Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
على أن عمر لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. اهـ.
ولم يخرج البخاري ومسلم حديث عبد الله بن زيد كما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم لأنه ليس على شرطهما وإن كان صحيحا. والله أعلم.
وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، حيث إن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي إذ لا يؤمن عليها الخطأ، وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو لأنه ﷺ أمر بمقتضاها، لينظر أيقر على ذلك أم لا؟ ولا سيما لما رأى أن نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده ﷺ في الأحكام، وهو القول الراجح في الأصول.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح مما حكى الداودي عن ابن إسحاق "أن جبريل أتى النبي ﷺ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام". اهـ.
والحكمة في إعلام الناس بالأذان على غير لسانه ﷺ التنويه بقدره والرفع لذكره على لسان غيره. ليكون أقوى لأمره، وأفخم لشأنه، قاله السهيلي، وقال عنه الحافظ ابن حجر: حسن بديع.
وقد ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعائر الإسلام وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة.
والحكمة في اختيار القول له دون الفعل، سهولة القول وتيسره لكل أحد، في كل زمان ومكان.
وأما السبب في تخصيص بلال بالنداء والإعلام فقد جاء مبينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما في الحديث الصحيح، حديث عبد الله بن زيد، أن النبي ﷺ قال له: "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتا منك" قيل معناه أرفع صوتا، وقيل أطيب، وقيل أرفع وأطيب.
وذكر بعضهم مناسبة حسنة في اختصاص بلال بالأذان، فقال: إنما خص بذلك دون غيره؛ لأنه كان لما عذب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد. أحد. فجوزي بولاية الأذان المشتملة على التوحيد في ابتدائه وانتهائه. اهـ.
ومما كثر السؤال عنه. هل باشر النبي ﷺ الأذان بنفسه؟ قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع عند السهيلي "أن النبي ﷺ أذن في سفر، وصلى بأصحابه، وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبلة من أسفلهم" أخرجه الترمذي وقواه، ولكن وجدناه في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه الترمذي، ولفظه "فأمر بلالا فأذن" فعرف أن في رواية الترمذي اختصارا، وأن معنى قوله "أذن" أمر بلالا به. اهـ.
وفي حكم الأذان قال النووي: الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس بالنصوص الصحيحة والإجماع، ولا يشرع الأذان ولا الإقامة لغير الخمس بلا خلاف، سواء كانت منذورة، أو جنازة، أو سنة،
стр. 1052
وسواء سن لها الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء أم لا، كالضحى، ولكن ينادي للعيد والكسوف والاستسقاء: الصلاة جامعة، وكذا ينادي للتراويح: الصلاة جامعة، إذا صليت في جماعة، ولا يستحب ذلك في صلاة الجنازة على أصح الوجهين.
ثم قال: وفي الأذان والإقامة ثلاثة أوجه: أصحهما أنهما سنة. والثاني: فرض كفاية، والثالث: فرض كفاية في الجمعة، سنة في غيرها، ومما احتجوا به لكونهما سنة قوله ﷺ للأعرابي المسيء صلاته، افعل كذا وكذا، ولم يذكرهما، مع أنه ﷺ ذكر الوضوء، واستقبال القبلة، وأركان الصلاة، قال أصحابنا: فإن قلنا فرض كفاية فأقل ما يتأدى به الفرض أن ينتشر الأذان في جميع أهل ذلك المكان، فإن كانت قرية صغيرة، بحيث إذا أذن أحد سمعوا كلهم سقط الفرض بواحد، وإن كان بلدا كبيرا وجب أن يؤذن في كل موضع واحد، بحيث ينتشر الأذان في جميعهم، فإن أذن واحد فقط سقط الحرج عن الناحية التي سمعوه، دون غيرهم.
وحكى إمام الحرمين عن صاحب الإبانة أن فرض الكفاية يسقط بالأذان لصلاة واحدة في كل يوم وليلة، ولا يجب لكل صلاة، وقال ولم أر لأصحابنا إيجابه لكل صلاة. قال: ودليله أنه إذا حصل مرة في كل يوم وليلة لم يندرس الشعار. قال النووي: وهذا الذي ذكره خلاف ظاهر كلام جمهور أصحابنا، فإن مقتضى كلامهم وإطلاقهم أنه إذا قيل: إنه فرض كفاية وجب لكل صلاة، وهذا هو الصواب، وإذا قلنا: إن الأذان سنة حصلت بما يحصل به إذا قلنا فرض كفاية، والقول في الإقامة كالقول في الأذان في جميع ما ذكرناه.
ثم قال: والمشهور في مذهب الشافعية أنهما سنة لكل الصلوات في الحضر والسفر، للجماعة والمنفرد، لا يوجبان بحال، فإن تركهما صحت صلاة المنفرد والجماعة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وجمهور العلماء، وقال ابن المنذر: هما فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر.
قال: وقال مالك: تجب في مسجد الجماعة، وقال عطاء والأوزاعي: وإن نسي الإقامة أعاد الصلاة، وقال العبدري: هما سنة عند مالك، وفرض كفاية عند أحمد، وقال داود: هما فرض لصلاة الجماعة، وليسا بشرط لصحتها.
قال الحافظ ابن حجر: ومنشأ الخلاف أن مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها ﷺ بين أصحابه حتى استقر برؤيا بعضهم فأقره كان ذلك بالمندوبات أشبه، ثم لما واظب على تقريره، ولم ينقل أنه تركه، ولا أمر بتركه، كان ذلك بالواجبات أشبه. اهـ.
ثم قال النووي: وهل يسن للفوائت؟ ثلاثة أقوال: قال في الأم: يقيم لها ولا يؤذن، لأن الأذان للإعلام بالوقت، وقد فات الوقت، والإقامة لاستفتاح الصلاة، وذلك موجود: وقال في القديم: يؤذن ويقيم للأولى وحدها، ويقيم للتي بعدها، لأنهما صلاتان، جمعهما وقت واحد فكانتا بأذان وإقامتين، كالمغرب والعشاء بالمزدلفة فإن النبي ﷺ صلاهما بأذان وإقامتين. وقال في الإملاء: إن أمل اجتماع الناس أذن وأقام، وإن لم يؤمل أقام، لأن الأذان يراد لجمع الناس، فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان
стр. 1053
وجه، وإذا أمل له وجه قال أبو إسحاق: وهذا يقال للصلاة الحاضرة أيضا، إذا أمل الاجتماع لها أذن وأقام، وإن لم يؤمل أقام ولم يؤذن. اهـ.
وهذا الخلاف مبني على الخلاف في: هل الأذان حق الوقت، أو حق الفريضة؟ أو حق الجماعة؟ ثم قال النووي: والمنفرد في صحراء أو بلد يؤذن على المذهب، وقيل: لا يؤذن وقيل: إن رجا حضور جماعة أذن، وإلا فلا، وإذا قلنا يؤذن، فهل يرفع صوته؟ نظر. إن صلى في مسجد قد صليت فيه جماعة لم يرفع، لئلا يوهم دخول وقت صلاة أخرى، وإن لم يكن كذلك فوجهان.
وإن جمع بين صلاتين، فإن جمع بينهما في وقت الأولى منهما أذن وأقام للثانية، كما فعل النبي ﷺ بمعرفة، وإن جمع بينهما في وقت الثانية فهما كالفائتتين، لأن الأولى قد فات وقتها والثانية تابعة لها.
ولا يجوز الأذان لغير الصبح قبل دخول الوقت، لأنه يراد للإعلام بالوقت، فلا يجوز قبله، وأما الصبح فيجوز أن يؤذن له بعد نصف الليل، لقول النبي ﷺ "إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" لأن الصبح يدخل وقتها والناس نيام، وفيهم الجنب والمحدث، فاحتيج إلى تقديم الأذان، وأما الإقامة فلا يجوز تقديمها على الوقت، لأنها تراد لاستفتاح الصلاة، فلا تجوز قبل الوقت. وبهذا قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز قبل الفجر.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - مشروعية التشاور في الأمور، لا سيما المهمة، وذلك مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء.
قال النووي واختلف أصحابنا: هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله ﷺ ؟ أم كانت سنة في حقه ﷺ ، كما في حقنا؟ والصحيح عندهم وجوبها، وهو المختار، قال الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩] والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء، ومحققو أهل الأصول أن الأمر للوجوب.
٢ - وأنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده، ثم صاحب الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة.
٣ - وأنه لا حرج على أحد من المتشاورين إذا أخبر بما أدى إليه اجتهاده ولو أخطأ.
٤ - وفيه أن المطلوب مخالفة أهل الباطل في أعمالهم.
٥ - وفيه منقبة عظيمة لعبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب ﵄.
٦ - وأن رؤيا المؤمن قد تكون حقا وصريحة.
٧ - وفيه مراعاة المصالح، والعمل بها، وذلك أنه لما شق عليهم التبكير إلى الصلاة، فتفوتهم أشغالهم، أو التأخير فيفوتهم وقت الصلاة نظروا في ذلك.
٨ - قال القاضي عياض: في قوله "يا بلال. قم فناد بالصلاة" حجة لشرع الأذان من قيام،
стр. 1054
وأنه لا يجوز الأذان قاعدا، قال: وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور، فإنه جوزه، ووافقه أبو الفرج المالكي. قال النووي: وهذا الذي قاله ضعيف لوجهين، أحدهما: أنا قدمنا عنه أن المراد بهذا الإعلام بالصلاة، لا الأذان المعروف، والثاني: أن المراد "قم" فاذهب إلى موضع بارز، فناد بالصلاة ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان لكنه يحتج للقيام في الأذان، بأحاديث معروفة غير هذا، وأما قوله: مذهب العلماء كافة أن القيام واجب، فليس كما قال بل مذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذن قاعدا بغير عذر صح أذانه، لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذن مضجعا مع قدرته على القيام صح أذانه على الأصح، لأن المراد الإعلام، وقد حصل، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء. اهـ.
وقال الأبي: أجاز مالك الأذان قاعدا لمن به علة، أو أذن لنفسه. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: والمشهور عند الحنفية كلهم أن القيام سنة، وأنه لو أذن قاعدا صح، والصواب ما قاله ابن المنذر من أنهم اتفقوا على أن القيام من السنة. اهـ.
٩ - قد يؤخذ من الحديث أن الأذان للرجال، وأنه لا يصح أذان المرأة. قال النووي في المجموع: لا يصح أذان المرأة للرجال. هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، ونقل إمام الحرمين الاتفاق عليه، وهناك وجه ضعيف بأنه يصح كما يصح خبرها، وأما إذا أراد جماعة نسوة الصلاة استحب لهن الإقامة، وكره لهن الأذان. لأن في الأذان ترفع الصوت وفي الإقامة لا ترفع، وقيل لا تستحب الإقامة لهن.
وقيل يستحب لهن الأذان والإقامة بشرط ألا ترفع صوتها فوق ما تسمع صواحبها، فإن رفعت فوق ذلك حرم كما يحرم تكشفها بحضرة الرجال، لأنه يفتتن بصوتها، وممن صرح بتحريمه إمام الحرمين والغزالي والرافعي، وقال السرخسي: رفع صوتها مكروه. اهـ.
١٠ - ويؤخذ من اختيار بلال وتعليل ذلك بحسن صوته في بعض الروايات استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه.
قال النووي: وهذا متفق عليه.
والله أعلم
(ملحوظة) للحديث صلة قوية بالحديث الآتي، وشرح كل منهما يتمم الآخر فليراجع.
стр. 1055
(١٥٤) باب ألفاظ الأذان والإقامة وشفع الأذان وإيتار الإقامة
٦٧٢ - عن أنس ﵁ قال أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة زاد يحيى في حديثه عن ابن علية فحدثت به أيوب فقال إلا الإقامة.
٦٧٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن ينوروا نارا أو يضربوا ناقوسا فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
٦٧٤ - حدثنا خالد الحذاء بهذا الإسناد لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا بمثل حديث الثقفي غير أنه قال أن يوروا نارا.
٦٧٥ - عن أنس ﵁ قال أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
٦٧٦ - عن أبي محذورة ﵁ أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان "الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله" ثم يعود فيقول "أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة (مرتين) حي على الفلاح (مرتين) زاد إسحق "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله".
-[المعنى العام]-
لزيادة الإعلام بوقت الصلاة، شرع تكرير ألفاظ الأذان، وأن تنطق كلماته مرتين وتعددت الجمل في الأذان ولم يكتف بجملة أو جملتين للمبالغة في تحقيق الغرض منه، وأختيرت هذه العبارات من الشرع الحكيم لما فيها من معان سامية يقول عنها القاضي عياض:
стр. 1056
اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان، مشتمل على نوعه من العقليات والسمعيات، فأوله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها وذلك بقوله "الله أكبر" وهذه اللفظة مع اختصارها دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدمة على كل وظائف الدين، ثم صرح بإثبات النبوة، والشهادة بالرسالة لنبينا ﷺ ، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه ، ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعا إلى الصلاة، وجعلها عقب إثبات النبوة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي ﷺ ، لا من جهة العقل، ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة، للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة حق من يعبده، وجزيل ثوابه. اهـ.
"جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ألو الألباب".
-[المباحث العربية]-
(أمر بلال) بضم الهمزة وكسر الميم، مبني للمجهول، أي أمره رسول الله ﷺ قال النووي: هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الأصول وجميع المحدثين، وشذ بعضهم فقال: هذا اللفظ وشبهه موقوف، لاحتمال أن يكون الآمر غير رسول الله ﷺ وهذا خطأ والصواب أنه مرفوع، لأن إطلاق ذلك إنما ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ ، ومثل هذا اللفظ قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، أو أمر الناس بكذا ونحوه فكله مرفوع، سواء قال الصحابي ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، أو بعد وفاته، والله أعلم. اهـ.
(أن يشفع الأذان) بفتح الياء معناه أن يأتي به مثنى، أي يكون ألفاظه مرتين مرتين، قال الزين بن المنير: ذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لم يختلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره "لا إله إلا الله" مفردة، فقوله "يشفع" محمول على ما سواها. اهـ.
(ويوتر الإقامة) معناه يأتي بها وترا، ولا يثنيها، بخلاف الأذان.
(إلا الإقامة) معناه إلا لفظ الإقامة، وهي قوله "قد قامت الصلاة" فإنه لا يوترها، بل يثنيها، فالمراد من لفظ الإقامة المثبت غير المراد من لفظ الإقامة المستثنى، فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد من المستثنى خصوص قوله "قد قامت الصلاة" ففي الكلام جناس تام، وسيأتي إيضاح الحكم في فقه الحديث.
стр. 1057
(ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة) "يعلموا" بضم الياء وإسكان العين، أي يجعلوا له علامة يعرف بها.
(فذكروا أن ينوروا نارا) أي يظهروا نورها.
(أن يوروا نارا) أي يوقدوها، يقال: وري الزند إذا خرجت ناره وأوريته إذا أخرجته، ويقال: أوريت النار أي أشعلتها. قال الله تعالى: ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ [الواقعة: ٧١] ومعنى الروايتين متقارب.
(عن أبي محذورة) هو قرشي، أسلم بعد حنين في طريق عودة النبي ﷺ من حنين، وكان من أحسن الناس صوتا، أمره رسول الله ﷺ أن يؤذن بمكة، ولم يزل مقيما بها حتى توفي سنة تسع وخمسين، وتوارثت ذريته الأذان ﵃.
(حي على الصلاة) "حي" اسم فعل أمر، بمعنى هلم وأقبل، وفتحت الياء لسكونها وسكون الياء السابقة المدغمة، والمعنى تعالوا إلى الصلاة وأقبلوا إليها، قال الخليل: لا تأتلف العين والحاء في كلمة واحدة أصلية في الحروف، لقرب مخرجيهما، إلا أن يتألف فعل من كلمتين، مثل "حي على" فيقال: حيعلة، ومثل الحيعلة من المركبات "البسملة" في "بسم الله" "والحمدله" في "الحمد لله" و"الحوقلة" في "لا حول ولا قوة إلا بالله" وأشباهها.
(حي على الفلاح) أي تعالوا وأقبلوا على الفوز والنجاة، أي إلى سببهما، وهو الصلاة، وقيل: المراد بالفلاح البقاء، أي أقبلوا إلى سبب البقاء في الجنة.
-[فقه الحديث]-
ألفاظ الأذان
اختلف العلماء في عدد ألفاظ الأذان، فذهب الشافعية إلى أن الأذان تسع عشرة كلمة، هي: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله. يسمع بالشهادتين نفسه، ثم يرجع فيمد صوته، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله. [وذكر الشهادتين مرتين سرا قبل الجهر هو المسمى بالترجيع] حي على الصلاة. حي على الصلاة. حي على الفلاح. حي على الفلاح. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله.
وقال أبو حنيفة، هو خمس عشرة كلمة، فأسقط الترجيع، واحتج بحديث عبد الله بن زيد المذكور في شرح حديث الباب السابق، إذ ليس فيه ترجيع.
واحتج الشافعية والمالكية والحنابلة لإثبات الترجيع بحديث أبي محذورة المذكور في هذا
стр. 1058
الباب، وفيه الترجيع، وردوا على أبي حنيفة وموافقيه بأن حديث أبي محذورة متأخر عن حديث عبد الله بن زيد، فإن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة، بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أوائل الهجرة، كما أن حديث أبي محذورة فيه زيادة، وزيادة الثقة مقبولة، وأن النبي ﷺ هو الذي لقنه إياه؛ فالعمل بحديث أبي محذورة في زيادته أولى من العمل بحديث عبد الله بن زيد، ثم إن الترجيع عمل أهل الحرمين، وهم أعرف بالسنن من غيرهم.
نعم حديث أبي محذورة في روايته المذكورة في هذا الباب لم يتعرض لرفع الصوت أو خفضه في الشهادتين، ولكن روايته في أبي داود تعرضت له، إذ فيها "الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر" ترفع بها صوتك، ثم تقول: "أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله" تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة. "أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله".
واختلف القائلون بالترجيع، هل هو ركن، لا يصح الأذان بدونه؟ أو هو سنة ليس ركنا؟ حتى لو تركه صح الأذان مع فوات كمال الفضيلة؟ الأصح أنه سنة.
قال الحافظ ابن حجر: وإنما اختص الترجيع بالشهادتين لأنهما أعظم ألفاظ الأذان. اهـ.
وقال مالك: إن الأذان سبع عشرة كلمة، فأسقط تكبيرتين من أوله.
واحتج بحديث أبي محذورة المذكور في هذا الباب، كما احتج بأنه عمل أهل المدينة، وهم أعرف الناس بالسنن.
واحتج الجمهور على التربيع [أي ذكر الله أكبر في أول الأذان أربع مرات] بأنه عمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم، وأجابوا عن رواية الباب لحديث أبي محذورة بأنه وقع في غير مسلم: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. أربع مرات. قال القاضي عياض: ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم، أربع مرات، وكذلك اختلف في حديث عبد الله بن زيد في التثنية والتربيع، والمشهور فيه التربيع. اهـ.
وذهب البصريون إلى تربيع التكبير الأول، وتثليث الشهادتين وحي على الصلاة، وحي على الفلاح، فيبدأ المؤذن بالتكبير أربعا، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله حتى يصل إلى حي على الفلاح، ثم يعيد كذلك مرة ثانية، ثم يعيد مرة ثالثة، وهو مروي عن الحسن البصري وابن سيرين.
والسبب في هذا الاختلاف اختلاف الآثار، واختلاف اتصال العمل عند كل فريق، فالمدنيون يحتجون لمذهبهم بالعمل المتصل بذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضا يحتجون بالعمل المتصل عندهم، والكوفيون [وهو مذهب أبي حنيفة] يحتجون نفس الاحتجاج، وكذلك البصريون.
وأمام هذا الاختلاف قال أحمد [على طريقته إذا صحت الأحاديث وتعارضت] إن هذه الصفات المختلفة إنما وردت على التخيير، لا على التحديد والإيجاب، فهو من التخيير المباح، فإن ربع
стр. 1059
التكبير الأول في الأذان، أو ثناه، أو رجع في التشهد، أو لم يرجع، أو ثنى الإقامة كلها أو أفردها كلها، أو ثنى الإقامة إلا "قد قامت الصلاة" فالجميع جائز، قاله ابن عبد البر. اهـ.
وأما التثويب في أذان الفجر، وهو أن يقول بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين فهو مشروع عند الشافعية والمالكية، واستدلوا برواية أبي داود لحديث أبي محذورة، وفيها "حي على الفلاح. حي على الفلاح" فإن كان صلاة الصبح قلت: "الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله" وأصل مشروعيته كما رواه الطبراني بسنده "أن بلالا أتى النبي ﷺ يؤذنه بالصبح، فوجده راقدا، فقال: الصلاة خير من النوم مرتين. قال النبي ﷺ : هذا يا بلال، اجعله في أذانك إذا أذنت الصبح" وروى ابن ماجه نحوه عن سعيد بن المسيب، ولا يشكل على هذا ما رواه مالك في الموطأ من أن المؤذن جاء عمر بن الخطاب، يؤذنه بصلاة الصبح، فوجده نائما، فقال: الصلاة خير من النوم، فقال: اجعلها في نداء الصبح، لأن مراد عمر الإنكار على المؤذن، حيث جعل هذه الكلمة في غير موضعها، وهو نداء الصبح، فكأنه قال: اجعلها في الموضع الذي جعلها فيه رسول الله ﷺ ، ولا يتوهم أن عمر أتى بها من نفسه.
وشذ من جعل التثويب في الفجر والعشاء، والصحيح الاقتصار على فعله في الصبح.
وذهب الحنفية والشافعي في أحد قوليه إلى أن التثويب بدعة، وقال في البحر: أحدثه عمر، فقال ابنه: هذه بدعة، والتحقيق أن ابن عمر لم ينكر مطلق التثويب، بل أنكره في صلاة الظهر، فعند أبي داود عن مجاهد قال "كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر أو في العصر، فقال: اخرج بنا، فإن هذه بدعة".
وعلى القول بأن الصبح له أذانان، هل يكون التثويب فيهما؟ أو في الأول دون الثاني؟ الراجح أنه في الأول دون الثاني، لأنه المقصود لإيقاظ النائم، أما الثاني فهو إعلام بدخول الوقت، ويؤكده ما رواه النسائي في سننه الكبرى عن أبي محذورة قال: "كنت أؤذن لرسول الله ﷺ فكنت أقول في أذان الفجر الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم"، ومثل ذلك في سنن البيهقي من حديث أبي محذورة.
قال صاحب سبل السلام: ليس "الصلاة خير من النوم" من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم، وإذا عرفت هذا هان عليك ما اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب، هل هو من ألفاظ الأذان أو لا؟ وهل هو بدعة أو لا؟ . اهـ.
وأما لفظ "حي على خير العمل" فقد ذهب العترة إلى إثباته، وأنه بعد أن يقول المؤذن "حي على الفلاح، يقول مرتين" حي على خير العمل" واحتجوا بما في كتب أهل البيت [كأمالي أحمد بن عيسى والتجريد والإحكام وجامع آل محمد] من إثبات ذلك مسندا إلى رسول الله ﷺ قال في الإحكام: قد صح لنا أن "حي على خير العمل" كانت على عهد رسول الله ﷺ يؤذن بها، ولم تطرح إلا في زمن عمر.
стр. 1060
لكن النووي يقول في المجموع: يكره أن يقال في الأذان "حي على خير العمل، لأنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، وروى البيهقي فيه شيئا موقوفا على ابن عمر وعلي بن الحسين، قال البيهقي: لم تثبت هذه اللفظة عن النبي ﷺ فنحن نكره الزيادة في الأذان. والله أعلم.
ألفاظ الإقامة
كذلك اختلف العلماء في عدد ألفاظ الإقامة، فالمشهور والمذهب عند الشافعية أنها إحدى عشرة كلمة هي: [الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة. حي على الفلاح قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله]. وبهذا قال أحمد، وهو قول أكثر العلماء.
واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد، وقد أوردناه في فقه الحديث في الباب السابق، وقد رواه أبو داود بإسناد صحيح، وروى الترمذي بعضه وقال صحيح حسن.
وقال مالك: الإقامة عشر كلمات، وأفرد "قد قامت الصلاة". والزيادة التي في الرواية الأولى من هذا الباب، وهي "ويوتر الإقامة، إلا الإقامة" تعارضه.
وقال أبو حنيفة: الإقامة سبع عشرة كلمة، مثل الأذان عندهم خمس عشرة كلمة، مع زيادة (قد قامت الصلاة) مرتين.
واحتج لأبي حنيفة وموافقيه بحديث أبي محذورة، أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وبما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد، قال: "كان أذان رسول الله ﷺ شفعا شفعا، في الأذان والإقامة" قالوا: وقياسا على الأذان.
وعورضوا بالرواية الأولى من روايات الباب، وفيها عن أنس "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
وقد رواها البخاري ومسلم والبيهقي بإسنادين صحيحين، فأجاب بعضهم بدعوى النسخ وأن إفراد الإقامة كان أولا، ثم نسخ بحديث أبي محذورة، الذي رواه أصحاب السنن، وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخر عن حديث أنس، فيكون ناسخا، وقد أنكر أحمد على هؤلاء الذين ادعوا النسخ، واحتج بأن النبي ﷺ رجع بعد الفتح إلى المدينة وأقر بلالا على إفراد الإقامة، وعلمه سعد القرظ فأذن به بعده، كما رواه الدارقطني والحاكم.
وأجاب الجمهور عن رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد التي احتج بها الحنفية بأن حفاظ الحديث اتفقوا على أن ابن أبي ليلى لم يدرك عبد الله بن زيد، وبأن المشهور عن عبد الله بن زيد، إفراد الإقامة كما سبق.
كما أجابوا عن حديث أبي محذورة الذي احتج به الحنفية بأن الرواية اختلفت عنه، فروى
стр. 1061
جماعة عنه إفراد الإقامة، وروى آخرون تثنيتها، ولهذا روى مسلم في صحيحه الأذان عن أبي محذورة، ولم يرو الإقامة عنه لعدم صحتها عنده، ثم إن الجمهور وأصحاب أبي حنيفة متفقون على عدم العمل بظاهر حديث أبي محذورة، لأن فيه الترجيع وتثنية الإقامة، والحنفية لا يقولون بالترجيع والجمهور لا يقول بتثنية الإقامة، فلابد للجمهور وللحنفية من تأويله، فكان الأخذ بإفراد الإقامة أولى، لأنه الموافق لباقي الروايات والأحاديث الصحيحة كحديث أنس وغيره، ثم إن الثابت أن أبا محذورة وأولاده من بعده في مكة كانوا على ترجيع الأذان وإفراد الإقامة، وأن سعد القرظ وأولاده من بعده في المدينة المنورة كانوا على إفراد الإقامة إلى عهد الدولة الفاطمية.
ثم إن قياس الإقامة على الأذان قياس مع الفارق، لاختلاف الغرض من كل منهما، ولذا شرع الأذان على مكان عال، بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أعلى منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتلا والإقامة مسرعة. والله أعلم.
هذه هي المذاهب الرئيسة في ألفاظ الإقامة، وهناك أقوال متفرقة في المذاهب، منها ما حكاه إمام الحرمين أنها تسع كلمات، بإفراد [قد قامت الصلاة، والتكبير في آخرها] وما حكاه القاضي حسين من أنها ثمان كلمات بإفراد التكبير في أولها وآخرها، مع إفراد لفظ الإقامة. والله أعلم.
قال النووي: والحكمة في إفراد الإقامة وتثنية الأذان أن الأذان لإعلام الغائبين، فيكرر ليكون أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لأنه مقصود الإقامة.
وقال: فإن قيل: قد قلتم: إن المختار الذي عليه الجمهور أن الإقامة إحدى عشرة كلمة، منها [الله أكبر. الله أكبر] أولا وآخرا، وهذا تثنية، والجواب: أن هذا وإن كان صورة تثنية فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد، ولهذا قال أصحابنا: يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد، فيقول في أول الأذان [الله أكبر الله أكبر] بنفس واحد. ثم يقول: [الله أكبر الله أكبر] بنفس آخر. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر معقبا: وهذا إنما يأتي في أول الأذان، لا في التكبير الذي في آخره، فينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس. اهـ.
وقد ذكر النووي في المجموع مسائل كثيرة متعلقة بالأذان، ولتمام الفائدة نورد منها:
أنهم اتفقوا على اشتراط ووجوب ترتيب ألفاظ الأذان، لأنه إذا عكس لا يعلم السامع أن ذلك أذان، فإن أتى بالنصف الثاني أولا، ثم بالنصف الأول فالنصف الثاني باطل، والأول صحيح، له أن يبني عليه، ويأتي بعده بالنصف الثاني، ولو استأنف الأذان كان أولى، ولو ترك بعض كلماته أتى بالمتروك وما بعده، ولو استأنف كان أولى.
وأما الكلام أثناء الأذان فقد قال الشافعية: إنه مكروه بلا خلاف، فإن عطس حمد الله في نفسه، وبنى، وإن سلم عليه إنسان أو عطس لم يجبه ولم يشمته حتى يفرغ، فإن أجابه أو شمته، أو تكلم بغير ذلك لمصلحة لم يكره، وكان تاركا للفضل، ولو رأى أعمى يخاف وقوعه في بئر وجب إنذاره، ويبني
стр. 1062
على أذانه، وإذا تكلم فيه لمصلحة أو لغير مصلحة لم يبطل أذانه إن كان يسيرا؛ لأنه ثبت أن الرسول ﷺ تكلم في الخطبة، فالأذان أولى ألا يبطل، وإن طال الكلام أو سكت سكوتا طويلا أو نام أو أغمى عليه في الأذان فالأرجح وجوب الاستئناف.
وأما إذا تكلم أثناء الإقامة فمذهب الشافعية أنه لا يضر اليسير، وعن الزهري: تبطل إقامته، ودليلنا أنه لم تبطل الخطبة، وهي شرط لصحة الصلاة، فالإقامة أولى.
ولو زاد في الأذان ذكرا، أو زاد في عدد كلماته لم يبطل أذانه إذا لم يؤد إلى اشتباه الأذان بغيره عند السامعين.
والمستحب أن يترسل في الأذان، أي يرتل ويتأنى في كلماته ولا يتعجل، وأن يدرج في الإقامة أي يصل كلماتها بعضها ببعض، بدون مهلة بينها، لأن الأذان للغائبين، فكان الترسل فيه أبلغ، والإقامة للحاضرين، فكان الإدراج فيها أحسن.
ويستحب أن يقف المؤذن على أواخر الكلمات في الأذان، لأنه روي موقوفا. قال الهروي: وعوام الناس يقولون [الله أكبر] بضم الراء وكان أبو العباس المبرد يفتح الراء، فيقول [الله أكبر الله أكبر] الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، قال لأن الأذان سمع موقوفا، كقوله [حي على الصلاة. حي على الفلاح] فكان الأصل أن يقول [الله أكبر. الله أكبر] بإسكان الراء، فحركت فتحة الألف من اسم الله تعالى في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها، ففتحت كقوله تعالى: ﴿ألم* الله لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١ - ٢] وقال صاحب التتمة: يجمع كل تكبيرتين بصوت، لأنه خفيف، وأما باقي الكلمات فيفرد كل كلمة بصوت، وفي الإقامة يجمع كل كلمتين بصوت والله أعلم.
ويكره التمطيط والتمديد الزائد، ويكره تفخيم ألفاظه والتشدق فيه وحكاية كلام الجبابرة والمتكبرين والمتفيقهين، وينبغي أن يكون صوته بتحزين وترقيق، ليس فيه جفاء كلام الأعراب، ولا لين كلام المتماونين.
ولو أذن بلغة أجنبية كالفارسية والإنجليزية، فإن كان أذانه لنفسه وهو يحسن العربية لم يجزئه، كأذكار الصلاة، وإن كان لا يحسنها أجزأه وعليه أن يتعلمها وإن أذن لجماعة، فإن كان فيهم من يحسن العربية لم يجزئه فإن لم يكن صح.
ولا يصح الأذان إلا من مسلم عاقل، لأنه عبادة، والمجنون وغير المسلم ليسا من أهل العبادة، وأما أذان السكران فإن كان في أول النشوة صح، وإلا فلا يصح على المشهور.
ويصح أذان الصبي المميز كما تصح إمامته، لأنه من أهل العبادات لأنه يقبل خبره فيما طريقه المشاهدة. هذا هو المذهب عند الشافعية، وبه قال مالك وأحمد ومذهب أبي حنيفة وداود أن أذان الصبي لا يصح. لكن القائلين بصحته يقولون بكراهته لجماعة الرجال، لأنه يخاف غلطه ولأن فيه تغريرا بالسامعين وإيهاما أنه ليس بأذان، وأنه من عبث الصبيان.
стр. 1063
ويستحب أن يكون المؤذن عدلا، يصون دينه ومروءته، لأنه أمين على المواقيت، ولأنه يقف على مكان عال، فإن لم يكن أمينا لم يؤمن أن ينظر إلى العورات فإن أذن فاسق صح أذانه وهو مكروه، قال الشافعية: وإنما يصح أذانه في تحصيل وظيفة الأذان، ولا يجوز تقليده وقبول خبره في دخول الوقت، لأن خبره غير مقبول.
وأن يكون عارفا بالمواقيت، ويشترط هذا فيمن يولى ويرتب للأذان أما من يؤذن لنفسه، أو يؤذن لجماعة مرة فلا يشترط معرفته بمواقيت الصلاة، بل إذا علم دخول وقت الأذان لتلك الصلاة صح أذانه لها، بدليل صحة أذان الأعمى وسيأتي الكلام عنه بالتفصيل في شرح الحديث التالي.
ويستحب أن يكون على طهارة، فإن أذن وهو محدث أو جنب أو أقام الصلاة وهو محدث أو جنب صح أذانه وإقامته، لكنه مكروه باتفاق، والكراهة في الجنب أشد منها في المحدث، وفي الإقامة أغلظ منها في الأذان، هذا مذهب الشافعية، وبه قال الحسن البصري وقتادة وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور وداود وابن المنذر.
وقالت طائفة منهم عطاء ومجاهد والأوزاعي وإسحاق: لا يصح أذانه ولا إقامته.
وقال مالك: يصح الأذان، ولا يقيم إلا متوضئا. وأصح ما يحتج به في المسألة حديث المهاجر بن قنفذ ﵁ قال "أتيت النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي حتى توضأ، ثم اعتذر إلي، فقال: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" أو قال "على طهارة" حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة.
لكنه إن دل فإنما يدل على الكراهة، لا على عدم الصحة، وأما ما رواه الترمذي عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "لا يؤذن إلا متوضو" فقد قال الحافظ أنه موقوف على أبي هريرة، ومنقطع، لأن الزهري لم يدرك أبا هريرة.
ويستحب أن يؤذن على مكان عال من منارة أو غيرها، لأنه أبلغ في الإعلام، ولا يستحب في الإقامة أن تكون على موضع عال إلا إذا كان المسجد كبيرا، تدعو الحاجة فيه إلى العلو للإعلام [والأذان والإقامة في مكبر الصوت في هذه الأيام يغني عن المكان العالي].
والسنة أن يؤذن قائما مستقبل القبلة، فلو أذن قاعدا أو مضطجعا أو إلى غير القبلة كره وصح أذانه، لأن المقصود الإعلام، وقد حصل. وقد سبق شرح هذه النقطة بالتفصيل في الحديث السابق فلتراجع.
والسنة أن يلتفت في الحيعلتين يمينا وشمالا ولا يستدبر.
والمستحب عند الشافعية وأحمد أن يكون المقيم هو المؤذن، لأن زياد بن الحارث الصدائي أذن، فجاء بلال ليقيم، فقال النبي ﷺ : "إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم".
رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وفي إسناده ضعف، وذهب مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة
стр. 1064
وأكثر أهل الكوفة إلى جواز أن يؤذن الرجل ويقيم غيره، واختلفوا في الأولوية، وقال أكثرهم: لا فرق، واستدلوا بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن زيد "أن بلالا أذن فقال عبد الله: يا رسول الله، إني أرى الرؤيا، ويؤذن بلال؟ قال: فأقم أنت" وفي إسناده ومتنه اختلاف.
وطريق الإنصاف أن يقال: الأمر في هذا الباب على التوسعة. ولا يقال: مكروه، وتختلف الأولوية باختلاف الأحوال.
ويستحب أن يكون الأذان بقرب المسجد، وأن لا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بأذان بعضهم، بل يؤذن في كل مسجد واحد.
ويستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة، لأنه إذا وصل الأذان بالإقامة فات الناس الجماعة، فلم يحصل المقصود بالأذان وهذا في غير المغرب، أما في المغرب فالمستحب عند الشافعية أن يفصل بين أذانها وإقامتها فصلا يسيرا بقعدة أو سكوت أو نحوهما، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال مالك: لا يقعد بينهما، وهو المشهور عن أبي حنيفة، ويستحب أن يتحول للإقامة إلى غير موضع الأذان باتفاق العلماء.
ويكره الخروج من المسجد بعد الأذان وقبل الصلاة إلا لعذر والله أعلم.
(ملحوظة) لشرح هذا الحديث علاقة بشرح الحديث السابق والحديث اللاحق فليراجعا.
стр. 1065
(١٥٥) باب استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد
٦٧٧ - عن ابن عمر ﵄ قال كان لرسول الله ﷺ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم الأعمى.
٦٧٨ - عن عائشة ﵂ قالت كان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله ﷺ وهو أعمى.
-[المعنى العام]-
اتخذ رسول الله ﷺ بلالا مؤذنا له في المدينة، حين أمر عبد الله بن زيد أن يلقي ما رآه في المنام على مسامع بلال، ليرفع به صوته، ثم لما رأى بعض الصحابة يعتكفون ليلا، فيفاجئهم الفجر قبل أن يستريحوا، وأن بعضهم يصوم فيفاجئهم الفجر قبل أن يتسحروا، وبعضهم يغلبه النوم فيفاجئهم الفجر قبل أن يغتسلوا ويتأهلوا للصلاة، اتخذ ابن مكتوم ليؤذن الفجر مع بلال، يؤذن بلال قبل دخول وقته، ليرجع القائم وينبه النائم، ثم ينزل من مرتفعه عند دخول وقت الفجر، فيرقى ابن أم مكتوم ليؤذن، فيمتنع الصائم عن الأكل، ويحضر المصلى للصلاة.
ولما كان أذان بلال قد اعتبر تكريما له، ومكافأة على صبره وتحمله أذى الكفار شاء ﷺ أن يكرم ابن مكتوم، ويرفع من قدره، وأن يشرفه بالتأذين مع أنه أعمى، مكفوف البصر، لا يرى طلوع الفجر، ويعتمد قول الناس له: قم فأذن فقد أصبحت ودخل الفجر، شاء ﷺ له هذا التكريم لقاء ما لحقه من أذى العبوس والتولي، حين أراد أن يستزيد من علم رسول الله ﷺ ومن شرائع الإسلام الحنيف، فتلقاه ﷺ بالعبوس وعاتبه فيه ربه بقوله: ﴿عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من استغنى* فأنت له تصدى* وما عليك ألا يزكى* وأما من جاءك يسعى* وهو يخشى* فأنت عنه تلهى* كلا إنها تذكرة﴾ [عبس: ١ - ١١] فصلى الله وسلم على رسوله، ورضي عن صحابته الطيبين الطاهرين.
стр. 1066
-[المباحث العربية]-
(كان لرسول الله ﷺ مؤذنان) أي في المدينة، وفي وقت واحد وقت الصبح، فقد كان أبو محذورة مؤذنا لرسول الله ﷺ بمكة، وسعد القرط أذن لرسول الله ﷺ مرات بقباء.
(بلال) وكان مؤذن رسول الله ﷺ سفرا وحضرا إلى أن توفي ﷺ وبقي مؤذن أبي بكر الصديق ﵁ إلى أن توفي.
(وابن أم مكتوم) واسمه عبد الله بن قيس بن زائدة القرشي، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكشة المخزومية، زعم بعضهم أنه ولد أعمى، فكنيت أمه أم مكتوم لانكتام نور بصره، أسلم قديما. وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي ﷺ واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية، وقتل شهيدا وكان معه اللواء يومئذ وقيل: رجع إلى المدينة، ومات بها، وهو الأعمى المذكور في سورة ﴿عبس وتولى* أن جاءه الأعمى﴾ وكان ﷺ يكرمه ويلقاه يقول: أهلا بمن عاتبني فيه ربي.
-[فقه الحديث]-
لم تتعرض روايات مسلم في هذا الباب للوقت الذي كانا يؤذنان له، وقد صرحت روايات البخاري وغيره بأنه الفجر خاصة، ففي البخاري "أن رسول الله ﷺ قال: إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" وفيه "عن النبي ﷺ قال: لا يمنعن أحدكم -أو أحدا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم".
ولا خلاف في جواز الأذان بعد دخول الوقت مهما تعدد، وكذا لا خلاف في منع الأذان قبل دخول الوقت في غير الفجر، والخلاف في مشروعية الأذان قبل دخول وقت الفجر.
فالشافعية يقولون: إن السنة أن يؤذن للصبح مرتين. إحداهما قبل الفجر والأخرى عقب طلوعه، لقوله ﷺ "إن بلالا يؤذن بليل" الحديث والأفضل أن يكون مؤذنان، يؤذن واحد قبل الفجر، والآخر بعده، فإن اقتصر على أذان واحد جاز أن يكون قبل الفجر، وأن يكون بعده، والأفضل أن يكون الفجر على ما هو المعهود في سائر الصلوات.
واختلفوا في مبدأ الوقت الذي يجوز فيه الأذان قبل الفجر، فقيل: من نصف الليل، وقيل: في الشتاء لسبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سبع وجمهورهم على أنه قبيل طلوع الفجر في السحر، فالشافعية على جواز الأذان قبل الفجر وبعده، وبه قال مالك والأوزاعي، وأبو يوسف، وأبو ثور، وأحمد وإسحق، وداود، واختلف هؤلاء في الاكتفاء بالأذان قبل الفجر للصلاة، فذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور أصحابنا إلى صحة الاكتفاء، مستدلين بما رواه أبو داود "إن بلالا أذن قبل الفجر
стр. 1067
بأمر ﷺ ، وإنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام" قال الحافظ ابن حجر: لكن في إسناده ضعف، وأيضا فهي واقعة عين، وكانت في سفر، ومن ثم قال القرطبي: إنه [أي عدم الاكتفاء] مذهب واضح، غير أن العمل المنقول بالمدينة على خلافه. اهـ.
وذهب ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث إلى عدم الاكتفاء، وبه قال الغزالي في الإحياء، وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الاكتفاء.
أما النووي وأبو حنيفة ومحمد فقد قالوا: لا يجوز الأذان قبل الفجر واستدلوا بما رواه أبو داود والبيهقي أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: "ألا إن العبد قد نام. ألا إن العبد قد نام" أي غلب النوم على عينيه فمنعه من تبين الفجر، وأمره ﷺ بذلك ليعلم الناس، لئلا ينزعجوا من نومهم.
قالوا: وقياسا على بقية الأوقات، وقالوا: إن الأذان الشرعي مقصود به الإعلام بدخول وقت الصلاة، والأذان قبل الوقت يتعارض مع المقصود من الأذان.
وأجاب الجمهور عن الحديث بأنه ضعيف، وعلى فرض صحته فهو محمول على أن ذلك كان قبل مشروعية الأذان الأول، فإن بلالا كان المؤذن الأول ثم اتخذ ابن أم مكتوم بعد ذلك مؤذنا معه، فكان بلال يؤذن يرجع القائم، ويوقظ النائم، فإذا طلع الفجر أذن ابن أم مكتوم، ولا يقاس الفجر على غيره، لأنه يأتي غالبا بعد نوم، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها، ليتأهبوا فيغتسل الجنب، ويتسحر الصائم، وليس ذلك في بقية الأوقات، ثم إنه لا قياس مع النص، وحديث "إن بلالا يؤذن بليل" صحيح لا مطعن فيه.
وأما قولهم: إن الأذان للإعلام بدخول الوقت، فالجواب عنه أن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاما بأنه دخل، أو أنه قارب أن يدخل. والله أعلم.
وأما ما ادعاه بعض الحنفية، وحكاه السروجي منهم، من أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيرا أو تسحيرا، كما يقع للناس اليوم فقد قال عنه الحافظ ابن حجر: هذا مردود، فقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشرعي مقدم، ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ مخصوصة لما التبس على السامعين، وسياق الخبر أنه خشى عليهم الالتباس، أما ما يفعله الناس اليوم فهو محدث قطعا.
وذهب ابن القطان إلى أن الأذان قبل الفجر كان في رمضان خاصة، وفيه نظر، فقد قال مالك: لم يزل أذان الفجر عندنا بليل، وقال الزرقاني: قال الكرخي من الحنفية: كان أبو يوسف يقول بقول أبي حنيفة [لا يؤذن للفجر قبل الوقت] حتى أتى المدينة، وعلم أن الأذان قبل الفجر على طول أيام السنة هو عملهم المتصل، فرجع إلى قول مالك. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - مشروعية اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد، قال الشافعية: فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ
стр. 1068
ثلاثة وأربعة فأكثر بحسب الحاجة، ويستحب أن لا يزاد على أربعة، حيث اتخذ عثمان أربعة للحاجة لما كثر الناس. قال النووي: قال أصحابنا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعدا فالمستحب أن لا يؤذنوا دفعة واحدة، بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه، فإن تنازعوا في الابتداء أقرع بينهم، وإن ضاق الوقت فإن كان المسجد كبيرا أذنوا متفرقين في أقطاره [كما يفعل بالحرم] وإن كان ضيقا وقفوا معا، وأذنوا، وهذا إذا لم يؤد اختلاف الأصوات إلى تهويش، فإن أدى إلى ذلك لم يؤذن إلا واحد، قال أصحابنا: ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد، وقال بعض أصحابنا: لا بأس أن يقيموا معا إذا لم يؤد إلى تهويش. اهـ.
٢ - أن أذان الأعمى صحيح إذا كان له من يخبره بالوقت، لأن الوقت في الأصل مبني على المشاهدة. قال الحافظ ابن حجر: وعلى هذا القيد يحمل ما روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى، وأما ما نقله النووي عن أبي حنيفة وداود أن أذان الأعمى لا يصح فقد تعقبه السروجي بأنه غلط على أبي حنيفة، نعم في المحيط للحنفية أنه يكره. اهـ والساعات الحديثة الحساسة التي يستعملها المكفوفون في هذه الأيام تغني الأعمى عن المرشد من الناس. والله أعلم.
٣ - وأخذ منه الحافظ ابن حجر: جواز شهادة الأعمى.
٤ - وجواز العمل بخبر الواحد.
٥ - وجواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفا به وإن لم يشاهد الراوي. قال: وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه.
٦ - وجواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه.
٧ - وجواز وصف الإنسان بعيب فيه للتعريف، أو مصلحة تترتب عليه، لا على قصد التنقيص، قال النووي: وهذا أحد وجوه الغيبة المباحة.
والله أعلم
стр. 1069
(١٥٦) باب ما يقول إذا سمع الأذان
٦٧٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار فسمع رجلا يقول الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله ﷺ "على الفطرة" ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ "خرجت من النار" فنظروا فإذا هو راعي معزي.
٦٨٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".
٦٨١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة".
٦٨٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة".
٦٨٣ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت
стр. 1070
بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه" قال ابن رمح في روايته "من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد" ولم يذكر قتيبة قوله وأنا.
-[المعنى العام]-
لما كان من مقاصد الأذان الدعوة إلى الصلاة، سيقت أحاديث للإشعار بهذا المقصد، ولما كان من ثمراته فضيلة أذان المنفرد، وحقن الدماء عند وجود الأذان، وإثابة السامع إذا قال مثل ما يقول المؤذن، وإثابة الداعي عقب الأذان، سيقت هذه الأحاديث للإعلام بهذه الثمرات.
فالرواية الأولى يبين فيها الراوي عادة الرسول ﷺ وشأنه حين كان يريد الإغارة على مجموعة من الأعداء، فقد كان يختار لهجومه وقت الفجر، لأنه الوقت الذي يغفل فيه السهران، ويأمن فيه المترقب للشر، وكان قبل هجومه يتسمع القوم، فإن سمع منهم أذانا استدل به على أنهم مسلمون مسالمون، فيرجع عنهم، فإن لم يسمع بينهم أذان الفجر، باغتهم وهجم عليهم، وفي سفر من الأسفار، وعند الفجر تسمع، فإذا صوت يقول: الله أكبر. الله أكبر. قال ﵊: أنت على فطرة الإسلام يا صاحب الصوت، فسمع: أشهد أن لا إله إلا الله. قال ﵊: خرجت بهذا القول من النار واستحققت دخول الجنة، فنظر أصحاب الرسول ﷺ مصدر الصوت فإذا هو بدوي يرعى معزي، ويؤذن لنفسه ليؤدي صلاة الفجر، ومن مدحه ﷺ فهم الصحابة فضل أذان المنفرد، وغبطوا المؤذنين على فضيلة التأذين، فجاءوا يقولون يا رسول الله: إن المؤذنين يفضلوننا؟ فقال رسول الله ﷺ : قولوا كما يقولون، فإذا انتهيتم فسلوا الله يستجب لكم، إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول: فإذا قال: حي على الصلاة، فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح فقولوا كذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن من تابع حتى ينتهي، يقول بلسانه مثلما يقول، ويصدق بقلبه ما ينطق به لسانه دخل الجنة، فإذا ما انتهيتم من محاكاة الأذان، فصلوا علي وسلموا تسليما. فإن من صلى علي مرة واحدة كافأه الله بعشر من أمثالها، وأعطاه ثواب عشر صلوات، ثم اسألوا الله لي الوسيلة، وهي الدرجة الفريدة العالية التي لا ينالها إلا عبد واحد من عباد الله.
وأرجو أن أكون ذلك الرجل، اسألوا الله لي الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة العالية في الجنة تنالوا شفاعتي، ثم قولوا: رضينا بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا، ثم سلوا الله ما شئتم تنفتح لدعائكم أبواب السموات.
-[المباحث العربية]-
(كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر) الغارة كبس القوم على غفلة، وهي بليل أولى، ولعل تأخيرها للفجر لاستماع الأذان، للتحقق من عدم إسلام من يغير عليهم، والتعبير بالمضارع "يغير" مع "كان" لإفادة أنها كانت عادته المستمرة.
стр. 1071
(فإذا سمع أذانا أمسك) أي عن الإغارة.
(فسمع رجلا) لم أقف على حادثته، وعند أي غزوة كانت؟ لكن الأسلوب يعطي أنها كانت عند إغارة ما، وظاهره أنه لم يثبت من أذان الراعي إسلام القوم المقصود الإغارة عليهم، باعتباره بدويا راعيا متنقلا.
(على الفطرة) خبر لمبتدأ محذوف، أي أنت في نطقك بالتكبير على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي الطبيعة والاستعداد للدين والانطباع عليه.
(خرجت من النار) أي بالتوحيد، وقد أشار بذلك إلى استمراره على الفطرة، وعدم تصرف أبويه فيه بالتهويد أو التنصير، والتعبير بالماضي للتفاؤل باستمراره على الإسلام حتى الموت.
(فإذا هو راعي معزي) بكسر الميم، وسكون العين، وفتح الزاي اسم جنس، كالمعز، بفتح الميم وسكون العين، وقد تحرك، وواحدها ماعز للذكر والأنثى.
(إذا سمعتم النداء) أي الأذان، فالألف واللام للعهد.
(فقولوا مثل ما يقول المؤذن) "مثل" منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي قولوا قولا مثل قول المؤذن، على أن "ما" مصدرية، أو قولوا قولا مثل الذي يقوله المؤذن، على أنها موصولة، والمثل والمثيل الشبيه والنظير، والمراد المشابهة في الألفاظ، لا في النغمة ورفع الصوت.
(ثم صلوا علي) الصلاة في اللغة الدعاء، والمراد هنا ادعوا الله لي بتعظيم شأني في الدنيا، بإعلاء ذكري، وإظهار سنتي، وفي الآخرة بتشفيعي في أمتي وبإكثار أجري ومثوبتي، وكيفيتها وحكمها في فقه الحديث.
(صلى الله عليه بها عشرا) الصلاة من الله الرحمة والمثوبة، أي أعطاه الله تعالى في مقابل صلاته على أجر عشر صلوات.
(ثم سلو الله لي الوسيلة) الوسيلة هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، قال الحافظ ابن حجر: ويمكن ردها إلى الأول بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقربة التي يتوسل بها. اهـ. وقد فسرها الرسول ﷺ بأنها منزلة في الجنة.
(لا تنبغي إلا لعبد) وفي رواية "لا ينبغي" بالياء، أي لا تتيسر ولا تكون إلا لعبد واحد.
(وأرجو أن أكون أنا هو) قيل "أنا" تأكيد للضمير المستتر في "أكون" و"هو" خبر "أكون" وضع بدل ضمير النصب "إياه" ويحتمل أن لا يكون "أنا" تأكيدا، بل مبتدأ، و"هو" خبره والجملة خبر "أكون" ويمكن أن يقال: إن "هو" وضع موضع اسم الإشارة أي أكون أنا ذلك العبد.
(فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة) أي استحقت ووجبت، وقد وقع في الطحاوي من
стр. 1072
حديث ابن مسعود "وجبت له" أو نزلت عليه الشفاعة ونالته يقال: حل يحل بضم الحاء إذا نزل، واللام بمعنى على، يؤيد ذلك رواية "حلت عليه الشفاعة" ولا يجوز أن يكون "حلت" من الحل، لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة.
(وإذا قال المؤذن: الله أكبر. الله أكبر ... إلخ) قال النووي: معناه قال كل نوع من هذا مثنى، كما هو المشروع، فاختصر ﷺ من كل نوع شطره، تنبيها على باقيه.
(لا حول ولا قوة إلا بالله) قال النحاة: يجوز فيها خمسة أوجه. [لا حول ولا قوة] بفتحهما دون تنوين، وفتح الأول ونصب الثاني منونا ورفعهما منونين، وفتح الأول ورفع الثاني منونا، وعكسه، والحول الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، ويقال في التعبير عن قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، هكذا قاله الأزهري والأكثرون. وقال الجوهري: الحولقة، فعلى الأول، وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله تعالى، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، والأول أولى، لئلا يفصل بين الحروف، ومثل الحوقلة الحيعلة في حي على الصلاة حي على الفلاح. حي على كذا. ولم يقولوا: حيفل، في حي على الفلاح، ولا حيصل، في حي على الصلاة لأن الباب مسموع، قال المطرز: الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة: بسمل إذا قال بسم الله، وسبحل إذا قال سبحان الله وحمدل إذا قال الحمد لله وهيلل إذا قال لا إله إلا الله، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله وحيعل إذا قال حي على الفلاح، وجعفل إذا قال جعلت فداءك. وزاد الثعالبي طبلق إذا قال أطال الله بقاءك ودمعز إذا قال أدام الله عزك.
(من قلبه) أي إذا خالصا من قلبه مثلما قال المؤذن، فقوله "من قلبه" راجع إلى جميع ما ذكر من ألفاظ الأذان.
(من قال حين يسمع المؤذن) أي بعد انتهائه من الأذان فإن ما ذكر من قبيل الذكر والدعاء عقب الأذان.
(رضيت بالله ربا) أي اخترته واكتفيت به، ولم أطلب غيره، ورضيت بجميع قضائه وقدره، و"ربا" تمييز محول عن المضاف، أي رضيت بربوبيته ويحتمل أن يكون حالا، أي رضيت بالله مربيا ومالكا، وكذا يقال في "رسولا" و"دينا" في الجملتين التاليتين.
(وأنا أشهد) الواو عاطفة على محذوف، والتقدير: شهدت أيها المؤذن بكذا، وأنا أشهد مثلك.
стр. 1073
-[فقه الحديث]-
قال النووي: واعلم أنه يستحب إجابة المؤذن، بالقول مثل قوله لكل من سمعه، من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة ومن أسباب المنع أن يكون في الخلاء أو جماع أهله، أو نحوهما. اهـ. فإذا فرغ من ذلك تابع.
وظاهر الرواية الثانية والثالثة، وفيهما "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" أن المطلوب محاكاة المؤذن في جميع كلمات الأذان، وبهذا قيل، لكن الرواية الرابعة عن عمر بن الخطاب تدل على أنه يستثنى من ذلك [حي على الصلاة، وحي على الفلاح] فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا هو المشهور، وما عليه الجمهور، ووجه من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن، فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة، وقال الطيبي: معنى الحيعلتين هلم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلا والفوز بالنعيم آجلا، فناسب أن يقول السامع: هذا أمر عظيم، لا أستطيع القيام به مع ضعفي، اللهم إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته. اهـ وهذا القول يحمل رواية العام على رواية الخاص.
وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، وعليه يشرع للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة، وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم [سمع الله لمن حمده -أو ربنا ولك الحمد].
وذهب بعض الحنفية إلى أنه يسن لسامع "حي على الصلاة" أن يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، ولسامع "حي على الفلاح" أن يقول: ما شاء الله، روي مثله عن عثمان، وروي عن سعيد بن جبير قال: يقول في جواب الحيعلة: سمعنا وأطعنا.
قال الحافظ ابن حجر: ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى قيل: لا يجيبه إلا في التشهدين فقط، وقيل هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى الحوقلة دون ما في آخره، وقيل: مهما أتى به مما يدل على التوحيد والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطحاوي، وحكوا أيضا خلافا. هل يجيب في الترجيع أولا؟ وفيما إذا أذن مؤذن آخر، هل يجيبه بعد إجابته للأول أولا؟ اهـ.
وظاهر الرواية الثانية والثالثة أن السامع يقول أيضا "الصلاة خير من النوم" عندما يسمعها في أذان الصبح، وقد حكى النووي في ذلك خلافا، فقال: يقول فيها: صدقت وبررت، وقيل يقول: صدق رسول الله ﷺ الصلاة خير من النوم.
وقد ذهب أبو الفتح اليعمري إلى أن القول مثلما يقول المؤذن محله بعد انتهاء المؤذن من أذانه،
стр. 1074
والصحيح الذي تدل عليه الأحاديث إجابة كل كلمة عقب انتهائه منها، والرواية الرابعة في هذا الباب صريحة في ذلك.
واختلفوا في المصلي يسمع الأذان، فقالت الحنفية: لا يجيب في الصلاة مطلقا، فرضا كانت أو نفلا، ويجيب بعد الفراغ منها، وقالت الشافعية: تكره الإجابة في الصلاة، لأنه إعراض عنها ولو بالذكر، لكنه إن قال في صلاته: حي على الصلاة، أو حي على الفلاح، أو الصلاة خير من النوم، بطلت صلاته، إن كان عالما بتحريمه، لأنه كلام آدمي قال النووي: وفرق ابن عبد السلام بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب، بناء على وجوب موالاتها، وإلا فيجيب، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة بالذكر استأنف. اهـ وعند المالكية أقوال، قيل: يحكي في النافلة دون الفريضة، وقيل: يحكي فيهما، وقيل: لا يحكي فيهما.
وحكم الإقامة في الإجابة حكم الأذان، إلا في قوله: قد قامت الصلاة" فيقول: أقامها الله وأدامها.
وهل القول مثلما يقول المؤذن واجب أو مستحب؟
ذهب الحنفية وابن وهب من أصحاب مالك والظاهرية إلى أنه واجب واحتجوا بأن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، لا سيما وقد تأيد ذلك بما روي من الأخبار والأثار في الحث على الإجابة، وقد روى ابن أبي شيبة عن المسيب بن رافع عن عبد الله قال "من الجفاء، أن تسمع المؤذن ثم لا تقول مثلما يقول" قال العيني: ولا يكون من الجفاء إلا ترك الواجب، وترك المستحب ليس من الجفاء، ولا تاركه جاف. وقالوا: إنه يجب على السامع قطع القراءة، وترك الكلام والسلام ورده وكل عمل غير الإجابة، فهذا كله أمارة الوجوب. وأجابوا عن الرواية الأولى من بابنا وفيها أن الرسول ﷺ أجاب الراعي بغير لفظ الأذان، قالوا: يجوز أن يكون الرسول ﷺ قد قال مثله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة، ونقل القول الزائد. ويجوز أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر.
وقال الشافعي ومالك وأحمد وجمهور الفقهاء: إن الأمر محمول على الاستحباب، واستدلوا بالرواية الأولى من روايات الباب، وقالوا: إن الأذان الذي هو الأصل ليس بواجب على كل أحد، فالإجابة لا تكون واجبة من باب أولى، وتبعية قول الحاكي القول المحكي الذي هو الأذان قرينة صارفة للأمر عن الوجوب، وأنه على الاستحباب والندبة إلى الخير وإصابة الفضل، كما قد علم الناس من الدعاء الذي أمرهم أن يقولوه دبر كل صلاة، وما أشبه ذلك، والله أعلم.
وتأمر الرواية الثالثة بالصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان، فتقول "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا".
والأمر بالصلاة على النبي ﷺ في هذا الحديث محمول على الندب عند الجمهور، وقالوا: صرفه عن الوجوب ما في الحديث من الترغيب في الثواب فإن مثله يستعمل في المستحب غالبا، وذهب قليل من العلماء إلى أنه باق على الوجوب، والعيني يميل إلى هذا الرأي، حيث يقول: يستفاد من الحديث وجوب الحكاية، ووجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد الإجابة ولا سيما وقد ذكر النبي ﷺ في الأذان، فإن الطحاوي أوجب الصلاة عليه ﷺ كلما سمع ذكره.
стр. 1075
وظاهر الحديث جواز الصلاة على النبي ﷺ مفرده بدون السلام فتقول مثلا: صلى الله عليه. وإلى ذلك ذهب كثيرون، وقال بعضهم: يكره إفراد الصلاة عن السلام. قال الحافظ ابن حجر: الحق أن المراد بالكراهة خلاف الأولى، لأنه لم يوجد مقضيها من النهي المخصوص. اهـ.
والكيفية الكاملة للصلاة على النبي ﷺ هي فيما رواه الشيخان والنسائي وأبو داود وغيرهم أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦] قال رجل: يا رسول الله. أما السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قل: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
والأمر بالصلاة على النبي ﷺ في الحديث موجه لمن سمع الأذان، ومثله في ذلك المؤذن، لفراغه من الأذان حينئذ، ولعدم ما يشغله، ولأنه دخل في قوله: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا".
وكيفما وقعت الصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان حصل المقصود وأجيب الأمر، لكن بعض المتشددين يحملون على الكيفية التي اعتادها غالب مؤذني زماننا، من رفع الصوت بها عقب الأذان، ويقولون: إنها بدعة تخالف هدى الرسول ﷺ وقد حدثت في عهد صلاح الدين بن أيوب (سنة ٧٨١ هـ) ويستدلون على مذهبهم بقول الحافظ ابن حجر: وقد أحدث المؤذنون رفع الصوت بالصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان، في الفرائض الخمس ... وقد استفتى مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون، فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة. اهـ.
وعندي أن الحديث لم يتعرض للسر والجهر، فكيفما وقعت الصلاة حصل المقصود، وذكر الله تعالى مطلوب جهرا وسرا، حيث لا يؤدي جهره إلى الرياء والسمعة، وقد يفيد الجهر ما لا يفيده السر من الحث على الاقتداء، أو الإثابة بالسماع، وقد ضعفت الهمم في زماننا، وقل تيقظ الناس للسنن، والصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان بهذه الكيفية تدفع السامعين إلى محاكاتها، وترديدها مع المؤذن، أو الإصغاء لها واستشعارها، ولو أننا اعتبرنا كل كيفية لم تكن في عهد النبي ﷺ بدعة منكرة لمنعنا قراءة القرآن في المذياع، ومنعنا المصاحف المكتوبة بكيفية غير الكيفية التي كانت عليها، وهكذا، والمسألة فيما أعتقد أنه لا يؤمر بهذه الكيفية ولا ينهي عنها، إلا إذا أحدثت ضررا من تشويش على المصلين أو نحوه. والله أعلم.
هذا ما يتعلق بالصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان، أما حكمها عموما فقد قال الأبي: الصلاة عليه ﷺ فرض في الجملة، مرة في العمر وحمل الطبري الآية على الندب، قال في الشفاء: ولعله فيما زاد على المرة، وهي في التشهد قيل: سنة، وقيل: فرض، وقيل: فضيلة، وتستحب في غير ذلك، عند الفراغ من حكاية قول المؤذن، لهذا الحديث، وعند ذكر اسمه ﷺ ، أو كتابته، لحديث "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي" وحديث "من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له مادام اسمي في هذا الكتاب" وتستحب بعد البسملة في الرسائل، ومضى عليه
стр. 1076
عمل الأمة، ولم يكن في الصدر الأول وإنما حدث عند ولاية بني هاشم، ثم استمر عمل المسلمين عليه بجميع الأقطار ومنهم من يختم به أيضا. اهـ.
والمتتبع لكتب الحديث يجد الرواة جميعا بدون استثناء، وعلى رأسهم الصحابة والخلفاء الراشدون وأمهات المؤمنين، يلتزمون الصلاة عليه والتسليم كلما ذكر اسمه ﷺ ولو تكرر في الحديث الواحد مرات ومرات، وهذا الالتزام الذي لم يتخلف سند للطحاوي في قوله بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه ﷺ ، وإن كنت أميل إلى الاستحباب. والله أعلم.
أما سؤال الوسيلة فقد جاء في رواية البخاري "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" قال الحافظ ابن حجر: و"الفضيلة" يحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرا للوسيلة، وقال ابن الجوزي: "والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة". اهـ.
فاشتملت رواية البخاري على سؤال الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود فهي أوفى من رواية مسلم، قال بعضهم: والحكمة في سؤال ذلك للنبي ﷺ مع كونه واقعا له بوعد الله تعالى -حيث قال: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧٩] وعسى من الله للواقع، وليس على بابه من الترجي- الحكمة في سؤال ذلك إظهار شرفه، وعظم منزلته، والعبادة بالدعاء، ونيل الأجر عليه، وهذا القول أولى من قول بعضهم: إنه ﷺ قاله قبل أن يوحى إليه بوقوعه ومن قول بعضهم: إن هذا السؤال لطلب الدوام والثبات. والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: استشكل بعضهم جعل الشفاعة جزاء لسؤال الوسيلة مع أن الشفاعة للمذنبين، وأجيب بأن له ﷺ شفاعات أخرى، كإدخال الجنة بغير حساب، وكرفع الدرجات، فيعطي كل أحد ما يناسبه. اهـ.
واستشكل بعضهم على الرواية الرابعة أنها جعلت دخول الجنة في مقابلة حكاية الأذان، والقول مثلما يقول المؤذن، مع أن كل مؤمن لابد له من دخول الجنة حيث مات على الإيمان، وإن لم يحك قول المؤذن، وأجاب بأن المراد أنه يدخل الجنة مع السابقين، وليس جوابه بجواب، بل الجواب أن من قال بلسانه ومن قلبه -كما ينص الحديث- مثلما يقول المؤذن كان مسلما مؤمنا، ومن كان كذلك دخل الجنة، فالإشكال غير وارد من أساسه، وإنما يرد الإشكال لو أن الحديث قال: من لم يقل مثل قول المؤذن لا يدخل الجنة.
وقد تعرضت الرواية الخامسة لذكر ودعاء آخر عقب الأذان، غير الصلاة على النبي ﷺ وسؤال الوسيلة، وهو "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبمحمد نبيا ورسولا وبالإسلام دينا" والجمع بينهما مستحب، بل هناك من الأدعية الأخرى غير ما ورد ولا مانع من الجمع والإكثار من الدعاء في هذا الوقت المفضل، الذي يكون فيه الدعاء أقرب ما يكون إلى الإجابة، من تلك ما رواه أحمد والطبراني عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين
стр. 1077
ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة، صل على محمد، وأرض عني رضا لا سخط بعده استجاب الله دعوته "وما رواه الحاكم عن أبي أمامة مرفوعا: "كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذن قال: اللهم رب هذه الدعوة المستجابة، المستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى، توفني عليها، وأحيني عليها، واجعلني من صالحي أهلها عملا يوم القيامة" وهذه الروايات، وإن لم تكن قوية يعمل بها في فضائل الأعمال.
ولم تتعرض أحاديثنا لما يقال من الذكر والدعاء عقب الإقامة، لكن النووي في الأذكار يقول: روينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة "أنه كان إذا سمع المؤذن يقيم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، صل على محمد، وآته سؤله يوم القيامة". والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - استحباب التكبير عند الإغارة، لأنه وقت غفلة الأعداء.
٢ - أن الأذان يمنع الإغارة ويحقن الدماء.
٣ - أن الأذان شعار لدين الإسلام، وأنه أمر واجب، لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه، وامتنعوا كان للسلطان قتالهم عليه، قال التيمي: وإنما يحقن الدم بالأذان لأن فيه الشهادة بالتوحيد والإقرار بالنبي ﷺ .
٤ - أن الأذان مشروع للمنفرد.
٥ - ويؤخذ من قوله في الرواية الأولى "خرجت من النار" أن النطق بالشهادتين يكون إسلاما.
٦ - ويؤخذ منه استحباب الصلاة على النبي ﷺ بعد الفراغ من الأذان.
٧ - ويستحب لمن رغب غيره في خير أن يذكر له شيئا من آثاره؛ لينشطه لقوله ﷺ : "فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا". و"من سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة".
٨ - وفيه مضاعفة الأجر للأمة.
٩ - واستحباب سؤال الوسيلة له ﷺ .
١٠ - وفيه اختصاص الوسيلة المذكورة بنبينا ﷺ .
١١ - وفيه تواضعه ﷺ ، حيث رغب الأمة في الدعاء له.
١٢ - وفيه إثبات الشفاعة لمن سأل ذلك.
١٣ - وأن الأعمال يشترط لها القصد والإخلاص، لقوله ﷺ "من قلبه".
١٤ - وأن حكاية الأذان فيها فضل عظيم، وأنه يكون بقول السامع كل كلمة بعد فراغ المؤذن منها.
١٥ - استحباب أن يقول السامع عقب الأذان: رضيت بالله ربا .. إلخ الدعاء.
١٦ - الحض على الدعاء في أوقات الصلوات، لأنه حال رجاء الإجابة.
والله أعلم
стр. 1078
(١٥٧) باب فضل الأذان
٦٨٤ - عن طلحة بن يحيى عن عمه قال كنت عند معاوية بن أبي سفيان فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة فقال معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة".
٦٨٥ - عن جابر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء" قال سليمان فسألته عن الروحاء فقال: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلا.
٦٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط حتى لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس".
٦٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص".
٦٨٨ - عن سهيل قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة قال ومعي غلام لنا (أو صاحب لنا) فناداه مناد من حائط باسمه قال وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبي فقال لو شعرت أنك تلق هذا لم أرسلك ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله أنه قال "إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص".
стр. 1079
٦٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول له اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى".
٦٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثله. غير أنه قال "حتى يظل الرجل إن يدري كيف صلى".
-[المعنى العام]-
للأذان فضل على كثير من العبادات؟ والتأذين منزلة وشرف منحها الرسول ﷺ لبلال مقابل صموده أمام التعذيب، وجهره بأحد أحد في وجه عتاة الكافرين. الأذان صاروخ يصم آذان أعداء الإسلام، ويكبتهم ويشعل الحسرة في صدورهم، الأذان رفع لشأن الإسلام، وإعلاء لكلمته وإعلان عن شعائره، ورفع لرأس المؤذن، وعزة للمسلمين، ومن هنا كان المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة، وأكثرهم عزة وكرامة وفضلا وشأنا، ومن هنا كان الأذان إرغاما للشيطان، وإذلالا، ومجابهة له وخذلانا، إنه إذا سمع الأذان ولى وأدبر، يجري كأنه حمر مستنفرة فرت من قسورة، يجري ويحدث صوتا حين يجري يغطي بصوته على أذنيه كيلا تسمع الأذان، صوت قبيح كالضراط، وحقا لا يخرج الخبيث إلا الخبائث، ولا يهرب الخبيث إلا من الطيبات، يجري ويبتعد مد صوت المؤذن مادام يؤذن، فإذا فرغ من أذانه عاد إليه وإلى أهل المسجد، يوسوس لهم ويغويهم ويأتيهم من خلفهم ومن بين أيديهم، فإذا سمع إقامة الصلاة فر كما تفر الفيران من القط، فر بعيدا عن صوت التوحيد والدعوة إلى الله، فإذا انقضت إقامة الصلاة عاد إلى المصلين، يخطر بينهم وبين قلوبهم، يوسوس لهم، ويزين أمور الدنيا في نفوسهم ويذكرهم في صلاتهم بمتاعهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، ليحول بينهم وبين الخشوع، ويباعد بينهم وبين الإقبال على الله بكل الجوارح، وبقدر جهاد المؤمن للشيطان وبقدر تغلبه عليه في هذا الميدان، وبقدر خشوعه لربه، يكون له من ثواب الصلاة، فقد قال ﷺ "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها" وإن كثيرا من المصلين يتغلب عليهم شيطانهم، فيخرجون من الصلاة كأنهم ما دخلوا فيها، يقرءون ويركعون ويسجدون وهم لا يشعرون أجسامهم في الصفوف، وأفكارهم مع الشيطان، لا يدركون كم ركعة صلوا؟ ولا ماذا قرءوا؟ ولا كيف بدءوا؟ ولا متى انتهوا؟ إنهم الذين
стр. 1080
استجابوا لوسوسة الشيطان، إنهم الذين لم يأخذوا حذرهم منه، إنهم الذين
نسوا قوله لربه، رب العزة والجبروت: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم* ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧] نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
-[المباحث العربية]-
(المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة) قال النضر: طول العنق حقيقة، وذلك أنه عندما يلجم الناس العرق يوم القيامة تطول أعناقهم، لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق.
وعامة شراح الحديث على أنه كناية، واختلفوا في المراد، فقيل: كناية عن أنهم أكثر الناس تشوقا وتطلعا إلى رحمة الله، وذلك أنه يلزم المتطلع أن يطيل عنقه غالبا إلى ما يتطلع إليه، ويلزمه كثرة ما يرون من ثواب، وقيل: كناية عن أنهم سادة ورؤساء، وذلك أن أطول الناس عنقا أبرزهم وأعلاهم حسا، فأريد أبرزهم وأعلاهم مكانة وقدرا، وقيل: كناية عن أنهم أكثر اتباعا، وهو بعيد، وقيل: كناية عن أنهم أكثر الناس أعمالا حسنة، وهو بعيد أيضا، وأحسن ما قرأت ما قاله الأبي من أنه كناية عن عدم الخجل من الذنوب، لأن الخجل يقصر عنقه، وينكس رأسه، قال تعالى ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم﴾ [السجدة: ١٢] ومن المعلوم أن الكناية لفظ أطلق وأريد منه لازم معناه مع صحة إرادة المعنى الأصلي، فالكنايات المذكورة لا تمنع من طول عنقهم على الحقيقة، وكان الجزاء من جنس العمل، فإنهم كانوا في الدنيا يطيلون أعناقهم ويلوونها يمينا وشمالا بالأذان، وقد جاء عند ابن حبان "يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة".
قال القاضي عياض وغيره: ورواه بعضهم "إعناقا" بكسر الهمزة أي أشد الناس إسراعا إلى الجنة.
(إن الشيطان) الشيطان كل متمرد من الإنس والجن، ولكن المراد هنا شيطان الجن خاصة، قيل المراد به إبليس، وقيل: شيطان المؤذن، وقيل شيطان سامع الأذان، وقيل جنس المتمرد من الجن.
(إذا سمع النداء بالصلاة) أي إذا سمع الأذان لأجل الصلاة، فالباء للسببية، ويحمل رواية مسلم على رواية البخاري في المعنى، ولفظها "إذا نودي للصلاة".
(حتى يكون مكان الروحاء) بفتح الراء وبالحاء والمد، وقد بين الرواي المسافة بينها وبين المدينة بستة وثلاثين ميلا، وليس المقصود من الحديث ذهاب الشيطان إلى هذا المكان خاصة، بل هو كناية عن البعد عن المؤذن مسافة طويلة حتى لا يسمع صوته، وكلما ارتفع صوت المؤذن كلما زاد ابتعاد الشيطان عنه.
стр. 1081
(إذا سمع النداء بالصلاة أحال) يقال: أحال إلى المكان إذا ذهب إليه، وبالمكان إذا أقام به، وعن المكان إذا ذهب عنه، فهو من التحول والتغير، والمراد هنا: ذهب عن مكان المؤذن، وابتعد هاربا.
(له ضراط) "الضراط، بضم الضاد خروج الريح من الدبر بصوت، والجملة إسمية وقعت حالا بدون واو لحصول الارتباط بالضمير، وفي رواية "وله ضراط" بالواو، قال القاضي عياض: يمكن حمله على ظاهره لأن الشيطان جسم متغذ، يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنه كناية عن شدة نفاره، ويقويه رواية "له حصاص" بضم الحاء، فقد فسرها الأصمعي وغيره بشدة العدو، قال الطيبي: شبه شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطا تقبيحا له. اهـ. فكأنه قال: ولى هاربا محدثا صوتا يشغل به أذنيه عن الأذان، صوتا قبيحا شبيها بالضراط. ففي الكلام استعارة تصريحية أصلية.
قال العيني: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من دهاه أمر عظيم، واعتراه خطب جسيم حتى حصل له الضراط من هول ما هو فيه، لأن الواقع في شدة عظيمة من خوف وغيره تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط. ولما كان الشيطان -لعنة الله- تعتريه شدة عظيمة، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيهرب حتى لا يسمع الأذان، شبه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط، الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ليس هناك ضراط. اهـ. وهو كلام جيد.
(وله حصاص) قيل: هو الضراط، وقيل هو شدة العدو والفرار.
(فإذا قضي التأذين أقبل) "قضي" بضم القاف، مبني للمجهول، والمراد بالقضاء الفراغ والانتهاء، ويروى بفتح القاف والضاد، ونصب "التأذين" على المفعول به، والتقدير: فإذا قضى المؤذن التأذين أي الأذان.
(حتى إذا ثوب للصلاة أدبر): "ثوب" بضم الثاء، وتشديد الواو المكسورة، قيل: هو من ثاب إذا رجع، والمراد من التثويب بالصلاة إقامتها ومقيم الصلاة راجع إلى الدعاء إليها، فإن الأذان دعاء إلى الصلاة، والإقامة دعاء إليها، ووجهه الطيبي توجيها آخر، فقال: "ثوب" بفتح الثاء وتشديد الواو المفتوحة، أي صرخ بالإقامة مرة بعد مرة، وكل مردد صوته بشيء مثوب. اهـ وهذا التوجيه بعيد، لأنه يجيز إطلاق التثويب على كل كلمات الأذان، مع أن الذي أطلق عليه التثويب من كلمات الأذان قول المؤذن "الصلاة خير من النوم" لأنه تكرر لمعنى الحيعلتين، وقال الخطابي: التثويب الإعلام بالشيء ووقوعه، وأصله، من ثوب الرجل إذا جاء فزعا، ولوح بثوبه مستصرخا. اهـ وهذا القول بعيد عن المراد، فإنه بهذا المعنى يطلق على الأذان، وهو ليس المقصود بل المقصود الإقامة، والتوجيه الأول خير توجيه. وزعم بعض الحنفية أن المراد بالتثويب هنا قول المؤذن بين الأذان والإقامة [حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة] ففي سنن أبي داود عن ابن عمر أنه كره التثويب بين
стр. 1082
الأذان والإقامة، وهذا الزعم بعيد عن الصواب، فقد جاء المراد صريحا في الرواية الثالثة من هذا الباب، ولفظها "فإذا سمع الإقامة ذهب".
(حتى يخطر بين المرء ونفسه) "يخطر" بضم الطاء وكسرها، حكاهما القاضي عياض، قال: ضبطناه عن المتقنين الكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه يوسوس، وهو من قولهم: خطر الفحل بذنبه إذا حركه، فضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن السلوك والمرور، أي يدنو منه، فيمر بينه وبين قلبه، فيشغله عما هو فيه، وبهذا فسره الشارحون للموطأ، وبالأول فسره الخليل.
والمراد من النفس هنا القلب، وقد وقع في رواية البخاري "بين المرء وقلبه" وبهذا التفسير يحصل الجواب عما يقال: كيف يتصور خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يجاب بأن ذلك تمثيل لغاية القرب منه.
(يقول له: اذكر كذا، واذكر كذا) قال الحافظ ابن حجر: وقع بواو العطف، وفي رواية البخاري بدونها، وفي رواية له "اذكر كذا وكذا" ووقع في بعض الروايات "فهناه ومناه، وذكره من حاجاته ما لم يكن يذكر".
(لما لم يكن يذكر من قبل) أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة، قيل: خصه بما يعلم، دون ما لا يعلم، لأنه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه لأعم من ذلك فيذكره بما سبق له علم، ليشتغل باله به، وبما لم يكن سبق له، ليوقعه في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا، أو في أمور الدين، كالعلم، لكن هل يشتمل ذلك التفكير في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك، لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان. اهـ ويؤيده قوله "حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى".
(حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى)؟ غاية لوسوسة الشيطان، أي أنه يوسوس للرجل حتى يصير لا يدري كم صلى من الركعات؟ أثلاثا أم أربعا؟ و"يظل" بالظاء، ومعناه في الأصل الاتصاف بالوصف نهارا، لكنه هنا بمعنى يصير ويبقى ومنه قوله تعالى ﴿ظل وجهه مسودا﴾ [النحل: ٥٨] ووقع عند الأصيلي "حتى يضل الرجل" بالضاد المكسورة، أي ينسى، ومنه قوله تعالى ﴿أن تضل إحداهما﴾ [البقرة: ٢٨٢] أو يخطئ، ومنه قوله تعالى ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢] والمشهور الأول.
(حتى يظل الرجل إن يدري كيف صلى) بكسر همزة "إن" وسكون النون، وهي حرف نفي بمعنى "ما" أو "لا" وحكى ابن عبد البر عن الأكثر، "أن" بفتح الهمزة وسكون النون، وقال القرطبي: ليست رواية الفتح بشيء إلا مع رواية الضاد، فتكون "أن" مع الفعل بتأويل مفعول "يضل" بإسقاط حرف الجر أي حتى يضل الرجل عن درايته كم صلى. والله أعلم.
стр. 1083
-[فقه الحديث]-
يكاد العلماء يجمعون على أن المراد من الشيطان شيطان الجن، وأن إدباره لسماع الأذان حقيقة لا مجاز فيه، ويتلمس كل فريق منهم حكمة هذا الإدبار والهروب.
فبعضهم يرى أنه يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه قد ورد في البخاري قول النبي ﷺ "ارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" ورد بأنه عام مخصوص، وأنه لا يشهد إلا المؤمن، وقيل: إن هذا الرد غير مسلم إذ يشهد له الجميع حتى الجماد وإلى هذا ذهب ابن عمر، حتى قال لمؤذن: شهد لك كل رطب ويابس.
وبعضهم يرى أنه يهرب لأن الأذان دعوة إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصى بسببه، ورد بأنه يعود للسجود، فلو كان هربه لأجله لم يعد إلا عند فراغه، وأجيب بأنه يهرب عند سماع الدعاء بذلك، ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرا، ثم يرجع ليفسد على المصلي سجوده الذي أباه.
وبعضهم يرى أنه يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الخلق وإقامة الشريعة، واعترض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي، وأجيب بأن الإعلان أخص من الاتفاق، فإن الإعلان المختص لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير، والتلاوة مثلا، ولهذا قال لعبد الله بن زيد "ألقه على بلال: فإنه أندى صوتا منك" أي أقعد في المد والإطالة والإسماع، ليعم الصوت ويطول أمد التأذين فيكثر الجمع، ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن إقامة الصلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها، أو وقت فضيلتها فيفر حينئذ وقد يئس عن أن يردهم عما أعلنوا به، ثم يرجع لما طبع عليه من الأذى والوسوسة: قاله الحافظ ابن حجر.
وبعضهم يرى أنه يهرب نفورا عن سماع الأذان، قال ابن الجوزي: على الأذان هيبة، يشتد انزعاج الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة، فإن النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة.
وبعضهم يرى أنه يهرب لأن الأذان إعلام بالصورة التي هي أفضل الأعمال، بألفاظ هي من أفضل الذكر، لا يزاد فيها، ولا ينقص منها، بل تقع على وفق الأمر، فيفر من سماعها، وأما الصلاة فلما يقع من كثير من الناس فيها من التفريط، فيتمكن الشيطان الخبيث من المفرط، فلو قدر أن المصلي وفى بجميع ما أمر به فيها لم يقربه، إذا كان وحده، وهو نادر، وكذا إذا انضم إليه من هو مثله، فإنه يكون أندر. أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة.
وبعضهم يرى أنه يهرب لعظم أمر الأذان، لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد وإظهار شعائر الإسلام، وإعلانه، ويأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد.
وكل ما ذكروه إنما هو حكم متلمسة تقرب الحكم إلى العقول، وليس عللا ينتقل منها إلى المعلول،
стр. 1084
فالتفتيش فيها يضعفها، والاعتراضات عليها تحبطها فشأنها شأن النكتة البلاغية، أو شأن الوردة، تشم ولا تدعك. ولو قلنا. إن الحكمة في كل ما ذكر، وفي أن الأذان هو العبادة التي تصم آذان أعداء الإسلام رغم أنوفهم، وأنه يقع على الكافرين موقع الصاعقة، فعلى الشيطان العدو الأول للمسلم من باب أولى، لو قلنا ذلك كنا أقرب إلى القبول: والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فضل الأذان، وأنه عظيم القدر، حتى إن الشيطان يلحقه منه هول كبير.
٢ - فضيلة المؤذن إذا قام به احتسابا لله تعالى، قال النووي: واختلف أصحابنا: هل الأفضل للإنسان أن يرصد نفسه للأذان؟ أو للإمامة؟ على أوجه أصحها: الأذان أفضل، وهو نص الشافعي في الأم، وهو قول أكثر أصحابنا ولقوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا﴾ [فصلت: ٣٣] قالت عائشة ﵂: نزلت في المؤذنين، وللرواية الأولى من الباب ولفظها: "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة" ولحديث البخاري ومسلم "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا".
وقيل: الإمامة أفضل، وهو قول الحنفية، واحتجوا بأن النبي ﷺ ثم الخلفاء الراشدون من بعده كانوا أئمة، ولم يكونوا مؤذنين، وكذا كبار العلماء بعدهم وفي الصحيحين عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ "ليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" ورد على هذا المذهب بأن مواظبة النبي ﷺ على الإمامة وكذا من بعده من الخلفاء والأئمة، ولم يؤذنوا، كانت بسبب أنهم كانوا مشغولين بمصالح المسلمين، التي لا يقوم بها غيرهم فيها مقامهم، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته، وأما الإمامة فلابد لهم من صلاة، ويؤيد هذا التأويل ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت.
وقيل: هما سواء، وقيل: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجمع خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان أفضل، ثم قال النووي:
وأما جمع الرجل بين الإمامة والأذان فإن جماعة من أصحابنا يستحب أن لا يفعله، وقال بعضهم: يكره، وقال محققوهم وأكثرهم أنه لا بأس به، بل يستحب. وهذا أصح. والله أعلم. اهـ.
٣ - استدل بالرواية الثالثة والسادسة وفيهما أن الشيطان يرجع إلى الوسوسة بين الأذان، والإقامة على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل خلافا لمن شرط في إدراك فضيلة أول الوقت أن ينطبق أول التكبير على أول الوقت.
٤ - واستدل به على أن السهو الذي يحصل للمصلي في صلاته يكون من وسوسة الشيطان.
٥ - استدل به على استحباب رفع الصوت في الأذان، على أن يكون الأذان على مرتفع، ليكون أبعد لذهاب الصوت، وكان بلال ﵁ يؤذن إلى بيت امرأة من بني النجار، بيتها أعلى بيت حول المسجد.
стр. 1085
٦ - وفيه أن الجن يسمعون أصوات بني آدم. قاله العيني.
٧ - يشبه أن يأخذ منه الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن، لئلا يكون متشبها بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان.
٨ - ويؤخذ منه أن الشيطان له تسلط على الإنسان -غير الأنبياء- بالوسوسة حتى حال الصلاة.
٩ - وأن الشيطان شديد الحرص على إضرار الإنسان في دينه.
١٠ - يؤخذ من التصريح بلفظ الضراط أن استحباب الكناية عن المعايب المستقبح سماع لفظها، إنما هو حيث لا تدعو الحاجة والضرورة إلى التصريح، وحيث لا مصلحة من ذكره، كالتقبيح والتنفير المرادين من هذا الحديث.
١١ - فهم بعض السلف من الأذان في هذا الحديث الإتيان بصورة الأذان وإن لم يوجد فيه شرائط الأذان، من وقوعه في الوقت، فطلب الأذان عند الخوف من الجن كما هو مفهوم من الرواية الأولى.
والله أعلم
стр. 1086
(١٥٨) باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع
٦٩١ - عن سالم عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وقبل أن يركع وإذا رفع من الركوع ولا يرفعهما بين السجدتين.
٦٩٢ - عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود.
٦٩٣ - عن الزهري بهذا الإسناد كما قال ابن جريج كان رسول الله إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر.
٦٩٤ - عن أبي قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ثم رفع يديه وإذا أراد أن يركع رفع يديه وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه وحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا.
٦٩٥ - عن مالك بن الحويرث أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا رفع رأسه من الركوع فقال سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك.
٦٩٦ - عن قتادة بهذا الإسناد أنه رأى نبي الله ﷺ وقال حتى يحاذي بهما فروع أذنيه.
стр. 1087
-[المعنى العام]-
شرع الله الصلاة ذات أقوال وأفعال، ليشغل اللسان بذكره، والقلب بالخشوع لسلطانه وجلاله، والجوارح بالاستجابة لأمره، إنها مناجاة المخلوق للخالق، وإنها الإقبال من العبد المطيع الخاضع نحو ربه الغني الكبير المتعال، يأخذ المسلم لها أهبتها من الطهارة الكاملة، طهارة الثوب والبدن والمكان، ومن ستر العورة، واستقبال القبلة، مع حضور وقتها المأمور به، ثم يفتتحها بالتعظيم والتمجيد بلفظ [الله أكبر] رافعا يديه على هيئة المستسلم، واضعا إبهامه بجوار شحمتي أذنيه، وراحتيه حذو منكبيه، مستقبل القبلة بباطن كفيه، ناشرا أصابعه بحيث تحاذي أطرافها أعالي أذنيه، ذاك شعار الخضوع، وطرح الدنيا، والإقبال بجميع أعضائه على ربه، يرفع الشعار عند تكبيرة الإحرام، وعند الهوي إلى الركوع وعند الرفع منه، وعليه أن يلتزم هيئات أخرى غير هذه الهيئة في وقوفه لقراءة الفاتحة، وفي جلسته للتشهد، وفي الركوع والسجود.
هيئات منسجمة مع حركاتها، ولها دلالتها الظاهرة على أن صاحبها في عبادة ومناجاة، ولها حكمتها الباطنة التي إن وصلنا إليها آمنا واستسلمنا بعقولنا وجوارحنا، وإن عجزنا عن إدراكها استجبنا وقلنا ما يقوله الراسخون في العلم: ﴿آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب* ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ [آل عمران: ٧ - ٨].
-[المباحث العربية]-
(حتى تكونا حذو منكبيه) "حذو" بفتح الحاء وسكون الذال، أي مقابل وإزاء، و"منكبيه" تثنية "منكب" بفتح الميم وكسر الكاف بينهما نون ساكنة، وهو مجمع عظم العضد والكتف.
(إذا قام للصلاة) أي شرع فيها، وباشر افتتاحها، وسيأتي أيهما يسبق: تكبيرة الإحرام أو رفع اليدين، وكذا المراد من قوله في الرواية الثالثة "إذا صلى" أي إذا شرع.
(فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك) ليس رفع اليدين مرتبطا بالإرادة وحدها، بل حين مباشرة الركوع، وهذا هو المراد من قوله في الرواية الأولى "وقبل أن يركع" وقوله في الرواية الرابعة "وإذا ركع رفع يديه".
(وإذا رفع من الركوع) تجمع الروايات في مسلم على أن رفع اليدين إنما يكون بعد الرفع فعلا من الركوع، وليس عند الشروع في الرفع، كما هو الحال عند الشروع في الركوع، وهو المراد من رواية أبي داود: "ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه".
(ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود) وفي الرواية الأولى "ولا يرفعهما بين السجدتين". ورواه البخاري: "ولا يفعل ذلك في السجود" والمقصود إنه لا يرفع يديه في الهوى إلى
стр. 1088
السجود، ولا في الرفع منه، وقد جاء ذلك صريحا في رواية للبخاري، ولفظها "ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود".
(وحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك) فاعل "حدث" مالك بن الحويرث، والجملة حالية، وليست معطوفة على "رأى" فيبقى فاعله "أبو قلابة" فيصير مرسلا، وليس الأمر كذلك، والتقدير: رأى أبو قلابة مالك بن الحويرث يفعل كذا وكذا محدثا مالك أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك.
(حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) أي أعلاهما.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا في رفع اليدين فيما سواهما، فقال الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: يستحب رفعهما أيضا عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو رواية عن مالك، وحديث الباب برواياته الأربع تؤيد هذا الرأي.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة إلى إنه لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام، وهو أشهر الروايات عن مالك. اهـ بل بالغ بعضهم، فقال: إن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه يبطل الصلاة، ونسب بعض متأخري المغاربة فاعله إلى البدعة، ولهذا مال بعض محققيهم إلى تركه، درءا لهذه المفسدة.
واحتجوا بما رواه أبو داود عن البراء بن عازب قال: "كان النبي ﷺ إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبا من شحمتي أذنيه، ثم لا يعود "وقالوا عن أحاديث الباب": إنها محمولة على أنه كان في ابتداء الإسلام، علامة للاستسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية فلما أنسوا واطمأنت قلوبهم خفف، وأبقى في أول الصلاة، علامة للدخول فيها لمن يسمع التكبير، واستدلوا على ذلك بأن عبد الله بن الزبير رأى رجلا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع، وعند رفع رأسه من الركوع فقال له: لا تفعل، فإن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ ثم تركه، وأيدوا النسخ بما رواه الطحاوي عن مجاهد قال "صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، قال الطحاوي: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع [كما روي في روايتنا الثانية] ثم ترك هو الرفع بعد النبي ﷺ ، فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد كان رأى النبي ﷺ فعله.
ورد الجمهور بأن أكثر الرواة عن البراء بن عازب لم يذكروا "ثم لا يعود" قال الخطابي: لم يقل واحد في هذا "ثم لا يعود" غير شريك، وقال أبو عمر: تفرد به يزيد، ورواه عنه الحفاظ فلم يذكر واحد منهم قوله "ثم لا يعود" وقال البزار: لا يصح حديث يزيد في رفع اليدين "ثم لا يعود" وقال أحمد: هذا حديث واه، وقد كان يزيد يحدث به لا يذكر "ثم لا يعود" ثم كان يغير في آخر حياته فذكره.
стр. 1089
ثم دعوى النسخ لا تقبل عن غير دليل، ورواية مجاهد إنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك مطعون فيها. قال الحافظ ابن حجر: لأن راويها أبو بكر بن عياش ساء حفظه في آخر أيامه. وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك عنه سالم ونافع وغيرهما، والعدد الكثير أولى من واحد، لا سيما وهم مثبتون، وهو ناف، والمثبت مقدم على النافي، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يكن يراه واجبا ففعله تارة، وتركه أخرى، ومما يدل على ضعفه ما رواه البخاري عن مالك أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصا.
فالحاصل أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام مشروع باتفاق العلماء والخلاف في رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه. وقد نقل النووي أنهم أجمعوا على أن الرفع غير واجب، إلا ما حكي عن داود، فإنه قال بوجوبه عند تكبيرة الإحرام، وممن قال بوجوبه عند تكبيرة الإحرام أيضا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري وابن خزيمة، وحكاه القاضي حسين عن الإمام أحمد. قال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي اهـ وقال الحافظ ابن حجر: ونقل بعض الحنفية أنه يأثم تاركه، اهـ هذا وللشافعي قول: إنه إذا قام من التشهد الأول رفع يديه، قال النووي: وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان يفعله. اهـ والحديث الذي أشار إليه النووي رواه البخاري، ولفظه "وإذا قام من الركعتين رفع يديه".
وهناك قول غريب لبعض أهل الحديث، أنه يستحب رفع اليدين في السجود أيضا، وهو بعيد.
كما أنه نقل عن الزيدية أنه لا يرفع يديه عند الإحرام، ولا يعتد بهم، والله أعلم.
هذا حكم رفع اليدين، أما كيفيته فقد قال النووي: المشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، وبهذا جمع الشافعي ﵁ بين روايات الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه. اهـ.
وفي رواية عن مالك: يرفع يديه حذاء صدره، وفي رواية لابن حبيب يرفعهما فوق رأسه، وعند بعض المالكية يرفعهما فوق أذنيه مدا مع رأسه. وقال الطحاوي: إنه لاختلاف الحال، فإلى الصدر والمنكبين أيام البرد، وأيديهم تحت أكسيتهم، ومع آذانهم وفوق رءوسهم عند إخراجها.
وقال الطحاوي أيضا: يرفع ناشرا أصابعه، مستقبلا لباطن كفيه القبلة، وفي المحيط: ولا يفرج بين الأصابع تفريجا، وفي الحاوي للماوردي: يجعل باطن كل كف إلى الأخرى، وعن سحنون: ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض، وعن القاضي: يقيمهما محنيتين شيئا يسيرا، ونقل المحاملي عن أصحابه: يستحب تفريق الأصابع، وقال الغزالي: لا يتكلف ضما ولا تفريقا، بل يتركهما على هيئتهما، وقال الرافعي: يفرق تفريقا وسيطا، وفي المغنى لابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه، ويضم بعضها إلى بعض.
قال ابن عبد البر: وكلها آثار محفوظة مشهورة، دالة على التوسعة والتخيير. والله أعلم.
стр. 1090
وأما وقت الرفع فقد قال عنه النووي في المجموع: في وقت استحباب الرفع خمسة أوجه: أصحها أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه، وهذا هو المنصوص. قال الشافعي في الأم: يرفع مع افتتاح التكبير ويرفع يديه عند الرفع مع انقضائه ويثبت يديه مرفوعة حتى يفرغ من التكبير كله. قال: فإن أثبت يديه بعد انقضاء التكبير مرفوعتين قليلا لم يضره.
الوجه الثاني: يرفع بلا تكبير، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين وينهيه مع انتهائه.
والوجه الثالث: يرفع بلا تكبير، ثم يكبر، ويداه قارتان، ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير.
الوجه الرابع: يبتدئ بهما معا، وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال لا مع انتهاء الرفع كما في الوجه الأول.
الوجه الخامس: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء. اهـ.
وهي أوجه عند الشافعية، والوجه الأول هو المرجح عند المالكية وبه قال أحمد، والوجه الثاني هو قول مشايخ الحنفية، ففي شرح الهداية يرفع ثم يكبر.
والناظر في روايات الباب الأربع يجدها لا تتعرض لنهاية الرفع، وتختلف في وقت ابتدائه، فالرواية الأولى والرابعة ظاهرهما المقارنة، ففي الأولى "إذا افتتح الصلاة رفع يديه" وفي الرابعة "إذا كدر رفع يديه" والرواية الثانية تقدم الرفع على التكبير، ولفظها "وإذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر" والرواية الثالثة تقدم التكبير على الرفع ولفظها "إذا صلى كبر، ثم رفع يديه".
فهذه الروايات بيان لحالات الجواز، ولا خلاف في ذلك، والخلاف في الوجه الأفضل.
والحافظ ابن حجر يقول: ولم أر من يقول بتقديم التكبير على الرفع، بعد أن قال: وقد ورد تقديم الرفع على التكبير، وعكسه، أخرجهما مسلم اهـ. ومعنى هذا أن القول بتقديم التكبير على الرفع وارد في الحديث متروك عند الفقهاء أي متروك في الأفضلية، جائز في العمل وإن كان خلاف الأولى. ففعله في الحديث لبيان الجواز.
وقال الحافظ ابن حجر: لم يرد ما يدل على التفرقة في الرفع بين الرجل والمرأة، وعن الحنفية: يرفع الرجل إلى الأذنين، والمرأة إلى المنكبين لأنه أستر لها والله أعلم.
وأما وقت رفع اليدين عند الركوع، عند من يقول به، فهو عندما يكبر للركوع، وقبل أن يهوى، بحيث تهوى يداه وتنساب مع هوى رأسه، والرواية الأولى والثانية والثالثة تشير إلى ذلك، فلفظ الأولى "وقبل أن يركع" ولفظ الثانية والثالثة "وإذا أراد أن يركع" وعلى الروايات الثلاث تحمل الرواية الرابعة، ولفظها "وإذا ركع رفع يديه" ليكون المراد منها: وإذا أراد أن يركع رفع يديه، إذ القول برفع اليدين بعد الركوع لا قائل به.
ووقته عند رفع رأسه في الركوع أن يقارن رفع اليدين رفع الرأس بحيث يتم محاذاتهما المنكبين
следующие страницы →