← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وذهبت طائفة إلى أن السنة الإسرار بها في الصلاة السرية والجهرية، حكاه ابن المنذر عن علي ابن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن الزبير والحكم وحماد والأوزاعي وأبي حنيفة، وهو مذهب أحمد بن حنبل وأبي عبيد. وحكي عن النخعي وابن أبي ليلى والحكم أن الجهر والإسرار بها سواء. ومن المالكية من لا يقرؤها في الصلاة نفلا ولا فرضا جهرا ولا سرا ومنهم من يقرؤها سرا في النفل. قال القاضي عياض: المشهور عندنا يقرؤها في النفل دون الفرض، وروى ابن نافع: يقرؤها ولا يتركها بحال، وروى غيره: يقرؤها في النوافل في أوائل السور. اهـ. وقال الأبي: والمتحصل في قراءتها في الفرض من المذهب أربعة: كرهها في المدونة، واستحبها ابن مسلمة فيما حكى ابن رشد، وأجازها ابن نافع فيما حكى أبو عمر، والرابع ما ذكر عياض من روايته، يقرؤها ولا يتركها بحال، قال وظاهرها الوجوب، قال ابن رشد: في قراءتها في النفل روايتان. اهـ. واحتج من يرى الإسرار بها بحديث أنس (روايتنا الثانية من هذا الباب) وفيه "صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" وفي رواية "فلم أسمع أحدا منهم يقرأ .... ". وفي رواية الدارقطني فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم "وروي عن ابن عبد الله بن مغفل قال "سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أي بني. إياك والحدث. فإني صليت مع رسول ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان. فلم أسمع رجلا منهم يقوله، فإذا قرأت فقل "الحمد لله رب العالمين" رواه الترمذي والنسائي. وعن ابن مسعود ﵁ قال: ما جهر رسول الله ﷺ في صلاة مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا أبو بكر ولا عمر". وسئل الدارقطني بمصر، حين صنف كتاب الجهر فقال: لم يصح في الجهر بها حديث. وقالوا: وقياسا على التعوذ، قالوا: ولأنه لو كان الجهر ثابتا لنقل نقلا متواترا أو مستفيضا كوروده في سائر القراءة. واحتج الشافعية على استحباب الجهر بقول أبي هريرة [في الرواية الخامسة والسادسة من الباب السابق] "فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم" وفي رواية "فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى منا أخفيناه منكم" وقد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يجهر في صلاته بالبسملة، فدل على أنه سمع الجهر بها من رسول الله ﷺ . وبحديث أنس [روايتنا الثالثة من هذا الباب] وفيه "أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: ﴿بسم الله

стр. 1122

الرحمن الرحيم* إنا أعطيناك الكوثر ... ﴾ وهذا تصريح بالجهر بها خارج الصلاة، فكذا في الصلاة كسائر الآيات، وبما رواه الدارقطني وغيره عن أنس بن مالك قال "صلى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسور التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من شهد من المهاجرين والأنصار في كل مكان، يا معاوية. أسرقت الصلاة أم نسيت؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: فلم يصل بعد ذلك إلا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، لأم القرآن وللسورة" أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا صحيح على شرط مسلم. "أما بعد" فإن الجهر بالبسملة أو الإسرار بها أمر هين إذا قيس بمسألة ثبوت كونها قرآنا أو لا، والذي تستريح إليه النفس أن الإسرار بها أولى من الجهر لأن الصحيح عند الشافعية أنفسهم أنها قرآن حكما لا قطعا. فلا تتساوى مع غيرها من القرآن القطعي، ثم إن ما استدلوا به من أحاديث الجهر لا تقاوم ما ثبت من عدم الجهر بها، وأسلم الطرق أن نقول مثل ما قال أبو حاتم بن حبان: هذا من الاختلاف المباح. والله أعلم. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - جواز النوم في المسجد. ٢ - جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه. ٣ - وأنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسما أو غيره مما يقتضي حدوث أمر يستحب له أن يسأل عن سببه. ٤ - وفيه إثبات الحوض، والإيمان به واجب. والله أعلم

стр. 1123

(١٦٢) باب وضع اليدين على الصدر في الصلاة ٧٢٣ - عن علقمة بن وائل ومولى لهم أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر (وصف همام حيال أذنيه) ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع فلما قال "سمع الله لمن حمده" رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه. -[المعنى العام]- هذه صورة أخرى لحركات الصلاة وسكناتها، وأقوالها وأفعالها ينقلها وائل بن حجر، بعد الصورة التي حكاها أنس في الباب السابق، يقول لأصحابه -وقد رآهم يختلفون في بعض الهيئات- يقول لقد رأيت النبي ﷺ حين توضأ واستقبل وأشرف على الدخول في الصلاة، رأيته قد رفع يديه في مقابلة أذنيه، فكبر ثم ضم ثوبه إلى صدره وغطى به يديه، وقد وضع يمناه فوق يسراه على صدره، ثم قرأ الفاتحة والسورة. فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما بمحاذاة أذنيه، ثم كبر، فركع، فلما رفع من الركوع وهو يقول: سمع الله لمن حمده، رفع يديه حيال أذنيه، فلما سجد رأيته يضع جبهته بين كفيه اللذين وضعهما على الأرض للسجود ﷺ ، ورضى عن صحابته أجمعين. -[المباحث العربية]- (رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر حيال أذنيه) أصل الترتيب رأى النبي ﷺ حين دخل في الصلاة رفع يديه حيال أذنيه مكبرا. "وحيال أذنيه" بكسر الحاء، أي قبالتهما محاذيا لهما في الارتفاع. (ثم التحف بثوبه) أي تغطى بثوبه، أي جمع أطراف ثوبه، فغطى صدره ويديه، ولعل ذلك من شدة البرد. (ثم وضع اليمنى على اليسرى) من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أي وضع كف اليمنى على كف أو رسخ اليسرى، كما سيأتي بيانه في فقه الحديث. (فلما سجد سجد بين كفيه) في "سجد" الأولى مجاز المشارفة، أي فلما أشرف على السجود سجد باسطا كفيه على الأرض ساجدا بجبهته بينهما.

стр. 1124

-[فقه الحديث]- ساق مسلم هذا الحديث كدليل على استحباب وضع اليمين على الشمال في وقوف الصلاة، والكلام في هذه المسألة يتشعب إلى حكم وضع اليمين على الشمال، وإلى صفته، وإلى مكانه، وإلى وقته، وإلى حكمته. أما الحكم فقد اتفق العلماء على أنه ليس بواجب، ثم ذهب الشافعية والحنفية والحنابلة وسفيان الثوري وإسحق وأبو ثور وداود وجمهور العلماء إلى أن وضع اليمين على الشمال في وقوف الصلاة سنة. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، اهـ. أما المالكية فالأقوال عندهم خمسة، الأول ما حكاه ابن المنذر عن مالك أنه سنة كقول الجمهور، الثاني: رواية ابن القاسم عن مالك الإرسال، قال النووي: وهو الأشهر، وعليه جميع أهل المغرب من أصحابه أو جمهورهم. قال الأبي: وقال مالك أيضا والليث وجماعة بكراهة وضع اليمين على الشمال، وعللت بخوف أن يعتقد وجوبه، وقيل: لئلا يظهر من خشوعه خلاف الباطن، الثالث أنه يكره لمن يفعله اعتمادا، الرابع: أنه يكره في الفرض، دون النفل، الخامس: أنه مخدر بين الوضع والإرسال، وهو قول الأوزاعي. وقال الليث بن سعد: يرسلهما، فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة. واحتج لمن يمنع وضع اليمين على الشمال بحديث المسيء صلاته، إذ علمه النبي ﷺ ، ولم يذكر وضع اليمنى على اليسرى، وأجيب بأن النبي ﷺ لم يعلمه إلا الواجبات فقط. وحديث الباب صريح في استحباب وضع اليمين على الشمال، وهو حجة الجمهور، كما يحتج أيضا بحديث البخاري عن سهل بن سعد قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه في الصلاة .... " وبحديث أبي داود عن ابن مسعود "أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي ﷺ : فوضع يده اليمنى على اليسرى" صحيح على شرط مسلم. وعن ابن الزبير قال "صف القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة" رواه أبو داود بإسناد حسن. وأما صفة الوضع عند القائلين به فقد قيل: يضع بطن كف اليمنى على رسغ اليسرى فيكون الرسغ وسط الكف [الرسغ بضم الراء وإسكان السين، ويقال بالصاد بدل السين، هو المفصل بين الكف والساعد] ويقبض على الرسغ بالخنصر والإبهام، وتمتد الأصابع الثلاث الوسطى على الذراع، وهو المختار عند الحنفية، وقيل: يضع باطن أصابعه على الرسغ طولا، ولا يقبض، وقيل: يتخير بين وسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها صوب الساعد، وقيل: يقبض المفصل بأصابعه الأربعة من جهة وبالإبهام من جهة، واضعا بطن كفه اليمنى على كفه اليسرى، وعن مالك: إن شاء أمسك بالكف، وإن شاء أمسك بالرسغ، وقيل: يضع كف اليمنى على ذراع اليسرى، والظاهر أن الكل من قبيل التخير المباح.

стр. 1125

وأما مكان الوضع فإن الصحيح والمنصوص عليه عند الشافعية أن يجعلها تحت صدره وفوق سرته، أما الحنفية فالسنة عندهم وضعهما تحت سرته، وكل من الفريقين استند إلى حديث، والحنابلة يقولون بكل من الرأيين كما يقولون بأن يتخير بينهما، ونحن مع الترمذي حيث يقول: العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وضع اليمين على الشمال في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة، وكل ذلك واسع. اهـ. وأما وقته فالأصل فيه أن كل قيام فيه ذكر مسنون توضع فيه اليمنى على اليسرى، وما لا فلا، فتوضع في حالة القنوت وصلاة الجنازة، ولا توضع في القومة من الركوع وبين تكبيرات العيدين، وقيل توضع في كل قيام سواء كان فيه ذكر مسنون أو لا. ذكره العيني. وأما الحكمة فيه فقد قال العيني: الوضع على الصدر أبلغ في الخشوع، وفيه حفظ نور الإيمان في الصلاة، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة، قال: ونحن نقول: الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم، وأبعد من التشبه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر العورة، وحفظ الإزار عن السقوط، وذلك كما يفعل بين يدي الملوك، وفي الوضع على الصدر تشبه بالنساء، فلا يسن. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهي أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع، وكأن البخاري لحظ ذلك فعقبه بباب الخشوع، ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها، لقوله "كبر ثم التحف". ٢ - وفيه استحباب رفع يديه عند الدخول في الصلاة، وعند الركوع وعند الرفع منه. ٣ - وفيه استحباب كشف اليدين عند الرفع. ٤ - ووضعهما في السجود على الأرض. وستأتي أعضاء السجود في باب خاص إن شاء الله. والله أعلم

стр. 1126

(١٦٣) باب التشهد في الصلاة ٧٢٤ - عن عبد الله قال كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله ﷺ السلام على الله السلام على فلان فقال لنا رسول الله ﷺ ذات يوم "إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يتخير من المسألة ما شاء". ٧٢٥ - عن منصور بهذا الإسناد مثله ولم يذكر "ثم يتخير من المسألة ما شاء". ٧٢٦ - عن منصور بهذا الإسناد مثل حديثهما وذكر في الحديث "ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء (أو ما أحب) ". ٧٢٧ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا إذا جلسنا مع النبي ﷺ في الصلاة بمثل حديث منصور وقال "ثم يتخير بعد من الدعاء". ٧٢٨ - عن ابن مسعود ﵁ قال علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن واقتص التشهد بمثل ما اقتصوا. ٧٢٩ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وفي رواية ابن رمح كما يعلمنا القرآن.

стр. 1127

٧٣٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. ٧٣١ - عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم أقرت الصلاة بالبر والزكاة قال فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال أيكم القائل كلمة كذا وكذا قال فأرم القوم ثم قال أيكم القائل كلمة كذا وكذا فأرم القوم فقال لعلك يا حطان قلتها قال ما قلتها ولقد رهبت أن تبكعني بها فقال رجل من القوم أنا قلتها ولم أرد بها إلا الخير فقال أبو موسى أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذ قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم" فقال رسول الله ﷺ "فتلك بتلك وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه ﷺ سمع الله لمن حمده وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم" فقال رسول الله ﷺ "فتلك بتلك" وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". ٧٣٢ - عن قتادة في هذا الإسناد بمثله وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" وليس في حديث أحد منهم "فإن الله قال على لسان نبيه ﷺ : سمع الله لمن حمده" إلا في رواية أبي كامل وحده عن أبي عوانة.

стр. 1128

٧٣٣ - عن قتادة بهذا الإسناد وقال في الحديث "فإن الله قضى على لسان نبيه ﷺ سمع الله لمن حمده". -[المعنى العام]- قد بلغ الرسول ﷺ الرسالة بأجلى بلاغ، وأدى الأمانة على خير الوجوه كان ﷺ يعلم أصحابه، كما يعلم الفقيه تلاميذه في المكتب بل كان يأخذ كف التلميذ بين كفيه، ويقرأ عليه ثم يسمع منه، ليستوثق من كمال التحمل وسلامة الأداء، ولم يكن تعليمه قاصرا على تعليم القرآن الكريم، بل كان يحفظ أذكار الصلاة كما يحفظ السورة من القرآن، ثم بعد ذلك يراقب العمل، ويتابع القول، فإذا رأى أو سمع خللا بادر بإصلاحه وتقويمه. لقد أباح للمسلمين أن يذكروا الله في جلسة الصلاة الأخيرة وقبل السلام بالذكر الجميل، حيث لم يكن التشهد قد شرع بعد، فكانوا -ومنهم ابن مسعود- يقولون في جلستهم هذه: السلام على الله من عباده. السلام على جبريل. السلام على ميكائيل. السلام على إسرافيل يعددون من أسماء الملائكة ما شاءوا. وشرع الله للأمة التحيات، فقال ﷺ لأصحابه: لا تقولوا: السلام على الله. فإن السلام هو الله، ومنه السلام، وإليه السلام، ولا تقولوا السلام على فلان وفلان من الملائكة، ولكن إذا قعد أحدكم في آخر الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يتخير من الأدعية ما شاء. واستجاب الصحابة، وعلموا وعملوا، ونصبوا أنفسهم حراسا على تعاليم الإسلام. بل نصب الخلفاء الراشدون أئمة الصحابة وفقهاءهم ولاة وأئمة ودعاة في الولايات الإسلامية التي انتشرت في البقاع، وكثر الداخلون في دين الله من العرب والعجم وكثر الخطأ في التعاليم الدينية، وسهر الولاة على الإصلاح والتقويم. والحديث يروي لنا صورة من هذه الصور. لقد كان أبو موسى الأشعري واليا على البصرة من قبل الخليفة عمر يؤمهم ويعظهم، ويجبي زكاتهم، ويحكم بينهم وبينما هو يصلي بهم سمع مأموما يقول في تشهده: أقرت الصلاة وقرنت بالبر والزكاة ويخيل إلي أنه كان فقيرا يعرض بذلك للمساعدة، فأسمع بها بعض جيرانه، كما أسمع بها إمامه، فلما قضى أبو موسى الصلاة انصرف إلى المأمومين واتجه إليهم، وقال: من منكم الذي قال: قرنت الصلاة بالبر والزكاة؟ وسكت الناس، وخاف القائل أن يعلن عن نفسه، فقد رأى من وجه أبي موسى الأشعري ونبرات صوته علامة الاستنكار، وكرر أبو موسى السؤال، وسكت الناس واستخفى القائل، فاتجه أبو موسى نحو أحد المصلين -حطان- يظنه القائل اعتمادا على بعض الملابسات، فقال: أنت يا حطان قلتها؟ قال حطان: ما قلتها ولقد توقعت من نظراتك أنك ستلصقها بي وتتهمني بها، وما قلتها، ورأى القائل الحقيقي أن المسألة تطورت، وإن البريء منها سيتهم بها فأعلن

стр. 1129

عن نفسه وقال أنا الذي قلتها، ولم أرد بها إلا الخير. فقال أبو موسى إن بعضكم يخفى عليه ما ينبغي أن يقول في صلاته، وإني أعلمكم ما علمنا رسول الله ﷺ ، فقد خطبنا، وبين لنا سنتنا وشريعتنا وصلاتنا فقال: إذا أردتم الصلاة، وأشرفتم على أدائها فسووا صفوفكم، ثم ليتقدم أعلمكم فيؤمكم، فإذا كبر تكبيرة الإحرام فكبروا، وإذا قرأ الفاتحة، وبلغ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، فإن الله يجيب لكم الدعاء مصداقا لقوله جل شأنه ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا ولا تسبقوه، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فلحظة سبقه لكم تقابل لحظة إدراككم له، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقالوا: اللهم ربنا ولك الحمد يسمع الله قولكم وحمدكم فيزدكم، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، ولا تسبقوه، فإن الإمام يسجد ويرفع قبلكم فتلك اللحظة التي تأخرتم بها عنه، وإذا قعدتم آخر الصلاة فقولوا: التحيات الطيبات. الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فإذا انتهيتم من التشهد فادعوا الله بما شئتم من الدعاء يستجب لكم. -[المباحث العربية]- (التشهد) هو تفعل من "تشهد" سمي بذلك لاشتماله على النطق بشهادة الوحدانية والرسالة، تغليبا لها على بقية أذكاره لشرافها. (عن عبد الله) أي ابن مسعود، وهو راوي الرواية الثانية. كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله ﷺ قال الأبي: الأظهر أنه استحسان منهم، وأنه ﷺ لم يسمعه إلا حين أنكره عليهم [فإن قلت] قول الصحابي، كنا نفعل كذا من قبيل المسند، وهو يشعر أيضا بتكرار ذلك منهم، والتكرار مظنة سماعه ذلك، فقولهم ذلك ليس استحسانا، بل هو مسند مقر عليه، نسخه قوله ﷺ "إن الله هو السلام" [قلت] كان الشيخ يقول ذلك ويقرر الحديث به، ولا يصح، لأن النسخ إنما يكون فيما صح معناه، ولا يصح لعدم استقامة المعنى، لأنه عكس ما يجب أن يقال، فإن السلام بمعنى السلامة والرحمة، وهما له ومنه وهو مالكهما، فكيف يدعي له بهما وهو المدعو؟ فهو تبيين عدم صواب لا نسخ، وإنما الجواب أنه يتعين في "كنا كذا" أن يكون مسندا وليس تكرار ذلك منهم مظنة سماعهم له، لأنه في التشهد والتشهد سر. اهـ. ومعنى قوله "كنا نقول في الصلاة" أي في التشهد من الصلاة، بدليل رده ﷺ . (السلام على الله) في هذه الرواية اختصار. ورد في رواية أخرى "السلام على الله من عباده". (السلام على فلان) في رواية البخاري "السلام على فلان فلان" وفي رواية لابن إسحق "قلنا: السلام على جبريل" وعند ابن ماجه "يعنون الملائكة" وللإسماعيلي "فنعد الملائكة" وللسراج "فنعد من الملائكة ما شاء الله".

стр. 1130

(إن الله هو السلام) وفي رواية للبخاري "لا تقولوا: السلام على الله فإن الله هو السلام" قال البيضاوي: أنكر التسليم على الله، وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه، وهو مالكها ومعطيها. وقال التوربشتي: وجه النهي عن السلام على الله لأنه المرجوع إليه بالمسائل المتعالى عن المعاني المذكورة، فكيف يدعي له وهو المدعو على الحالات؟ وقال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا: السلام على الله، فإن السلام منه بدأ، وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك. وقال النووي معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني السالم من النقائص، ويقال: المسلم أولياءه، وقيل: المسلم عليهم. قال ابن الأنباري أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق، لحاجتهم إلى السلامة، وغناه عنها. (وإذا قعد أحدكم في الصلاة) المراد القعود بعد الركعتين والقعود الأخير، أو الأخير فقط، على خلاف يأتي في فقه الحديث. (التحيات لله) التحيات جمع تحية، ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل العظمة، وقيل السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك. قال ابن قتيبة: لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت، فكأن المعنى: التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقه لله. اهـ. وقال الخطابي: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله [كانت تحية بعضهم أبيت اللعن، وتحية بعضهم أنعم صباحا، وتحية العجم عش عشرة آلاف سنة] فلهذا أبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله. أي أنواع التعظيم له. (والصلوات والطيبات) قيل: المراد بالصلوات الصلوات الخمس، وقيل: ما يشمل الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: الرحمة، قال ابن دقيق العيد: إذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير أنها لله واجبة، لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله "لله" أنه المتفضل بها لأن الرحمة التامة لله، يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر. اهـ. والطيب في الأصل ما يستلذ، والمراد هنا ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله، دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة، كالدعاء والثناء، وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم، فيشمل الأقوال والأفعال والأوصاف، وطيب الأوصاف كونها كاملة خالصة من الشوائب. وقال النسفي: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات العبادات المالية. اهـ والأولى التعميم كما سبق. قال البيضاوي يحتمل أن يكون "الصلوات والطيبات" عطفا على "التحيات" ويحتمل أن تكون "الصلوات" مبتدأ، وخبره محذوف و"الطيبات" معطوفة عليها والواو الأولى لعطف الجملة على

стр. 1131

الجملة والثانية لعطف المفرد على المفرد، وقال العيني: كل واحدة من "الصلوات" و"الطيبات" مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: الصلوات لله، والطيبات لله فتكون هاتان الجملتان معطوفتين على الجملة الأولى وهي "التحيات لله". (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) قال الطيبي: أصل "سلام عليك" "سلمت سلاما عليك" ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد ينزل عليك وعلينا، قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة. اهـ. والمراد من "رحمة الله" إنعامه، وهو المعنى الغائي، لأن معناها اللغوي، وهو الحنو والعطف لا يجوز أن يوصف الله به، والبركات جمع بركة، وهو الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقه من البرك وهو صدر البعير، وبرك البعير ألقى بركه، وسمي محبس الماء بركة للزوم الماء فيها. وقال الطيبي البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى، قيل لكل من يشاهد فيه زيادة غير محسوسة: "مبارك" أو فيه بركة. اهـ. (السلام علينا) أراد به الحاضرين من الإمام والمأمومين، والملائكة عليهم الصلاة والسلام. (وعلى عباد الله الصالحين) الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، والصلاح وهو استقامة الشيء على حالة كماله، كما أن الفساد ضده، والمراد هنا الصالحون في الجملة، أي غلب على أعمالهم الصلاح ليعم الدعاء أكبر عدد ممكن من المؤمنين. قال العيني: ولا يحصل الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة، لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات لا تخلو من شائبة فساد وخلل ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة، ومن ثم كانت هذه المرتبة مطلوبة للأنبياء والمرسلين قال تعالى في حق الخليل ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠]. (فإذا قالها) أي فإذا قال أحدكم "وعلى عباد الله الصالحين" وهو كلام معترض بين "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" وبين "أشهد أن لا إله إلا الله" وإنما قدمت للاهتمام بها، لكنه أنكر عليهم عد الملائكة واحدا واحدا، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك، فعلمهم لفظا يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة وهذا من جوامع الكلم. (أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض) أي لحقت الدعوة وشملت كل عبد صالح في السماء والأرض، وفي رواية "أو بين السماء والأرض" بالشك من الرواي، وفي رواية "من أهل

стр. 1132

السماء والأرض"، وقد استدل بقوله "أصابت كل عبد صالح" على أن الجمع المضاف والجمع المحلى بالألف واللام يفيد العموم، لقوله أولا "عباد الله الصالحين" ثم قال "أصابت كل عبد صالح" وقال القرطبي: فيه دليل على أن جمع التكسير للعموم. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذه العبارة نظر. اهـ. (كفي بين كفيه) جملة معترضة. (أقرت الصلاة بالبر والزكاة) قالوا: معناه قرنت بها، وأقرت معهما وصار الجميع مأمورا به قال القاضي عياض: قيل: لعل اللفظ المروي قرنت؟ والتحقيق أنه "أقرت" والباء بمعنى "مع" أي أقرت مع البر والزكاة، فصارت معهما مستوية، وأحكامها واحدة، فهو بمعنى قرنت. (فلما قضى أبو موسى الصلاة) أي أداها، وانتهى منها. (انصرف) نحو القوم، وتحول بوجهه إليهم. (أيكم القائل كلمة كذا كذا؟ ) كذا كذا من كلام الراوي كناية عن كلام أبي موسى، ولو حكي بلفظه لقال أيكم القائل: أقرت الصلاة بالبر والزكاة؟ والاستفهام خبر مقدم، و"القائل" مبتدأ مؤخر. (فأرم القوم) بفتح الراء، وتشديد الميم، أي سكتوا. (لعلك يا حطان قلتها؟ ) تخصيصه "حطان" بالاتهام لعله لما يعلم من جسارته، أو لقربه منه، وصدور الصوت من جهته، أو لشبه الصوت بصوته، أو لصلته به مما لا يؤذيه اتهامه، ويدفع الفاعل الحقيقي إلى الاعتراف. (ولقد رهبت أن تبكعني بها) أي ولقد خشيت وخفت -قبل أن تتكلم- أن تتهمني وتوبخني بهذه الكلمة، وكأن حطان كان يتوقع اتهام أبي موسى له لما بينهما، أو لما عرف من حطان. "وتبكعني" بفتح التاء وسكون الباء وفتح الكاف، أي تستقبلني بالتوبيخ، من بكعت الرجل إذا استقبلته بما يكره وهو نحو التبكيت في الوجه. قال القاضي عياض: "تبكعني" رويناه عن الأكثر وهو عند الكثير "تنكتني" بالنون قبل الكاف المضمومة. اهـ وهو بمعنى تبكتني وتوبخني، وفي القاموس: النكت أن تضرب في الأرض بقضيب، فيؤثر فيها، ونكته ألقاه على رأسه. اهـ. (ثم ليؤمكم أحدكم) اللام لام الأمر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، وكسرها بعد "ثم" أكثر من سكونها، ورواية الحديث بالسكون كقوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا﴾ [الحج: ٢٩] في قراءة الكوفيين، قال ابن هشام: وفي ذلك رد على من قال: إنه خاص بالشعر. الفعل "يؤم" مجزوم، وحرك بالفتح للتخلص من التقاء الساكنين. (فقولوا: آمين) في القاموس: "آمين" بالمد والقصر، وقد يشدد الممدود، وعن الواحدي في

стр. 1133

البسيط: اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: اللهم استجب، كما أن رويد وحيعل وهلم "أصوات سميت بها الأفعال التي هي: أمهل وأسرع وأقبل". اهـ. ولهذا البحث اللغوي تتمة في المباحث العربية في باب التسميع والتحميد والتأمين، ويأتي قريبا. (يجبكم الله) أي يستجب لكم دعاءكم. (فتلك بتلك) قال النووي: معناه اجعلوا تكبيركم للركوع وركوعكم بعد تكبيره وركوعه، وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه، ومعنى "تلك بتلك" أن اللحظة التي سبقكم بها الإمام في تقدمه إلى الركوع تنجبر لكم بتأخيركم الركوع بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه، وقال مثل ذلك في السجود. اهـ. وقال الأبي: وقيل: الإشارة إلى ربط صحة الصلاة بالمتابعة أي صحة تلك الأفعال منكم بتلك المتابعة، وقيل: إلى ربط "آمين" بـ"ولا الضالين" و"ربنا ولك الحمد" بـ"سمع الله لمن حمده" أي تلك الكلمة أو الدعوة التي في السورة متعلقة بـ"آمين" وبـ"ربنا ولك الحمد" لارتباط إحداهما بمعنة الأخرى. اهـ. وكلام الإمام النووي أظهر وأقرب إلى القبول. (سمع الله لمن حمده) أي أجاب دعاء من حمده، ومعنى "يسمع الله لكم" يستجب دعاءكم، فالمراد من السمع لازمه غالبا، وهو الإجابة. (اللهم ربنا لك الحمد) قال النووي: هكذا هو هنا بلا واو، وفي غير هذا الموضع "ربنا ولك الحمد" بالواو، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها، وعلى إثبات الواو يكون قوله "ربنا" متعلقا بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا فاستجب حمدنا ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك، ولهذا البحث تتمة في باب التسميع والتحميد والتأمين. فإن الله قضى على لسان نبيه ﷺ "سمع الله لمن حمده" معناه: فإن الله وعد على لسان نبيه أن يسمع ويستجيب لمن حمده، أو فإن الله شرع على لسان نبيه هذه الجملة عند الرفع من الركوع. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في أفضل عبارة للتشهد على ثلاثة مذاهب: فمذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك أن تشهد ابن عباس وهو الرواية الثالثة ولفظها (كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله). وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل، وهو الرواية الأولى، ولفظها (كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله ﷺ : السلام على الله. السلام على فلان. فقال لنا رسول الله ﷺ ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات).

стр. 1134

واختار مالك وأصحابه تشهد عمر، وقد أخرجه الطحاوي عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يعلم الناس التشهد على المنبر وهو يقول: قولوا: التحيات لله الزاكيات لله والصلوات لله. وتوجيه الشافعية لتفضيل تشهد ابن عباس أنه مناسب للفظ القرآني في قوله تعالى ﴿تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ [النور: ٦١] وأن الزيادة فيه لا تنافي رواية ابن مسعود، وهي لفظ المباركات" وبأن أخذ ابن عباس للتشهد من رسول الله ﷺ كان في الأخير. قال الشافعي: رويت أحاديث في التشهد مختلفة. وكان تشهد ابن عباس أحب إلي، لأنه أكملها. وقال في موضع آخر. وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس. قال: لما رأيته واسعا وسمعته عن ابن عباس صحيحا، كان عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح. وتوجيه الحنفية والحنابلة ومن تابعهم لتفضيل تشهد ابن مسعود أنه أصح حديث في التشهد، فقد روي عن نيف وعشرين طريقا، وهو متفق عليه، ورواه الستة عنه، وإن رواته من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، فإن حديث ابن عباس لم يروه البخاري، وحديث عمر موقوف، وأنه يتفق مع ابن عباس في كونه تلقاه عن النبي ﷺ ، تلقينا، وروايتنا الثانية تقول "علمني رسول الله ﷺ التشهد -كفي بين كفيه- كما يعلمني السورة من القرآن" ورواية الطحاوي له "أخذت التشهد من في رسول الله ﷺ ولقننيه كلمة كلمة "بل يزيد عن ابن عباس ما جاء في رواية أحمد من حديث ابن مسعود "أن رسول الله ﷺ علمه التشهد، وأمر أن يعلمه الناس" ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته. ورجح أيضا بثبوت الواو في الصلوات والطيبات" التي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلا، بخلاف ما إذا حذفت فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء في العطف صريح، فتكون أولى. وتوجيه المالكية لتفضيل تشهد عمر أنه وإن كان موقوفا على عمر لكنه أفضل، لأنه علمه للناس على المنبر، ولم ينازعه أحد، فصار كالمجمع عليه، ودل ذلك على تفضيله، قال القاضي عياض: واختار مالك في الموطأ تشهد عمر ﵁ الذي كان يعلمه الناس على المنبر، وهو وإن لم يكن مسندا فهو كالمسند، بل هو أرجح، فإن دوام تعليمه بمحضر من لا يقر على خطأ صيره كالمعلوم عنده. قال النووي في المجموع بعد أن ذكر هذه المذاهب وهذه الأحاديث وغيرها في ألفاظ التشهد، قال: فهذه الأحاديث الواردة في التشهد وكلها صحيحة، وأشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ثم حديث ابن عباس. ثم قال: وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: لا خلاف في أن ألفاظ التشهد الأول كألفاظ التشهد الأخير [يقصد الحد المذكور في أحاديث الباب] وكان ابن عمر لا يسلم في التشهد الأول، أي لا يقول: السلام عليك أيها النبي إلى الصالحين. اهـ. كما اختلف العلماء في أفضل تشهد اختلفوا في حكم التشهد الأول بعد الركعة الثانية من الصلاة الثلاثية والرباعية، وفي حكم التشهد الأخير.

стр. 1135

فمن حكم التشهد الأول ذهب فقهاء الأمصار مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري وإسحق والليث وأبو ثور إلى أن التشهد الأول غير واجب. وذهب أحمد وداود إلى أنه واجب، وقد نقل هذا عن الليث وأبي ثور، قال أحمد: إن ترك التشهد عمدا بطلت صلاته، وإن تركه سهوا سجد للسهو وأجزأت صلاته. اهـ. وفي شرح الهداية، قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة، وهو المختار والصحيح، وقيل سنة وهو الأقيس. واستدل من قال بوجوبه بأنه ﷺ فعله، وداوم عليه، وقال "صلوا كما رأيتموني أصلي" وأمر به حديث ابن عباس، بقوله "قولوا: التحيات لله" وجبره بسجود السهو حين نسيه، وقال في حديث لابن مسعود "إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات" رواه النسائي. واحتجوا أيضا بأن الصلاة فرضت أولا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبا؟ فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب. كما احتجوا بأن من ترك الجلوس الأول بطلت صلاته. واحتج الجمهور بما رواه البخاري من أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام من الركعتين الأوليين، لم يجلس. فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس. فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم. قالوا: لو كان واجبا لوجب عليه الرجوع إليه حين علم تركه، وقال ابن المنير: لو كان واجبا لسبحوا به ولم يسارعوا إلى الموافقة على الترك غفلة. اهـ ولو كان واجبا لما جبره بسجود السهو. قال التيمي: سجوده ناب عن التشهد والجلوس، ولو كانا واجبين لم ينب منابهما سجود السهو، كما لا ينوب عن الركوع وسائر الأركان. اهـ وقال ابن بطال: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب أنه لو نسي تكبيرة الإحرام لم تجبر، فكذلك التشهد. اهـ. وأجابوا عن الأمر به في حديث ابن عباس وابن مسعود بأن الأمر للاستحباب لا للوجوب جمعا بين الأدلة، وعن حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي": بأنه متناول للفرض والنفل، وقد قامت دلائل على تميزهما، أما عن قولهم: إن الصلاة فرضت أولا ركعتين إلخ فقد أجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخيرتين، بل يحتمل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما، ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان. وأما عن قولهم: من تعمد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته فقد أجيب بأن من لا يوجبه لا يقول ببطلان الصلاة بترك الجلوس، والله أعلم. وعن حكم التشهد الأخير قال الشافعي: إنه فرض، لكن قال: لو لم يزد رجل على قوله التحيات لله. سلام عليك أيها النبي إلخ كرهت ذلك له، ولم أر عليه إعادة. اهـ. فالتشهد والجلوس له فرضان عند الشافعية، لا تصح الصلاة إلا بهما، وبه قال الحسن البصري وأحمد وإسحق وداود، واحتجوا بحديث ابن مسعود في رواية الدارقطني والبيهقي وفيها: كنا نقول

стр. 1136

قبل أن يفرض علينا التشهد مع رسول الله ﷺ السلام على الله .... " الحديث وبروايتنا الأولى وفيها "فليقل التحيات" وهذا أمر، والأمر للوجوب ولم يثبت شيء صريح في خلافه، قال الشافعية: ولأن التشهد شبيه بالقراءة، لأن القيام والقعود لا تتميز العبادة منها عن العادة، فوجب فيما ذكر ليتميز بخلاف الركوع والسجود. وقال أبو حنيفة ومالك: الجلوس بقدر التشهد واجب، ولا يجب التشهد. قال النووي: في المجموع: وحكى الشيخ أبو حامد عن علي بن أبي طالب والزهري والنخعي ومالك والأوزاعي والثوري أنه لا يجب التشهد الأخير ولا جلوسه، إلا أن الزهري ومالكا والأوزاعي قالوا لو تركه سجد للسهو وعن مالك رواية كأبي حنيفة، والأشهر عنه أن الواجب الجلوس بقدر السلام فقط. واحتج من لا يوجب التشهد بحديث المسيء صلاته، وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال "قال رسول الله ﷺ : إذا قعد الإمام في آخر صلاته، ثم أحدث قبل أن يتشهد فقد تمت صلاته" وفي رواية "ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته"، رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم وألفاظهم مختلفة. قالوا: وقياسا على التشهد والتسبيح للركوع. وأجاب الجمهور عن حديث المسيء صلاته بأنه لم يذكره له لأنه كان معلوما عنده، ولهذا لم يذكر له النية -وقد أجمعنا على وجوبها- ولم يذكر القعود للتشهد -وقد وافق أبو حنيفة على وجوبه- ولم يذكر السلام، وقد وافق مالك والجمهور على وجوبه. وأجابوا عن حديث عبد الله بن عمرو بأنه ضعيف باتفاق الحفاظ وعن القياس على التشهد الأول بأن النبي ﷺ جبر تركه بالسجود ولو كان فرضا لم يجبر، قال إمام الحرمين: ولم يزل المسلمون يجبرون الأول بالسجود دون الثاني وعن القياس على التسبيح في الركوع بما سبق بيانه في الفرق بين القيام والقعود وبين الركوع والسجود. والله أعلم. أما السلام على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين في التشهد فعنه يقول النووي: واعلم أن السلام الذي في قوله "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" يجوز فيه حذف الألف واللام فيقال سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولا خلاف في جواز الأمرين هنا ولكن الألف واللام أفضل، وهو الموجود في روايات صحيحي البخاري ومسلم، وأما الذي في آخر الصلاة وهو سلام التحلل، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من جوز الأمرين فيه، ويقول: الألف واللام، أفضل، كما هنا ومنهم من أوجب فيه الألف واللام، لأنه لم ينقل إلا بالألف واللام، ولأنه تقدم ذكره في التشهد، فينبغي أن يعيده بالألف واللام وليعود التعريف إلى سابق كلامه. اهـ. وأما الصلاة على النبي ﷺ في التشهد فسيأتي حكمها ولفظها في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.

стр. 1137

وفي صفة قعدة التشهد اختلف العلماء، فذهب مالك إلى أن المصلي ينصب رجله اليمنى، ويثني رجله اليسرى ويقعد بالأرض، في القعدة الأولى وفي الأخيرة وفي القعدة بين السجدتين، قال العيني: وهذا هو التورك الذي ينقل عن مالك، وفي الجواهر، المستحب في الجلوس كله الأول والأخير وبين السجدتين أن يكون توركا. اهـ ولزيادة الإيضاح في صفة التورك نقول: إنه ينصب رجله اليمنى خارجة إلى اليمين من قعدته، ويضع أطراف أصابعها على الأرض موجهة إلى القبلة، ويفرش رجله اليسرى على جنبها الأيسر، ويخرجها من تحته إلى يمين قعدته، من تحت رجله اليمنى المنتصبة، ويجلس بوركه الأيسر على الأرض وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن السنة أن يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى نصبا في القعدتين جميعا، وهو المسمى بالافتراش، وهو سنة الجلوس في الصلاة عند أبي حنيفة في جميع جلسات الصلاة. وقال الشافعي: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا التي يعقبها السلام، فإنه يجلس متوركا. قال النووي: فلو كان مبسوقا، وجلس إمامه في آخر صلاته متوركا جلس المسبوق مفترشا، لأن جلوسه لا يعقبه سلام، ولو كان على المصلي سجود سهو، فالأصح أنه يجلس مفترشا في تشهده فإذا سجد سجدتي السهو تورك، ثم سلم. هذا تفصيل مذهب الشافعي. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وقد قيل في حكمة المغايرة بين جلستي التشهدين: إنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رأى هيئة السابق علم قدر ما سبق. اهـ قال النووي في المجموع، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول، فيجلس مفترشا ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل الثاني ولا قيام بعده، فيجلس متوركا ليكون أعون له، وأمكن ليتوفر الدعاء. اهـ. واختلف قول أحمد، والمشهور عنه أنه إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعا أو ثلاثا افترش في الأول وتورك في الثاني. ولكل من هذه المذاهب أدلة ترجيح تأتي بعد ستة وعشرين بابا في باب "صفة الصلاة". أما جلوس المرأة في الصلاة فإنه كجلوس الرجل عند الجمهور من العلماء وبه قال الشافعية والحنفية والمالكية، وعن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر، وتضع فخذها الأيمن على الأيسر، وتضم بعضها إلى بعض قدر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس، بخلاف الرجل. وقال قوم: تجلس كيف شاءت إذا تجمعت، وبه قال عطاء والشعبي. وكانت صفية ﵂ تصلي متربعة، ونساء ابن عمر كن يفعلنه والله أعلم. قال النووي: وصلاة النفل كصلاة الفرض في الجلوس، وعن بعضهم التربع في النافلة، والصواب الأول، وقال: ثم هذه الهيئة مسنونة، فلو جلس في الجميع مفترشا، أو متوركا، أو متربعا، أو مقعيا أو مادا رجليه، صحت صلاته وإنه كان مخالفا. اهـ والإقعاء أن يرجع على صدور قدميه، ويمس عقبه بإليتيه.

стр. 1138

وقال ابن عبد البر: اختلفوا في التربع في النافلة وفي الفريضة للمريض فأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الفريضة بإجماع العلماء، قال العيني: وهذا يشعر بتحريمه عنده، ولكن المشهور عند أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: لعل ابن عبد البر أراد بنفي الجواز إثبات الكراهية. اهـ. هذا وللقعود في الصلاة زيادة بسط في باب صفة الصلاة الآتي بعد ستة وعشرين بابا، والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - استحباب الدعاء بعد التشهد، والدعاء في قوله "ثم يتخير من المسألة ما شاء" ورد في البخاري بصيغة الأمر، ولفظه "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه" قال ابن رشد: ليس التخيير في آحاد الشيء بدال على عدم وجوبه، فقد يكون أصل الشيء واجبا، ويقع التخيير في وصفه. قال الزين ابن المنير: ادعى بعضهم الإجماع على عدم الوجوب، وفيه نظر فقد روي عن طاوس ما يدل على أنه يرى وجوب الاستعاذة المأمور بها في حديث أبي هريرة الوارد في مسلم مرفوعا ولفظه "إذا فرغ أحدكم من التشهد ليتعوذ بالله" وبه قال أهل الظاهر، وأفرط ابن حزم، فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضا. وقال ابن المنذر: لولا حديث ابن مسعود "ثم ليتخير من الدعاء" لقلت بوجوبها. اهـ. ٢ - استدل بالحديث على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة. قال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاوس وأبو حنيفة فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن. قال الحافظ ابن حجر: كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم "ما كان مأثورا" قال قائلهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعا أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث الباب يرد عليهم، وكذا يرد على ابن سيرين في قوله: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة، واستثنى بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقا لا يجوز. اهـ. [ومراد الشافعية بما يقبح من أمر الدنيا نحو قوله: اللهم أعطني امرأة جميلة عينها كذا، وشعرها كذا، وخصرها كذا. إلخ، وهذا في خارج الصلاة غير محرم لكنه غير مستساغ]. وقال الكرماني: قالت الشافعية: يجوز الدعاء في الصلاة بما يشاء من أمر الدنيا والآخرة؛ ما لم يكن إثما، قال ابن عمر: إني لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري وملح بيتي. اهـ. واستدل الحنفية بحديث "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" ويجاب عنه بأن المراد من كلام الناس غير الدعاء، فالدعاء والتوجه إلى الله بطلبه من قبيل العبادة، ولا شك أن الدعاء بالوارد والمأثور أفضل. وقد ورد فيما يقال بعد التشهد أخبار. قال الحافظ ابن حجر من أحسنها ما رواه سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمير بن سعد قال: "كان عبد الله [يعنى ابن مسعود] يعلمنا التشهد في الصلاة ثم يقول

стр. 1139

إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قال: ويقول: لم يدع نبي ولا صالح بشيء إلا دخل في هذا الدعاء. اهـ. وقد ورد في صحيح البخاري عن عائشة زوج النبي ﷺ "أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف، قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر لي أن البخاري أشار [حيث ذكر هذا الحديث تحت باب "الدعاء قبل السلام"] إلى ما ورد في بعض الطرق من تعيينه بهذا المحل، فقد روي بلفظ "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فذكر الحديث، فهذا فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد فيكون سابقا على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يخير من الدعاء ما شاء بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام. اهـ. ومن الأدعية المأثورة ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ "علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم". ٣ - وفي الرواية الرابعة أمر بإقامة الصفوف. قال النووي: وهو مأمور به بإجماع الأمة، وهو أمر ندب، والمراد تسويتها، والاعتدال فيها، وتتميم الأول فالأول منها، والتراص فيها، وسيأتي بسط الكلام فيها بعد تسعة أبواب إن شاء الله. ٤ - استدل الجمهور بروايات الحديث على أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ليست واجبة، وخالف في ذلك الشافعي وأحمد وبعض أصحاب مالك، وسيأتي إيضاح المسألة في الباب الآتي إن شاء الله. ٥ - استدل بقوله "ثم ليؤمكم أحدكم" على وجوب صلاة الجماعة، وقد اختلف العلماء في أنه أمر ندب أو أمر إيجاب على أربعة مذاهب حكاها النووي، فقال: الراجح في مذهبنا، وهو نص الشافعي -رحمه الله تعالى- وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية، إذا فعله من يحصل به إظهار هذا الشعار سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، وقالت طائفة من أصحابنا: هي سنة، وقال ابن خزيمة من أصحابنا: فرض عين، لكن ليست بشرط، فمن تركها وصلى منفردا بلا عذر أتم وصحت صلاته، وقال بعض أهل

стр. 1140

الظاهر: هي شرط لصحة الصلاة، وقال بكل قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من العلماء، وستأتي المسألة في بابها بعد أربعة وسبعين بابا إن شاء الله. ٦ - استدل بقوله "فإذا كبر فكبروا" على وجوب كون تكبيرة الإحرام للمأموم عقب تكبيرة الإمام، قال النووي: ويتضمن الأمر مسألتين: إحداهما أنه لا يكبر قبله ولا معه، بل بعده، فلو شرع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويا الاقتداء بالإمام، وقد بقي للإمام منها حرف لم يصح إحرام المأموم بلا خلاف لأنه نوى الاقتداء بمن لم يصر إماما بل بمن سيصير إماما إذا فرغ من التكبير، والثانية أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقيب تكبيرة الإمام، ولا يتأخر، فلو تأخر جاز، وفاته كمال الفضيلة. ٧ - وفيه وجوب متابعة المأموم للإمام في الركوع والسجود وغيرهما من أفعال الصلاة، وسيأتي بسط المسألة بعد بابين إن شاء الله. ٨ - قال النووي: وفيه دلالة ظاهرة لما قاله أصحابنا وغيرهم أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام، لا بعده فإذا قال الإمام، ولا الضالين، قال الإمام والمأموم معا آمين. وتأولوا قوله ﷺ ، إذا أمن الإمام فأمنوا، قالوا: معناه إذا أراد التأمين ليجمع بينه وبين هذا الحديث. اهـ. وستأتي المسألة بعد باب واحد إن شاء الله. ٩ - وفيه حث عظيم على التأمين، فيتأكد الاهتمام به. ١٠ - قال النووي: وفيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم: أنه يستحب للإمام الجهر بقوله سمع الله لمن حمده. وحينئذ يسمعونه، فيقولون. اهـ. ١١ - قال وفيه دلالة لمذهب من يقول: لا يزيد المأموم على قوله ربنا ولك الحمد، ولا يقول مع الإمام: سمع الله لمن حمده، ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد، لأنه ثبت أنه ﷺ جمع بينهما وسيأتي بسط الكلام فيه بعد باب واحد إن شاء الله. ١٢ - استدل جماعة بقوله "وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات" على أنه يقول في أول جلوسه: التحيات، ولا يقول: بسم الله وليس هذا الاستدلال بواضح، لأنه قال "فليكن من أول" ولم يقل. فليكن أول. اهـ. ١٣ - استدل الأبي بقوله "فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم" على أن الإمام لا يتقدم إلا بعد إقامة الصفوف. وفيه نظر. ١٤ - في قوله "وإذا قرأ فأنصتوا" حجة لمنع قراءة المأموم مع الإمام في الجهرية، وقد سبق بيانه. (فائدة) قال النووي في المجموع: أجمع العلماء على الإسرار بالتشهدين، وكراهة الجهر بهما، واحتجوا بحديث ابن مسعود قال "من السنة أن يخفى التشهد" رواه أبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك، وقال: حسن صحيح على شرط البخاري ومسلم، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم.

стр. 1141

(١٦٤) باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد ٧٣٤ - عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله ﷺ : "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم". ٧٣٥ - عن ابن أبي ليلى قال لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". مثله. ٧٣٦ - عن الحكم بهذا الإسناد مثله غير أنه قال "وبارك على محمد ولم يقل اللهم". ٧٣٧ - عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال "قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".

стр. 1142

٧٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا". -[المعنى العام]- علم رسول الله ﷺ أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، ومما علمهم فيه قوله "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وعرف الصحابة مشروعية السلام على نبيهم ﷺ في التشهد، وواظبوا عليه ونزل قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦] وتأكدوا أن للصلاة عليه صيغة مشروعة، قياسا على علمهم بصيغة مخصوصة للسلام عليه، فما إن اجتمع بهم بعد نزول الآية حتى سألوه: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه، وقد أمرنا الله بالصلاة عليك، فكيف نصلي عليك في صلاتنا؟ وسكت رسول الله ﷺ ، لم يكن أمر بعد بصيغة معينة، وانتظر الوحي، وظن الصحابة أنهم بذلك السؤال أخطئوا، وأن الرسول ﷺ لم يرض عنه. وكان شأنه ﷺ السكوت عند رؤية أو سماع ما لا يرضي، تألم الصحابة، ولاموا أنفسهم، ونظر بعضهم إلى بعض آسفا ومعاتبا، وكان الوحي: وكان جواب الرسول ﷺ قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وبهذه الصلاة يدعو المؤمن لنبيه ﷺ ، ويكافئه على أن نصح الأمة وكشف الغمة، وأنار بدعوته قلوب أتابعه، ورسم لهم الطريق المستقيم، طريق الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، جاءهم بالهدى ودين الحق، وهداهم إلى طريق الجنة، وإلى السعادة الأبدية، بهذه الصلاة ينال المسلم عشر رحمات، وعشر صلوات من أكرم الأكرمين، ينال المسلم بالصلاة الواحدة عشر صلوات، ويكتب له بها عشر حسنات، ويمحي عنه بها عشر سيئات، ويرفع بها عشر درجات فما أجزل الأجر الكبير على اللفظ الصغير، وما أسهل طريق الثواب الجزيل. -[المباحث العربية]- (فقال له بشير بن سعد) ذكر هذا الاسم بعد ذكر "ونحن في مجلس سعد بن عبادة، قد يوهم أن بشير بن سعد بن عبادة، ولكنه والد النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن الجلاس الخزرجي، وبشير هذا صحابي شهير من أهل بدر وشهد غيرها، وهو صاحب الحديث المشهور في تفضيل بعض الأولاد على بعض، توفي في خلافة أبي بكر. (أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله) يشير إلى أمر الله تعالى في قوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾

стр. 1143

(فكيف نصلي عليك)؟ "كيف" اسم استفهام حال مقدم، والفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا كان الله قد أمر بالصلاة عليك فكيف نصلي عليك؟ قال الحافظ ابن حجر: اختلف في المراد بقولهم: كيف؟ فقيل: المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها، بأي لفظ تؤدى؟ وقيل: عن صفتها، لا عن جنسها، لأن لفظ "كيف" ظاهر في الصفة، وأما الجنس فيسأل عنه بلفظ "ما" وبه جزم القرطبي فقال: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفية ما فهم أصله، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة، فسألوا عن الصفة التي تلبق بها ليستعملوها. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: والحامل لهم على هذا السؤال أن السلام لما تقدم بلفظ مخصوص، وهو "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فهموا منه أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص، وعدلوا عن القياس، لإمكان الوقوف على النص، ولا سيما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء خارجة عن القياس غالبا، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم يقل لهم: قولوا الصلاة عليك أيها النبي، ولا تقولوا: الصلاة والسلام عليك إلخ، بل علمهم صيغة أخرى. (فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله) معناه كرهنا سؤاله مخافة أن يكون النبي ﷺ كره سؤاله، وشق عليه، وذلك لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك، بقوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١] ووقع عند الطبري من وجه آخر في هذا الحديث "فسكت حتى جاءه الوحي فقال ... ". (قولوا: اللهم صل على محمد) "اللهم" كثر استعمالها في الدعاء، وهي بمعنى يا الله، والميم عوض عن حرف النداء، وصلاة الله على نبيه ﷺ ثناؤه عليه عند ملائكته وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة، لا طلب أصل الثناء والتعظيم، قال الحليمي: معنى الصلاة على النبي ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عظم محمدا والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى ﴿صلوا عليه﴾ ادعوا ربكم بالصلاة عليه. اهـ. وصلاة الملائكة عليه في قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ كصلاتنا عليه، أي طلب تعظيمه والثناء عليه ﷺ . (وعلى آل محمد) صلاة الله على آل محمد رحمته لهم، وهي من قبيل صلاته جل شأنه على غير الأنبياء من عباده، في قوله تعالى: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾ [الأحزاب: ٤٣] فدعاؤنا بالصلاة على آل محمد دعاؤنا لهم بالرحمة. وقيل معنى صلاة الله على عباده عموما ثناؤه عليهم. وتعظيمه لهم، فالصلاة على الآل، وعلى الأزواج والذرية، وعلى المتقين من المؤمنين من هذا القبيل، ولا يمتنع أن يدعي لهؤلاء بالثناء والتعظيم، كما يدعي للرسول ﷺ ، فإن تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به.

стр. 1144

و"آل" قيل: أصلها "أهل" قلبت الهاء همزة، ثم سهلت، ولهذا إذا صغر رد إلى الأصل، فقيل: أهيل. وقيل: بل أصله "أول" من "آل" بمعنى رجع، سمي بذلك من يئول إلى الشخص، ويضاف إليه، وقد يطلق آل فلان على نفسه وعلى من يضاف إليه جميعا، وضابطه أنه إذا قيل: فعل آل فلان كذا دخل هو فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله ﷺ "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" وإن ذكروا معا فلا، ومنه رواية "إن هذه الصدقة أوساخ الناس وأنها لا تحل لمحمد ولا آل محمد" واختلف في المراد بآل محمد ﷺ في حديث الباب، والراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم وبنو المطلب على أرجح أقوال العلماء، وهذا ما نص عليه الشافعي، واختاره الجمهور وقيل: المراد بآل محمد أزواجه وذريته، ويساعده أن الرواية الأولى والثانية لفظها "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" وفي الرواية الثالثة لفظها "اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته" فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية، وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة، فالمراد بالآل في التشهد من حرمت عليهم الصدقة والأزواج والذرية منه، وأفردوا بالذكر تنويها بشأنهم وقيل: المراد بالآل الذرية، أي فاطمة خاصة وذريتها، حكاه النووي، وهو قول يميل نحو التشيع، وقيل: جميع أمة الإجابة، وقد مال إلى ذلك مالك واختاره الأزهري وحكي عن بعض الشافعية، ورجحه النووي في شرح مسلم، وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم. والله أعلم. (كما صليت على آل إبراهيم) جميع روايات الباب، كما صليت على آل إبراهيم، بذكر الآل. وقد سبق القول: أن آل فلان يطلق على نفسه وعلى من يضاف إليه، فالمراد إبراهيم وآله، أي ذريته من إسماعيل وإسحق، أي المسلمون منهم، بل المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما تقدم في آل محمد ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: اشتهر السؤال عن موقع التشبيه مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه، لأن محمدا ﷺ وحده أفضل من آل إبراهيم، ومن إبراهيم، ولا سيما وقد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره، وأجيب عن ذلك بأجوبة. الأول: أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم، وتعقب بأنه لو كان كذلك لغير لهم صفة الصلاة المطلوبة بعد أن علم أنه أفضل. الثاني: أنه قال ذلك تواضعا، وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك الفضيلة. الثالث: أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر فهو كقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾ [النساء: ١٦٣]، وقوله ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] وكقولك: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان، تريد بذلك أصل الإحسان، لا قدره. ورجح هذا الجواب القرطبي. الرابع: أن المراد أن يجعله خليلا، كما جعل إبراهيم خليلا، وأن يجعل له لسان صدق في الآخرين

стр. 1145

كما جعل لإبراهيم، وذلك بالإضافة إلى ما حصل لمحمد ﷺ من المحبة. وقربه بعضهم بأنه مثل رجلين يملك أحدهما ألفا، ويملك الآخر ألفين، فسأل صاحب الألفين أن يعطي ألفا أخرى نظير الذي أعطيها الأول، فيصير المجموع للثاني أضعاف ما للأول. الخامس: أن قوله "اللهم صل على محمد" مقطوع عن التشبيه، فيكون التشبيه متعلقا بقوله "وعلى آل محمد" واستبعده ابن القيم. السادس: أن التشبيه إنما هو المجموع بالمجموع، فإن في الأنبياء من آل إبراهيم كثرة، فإذا قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التي لمحمد أمكن انتفاء التفاضل. قال الحافظ ابن حجر: ويعكر على هذا الجواب أنه وقع في بعض روايات البخاري مقابلة الاسم فقط، ولفظه: "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم". السابع: رد قاعدة أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، بأن ذلك ليس مطردا، بل قد يكون التشبيه بالمثل، بل وبالدون، كما في قوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾ [النور: ٣٥]. قال ابن القيم -بعد أن زيف أكثر الأجوبة إلا تشبيه المجموع بالمجموع- وأحسن منه أن يقال هو ﷺ من آل إبراهيم وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ [آل عمران: ٣٣] قال محمد من آل إبراهيم فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموما، فيحصل لآله ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم قطعا، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ. انتهى من فتح الباري مع بعض التصرف. (وبارك على محمد) المراد من البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة وقيل: المراد التطهير من العيوب والتزكية. وقيل: المراد إثبات ذلك وتثبيته واستمراره من قولهم: بركت الإبل، أي ثبتت على الأرض، وبه سميت بركة الماء -بكسر الباء وسكون الراء- لإقامة الماء فيها. والحاصل أن المطلوب أن يعطي من الخبر أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر دائما. (في العالمين) قيل: هم أصناف الخلق، وقيل: ما حواه بطن الفلك، وقيل كل محدث، وقيل: ما فيه روح، وقيل: العقلاء مما فيه روح، وقيل الإنس والجن فقط. (إنك حميد مجيد) "حميد" فعيل من الحمد، بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد، أي يحمد أفعال عباده، وأما "مجيد" فهو من المجد، وهو صفة من كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام، ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويه به وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى أنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك. ذكره الحافظ ابن حجر.

стр. 1146

(والسلام كما قد علمتم) معناه قد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام علي، فأما الصلاة علي فهذه صفتها، وأما السلام علي فكما علمتم في التشهد وهو السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولفظ "كما قد علمتم" روي بفتح العين وكسر اللام المخففة وروي بضم العين وتشديد اللام، أي علمتكموه. قال النووي: وكلاهما صحيح. (ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله ﷺ في هذا السياق إضمار، تقديره: قال ابن أبي ليلى: نعم، وقد وقع ذلك صريحا في بعض الروايات "قال: قلت: بلى" وفي بعضها "فقلت: بل اهدها لي". (فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك) قال الفكهاني: الظاهر أن السؤال صدر من بعضهم، لا من جميعهم، ففيه التعبير عن البعض بالكل، ثم قال: ويبعد جدا أن يكون كعب هو الذي باشر السؤال منفردا فأتى بالنون التي للتعظيم، بل لا يجوز ذلك، لأن النبي ﷺ أجاب بقوله "قولوا" فلو كان السائل واحدا لقال له: قل، ولم يقل: قولوا. اهـ. وهو كلام حسن من حيث إن الصحابي لا يأتي بالنون التي للتعظيم، ولكنه لا يمنع أن يكون السائل واحدا، ويأتي بالنون لبيان أن السؤال كان له ولغيره، فهو قائل لفظا، وغيره قائلون حكما، أي قد عرفت أنا وغيري كيف نسلم عليك، وهذا هو الظاهر. والمستبعد أن يسأل جماعة في وقت واحد بلفظ واحد. إذ ليس ذلك من الأدب ولا من النظام في شيء، بل يصح أن يكون كعب بن عجرة قائلا حكما. والناطق غيره، نعم رواية الطبري، ولفظها "قمت إليه، فقلت: السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ ترجح أنه المتلفظ بالسؤال، أما الرواية الأولى، ولفظها "فقال له ابن سعد ... " فإنها تفيد أن المتلفظ بالسؤال بشير، فإن صحت الروايتان، ولم ترجح روايتنا على رواية الطبري قلنا بتعدد المجالس والسؤال فإن كان في مجلس واحد قلنا: إن أحدهما سأل أولا وأيده الثاني بتأكد السؤال وإعادته والله أعلم. -[فقه الحديث]- لخص الحافظ ابن حجر مذاهب العلماء في حكم الصلاة على النبي ﷺ في عشرة مذاهب. أولها: قول ابن جرير الطبري إنها من المستحبات مطلقا. وادعى الإجماع على ذلك. ثانيها: أنها تجب في الجملة بغير حصر. نقل ابن القصار فيه الإجماع [ولعل مراده بالإجماع هو وابن جرير إجماع أصحاب كل منهما، لا إجماع الأمة]. ثالثها: تجب في العمر مرة، في صلاة أو غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد قاله أبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم وغيرهما، وقال القرطبي المفسر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرة، وأنها واجبة في كل حين وجوب السنن المؤكدة. رابعها: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد. قاله أبو بكر بن بكير من المالكية.

стр. 1147

خامسها: تجب في كل مجلس مرة، ولو تكرر ذكره مرارا، حكاه الزمخشري. سادسها: تجب في كل دعاء، حكاه الزمخشري أيضا. سابعها: تجب كلما ذكر، قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية والحليمي وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية، إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشري. ثامنها: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر. تاسعها: تجب في التشهد، وهو قول الشعبي وإسحق بن راهويه. عاشرها: تجب في القعود آخر الصلاة، بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعي. ومن تبعه. اهـ والذي يعنينا في هذا المقام حكم الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، بين التشهد وسلام التحلل، وقد أجمل النووي مذاهب العلماء فيها فقال: ذهب أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله تعالى- والجماهير إلى أنها سنة، ولو تركت صحت الصلاة. وذهب الشافعي وأحمد -رحمهما الله تعالى- إلى أنها واجبة، ولو تركت لم تصح الصلاة، قال: وقد نسب جماعة الشافعي -رحمه الله تعالى- في هذا إلى مخالفة الإجماع، ولا يصح قولهم هذا، فإنه مذهب الشافعي، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄. اهـ. والعلماء يرون أن في استدلال الشافعية على وجوبها خفاء، فهم يحتجون بحديث أبي مسعود الأنصاري [روايتنا الأولى] ولفظه، "أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ .... قال رسول الله ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم" قالوا: فقولهم أمرنا الله يشيرون به إلى أمر الله في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ قالوا والأمر للوجوب. وقد اعترض على هذا الاستدلال بأنه إن دل على الوجوب، فإنه لا يدل على كون هذا الوجوب في الصلاة. وأجابوا عن هذا الاعتراض برواية ابن حبان والحاكم لهذا الحديث، وفيه زيادة "فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا" وهذه الزيادة صحيحة، قال فيها الدارقطني: إسناده حسن متصل، وقال البيهقي: إسناده حسن صحيح، وصححه الترمذي وابن خزيمة. قالوا: واحتمال كون ذلك التعليم ليصلي عليه خارج الصلاة بعيد، وقال بعضهم في ذلك: إن الصلاة عليه واجبة بالإجماع، وليست الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة، فتعين أن تجب في الصلاة. وقالوا: إن قوله ﷺ "والسلام كما قد علمتم" بعد تعليمهم الصلاة عليه وبعد تعليمهم السلام عليه في التشهد قرينة على أن المراد بالصلاة عليه الصلاة عليه في الصلاة. واعترض على هذا الجواب بأنه إن دل على طلب الصلاة عليه في الصلاة فإنه لا يدل على تعين إيقاعها بين التشهد والسلام.

стр. 1148

وأجابوا عن هذا الاعتراض، فقالوا: أخرج الحاكم بسند قوي عن ابن مسعود قال: "يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي، ثم يدعو لنفسه"، فإن ابن مسعود ذكر أن النبي ﷺ علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما يشاء" فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل على أنه اطلع على زيادة بين التشهد والدعاء ويتقوى هذا بما أخرجه الترمذي عن عمر موقوفا: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى يصلي على النبي ﷺ "، قال ابن العربي: ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فيكون له حكم الرفع. واعترض على كل هذا بأن أقصى ما يدل عليه طلب الصلاة عليه ويكفي في هذا الاستحباب، ولا دلالة على الوجوب، وخصوصا أن الشافعية أنفسهم لم يوجبوا إلا "اللهم صل على محمد" وما زاد على ذلك جعلوه سنة مع أن تعليمهم الصلاة عليه اشتمل على الصلاة على الآل والذرية، وهي واجبة بالإجماع. وأجيب عن هذا الاعتراض بما أخرجه البيهقي بسند قوي عن الشعبي وهو من كبار التابعين قال: "من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد فليعد صلاته" وبما قاله الشافعي: إن النبي ﷺ كان يعلمهم التشهد في الصلاة، وروي عنه أنه علمهم كيف يصلون في الصلاة، فلا يجوز أن نقول: التشهد في الصلاة واجب والصلاة عليه فيه غير واجبة. اهـ ورد بأن هذا رأي ومذهب للشعبي والشافعي خال من الدليل. وقد شنع جماعات على مذهب الشافعية، ونسبوه في ذلك إلى الشذوذ، ومنهم الطبري والطحاوي وابن المنذر والخطابي، وتصدى الحافظ ابن حجر للدفاع عن المذهب، فقال: إن فقهاء الأمصار لم يتفقوا على مخالفة الشافعي في ذلك، بل جاء عن أحمد روايتان، وعن إسحاق الجزم به في العمد فقال: إذا تركها يعيد والخلاف أيضا عند المالكية، ذكره ابن الحاجب في سنن الصلاة، قال: على الصحيح، فقال شارحه بن عبد السلام: يريد أن في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن المواز منهم، وأما الحنفية فألزم بعض شيوخنا من قال منهم بوجوب الصلاة كلما ذكر، كالطحاوي ألزمهم بعض شيوخنا أن يقولوا بوجوبها في التشهد، لتقدم ذكره ﷺ في آخر التشهد. كما انتصر ابن القيم للشافعي فقال: أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد، وإنما اختلفوا في الوجوب والاستحباب، وفي تمسك من لم يوجبه بعمل السلف الصالح نظر، لأن عملهم كان بوفاقه، وقال: وأما قول عياض: إن الناس شنعوا على الشافعي فلا معنى له، فأي شناعة في ذلك؟ وهو لم يخالف نصا ولا إجماعا ولا قياسا ولا مصلحة راجحة؟ بل القول بذلك من محاسن مذهبه. اهـ. واختلف العلماء في الصيغة المطلوبة سواء على وجه الوجوب أو الاستحباب، وبقي الخلاف على اختلاف الروايات، وقد قال النووي في شرح المهذب والأفضل في صفة الصلاة أن يقول: "اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل

стр. 1149

إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. فيجمع بذلك ما في الأحاديث الصحيحة. اهـ. وتعقبه الأسنوي فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث، ومع اختلاف كلامه في شرح المهذب، عنه في الأذكار، وعنه في التحقيق والفتاوي، فمرة أسقط "النبي الأمي" في "بارك" ومرة زاد "أمهات المؤمنين" بعد قوله: "أزواجه وزاد، أهل بيته" بعد قوله "ذريته". وقال الأوزاعي: لم يسبق النووي إلى ما قال، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول كل ما ثبت، هذا مرة وهذا مرة. وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وكأن الأوزاعي أخذ كلامه من كلام ابن القيم، فإنه قال: إن الكيفية لم ترد مجموعة في طريق من الطرق. والأولى أن يستعمل كل لفظ ثبت على حدة. فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة. فإن الغالب على الظن أنه ﷺ لم يقله كذلك. وقد نص الشافعي على أن الاختلاف في ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءات. ولم يقل أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن. وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرين. انتهى كلام ابن القيم. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر إن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر كما في "أزواجه" و"أمهات المؤمنين" فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما. وإن كان اللفظ يستقل بزيادة معنى ليس في اللفظ الآخر البتة فالأولى الإتيان به، ويحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر. اهـ. ولا يخفى أن هذا الخلاف إنما هو في الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، أما الصلاة عليه خارج الصلاة فللمصلي عليه أن يأتي بما يشاء من الألفاظ، ففي لفظ لابن مسعود "اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك"، أخرجه ابن ماجه والطبري، وفي لفظ لعلي كرم الله وجهه، اللهم داحي المدحوات ... اجعل شرائف صلواتك ونواحي بركاتك. ورأفة تحيتك. على محمد عبدك ورسولك "أخرجه الطبري والطبراني". وادعى بعضهم أنه لا يقال: وترحم على محمد، وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك فقال: حذار من زيادة "وترحم" قال الحافظ ابن حجر: إن كان إنكاره لكونه لم يصح فمسلم. وإلا فدعوى من يدعي أنه لا يقال: اللهم ارحم محمدا مردودة، لثبوت ذلك في عدة أحاديث أصحها في التشهد "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" ثم قال هذا فيما يقول مضموما إلى السلام أو الصلاة. أما مفردا فلا. ونقل القاضي عياض عن الجمهور الجواز مطلقا، وخالف غيره، ففي الذخيرة من كتب الحنفية: عن محمد: يكره ذلك لإيهامه النقص، لأن الرحمة غالبا إنما تكون عن فعل ما يلام عليه، وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي ﷺ أن يقول: رحمة الله، لأنه قال: "من صلى علي" ولم يقل: من ترحم علي، ولا من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، لكنه خص هذا اللفظ تعظيما له، فلا يعدل عنه إلى غيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لا

стр. 1150

تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣]. اهـ. واختلف العلماء في حكم الصلاة على غير النبي ﷺ من الملائكة والأنبياء والمؤمنين. أما الأنبياء فقد ثبت عن ابن عباس اختصاص الصلاة بالنبي ﷺ ، فعن عكرمة عن ابن عباس قال "ما أعلم الصلاة تنبغي على أحد من أحد إلا على النبي ﷺ "، أخرجه ابن أبي شيبة. وحكي القول به عن مالك وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك يكره. والجمهور على جواز الصلاة على الأنبياء، قال عياض: عامة أهل العلم على الجواز. قال سفيان: ووجدت بخط بعض شيوخ مذهب مالك، لا يجوز أن يصلي إلا على محمد، وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال. أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به. اهـ. وبهذا يتبين أن عامة العلماء على جواز الصلاة على الأنبياء تبعا واستقلالا فنقول: مثلا: موسى ﵊، وقال شعيب ﵊ ونحو ذلك، بل في الأحاديث ما يدل على مشروعيتها واستحبابها، فقد أخرج البيهقي عن بريدة رفعه "لا تتركن في التشهد الصلاة علي وعلى أنبياء الله" وأخرج الإسماعيلي من حديث أبي هريرة، رفعه "صلوا على أنبياء الله" وأخرج الطبراني عن ابن عباس، رفعه "إذا صليتم علي فصلوا على أنبياء الله فإن الله بعثهم كما بعثني"، فهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة الإسناد نقوي القول بالجواز على الأقل. وأما الملائكة فقد قال عنهم الحافظ ابن حجر: لا أعرف في الصلاة عليهم حديثا نصا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله، لأن الله تعالى سماهم رسلا. اهـ. فهو يرى أن حكم الصلاة عليهم كحكم الصلاة على الأنبياء. وأما المؤمنون فقد قال طائفة بجواز الصلاة عليهم مطلقا، سواء كانت بطريق الاستقلال. أو بطريق التبعية، واستدلوا بالرواية الأولى والثانية ولفظها "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد"، وبالرواية الثالثة ولفظها "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته" كما استدلوا بقوله تعالى ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] وبقوله ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾ [الأحزاب: ٤٣] وبما رواه البخاري عن ابن أبي أوفى، قال "كان إذا أتى رجل النبي ﷺ بصدقته قال: اللهم صل عليه. فأتاه أبي بصدقته، فقال اللهم صل على آل أبي أوفى" وما رواه أبو داود عن قيس بن سعد بن عبادة "أن النبي ﷺ رفع يده، وهو يقول اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة"، وبما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من حديث جابر أن امرأته قالت للنبي ﷺ صل علي وعلى زوجي ففعل. كما احتجوا بأن الصلاة دعاء بالرحمة فلا تمنع إلا بنص أو إجماع. وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد، ونص عليه أحمد في رواية أبي داود وبه قال إسحق وأبو ثور وداود والطبري. ويميل ابن القيم إلى هذا الرأي، لكنه يقيده بعض الشيء، فيقول: المختار أن يصلي على الأنبياء، والملائكة، وأزواج النبي ﷺ وآله وذريته، وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، وتكره في غير الأنبياء

стр. 1151

لشخص مفرد بحيث يصير شعارا، ولا سيما إذا ترك في حق مثله، أو أفضل منه كما يفعله الرافضة؟ فلوا اتفق وقوع ذلك مفردا في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعارا لم يكن به بأس، ولهذا لم يرد في حق غير من أمر النبي ﷺ بقول ذلك لهم، وهم من أدى زكاته إلا نادرا كما في قصة زوجة جابر وآل سعد بن عبادة. اهـ. والجمهور عن منع الصلاة على غير الأنبياء والملائكة استقلالا، لا تبعا، فلا يقال: قال أبو بكر ﷺ ، وإن كان معناه صحيحا. يقال: صلى الله على النبي وعلى صديقه وعلى خليفته، ونحو ذلك، والحجة فيه أنه صار شعارا للنبي ﷺ فلا يشاركه غيره فيه. قالوا: وقريب من هذا أنه لا يقال: قال محمد وإن كان معناه صحيحا. لأن هذا الثناء صار شعارا لله ، فلا يشاركه غيره فيه. قالوا: ولا حجة لمن أجاز ذلك منفردا، استدلالا بالآيتين، وبحديث ابن أبي أوفى وبحديث جابر السابقين، فإن ذلك كله وقع من النبي ﷺ ، ولصاحب الحق أن يتفضل من حقه بما يشاء، وليس لغيره أن يتصرف إلا بإذنه. ولم يثبت عنه إذن في ذلك، ويقوي المنع أن الصلاة على غير النبي ﷺ في بعض البلاد صارت شعارا لأهل الأهواء، يصلون على من يعظمونه من أهل البيت، والصلاة على غير الأنبياء استقلالا لم تكن من الأمر المعروف، وإنما أحدثت في دولة بني هاشم. والخلاف بين الجمهور في اعتبار هذا المنع حراما، أو مكروها، أو خلاف الأولى، كما أن الخلاف جار في الصلاة على المؤمنين تبعا، هل هي جائزة مطلقا أو فيمن ورد النص بهم؟ فقالت طائفة: لا تجوز الصلاة على المؤمنين استقالا -أي تحرم- وتجوز تبعا فيما ورد بالنص، أو ألحق به، لقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ لأنه لما علمهم السلام قال "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ولما علمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل بيته وهذا القول اختاره القرطبي وأبو المعالي من الحنابلة. وقالت طائفة: لا تجوز الصلاة على المؤمنين استقلالا -أي تحرم- وتجوز تبعا مطلقا: وهذا قول أبي حنيفة وجماعة. وقالت طائفة: تكره استقلالا، لا تبعا، وهي رواية عن أحمد. وقال النووي: هي خلاف الأولى. والذي تميل إليه النفس أن الصلاة على المؤمنين استقلالا، إذا كانت على وجه التعظيم، ومعادلة النبي ﷺ ، أو على وجه رفع مفضول على فاضل حرمت أما إذا كانت على وجه الدعاء بالرحمة والبركة فلا تحرم، والأولى أن يذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران، دون الصلاة، ودون السلام، فقد قال الحويني: والسلام في معنى الصلاة، فإن الله تعالى قرن بينهما فلا يفرد بالسلام غائب غير الأنبياء. أي لا يقال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵈، وإنما يقال السلام خطابا للأحياء والأموات فيقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والله أعلم.

стр. 1152

واستدل بالحديث برواياته الثلاث الأوليات على فضيلة الصلاة على النبي ﷺ ، من جهة ورود الأمر بها، واعتناء الصحابة بالسؤال عن كيفيتها، وقد ورد فضلها صريحا في الرواية الرابعة، ولفظها "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا" قال القاضي عياض: أي رحمه، وضعف أجره، من باب قوله تعالى ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآية ويحتمل أن الله يصلي عليه حقيقة بكلام تسمعه الملائكة ﵈ كما جاء في الحديث القدسي "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم". اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد التصريح بفضل الصلاة على النبي ﷺ في أحاديث قوية، منها ما أخرجه مسلم "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا" وله شاهد عند أحمد والنسائي، وعند النسائي عن بردة "من صلى علي من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات"، وعند الترمذي: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة" وعند البيهقي "صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة: فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة". وعند الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم، "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" وعند ابن ماجه والبيهقي "من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة" وعند الترمذي "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي" وعند الحاكم "بعد من ذكرت عنده فلم يصل علي" وعند الطبراني "شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل علي" وعند عبد الرزاق "من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي". ثم قال الحافظ ابن حجر: فهذا الجيد من الأحاديث الواردة في ذلك، وفي الباب أحاديث ضعيفة وواهية، وأما ما وضعه القصاص في ذلك فلا يحصى كثرة، وفي الأحاديث القوية غنية عن ذلك، ثم قال: وقد تمسك بالأحاديث المذكورة من أوجب الصلاة عليه كلما ذكره، لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء، والوصف بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب، من حيث المعنى: وإن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فيتأكد إذا ذكر، وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة: منها أن الوجوب قول مخترع، لم يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين، ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن، والسامع والقارئ إذا مر بذكره، ولكان الثناء على الله كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبي ﷺ فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك، وطلبه، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا، وفي الجملة لا دلالة على وجوب تكرر ذلك بتكرر ذكره ﷺ . قال الأبي: ومقتضى الوعد بمضاعفة الأجر عشرا. أنه يحصل بأي لفظ كانت الصلاة، وإن كان الراجح ما تقدم من الصفة الواردة سابقا، وما يستعمل من لفظ السيد والمولى حسن، وإن لم يرد [فيقال مثلا: اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد ﷺ ] والمستند فيه ما صح من قوله ﷺ "أنا سيد ولد آدم" ثم قال: وانظر لو قال: اللهم صل على محمد عدد كذا. هل يثاب بعدد ما ذكر؟ أو يثاب ثواب من صلى أكثر من واحدة؟ واستشهد الأبي لفضيلة هذه الصيغة بحديث "من قال

стр. 1153

سبحان الله عدد خلقه ... " من حيث دلالته على أن للتسبيح بهذا اللفظ مزية، وإلا لم تكن له فائدة". قال الحليمي: والمقصود بالصلاة على النبي ﷺ التقرب إلى الله بامتثال أمره وقضاء حق النبي ﷺ علينا، وتبعه ابن عبد السلام فقال: ليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه. وقال ابن العربي: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه، لدلالة ذلك على نصوع العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام للوساطة الكريمة ﷺ . اهـ. ومن المواطن التي يتأكد فيها طلب الصلاة على النبي ﷺ سواء على طريق الوجوب أو الاستحباب: التشهد الأول، وخطبة الجمعة وغيرها من الخطب وصلاة الجنازة، وتتأكد عقب إجابة المؤذن، وأول الدعاء وأوسطه وآخره، وفي آخر القنوت، وفي أثناء تكبيرات العيد، وعند دخول المسجد والخروج منه وعند الاجتماع والتفرق، وعند السفر والقدوم وعند القيام من الليل، عند ختم القرآن، وعند الهم والكرب، وعند التوبة من الذنب، وعند قراءة الحديث وتبليغ العلم والذكر، وعند نسيان الشيء، وعند استلام الحجر، وعند طنين الأذن، وعند البلبلة، وعقب الوضوء، وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه ورضي عن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 1154

(١٦٥) باب التسميع والتحميد والتأمين ٧٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". ٧٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" قال ابن شهاب كان رسول الله ﷺ يقول "آمين". ٧٤١ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ بمثل حديث مالك ولم يذكر قول ابن شهاب. ٧٤٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا قال أحدكم في الصلاة آمين والملائكة في السماء آمين فوافق إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه". ٧٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه". ٧٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا قال القارئ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقال من خلفه آمين فوافق قوله قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه".

стр. 1155

-[المعنى العام]- من أهم أهداف صلاة الجماعة واقتداء المأموم بالإمام، وربط أقواله وأفعاله بأقوال الإمام وأفعاله تعليم النظام والدقة في التسليم للقيادة، إن متابعة الحركات قد تكون مع الغفلة، فلا تؤتى الإمامة ثمارها، ولا تحقق الغاية المنشودة منها، ومن هنا تنبه الأحاديث على يقظة المأموم لأقوال إمامه، ليضع قوله في المكان والزمان المشروع، إن الملائكة تتابع أقوال الإمام، وتوافقه حين يقول في نهاية الفاتحة "آمين" تدعو له ولمن خلفه بإجابة الدعاء الوارد في الفاتحة، وتوافقه عند رفعه من الركوع في قوله "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد" فتدعو له ولمن خلفه بأن يسمع الله حمدهم ويثيبهم عليه. ومن هنا تنبه الأحاديث إلى استحباب اليقظة ومتابعة الإمام حين يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد فنقول عقب قوله مثلما يقول. وإلى استحباب اليقظة للإمام حين يقرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فنقول معه "آمين" ليوافق قولنا قول الإمام والملائكة، فمن وافق قوله قول الملائكة، ولم يسبقه أو يتأخر عنه غفر الله له ما تقدم من ذنوبه. كلمات سهلة يسيرة يمحو الله بها الخطايا. فسبحان الغفور الرحيم، واسع الفضل والجود. وهنيئا للمؤمنين الطائعين ما ينالهم من ثواب عظيم. -[المباحث العربية]- (سمع الله لمن حمده) يحتمل أن يكون خبرا، والمراد من سمع الحمد الإثابة عليه. والمعنى يسمع الله حمد الحامد. ويثيبه عليه. ويحتمل أن يكون دعاء. والمعنى اللهم اقبل حمدي لك: وأثبني عليه. (اللهم ربنا لك الحمد) قال الحافظ ابن حجر: ثبت في أكثر الطرق "اللهم" وفي بعضها بحذفها، وكلاهما جائز، وثبوتها أرجح، لأن فيه تكرير النداء. كأنه قال يا ربنا. وقد ثبت في طرق كثيرة "اللهم ربنا ولك الحمد" بزيادة الواو، وفي بعضها -كما هنا- بحذفها، قال النووي: المختار أنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر وقال ابن دقيق العيد: كأن إثبات الواو دال على معنى زائد، لأنه يكون التقدير مثلا: ربنا استجب، ولك الحمد، فيشتمل على معنى الدعاء ومعنى الخبر. اهـ وقيل: عاطفة على محذوف أي ربنا حمدناك ولك الحمد، وقال الأصمعي: سألت أبا عمر عن الواو في "ربنا ولك الحمد" فقال: هي زائدة، تقول العرب بعنى هذا الثوب، فيقول المخاطب: نعم وهو لك بدرهم، فالواو زائدة.

стр. 1156

(فإنه من وافق قوله قول الملائكة) قيل: معناه الموافقة في الوقت بداية ونهاية، وقيل: معناه الموافقة في الصفة والخشوع والإخلاص، والأول هو الصحيح والصواب، واختلف في هؤلاء الملائكة، فقيل: هم الحفظة، ورد بالرواية الثالثة والرابعة والخامسة، وهي تصرح بأنهم أهل السماء، وأجيب بأنه إذا قالها الحاضرون من الحفظة قالها من فوقهم، وحتى ينتهي إلى أهل السماء قاله النووي: وهذا الجواب في الحقيقة رجوع عن أن المراد بهم الحفظة إلى أن المراد ما يعم الحفظة وغيرهم، وهذا هو الأولى، ومثل ذلك يقال في التأمين. (إذا أمن الإمام فأمنوا) يقال: أمن يؤمن إذا قال: آمين والمراد إذا قال الإمام: آمين. بعد قراءة الفاتحة فقولوا: آمين. ولما كان ظاهر العبارة يؤدي إلى كون تأمين المأموم يكون عقب تأمين الإمام مع أن الجمهور يقول بموافقتهما قالوا: إن المراد إذا أراد أن يؤمن الإمام فأمنوا ليكون تأمينكم وتأمينه في وقت واحد، ولما كان بعضهم يرى أن الإمام لا يؤمن قال معنى "أمن الإمام" بلغ موضع التأمين، أي وصل في قراءته الفاتحة إلى ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ كما يقال: أحرم وأنجد إذا دخل في الحرم أو بلغ نجدا، أو أن معنى "أمن الإمام" دعا بقوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ والداعي يسمى مؤمنا، كما أن المؤمن يسمى داعيا. وسيأتي البحث مبسوطا في فقه الحديث. (إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين) وزن آمين ليس من أوزان كلام العرب، وهو مثل هابيل وقابيل، وهو اسم فعل، ويوقف عليه بالسكون فإن وصل بغيره حرك لالتقاء الساكنين، ويفتح طلبا للخفة لأجل البناء كأين وكيف، إذ الكسرة بعد الياء ثقيلة، وأما معناه فقيل: ليكن كذلك، وقيل: اقبل. وقيل: لا تخيب رجاء. وقيل: لا يقدر على هذا غيرك. وقيل: هو اسم من أسماء الله، حذف منه حرف النداء. والأصل: يا آمين استجب دعاءنا، وهو أبعد الأقوال عن القبول. (فوافقت إحداهما الأخرى) أي فوافقت إحدى المقالتين المقالة الأخرى والمراد مقالة المؤمنين ومقالة الملائكة: آمين. -[فقه الحديث]- يتعرض الحديث لمسألتين منفصلتين: التسميع والتحميد، ثم التأمين، وقد قدم الإمام مسلم وكثير من المحدثين أحاديث التسميع والتحميد، على أحاديث التأمين، مع أن التأمين مقدم في الصلاة على التسميع والتحميد، ولعلهم لم يلتزموا ترتيب أفعال الصلاة، فقد قدموا التشهد والصلاة على النبي ﷺ فيه على التسميع والتحميد والتأمين. وموافقة لترتيبهم نقول: إن ظاهر الرواية الأولى -ولفظها "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد"-

стр. 1157

أن الإمام لا يقول: ربنا لك الحمد، وإن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ومن تبعهما، ووجه هذا الدليل بأنه قسم التسميع والتحميد، فجعل التسميع للإمام والتحميد للمأموم، والقسمة تنافي الشركة، واحتجوا كذلك بأن معنى "سمع الله لمن حمده" طلب التحميد، فيناسب حال الإمام، وأما المأموم فتناسبه حال الإجابة بقوله "ربنا لك الحمد" ويقويه حديث أبي موسى الأشعري المذكور قبل قليل في باب التشهد، ولفظه "وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقالوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم". وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد: يجمع الإمام الذكرين ويقتصر المأموم على "ربنا لك الحمد". ومذهب الشافعية أنه يستحب لكل من الإمام والمأموم أن يقول في حال ارتفاعه: سمع الله لمن حمده، فإذا استوى قائما قال: ربنا لك الحمد فيستحب للإمام والمأموم الجمع بين هذين الذكرين، وبهذا قال عطاء وإسحق وداود واستدلوا بأنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد، ففي البخاري ومسلم في باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع -وسيأتي بعد أبواب- عن ابن أبي أوفى قال "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد" وقال "صلوا كما رأيتموني أصلي" فيقتضي هذا مع ما قبله أن كل مصل يجمع بينهما، قالوا: ولأنهما ذكر كالتسبيح، فيستحب للإمام وغيره، لأن الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها، فإن لم يقل بالذكرين في الرفع والاعتدال بقي أحد الحالين خاليا عن الذكر. وأجابوا عن الرواية الأولى في بابنا بأنها ليس فيها ما يدل على النفي، بل فيها أن قول المأموم "ربنا ولك الحمد" يقول عقب قول الإمام "سمع الله لمن حمده" والواقع في التصوير ذلك، لأن الإمام يقول التسميع في حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام. وكأن المعنى: قولوا "ربنا ولك الحمد" مع ما قد علمتموه من قول "سمع الله لمن حمده" وإنما خص هذا بالذكر لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي ﷺ بـ"سمع الله لمن حمده" فإن السنة فيه الجهر، ولا يسمعون قوله "ربنا لك الحمد" لأنه يأتي به سرا، وكانوا يعلمون قوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" مع قاعدة التأسي به ﷺ مطلقا، وكانوا يوافقون في "سمع الله لمن حمده" فلم يحتج إلى الأمر به، ولا يعرفون "ربنا لك الحمد" فأمروا به. قاله النووي في شرح المذهب. اهـ. وأجابوا عما احتج به المالكية والحنفية من حيث المعنى بأنه لا يدل على أن الإمام لا يقول "ربنا لك الحمد" إذ لا يمتنع أن يكون طالبا ومجيبا. هذا حكم الإمام والمأموم، أما المنفرد فهو عند الشافعية كالإمام والمأموم يجمع بين الذكرين، وعند مالك وأبي حنيفة: يقول كما يقول الإمام "سمع الله لمن حمده" فقط، وفي قول للحنيفة: يجمع المنفرد بين الذكرين، وحملوا عليه الحديث الذي استدل به الشافعية

стр. 1158

من أن النبي ﷺ كان يجمع بين الذكرين فقال العيني: يمكن أن يكون هذا من النبي ﷺ وهو منفرد: وأبو حنيفة أيضا حمله على حالة الانفراد. اهـ. أما التأمين فمذهب الشافعية أنه سنة لكل مصل فرغ من قرأة الفاتحة سواء الإمام والمأموم والمنفرد، والرجل والمرأة والصبي، والقائم والقاعد والمضطجع والمفترض والمتنقل، في الصلاة السرية والجهرية، فإن كانت الصلاة سرية أسر الإمام وغيره بالتأمين تبعا للقراءة وإن كان جهرية، وجهر الإمام أو المنفرد بالقراءة استحب لهما الجهر بالتأمين بلا خلاف بين الشافعية، وخلافهم في المأموم حيث يجهر إمامه بالتأمين، وجمهورهم على أنه يجهر، وذهب جماعة منهم إلى أنه لا يجهر، ولعل منشأ الخلاف بينهم ما نقل عن الشافعي، ففي المذهب القديم يجهر وعبارته في المذهب الجديد تفيد عدم استحباب الجهر، ولفظها في المختصر وهو من الجديد "يرفع الإمام صوته بالتأمين، ويسمع من خلفه أنفسهم، ولفظهما في الأم يرفع الإمام بها صوته فإذا قالوها أسمعوا أنفسهم ولا أحب أن يجهروا، فإن فعلوا فلا شيء عليهم". ووجهة نظر القائلين بجهر الإمام أن القول إذا وقع به الخطاب مطلقا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار أو حديث النفس قيد بذلك في الحديث الآمر بقول المأمومين: آمين. ثم إن الحديث قابل تأمين المأمومين بتأمين الإمام، ومقابلة القول بالقول ظاهرها الاتفاق في الصفة، والإمام قد استحب له الجهر، فالمأموم كذلك: وفي البخاري "أمن ابن الزبير ومن وراءه، حتى إن للمسجد للجة" ويروى "لجلبة" أي لصوت مرتفع. وحكى القاضي أبو الطيب والعبدري الجهر بالتأمين للإمام والمأموم والمنفرد في الجهرية عن طاوس وأحمد وإسحق وابن خزيمة وابن المنذر وداود. وعن مالك في التأمين ثلاث روايات: الأولى: لا يؤمن الإمام مطلقا في سرية ولا في جهرية، وكذا المنفرد، ويؤمن المأموم سرا في الجهرية. الثانية: لا يؤمن الإمام في الجهرية. ويؤمن سرا في السرية ويؤمن المنفرد سرا فيهما، الثالثة: يؤمن الإمام سرا في الجهرية والسرية ويؤمن المأموم والمنفرد سرا. واحتج بعض المالكية للرواية الأولى -رواية عدم تأمين الإمام مطلقا بأن الإمام داع، بقوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم ... ﴾ إلخ فناسب أن يختص المأموم بالتأمين، واستدلوا بما رواه مسلم في باب التشهد (إذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين) فإنه ﷺ قسم ذلك بين الإمام والمأموم، والقسمة تنافي الشركة، وأجابوا عن حديث (إذا أمن الإمام فأمنوا) وظاهره أن الإمام يؤمن أجابوا بأنها قضية شرطية لا تثبت وقوع فعل الشرط، وعلى التسليم بأن (إذا) تشعر بتحقيق وقوع فعل الشرط فإن المراد من (أمن) موضع التأمين، بقوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ كما يقال: أنجد إذا بلغ نجدا، وإن لم يدخلها، وقال بعضهم. معنى إذا أمن الإمام، إذا دعا بقوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وتسمية الداعي مؤمنا سائغة، لأن المؤمن يسمى داعيا، كما جاء في قوله تعالى ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] وكان موسى داعيا، وهارون مؤمنا.

стр. 1159

ورد هذا الاحتجاج بجميع وجوهه، فإن قولهم: إن الإمام داع فناسب أن يختص التأمين بالمأموم، لأنه جواب للدعاء، مردود بأن التأمين دعاء قائم مقام التخليص بعد البسط، فالمناسب للإمام أن يقوله، لأنه في مقام الداعي، ثم إنه إذا استحب التأمين للسامع، فالداعي أولى بالاستحباب. ثم إن استدلالهم برواية مسلم "إذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين "غير مسلم، لأنه قصد منه موافقة تأمين المأموم لتأمين الإمام، أي إذا بلغ "ولا الضالين" فقولوا: آمين ليوافق تأمينكم تأمينه، فقد روى أبو داود وابن ماجه "كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال آمين حتى يسمع من الصف الأول "زاد ابن ماجه "فيرتج بها المسجد". وإجابتهم عن حديث "إذا أمن الإمام" بأن معنى "أمن" بلغ موضع التأمين قال عنها ابن العربي: هذا بعيد لغة وشرعا، وقال عنها ابن دقيق العيد: هذا مجاز، فإن وجد دليل يرجحه عمل به، وإلا فالأفضل عدمه اهـ والواقع أنه لا دليل يرجحه، بل الدليل على خلاف هذا التأويل، وقول بعضهم: "إذا أمن" معناه إذا دعا إلخ مردود بأنه لا يلزم من تسمية المؤمن داعيا تسمية الداعي مؤمنا، ثم إنه لم يصح أن هارون كان مؤمنا ولم يكن داعيا، ولو صح كان إطلاق دعوتكما من قبيل التغليب. وأما الرواية الثانية عن مالك، وهي أن الإمام لا يؤمن في الجهرية ويؤمن سرا في السرية فيمكن الاستدلال لها والرد عليها بالاستدلال السابق والرد عليه. بقيت الرواية الثالثة عن مالك، وهي استحباب التأمين سرا للإمام والمأموم والمنفرد وهو مذهب الحنفية، وقد استدل له برواية شعبة عن علقمة بن وائل عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ فلما بلغ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين، وأخفى بها صوته) ولفظ الحاكم (وخفض بها صوته) كما استدل له بما رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار: حدثنا أبو حنيفة حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: (أربع يخفيهن الإمام. التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم، وآمين). وقد ورد هذا الاستدلال بأن رواية شعبة عند أبي داود بلفظ "قال: آمين ورفع بها صوته" ولفظ الترمذي "ومد بها صوته" وحيث تعارضت لا تصلح دليلا بل روايات الرفع أقوى، أما أثر إبراهيم النخعي فهو ضعيف لا يحتج به. ثم إنه لو لم يكن التأمين مسموعا للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه فترجح أن الإمام يؤمن فيجهر به في الجهرية، كما هو مذهب الشافعية. وهناك في التأمين مذهبان شاذان على طرفي نقيض، أحدهما للإمامية إذ قالوا: إن التأمين يبطل الصلاة، لأنه لفظ ليس بقرآن ولا ذكر. وثانيهما للظاهرية، إذ أوجبوه على كل مصل، وحكي عن ابن حزم أنه سنة للإمام واجب على المأموم، عملا بظاهر الأمر والله أعلم. والمراد بموافقة الملائكة في التسميع والتحميد والتأمين الموافقة في القول والزمان خلافا لمن

стр. 1160

قال: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع كابن حبان، قال ابن المنير: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها، لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظا. اهـ. قال النووي في شرح المهذب: يستحب أن يقع تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله ولا بعده، لقوله ﷺ "فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" فينبغي أن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دفعة واحدة: وقال إمام الحرمين: كان شيخي يقول: لا يستحب مقارنة الإمام في شيء إلا في هذا، قال الإمام: يمكن تعليل استحباب المقارنة بأن القوم لا يؤمنون لتأمينه، وإنما يؤمنون لقراءته، وقد فرغت قراءته. فإن قيل: هذا مخالف لقوله ﷺ (إذا أمن الإمام فأمنوا) فجوابه أن الحديث الآخر "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين" وكلاهما في الصحيح يقتضي الجمع بينهما، وهذا كقولهم: إذا رحل الأمير فارحلوا، أي إذا تهيأ للرحيل فتهيئوا ليكون رحيلكم معه، وبيانه في الحديث الآخر "إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة: آمين، فوافق أحدهما الآخر، فظاهره الأمر بوقوع تأمين الجميع في حالة واحدة اهـ واختار ابن بزيزة أن المراد من الملائكة جميعهم، وهو بعيد إذ لا يتصور أن يؤمن جميع الملائكة كلما أمن إمام في الأرض، وإلا لم يكن لهم عمل غير التأمين الذي لا تكاد لحظة تخلو منه على وجه الأرض، وقيل الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا: إنهم غير الحفظة، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة، ممن في الأرض، أو في السماء، وهو قول وجيه ويؤيده رواياتنا الثالثة والرابعة والخامسة إذ فيها "والملائكة في السماء" وفيها "فوافق قوله قول أهل السماء" وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال: "صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد" قال الحافظ ابن حجر. ومثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى. اهـ. هذا والموافقة في الجهرية معقولة ويسيرة لمن سمع الإمام حتى قرأ المأموم خلف الإمام فبلغ الإمام التأمين قبل المأموم استحب له أن يقطع قراءته ويوافق الإمام في التأمين، بهذا القول قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة؟ قولان، أصحهما أنها تنقطع. لكن الموافقة في السرية، أو في الجهرة لمن لا يسمع الإمام عسيرة، فهل يستحب له أن يتحرى؟ أو غير مطالب بالموافقة؟ الظاهر الثاني. ثم ظاهر الحديث أن هذا الوعد، وهو غفران ما تقدم من الذنب إنما هو للمأموم الذي وافق تأمينه تأمين الملائكة، أما الإمام الذي أمن فوافقه المأموم والملائكة، فلا يدخل في هذا الوعد وكذا المنفرد الذي أمن، لكن لا يمنع من أن لكل منهما ثواب آخر غير هذا الوعد، إذ ربط هذا الوعد بيقظة المأموم، وإيقاعه التأمين موافقا للملائكة، لكن الحافظ ابن حجر يرى دخول الإمام في الوعد من باب أولى، كما سيأتي فيما يؤخذ من الحديث، والمراد من الذنب الذي وعد بغفرانه الصغائر من الذنوب وإن كان ظاهر الحديث جميعها، ولكن العلماء حملوه على الصغائر، كما مضى أمثاله فيمن توضأ كوضوئه
следующие страницы →