يأمره بالوضوء، فإن صلى من غير غسل لم تصح صلاته، وإن لم يغتسل، حتى بلغ وجب عليه الغسل وإن اغتسل في الصبا ثم بلغ لم يلزمه إعادة الغسل قال أصحابنا والاعتبار في الجماع بتغييب الحشفة من صحيح الذكر بالاتفاق، فإذا غيبها بكمالها تعلقت به جميع الأحكام ولا يشترط تغييب جميع الذكر بالاتفاق ولو غيب بعض الحشفة لا يتعلق به شيء من الأحكام بالاتفاق، إلا وجها شاذا منكرا متروكا، وأما إذا كان الذكر مقطوعا فإن بقي منه دون الحشفة لم يتعلق به شيء من الأحكام، وإن كان الباقي قدر الحشفة فحسب تعلقت الأحكام بتغييبه بكماله، وإن كان زائدا على قدر الحشفة، ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا: أصحهما أن الأحكام تتعلق بقدر الحشفة منه، والثاني لا يتعلق شيء من الأحكام إلا بتغيب جميع الباقي، ولو لف على ذكره خرقة، وأولجه في فرج امرأة، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح منها والمشهور أنه يجب عليهما الغسل، والثاني لا يجب، لأنه أولج في خرقة، والثالث إن كانت الخرقة غليظة تمنع وصول اللذة والرطوبة لم يجب الغسل وإلا وجب، ولو استدخلت المرأة ذكر بهيمة وجب عليها الغسل، ولو استدخلت ذكرا مقطوعا فوجهان أصحهما يجب عليها الغسل. والله أعلم.
стр. 998
وهذا الذي ذكره النووي تعبير عن مذهب الشافعية، أما غيره من المذاهب فيقول اللأبي عن المالكية: وفي سماع ابن القاسم ورواه مطرف: لا غسل على الوطء في الدبر، وروى إسماعيل: لا غسل على نائمة أو مكرهة إلا أن تلتذ، ولا تغتسل الكبيرة بوطء غير المراهق، واختلف في غسل الصغيرة من وطء الكبير؟ والصحيح الغسل. اهـ.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل بوطء البهيمة أو الميتة إلا بالإنزال. والله أعلم.
هذا وروايات الباب تصرح بخلاف وقع حول هذه المسألة بين الصحابة، بل اتخذ الخلاف مظهرا طائفيا، فبرز بين المهاجرين والأنصار، ومرجع هذا الخلاف الأحاديث التي لا توجب الغسل، كالروايات الأولى والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، والأحاديث التي توجبه كالروايات السابعة والثامنة والتاسعة.
ومن المجموعة الأولى ما أخرجه الطحاوي وابن ماجه عن أبي أيوب قال "بعث رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار، فأبطأ، فقال: ما حبسك؟ قال: كنت قد أصبت من أهلي فلما جاءني رسولك اغتسلت من غير أن أحدث شيئا، فقال رسول الله ﷺ : الماء من الماء والغسل على من أنزل" ومنها حديث رافع بن خديج "ناداني رسول الله ﷺ وأنا على بطن امرأتي، فقمت، ولم أنزل فاغتسلت، فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أمن فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ : لا عليك الماء من الماء" أخرجه الطبراني وأحمد، ومنها حديث عبد الله بن عبد الله بن عقيل، قال "سلم النبي ﷺ على سعد بن عبادة، فلم يأذن له، كان على حاجته، فرجع النبي ﷺ ، فقام سعد سريعا فاغتسل، ثم تبعه، فقال: يا رسول الله إني كنت على حاجة، فقمت فاغتسلت فقال النبي ﷺ الماء من الماء".
ومن المجموعة الثانية ما أخرجه الطحاوي والترمذي عن عائشة قالت "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ .
وممن رأى أنه لا غسل من الإيلاج في الفرج إن لم يكن هناك إنزال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود ورافع بن خديج وأبو سعيد الخدري وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري وابن عباس والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت وجمهرة الأنصار ﵃ وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وهشام بن عروة والأعمش والظاهرية ووجهة نظرهم الأحاديث الكثيرة الصريحة في عدم إيجاب الغسل إلا من الإنزال، ووجهة نظر الآخرين الأحاديث الموجبة للغسل إذا التقى الختانان، قالوا: والآية تعضد المنطوق في إيجاب الغسل فإنه تعالى قال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ قال الشافعي: إن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن فيه إنزال. قال: فإن كان من خوطب بأن فلانا أجنب عن فلانة عقل أنه أصابها وإن لم ينزل، ولم يختلف أن الزنا الذي يجب به الحد هو الجماع، ولو لم يكن معه إنزال، فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الإيلاج. اهـ.
وقالوا عن أحاديث عدم الغسل إنما كان ذلك رخصة للناس، فقد روى أبو داود عن أبي بن كعب
стр. 999
"أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد" وأخرجه أيضا البيهقي وأحمد، وكذا الترمذي، وقال حديث حسن صحيح وأخرجه أيضا ابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صالح لأن يحتج به.
فهذا دليل على أن تلك الأحاديث منسوخة، كما تصرح الرواية الثانية بأن الحديث كان ينسخ بعضه بعضا. قال النووي: وأما حديث "إنما الماء من الماء" فالجمهور من الصحابة ومن بعدهم قالوا: إنه منسوخ ويعنون بالنسخ أن الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطا، ثم صار واجبا. اهـ. وظاهر كلام النووي أن عدم وجوب الغسل في هذه الحالة ثابت بالبراءة الأصلية، والحكم الطارئ على البراءة الأصلية لا يسمى نسخا، وإلا كانت أكثر الأحكام الشرعية ناسخة، وهذا الذي قاله النووي بعيد، لأن مفهوم الحصر في قوله ﷺ "إنما الماء من الماء" إثبات وجوب الغسل من المني، ونفي وجوب الغسل عن الإيلاج بدون إنزال، فكأنه قال: لا غسل من غير إنزال المني، فالحكم الأول مستفاد من الحديث وليس من البراءة الأصلية.
وقد حاول البعض الوصول إلى هذا الحكم من غير احتياج للنسخ فابن عباس يرى أنه ليس بمنسوخ، بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤيا في النوم إذا لم ينزل، ففي الترمذي عن ابن عباس قال "إنما الماء من الماء في الاحتلام" وقد ذكر النسائي حديث "الماء من الماء" تحت ترجمة "باب الذي يحتلم ولا يرى الماء" مشيرا إلى تأويل ابن عباس بأن الحديث محمول على ما يقع في المنام من الاحتلام. ورد هذا الاحتمال بأن مورد الحديث "إنما الماء من الماء" في الجماع وليس في الاحتلام، والرواية الأولى في الباب صريحة في ذلك، لا تقبل التأويل ولعل ابن عباس لم يطلع على هذا الحديث بهذه الرواية ولا على الأحاديث الأخرى الصريحة بعدم وجوب الغسل عن الجماع بدون إنزال، كما يحاول البعض تأويل حديث عائشة وحديث أبي بن كعب ونحوهما يحملهما على ما إذا باشرها فيما دون الفرج، لكن هذه الاحتمالات بعيدة عن الصواب. قال العيني: عدم دعوى الاحتياج إلى القول بالنسخ غير صحيح، لأن المستنبطين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما وفقوا بين أحاديث هذا الباب المتضادة إلا بإثبات النسخ. اهـ.
قال النووي: واعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين. اهـ.
وقال ابن القصار: وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من تقدم، والإجماع يرفع الخلاف، وقد روي أن عمر حمل الناس على ترك الأخذ به حين اختلفوا [كما وضحته في المعنى العام] ولا يعلم من قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما روي عن الأعمش وداود. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث بالإضافة إلى ما تقدم]-
١ - استدل بعضهم بقوله "يغسل ما أصابه من المرأة" على نجاسة رطوبة فرج المرأة قال النووي:
стр. 1000
وبها خلاف معروف، والأصح عند بعض أصحابنا نجاستها، ومن قال بالطهارة يحمل الحديث على الاستحباب.
٢ - أخذ النووي من قوله في الرواية التاسعة "إني لأفعل هذا أنا وهذه ثم نغتسل" جواز ذكر مثل هذا بحضرة الزوجة، إذا ترتبت عليه مصلحة، ولم يحصل به أذى، وإنما قال النبي ﷺ هذه العبارة ليكون أوقع في نفس السائل، ولا يدخل هذا في النهي عن كشف ما يقع بين الرجل وزوجه.
٣ - وفيه أن فعله ﷺ للوجوب، ولولا ذلك لم يحصل جواب السائل به.
٤ - أخذ القاضي عياض من قوله في الرواية الثامنة "وإني أستحييك" حياء الصحابة من ذكر جماع النساء وهو مما يستحيا منه، لا سيما بحضرة النساء، ولا سيما عائشة ﵂ ومكادتها من التوقير.
٥ - ويؤخذ منه ذكاء عائشة ومركزها في الفتوى، وأثرها في نشر شطر الدين.
والله أعلم
стр. 1001
(١٤٥) باب الوضوء مما مست النار ومن لحوم الإبل
٦٢٧ - عن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "الوضوء مما مست النار".
٦٢٨ - قال ابن شهاب: أخبرني عمر بن عبد العزيز؛ أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره؛ أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد. فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها. لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول "توضئوا مما مست النار".
٦٢٩ - قال ابن شهاب: أخبرني سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وأنا أحدثه هذا الحديث؛ أنه سأل عروة بن الزبير عن الوضوء مما مست النار؟ فقال عروة: سمعت عائشة، زوج النبي ﷺ تقول: قال رسول الله ﷺ "توضئوا مما مست النار".
٦٣٠ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.
٦٣١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أكل عرقا (أو لحما) ثم صلى ولم يتوضأ ولم يمس ماء.
٦٣٢ - عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يحتز من كتف يأكل منها. ثم صلى ولم يتوضأ.
٦٣٣ - عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يحتز من كتف شاة. فأكل منها. فدعي إلى الصلاة. فقام وطرح السكين وصلى ولم يتوضأ.
стр. 1002
٦٣٤ - عن ميمونة زوج النبي ﷺ ﵂ أن النبي ﷺ أكل عندها كتفا ثم صلى ولم يتوضأ.
٦٣٥ - عن أبي رافع قال: أشهد لكنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن الشاة. ثم يصلي ولم يتوضأ.
٦٣٦ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ شرب لبنا. ثم دعا بماء فتمضمض وقال "إن له دسما".
٦٣٧ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ جمع عليه ثيابه ثم خرج إلى الصلاة. فأتى بهدية خبز ولحم. فأكل ثلاث لقم. ثم صلى بالناس. وما مس ماء.
٦٣٨ - عن محمد بن عمرو بن عطاء قال كنت مع ابن عباس وساق الحديث بمعنى حديث ابن حلحلة وفيه أن ابن عباس شهد ذلك من النبي ﷺ وقال "صلى" ولم يقل "بالناس".
٦٣٩ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ. وإن شئت فلا توضأ" قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال "نعم. فتوضأ من لحوم الإبل" قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا".
стр. 1003
-[المعنى العام]-
بدأ الإسلام في أمة أمية، وجماعات بدوية، فكان المسلمون الأولون غير حريصين على النظافة، بحكم العرف والعادة والبيئة، يأكلون الأرز والإدام واللحم والزبد بأيديهم، ثم يلعقون أصابعهم، ويمسحونها بما قرب منهم، ثم يمسحون أفواههم.
وجاء دين النظافة فأمر بالوضوء من كل حدث أصغر، والغسل من كل حدث أكبر، وبإزالة الروائح التي يتأذى منها المجتمع، جاء بالاستنجاء، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وبالمضمضة عند كل وضوء، وزيادة في الحث على النظافة أمر بالوضوء من أكل أو شرب ما مست النار، ومن المعروف أن الكثير من الطعام مطهي بواسطة النار، فقال ﷺ "توضئوا مما مست النار" وفهم بعض الصحابة من هذا الأمر الوجوب، وفهم بعضهم منه الندب وفهم آخرون أن المراد من الوضوء فيه الوضوء اللغوي وهو النظافة فعمل به على أساس غسل اليدين والفم. وساعد كلا ما فهم عمل الرسول ﷺ ، فأبو طلحة يراه يأكل ثور أقط، أي قطعة من اللبن المطبوخ على النار، فيتوضأ منه، وابن عباس يراه يأكل كتف الشاة مطهية على النار، ثم يصلي دون أن يتوضأ، وعمرو بن أمية الضمري يراه يقطع من كتف الشاة بالسكين ويأكل، ثم يدعي إلى الصلاة وهو على هذه الحال، فيطرح السكين من يده، ويصلي بالناس، ولا يتوضأ، وميمونة زوج النبي ﷺ تروي أنه أكل عندها كتف شاة مطهية على النار، وصلى ولم يتوضأ، وأبو رافع يشوي لرسول الله ﷺ بعض ما تحويه بطن الشاة، فيأكله، ثم يصلي، ولا يتوضأ، وابن عباس يراه يخرج للصلاة، فيقابل بهدية من خبز ولحم، فيأكل منها، ثم يصلي، ولا يمس ماء.
ويسأله رجل: أأتوضأ يا رسول الله من أكل لحوم الغنم؟ فيقول: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، فيسأله: أأتوضأ يا رسول الله من أكل لحوم الإبل؟ فيقول: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، ويثور الجدل بين الصحابة في هذا الحكم بعد وفاة رسول الله ﷺ ويناظر ابن عباس أبا هريرة، فيقول ابن عباس: لو وجب الوضوء مما مست النار لم يجز الوضوء بالماء الحار، وإنا نستحم بالماء المسخن ونتوضأ به، وندهن بالدهن المطبوخ، فيقول أبو هريرة يا ابن أخي. إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ فلا تضرب لذلك مثلا. ويقول ابن مسعود: لأن أتوضأ من الكلمة المنتنة أحب إلي من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة.
وينتهي الخلاف والنقاش والجدل بانتهاء الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعده على أنه لا يجب الوضوء مما مسته النار، عملا بحديث ابن عباس ﵁ "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار".
-[المباحث العربية]-
(الوضوء مما مست النار) الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والتقدير الوضوء
стр. 1004
واجب مما مست النار، أو مندوب مما مست النار، و"من" سببية، و"ما" اسم موصول، صفة لموصوف محذوف، وفي الكلام مضاف محذوف، والأصل: الوضوء مطلوب بسبب أكل الطعام الذي مسته النار.
(ابن قارظ) بالقاف وكسر الراء بعدها ظاء.
(يتوضأ على المسجد) أي يتوضأ على سطح المسجد، وكان يصلي على السطح أحيانا.
(إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها) "الأثوار" جمع "ثور" والثور -كما في القاموس- القطعة من الأقط، و"الأقط" بتثليث الهمزة وسكون القاف، وقد تحرك القاف بالكسر، على وزن كتف وإبل، وبالضم على وزن جل وهو طعام يتخذ من اللبن المخيض، ويطبخ على النار، وجملة "أكلتها" في محل الجر، صفة "أثوار" وفي الكلام قصر، طريقه "إنما" أي لا أتوضأ الآن من شيء سوى أكل أثوار.
(أكل كتف شاة) "الكتف" العظم بما فيه من لحم، وهي أنثى، والجمع أكتاف، يقال: "كتف" بفتح الكاف وكسر التاء، و"كتف" بكسر الكاف وسكون التاء، وقيل: هي عظم عريض خلف المنكب، وكتف الشاة أعلى يدها، وفي الكلام مضاف محذوف إن فسر الكتف بالعظم، أي أكل لحم كتف شاة.
(أكل عرقا أو لحما) بفتح العين وسكون الراء، وهو العظم عليه قليل من اللحم.
(يحتز من كتف يأكل منها) "يحتز" بالحاء وبالزاي، أي يقطع، وفي البخاري "يأكل ذراعا يحتز منها".
(فقام وطرح السكين) يذكر ويؤنث، يقال سكين جيد، وجيدة، وسميت سكينا لتسكينها حركة المذبوح. وحكى الكسائي سكينة.
(أشهد لكنت أشوي) "أشهد" في معنى القسم، و"لكنت أشوي" جوابه بتقدير "قد" لأن لام الابتداء لا تدخل على الماضي المجرد، وقد أجاز النحاة هذا الأسلوب على قلة.
(بطن الشاة) قال النووي: يعني الكبد وما معه من حشوها، وفي الكلام حذف تقديره أشوي بطن الشاة، فيأكل منه ثم يصلي ولا يتوضأ. اهـ.
(أصلي في مرابض الغنم)؟ بحذف همزة الاستفهام، و"المرابض" جمع "مربض" بفتح الميم وكسر الباء يقال: ربض في الأرض يربض من باب ضرب إذا لصق بها وأقام ملازما لها، واسم المكان "مربض" قال القاضي عياض: مرابض الغنم حيث تقيل أو تبيت، وقال الأبي: الربوض للغنم كالاضطجاع للإنسان والبروك للإبل. اهـ وفي رواية "أصلي في مباءة الغنم"؟ . والمباءة المنزل الذي تأوى إليه.
стр. 1005
(أصلي في مبارك الإبل؟ ) "المبارك" جمع "مبرك" وهو موضع بروك الجمل عند الماء أو في أي مكان، وفي رواية توضئوا من لحوم الإبل ولا تصلوا في مناخها" والمناخ بضم الميم المكان الذي تناخ فيه، وفي رواية "لا تصلوا في أعطان الإبل" و"الأعطان" جمع "عطن" وهو اسم لمبرك الإبل عند الماء، وفي رواية "أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر" و"المرابد" جمع "مربد" بالدال، وهي الأماكن التي تحبس فيها الإبل وغيرها من البقر والغنم.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: ذكر مسلم رحمه الله تعالى في هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، ثم عقبها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار، فكأنه يشير إلى أن الوضوء منسوخ. وهذه عادة مسلم وغيره من أئمة الحديث، يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة، ثم يعقبونها بالناسخ.
ثم قال: وقد اختلف العلماء في قوله ﷺ "توضئوا مما مست النار" فذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار، وممن ذهب إليه أبو بكر الصديق ﵁ وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وأنس وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأبي بن كعب وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وعائشة ﵃ أجمعين. وهؤلاء كلهم صحابة، وذهب إليه جماهير التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحق وأبي ثور وأبي خيثمة رحمهم الله تعالى.
وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي، وضوء الصلاة، بأكل ما مسته النار، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والزهري وأبي قلابة وأبي مجاز.
ثم قال: ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار.
وقال: واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار، وقد ذكر مسلم هنا منها جملة، وباقيها في كتب أئمة الحديث المشهورة. اهـ.
والجملة التي ذكرها مسلم هي الرواية الرابعة عن ابن عباس "أن النبي ﷺ أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ"، والرواية الخامسة عن ابن عباس "أن النبي ﷺ أكل عرقا أو لحما، ثم صلى ولم يتوضأ، ولم يمس ماء" والرواية السادسة عن عمرو بن أمية الضمري قال "رأيت رسول الله ﷺ يحتز من كتف شاة، فأكل منها، فدعى إلى الصلاة، فقام وطرح السكين، وصلى ولم يتوضأ" والرواية الثامنة عن ميمونة "أن النبي ﷺ أكل عندها كتفا، ثم صلى ولم يتوضأ" والرواية التاسعة عن أبي رافع قال: أشهد لكنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن الشاة، ثم يصلي ولم يتوضأ" والرواية الحادية عشرة عن ابن
стр. 1006
عباس "أن رسول الله ﷺ جمع عليه ثيابه، ثم خرج إلى الصلاة، فأتي بهدية -خبز ولحم- فأكل ثلاث لقم ثم صلى بالناس وما مس ماء" والرواية الثانية عشرة عن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ".
ومما ذكر في غير مسلم ما رواه الطبراني بإسناد حسن من طريق سليمان بن عامر قال: "رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار، ولم يتوضئوا" وما رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر قال "أكلت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان خبزا ولحما، فصلوا ولم يتوضئوا" وما أخرجه الطحاوي عن ابن مسعود وعلقمة أنهما خرجا يريدان الصلاة، فجيء بقطعة من بيت علقمة، فيها ثريد، ولحم، فأكلا، فمضمض ابن مسعود، وغسل أصابعه ثم قام إلى الصلاة" وعن ابن مسعود قال "لأن أتوضأ من الكلمة المنتنة أحب إلي من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة".
أما الأحاديث المقابلة الداعية إلى الوضوء مما مسته النار فمنها الرواية الأولى عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الوضوء مما مست النار" والرواية الثانية عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "الوضوء مما مست النار" والرواية الثانية عن أبي هريرة قال "سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا مما مست النار" والرواية الثالثة عن عائشة قالت: "قال رسول الله ﷺ : توضئوا مما مست النار".
ومما ذكر في غير مسلم، ما رواه الطحاوي عن أبي طلحة صاحب رسول الله ﷺ "أن النبي ﷺ أكل ثور أقط توضئوا منه" وما رواه الطحاوي والنسائي والطبراني عن زيد بن ثابت عن رسول الله ﷺ قال: "توضئوا مما غيرت النار" وما رواه الطحاوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ توضئوا مما غيرت النار ولو من ثور أقط" وما رواه الطحاوي عن سهل بن الحنفية قال: قال رسول الله ﷺ "من أكل لحما فليتوضأ".
ويجيب الجمهور عن هذه الأحاديث بتأويل الوضوء فيها بالوضوء اللغوي وليس الشرعي، أي النظافة وغسل الفم والكفين، وعلى فرض أن المراد بالوضوء الوضوء الاصطلاحي فإنه منسوخ بالأحاديث الأخرى الدالة على ترك الوضوء مما مسته النار، ولا يقال: إن النسخ يحتاج إلى ضبط التاريخ، وليس في مسلم ذكر للتاريخ، ولا ما يشير إليه، فقد ورد في الموطأ أن ترك الوضوء من ذلك كان بحنين، وهي متأخرة، كما روى أبو داود عن جابر قال "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار".
قال الحافظ ابن حجر نقلا عن ابن بطال: أمر ﷺ بالوضوء مما مسته النار لأنهم كانوا ألفوا في الجاهلية قلة التنظيف، فأمروا بالوضوء منه فلما تقررت النظافة في الإسلام وشاعت نسخ. اهـ.
وقد جمع ابن تيمية بين هذه الأحاديث المتعارضة بحمل الأمر بالوضوء على الاستحباب، وحمل أحاديث الترك على أنه ليس بواجب، حيث قال: وهذه النصوص -يعني الأحاديث الدالة على ترك
стр. 1007
الوضوء مما مست النار- إنما تنفي الإيجاب، لا الاستحباب ولهذا قال ﷺ للذي سأله: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، ولولا أن الوضوء من ذلك مستحب لما أذن فيه، لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة. اهـ. والله أعلم.
وظاهر الرواية الثانية عشرة أن أكل لحوم الإبل يوجب الوضوء، وكأن لحوم الإبل مستثناة مما مسته النار، إذ جاء في هذه الرواية "أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل" وإلى هذا ذهب الإمام أحمد وإسحق بن راهويه وابن المنذر وابن خزيمة، وفي توجيه هذا الحكم قال الدهلوي: والسر في إيجاب الوضوء من لحوم الإبل على قول من قال به أنها كانت محرمة في التوراة، واتفق جمهور أنبياء بني إسرائيل على تحريمها، فلما أباحها الله تعالى لنا شرع الوضوء منها لمعنيين:
أحدهما: أن يكون الوضوء شكرا لما أنعم الله علينا من إباحتها بعد تحريمها على من قبلنا.
وثانيهما: أن يكون الوضوء علاجا لما عسى أن يختلج في بعض الصدور من إباحتها بعد ما حرمها الأنبياء من بني إسرائيل، فإن النقل من التحريم إلى كونه مباحا يناسبه إيجاب الوضوء منه ليكون أقرب إلى اطمئنان نفوسهم. اهـ.
وقال الطحاوي: قد فرق قوم بين لحوم الغنم ولحوم الإبل، فأوجبوا في أكل لحوم الإبل الوضوء، ولم يوجبوا ذلك في أكل لحوم الغنم لما في لحوم الإبل من الغلظ، ومن غلبة ودكها على يد آكلها، وأباح أن لا يتوضأ من لحوم الغنم لعدم ذلك منها. اهـ.
وذهب الجمهور -ومنهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابه إلى أن أكل لحوم الإبل غير ناقض للوضوء.
وقالوا: إن المراد من الوضوء في الحديث الوضوء اللغوي، أي الغسل والتنظيف، وهو من لحوم الإبل آكد منه من غيرها من اللحوم. وقالوا: لما كان لحم الإبل فردا مما مسته النار، وقد نسخ وجوب الوضوء منه بجميع أفراده استلزم نسخ وجوبه من لحوم الإبل، فهو فرد من أفراد العام الذي نسخ، وإذا نسخ العام الذي هو وجوب الوضوء مما مست النار نسخ كل فرد من أفراده ومنه لحوم الإبل، وقالوا: إن الإبل والغنم سواء في حل بيعهما وشرب لبنهما وطهارة لحومهما، وأنه لا تفترق أحكامهما في شيء من ذلك، فاقتضى أن يكونا في أكل لحومهما سواء: فكما صح أنه لا وضوء من أكل لحوم الغنم فكذلك لا وضوء من أكل لحوم الإبل.
كما أن ظاهر الرواية الثانية عشرة جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعدم جوازها في مبارك الإبل، ومثل ذلك روى الترمذي عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" وروى أبو داود حديث البراء وفيه "سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشيطان" كما روى ابن ماجه عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت
стр. 1008
من الشيطان" وذكر الطبراني في الأوسط حديث أسيد بن حضير قال: قال رسول الله ﷺ "توضئوا من لحوم الإبل، ولا تصلوا في مناخها".
وذكر أبو يعلى في مسنده حديث طلحة بن عبيد الله قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها، ولا يصلي في أعطانها" وذكر أحمد في مسنده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ "كان يصلي في مرابض الغنم، ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر" وذكر أحمد والطبراني أيضا حديث يعيش الجهني قال: "عرض أعرابي لرسول الله ﷺ وقال: تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل، أفنصلي فيها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا".
ولا خلاف بين العلماء في أن الأمر بالصلاة في مرابض الغنم للإباحة وليس للوجوب اتفاقا، ولا للندب، وقد قصد بهذا الأمر الترغيب في تربية الغنم، بإبعادها في هذا الحكم عن حكم الإبل، إذ وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة والوقار.
وإنما الخلاف في النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، هل هو للتنزيه؟ أو للكراهة؟ أو للحرمة؟ وذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه أنه إذا صلى في أعطان الإبل فصلاته فاسدة وهو مذهب أهل الظاهر وكرهها الحسن البصري وإسحق وأبو ثور، وأحمد في رواية عنه.
والجمهور وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد، على جواز الصلاة في أعطان الإبل، وأن النهي للتنزيه.
وهذا الخلاف حيث لا يتصل المصلي بالنجاسة، فإن لم يكن بين المصلي وبين النجاسة حائل فإنه لا تجوز صلاته في أي مكان كان.
واختلفوا كذلك في سبب التفرقة بين مرابض الغنم وأعطان الإبل فقال شريك بن عبد الله: نهى عن الصلاة في أعطان الإبل لأن أصحابها من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول في مباركها، فينجسون بذلك أعطان الإبل، فنهى عن الصلاة فيها لذلك، لا لعلة الإبل، وإنما هو لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع، بخلاف مرابض الغنم، فإن أصحابها من عادتهم تنظيف مواضعها، وترك البول والتغوط فيها، فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك.
قال العيني: وهذا بعيد جدا، مخالف لظاهر الحديث: وقال الطحاوي: هذا التعليل يقتضي النهي عن الصلاة حيث يكون البول والغائط، سواء كان عطنا أو غيره.
وقيل: إن علة النهي هي كون أبوال الإبل وأرواثها تكون غالبا في معاطنها. قال العيني: وهذا أيضا بعيد، لأن مرابض الغنم تشركها في ذلك.
وقال يحيى بن آدم: إن العلة في اجتناب الصلاة في معاطن الإبل أن الإبل يخاف وثوبها، فتعطب من تلاقي حينئذ، فالمصلي في معاطنها يظل مشغولا بها بخلاف الغنم، لأنه لا يخاف منها ما يخاف من الإبل. اهـ وهذه العلة أقرب للقبول، ولا عبرة لاعتراض الطحاوي عليها بأنها تقتضي أن تكون الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس، سواء كانت في عطن أو في غير عطن وسواء كانت
стр. 1009
إبلا أو غير إبل، لأن الحق ذلك، وأن الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس، وهذا موطن من مواطن الخوف على النفوس والتنصيص عليه لا يمنع من إلحاق غيره به، حيث توجد العلة.
ولا عبرة أيضا لقوله: إن النظر يقتضي عدم التفرقة بين مرابض الغنم وأعطان الإبل، لأنا رأينا حكم لحم الإبل كحكم لحم الغنم في طهارته، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها، فالنظر يقتضي أن يكون حكم الصلاة في مواضع الإبل كحكمه في مواضع الغنم. اهـ. فإن ظاهر هذا القول معارضة الحديث الصحيح المصرح بالتفرقة.
ويصل بنا البحث إلى الكلام عن نجاسة أبوال الغنم والإبل أو طهارتها، وقد ذهب مالك إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه، وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن والإصطخري والروياني الشافعيان، وهو قول الشعبي وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين والحكم والثوري.
وذهب أبو داود بن علية إلى أن بول كل حيوان طاهر، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكوله، إلا بول الإنسان، فإنه نجس.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأبو ثور وكثيرون آخرون إلى أن الأبوال كلها نجسة إلا ما عفي عنه.
استدل القائلون بطهارته بما رواه البخاري وغيره في قصة العرنيين أنه ﷺ أمرهم أن يشربوا من أبوال اللقاح وألبانها. قالوا: لو كانت أبوال الإبل نجسة لحرم شربها، ولما أمر به ﷺ .
ويجيب المخالفون بأن ما في حديث العرنيين قد كان للضرورة، فليس فيه دليل على أنه يباح في غير حال الضرورة، لأن هناك أشياء أبيحت في الضرورات، ولم تبح في غيرها، كما في لبس الحرير، فإنه حرام على الرجال وقد أبيح لبسه في الحرب أو للحكة أو لشدة البرد إذا لم يجد غيره، وله أمثال كثيرة في الشرع.
ويحاول ابن بطال ومن يقول بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه أن يستدل على هذا الحكم بالرواية الثانية عشرة من روايات الباب. قالوا: لأن المرابض لا تسلم من البعر والبول، فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلواتهم، فلا تكون نجسة، ويجيب الشافعية ومن يقول بنجاسة الأبوال والأرواث باحتمال وجود الحائل، حينئذ، أو بعدم التيقن من وجود الأبوال والأرواث في مكان الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: الأصل الطهارة، وعدم السلامة من الأبوال والأرواث في مرابض الغنم غالب، وإذا تعارض الأصل والغالب قدم الأصل. اهـ.
ومن أدلة الشافعية عموم حديث "استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب أهل القبر منه" وهو ظاهر في تناول جميع الأبوال، وحديث أن النبي ﷺ حين أتى الغائط، وطلب ثلاثة أحجار، فأتي بحجرين وروثة، أخذ الحجرين ورد الروثة وقال: هو رجس أي نجس، والله أعلم.
стр. 1010
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - من الرواية العاشرة يؤخذ استحباب المضمضة من شرب اللبن، ومن التعليل بأن له دسما استحباب المضمضة من كل ما له دسم أو لزوجة أو بقايا تتعلق بالفم، وأما ما جاء في سنن أبي داود من "أنه ﷺ شرب لبنا ولم يتمضمض ولم يتوضأ" فهو محمول على الجواز، والأمر بالمضمضة من اللبن في رواية ابن ماجه، ولفظها "مضمضوا من اللبن، فإن له دسما" للاستحباب.
ومثل المضمضة غسل اليدين قبل الطعام وبعده، قال النووي: والأظهر استحباب غسل اليدين قبل الطعام، إلا أن يتيقن نظافة اليدين من النجاسة والوسخ، واستحباب غسلهما بعد الفراغ من الطعام إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام، بأن كان يابسا، أو لم يمسسه بها، كمن يأكل [بالشوكة والملعقة] ومالك يكره غسل اليدين قبل الطعام إلا أن يكون بها قذر، وبعده إلا أن يكون للطعام دسم يعلق باليد، أو رائحة كريهة كزفورة السمك، انتهى بتصرف.
٢ - ومن الرواية السابعة جواز قطع اللحم بالسكين للأكل، قال النووي: وذلك حين تدعو إليه الحاجة، كصلابة اللحم، أو كبر القطعة. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: وفي النهي عنه حديث ضعيف في سنن أبي داود، فإن ثبت خص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك، لما فيه من التشبه بالأعاجم وأهل الترف.
٣ - ومن الرواية الأولى جواز الوضوء في المسجد، قال النووي: وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على جوازه ما لم يؤذ به أحدا. اهـ.
٤ - ومن الرواية السابعة، من قوله: "فدعى إلى الصلاة" جواز، بل استحباب استدعاء الأئمة إلى الصلاة إذا حضر وقتها.
٥ - ومن قوله في الرواية نفسها "وصلى ولم يتوضأ" أن الشهادة على النفي تقبل، إذا كان المنفي محصورا مثل هذا. قاله النووي.
٦ - وفيها أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب.
والله أعلم
стр. 1011
(١٤٦) باب من تيقن الطهارة وشك في الحدث
٦٤٠ - عن سعيد وعباد بن تميم عن عمه ﵁ شكي إلى النبي ﷺ : الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. قال "لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا".
٦٤١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه. أخرج منه شيء أم لا. فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
-[المعنى العام]-
سبحان من خلق، ويعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير، خلق الإنسان وفي طبعه الشك والنسيان، ثم سلط عليه الشيطان الوسواس الخناس، ليقعد له من بين يديه ومن خلفه ليوسوس له، ويشككه في عبادته، ويخرجه من الإقبال على ربه وأمام هذين التيارين رسم له طريق العمل في حالة الحيرة وعدم الاهتداء، ولو أنه تركه في تخبطه لأصبحت حياته مزيجا من الوسوسة وخليطا من التردد والارتباك، رسم له قاعدة استصحاب الأصل، وطرح الشك، وإبقاء ما كان على ما كان، وتكفل جل شأنه، رحمة منه وفضلا، أن يعفو عن الخطأ، ويتقبل العمل على ذلك الوجه وإن وقع على خلاف أصله. فالمصلي الذي يخيل إليه أنه أحدث وخرج منه الريح المبطل للوضوء، المبطل للصلاة، لا ينبغي أن يخرج من صلاته، ولا أن يعتقد بطلانها، بل عليه أن يستصحب في نفسه طهارته التي دخل بها، وأن يطرح الشك الذي طرأ عليه، وأن لا ينصرف حتى يتيقن الحدث يقينا، لا يمازجه شك، يقينا ناشئا عن الحواس الموجبة للعلم، يقينا صادرا عن السمع أو الشم، فلا ينصرف حتى يسمع بأذنه صوت الضراط، أو يشم بأنفه ريح الفساء، أو يتأكد بواسطة حس آخر أنه أحدث. بهذا الطريق الشرعي المرسوم يسد المسلم على الشيطان أبواب ولوجه، ويدفع عن نفسه، أخطار الشك والتردد ويخطو إلى الإمام بعزم وثبات.
-[المباحث العربية]-
(عن عباد بن تميم عن عمه) أي عم عباد، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري، قال الحافظ ابن حجر: واختلف: هل هو عم عباد لأبيه أو لأمه. اهـ.
стр. 1012
(شكي إلى النبي ﷺ الرجل) قال النووي: "شكي" بضم الشين وكسر الكاف، و"الرجل" مرفوع، ولم يسم هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاري أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي، وينبغي ألا يتوهم بهذا أنه "شكى" مفتوحة الشين والكاف، ويجعل الشاكي هو المذكور، فإن هذا الوهم غلط. اهـ. وإنما كان هذا الوهم غلطا لأن "شكا" بفتح الشين والكاف بالألف، ليس لأن توهم كون السائل عمه خطأ، فرواية البخاري "عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه ... " إلخ قال الحافظ ابن حجر "شكا" بألف، ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وصرح بذلك ابن خزيمة ولفظه "عن عمه عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل ... " إلخ.
(شكى ... الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة) جملة "يخيل إليه" في محل النصب على الحال من "الرجل" أي شكى إليه حالة الرجل. و"يخيل" بضم أوله، وفتح الخاء، وتشديد الياء الثانية المفتوحة، وأصله من الخيال. قال الحافظ ابن حجر: والمعنى: يظن، والظن هنا أعم من تساوي الاحتمالين، أو ترجيح أحدهما، على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين، اهـ والمراد من الشيء الحدث، والعدول عن ذكره للأدب وصيانة اللسان عن المستقذر بخاص اسمه حيث لا ضرورة، ومعنى وجدانه الحدث ظن خروجه منه، وقوله "في الصلاة" قيد لبيان الواقع وحال الحادثة، وليس للاحتراز، فالحكم خارج الصلاة هو الحكم فيها على ما ذهب إليه الجمهور وجعله المالكية للاحتراز، وسيأتي شرحه في فقه الحديث.
(لا ينصرف) بالجزم على النهي، ويجوز الرفع، على أن "لا" نافية، ورواية البخاري "لا ينفتل أو لا ينصرف" بالشك من الراوي.
(حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) معناه حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. والمراد من سماع الصوت أو وجدان الريح الخارجين من مخرجه.
(إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا) أي ريحا يتحرك ليخرج.
(فأشكل عليه) أي فالتبس عليه أمره.
(فلا يخرجن من المسجد) أي من الصلاة، وليس المراد المكان المعد للصلاة للتصريح بذلك في الرواية الأولى، ولأنه لا يترتب على الحدث الأصغر الخروج من المسجد.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها، فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على
стр. 1013
الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة. هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، وحكي عن مالك ﵀ روايتان: إحداهما أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والثانية يلزمه على كل حال [أي سواء كان الشك أثناء الصلاة أو كان خارجها] قال الشافعية ولا فرق في الشك بين أن يستوي الاحتمالان في وقوع الحدث وعدمه، أو يترجح أحدهما، أو يغلب على ظنه، فلا وضوء عليه بكل حال، ويستحب له أن يتوضأ احتياطا فلو توضأ احتياطا ودام شكه فذمته بريئة، وإن علم بعد ذلك [أي بعد أن توضأ احتياطا] أنه كان محدثا، فهل تجزيه تلك الطهارة الواقعة في حال الشك؟ فيه وجهان للشافعية، أصحهما عندهم أنه لا تجزيه، لأنه كان مترددا في نيته.
وأما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين، وأما إذا تيقن أنه وجد منه -بعد طلوع الشمس مثلا- حدث وطهارة، ولا يعرف السابق منهما، فإن كان لا يعرف حاله قبل طلوع الشمس لزمه الوضوء، وإن عرف حاله ففيه أوجه لأصحابنا أشهرها عندهم أنه يكون بضد ما كان قبل طلوع الشمس، فإن كان قبلها محدثا فهو الآن متطهر، وإن كان قبلها متطهرا فهو الآن محدث، والوجه الثاني -وهو الأصح عند جماعات من المحققين- أنه يلزمه الوضوء بكل حال. الثالث يبنى على غالب ظنه، والرابع يكون كما كان قبل طلوع الشمس، ولا تأثير للأمرين الواقعين بعد طلوع الشمس، وهذا الوجه غلط صريح، إذا كيف يحكم بأنه على حالة تيقن بطلانها بما وقع بعدها؟ .
قال: ومن مسائل القاعدة المذكورة أن من شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة الماء النجس، أو نجاسة الثوب أو الطعام أو غيره، أو أنه صلى ثلاث ركعات أو أربعا، أو أنه ركع وسجد أم لا، أو أنه نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم هذا الحادث. انتهى بتصرف.
والروايات عن مالك ﵀ في هذه المسألة مختلفة، فقد روي عنه نقض الوضوء مطلقا، وروي عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها، وروى ابن نافع عنه: لا وضوء عليه مطلقا، كقول الجمهور، وروى ابن وهب عنه "أحب إلي أن يتوضأ".
ومشهور مذهب مالك -كما يقول القرطبي- النقض داخل الصلاة وخارجها، وحمل بعض أتباعه الحديث على من كان به وسواس، وتمسك بأن الشكوى لا تكون إلا عن علة، قال الحافظ ابن حجر: وأجيب بما دل على التعميم، وهو حديث أبي هريرة عند مسلم [روايتنا الثانية]، ولفظه "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
وقال العراقي: ما ذهب إليه مالك راجح، لأنه احتاط للصلاة، وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرئ. وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل. اهـ.
стр. 1014
قال الحافظ ابن حجر: وجوابه أن ذلك من حيث النظر قوي، لكنه مغاير لمدلول الحديث، لأنه أمر بعدم الانصراف إلى أن يتحقق، والنهي عن إبطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك، لأن هذا التخيل إن كان ناقضا خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك في الصلاة، كبقية النواقض. اهـ.
والله أعلم
стр. 1015
(١٤٧) باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
٦٤٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة. فماتت. فمر بها رسول الله ﷺ فقال: "هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتة. فقال: "إنما حرم أكلها".
٦٤٣ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ وجد شاة ميتة، أعطيتها مولاة لميمونة، من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ : "هلا انتفعتم بجلدها" قالوا: إنها ميتة فقال: "إنما حرم أكلها".
٦٤٤ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بشاة مطروحة. أعطيتها مولاة لميمونة، من الصدقة. فقال النبي ﷺ : "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟ ".
٦٤٥ - عن ابن عباس ﵄ أن ميمونة أخبرته؛ أن داجنة كانت لبعض نساء رسول الله ﷺ . فماتت. فقال رسول الله ﷺ : "ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به؟ ".
٦٤٦ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بشاة لمولاة لميمونة. فقال: "ألا انتفعتم بإهابها؟ ".
стр. 1016
٦٤٧ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".
بمثله.
٦٤٨ - عن أبي الخير قال: رأيت على ابن السبئي فروا. فمسسته. فقال: ما لك تمسه؟ قد سألت عبد الله بن عباس. قلت: إنا نكون بالمغرب. ومعنا البربر والمجوس نؤتى بالكبش قد ذبحوه. ونحن لا نأكل ذبائحهم. ويأتونا بالسقاء يجعلون فيه الودك. فقال ابن عباس: قد سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "دباغه طهوره".
٦٤٩ - عن ابن وعلة السبئي قال: سألت عبد الله بن عباس قلت: إنا نكون بالمغرب. فيأتينا المجوس بالأسقية فيها الماء والودك. فقال: اشرب. فقلت: أرأي تراه؟ فقال ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول "دباغه طهوره".
-[المعنى العام]-
إن الشريعة السمحة، التي تحل الطيبات وتحرم الخبائث، تدعو إلى الانتفاع بكل ما يمكن الانتفاع به، فليس معنى خبثه وتحريم أكله تحريم الاستفادة منه، ليس معنى تحريم أكل الميتة إبطال جميع منافعها، وإنما الذي حرم أكلها، محافظة على صحة الإنسان من خبث لحمها، أما الانتفاع بجلدها بعد الدبغ فعمل مشروع، وقد كان رسول الله ﷺ رجلا عمليا يضع القول عند العمل، وينتهز الفرصة والواقعة ليبين للأمة شريعتها الغراء، ويطبقها في بيته قبل أن يطالب بها الآخرين. رأى شاة ميتة في بيت زوجه ميمونة، أخرجوها وطرحوها في خربة مهجورة، فقال: ما هذه؟ قالوا: شاة أعطيتها مولاة زوجك ميمونة، فماتت فطرحناها، قال: كان خيرا أن تسلخوها وتأخذوا جلدها وتدبغوه وتنتفعوا به بشتى أنواع الانتفاع قالوا: إنها ميتة وقد حرم الله علينا الميتة؟ قال ﷺ إنما حرم الله أكل الميتة، ولم يحرم الانتفاع بجلدها، فسلخوها وأخذوا جلدها ودبغوه
стр. 1017
وانتفعوا به، واستفاد بجلد الميتة من علم، واستفهم من لم يعلم فهذا أبو الخير يجهل الحكم، ويرى ابن السبئي يلبس جلد شاة، فمسه متعجبا فقال ابن السبئي: لم تعجب؟ إنني استفتيت ابن عباس قبل أن أفعله، قلت له: إننا ببلاد فيها مجوس لا نأكل ذبائحهم، ولكنهم يأتوننا بالماء والشحم في قرب اتخذوها من جلود ذبائحهم التي هي في حكم الميتة، فماذا نفعل؟ قال ابن عباس: اشرب من قربهم وكل. قلت: أهذا رأي لك أو حكم الشريعة عن الرسول ﷺ ؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "دباغ الجلد طهوره".
-[المباحث العربية]-
(تصدق على مولاة لميمونة بشاة) "تصدق" بضم التاء والصاد، مبني للمجهول، وفي الرواية الثانية "أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة" وفي رواية للبخاري عن ابن عباس قال: "مر النبي ﷺ بعنز ميتة" قال الحافظ ابن حجر: العنز هي الماعزة، وهي الأنثى من المعز، ولا ينافي رواية "ماتت شاة" لأنه يطلق عليها شاة كالضأن. اهـ.
وعندي أن العنز غير الشاة، وحمل الروايتين على حادثتين مختلفتين أولى من حمل العنز والشاة على ذات واحدة.
(هلا أخذتم إهابها فدبغتموه) "هلا" بتشديد اللام حرف تحضيض، مختص بالجمل الفعلية الخبرية، وهي في دخولها على الماضي الذي لا يمكن تداركه للتنديم، لكنها هنا للتحضيض، لأن الماضي يمكن تداركه وعمله.
والإهاب بكسر الهمزة وتخفيف الهاء هو الجلد قبل أن يدبغ، وقيل: هو الجلد دبغ أو لم يدبغ، وجمعه "أهب" بفتحتين، ويجوز بضمتين، وفي الرواية الثانية "هلا انتفعتم بجلدها"؟
(إنها ميتة) بسكون الياء، ويجوز في غير الرواية تشديد الياء المكسورة، ففي القاموس: هي ميتة وميتة وميت، والميتة ما لم تحلقه الذكاة. اهـ وفي اللسان: وقيل: الميت بسكون الياء الذي مات، والميت بالتشديد والمأت بالهمز الذي لم يمت بعد. قال تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠].
(إنما حرم أكلها) "حرم" بضم الراء المخففة، وروي بضم الحاء وكسر الراء المشددة، والضمير في "أكلها" يعود للميتة، أي إنما حرم أكل الميتة، والقصر إضافي، وهو قصر إفراد، لأن المخاطبين كانوا يعتقدون حرمة الأكل والانتفاع.
(ألا أخذوا إهابها فدبغوه) "ألا" هنا بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف عرض وتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث.
стр. 1018
(أن داجنة كانت لبعض نساء رسول الله ﷺ يقال: دجن بالمكان يدجن دجونا أقام به وألفه، ودجن في بيته إذا لزمه، وبه سميت دواجن البيوت وهي ما ألف البيت من الشاء وغيرها، الواحدة داجن وداجنة، وظاهر هذه الرواية أن الشاة كانت لواحدة من أزواج النبي ﷺ ، والروايات الأخرى صريحة بأنها كانت لمولاة ميمونة، فإن كانت القصة واحدة كانت الرواية هنا على المجاز، فما كان لمولاة ميمونة هو لميمونة مجازا وإن كانت القصة مختلفة فلا مجاز وهو الظاهر، ففي البخاري عن ابن عباس عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: "ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها".
(إذا دبغ الإهاب فقد طهر) يقال: طهر الشيء بفتح الهاء وضمها لغتان، والفتح أفصح.
(رأيت على ابن السبئي فروا) ابن السبئي هو عبد الرحمن بن وعلة السبئي بفتح السين والباء بعدهما همزة ثم ياء النسب، والفرو بدون هاء هو الصحيح المشهور في اللغة، وجمعه فراء، ككعب وكعاب، ويقال فروة بالهاء كما يقولها العامة، وهي لغة قليلة حكاها ابن فارس.
(فمسسته) بكسر السين الأولى على اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة بفتحها، فعلى الأولى المضارع يمسه بفتح الميم، وعلى الثانية بضمها.
(ويأتونا بالسقاء) أصله ويأتوننا حذفت النون الأولى تخفيفا، والسقاء القربة من الجلد المدبوغ.
(يجعلون فيه الودك) بفتح الواو والدال، هو الشحم، قال النووي: هكذا هو في الأصول ببلادنا "يجعلون" بالعين بعد الجيم، وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر الرواة قال: ورواه بعضهم "يجملون" بالميم بعد الجيم، ومعناه يذيبون، يقال: يجملون بفتح الياء وضمها، لغتان، يقال: جملت الشحم وأجملته أذبته. اهـ.
-[فقه الحديث]-
اختلف العلماء في طهارة جلود الميتة بالدباغ على سبعة مذاهب:
أحدها: مذهب الشافعي، وهو أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا جلد الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما، وذلك لنجاسة عينهما في المذهب، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵄ وهو مذهب الأكثرين. ومجموع الأحاديث تؤيده، والرواية السادسة "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" صريحة في عموم المأكول وغير المأكول، ومن المعلوم أن نجس العين لا يطهر، والرواية السابعة والثامنة صريحة في طهارة ظاهر الجلد وباطنه بعد الدبغ، وصريحة في استعماله في الماء والودك.
стр. 1019
ثانيها: لا يطهر شيء من جلود الميتة بالدباغ. روي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة ﵁، وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك، وتمسكوا بحديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل مونه "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" أخرجه الشافعي وأحمد والأربعة، وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي وفي رواية الشافعي "قبل موته بشهر".
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه معارض للأحاديث الصحيحة له وأنها عن سماع، وهذا كتابة كتاب، وأنها أصح مخارج، بل طعن بعضهم فيه بالاضطراب، وأعله بعضهم بالانقطاع، وعلى فرض صحته وقوته يحمل على الجلد قبل الدبغ، فالإهاب هو الجلد قبل الدبغ على المشهور وأنه بعد الدبغ لا يسمى إهابا.
ثالثها: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحق بن راهويه، واحتجوا بأن الأحاديث وردت في الشاة، بل جزم الرافعي وبعض أهل الأصول بأن اللفظ العام "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ورد أيضا في شاة مولاة ميمونة، فلهذا السبب يقصر الجواز على المأكول، ويتقوى ذلك بأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو ذكي لم يطهر بالذكاة عند الأكثر، فكذلك الدباغ، وأجاب الجمهور بالتمسك بلفظ العموم، وأن العدرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبعموم الإذن بالمنفعة، ولأن الحيوان طاهر ينتفع به قبل الموت، فكان الدباغ بعد الموت قائما له مقام الحياة.
رابعها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات إلا جلد الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة، ولا يختلف عن مذهب الشافعي إلا في جلد الكلب.
خامسها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات بدون استثناء، إلا أنه يطهر ظاهر الجلد، دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلي عليه لا فيه وهذا مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابه عنه. والرواية السابعة والثامنة تعارضه، فإن جلود ما ذكاه المجوس نجسة، وقد نص على طهارتها بالدباغ واستعمالها في الماء والودك.
سادسها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات بدون استثناء طاهرا وباطنا، وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف.
سابعها: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو مذهب الزهري ووجه شاذ لبعض الشافعية، وقد يحتج له بالرواية الثانية والرابعة والخامسة "هلا انتفعتم بجلدها"؟ "ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به"؟ "ألا انتفعتم بإهابها"؟ حيث لم يذكر دباغها.
وأجاب الجمهور بأن هذه الروايات المطلقة، وأخواتها الباقيات مقيدة بالدبغ، وأن الدباغ طهور الجلد، فيحمل المطلق على المقيد.
هذا، ويجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه. ولا يحصل الدبغ بالتشميس عند الشافعية، ويحصل عند الحنفية ويحصل بالأدوية النجسة على الصحيح، ويجب غسله بعد الفراغ من الدباغ بلا خلاف.
стр. 1020
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - استدل بها على جواز بيع جلود الميتة، لأنها تجيز الاستمتاع والانتفاع وكل ما ينتفع به يصح بيعه، وما لا فلا.
٢ - أخذ ابن أبي جمرة من قولهم: "إنها ميتة" مراجعة الإمام فيما لا يفهم السامع معنى ما أمره، كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حرمت علينا؟ فبين له وجه التحريم.
٣ - وفيه حسن مراجعتهم وبلاغتهم في الخطاب، لأنهم جمعوا معاني كثيرة في كلمة واحدة، هي قولهم: "إنها ميتة".
٤ - وأخذ منها بعضهم جواز تخصيص الكتاب بالسنة، لأن لفظ القرآن: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال، فخصت السنة ذلك بالأكل. قاله الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يرد بأن المخصص هو قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥] حيث خصت التحريم بالأكل.
٥ - استدل بها ابن أبي جمرة على جواز تنمية المال، لأنهم نصحوا بأخذ جلد الميتة ودبغه والانتفاع به بعد أن كان مطروحا.
والله أعلم
следующие страницы →