← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

(١٥٨) باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع ٦٩١ - عن سالم عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وقبل أن يركع وإذا رفع من الركوع ولا يرفعهما بين السجدتين. ٦٩٢ - عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. ٦٩٣ - عن الزهري بهذا الإسناد كما قال ابن جريج كان رسول الله إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر. ٦٩٤ - عن أبي قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ثم رفع يديه وإذا أراد أن يركع رفع يديه وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه وحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا. ٦٩٥ - عن مالك بن الحويرث أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا رفع رأسه من الركوع فقال سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك. ٦٩٦ - عن قتادة بهذا الإسناد أنه رأى نبي الله ﷺ وقال حتى يحاذي بهما فروع أذنيه.

стр. 1087

-[المعنى العام]- شرع الله الصلاة ذات أقوال وأفعال، ليشغل اللسان بذكره، والقلب بالخشوع لسلطانه وجلاله، والجوارح بالاستجابة لأمره، إنها مناجاة المخلوق للخالق، وإنها الإقبال من العبد المطيع الخاضع نحو ربه الغني الكبير المتعال، يأخذ المسلم لها أهبتها من الطهارة الكاملة، طهارة الثوب والبدن والمكان، ومن ستر العورة، واستقبال القبلة، مع حضور وقتها المأمور به، ثم يفتتحها بالتعظيم والتمجيد بلفظ [الله أكبر] رافعا يديه على هيئة المستسلم، واضعا إبهامه بجوار شحمتي أذنيه، وراحتيه حذو منكبيه، مستقبل القبلة بباطن كفيه، ناشرا أصابعه بحيث تحاذي أطرافها أعالي أذنيه، ذاك شعار الخضوع، وطرح الدنيا، والإقبال بجميع أعضائه على ربه، يرفع الشعار عند تكبيرة الإحرام، وعند الهوي إلى الركوع وعند الرفع منه، وعليه أن يلتزم هيئات أخرى غير هذه الهيئة في وقوفه لقراءة الفاتحة، وفي جلسته للتشهد، وفي الركوع والسجود. هيئات منسجمة مع حركاتها، ولها دلالتها الظاهرة على أن صاحبها في عبادة ومناجاة، ولها حكمتها الباطنة التي إن وصلنا إليها آمنا واستسلمنا بعقولنا وجوارحنا، وإن عجزنا عن إدراكها استجبنا وقلنا ما يقوله الراسخون في العلم: ﴿آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب* ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]. -[المباحث العربية]- (حتى تكونا حذو منكبيه) "حذو" بفتح الحاء وسكون الذال، أي مقابل وإزاء، و"منكبيه" تثنية "منكب" بفتح الميم وكسر الكاف بينهما نون ساكنة، وهو مجمع عظم العضد والكتف. (إذا قام للصلاة) أي شرع فيها، وباشر افتتاحها، وسيأتي أيهما يسبق: تكبيرة الإحرام أو رفع اليدين، وكذا المراد من قوله في الرواية الثالثة "إذا صلى" أي إذا شرع. (فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك) ليس رفع اليدين مرتبطا بالإرادة وحدها، بل حين مباشرة الركوع، وهذا هو المراد من قوله في الرواية الأولى "وقبل أن يركع" وقوله في الرواية الرابعة "وإذا ركع رفع يديه". (وإذا رفع من الركوع) تجمع الروايات في مسلم على أن رفع اليدين إنما يكون بعد الرفع فعلا من الركوع، وليس عند الشروع في الرفع، كما هو الحال عند الشروع في الركوع، وهو المراد من رواية أبي داود: "ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه". (ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود) وفي الرواية الأولى "ولا يرفعهما بين السجدتين". ورواه البخاري: "ولا يفعل ذلك في السجود" والمقصود إنه لا يرفع يديه في الهوى إلى

стр. 1088

السجود، ولا في الرفع منه، وقد جاء ذلك صريحا في رواية للبخاري، ولفظها "ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود". (وحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك) فاعل "حدث" مالك بن الحويرث، والجملة حالية، وليست معطوفة على "رأى" فيبقى فاعله "أبو قلابة" فيصير مرسلا، وليس الأمر كذلك، والتقدير: رأى أبو قلابة مالك بن الحويرث يفعل كذا وكذا محدثا مالك أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. (حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) أي أعلاهما. -[فقه الحديث]- قال النووي: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا في رفع اليدين فيما سواهما، فقال الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: يستحب رفعهما أيضا عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو رواية عن مالك، وحديث الباب برواياته الأربع تؤيد هذا الرأي. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة إلى إنه لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام، وهو أشهر الروايات عن مالك. اهـ بل بالغ بعضهم، فقال: إن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه يبطل الصلاة، ونسب بعض متأخري المغاربة فاعله إلى البدعة، ولهذا مال بعض محققيهم إلى تركه، درءا لهذه المفسدة. واحتجوا بما رواه أبو داود عن البراء بن عازب قال: "كان النبي ﷺ إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبا من شحمتي أذنيه، ثم لا يعود "وقالوا عن أحاديث الباب": إنها محمولة على أنه كان في ابتداء الإسلام، علامة للاستسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية فلما أنسوا واطمأنت قلوبهم خفف، وأبقى في أول الصلاة، علامة للدخول فيها لمن يسمع التكبير، واستدلوا على ذلك بأن عبد الله بن الزبير رأى رجلا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع، وعند رفع رأسه من الركوع فقال له: لا تفعل، فإن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ ثم تركه، وأيدوا النسخ بما رواه الطحاوي عن مجاهد قال "صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، قال الطحاوي: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع [كما روي في روايتنا الثانية] ثم ترك هو الرفع بعد النبي ﷺ ، فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد كان رأى النبي ﷺ فعله. ورد الجمهور بأن أكثر الرواة عن البراء بن عازب لم يذكروا "ثم لا يعود" قال الخطابي: لم يقل واحد في هذا "ثم لا يعود" غير شريك، وقال أبو عمر: تفرد به يزيد، ورواه عنه الحفاظ فلم يذكر واحد منهم قوله "ثم لا يعود" وقال البزار: لا يصح حديث يزيد في رفع اليدين "ثم لا يعود" وقال أحمد: هذا حديث واه، وقد كان يزيد يحدث به لا يذكر "ثم لا يعود" ثم كان يغير في آخر حياته فذكره.

стр. 1089

ثم دعوى النسخ لا تقبل عن غير دليل، ورواية مجاهد إنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك مطعون فيها. قال الحافظ ابن حجر: لأن راويها أبو بكر بن عياش ساء حفظه في آخر أيامه. وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك عنه سالم ونافع وغيرهما، والعدد الكثير أولى من واحد، لا سيما وهم مثبتون، وهو ناف، والمثبت مقدم على النافي، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يكن يراه واجبا ففعله تارة، وتركه أخرى، ومما يدل على ضعفه ما رواه البخاري عن مالك أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصا. فالحاصل أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام مشروع باتفاق العلماء والخلاف في رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه. وقد نقل النووي أنهم أجمعوا على أن الرفع غير واجب، إلا ما حكي عن داود، فإنه قال بوجوبه عند تكبيرة الإحرام، وممن قال بوجوبه عند تكبيرة الإحرام أيضا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري وابن خزيمة، وحكاه القاضي حسين عن الإمام أحمد. قال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي اهـ وقال الحافظ ابن حجر: ونقل بعض الحنفية أنه يأثم تاركه، اهـ هذا وللشافعي قول: إنه إذا قام من التشهد الأول رفع يديه، قال النووي: وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان يفعله. اهـ والحديث الذي أشار إليه النووي رواه البخاري، ولفظه "وإذا قام من الركعتين رفع يديه". وهناك قول غريب لبعض أهل الحديث، أنه يستحب رفع اليدين في السجود أيضا، وهو بعيد. كما أنه نقل عن الزيدية أنه لا يرفع يديه عند الإحرام، ولا يعتد بهم، والله أعلم. هذا حكم رفع اليدين، أما كيفيته فقد قال النووي: المشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، وبهذا جمع الشافعي ﵁ بين روايات الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه. اهـ. وفي رواية عن مالك: يرفع يديه حذاء صدره، وفي رواية لابن حبيب يرفعهما فوق رأسه، وعند بعض المالكية يرفعهما فوق أذنيه مدا مع رأسه. وقال الطحاوي: إنه لاختلاف الحال، فإلى الصدر والمنكبين أيام البرد، وأيديهم تحت أكسيتهم، ومع آذانهم وفوق رءوسهم عند إخراجها. وقال الطحاوي أيضا: يرفع ناشرا أصابعه، مستقبلا لباطن كفيه القبلة، وفي المحيط: ولا يفرج بين الأصابع تفريجا، وفي الحاوي للماوردي: يجعل باطن كل كف إلى الأخرى، وعن سحنون: ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض، وعن القاضي: يقيمهما محنيتين شيئا يسيرا، ونقل المحاملي عن أصحابه: يستحب تفريق الأصابع، وقال الغزالي: لا يتكلف ضما ولا تفريقا، بل يتركهما على هيئتهما، وقال الرافعي: يفرق تفريقا وسيطا، وفي المغنى لابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه، ويضم بعضها إلى بعض. قال ابن عبد البر: وكلها آثار محفوظة مشهورة، دالة على التوسعة والتخيير. والله أعلم.

стр. 1090

وأما وقت الرفع فقد قال عنه النووي في المجموع: في وقت استحباب الرفع خمسة أوجه: أصحها أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه، وهذا هو المنصوص. قال الشافعي في الأم: يرفع مع افتتاح التكبير ويرفع يديه عند الرفع مع انقضائه ويثبت يديه مرفوعة حتى يفرغ من التكبير كله. قال: فإن أثبت يديه بعد انقضاء التكبير مرفوعتين قليلا لم يضره. الوجه الثاني: يرفع بلا تكبير، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين وينهيه مع انتهائه. والوجه الثالث: يرفع بلا تكبير، ثم يكبر، ويداه قارتان، ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير. الوجه الرابع: يبتدئ بهما معا، وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال لا مع انتهاء الرفع كما في الوجه الأول. الوجه الخامس: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء. اهـ. وهي أوجه عند الشافعية، والوجه الأول هو المرجح عند المالكية وبه قال أحمد، والوجه الثاني هو قول مشايخ الحنفية، ففي شرح الهداية يرفع ثم يكبر. والناظر في روايات الباب الأربع يجدها لا تتعرض لنهاية الرفع، وتختلف في وقت ابتدائه، فالرواية الأولى والرابعة ظاهرهما المقارنة، ففي الأولى "إذا افتتح الصلاة رفع يديه" وفي الرابعة "إذا كدر رفع يديه" والرواية الثانية تقدم الرفع على التكبير، ولفظها "وإذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر" والرواية الثالثة تقدم التكبير على الرفع ولفظها "إذا صلى كبر، ثم رفع يديه". فهذه الروايات بيان لحالات الجواز، ولا خلاف في ذلك، والخلاف في الوجه الأفضل. والحافظ ابن حجر يقول: ولم أر من يقول بتقديم التكبير على الرفع، بعد أن قال: وقد ورد تقديم الرفع على التكبير، وعكسه، أخرجهما مسلم اهـ. ومعنى هذا أن القول بتقديم التكبير على الرفع وارد في الحديث متروك عند الفقهاء أي متروك في الأفضلية، جائز في العمل وإن كان خلاف الأولى. ففعله في الحديث لبيان الجواز. وقال الحافظ ابن حجر: لم يرد ما يدل على التفرقة في الرفع بين الرجل والمرأة، وعن الحنفية: يرفع الرجل إلى الأذنين، والمرأة إلى المنكبين لأنه أستر لها والله أعلم. وأما وقت رفع اليدين عند الركوع، عند من يقول به، فهو عندما يكبر للركوع، وقبل أن يهوى، بحيث تهوى يداه وتنساب مع هوى رأسه، والرواية الأولى والثانية والثالثة تشير إلى ذلك، فلفظ الأولى "وقبل أن يركع" ولفظ الثانية والثالثة "وإذا أراد أن يركع" وعلى الروايات الثلاث تحمل الرواية الرابعة، ولفظها "وإذا ركع رفع يديه" ليكون المراد منها: وإذا أراد أن يركع رفع يديه، إذ القول برفع اليدين بعد الركوع لا قائل به. ووقته عند رفع رأسه في الركوع أن يقارن رفع اليدين رفع الرأس بحيث يتم محاذاتهما المنكبين

стр. 1091

مع تمام الانتصاب، وعلى هذا تحمل رواياتنا الأربع، ولفظها "إذا رفع رأسه من الركوع" أي إذا ابتدأ رفع رأسه. قال الحافظ ابن حجر: وأما رواية الزهري عند أحمد وأبي داود بلفظ "وبعد ما يرفع رأسه من الركوع" فمعناه بعد ما يشرع في الركوع، لتتفق الروايات. اهـ. وفي حكمة رفع اليدين مع التكبير قال الحافظ ابن حجر وغيره: الحكمة في اقترانهما أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى، وقيل: والإشارة إلى الاستسلام والانقياد (فإن رفع اليدين علامة التسليم) ليناسب فعله قوله "الله أكبر" وقيل: إشارة إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إشارة إلى تمام القيام، وقيل: إشارة إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود، وقيل: يستقبل بجميع بدنه. قال القرطبي: وهو أنسبها، وقال الربيع: قلت للشافعي: ما معنى رفع اليدين؟ قال: تعظيم الله، واتباع سنة نبيه ﷺ وقال ابن عبد البر عن ابن عمر إنه قال: رفع اليدين من زينة الصلاة. اهـ. والذي تستريح إليه النفس أنه أمر تعبدي، وكذا كل قراءة وكل حركة وكل سكون في الصلاة، وكل ما قيل من حكم لا يستقيم إذا تعقب، ويكفي في التعقيب عليه أن نتساءل: لم لم يفعل ذلك عند الرفع من السجود للتشهد أو للقيام؟ والله أعلم. والحديث برواياته الأربع يتعرض لتكبيرة الإحرام، وهي ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجمهور السلف والخلف، لما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن علي -كرم الله وجهه-، أن النبي ﷺ قال "مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ولما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة في المسيء صلاته، وأن النبي ﷺ قال له "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر ... " الحديث، ولم يذكر له ﷺ في هذا الحديث إلا الفروض خاصة. ولما ثبت في الصحيحين عن جماعات من الصحابة أن النبي ﷺ كان يكبر للإحرام، وروايات حديث الباب واضحة في هذا الاستدلال. وقال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة: تكبيرة الإحرام شرط لا تصح إلا بها، ولكن ليست من الصلاة، بل هي كستر العورة، ومنهم من حكاه عن أبي حنيفة، وتظهر فائدة الخلاف بينه وبين الجمهور فيما لو كبر وفي يده نجاسة، ثم ألقاها في أثناء التكبيرة، فإن صلاته لا تصح عند الجمهور، وتصح عند الكرخي كستر العورة، واحتج له بقوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٥] فعقب الذكر بالصلاة، فدل على إنه ليس منها وبقوله "وتحريمها التكبير"، والإضافة تقتضي أن المضاف غير المضاف إليه، كدار زيد. وحكى ابن المنذر عن الزهري أنه قال: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير. قال ابن المنذر: ولم يقل به غير الزهري، واحتج له بالقياس على الصوم والحج، ورد بأن هاتين العبادتين ليستا مبنيتين على النطق بخلاف الصلاة. وصيغة التكبير أن يقول: "الله أكبر" لأن النبي ﷺ كان يدخل به في الصلاة وقال "صلوا كما

стр. 1092

رأيتموني أصلي" قال النووي: فإن قال: الله أكبر انعقدت صلاته على المذهب الصحيح عند الشافعية، وذهب مالك وأحمد وداود أنها لا تنعقد، فالجمهور متفق على تعيين لفظ التكبيرة ولا يجزئ ما قرب منها، كقوله: الرحمن الأكبر أو العزيز أكبر أو الله كبير، أو الرب أكبر وغيرها، وأما إذا كبر وزاد ما لا يغيره كقوله: الله أكبر وأعز وأجل وأعظم فإنه يجزئ. وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز بكل لفظ يقصد به التعظيم من حيث اللغة كما في قوله تعالى: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ [يوسف: ٣١] أي عظمنه وقوله ﴿وربك فكبر﴾ [المدثر: ٣] أي فعظم، فكل لفظ دل على التعظيم وجب أن يجوز الشروع به، قال: ومن أين قالوا: إن التكبير وجب بعينه، حتى يقتصر على لفظ [أكبر] والأصل في خطاب الشرع أن تكون نصوصه معلومة معقولة، والتقييد خلاف الأصل على ما عرف في الأصول، وقال تعالى ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ وذكر اسمه تعالى أعم من أن يكون باسم الله أو باسم الرحمن، فجاز الرحمن أعظم، كما جاز الله أكبر، لأنهما في كونهما ذكرا سواء، قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقال ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" فمن قال: لا إله إلا الرحمن أو العزيز كان مسلما، فإذا جاز ذلك في الإيمان الذي هو أصل، ففي فروعه أولى. اهـ. قال النووي: فإن كبر بالفارسية، وهو يحسن العربية لم يجزه، وإن لم يحسن العربية، وضاق الوقت عن أن يتعلم كبر بلغته، وإن اتسع الوقت لزمه أن يتعلم، فإن لم يتعلم وكبر بغير العربية بطلت صلاته؛ لأنه ترك اللفظ مع القدرة عليه. اهـ. ثم قال: ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير، ليسمع من خلفه، ويستحب لغيره أن يسر به، وأدناه أن يسمع نفسه، ويجب أن يكبر للإحرام قائما، حيث يجب القيام، وكذا المسبوق الذي يدرك الإمام راكعا، يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه، وقال بعض الشافعية: إن وقع بعضها في انحنائه، وتمت قبل بلوغه حد الركوع انعقدت صلاته فرضا، لأن ما قبل حد الركوع من جملة القيام، ولا يضر الانحناء اليسير، والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه، فهذا حد الركوع، وما قبله حد القيام، قال النووي: وهذا وجه ضعيف، والأصح أنه متى انحنى بحيث يكون حد الركوع أقرب لم يكن قائما، ولا تصح تكبيراته. اهـ. وقال: ويشترط مقارنة النية مع ابتداء التكبير، ويجب استصحاب النية إلى انقضاء التكبير على الصحيح، وقيل: لا يجب. والنية هي القصد فيحضر في ذهنه ذات الصلاة، وما يجب التعرض له من صفاتها، كالظهرية، وفي اشتراط الفرضية والأداء والقضاء خلاف. والله أعلم

стр. 1093

(١٥٩) باب التكبير عند الرفع والخفض في الصلاة ٦٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يصلي لهم فيكبر كلما خفض ورفع فلما انصرف قال والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . ٦٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم "ربنا ولك الحمد" ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس ثم يقول أبو هريرة إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . ٦٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم بمثل حديث ابن جريج ولم يذكر قول أبي هريرة إني أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . ٧٠٠ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان حين يستخلفه مروان على المدينة إذا قام للصلاة المكتوبة كبر فذكر نحو حديث ابن جريج وفي حديثه فإذا قضاها وسلم أقبل على أهل المسجد قال والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . ٧٠١ - عن أبي سلمة أن أبا هريرة ﵁ كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع فقلنا يا أبا هريرة ما هذا التكبير قال إنها لصلاة رسول الله ﷺ . ٧٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يكبر كلما خفض ورفع ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك.

стр. 1094

٧٠٣ - عن مطرف قال صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر فلما انصرفنا من الصلاة قال أخذ عمران بيدي ثم قال لقد صلى بنا هذا صلاة محمد ﷺ أو قال قد ذكرني هذا صلاة محمد ﷺ . -[المعنى العام]- كان لفظ (الله أكبر) شعار الجهر بالدعوة، ثم كان شعار النداء للصلاة، ثم كان مفتاحها، ثم صار شعارها في كل رفع وخفض فيها، كان ﷺ إذا قام للصلاة، واستقبل القبلة، افتتح الصلاة بالتكبير، ثم إذا أراد أن يركع كبر، وإذا رفع من الركوع قال سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوى ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها. حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من التشهد الأوسط، وتلقى الصحابة هذا التكبير عن رسول الله ﷺ ، وإن كان بعضهم قد خفى عليه الصوت لبعده فظن أن الرسول ﷺ لم يواظب عليه، وربما كان قد تركه في بعض الأحيان لبيان الجواز، فلما كان عهد عثمان بن عفان، وضعف صوته ترك الجهر ببعض التكبير، وتعمد تركه خلفاؤه من بني أمية في إمامتهم الناس، وكادت هذه السنة أن تندثر لولا أن هيأ الله لها أمثال علي -كرم الله وجهه- وأبي هريرة ﵁، فأعادوا للناس إيمانهم بها، ومحافظتهم عليها، واستقر العمل على التكبير في الصلاة بمثل ما في حديث أبي هريرة، فرضي الله عن الصحابة أجمعين. -[المباحث العربية]- (فيكبر كلما خفض ورفع) ظاهره العموم في جميع الانتقالات في الصلاة، لكنه خص منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه شرع فيه التحميد، كما في الرواية الثانية. (فلما انصرف) أي عن الصلاة. (إذا قام إلى الصلاة) أي إذا تهيأ لها واستعد. (يكبر حين يقوم) أي حين يقف للصلاة. (ربنا ولك الحمد) في بعض الروايات "ربنا لك الحمد" بدون الواو، وفي بعضها "اللهم ربنا لك الحمد".

стр. 1095

قال الأصمعي: سألت أبا عمرو عن الواو في قوله "ربنا ولك الحمد" فقال: هذه زائدة. تقول العرب: هذا الثوب جميل، فيقول المخاطب: نعم. وهو لك بدرهم. فالواو زائدة. وقيل: عاطفة على محذوف، أي ربنا حمدناك ولك الحمد. (ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها) أي في خفض ورفع الصلاة كلها. (حتى يقضيها) أي حتى ينتهي منها ويؤديها. (ثم يكبر حين يهوى ساجدا) "يهوى" بفتح الياء وكسر الواو يقال: هوى بفتح الهاء والواو، يهوى أي سقط إلى أسفل. (ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس) في رواية البخاري "حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" أي للتشهد. (خلف علي بن أبي طالب) كان ذلك بالبصرة، بعد وقعة الجمل. (لقد صلى بنا هذا) أي علي بن أبي طالب. (وقد ذكرني) بتشديد الكاف وفتح الراء. -[فقه الحديث]- جمهور العلماء من السلف والخلف على أن التكبير كلما رفع وكلما خفض مشروع، فيما عدا الرفع من الركوع، فإنه شرع فيه التحميد. قال النووي، وهذا مجمع عليه اليوم، ومن الأعصار المتقدمة، وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام، وبعضهم يزيد عليه ما جاء في حديث أبي هريرة واستقر العمل على ما في حديث أبي هريرة هذا. ففي كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة، وهي: تكبيرة الإحرام وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية سبع عشرة تكبيرة، وهي تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرباعية اثنتان وعشرون، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرة، ثم قال: واعلم أن تكبيرة الإحرام واجبة، وماعداها سنة، لو تركه صحت صلاته، ولكن فاتته الفضيلة وموافقة السنة. اهـ. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء ومالك في المشهور، وقالت الظاهرية وأحمد في رواية عنه: كلها واجبة، قال الأبي المالكي: قال المازري في كتابه الكبير: رأى بعض المتأخرين وجوب التكبير، لقول مالك: إن طال عدم السجود لتركه بطلت، ونقل العيني عن ابن القاسم المالكي: من أسقط ثلاث تكبيرات فأكثر سوى تكبيرة الإحرام يسجد قبل السلام، وإن لم يسجد قبل السلام سجد بعده، وإن لم يسجد حتى طال بطلت صلاته.

стр. 1096

واستدل القائلون بوجوب التكبير بأن النبي ﷺ قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وثبت أنه ﷺ كان يكبرهن، ودليل الجمهور أن النبي ﷺ علم الأعرابي الصلاة، فعلمه واجباتها، فذكر منها تكبيرة الإحرام، ولم يذكر ما زاد، وهذا موضع البيان ووقته، ولا يجوز التأخير عنه. وحديث الباب في رواياته المختلفة يوحي بأن السلف لم يكونوا متفقين على شرعية التكبير في الرفع والخفض، وقد ورد أن بعضهم كان لا يكبر إلا تكبيرة الإحرام، وإن بعضهم لا يكبر إذا هوى للركوع وللسجود، وكذلك لا يكبر إذا هوى للسجدة الثانية، وإن بعضهم فرق بين المنفرد وغيره، فلم يشرعه للمنفرد، وشرعه للإمام، لأنه في نظره للإعلام بحركة الإمام، فلا يحتاج إليه المنفرد، وقد جاء في الرواية السادسة عند أحمد "عن مطرف قال: قلنا لعمران بن حصين: يا أبا نجيد. من أول من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر وضعف صوته" وروى الطبراني عن أبي هريرة، "أن أول من ترك التكبير معاوية": وروى أبو عبيد "أن أول من تركه زياد" قال الحافظ ابن حجر: وهذا لا تنافي بينه، لأن زيادا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء وترك الجهر، لا ترك التكبير بالكلية، لكن في قول عمران، في الرواية السادسة قد ذكرني هذا صلاة محمد ﷺ "إشارة إلى أن التكبير الذي ذكره كان قد ترك. اهـ. وفي كيفية التكبير ووقته يقول النووي: في قوله "يكبر حين يهوى ساجدا، ثم يكبر حين يرفع، ويكبر حين يقوم من المثنى" دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات، وبسطه عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتفال إلى الركوع ويمده حتى يصل حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، ويبدأ بالتكبير حين يشرع في الهوى إلى السجود، ويمده حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود، ويشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول حين يشرع في الانتقال ويمده حتى ينتصب قائما. قال: هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ -وبه قال مالك- إنه لا يكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائما، ودليل الجمهور ظاهر هذا الحديث. اهـ قال الحافظ ابن حجر: معقبا: ودلالة لفظ الحديث على بسط التكبير ومده غير ظاهرة. اهـ وهو تعقيب حسن. وفي الحكمة من هذا التكبير يقول ابن المنير: الحكمة في مشروعية التكبير في الخفض والرفع أن المكلف أمر بالنية أول الصلاة مقرونة بالتكبير، وكان من حقه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأمر أن يجدد العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية. اهـ. ولو قلنا في الحكمة: إن هذه الانتقالات من رفع وخفض إنما هي حركات الإنسان الضعيف أمام ربه الكبير المتعال، وهو في كل حركة منها محتاج إلى حوله وقوته جل شأنه، فناسب اقتران هذه الانتقالات بذكر يناسبها، وأنسب الأذكار في هذا المقام هو [الله أكبر] لو قلنا ذلك ما بعدنا عن الصواب. والله أعلم. وأما التحميد عند الرفع من الركوع فإنه لما كانت الفاتحة حمدا وثناء ودعاء وأعقبها تكبير الركوع ناسب عند رفع الصلب إعلان الرجاء بسماع الله لمن حمد. وإثابته على الحمد بقوله [سمع

стр. 1097

الله لمن حمده] أي جزاه وأثابه، ثم يعقب ذلك بالحمد مرة ثانية بقوله [ربنا ولك الحمد] استجابة لقوله تعالى ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧]. قال النووي: ويبدأ في قوله "سمع الله لمن حمده" حين يشرع في الرفع من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائما، ثم يشرع في ذكر الاعتدال، وهو (ربنا لك الحمد) ثم قال: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي ﵁ وطائفة أنه يستحب لكل مصل، من إمام ومأموم ومنفرد أن يجمع بين [سمع الله لمن حمده] و [ربنا لك الحمد] فيقول: سمع الله لمن حمده في ارتفاعه، وربنا لك الحمد في حال استوائه وانتصابه في الاعتدال؛ لأنه ثبت أنه ﷺ فعلهما جميعا، وقال ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" وسيأتي بسط الكلام في هذه المسألة وفروعها وشرح ألفاظها ومعانيها بعد عدة أبواب حيث ذكرها الإمام مسلم رحمه الله تعالى بعد باب: متابعة الإمام والعمل بعده. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - من قول أبي هريرة "والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " حرص الصحابة على تبليغ الشريعة، وحرصهم على اتباع السنة. ٢ - ومن الرواية الثانية مشروعية جمع الإمام بين "سمع الله لمن حمده" و"ربنا لك الحمد" وهو مذهب الشافعي، وعند أبي يوسف ومحمد يقول الإمام "ربنا لك الحمد" في نفسه، وبه قال أحمد في رواية، وعند أبي حنيفة لا يقول الإمام: ربنا لك الحمد، وبه قال مالك، وأحمد في رواية. ٣ - وأن التسميع عند الرفع من الركوع، والتحميد عند القيام بعد الركوع. ٤ - يؤخذ من قولهم في الرواية الرابعة: ما هذا التكبير؟ أن التكبير الذي ذكره كان قد ترك. ٥ - قال ابن بطال: يؤخذ منه أن السلف لم يتلقوا التكبير المذكور على أنه ركن من أركان الصلاة، وإلا لما تركوه. ٦ - قال الحافظ ابن حجر: استدل بعضهم بما في الرواية السادسة من صلاة مطرف وعمران خلف علي ﵁ على أن موقف الاثنين يكون خلف الإمام، خلافا لما قال: يجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله قال: وفيه نظر، لأن فيه أنه لم يكن معهما غيرهما. والله أعلم

стр. 1098

(١٦٠) باب قراءة الفاتحة في كل ركعة ٧٠٤ - عن عبادة بن الصامت يبلغ به النبي ﷺ "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ٧٠٥ - عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ "لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن". ٧٠٦ - عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". ٧٠٧ - عن الزهري بهذا الإسناد مثله وزاد "فصاعدا". ٧٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال ﴿مالك يوم الدين﴾ قال مجدني عبدي (وقال مرة فوض إلي عبدي) فإذا قال ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" قال سفيان: حدثني به العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب دخلت عليه وهو مريض في بيته فسألته أنا عنه. - - بمثله.

стр. 1099

٧٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بأم القرآن" بمثل حديث سفيان وفي حديثهما "قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي". ٧١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" يقولها ثلاثا بمثل حديثهم. ٧١١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا صلاة إلا بقراءة" قال أبو هريرة فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم وما أخفاه أخفيناه لكم. ٧١٢ - عن عطاء قال: قال أبو هريرة في كل الصلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم وما أخفى منا أخفينا منكم فقال له رجل إن لم أزد على أم القرآن؟ فقال إن زدت عليها فهو خير وإن انتهيت إليها أجزأت عنك. ٧١٣ - عن عطاء قال: قال أبو هريرة في كل صلاة قراءة فما أسمعنا النبي ﷺ أسمعناكم وما أخفى منا أخفيناه منكم ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت عنه ومن زاد فهو أفضل. ٧١٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ فرد رسول الله ﷺ السلام قال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه فقال رسول الله ﷺ "وعليك السلام" ثم قال "ارجع فصل فإنك لم تصل" حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرجل والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا علمني، قال "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".

стр. 1100

٧١٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا دخل المسجد فصلى ورسول الله ﷺ في ناحية وساقا الحديث بمثل هذه القصة وزادا فيه "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر". ٧١٦ - عن عمران بن حصين ﵁ قال صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر (أو العصر) فقال: "أيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى؟ " فقال رجل: أنا. ولم أرد بها إلا الخير قال "قد علمت أن بعضكم خالجنيها". ٧١٧ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال: "أيكم قرأ" و"أيكم القارئ" فقال رجل: أنا. فقال "قد ظننت أن بعضكم خالجنيها". ٧١٨ - عن قتادة بهذا الإسناد أن رسول الله ﷺ صلى الظهر وقال "قد علمت أن بعضكم خالجنيها". -[المعنى العام]- الصلاة هي الصلة بين العبد وربه، خمس مرات في كل يوم وليلة يتجه الإنسان إلى خالقه، ويقف بين يديه، منقطعا عن شواغل الحياة الدنيا، مقبلا عليه بالحمد والشكر والثناء والدعاء، ومن هنا كانت مباهاة الله لملائكته بالمؤمنين المصلين، وكانت شهادة الملائكة لهم بحسن العبادة من أجلها، حين يسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون، ومن هنا حرص الرسول ﷺ على المحافظة عليها، وإعلانها، والحث على جماعتها، لينقلها السلف واضحة جلية إلى الخلف، ولم يكتف بتنصيب نفسه القدوة العملية، بل أخذ يبين ما قد يخفى، ويزيل ما قد يعلق بالنفس من شبهات، لقد كان إمام المسلمين، وكان يجهر في مواطن الجهر، ويسر في مواطن الإسرار، فعرف الناس حكم الإمام في جهره، وخفي على بعضهم قراءته في سره، وقراءة

стр. 1101

المنفرد والمأموم، حتى ذهب بعضهم في حكمها مذاهب مختلفة، فقام عبادة بن الصامت يبلغ عن الرسول ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وقام أبو هريرة يبلغ عن النبي ﷺ أنه قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج [أي ناقصة] غير تمام" ويشتبه المشتبه، فيسأل أبا هريرة كيف يقرأ المأموم خلف الإمام؟ لو قرأ الناس خلف إمامهم لصار المسجد سوقا يعج بالتهويش؟ فيقول: أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك ولا ترفع صوتك، ولا تسمع بقراءتك غيرك، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى في الحديث القدسي: قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي المصلي نصفين، لي نصفها، وله نصفها، نصفها الأول حمد وثناء علي، أجزيه عليه خير الجزاء، ونصفها الثاني تضرع ودعاء، أستجيب دعاءه وأعطيه ما سأل، فإذا قال العبد ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قلت: حمدني عبدي. وإذا قال ﴿الرحمن الرحيم﴾ قلت: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قلت: مجدني وفوض الأمر إلى عبدي، وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قلت: هذا بيني وبين عبدي، فالنصف الأول اعتراف بالألوهية، واستجابة بالعبادة، والنصف الثاني دعاء بالاستعانة، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم* صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قلت هذا تضرع ودعاء من عبدي، وقد أجبت دعاءه، ولعبدي ما سأل. فيا سعادة من حافظ عليها، ويا ضيعة من لا يقرؤها. قال رجل لأبي هريرة حسنا ما قلت بشأن الفاتحة، فما الحكم لو لم أزد عليها؟ ولم أقرأ بعدها سورة؟ قال أبو هريرة: إن اكتفيت بها أجزأت عنك، وإن قرأت بعدها سورة كان أفضل، ويزيد أبو هريرة قراءة الفاتحة تأكيدا فيروي قصة المسيء صلاته، فيقول: بينما رسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد إذ دخل أعرابي، فصلى صلاة عاجلة، لا يدري فيها أقرأ أم لا؟ ولا يدري كيف ركع؟ ولا كيف سجد؟ فلما انتهى جاء إلى النبي ﷺ فألقى السلام، فرد عليه، وقال له: ﷺ ارجع فصل، فإنك لم تصل، وما فعلت ليس الصلاة المطلوبة، فرجع الرجل فصلى مثل ما كان صلى، ثم جاء فسلم فرد ﷺ السلام، وقال له: ارجع فصل، فإن صلاتك هذه ليست الصلاة المطلوبة، فرجع فصلى مثل التي قبلها، ثم جاء فسلم، فرد الرسول ﷺ السلام، ثم قال له: ارجع فصل، فإنك كمن لم يصل. فقال: والذي بعثك بالحق لا أعرف غير هذا فعلمني، فعلمه الرسول ﷺ كيف يدخل في الصلاة، وكيف يقرأ وكيف يركع، وكيف يرفع وكيف يسجد، وكيف يجلس، وأكد له القراءة في الصلاة. ويزيد عمران بن حصين الأمر وضوحا، ويحكى أن الصحابة كانوا يقرءون خلف النبي ﷺ ، بل كانوا يقرءون السورة في نفسهم، ولما رفع أحدهم صوته بقراءة السورة حتى سمعه الرسول ﷺ عن بعد قال حين سلم: من منكم الذي قرأ بصوت مرتفع ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال رجل: أنا يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير، قال: لا تعد لرفع الصوت، حتى لا يظن أنك تنازع الإمام القراءة، وأنك تغالبه بصوتك، فقال: سمعا وطاعة، وكف الناس عن الجهر بالقراءة خلف الإمام. -[المباحث العربية]- (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) أي لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب في نفس الصلاة،

стр. 1102

إذ قد يتوهم أن الشرط أن يقرأ المصلي الفاتحة، ولو قبل الصلاة. كما نقول: لا صلاة لمن لم يتطهر. والباء في: "بفاتحة الكتاب" للمصاحبة والتقدير. لا صلاة لمن لم يقرأ مصاحبا في قراءته فاتحة الكتاب. وفي القاموس: قرأه وقرأ به. وسميت هذه السورة بفاتحة الكتاب لأن الله جل شأنه افتتح بها كتابه المجيد، والكتاب بالنسبة للمسلمين أصبح علما بالغلبة على القرآن، كما غلب لفظ المدينة على مدينة الرسول ﷺ ، وبالنسبة لليهود والنصارى التوراة والإنجيل، فقد أطلق عليهم القرآن أهل الكتاب، وأصل الكتاب ما يكتب فيه. (لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن) قرأ القرآن، واقترأه تلاه، لكن في "اقترأ" معنى المعالجة والتحمل، وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى غالبا، وسميت الفاتحة بأم القرآن، -كما يقول القاضي عياض- لأنها أصله كما قيل لمكة [أم القرى]. قال الأبي: لأنها أول الأرض وأصلها ومنها دحيت. اهـ وفي كلامه نظر. وقيل: لأنها مجمع العلوم والخيرات كما سمي الدماغ [أم الرأس] لأنه مجمع الحواس والمنافع. وقال ابن دريد: الأم في كلام العرب للراية ينصبها الأمير للعسكر يفزعون إليها في حياتهم وموتهم، وقال الحسن بن الفضل: سميت بذلك لأنها إمام لجميع القرآن، وتقدم على كل سورة، كأم القرى لأهل الإسلام، وقيل: سميت بذلك لأنها أعظم سورة في القرآن. والأقوال كلها متقاربة المعنى. قال النووي في المجموع: لفاتحة الكتاب عشرة أسماء، حكاها الإمام أبو إسحق الثعلبي وغيره: أحدها: فاتحة الكتاب، الثاني: سورة الحمد، الثالث: أم القرآن. الرابع: أم الكتاب. الخامس: الصلاة، لحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" روايتنا الثالثة. السادس: السبع المثاني (أي الآيات السبع التي تثنى وتكرر في كل صلاة) السابع: الوافية بالفاء، لأنها لا تنقص، فلا يقرأ بعضها في ركعة وبعضها في أخرى، بخلاف غيرها. الثامن: الكافية، لأنها تكفي عن غيرها، التاسع: الأساس، العاشر: الشفاء، وفيه حديث مرفوع (ولا يخفى أن أسماء السور توقيفية على الصحيح) قال الماوردي في تفسيره: واختلفوا في جواز تسميتها بأم الكتاب، فجوزه الأكثرون، لأن الكتاب تبع لها، ومنعه الحسن وابن سيرين وزعما أن هذا اسم للوح المحفوظ، فلا يسمى به غيره، قال النووي: وهذا غلط، فقد ورد تسميتها بذلك في حديث مسلم. اهـ. وهو يقصد روايتنا السابعة. والله أعلم. (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدا). قال الأبي: أي فما زاد عليها، كقولهم: اشتريته بدرهم فصاعدا، وهو منصوب على الحال، أي فزاد الثمن صاعدا، قال القرطبي: وهذا يقتضي أن السورة واجبة، ولا أعلم من قال به. اهـ وسيأتي إيضاح هذه النقطة في فقه الحديث. (فهي خداج) بكسر الخاء، وآخرها جيم، قال أهل اللغة: الخداج النقصان، يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذ ولدته ناقصا، وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لقصير اليد: مخدج اليد: أي ناقصها، قالوا: فقوله ﷺ "فهي خداج" أي ذات خداج. اهـ. فالخداج مصدر، ولا يقع خبرا إلا بتأويله بمشتق، أو بتقدير مضاف، كقولنا، زيد عدل، أي عادل، أو ذو عدل.

стр. 1103

(غير تمام) خبر ثان لقوله "فهي خداج" أو خبر لمبتدأ محذوف، والجملة تفسير لما قبلها، أو تأكيد. (اقرأ في نفسك) معناها اقرأها سرا بحيث تسمع نفسك، وحمل ذلك على التدبر غير سليم، لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في فقه الحديث. (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) قال النووي قال العلماء المراد بالصلاة هنا الفاتحة. سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها، كقوله ﷺ "الحج عرفة". اهـ. ففي الكلام مجاز مرسل من إطلاق الكل وإرادة الجزء. (نصفين) المراد المناصفة من حيث المعنى والمدلول، فجزؤها الأول تحميد لله تعالى وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه. وشقها الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار، وليس المراد قسمة الكلمات، لأن الشطر الأخير يزيد على الأول من جهة الألفاظ والحروف. (حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي) في القاموس حمده كسمعه، وفي الألفاظ الثلاثة (الحمد والثناء والتمجيد) قال القاضي عياض: الحمد الثناء بصفات الأفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، والثناء يكون بهما، ولذا جاء الثناء مع "الرحمن الرحيم" لاشتمال الاسمين على صفة الذات من الرحمة، مدلول الرحمن، ولذا اختص به ﵎، فلا يتصف به غيره وذلك نهاية العظمة، فالرحمن صفة الجلال، وصفة الفعل مدلول الرحيم، لأن الرحيم هو العائد برحمته على عباده، ووجه مطابقة التمجيد؛ لقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم (والدين الحساب، وقيل: الجزاء) ولا دعوى لأحد ذلك اليوم، ولا تجاز، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي، ويدعي بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، وهذا معناه، وإلا فالله هو الملك والمالك على الحقيقة للدارين، وما فيهما ومن فيهما، وكل من سواه مربوب له، وعبد مسخر، ففي هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد وتفويض الأمر ما لا يخفى. اهـ. (وقال مرة: فوض إلي عبدي) وفي رواية "وربما قال: فوض إلي عبدي" قال القرطبي: أي يقول هذا، ويقول هذا (أي يقول مرة: مجدني عبدي، ويقول مرة: فوض إلي عبدي) غير أن قوله "فوض إلي عبدي" قليلا يقال. فليست الصيغة شكا فيما يقول. (فإذا قال ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي) فالجملة الأولى ثناء وخضوع، والجملة الثانية طلب وسؤال ودعاء. (فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم) أي ما جهر به بالقراءة جهرنا به، وما أسر به أسررنا به، وقيل: معناه ما عين لنا كالفاتحة عيناه لكم، وما لم يعينه كغيرها لم نعينه لكم، والأول أظهر وأصح.

стр. 1104

(في كل الصلاة يقرأ) بضم الياء، مبني للمجهول، ورواية البخاري "في كل صلاة يقرأ". (وإن انتهيت إليها أجزأت عنك) أي كفت عنك. (صلاة الظهر أو العصر) شك من الراوي، وجاءت الرواية الحادية عشرة بالظهر، بدون شك، وهي كذلك في أكثر الطرق. (وقد علمت أن بعضكم خالجنيها) أي نازعنيها، كأنه ينزعها من لسانه كما قال في رواية "ما لي أنازع القرآن"؟ . -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في هذا الموضوع اختلافا متشعبا، فمنهم من لم يوجب القراءة في الصلاة مطلقا، ومنهم من أوجبها، ومن أوجبها منهم من عين الفاتحة ولم يقبل بدلها، ومنهم من أجاز قراءة غير الفاتحة، ومن أوجب القراءة منهم من أوجبها في جميع الركعات، ومنهم من أوجبها في الأوليين فقط إذا كانت رباعية أو ثلاثية، ثم منهم من أوجبها على الإمام والمأموم والمنفرد، ومنهم من أوجبها على المنفرد والإمام، دون المأموم، وسنعرض للمذاهب وأدلتها محاولين ضبط الشوارد، مع التنسيق والاختصار جهد الطاقة، وبالله التوفيق. أولا: حكى القاضي أبو الطيب ومتابعوه عن الحسن بن صالح وأبي بكر الأصم أنهما قالا: لا تجب القراءة في الصلاة، بل هي مستحبة، واحتج لهما بما رواه أبو سلمة ومحمد بن علي "أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى المغرب، فلم يقرأ، فقيل له؟ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنا، قال: فلا بأس" رواه الشافعي في الأم، وعن الحارث الأعور "أن رجلا قال لعلي ﵁ إني صليت ولم أقرأ؟ قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال نعم. قال: تمت صلاتك" رواه الشافعي، وعن زيد بن ثابت ﵁ قال "القراءة سنة" رواه البيهقي. ومذهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة ومذهب العلماء كافة وجوب القراءة، ولا تصح الصلاة إلا بها، وحجتهم الأحاديث الصحيحة التي لا معارض لها ومنها أحاديث الباب، وأجابوا عن الأثر عن عمر ﵁ بثلاثة أجوبة: أحدها أنه ضعيف، لأن أبا سلمة ومحمد بن علي لم يدركا عمر، الثاني أنه محمول على أنه أسر بالقراءة، على فرض صحته، الثالث أن البيهقي رواه من طريقين موصلين عن عمر ﵁ أنه صلى المغرب ولم يقرأ، فأعاد. قال البيهقي: وهذه الرواية موصولة موافقة للسنة في وجوب القراءة، والقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان. وأما الأثر عن علي ﵁ فضعيف أيضا، لأن الحارث الأعور متفق على ضعفه وترك الاحتجاح به، وأما الأثر عن زيد فقال البيهقي وغيره: مراده أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف فلا تجوز مخالفته، وإن كان على مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة.

стр. 1105

ثانيا: قال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة للوجوب، لكن تستحب، وقيل: تجب بمعنى إنه يأثم بتركها، ولو قرأ غيرها أجزأ، ولو ترك القراءة جملة بطلت، واختلف الحنفية في أقل قدر يجزئ بدلا من الفاتحة، فقال أبو حنيفة: تجزئ آية واحدة: وقال أصحابه: ثلاث آيات، أو آية طويلة. وقال الطبري: سبع آيات، عدد أي الفاتحة وحروفها. واستدلوا بقوله تعالى ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠] فقد أمر تعالى بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقا، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص، وذلك لا يجوز، لأنه نسخ، فيكون أقل ما ينطلق عليه القرآن فرضا، لكونه مأمورا به والقراءة خارج الصلاة ليست بفرض، فتعين أن يكون في الصلاة، كما استدلوا بحديث في الأوسط "في كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب" وبروايتنا الخامسة لا صلاة إلا بقراءة، والسابعة "في كل صلاة قراءة" والثامنة "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". وذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود إلى وجوب قراءة الفاتحة بعينها في الصلاة، ولا يغنى عنها شيء من القرآن. واستدلوا بأحاديث الباب، بالرواية الأولى "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وبالرواية الثانية": لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن" قالوا: إن المعنى: لا صلاة صحيحة، وقال الحنفية: من المعروف أن الأصوليين اختلفوا في مثل قوله: "لا صلاة" فقيل: هو مجمل، لأنه حقيقة في نفي الذات، والذات واقعة، لا ترتفع، فينصرف لنفي الحكم، وهو متردد بين نفي الكمال، ونفي الصحة وليس أحدهما أولى من الآخر، فأنتم تقولون: لا صلاة صحيحة، ونحن نقول: لا صلاة كاملة، كقوله ﷺ "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وقوله "لا صلاة بحضرة الطعام" وأجاب الجمهور بأن أحدهما هنا أولى من الآخر، لأنه في نفي الصحة أظهر، لأن مثل هذا اللفظ يستعمل عرفا لنفي الفائدة، كقولهم: لا علم إلا ما نفع، ونفي الصحة أظهر في بيان نفي الفائدة وأيضا اللفظ يشعر بالنفي العام، ونفي الصحة أقرب إلى العموم من نفي الكمال لأن الفاسد لا اعتبار له بوجه، وأيضا يمكن أن يقال: لا يمتنع نفي الذات، أي الحقيقة الشرعية، فإن الصلاة في عرف الشرع اسم للصلاة الصحيحة، فإذا فقد شرط صحتها انتفت كما استدلوا بالرواية الثانية، "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام" فهذا يدل على الركنية، قال الحنفية: لا نسلم لأن معناه أن صلاته ناقصة، ونحن نقول بنقصانها، بمعنى أنها لم تبلغ حد الكمال ولهذا قلنا باستحباب قراءة الفاتحة. كما استدل الجمهور بما رواه الدارقطني عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال "لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب" وأجابوا عن الآية التي احتج بها الحنفية بأنها وردت في قيام الليل، لا في قدر القراءة، وعن حديث المسيء صلاته في قوله "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" بأن الفاتحة مما تيسر فيحمل عليها جمعا بين الأدلة، أو يحمل على من لا يحسنها، وعن حديث الأوسط

стр. 1106

"في كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب" بأنه ضعيف، ولو صح كان معناه أن أقل ما يجزئ فاتحة الكتاب، كما يقال: صم ولو ثلاثة أيام من الشهر، أي أكثر من الصوم، فإن نقصت فلا تنقص عن ثلاثة أيام، وعن الرواية الخامسة "لا صلاة إلا بقراءة" والسابعة "في كل صلاة قراءة" بأن القراءة لفظ عام أو مطلق فيحمل على الخاص أو المقيد، الذي ثبت به الأحاديث الصحيحة، وهو تعين الفاتحة في القراءة، والله أعلم. ثالثا: قال الثوري والأوزاعي في رواية وأبو حنيفة ﵁ لا تجب القراءة في الركعتين الأخيرتين، بل هو بالخيار، إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، قال صاحب الهداية وغيره من الحنفية: إلا أن الأفضل أن يقرأ، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ قالوا: فالمصلي مأمور بالقراءة، والأمر لا يقتضي التكرار، فتتعين الركعة الأولى منها، وإنما أوجبناها في الثانية استدلالا بالأولى، لأنهما تتشاكلان من كل وجه، كذلك استدلوا بروايات هذا الباب "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". "لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن". "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". "لا صلاة إلا بقراءة" "في كل صلاة قراءة" وقالوا: هذه أحاديث لا تقتضي القراءة أكثر من مرة. كما استدلوا بما رواه أبو داود بإسناد صحيح ولفظه "دخلنا على ابن عباس، فقلنا لشاب: سل ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا. فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خمش (أي خمش الله وجه هذا القائل وجلده) هذه شر من الأولى، كان عبدا مأمورا، بلغ ما أرسل به"، وبما رواه أبو داود بإسناد صحيح أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا". وقال بعض أصحاب داود: لا تجب القراءة إلا في ركعة من كل الصلوات وعن مالك في رواية: إن ترك القراءة في ركعة من الصبح لم تجزه، وإن تركها في ركعة من غيرها أجزأه. وذهب الشافعية والحنابلة والأوزاعي وأبو ثور في رواية عنهما وهو الصحيح عن مالك وداود أن قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة، واحتجوا بحديث المسيء صلاته، وفيه "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وبرواية البيهقي له بلفظ "ثم افعل ذلك في كل ركعة"، وبحديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال "صلوا كما رأيتموني" رواه البخاري، وقد ثبت بأن النبي ﷺ كان يقرأ في كل الركعات وبما رواه مسلم عند أبي قتادة ﵁ قال "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا ويقرأ في الركعتين الآخيرتين بفاتحة الكتاب، وأصله في صحيح البخاري. قال النووي في المجموع: وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فهو أنها وردت في قيام الليل، وعن حديث ابن عباس أنه نفى، وغيره أثبت، والمثبت مقدم على النافي، كيف وهم أكثر منه؟ وأكبر سنا؟ وأقدم صحبة؟ وأكثر اختلاطا بالنبي ﷺ ؟ لا سيما أبو هريرة وأبو قتادة وأبو سعيد، فتعين تقديم أحاديثهم على حديثه، والرواية الثانية عن ابن عباس تبين أن نفيه في الرواية الأولى كان على سبيل التخمين والظن، لا عن تحقيق، فلا يعارض الأكثرين الجازمين بإثبات القراءة. اهـ.

стр. 1107

رابعا: قال أبو حنيفة: لا تجب على المأموم قراءة، بل نقل القاضي أبو الطيب والعبدري عن أبي حنيفة أن قراءة المأموم معصية، فالحنفية أسقطوا قراءة الفاتحة عن المأموم مطلقا، أسر أو جهر. والصحيح عند الشافعية وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في كل الركعات من الصلاة السرية والجهرية، قال الترمذي في جامعه: القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. وبه يقول مالك (أي في رواية) وابن المبارك (أي في رواية) والشافعي وأحمد (أي في رواية) وإسحاق (أي في رواية). اهـ. قال ابن المنذر: قال الزهري ومالك (أي في رواية) وابن المبارك (أي في رواية) وأحمد (أي في رواية) وإسحق (أي في رواية) لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية. ويحكي ابن العربي في أحكام القرآن مذهب المالكية، فيقول: لعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يقرأ إذا أسر الإمام خاصة، قاله أبو القاسم، الثاني: قاله ابن وهب وأشهب في كتاب محمد: لا يقرأ، الثالث: قال محمد بن عبد الحكم: يقرؤها خلف الإمام، فإن لم يفعل أجزأه، كأنه رأى ذلك مستحبا. والأصح عندي وجوب قراءتها فيما أسر، وتحريمها فيما جهر، إذا سمع قراءة الإمام؛ لما فيه من فرض الإنصات له، والاستماع لقراءته، فإن كان منه مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السر. اهـ. فتحصل في هذه المسألة ثلاثة مذاهب أساسية: لا يقرأ مطلقا، يقرأ مطلقا، لا يقرأ في الجهرية ويقرأ في السرية، ولكل من هذه المذاهب أدلته. فالقائلون: لا يقرأ مطلقا يحتجون بحديث مروي عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عنبسة عن أبي عبد الله بن شداد عن جابر عن النبي ﷺ قال: "من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة"، ويروي ابن عمر مثله، وبروايتنا العاشرة والحادية عشرة عن عمران بن حصين ولفظها في بعض الروايات الضعيفة "كان النبي ﷺ يصلي، ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من الذي يخالجني سورتي، فنهى عن القراءة خلف الإمام". وبما روي عن أبي الدرداء قال: سئل النبي ﷺ ، أفي كل صلاة قراءة؟ فقال: نعم. فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه؟ . فقال لي رسول الله ﷺ -وكنت أقرب القوم إليه- "وما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم". وبما روي عن جابر عن النبي ﷺ قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا أن يكون وراء الإمام". وبما أسند إلى سعد بن أبي وقاص من قوله "وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه حجر". وبما أسند إلى علي من قوله: "من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة"، أو "فقد أخطأ الفطرة". وبما أسند إلى زيد بن ثابت من قوله: "من قرأ وراء الإمام فلا صلاة له". والقائلون: يقرأ مطلقا يحتجون بعموم قوله ﷺ ، "لا صلاة لمن لم يقرأ

стр. 1108

بفاتحة الكتاب" قالوا: هذا عام في كل مصل، ولم يثبت تخصيصه بغير المأموم بمخصص صريح، فبقى على عمومه. وبما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني لأراكم تقرءون خلف إمامكم. قلنا: والله أجل يا رسول الله، نفعل هذا، قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" ورواه كذلك الترمذي والدارقطني والبيهقي وغيرهم وقال الترمذي: حديث حسن. كما احتجوا بروايتنا الثالثة، وفيها "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: "اقرأ بها في نفسك". قالوا: والجواب عن الأحاديث التي احتج بها القائلون بإسقاط القراءة أنها كلها ضعيفة، وليس فيها شيء صحيح عن النبي ﷺ ، وبعضها موقوف وبعضها مرسل، وبعضها في رواته ضعيف أو ضعفاء، وقد بين البيهقي علل جميعها وأوضح تضعيفها. قال النووي: وأجاب أصحابنا عنها على تقدير صحتها بأنها محمولة على قراءة المأموم للسورة خلف الإمام، بعد قراءة الفاتحة جمعا بين الأدلة، كما هو صريح روايتنا العاشرة والحادية عشرة، إذ فيها أن المأموم كان يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، وقراءة السورة سنة، فتركت لاستماعه قراءة إمامة القرآن بخلاف الفاتحة. والقائلون بالقراءة في السرية دون الجهرية يحتجون بقوله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وبما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فبين لنا سننا وعلمنا صلاتنا، فقال: "أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". وبما رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ ، انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحد منكم. فقال رجل: نعم يا رسول الله. قال إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه بالقرآن من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ". ورد الشافعية على هذا الفريق بالأحاديث السابقة المذكورة في الاحتجاج على المانعين مطلقا، وأجابوا عن الآية بأنها في قراءة القرآن خارج الصلاة، وهذا إذا سلمنا أن المراد بها قراءة القرآن حقيقة، وإلا فقد روي عن مجاهد وغيره أنها نزلت في الخطبة، حيث كان الناس يتكلمون أثناءها وسميت قرآنا لاشتمالها عليه. وأجابوا عن حديث مسلم "إذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، بأن القرآن المأمور بالإنصات له قراءة السورة، وقراءة الإمام لها قراءة للمأموم". بل إننا نقول: بأنه يستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، ودليل هذه النكتة حديث الحسن البصري أن سمرة بن جندب

стр. 1109

وعمران بن حصين تذاكرا، فحدث سمرة أنه "حفظ من رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران، وكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب فكان في كتابه إليهما أن سمرة قد حفظ" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. وأجابوا عن قول أبي هريرة فيما رواه أبو داود والترمذي "فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ "، بأنهم انتهوا عن قراءة السورة، لا عن قراءة الفاتحة على أن الحفاظ طعنوا في هذا الحديث، وقالوا: إنه ضعيف، فيه راو مجهول، وإن هذه الزيادة ليست من كلام أبي هريرة، بل هي من كلام الزهري، مدرجة في الحديث. والله أعلم. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - قال النووي: واحتج القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بحديث أبي هريرة [الرواية الثالثة] وهو أوضح ما احتجوا به، قالوا: لأنها سبع آيات بالإجماع، فثلاث في أولها ثناء، أولها [كما ذكرها أبو هريرة] "الحمد لله" وثلاث دعاء، أولها "اهدنا الصراط المستقيم" والسابعة متوسطة، وهي "إياك نعبد وإياك نستعين" قالوا: ولأنه قال "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها لذكرها، وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول إن البسملة من الفاتحة؟ بأجوبة: أحدهما "أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة، لا إلى الفاتحة وهذا حقيقة اللفظ، والثاني: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، والثالث: معناه فإذا انتهى في قرائته إلى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ اهـ. ثم قال: وفي هذه الرواية دليل على أن ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات، لا آيتان، وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من الفاتحة أو لا، فمذهبنا ومذهب الآكثرين أنها من الفاتحة وأنها آية "واهدنا" وما بعده آيتان، ومذهب مالك وغيره ممن يقول: إنها ليست من الفاتحة يقول: "اهدنا" وما بعده ثلاث آيات. اهـ. وللكلام عن البسملة باب خاص وهو الباب التالي، فليراجع. والله أعلم. (ملحوظة) لم يتعرض هذا الحديث للتأمين وسيأتي شرحه في باب التحميد والتسميع والتأمين .. إن شاء الله بعد خمسة أبواب. ٢ - أخذ من قول أبي هريرة في الرواية الخامسة "فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم وما أخفاه أخفيناه لكم" مشروعية الجهر بالقراءة والإسرار بها، قال النووي: وقد أجمعت الأمة على الجهر بالقراءة في ركعتي الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإسرار في الظهر والعصر وثالثة المغرب والأخريين من العشاء، واختلفوا في العيد والاستسقاء، ومذهبنا الجهر

стр. 1110

فيهما ونوافل الليل قيل: يجهر فيها، وقيل: بين الجهر والإسرار، ونوافل النهار يسر بها، والكسوف يسر بها نهارا ويجهر ليلا، والجنازة يسر بها ليلا ونهارا، وقيل: يجهر ليلا ولو فاته صلاة ليل كالعشاء، فقضاها في ليلة أخرى جهر، وإن قضاها نهارا فوجهان، والأصح يسر، وإن فاته نهارية كالظهر، فقضاها نهارا أسر، وإن قضاها ليلا فوجهان، والأصح يجهر، وحيث قلنا: يجهر أو يسر فهو سنة، فلو تركت صحت صلاته، ولا يسجد للسهو عندنا، وبه قال الأوزاعي وأحمد في أصح الروايتين، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة وإسحق: يسجد للسهو. اهـ. وقال في المجموع: وأما المرأة فقال أكثر أصحابنا، إن كانت تصلي خالية أو بحضرة نساء أو رجال محارم جهرت بالقراءة، سواء صلت بنسوة أو منفردة، وإن صلت بحضرة أجنبي أسرت. قال البندنيجي، ويكون جهرها أخفض من جهر الرجل، وأطلق صاحب الحاوي أنها تسر، سواء صلت منفردة أو إمامة. اهـ. وفي حد السر قال صاحب الحاوي: أن يسمع نفسه، وقال النووي: ويشترط في القراءة وفي كل الأذكار إسماع نفسه. اهـ. وفي العتبية: أحبه أن يسمع نفسه، وتحريك اللسان يجزئ، وفي حد الجهر قال ابن رشد: والجهر أن يسمع غيره، وأحبه فوق ذلك. ٣ - ويؤخذ من الرواية العاشرة والحادية عشرة نهي المأموم عن الجهر خلف الإمام قال النووي: ولا خلاف في مشروعية الجهر للإمام في مواضع الجهر، وأما المنفرد فيسن له الجهر عندنا وعند الجمهور، قال العبدري: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال: جهر المنفرد وإسراره سواء، دليلنا أن المنفرد كالإمام في الحاجة إلى الجهر للتدبر، فسن له الجهر كالإمام وأولى، لأنه أكثر تدبرا لقراءته لعدم ارتباط غيره به، وقدرته على إطالة القراءة، ويجهر به للتدبر كيف شاء ويخالف المنفرد المأموم فإنه مأمور بالاستماع ولئلا يهوش على الإمام، وأجمعت الأمة على أن المأموم يسن له الإسرار ويكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أو لا. اهـ. ثم قال: قال القاضي أبو الطيب: وحكم التكبير في الجهر والإسرار حكم القراءة. اهـ. هذا وسيعقد باب خاص للجهر والإسرار بالقراءة في الصلاة بعد سبعة عشر بابا فليراجع. ٤ - ويؤخذ من الرواية السادسة والسابعة، من قوله "ومن قرأ بأم الكتاب أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل"، استحباب السورة بعد الفاتحة. قال النووي: وهذا مجمع عليه في الصبح والجمعة والأوليين من كل الصلوات، وهو سنة عند جميع العلماء، وحكى القاضي عياض عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة وهو شاذ مردود، وأما السورة في الثالثة والرابعة فاختلف العلماء هل تستحب أو لا؟ وكره ذلك مالك، والأصح عند الشافعية عدم استحبابها، وتستحب السورة في صلاة النافلة، ولا تستحب في صلاة الجنازة على الأصح، لأنها مبنية على التخفيف، وقال عن الرواية العاشرة: فيه أنهم كانوا يقرءون بالسورة في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة في

стр. 1111

الظهر للإمام وللمأموم، فإن الإنكار على الرجل كان في جهره ورفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة. اهـ. وسيعقد باب خاص لما يقرأ من السور في الصلاة عقب الفاتحة بعد ثمانية عشر بابا فليراجع. ٥ - قال النووي بخصوص حديث المسيء صلاته [الرواية الثامنة] هذا الحديث مشتمل على فوائد كثيرة، وليعلم أولا أنه محمول على بيان الواجبات دون السنن، فإن قيل: لم يذكر فيه كل الواجبات، فقد بقي واجبات مجمع عليها، ومختلف فيها، فمن المجمع عليه النية، والقعود في التشهد الأخير، وترتيب أركان الصلاة، ومن المختلف فيه التشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ فيه، والسلام، وهذه الثلاثة أوجه عند الشافعي -رحمه الله تعالى-، وقال بوجوب السلام الجمهور، وأوجب التشهد كثيرون وأوجب الصلاة على النبي ﷺ مع الشافعي الشعبي وأحمد بن حنبل وأصحابهما، وأوجب جماعة من الشافعية نية الخروج من الصلاة، وأوجب أحمد -رحمه الله تعالى- التشهد الأول، وكذا التسبيح، وتكبيرات الانتقال. فإن قيل هذا فالجواب أن الواجبات الثلاثة المجمع عليها كانت معلومة عند السائل، فلم يحتج إلى بيانها. وكذا المختلف فيه عند من يوجبه يحمله على أنه كان معلوما عنده. اهـ. ٦ - قال النووي: وفي هذا الحديث دليل على أن إقامة الصلاة ليست واجبة. اهـ. ويمكن الرد عليه بنفس رده السابق، فتحمل على أنها كانت معلومة عند السائل، مؤداة على وجهها الصحيح. ٧ - ويؤخذ من الرواية التاسعة "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، فكبر" وجوب الطهارة. ٨ - ووجوب استقبال القبلة. ٩ - ووجوب تكبيرة الإحرام. ١٠ - قال النووي: وفيه أن التعوذ، ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام، ووضع اليد اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على الفخذ، وغير ذلك مما لم يذكره في الحديث ليس بواجب إلا ما ذكرناه من المجمع عليه والمختلف فيه. اهـ. وهذا المأخذ من الإمام النووي -رحمه الله تعالى- عجيب، فإن عدم الذكر ليس دليل النفي، وقولهم إن الاقتصار في مقام البيان يفيد القصر قد دفعه النووي نفسه بإيجاب أشياء لم يذكرها الحديث باتفاق. والتحقيق أنه ليس في الحديث ما يفيد إيجابها أو عدم إيجابها. ١١ - وفيه دليل على وجوب الاعتدال عن الركوع. ١٢ - والجلوس بين السجدتين. ١٣ - ووجوب الطمأنينة في الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين قال النووي: وهذا مذهبنا

стр. 1112

ومذهب الجمهور، ولم يوجبها أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وطائفة يسيرة، وهذا الحديث حجة عليهم، وليس عنه جواب صحيح، وأما الاعتدال فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه يجب الطمأنينة فيه، كما تجب في الجلوس بين السجدتين، وتوقف في إيجابها بعض أصحابنا، واحتجوا بقوله ﷺ ، في هذا الحديث "ثم ارفع حتى تعتدل قائما" فاكتفى بالاعتدال، ولم يذكر الطمأنينة كما ذكرها في الجلوس بين السجدتين وفي الركوع والسجود. ١٤ - وفيه أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه يستحب أن يذكره له، ويكون هذا من النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعني، وموضع الدلالة أنه قال: "علمني يا رسول الله" أي علمني الصلاة، فعلمه الصلاة، واستقبال القبلة والوضوء ليسا من الصلاة، لكنهما شرطان لها. ١٥ - وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته، وإيضاح المسألة له وتلخيص المقاصد، والاقتصار، في حقه على المهم دون المكملات التي لا يحتمل حاله حفظها والقيام بها. ١٦ - وفيه استحباب السلام عند اللقاء وأنه يستحب تكراره إذا تكرر اللقاء، وإن قرب العهد. ١٧ - وأنه يجب رده في كل مرة. ١٨ - وأن صيغة الجواب "وعليكم السلام" أو "وعليك السلام" بالواو مستحبة عند الجمهور، وأوجبها بعض أصحابنا، وليس بشيء بل الصواب أنها سنة، قال الله تعالى: ﴿قالوا سلاما قال سلام﴾ [هود: ٦٩] بدون الواو. ١٩ - وفيه أن من أخل ببعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته ولا يسمى مصليا، بل يقال له: لم تصل. قال النووي: فإن قيل كيف تركه مرارا يصلي صلاة فاسدة؟ فالجواب: أنه لم يؤذن له في صلاة فاسدة، ولا علم من حاله إنه يأتي بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة، بل هو محتمل أن يأتي بها صحيحة، وإنما لم يعلمه أولا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة اهـ. قال الأبي: لم يعلمه ابتداء لأن التعليم بعد تكرار الخطأ أثبت من التعليم ابتداء، وقيل: تأديبا له، إذ لم يسأل، واكتفى بعلم نفسه، ولذا لما سأل، وقال: لا أحسن غير هذا علمه، وليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه كان في الوقت سعة. اهـ. ٢٠ - أخذ منه الأبي أن المخطئ في صلاته لا يطالب بالإعادة إلا في الوقت، لأن الرجل كان يصلي في الأيام السابقة، ولم يؤمر بإعادة صلاتها. والله أعلم

стр. 1113

(١٦١) باب البسملة ٧١٩ - عن أنس ﵁ قال صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. حدثنا شعبة في هذا الإسناد وزاد قال شعبة فقلت لقتادة أسمعته من أنس قال نعم ونحن سألناه عنه. ٧٢٠ - عن عبدة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وعن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها. ٧٢١ - عن أنس ﵁ قال بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال "أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر)﴾ ثم قال "أتدرون ما الكوثر؟ " فقلنا الله ورسوله أعلم قال "فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي فيقول ما تدري ما أحدثت بعدك" زاد ابن حجر في حديثه بين أظهرنا في المسجد وقال "ما أحدث بعدك". ٧٢٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة بنحو

стр. 1114

حديث ابن مسهر غير أنه قال "نهر وعدنيه ربي في الجنة عليه حوض" ولم يذكر "آنيته عدد النجوم". -[المعنى العام]- وصلت إلينا الصلاة عن طريق التواتر العملي، يتناقلها الأبناء عن الآباء والأصاغر عن الأكابر، تحت حراسة ورقابة رجال الدين العلماء الغيورين، ولقد حرص كبار الصحابة، وفقهاؤهم على تتبع دقائق الصلاة حين كانوا يصلون خلف النبي ﷺ ، وخلف خلفائه الراشدين من بعده، ثم حرصوا على تبليغ الأمة بما تحملوه من علم، وما حفظوه من أحكام. وها هو ذا أنس بن مالك، وقد رأى بعض الناس يجهرون قبل قراءة الفاتحة في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، وبعضهم لا يجهر بها، ولكن يسر بها، وبعضهم لا يجهر بها ولا يسر، فقال لأصحابه: لقد صليت خلف النبي ﷺ ، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يجهر قبل الفاتحة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولقد سمعت عمر بن الخطاب يجهر بدعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام، ويقول: سبحانك الله وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك وعظمتك، ولا إله غيرك: وكأن أصحاب أنس قالوا له: إذن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور؟ وكأنه قال لهم: افهموا ما تفهمون، ولكني أنقل لكم ما أعلم، وقد كنت مع النبي ﷺ ذات يوم في المسجد، فأغفى إغفاءة، وأخذته سنة خفيفة من النوم، فانتبه وهو يبتسم، فقلنا: مم تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك: قال: لقد أنزلت علي في هذه اللحظات سورة، فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم* إنا أعطيناك الكوثر* فصل لربك وانحر* إن شانئك هو الأبتر﴾ لقد كان العاص بن وائل يقول إن محمدا لا عقب له، فإذا مات مات ذكره، فنزلت هذه السورة تبشر رسول الله ﷺ بفضل الله عليه، وتكريمه إياه بالكوثر، وتتوعد العاص وأمثاله بانقطاع ذكرهم في الدنيا من بعدهم. قال ﷺ لأصحابه: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فأخبرنا يا رسول الله. قال: هو نهر عظيم في الجنة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وإن أمتي ترده يوم القيامة، أعرفهم من بين الناس، إذ هم غر محجلون من آثار الوضوء وقد أجد أحدهم يذاد عن الحوض، فأقول: يا رب هذا من أمتي؟ فيقول لي: لا تدري ما أحدث بعدك، لقد ارتد على أدباره، فأقول ما قال أخي عيسى ﴿وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد* إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. -[المباحث العربية]- (سبحانك اللهم وبحمدك) سئل الزجاج عن الواو في قوله "وبحمدك" فقال: معناه سبحانك اللهم، وبحمدك سبحتك. اهـ فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، والجملة معطوفة على سابقتها.

стр. 1115

(وتعالى جدك) الجد هنا العظمة. (فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) بسم الله الرحمن الرحيم، مقصود لفظها وحكايتها في محل نصب، مفعول يقرأ، أي يقرأ هذه الجملة. (عن عبدة أن عمر بن الخطاب) هذا الإسناد مرسل، لأن عبدة بسكون الباء هو ابن أبي لبابة، وهو لم يسمع من عمر، فقول مسلم في نفس الرواية: وعن قتادة معطوف على (عن عبدة) أي عن قتادة عن أنس. (عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك) أي كتب قتادة إلى عبدة يخبره عن أنس بن مالك، وهذه هي الرواية المتصلة المقصودة للإمام مسلم. (فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين) "الحمد" بضم الدال مرفوع على الحكاية، والجملة كلها في محل جر بالباء. (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها) أي ولا في آخر قراءة، أي لا يذكرونها في أول الفاتحة، ولا في أول السورة، في أول ركعة ولا في آخر ركعة. قال الأبي "ولا في آخرها": تأكيد لنفي قراءتها إذ لا تتوهم قراءتها في الآخر. اهـ. وكأنه ﵀. حمل الآخرية على آخرية القراءة الأولى، على معنى آخر آية في المقروء، وعلى هذا قال: لا يتوهم قراءتها في الآخر، أما لو حملها كما حملناها لرفع التوهم. وهو أولى، لأن حمل الأبي يجعل اللفظة مهملة. (بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة) "إذ" للمفاجأة و"بينا" هي "بين" ظرف الزمان، أشبعت الفتحة فصارت ألفا، وربما زيدت عليها "ما" فقيل "بينما" قال الجوهري: بينا نحن نرقبه أتانا، معناه أتانا بين أوقات رقبتنا إياه ثم حذف المضاف الذي هو أوقات. اهـ. وقوله "بين أظهرنا" معناه بيننا، وقوله "أغفى إغفاءة" بفتح الهمزة في الأول، أي نام، قال النووي: والإغفاءة هي السنة من النوم، دون الاستغراق، قال القرطبي: وهي حالة من الحالات التي كان يوحى إليه فيها. اهـ. (قلنا: ما أضحكك)؟ عبروا بالضحك عن التبسم، لأن التبسم منه ﷺ كان واضحا قاله الأبي. وفي القاموس: التبسم أقل من الضحك وأحسنه. اهـ. فتعبيرهم حقيقة، لا يعلل له، ولعله يفرق بينهما بأن الضحك يبين عن الأسنان، فإن الضاحكة هي كل سن تبدو عند الضحك، أما الابتسام فهو انفراج الأسارير والشفتين دون ظهور الأسنان. (أنزلت علي آنفا سورة) في القاموس: ﴿ماذا قال آنفا﴾ [محمد: ١٦] "آنف" كصاحب بالمد، وبالقصر ككتف، وقرئ بهما، أي منذ ساعة، أي في أول وقت يقرب منا. اهـ. فمعنى "أنزلت علي آنفا" أي حالا وقريبا من الآن.

стр. 1116

﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ في القاموس: الكوثر الكثير من كل شيء والنهر، ونهر في الجنة. اهـ. قال النووي: والكوثر هنا نهر في الجنة كما فسره النبي ﷺ ، وهو في موضع آخر عبارة عن الخير الكثير. ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ الشانئ المبغض والأبتر هو المنقطع العقب، وقيل: المنقطع عن كل خير: نزلت في العاص بن وائل، وكان يقول: إن محمدا لا عقب له ولا ولد، فإذا مات انقطع ذكره. (عليه خير كثير، هو حوض) ضمير "هو": يعود على "خير" فكأنه قال: عليه حوض، وهذا الحوض خير كثير، تشرب منه الأمة فلا تظمأ أبدا. (آنيته عدد النجوم) المراد من الآنية ما يشرب بها الشاربون من الحوض، وليس المقصود من العبارة مساواة أعدادها بأعداد نجوم السماء، بل كناية عن الكثرة بحيث تكفي الواردين عليه، دون تزاحم. (فيختلج العبد منهم) قال النووي: يختلج أي ينتزع ويقتطع اهـ. وفي القاموس: خلج يختلج جذب وانتزع. اهـ فالمعنى فينجذب وينتزع العبد من أمتي إلى ناحية بعيدة عن الحوض، ويذاد عنه ويطرد ويدفع. (لا تدري ما أحدثت بعدك) أي ما أحدثت أمتك بعدك، وفي الرواية الأخرى "ما أحدث بعدك" أي ما أحدث العبد المختلج المطرود عن الحوض. -[فقه الحديث]- لا خلاف بين المسلمين في أن بسم الله الرحمن الرحيم في سورة النمل جزء آية من القرآن الكريم في قوله جل شأنه ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠] وإن منكرها أو منكر حرف من حروفها كافر بالإجماع. والخلاف بين العلماء في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ الموجودة في أول كل سورة من القرآن غير سورة براءة، ويمكن حصر شوارد الخلاف في أربعة آراء. الرأي الأول: أن البسملة في أوائل السور كلها ليست قرآنا، لا في الفاتحة ولا في غيرها، وهو مذهب مالك والأوزاعي ومشهور مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، ورواية عن داود. الرأي الثاني: يرى أن البسملة آية في أول الفاتحة فقط، وليست بقرآن في أوائل السور، وهو مشهور مذهب أحمد وهو قول إسحق وأبي عبيد وجماعة من أهل الكوفة ومكة وأكثر أهل العراق. الرأي الثالث: يرى أنها آية قبل كل سورة غير التوبة، وليست من السورة بل هي قرآن، كسورة قصيرة، وهو مشهور قول داود، ونحوه لأبي حنيفة، قال الأبي: وفي حكايته عن أبي حنيفة نظر، لأن

стр. 1117

الواقع له أنه قال: لا يجهر بها، وأما الكلام فيها بالنفي والإثبات فلم يقع له ولا لأحد من أصحابه، حتى قال بعضهم: تورع أبو حنيفة وأصحابه فلم يتكلموا في المسألة؛ ولذا قال الكرخي: لا نص لأحد من متقدمي أصحابنا في المسألة، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة، قال يعلى: سألت عنها محمد بن الحسن، فقال: ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى. قلت: فلم تسر فيها؟ فسكت ولم يجبني. الرأي الرابع: يرى أنها آية من أول الفاتحة، وهو قول الشافعية بلا خلاف بينهم، وهي كذلك آية كاملة من أول كل سورة غير براءة على الصحيح عندهم، ثم اختلفوا هل هي في الفاتحة وغيرها قرآن على سبيل القطع كسائر القرآن؟ أو على سبيل الحكم، على معنى أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءتها في أول الفاتحة، ولا يكون قارئا لسورة غيرها بكمالها إلا إذا ابتدأها بالبسملة، ولا يمسها المحدث؟ جمهورهم [وهو الصحيح] أنها آية على سبيل الحكم، لاختلاف العلماء فيها، ولأنه لا خلاف بين المسلمين أن نافيها لا يكفر، ولو كانت قرآنا قطعا لكفر، كمن نفى غيرها. ويتلخص لنا من هذا العرض الموجز أن الرأي الأول والثاني على أنها ليست قرآنا في أوائل السور. وسنعرض لدليل كل من الفريقين، وموقفه من أحاديث الباب، باذلين الجهد في الحصر والإيجاز، فقد بلغ اهتمام الأوائل بهذه المسألة أن ألفوا فيها كتبا، وصنفوا فيها تصانيف مقررة، وقد جمع الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي معظم الأقوال والمصنفات فيها في كتابه المشهور، وهو مجلد كبير، وبالله التوفيق. احتج من نفاها في أول الفاتحة وغيرها من السور (أ) بأن القرآن لا يثبت بالظن، ولا يثبت إلا بالتواتر. (ب) وبحديث أبي هريرة [الرواية الثالثة من روايات الباب السابق] وفيه "سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين ... " إلى آخر الحديث، ولم يذكر البسملة. (جـ) وبحديث أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ قال: إن من القرآن سورة ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ [الملك: ١] " رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. وقد أجمع القراء على أنها ثلاثون آية سوى البسملة. (د) وبحديث عائشة في مبدأ الوحي "أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: ﴿اقرأ بسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم﴾ [العلق: ١ - ٣] ولم يذكر البسملة في أولها" رواه البخاري ومسلم. (هـ) وبحديث أنس [روايتنا الثالثة من هذا الباب] وفيه "صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الحيم في أول قراءة ولا في آخرها".

стр. 1118

(و) وقالوا: لو كانت من القرآن لكفر جاحدها، لكن الأمة أجمعت على أنه لا يكفر. (ز) وقالوا: وأهل العدد مجمعون على ترك عدها آية من غير الفاتحة واختلفوا في عدها في الفاتحة. (ح) وقالوا: نقل أهل المدينة بأسرهم عن آبائهم التابعين عن الصحابة ﵃ افتتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين. "ملحوظة" بعض هذه الأدلة لا تتعارض مع القول بأنها قرآن مستقل كسور قصيرة، فلا تنفي قرآنيتها، كالدليل "ب"، و"جـ" و"د" و"هـ" و"ز" و"حـ" ولكن كل هذه الأدلة تعارض مذهب الشافعية. ويحتج المثبتون لقرآنيتها (أ) بأن الصحابة ﵃ أجمعوا على إثباتها في المصحف في أوائل السور سوى براءة، وبخط المصحف، بخلاف الأعشار وتراجم السور، فإن العادة كتابتها بحمرة ونحوها، فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخط المصحف من غير تميز، لأن ذلك يحمل على اعتقاد أنها قرآن فيكونون مغررين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا، وهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة ﵃ قال الحافظ البيهقي: أحسن ما يحتج به أصحابنا الشافعية كتابتها في المصاحف التي قصدوا بكتابتها نفي الخلاف عن القرآن، فكيف يتوهم عليهم أنهم أثبتوا مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن؟ وقال الغزالي في المستصفى: أظهر الأدلة كتابتها بخط القرآن. قال: فإن قيل: لعلها أثبتت للفصل بين السور، فجوابه من أوجه، أحدها أن هذا فيه تغرير، لا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل. والثاني لو كان للفصل لكتبت بين براءة والأنفال، ولما حسن كتابتها في أول الفاتحة. والثالث: أن الفصل كان ممكنا بتراجم السور، كما حصل بين براءة والأنفال. فإن قيل: لعلها كتبت للتبرك بذكر الله. فجوابه من هذه الأوجه الثلاثة ومن وجه رابع أنه لو كانت للتبرك لا كتفى بها في أول المصحف أو لكتبت في أول براءة، ولما كتبت في أول السور التي فيها ذكر الله كالفاتحة والأنعام والإسراء والكهف والفرقان والحديد ونحوها، فلم يكن حاجة إلى البسملة. ولأنهم قصدوا تجريد المصحف مما ليس بقرآن، ولهذا لم يكتبوا التعوذ والتأمين، مع أنه صح الأمر بهما، ولأن النبي ﷺ لما تلا الآيات النازلة في براءة عائشة ﵂ لم يبسمل، فلو كانت للتبرك لكانت الآيات النازلة في براءة عائشة أولى بالتبرك، لما دخل على النبي ﷺ وأهله وأصحابه من السرور بذلك. (ب) وبما روي عن أم سلمة: أن النبي ﷺ قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، رواه ابن خزيمة والبيهقي.

стр. 1119

(جـ) وبحديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧] قال: هي فاتحة الكتاب. قال فأين السابعة؟ قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ رواه ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما. (د) وبحديث أنس [روايتنا الثالثة في هذا الباب] وفيه "أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ": ﴿بسم الله الرحمن الرحيم* إنا أعطيناك الكوثر ... ﴾ [الكوثر: ١]. (هـ) وبحديث أنس ﵁ "أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: كانت مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. يمد بسم الله ويمد الرحمن، ويمد الرحيم" رواه البخاري. (و) وبحديث ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم" رواه الحاكم. وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. ورواه أبو داود وغيره. (ز) وقالوا: يعترف النافون لقرآنية البسملة بأن البسملة كتبت بأمر رسول الله ﷺ في أوائل السور مع إخباره ﷺ أنها منزلة، وهذا موهم كل أحد أنها قرآن، ودليل قاطع أو كالقاطع أنها قرآن، فلا وجه لترك بيانها لو لم تكن قرآنا. وأجاب الشافعية عن أدلة النافين (أ) بأن قولهم: القرآن لا يثبت بالظن ولا يثبت إلا بالتواتر، إنما هو فيما يثبت على سبيل القطع، أما ما يثبت قرآنا على سبيل الحكم فيكفى فيه الظن، والبسملة قرآن على سبيل الحكم على الصحيح على أن إثباتها في المصحف في معنى التواتر. (ب) وعن حديث أبي هريرة بالأجوبة الثلاثة التي ذكرناها في الباب السابق، ويزيدون عليها أن البسملة إنما لم تذكر لاندراجها في الآيتين بعدها، أو لعله قاله قبل نزول البسملة، فإن النبي ﷺ كان ينزل عليه الآية، فيقول: ضعوها في سورة كذا. على أنه قد جاء ذكر البسملة في رواية الدارقطني والبيهقي فقال: "فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله ذكرني عبدي". (جـ) وعن حديث شفاعة "تبارك" أن المراد ما سوى البسملة، لأنها غير مختصة بهذه السورة، ويحتمل أن يكون هذا الحديث قبل نزول البسملة فيها، فلما نزلت أضيفت إليها بدليل كتابتها في المصحف. (د) وعن حديث مبدأ الوحي بأن البسملة نزلت بعد ذلك كنظائر لها من الآيات المتأخرة. (هـ) وعن حديث أنس بأنه في الجهر بها وعدم الجهر، وسيأتي بعد قليل عند الكلام على الجهر بها مع الفاتحة. (و) وأما قولهم: لو كانت قرآنا لكفر جاحدها فجوابه من وجهين الأول: أن يقلب عليهم الاستدلال، فيقال: لو لم تكن قرآنا لكفر مثبتها، لكن الأمة أجمعت على أنه لا يكفر، الثاني: أن الكفر لا يكون بالظنيات، بل بالقطعيات والبسملة ظنية.

стр. 1120

(ز) وأما قولهم: أجمع أهل العدد على أنه لا تعد آية فجوابه من وجهين أحدهما: أن أهل العدد ليسوا كل الأمة، فيكون إجماعهم حجة، بل هم طائفة من الناس عدوا كذلك، إما لأن مذهبهم نفى البسملة وإما لاعتقادهم أنها بعض آية، وأنها مع أول السورة آية، الثاني: أنه معارض بما ورد عن ابن عباس وغيره "من تركها فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية". (ح) وأما نقل أهل المدينة وإجماعهم فإننا لا نسلم هذا الإجماع، بل لقد اختلف أهل المدينة في ذلك، وإنكار المهاجرين والأنصار على معاوية حين تركها يبطل القول بإجماع أهل المدينة، على أن أهل مكة لم يختلفوا أن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أول آية من الفاتحة، فلو ثبت إجماع أهل المدينة لم يكن حجة مع وجود الخلاف لغيرهم. ومن هنا قال الغزالي في آخر كلامه: الغرض بيان أن المسألة ليست قطعية بل ظنية، وأن الأدلة وإن كانت متعارضة فجواب الشافعي فيها أرجح وأغلب. اهـ. وقال الأبي: الأولى ترك الكلام في المسألة، لأنه -كما قيل- إن كان الحق الثبوت فالنافي أسقط آية، وإن كان الحق النفي فالمثبت زاد آية، والزيادة والنقص في كتاب الله تعالى كفر، قال القاضي: والخطأ في المسألة وإن لم يبلغ التكفير لكثرة القائل بكل قول فلا أقل من التفسيق. اهـ وقال ابن الحاجب: وقوة الشبهة من الجانبين منعت من التكفير. اهـ ورأى الفخر الرازي أن المخلص من ذلك جعل المسألة اجتهادية. للمخطئ فيها أجر وللمصيب أجران. اهـ. والله أعلم. بقى الكلام على الجهر بها في الصلاة، قال النووي في المجموع: واعلم أن مسألة الجهر ليست مبنية على مسألة إثبات البسملة، لأن جماعة ممن يرى الإسرار بها لا يعتقدونها قرآنا، بل يرونها من سننه، كالتعوذ والتأمين، وجماعة ممن يرى الإسرار يعتقدونها قرآنا، وإنما أسروا بها وجهر غيرهم لما ترحج عند كل فريق من الأخبار والآثار. اهـ والتحقيق أن الجهر بها مبني على إثبات أنها قرآن، لا كما ذكر الإمام النووي، وإنما الإسرار بها غير مبني على أنها ليست بقرآن، فإن بعض من يسر بها يعتقدونها قرآنا. ومذهب الشافعية استحباب الجهر بها حيث يجهر بالقراءة في الفاتحة والسورة جميعا، فلها في الجهر حكم باقي الفاتحة والسورة، قال النووي: وهذا قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء والقراء، ثم أخذ يسرد من القائلين به من كل فريق. إلى أن قال: وهو قول سائر أهل مكة، وهو أحد قولي ابن وهب صاحب مالك، وحكي عن ابن المبارك وأبي ثور، ثم قال: وفي الخلافيات للبيهقي عن جعفر بن محمد قال: أجمع أصحاب محمد ﷺ على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وقال أبو محمد: واعلم أن أئمة القراء السبعة منهم من يرى البسملة بلا خلاف عنه، ومنهم من روي عنه الأمران، وليس فيهم من لم يبسمل بلا خلاف عنه، فقد بحثت عن ذلك أشد البحث، فوجدته كما ذكرته، ثم كل من رويت عنه البسملة ذكرت بلفظ الجهر بها إلا روايات شاذة جاءت عن حمزة. اهـ.

стр. 1121

وذهبت طائفة إلى أن السنة الإسرار بها في الصلاة السرية والجهرية، حكاه ابن المنذر عن علي ابن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن الزبير والحكم وحماد والأوزاعي وأبي حنيفة، وهو مذهب أحمد بن حنبل وأبي عبيد. وحكي عن النخعي وابن أبي ليلى والحكم أن الجهر والإسرار بها سواء. ومن المالكية من لا يقرؤها في الصلاة نفلا ولا فرضا جهرا ولا سرا ومنهم من يقرؤها سرا في النفل. قال القاضي عياض: المشهور عندنا يقرؤها في النفل دون الفرض، وروى ابن نافع: يقرؤها ولا يتركها بحال، وروى غيره: يقرؤها في النوافل في أوائل السور. اهـ. وقال الأبي: والمتحصل في قراءتها في الفرض من المذهب أربعة: كرهها في المدونة، واستحبها ابن مسلمة فيما حكى ابن رشد، وأجازها ابن نافع فيما حكى أبو عمر، والرابع ما ذكر عياض من روايته، يقرؤها ولا يتركها بحال، قال وظاهرها الوجوب، قال ابن رشد: في قراءتها في النفل روايتان. اهـ. واحتج من يرى الإسرار بها بحديث أنس (روايتنا الثانية من هذا الباب) وفيه "صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" وفي رواية "فلم أسمع أحدا منهم يقرأ .... ". وفي رواية الدارقطني فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم "وروي عن ابن عبد الله بن مغفل قال "سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أي بني. إياك والحدث. فإني صليت مع رسول ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان. فلم أسمع رجلا منهم يقوله، فإذا قرأت فقل "الحمد لله رب العالمين" رواه الترمذي والنسائي. وعن ابن مسعود ﵁ قال: ما جهر رسول الله ﷺ في صلاة مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا أبو بكر ولا عمر". وسئل الدارقطني بمصر، حين صنف كتاب الجهر فقال: لم يصح في الجهر بها حديث. وقالوا: وقياسا على التعوذ، قالوا: ولأنه لو كان الجهر ثابتا لنقل نقلا متواترا أو مستفيضا كوروده في سائر القراءة. واحتج الشافعية على استحباب الجهر بقول أبي هريرة [في الرواية الخامسة والسادسة من الباب السابق] "فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم" وفي رواية "فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى منا أخفيناه منكم" وقد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يجهر في صلاته بالبسملة، فدل على أنه سمع الجهر بها من رسول الله ﷺ . وبحديث أنس [روايتنا الثالثة من هذا الباب] وفيه "أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: ﴿بسم الله

стр. 1122

الرحمن الرحيم* إنا أعطيناك الكوثر ... ﴾ وهذا تصريح بالجهر بها خارج الصلاة، فكذا في الصلاة كسائر الآيات، وبما رواه الدارقطني وغيره عن أنس بن مالك قال "صلى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسور التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من شهد من المهاجرين والأنصار في كل مكان، يا معاوية. أسرقت الصلاة أم نسيت؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: فلم يصل بعد ذلك إلا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، لأم القرآن وللسورة" أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا صحيح على شرط مسلم. "أما بعد" فإن الجهر بالبسملة أو الإسرار بها أمر هين إذا قيس بمسألة ثبوت كونها قرآنا أو لا، والذي تستريح إليه النفس أن الإسرار بها أولى من الجهر لأن الصحيح عند الشافعية أنفسهم أنها قرآن حكما لا قطعا. فلا تتساوى مع غيرها من القرآن القطعي، ثم إن ما استدلوا به من أحاديث الجهر لا تقاوم ما ثبت من عدم الجهر بها، وأسلم الطرق أن نقول مثل ما قال أبو حاتم بن حبان: هذا من الاختلاف المباح. والله أعلم. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - جواز النوم في المسجد. ٢ - جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه. ٣ - وأنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسما أو غيره مما يقتضي حدوث أمر يستحب له أن يسأل عن سببه. ٤ - وفيه إثبات الحوض، والإيمان به واجب. والله أعلم

стр. 1123

(١٦٢) باب وضع اليدين على الصدر في الصلاة ٧٢٣ - عن علقمة بن وائل ومولى لهم أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر (وصف همام حيال أذنيه) ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع فلما قال "سمع الله لمن حمده" رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه. -[المعنى العام]- هذه صورة أخرى لحركات الصلاة وسكناتها، وأقوالها وأفعالها ينقلها وائل بن حجر، بعد الصورة التي حكاها أنس في الباب السابق، يقول لأصحابه -وقد رآهم يختلفون في بعض الهيئات- يقول لقد رأيت النبي ﷺ حين توضأ واستقبل وأشرف على الدخول في الصلاة، رأيته قد رفع يديه في مقابلة أذنيه، فكبر ثم ضم ثوبه إلى صدره وغطى به يديه، وقد وضع يمناه فوق يسراه على صدره، ثم قرأ الفاتحة والسورة. فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما بمحاذاة أذنيه، ثم كبر، فركع، فلما رفع من الركوع وهو يقول: سمع الله لمن حمده، رفع يديه حيال أذنيه، فلما سجد رأيته يضع جبهته بين كفيه اللذين وضعهما على الأرض للسجود ﷺ ، ورضى عن صحابته أجمعين. -[المباحث العربية]- (رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر حيال أذنيه) أصل الترتيب رأى النبي ﷺ حين دخل في الصلاة رفع يديه حيال أذنيه مكبرا. "وحيال أذنيه" بكسر الحاء، أي قبالتهما محاذيا لهما في الارتفاع. (ثم التحف بثوبه) أي تغطى بثوبه، أي جمع أطراف ثوبه، فغطى صدره ويديه، ولعل ذلك من شدة البرد. (ثم وضع اليمنى على اليسرى) من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أي وضع كف اليمنى على كف أو رسخ اليسرى، كما سيأتي بيانه في فقه الحديث. (فلما سجد سجد بين كفيه) في "سجد" الأولى مجاز المشارفة، أي فلما أشرف على السجود سجد باسطا كفيه على الأرض ساجدا بجبهته بينهما.

стр. 1124

-[فقه الحديث]- ساق مسلم هذا الحديث كدليل على استحباب وضع اليمين على الشمال في وقوف الصلاة، والكلام في هذه المسألة يتشعب إلى حكم وضع اليمين على الشمال، وإلى صفته، وإلى مكانه، وإلى وقته، وإلى حكمته. أما الحكم فقد اتفق العلماء على أنه ليس بواجب، ثم ذهب الشافعية والحنفية والحنابلة وسفيان الثوري وإسحق وأبو ثور وداود وجمهور العلماء إلى أن وضع اليمين على الشمال في وقوف الصلاة سنة. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، اهـ. أما المالكية فالأقوال عندهم خمسة، الأول ما حكاه ابن المنذر عن مالك أنه سنة كقول الجمهور، الثاني: رواية ابن القاسم عن مالك الإرسال، قال النووي: وهو الأشهر، وعليه جميع أهل المغرب من أصحابه أو جمهورهم. قال الأبي: وقال مالك أيضا والليث وجماعة بكراهة وضع اليمين على الشمال، وعللت بخوف أن يعتقد وجوبه، وقيل: لئلا يظهر من خشوعه خلاف الباطن، الثالث أنه يكره لمن يفعله اعتمادا، الرابع: أنه يكره في الفرض، دون النفل، الخامس: أنه مخدر بين الوضع والإرسال، وهو قول الأوزاعي. وقال الليث بن سعد: يرسلهما، فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة. واحتج لمن يمنع وضع اليمين على الشمال بحديث المسيء صلاته، إذ علمه النبي ﷺ ، ولم يذكر وضع اليمنى على اليسرى، وأجيب بأن النبي ﷺ لم يعلمه إلا الواجبات فقط. وحديث الباب صريح في استحباب وضع اليمين على الشمال، وهو حجة الجمهور، كما يحتج أيضا بحديث البخاري عن سهل بن سعد قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه في الصلاة .... " وبحديث أبي داود عن ابن مسعود "أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي ﷺ : فوضع يده اليمنى على اليسرى" صحيح على شرط مسلم. وعن ابن الزبير قال "صف القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة" رواه أبو داود بإسناد حسن. وأما صفة الوضع عند القائلين به فقد قيل: يضع بطن كف اليمنى على رسغ اليسرى فيكون الرسغ وسط الكف [الرسغ بضم الراء وإسكان السين، ويقال بالصاد بدل السين، هو المفصل بين الكف والساعد] ويقبض على الرسغ بالخنصر والإبهام، وتمتد الأصابع الثلاث الوسطى على الذراع، وهو المختار عند الحنفية، وقيل: يضع باطن أصابعه على الرسغ طولا، ولا يقبض، وقيل: يتخير بين وسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها صوب الساعد، وقيل: يقبض المفصل بأصابعه الأربعة من جهة وبالإبهام من جهة، واضعا بطن كفه اليمنى على كفه اليسرى، وعن مالك: إن شاء أمسك بالكف، وإن شاء أمسك بالرسغ، وقيل: يضع كف اليمنى على ذراع اليسرى، والظاهر أن الكل من قبيل التخير المباح.

стр. 1125

وأما مكان الوضع فإن الصحيح والمنصوص عليه عند الشافعية أن يجعلها تحت صدره وفوق سرته، أما الحنفية فالسنة عندهم وضعهما تحت سرته، وكل من الفريقين استند إلى حديث، والحنابلة يقولون بكل من الرأيين كما يقولون بأن يتخير بينهما، ونحن مع الترمذي حيث يقول: العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وضع اليمين على الشمال في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة، وكل ذلك واسع. اهـ. وأما وقته فالأصل فيه أن كل قيام فيه ذكر مسنون توضع فيه اليمنى على اليسرى، وما لا فلا، فتوضع في حالة القنوت وصلاة الجنازة، ولا توضع في القومة من الركوع وبين تكبيرات العيدين، وقيل توضع في كل قيام سواء كان فيه ذكر مسنون أو لا. ذكره العيني. وأما الحكمة فيه فقد قال العيني: الوضع على الصدر أبلغ في الخشوع، وفيه حفظ نور الإيمان في الصلاة، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة، قال: ونحن نقول: الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم، وأبعد من التشبه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر العورة، وحفظ الإزار عن السقوط، وذلك كما يفعل بين يدي الملوك، وفي الوضع على الصدر تشبه بالنساء، فلا يسن. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهي أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع، وكأن البخاري لحظ ذلك فعقبه بباب الخشوع، ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها، لقوله "كبر ثم التحف". ٢ - وفيه استحباب رفع يديه عند الدخول في الصلاة، وعند الركوع وعند الرفع منه. ٣ - وفيه استحباب كشف اليدين عند الرفع. ٤ - ووضعهما في السجود على الأرض. وستأتي أعضاء السجود في باب خاص إن شاء الله. والله أعلم
следующие страницы →