← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

النصارى يعني أن هذا يدل على أن عيسى بعض من الله. فأجابه الحسن بن علي بن واقد صاحب كتاب النظائر بأن الله تعالى يقول: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ [الجاثية: ١٣] فلو أريد بروح منه أنه بعضه، كان ما في السموات وما في الأرض بعضا منه، وإنما يريد بروح منه أنه من إيجاده، وخلقه، فأسلم النصراني. وفيه تعريض باليهود فيما قذفت به مريم. وفيه التخلص من عقائد الدهرية ومن يقول بنفي المعاد البدني، وذلك بذكر الجنة والنار. وظاهر الحديث ضرورة التلفظ بالشهادتين، لكن قال الأبي: لا يشترط في داخل الإسلام النطق بلفظة "أشهد" ولا التعبير بالنفي والإثبات فلو قال: الله واحد، ومحمد رسول الله كفى، وأما كون النطق بذلك شرطا في حصول الثواب المذكور فمحتمل. اهـ. وعقب عليه السنوسي بقوله: في قوله: لا يشترط في داخل الإسلام التعبير بالنفي والإثبات نظر، لأن المحل محل تعبد، فلا يعدل عما نص عليه الشرع، حتى قال بعض العلماء: من قدم وأخر في كلمتي الشهادة فقال مثلا: محمد رسول الله لا إله إلا الله لم يقبل منه. اهـ. وأبواب الجنة الثمانية طرق للجنات الثمانية، كل باب طريق لجنة منها، كما أن أبواب النار السبعة طرق لطبقاتها السبع. ووجه التكريم في تخييره بين أبواب الجنة إظهار الاعتناء به، ورفع الحجر عنه. وظاهر هذا يتعارض مع قوله ﷺ : "إن في الجنة بابا يقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون" إذ يقتضي أنه إذا أراد الدخول من هذا الباب لم يمكن منه حيث لم يصم. ورفع هذا التعارض بأنه لا يلزم من التخيير الدخول، أو محاولة الدخول، فإنه قد يخير ولا يخلق الله تعالى عنده رغبة الدخول من هذا الباب. والحكمة في جعل أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة يعلمها الله تعالى فإنها من الأمور السمعية، أما تلمس البعض لحكم، كقولهم: أبواب الجنة ثمانية على عدد خصال الإسلام المشهورة، ثم يعد ثماني خصال، وأبواب النار سبعة على عدد الجوارح التي يعصي المكلف بها، ثم يعد سبعة أعضاء فهذا مما لا يركن إليه. قال القاضي عياض ﵀: في الحديث دليل على أنه كتم ما خشي الضرر فيه والفتنة، مما لا يحتمله عقل كل واحد، وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة. قال: ومثل هذا عن الصحابة ﵃ كثير في ترك التحديث بما ليس تحته عمل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحتمله عقول العامة، أو تخشى مضرته على قائله أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة، وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم. والله أعلم

стр. 107

(١٤) باب حق الله على العباد وحق العباد على الله ٤٨ - عن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنت ردف النبي ﷺ . ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل. فقال: "يا معاذ بن جبل" قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة. ثم قال "يا معاذ بن جبل" قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال "يا معاذ بن جبل! " قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال "هل تدري ما حق الله على العباد؟ " قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ثم سار ساعة. ثم قال: "يا معاذ بن جبل! " قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك" قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال "أن لا يعذبهم". ٤٩ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت ردف رسول الله ﷺ . على حمار يقال له عفير. قال: فقال "يا معاذ! تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ " قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال "فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" قال قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال "لا تبشرهم فيتكلوا". ٥٠ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال "أن يعبد الله ولا يشرك به شيء" قال "أتدري ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ " فقال: الله ورسوله أعلم. قال "أن لا يعذبهم". ٥١ - عن معاذ ﵁ يقول: دعاني رسول الله ﷺ فأجبته. فقال "هل تدري ما حق الله على الناس" نحو حديثهم. ٥٢ - عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل قال "يا معاذ! " قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال "يا معاذ! " قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال "يا معاذ! " قال

стр. 108

لبيك رسول الله وسعديك. قال "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال "إذا يتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته تأثما. (ملحوظة): هذا الحديث أخره مسلم رحمه الله تعالى عن حديث أبي هريرة، الآتي في الباب التالي وقدمناه للمناسبة. -[المعنى العام]- كثيرا ما خرج المسلمون للجهاد مشاة ليس معهم ما يكفيهم من الإبل أو الحمير وكثيرا ما كان الحمار يحمل اثنين، وكذلك البعير، وكثيرا ما كان الجمع منهم يتعاقب الركوب على دابة واحدة، لا تكاد تميز بين صاحبها ومرافقيه. اشتراكية فريدة لا نراها في أرقى الأمم على مر العصور، وتكافل إسلامي لا عهد له في أي دستور أو تشريع، و (ديمقراطية) عالية لا تكاد تميز بين القائد والجنود. هذا رسول الله ﷺ ، أفضل الخلق على الإطلاق، وسيد ولد آدم ولا فخر، وقائد الأمة وراعيها، يركب حمارا في غزوة من الغزوات، ويركب غيره من جنده النوق والجمال، وليس هذا فحسب، بل ويردف خلفه على حماره أحد الصحابة الأجلاء، معاذ بن جبل. ثم يضرب المثل الأعلى في حسن المؤانسة، وإزالة الوحشة لدى رفيق السفر، فيناديه: يا معاذ بن جبل، فيجيب معاذ- وقد امتلأ سرورا بحظوة تحديث خير محدث، يجيب- وقد جمع كل مشاعره وأحاسيسه لما بعد النداء، يجيب - وكله آذان صاغية- لبيك وسعديك يا رسول الله، إجابة لندائك ثم إجابة، وسعدا بخطابك بعد سعد يا رسول الله. ويسكت رسول الله ﷺ فترة من الوقت والراحلة تسير. يسكت لحظات تمر على معاذ كساعات، تثور فيها غريزة حب الاستطلاع وتتقد فيها نار التلهف لسماع الحديث، ويرقب الأمر، فإذا به يسمع النداء للمرة الثانية: يا معاذ بن جبل. فيسرع بالإجابة لبيك وسعديك يا رسول الله، وتمضي لحظات سكون مثل التي مضت بعد النداء الأول، والراحلة تسير، ثم يسمع النداء للمرة الثالثة: يا معاذ بن جبل. فيبادر بالإجابة أسرع وأسرع من المرتين السابقتين، لبيك وسعديك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : هل تعلم حق الله على العباد وواجبهم نحوه؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم. قال ﷺ : حق الله على العباد أن يوحدوه ولا يتخذوا أربابا من دونه، ولا يشركوا به شيئا.

стр. 109

ثم سكت ﷺ لحظات أخرى كالسابقة، والقافلة تسير، ثم قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك وسعديك يا رسول الله. قال: هل تعلم حق العباد وما لهم عند الله إذا وحدوه ولم يشركوا به شيئا؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أن لا يعذبهم". "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرم الله عليه النار". "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة". قال معاذ فرحا بهذه البشرى: أفأخبر الناس بهذا، وأبلغهم ما يسرهم يا رسول الله؟ فأذن له ﷺ أن يبشر. فحدث معاذ عمر ﵄ بهذا الحديث فقال له عمر: لا تعجل ولا تخبر الناس. ثم دخل على رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأيا. إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها. قال: فرده، فرد عمر معاذا إلى النبي ﷺ ، فقال معاذ: ألا أبشر الناس يا رسول الله؟ قال: لا. دعهم فليتنافسوا في الأعمال فإني أخاف أن يتكلوا. وكتم معاذ الحديث فلم يحدث به حتى جاءه الموت، فخاف الإثم إن هو مات ولم يبلغ ما سمع، فحدث به. ﵁ وأرضاه، ورضي عن الصحابة أجمعين، وجعلنا من أهل هذه البشرى. آمين. -[المباحث العربية]- (كنت ردف النبي) بكسر الراء وسكون الدال، والرديف هو الراكب خلف الراكب، تقول: ردفت فلانا أردفه بكسر الدال في الماضي وفتحها في المضارع إذا ركبت خلفه، وتقول: أردفت فلانا إذا أركبته خلفك وأصله من الردف وهو العجز. وأرداف الملوك في الجاهلية هم الذين كانوا يخلفونهم كالوزارء، أما في الإسلام فإنه لم تراع فيه منزلة الرديف الدنيوية بل روعي التشريف والتكريم بغض النظر عن منزلة الرديف، وقد جمع ابن مندة أرداف النبي ﷺ فبلغوا نيفا وثلاثين رديفا. (ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل) كناية عن شدة القرب منه، وفائدة ذكرها التوثيق من الرواية، والإشعار بدقة السماع والضبط، والرحل بفتح الراء وسكون الحاء خشبات توضع على البعير حول السنام، مكسوة بشيء من الصوف أو الليف أو نحوهما تمهد ظهر البعير للركوب، وهو بمنزلة السرج للفرس والإكاف للحمار، و"مؤخرة الرحل" بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء، وحكي فتح الهمزة والخاء المشددة، على ضعف وهي الخشبة التي تكون خلف الراكب. وقد جاء في الرواية الثانية: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له "عفير" ومن المعلوم أن التعبير بالرحل لا يتناسب مع ركوب الحمار إذ هو من اختصاص الإبل، ولهذا قال بعضهم بتعدد

стр. 110

القصة. مرة على بعير ومرة على حمار، وهذا بعيد، والأحرى بالقبول قول النووي: يحتمل أن يكونا قضية واحدة، وأراد بالحديث الأول قدر مؤخرة الرحل. و"عفير" بالتصغير هو الحمار الذي كان له ﷺ . قيل إنه مات في حجة الوداع. (يا معاذ بن جبل) يجوز في "معاذ" النصب والبناء على الضم، أما النصب فعلى أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، والمنادى المضاف منصوب، والضم على أنه منادى مفرد علم، وأما لفظ "ابن" هنا فمنصوب قولا واحدا، واختار ابن الحاجب النصب في "معاذ" وبه ضبط في الأصل، وقال ابن مالك: الاختيار فيه الضم، لأنه لا يحتاج إلى اعتذار، وتكرير نداء معاذ للتأكيد وتكميل انتباهه اهتماما بالخبر. (لبيك رسول الله وسعديك) "رسول الله" منادى بتقدير حرف النداء وفي معنى "لبيك" أقوال كثيرة، أظهرها أن معناه إجابة لك بعد إجابة، والتكرير للتأكيد، وقيل: معناه قربا منك وطاعة لك، تثنية "لب" ومعناه الإجابة، وقال الخليل: لب بالمكان أقام به، وعليه فلبيك معناه أنا مقيم على طاعتك، وكان حقه أن يقال: لبا لك، فثني للتأكيد فصار: لبين لك فأضيف فحذفت النون، كما قالوا في حنانيك، أي رحمة بعد رحمة، وهو من المصادر المنصوبة بفعلها المحذوف وجوبا. و"سعديك" تثنية سعد، والمعنى سعادة بحديثك بعد سعادة. (ثم سار ساعة) أي قدرا من الزمن، وليس المراد الساعة المعروفة المقدرة بستين دقيقة. (هل تدري ما حق الله على العباد؟ ) الاستفهام حقيقي، و"تدري" معلق عن العمل و"حق الله على العباد" معناه ما يستحقه عليهم استحقاقا متحتما. (الله ورسوله أعلم) أفعل التفضيل على بابه، فمعاذ يعلم دون شك أن العبادة واجبة لله تعالى، ولكنه فوض العلم، وأسند الزيادة فيه لله ورسوله تأدبا، ومقصود هذه العبارة علمني يا رسول الله. (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) وفي الرواية الثانية "أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا" وفي رواية "أن يعبد الله ولا يشرك به شيء" وفي رواية "أن يعبد الله ولا يشرك به شيئا" بنصب "شيئا". قال ابن الصلاح وهو صحيح على التردد بين وجوه ثلاثة. أحدها: "يعبد الله" بفتح الياء التي هي للمذكر الغائب أي يعبد العبد الله ولا يشرك به شيئا. الثاني: "تعبد" بفتح تاء المخاطب على التخصيص لمعاذ والتنبيه على غيره. والثالث: "يعبد" بضم أوله، ويكون "شيئا" كناية عن المصدر، لا عن المفعول به، أي لا يشرك به إشراكا، ويكون الجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل. قال: وإذا لم تعين الرواية شيئا من هذه الوجوه، فحق على من يروي هذا الحديث منا أن ينطق بها كلها، واحدا بعد واحد، ليكون آتيا بما هو المقول منها في نفس الأمر جزما. اهـ.

стр. 111

والمراد من عبادة الله هنا توحيده، لا ما يعم كل الطاعات: بدليل الرواية الثالثة. ويكون قوله "ولا يشركوا به شيئا" للتأكيد لرفع ما كان عليه المشركون من عبادة الأوثان لتقربهم إلى الله زلفى. (هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك) أي ما وجب لهم شرعا بوعده الصادق، فهو متحقق لهم لا محالة إذا فعلوا، فلفظ "حق" على هذا مستعمل في أصل وصفه، وقيل إنه من مجاز المقابلة لحقه عليهم، كقوله تعالى ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤] لأن الله لا يجب عليه شيء. (أن لا يعذبهم) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر مبتدأ محذوف تقديره حق العباد على الله - إذا فعلوا ذلك - عدم تعذيبهم. (أفلا أبشر الناس؟ ) التبشير الإخبار بخبر يظهر أثره على البشرة، خيرا كان الخبر أو شرا، ثم شاع في خبر الخير. والهمزة للاستفهام، والفاء مؤخرة من تقديم -على المشهور- لأن الاستفهام له الصدارة، وهي عاطفة على محذوف تقديره: أقلت ذلك أفلا أبشر الناس؟ . (لا تبشرهم فيتكلوا) من الاتكال، وهو الاعتماد، وأصله فيوتكلوا لأنه من وكل الأمر إلى غيره، قلبت الواو تاء وأدغمت في تاء الافتعال. والفعل منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهي. (ومعاذ بن جبل رديفه) وردت في الرواية الثالثة، مبتدأ وخبر في محل النصب على الحال. (على الرحل) حال أيضا. (ما من عبد يشهد) "ما" نافية، و"من" زائدة لتأكيد النفي، و"عبد" اسم "ما" وجملة "يشهد" صفة "عبد". (إلا حرمه الله على النار) معنى التحريم المنع، أي إلا منعه الله من النار، والمستثنى منه محذوف، والاستثناء مفرغ، والتقدير: ما عبد شاهد بكذا كائنا بحكم من الأحكام إلا بحكم تحريمه على النار. (أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا) ضمير "بها" يعود على المقالة "ما من عبد" إلخ أي أفلا أخبر الناس بهذه المقالة؟ وفعل "يستبشروا" منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة باستفهام. (إذا يتكلوا) "إذا" حرف جواب وجزاء، والفعل بعدها منصوب بها، والجمهور يكتبها بالألف، وكذا رسمت في المصاحف، والمازني والمبرد يكتبونها بالنون، وعن الفراء: إن عملت تكتب بالألف،

стр. 112

وإلا تكتب بالنون، للفرق بينها وبين "إذا" الشرطية، وجاء في رواية "إذا ينكلوا" بالنون بدل التاء، من النكول وهو النكوص والامتناع عن العمل اعتمادا على الشهادتين. (فأخبر بها معاذ عند موته تأثما) بفتح التاء والهمزة وضم الثاء المشددة مفعول لأجله، قال أهل اللغة: تأثم الرجل إذا فعل فعلا يخرج به من الإثم، وتحرج أزال عنه الحرج والمعنى هنا على هذا: أخبر معاذ بالمقالة عند موته للخروج من إثم الكتمان ولإزالته. -[فقه الحديث]- من الواضح أن معاذا استأذن في تبشير الناس وتحديثهم بهذا الحديث فلم يؤذن له، ومن الواضح أنه حدث به عند موته. وأمام هذين الأمرين الواضحين يبرز إشكال مؤداه: كيف خاف معاذ إثم الكتمان ولم يخف إثم مخالفة الرسول ﷺ ؟ وفي الجواب عن ذلك يقول النووي: كان معاذ يحفظ علما يخاف فواته وذهابه بموته، فخشي أن يكون ممن كتم علما، وممن لم يمتثل أمر رسول الله ﷺ في تبليغ سنته فأخبر بالحديث مخافة الإثم، وعلم أن النبي ﷺ لم ينه عن الإخبار بالمقالة نهي تحريم. وحاصل هذا الجواب أن معاذا كان عليه أن يختار بين كتمان الحديث، الأمر الذي يبلغ الحرمة، وبين تبليغه، المكروه كراهة تنزيه، فاحتاط وأزال ما يؤدي إلى الحرمة. وقال القاضي عياض: لعل معاذا لم يفهم من النبي ﷺ النهي، لكن فهم أنه ﷺ كسر عزمه عما عرض له من بشراهم. اهـ. فالقاضي عياض لا يرى نهيا أصلا، لا نهي تحريم ولا نهي تنزيه في فهم معاذ. وقال بعضهم: لعل معاذا امتثل النهي عن التبشير، فلما سمع بحديث أبي هريرة الآتي -وفيه الأمر بالتبشير- اعتبره ناسخا فحدث به خروجا من إثم الكتمان. وقال ابن الصلاح: منعه ﷺ من التبشير العام خوفا من أن يسمع ذلك من لا خبرة له ولا علم، فيغتر ويتكل، وأخبر به ﷺ على الخصوص من أمن عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة فإنه ﷺ أخبر به معاذا، فسلك معاذ هذا المسلك، فأخبر به من الخاصة من رآه أهلا لذلك. اهـ. وهذا الوجه ظاهر. وأمام هذه الأجوبة يرد إشكال آخر، هو: حيث استباح معاذ وفضل التبشير فلم أخره وكتمه إلى الموت؟

стр. 113

وأجيب بأنه رأى أن النهي عن التبشير إنما هو خوف الاتكال، وخوف الاتكال إنما يكون في بادئ الأمر، أما بعد رسوخ الدين، وتقرر الشريعة وذوق حلاوة العمل الصالح والتنافس بين المسلمين في خصال البر فإن الاتكال بعيد، فأخر التحديث حتى زال خطره. على أن كتم الحديث "خصوصا الذي لا يدعو إلى عمل، بل قد يعوقه" لا يتحقق إلا بالموت. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - جواز ركوب الاثنين على دابة واحدة. ٢ - منزلة معاذ ﵁ وعزته عند رسول الله ﷺ . ٣ - تكرار الكلام لنكتة وقصد معني. ٤ - تخصيص بعض الناس ببعض العلم لهدف ديني. ٥ - جواز استفسار الطالب عما يتردد فيه. ٦ - الإجابة بلبيك وسعديك. ٧ - استئذان الطالب في إشاعة ما يعلم به وحده. ٨ - تواضع النبي ﷺ . ٩ - فيه بشارة عظيمة للموحدين، وسيأتي تفصيل الحكم فيها عما قريب. والله أعلم

стр. 114

(١٥) باب التبشير بالجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله ٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال كنا قعودا حول رسول الله ﷺ . معنا أبو بكر وعمر، في نفر. فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا. فأبطأ علينا. وخشينا أن يقتطع دوننا. وفزعنا فقمنا. فكنت أول من فزع. فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ . حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار. فدرت به هل أجد له بابا. فلم أجد. فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والربيع الجدول) فاحتفزت كما يحتفز الثعلب. فدخلت على رسول الله ﷺ . فقال "أبو هريرة" قلت: نعم. يا رسول الله. قال "ما شأنك؟ " قلت: كنت بين أظهرنا. فقمت فأبطأت علينا. فخشينا أن تقتطع دوننا. ففزعنا. فكنت أول من فزع. فأتيت هذا الحائط. فاحتفزت كما يحتفز الثعلب. وهؤلاء الناس ورائي. فقال "يا أبا هريرة! " (وأعطاني نعليه) قال "اذهب بنعلي هاتين. فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله. مستيقنا بها قلبه. فبشره بالجنة" فكان أول من لقيت عمر. فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ . بعثني بهما. من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، بشرته بالجنة. فضرب عمر بيده بين ثديي. فخررت لاستي. فقال: ارجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاء. وركبني عمر. فإذا هو على أثري. فقال لي رسول الله ﷺ "ما لك يا أبا هريرة؟ " قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به. فضرب بين ثديي ضربة. خررت لاستي. قال ارجع. فقال له رسول الله ﷺ "يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟ " قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي. أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، بشره بالجنة؟ قال "نعم" قال: فلا تفعل. فإني أخشى أن يتكل الناس عليها. فخلهم يعملون. قال رسول الله ﷺ "فخلهم". -[المعنى العام]- مثل رائع من أمثلة حب الصحابة لرسول الله ﷺ وحرصهم عليه، ومثل أكثر روعة من أمثلة وفاء النبي ﷺ لأصحابه، ومكافأته لهم على حسن صنيعهم. ذلك ما يحدثنا به أبو هريرة الصحابي الجليل [الذي لازم رسول الله ﷺ أكثر أوقاته منذ أسلم ﵁ حتى انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى] يقول:

стр. 115

كنا قعودا في مجلس رسول الله ﷺ وكنا جمعا كثيرا من الصحابة على رأسنا أبو بكر وعمر، وكنا نحيط برسول الله ﷺ حبا فيه وحرصا على ما ينطق به من تعاليم الإسلام وآدابه- إحاطة الهالة بالقمر، فقام ﷺ من بيننا، وبقينا على وضعنا في انتظاره، ظانين أنه خرج لقضاء حاجة سريعة وسيعود، فقد كان شأنه ﷺ إذا قام منصرفا أشعرنا بانصرافه فيصحبه بعضنا إلى حيث يريد - إن أذن - وينصرف البعض الآخر إلى عمله. وقوى هذا الظن أنه ﷺ لم يتجه إلى البيوت، ولكن نحو البساتين القريبة من مجلسنا. وطال انتظارنا لرسول الله ﷺ وأصبح الزمن يمضي بطيئا ثقيلا، ونظر بعضنا إلى بعض نظرات القلق والاضطراب لتأخره ﷺ على غير عادته، وساورتنا الهواجس والأوهام، اليهود بالمدينة وحولها يتربصون به ﷺ ، والمنافقون يحقدون عليه ويدبرون له المكايد، والكفار يمكرون به ليقتلوه، وقد خرج ﷺ وحده، وإلى مكان موحش، فماذا نحن فاعلون؟ واستبد بنا الخوف عليه ﷺ ، ونفد منا الصبر واستولى علينا الفزع، يقول أبو هريرة: وكنت أكثرهم فزعا وأولهم تحركا، وهب الجميع للبحث عنه ﷺ بين المزارع والحدائق التي اتجه نحوها، وكان يقام على كل منها حائط مرتفع لا يسهل ارتقاؤه، ليمنع السائبة من الفساد في الحرث. ودار أبو هريرة حول بستان لبني النجار، غلب على ظنه أنه الذي اتجه إليه ﷺ ، لكنه لعجلته واضطرابه لم يعثر على بابه، أو لم يعثر على باب مفتوح ورأى ثقبا في أسفل الحائط تخترقه قناة تنقل الماء إلى البستان من بئر خارجه. فانكمش أبو هريرة، وضم أعضاءه، كما ينكمش وينضم الثعلب عند ولوجه جحرا ضيقا، ودخل البستان من ثقب الحائط، فوجد رسول الله ﷺ داخله، فلما أحس به ﷺ قال: من؟ أبو هريرة؟ فقال: نعم أنا أبو هريرة يا رسول الله. قال له: ما شأنك؟ وما الذي جاء بك من هذه الجهة وبهذه الحالة؟ قال: كنت بيننا يا رسول الله فقمت فجأة، فانتظرناك، فأبطأت علينا، فخشينا عليك من أعداء الإسلام، ففزع الجميع، وكنت أول من فزع، فأتيت هذا البستان، فلم أعثر على بابه، فتحايلت على الدخول من ثقب الجدول الضيق كما يتحايل الثعلب، والناس ورائي حول هذا البستان يبحثون عنك. وأحس ﷺ أن الإيمان قد ملأ قلوب هذه الجماعة من أصحابه، وأنه ﷺ قد أصبح أحب إليهم من أنفسهم التي بين جنوبهم، وليس لمثل هؤلاء جزاء إلا الجنة. ومكافأتهم العاجلة على هذا الصنيع الحميد أن يبشروا بها، لتطمئن قلوبهم التي فزعت على رسول الله ﷺ ﴿جزاء وفاقا﴾ [النبأ: ٢٦]. فقال: يا أبا هريرة اذهب إلى القوم فهدئ من روعهم، وأعد الطمأنينة إلى نفوسهم، وخذ نعلي

стр. 116

هاتين علامة على لقياك لي، وبشر كل من لقيته وراء هذا الحائط يبحث عني، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله شهادة خالصة نابعة من تمكن الإيمان في قلبه. بشره أنه من أهل الجنة. وخرج أبو هريرة -فرحا مسرورا- ليؤدي الرسالة، فكان أول رجل يلقاه عمر بن الخطاب، وأبو هريرة يتهيبه، كما يتهيبه كثير من الصحابة لشدته، فلم يشأ أن يلقي إليه الخبر إلقاء، بل رغب في أن يكون مفتتح الكلام عمر، فأبرز نعلي رسول الله ﷺ ، فقال عمر: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقال: لقد لقيت رسول الله ﷺ بهذا البستان وهاتان نعلاه، وهو على خير ما نحب له، بعثني بهما لأبشر بالجنة كل من لقيت وراء هذا البستان ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، شهادة خالصة نابعة من صميم قلبه. وخاف عمر من عاقبة هذه البشرى على صالح صفوة المسلمين، ومنزلتهم عند الله، وأراد أن يمنع أبا هريرة من التبشير حتى يراجع بشأنه رسول الله ﷺ ، وأراد أن يشتد في المنع خشية أن يستهتر أبو هريرة بطلبه أمام أمر رسول الله ﷺ ، فدفعه في صدره وهو يقول له: لا تفعل يا أبا هريرة، وارجع أمامي إلى رسول الله ﷺ . ولم يتحمل أبو هريرة دفعة عمر الشديدة - بدون قصد- فسقط على الأرض، ووقع على عجزه، ثم قام تخنقه العبرات، وسار إلى رسول الله ﷺ وعمر يمشي من ورائه. فقال له رسول الله ﷺ : ما لك يا أبا هريرة؟ فشكا له ما لقي من عمر. فنظر ﷺ إلى عمر، وقال له: ما حملك على ما فعلت يا عمر؟ قال: يا رسول الله. أفديك بأبي وأمي. هل بعثت أبا هريرة بنعليك يبشر بالجنة من لقي وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مطمئنا بها قلبه؟ قال: نعم، قال عمر: لا تفعل هذا يا رسول الله، فإني أخشى أن يتكل الناس على هذه البشرى فلا يتسابقون إلى الخيرات، خلهم يعملون يا رسول الله. وأمام وجهة نظر عمر، وخشيته من التقاعس عن عمل الخير، وعن التنافس في الطاعات رأى رسول الله ﷺ تأجيل هذه البشرى فقال: فخلهم يعملون، ﷺ ورضي عن عمر وأبي هريرة وعن الصحابة أجمعين. -[المباحث العربية]- (كنا قعودا) خبر "كان" مصدر مؤول بمشتق، أي قاعدين. (حول النبي ﷺ قال أهل اللغة: يقال قعدنا حوله وحوليه، وحواليه، وحواله، بفتح الحاء واللام في جميعها، أي على جوانبه. (ومعنا أبو بكر وعمر) "معنا" بفتح العين على اللغة المشهورة، ويجوز تسكينها في لغة، وهي للمصاحبة، قال صاحب المحكم "مع" اسم معناه الصحبة مفتوحة العين أو ساكنتها غير أن

стр. 117

المفتوحة تكون اسما وحرفا، والساكنة لا تكون إلا حرفا، والجملة هنا مكونة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر في محل النصب على الحال. (في نفر) متعلق بمحذوف حال، والنفر في الأصل القوم ينفرون معك إذا حزبك أمر ثم أطلق على كل جماعة دون العشرة من الرجال وجمعه أنفار. (من بين أظهرنا) وقال أبو هريرة بعد ذلك "كنت بين أظهرنا" فكلمة "أظهرنا" هكذا في الموضعين. وقال القاضي عياض: وقع الثاني في بعض الأصول "ظهرينا" وكلاهما صحيح، فأهل اللغة يقولون: نحن بين أظهركم بالجمع، وبين ظهريكم وظهرانيكم بفتح النون على التثنية، ومعناه أن ظهرا منهم قدامه، وظهرا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، وهو مكنوف من جوانبه في حالة جمع "أظهرنا" ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا. (وخشينا أن يقتطع دوننا) "يقتطع" بالبناء للمجهول، أي يختطف أو يصاب بمكروه من أعداء الإسلام. (وفزعنا) الفزع يكون بمعنى الروع، وبمعنى الهبوب للشيء والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، وهذه المعاني كلها تصح هنا، لكن قول أبي هريرة: "وقمنا فكنت أول من فزع" يرشح المعنيين الأخيرين، لترتيب أولية فزعه على القيام بالفاء. (أبتغي) أي أبحث عنه ﷺ ، والجملة حال. (حتى أتيت حائطا) أي بستانا، وسمي بذلك لأنه كان يحاط غالبا بحائط لا سقف له. (فإذا ربيع) بفتح الراء وكسر الباء وهو قناة ماء، وفسره بعد بالجدول، قال النووي: وهو النهر الصغير. (من بئر خارجة) قال بعضهم: روي على ثلاثة أوجه: أحدها: بالتنوين في "بئر" وفي "خارجة" على أن "خارجة" صفة لبئر. الثاني: من بئر خارجه، بتنوين بئر، وبهاء في آخر "خارجه" وهي ضمير الحائط، أي البئر في موضع خارج عن الحائط، و"خارج" منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف صفة لبئر. الثالث: "من بئر خارجة" بإضافة "بئر" إلى "خارجة" وهو اسم رجل، والوجه الأول هو المشهور الظاهر. و"البئر" مؤنثة مهموزة، ويجوز تخفيف همزتها، وجمع القلة أبؤر وأبآر. بهمزة بعد الباء فيهما، ومن العرب من يقلب الهمزة في "أبآر" وينقل فيقول آبار، وجمع الكثرة "بئار".

стр. 118

(فاحتفزت) اختار صاحب التحرير أنها بالراء، والصحيح بالزاي، ومعناه تضاممت ليسعني المدخل. (فقال: أبو هريرة؟ ) خبر مبتدأ محذوف تقديره: أأنت أبو هريرة؟ والاستفهام للتقرير أو للتعجب، لاستغرابه من أين دخل مع سد الأبواب. (وهؤلاء الناس) يعني النفر الذين كانوا مع النبي ﷺ وقاموا في طلبه. (مستيقنا بها قلبه) ذكر القلب هنا للتأكيد، ونفي توهم المجاز، وإلا فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب. (فقلت: هاتين نعلا رسول الله ﷺ هكذا هو في جميع الأصول "فقلت هاتين نعلا" بنصب هاتين ورفع "نعلا" وتوجيهه أن "هاتين" منصوب بفعل محذوف و"نعلا" خبر مبتدأ محذوف والتقدير: تعني هاتين؟ - هما نعلا رسول الله ﷺ وهذا التوجيه مع ما فيه من التكلف أولى من تخطئة الرواية. (فضرب بيده بين ثديي) مفعول "ضرب" محذوف، و"بين" ظرف مكان، أو الباء زائدة، و"يده" مفعول، أي دفع عمر يده بين ثديي و"ثديي" تثنية "ثدي" لفظ مذكر، وقد يؤنث في لغة قليلة، وقد اختلفوا في اختصاصه بالمرأة، فقيل: يكون للرجل والمرأة، وقيل: هو للمرأة خاصة وعلى القول الأخير يكون إطلاقه على الرجل في هذا الحديث وفي أحاديث أخرى من قبيل المجاز. (فخررت لاستي) "است" بألف وصل، وهو اسم من أسماء الدبر، وقد يطلق على العجز كما يطلق على حلقة الدبر، ومقصوده أنه سقط على الأرض جالسا على إليته وعجيزته. (فأجهشت بكاء) وفي رواية "فجهشت" يقال: جهش جهشا، وأجهش إجهاشا، وهو أن يفزع الإنسان إلى غيره، وهو متغير الوجه متهيئ للبكاء ولما يبك بعد، ولفظ "بكاء" مفعول لأجله، وفي رواية "للبكاء" وهو بهمزة المد، وقد يقصر. (وركبني عمر) أي تبعني ومشى خلفي. (فإذا هو على أثري) فيه لغتان فصيحتان مشهورتان: كسر الهمزة وسكون الثاء، وفتح الهمزة والثاء، أي تبع خطواتي وآثار مشيي دون فاصل بيننا أو تراخ. (بأبي أنت وأمي) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والتقدير أنت مفدى بأبي وأمي، وليست العبارة على حقيقتها، فإنها تقال ممن مات أبوه وأمه، وإنما المقصود منها المبالغة في الحنان والبر الذي يفوق ما بين الولد وأبويه، حتى كأنه يضحي بهما من أجله. (أبعثت أبا هريرة؟ ) الاستفهام حقيقي، للتأكد من كلام أبي هريرة وليبني على الجواب ما يريد.

стр. 119

(فلا تفعل) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر، أي إذا كان قد حصل هذا القول فلا تتبعه بالفعل. (فخلهم يعملون) جملة "يعملون" في محل النصب على الحال. -[فقه الحديث]- قال بعض الفضلاء: إن خشية الصحابة على الرسول ﷺ لا تتفق مع قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] وأجاب باحتمال أن الخشية والفزع كانا قبل نزول الآية، وعلى فرض أنهما كانا بعد نزولها فذلك لفرط كلفهم به، كما يقال: المحب مولع بسوء الظن. والمحقق في هذه المسألة يرى أن عصمة الله لرسوله ﷺ من الناس لا تتنافى مع الحيطة والمحافظة عليه وحمايته المنبعثة عن الخشية والفزع، فالعاقبة المعلومة لا تمنع من الأخذ بالأسباب، بل قد تكون النتيجة متوقفة على المقدمات حسب العادة، والظاهر الذي أمرنا بالعمل به، وعلى هذا كان الفهم الصحيح للشريعة الإسلامية، فالعشرة المبشرون بالجنة لم يتوقفوا عن الأخذ بأسباب دخولها، بل بالغوا في المحافظة عليها وتحصيلها. على أن المفسرين ذهبوا إلى أن المقصود بالعصمة من الناس الوعد بحمايته ﷺ من القتل، وهذا لا يمنع من لحوق إيذاء الناس له ﷺ ، فما أصابه ﷺ في غزوة أحد، وما أصابه ﷺ من الشاة المسمومة هو إيذاء من الناس لا يدخل في العصمة الموعود بها. وعليه فإيمان الصحابة بعصمته ﷺ من القتل لا يتنافى مع خوفهم عليه وفزعهم من أن يناله أذى أو مكروه. أما سبب انصرافه ﷺ من بين أظهر الصحابة إلى هذا البستان فلم أر نصا فيه، ولعله كان لتبليغ الجن وقراءته عليهم بعض ما نزل فقد تعدد اجتماعه بهم ﷺ . أما دخول أبي هريرة بستان الأنصار بهذه الطريقة، فقد أثار بحثا فقهيا، وهو: هل يجوز دخول ملك الغير بدون إذنه؟ . فقال بعضهم: نعم يجوز دخول الإنسان ملك غيره بغير إذنه إذا علم أنه يرضى ذلك فإن الرسول ﷺ أقر أبا هريرة على ذلك ولم ينقل أنه أنكر عليه، بل زاد أصحاب هذا الرأي فقالوا: وإن ذلك لا يختص بدخول الأرض، بل يجوز له الانتفاع بأدواته، وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته: وركوب دابته، ونحو ذلك من التصرف الذي يعلم أنه لا يشق على صاحبه. قال النووي: هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه جماهير السلف والخلف من العلماء. ثم قال: واتفقوا على أنه إذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقا فيما تشكك في رضاه به.

стр. 120

وذهب البعض إلى أنه لا يصح الاعتماد على الرضا، لأن الرضا أمر قلبي، وقد يظهر المالك الرضا بسيف الحياء، وفي نفسه حرج وضيق خصوصا في هذه الأيام التي غلب فيها شح النفس، واشتد فيها الحرص والأثرة. وعلى هذا الرأي يمكن الاعتذار عن أبي هريرة بأنه دخل في حالة دهشة بدافع ديني كبير، وهذه ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات. وهذا الاعتذار يمكن اعتماده في دخول أبي هريرة على رسول الله ﷺ بدون إذنه وقد جعل الإذن من أجل البصر. حتى لو قيل: إنه لم يكن يعلم وجوده داخله، فإنه كان من الممكن أن ينادي: يا أهل البستان ويا من بداخله، أتأذن لي بالدخول فأدخل؟ ولعل في قول الرسول ﷺ بدهشة واستغراب عندما رآه: أبو هريرة؟ .. ما شأنك؟ وفي اعتذار أبي هريرة بالفزع. لعل في ذلك إشارة من الرسول ﷺ إلى أنه ما كان ينبغي هذا الفعل واعتذارا من أبي هريرة عنه بالفزع. أما إعطاؤه النعلين فلتكون علامة ظاهرة معلومة عندهم، يعرفون بها أنه لقي النبي ﷺ ويكون أوقع في نفوسهم، وآكد لهذه البشرى المستبعدة في اعتقادهم، وليس في هذا طعن في قبول خبر أبي هريرة بدون هذه العلامة، فإنه عدل وثقة مقبول الخبر. ولما كان التبشير بالجنة خاصا بمن شهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه. ولما كان أبو هريرة لا يعلم استيقان القلوب، كان المقصود من تبشيره من لقي إخباره أن من كانت هذه صفته فهو من أهل الجنة. وأما دفع عمر لأبي هريرة ﵄ -فإنه لم يقصد به سقوطه أو إيذاءه بل قصد رده عما هو عليه، وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره، وليس فعل عمر ومراجعته النبي ﷺ اعتراضا عليه، أو ردا لأمره، وإنما رأى المصلحة في عدم التبشير خوف الاتكال فتكثر أجورهم، ولذا صوبه النبي ﷺ . على أن الصادر من النبي ﷺ ليس أمرا حقيقة، بل كان تطييبا لنفوس الصحابة. وكأن الرسول ﷺ منع معاذا (في الحديث السابق) من التبشير العام، وأذن لأبي هريرة بالتبشير لأفراد يأمن عليهم الاتكال، فلما خاف عمر من عدم انحصار الموضوع، وانتشار خطره وافقه الرسول ﷺ على وجهة نظره، ومنع التبشير الخاص كذلك. ومع أن منع التبشير ليس صريحا هنا فقد جعله العلماء من قبيل تغير الاجتهاد، قال النووي: وقد كان الاجتهاد جائزا له، وواقعا منه ﷺ عند المحققين وله مزية على سائر المجتهدين بأنه لا يقر على الخطأ في اجتهاده. قال: ومن نفى ذلك، وقال لا يجوز له القول في الأمور الدينية إلا عن وحي. فليس يمتنع أن يكون قد نزل عليه ﷺ وحي ناسخ للوحي السابق.

стр. 121

والقول بجواز الاجتهاد له ﷺ في أحكام الدين قول أكثر العلماء مستندين إلى أنه إذا جاز الاجتهاد لغيره فله ﷺ أولى. وقال جماعة: لا يجوز لأنه قادر على اليقين، وقال بعضهم: كان يجوز في الحروب دون غيرها، وتوقف آخرون في كل ذلك. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم.]- ١ - جلوس العالم لأصحابه يعلمهم ويفيدهم. ٢ - حسن الإخبار إذا أريد الإخبار عن جماعة كثيرة يصعب ذكرهم بأسمائهم، فإنه يذكر أشرافهم أو بعض أشرافهم على أنهم بعض الجماعة. ٣ - ما كانت عليه الصحابة ﵃ من القيام بحقوق رسول الله ﷺ وإكرامه والشفقة عليه، والانزعاج البالغ لغيبته المجهولة. ٤ - اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم والاعتناء بتحصيل مصالحه ودفع المفاسد عنه. ٥ - إرسال الإمام والمتبوع إلى أتباعه بعلامة يعرفونها ليزدادوا بها طمأنينة. ٦ - فيه دلالة لأهل الحق في أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون الاعتقاد، وأن الإيمان المنجي من الخلود في النار لا بد فيه من الجمع بين الاعتقاد والنطق. ٧ - جواز التعبير بالألفاظ المستهجنة كلفظ "الاست" والأحسن فيما يقبح سماعه استعمال الكناية عنه أو المجاز، إلا أن يكون في التصريح مصلحة راجحة، وبالكناية والأدب الرفيع جاء القرآن كقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ٨ - جواز قول الرجل للآخر: بأبي أنت وأمي، وقد كرهه بعض السلف، وقال: لا يفدى بمسلم، لكن الأحاديث الصحيحة، تدل على جوازه، وخصوصا أن الافتداء غير مقصود حقيقة، وإنما المقصود التعبير عن الحب والبر والحنان. ٩ - إشارة أهل الفضل والوزراء على الإمام وإن لم يستشرهم، فإن الإمام أو الكبير إذا رأى شيئا، ورأى بعض أتباعه خلافه، فإنه ينبغي للتابع أن يعرضه على المتبوع لينظر فيه. ١٠ - وقف بعض الأتباع أمر المتبوع مؤقتا حتى يعرضوا عليه ما رأوا. ١١ - رجوع الإمام عما رآه إذا ظهرت المصلحة في غيره. ١٢ - إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها للمصلحة أو خوف المفسدة. ١٣ - استدل به بعضهم على وقوع النسخ قبل الفعل، ورد بأن الأمر هنا قد بلغ ولو لواحد. ١٤ - فيه منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب، وفضيلة لأبي هريرة ﵄. والله أعلم

стр. 122

(١٦) باب صلاة النبي ﷺ في بيت عتبان ٥٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: حدثني محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: قدمت المدينة. فلقيت عتبان. فقلت: حديث بلغني عنك. قال: أصابني في بصري بعض الشيء. فبعثت إلى رسول الله ﷺ أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي. فأتخذه مصلى. قال فأتى النبي ﷺ ومن شاء الله من أصحابه. فدخل وهو يصلي في منزلي. وأصحابه يتحدثون بينهم. ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم. قالوا: ودوا أنه دعا عليه فهلك. وودوا أنه أصابه شر. فقضى رسول الله ﷺ الصلاة. وقال "أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ " قالوا: إنه يقول ذلك. وما هو في قلبه. قال "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار، أو تطعمه" قال أنس: فأعجبني هذا الحديث. فقلت لابني: اكتبه. فكتبه. ٥٥ - عن أنس ﵁ قال: حدثني عتبان بن مالك، أنه عمي. فأرسل إلى رسول الله ﷺ . فقال: تعال فخط لي مسجدا. فجاء رسول الله ﷺ وجاء قومه. ونعت رجل منهم يقال له مالك بن الدخشم. ثم ذكر نحو حديث سليمان بن المغيرة. -[المعنى العام]- حديث عتبان بن مالك الصحابي الجليل الأنصاري الخزرجي الذي شهد بدرا، حدث بقوله ﷺ "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه" وسمع هذا الحديث محمود بن الربيع وهو يسكن ضاحية المدينة، فأعجبه، وبعث الرجاء الواسع في نفسه، فجاء المدينة، فالتقى بعتبان فقال له: بلغني عنك حديث وأحب أن أسمعه منك. فأخذ عتبان يسوق ظروف الحديث ومناسبته وقصته، ليتمكن في النفس فضل تمكن وليعين بذلك على فهم الهدف والغاية منه فهما صحيحا، وليثق السامع في ضبطه وكمال تذكره وذكر الملابسات المحيطة به، فقال: كنت إمام قومي، أنتقل عند كل فريضة إلى مسجد محلتهم فأصلي بهم، فرأيت أن بصري جعل يكل، ويسوء شيئا فشيئا، حتى أصبحت أتعثر في طريق المسجد، وحتى أصبح من العسير علي أن

стр. 123

أجتاز الوادي الذي بيني وبينه إذا جاء المطر وسال الوادي، ولم يكن مفر من أن أصلي في بيتي بعض الأوقات، فأردت أن أعوض ما يفوتني من الصلاة في المسجد بالصلاة في مكان صلى فيه رسول الله ﷺ وباركه، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله: قد أنكرت بصري، إذ أصابني فيه ضعف شديد، وأنا إمام قومي، فإذا كانت الأمطار وسال الوادي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني، فتخط لي مكانا في بيتي فتصلي فيه، فأتخذه مصلى، فقال رسول الله ﷺ : سأفعل إن شاء الله. ولشدة لهفة عتبان ترقب قدوم رسول الله ﷺ في نفس اليوم، فلما لم يأت أصبح فأعد طعاما له ﷺ ولمن عساه أن يأتي معه، وبعث إليه رسولا يقول له: يا رسول الله إن عتبان يحب أن تأتيه فتصلي في منزله فيتخذه مصلى. فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، وانضم إليهما في الطريق عمر، فلما وصلوا المنزل استأذن رسول الله ﷺ فأذن عتبان بالدخول فدخلوا فلم يجلس رسول الله ﷺ حين دخل البيت، ولكنه قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فقال عتبان: هنا، وأشار إلى ناحية منه، فقام رسول الله ﷺ ، وقام من حضر من الصحابة فصفوا، فكبر فصلى بهم ركعتين، ثم جلسوا يتحدثون وقام رسول الله ﷺ يصلي، فتناولوا بحديثهم مالك بن دخشم وهو من قوم عتبان. قال قائل منهم: أين مالك بن الدخشم؟ لماذا لم يحضر الصلاة هنا مع رسول الله ﷺ ؟ وقال الآخر: إنه منافق لا يحب الله ورسوله، وقال آخر، إنه يجالس المنافقين ويصغي إليهم، وقال الرابع: ليت رسول الله ﷺ يدعو عليه فيهلك، وقال الخامس: ليته يصاب بمكروه يحول بينه وبين المنافقين. كل ذلك ورسول الله ﷺ يسمع، فلما قضى الصلاة قال: لا تقولوا هذا القول في شأن مالك بن الدخشم. أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: إنه يشهد بلسانه دون قلبه، فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. قال: ألا ترونه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ﷺ : لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه النار. وحدث محمود بن الربيع أنس بن مالك بهذا الحديث فسر به واستبشر، وقال لابنه: اكتبه، فكتبه، فأخذ أنس يحدث به. ﵃ ومن اهتدى بهم إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (عن أنس بن مالك قال: حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال: قدمت

стр. 124

المدينة) تقدير السند في الأصل: قال أنس: حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بحديث قال فيه محمود: قدمت المدينة ... إلخ. وفي الرواية الثانية "عن أنس قال: حدثني عتبان بن مالك" وجمع بين الروايتين باحتمال أن أنسا سمع الحديث مرة من محمود بن الربيع، ومرة أخرى من عتبان. (حديث بلغني عنك) أي جاء بي إليك حديث بلغني عنك، يبشر الموحد بالجنة، فأخبرني به. (قال: أصابني في بصري بعض الشيء) وفي رواية "جعل بصري يكل" وفي رواية "لما ساء بصري" فهذه الروايات تدل على أنه لم يكن قد عمي كلية، لكن جاء في الرواية الثانية "حدثني عتبان أنه عمي" وفي رواية للبخاري في باب الرخصة في المطر "قال محمود: إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى" ففي هاتين الروايتين تصريح بأنه عمي بالفعل. وجمع الحافظ ابن حجر بينهما بأن قول محمود: إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، أي حين لقيه محمود وسمع منه الحديث لا حين سؤاله النبي ﷺ ، ومعنى هذا أن عتبان حين طلب الرسول ﷺ لم يكن قد تم عماه، ويعكر على هذا الجمع رواية البخاري، وفيها أنه قال لرسول الله ﷺ "إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر". وجمع بينهما بعضهم باحتمال أنه أراد ببعض الشيء، وسوء البصر، أراد العمى، وهو ذهاب البصر جميعه مجازا، أو باحتمال أنه أراد بالعمى ضعف البصر، وذهاب معظمه، وسماه "عمى" لقربه منه، ومشاركته إياه في فوت بعض ما كان حالا في حال السلامة، وهذا الاحتمال حري بالقبول. (ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم) "عظم" الشيء بضم العين وإسكان الظاء معظمه، "وكبره" بضم الكاف وكسرها لغتان فصيحتان مشهورتان، والإشارة إلى ما تحدثوا عنه، أي تحدثوا وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة، وما يلقون منهم، ونسبوا معظم ذلك إلى مالك بن دخشم. بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين، وفي رواية بالنون بدل الميم. (ودوا أنه دعا عليه فهلك) ضمير اسم "أن" يرجع إلى الرسول ﷺ . (وودوا أنه أصابه شر) وفي بعض الروايات "أصابه بشر" بزيادة الباء الجارة، وفي بعضها "أصابه بشيء" قال النووي: وكله صحيح. (وما هو في قلبه) الضمير يعود على المشار إليه، وهو الشهادة، والجملة في محل النصب حال. (فخط لي مسجدا) أي علم لي على موضع لأجعل صلاتي فيه متبركا بآثارك.

стр. 125

(وجاء قومه) أي قوم عتبان لاستقبال رسول الله ﷺ في محلتهم والتشرف بلقائه في ديارهم والحفاوة به. (ونعت رجل منهم) أي وصف بأوصاف وتحدث فيه. -[فقه الحديث]- تدل روايات مسلم للحديث على أن عتبان أرسل إلى النبي ﷺ ولم يذهب إليه بنفسه، وتدل روايات البخاري له على أنه أتى النبي ﷺ وشكا إليه ما أصابه وطلب منه حضوره إلى بيته، وقد جمع بين الروايات باحتمال أنه أسند إتيان رسوله إلى نفسه مجازا، وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أنه أتاه مرة وبعث إليه أخرى، كما جاء في رواية مسلم أن الرسول ﷺ أتى ومن شاء من أصحابه، وجاء في رواية أنه أتى ومعه أبو بكر وعمر، وفي رواية "في نفر من أصحابه" وإذا لم يكن بين رواية مسلم وبين هذه الروايات تعارض كان بين بعضها والبعض الآخر تعارض من حيث الظاهر، فرواية "ومعه أبو بكر" ورواية "ومعه أبو بكر وعمر" لا تتفق مع رواية "في نفر من أصحابه" فالنفر يطلق على الثلاثة فما فوقها إلى العشرة، وللجمع بينهما يمكن أن يقال: ليس في رواية معية أبي بكر أو معية أبي بكر وعمر قصر يمنع من دخول الغير، ويكون ذكرهما أو ذكر أحدهما اقتصارا من الراوي. وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة فدخلوا معه، اهـ. . وهذا الجمع بعيد، لأن لفظ المعية من الكل مقيدا به الإتيان يجعل التوزيع صعبا، والأولى الجمع الأول. وظاهر رواية مسلم أن تحدث الصحابة في مالك بن دخشم كان أثناء صلاته ﷺ ، وبه استدل بعضهم على جواز الكلام والتحدث بحضرة المصلين ما لم يشغلهم ويدخل عليهم الفساد في صلاتهم، ثم قال: وهذا في غير المسجد، وما لم يكن أحد المتحدثين عن يمين المصلي والآخر عن شماله. لكن رواية البخاري تدل على أن التحدث كان بعد الصلاة إذ جاء فيها "فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلم، قال: وحبسناه على خريزة - لحم ودقيق مطبوخ في ماء - صنعناها له، قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدار، ذوو عدد، فاجتمعوا فقال قائل منهم: أين مالك؟ إلخ. ويمكن الجمع بأن الرسول ﷺ صلى بهم ركعتين، ثم قام يصلي وحده وهم جلوس فتكلموا أثناء صلاته ﷺ ، فلما قضى صلاته رد عليهم. وقد يرى المرء أن تمادي الصحابة في تناول مالك لم يكن ينبغي بعد كلام الرسول ﷺ ورده عليهم،

стр. 126

ولكن لعلهم فهموا من كلامه ﷺ (خصوصا وقد ورد بأسلوب الاستفهام) أنه لا يجزم بذلك، فقالوا على جهة التنبيه والنصيحة: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه. ومستندهم في ذلك تخلفه عن هذا المجلس، وهذا المشهد الكثير البركة، وعدم ظهور فرحه بمجيء رسول الله ﷺ إلى ديارهم، وعدم المبادرة إلى لقائه، بالإضافة إلى ما لاحظوه عنه من تردده على المنافقين وإصغائه إلى حديثهم. ولم يوافقهم ﷺ ، فقد يكون له عذر فيما رأوا خصوصا وهو من أهل بدر، وقد علمت شهادة الرسول ﷺ لأهل بدر عامة بأن الله قد غفر لهم. قال النووي: وقد نص النبي ﷺ على إيمانه باطنا، وبراءته من النفاق في رواية البخاري بقوله: "ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله؟ ". وقد ظهر في حسن إسلام مالك بن دخشم ما يمنع من اتهامه بالنفاق، ففي البخاري أن النبي ﷺ بعثه ومعن بن عدي فجرفا مسجد الضرار، وما كان الرسول ﷺ يختاره لهذه المهمة وهو من المنافقين. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - مدى حرص الصحابة على تتبع الأحاديث والانتقال إلى راويها الأول لسماعها منه. ٢ - إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون ذلك من الشكوى. ٣ - التبرك بآثار الصالحين، ويمكن أن تكون خاصة برسول الله ﷺ . ٤ - جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة تعرض. ٥ - إجابة الفاضل دعوة المفضول. ٦ - زيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم، وأنه من دعي منهم أجاب إذا أمن من الفتنة. ٧ - استصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن المستدعي لا يكره ذلك. ٨ - اجتماع أهل الجهة لملاقاة الإمام أو العالم إذا ورد منزل بعضهم ليستفيدوا منه ويتبركوا به. ٩ - افتقاد من غاب عن الجماعة. ١٠ - ذكر من يتهم بريبة أو نحوها للأئمة وغيرهم للتحرز منه، ولا يعد ذلك غيبة. ١١ - أن على الإمام أن يتثبت من ذلك، ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل. ١٢ - أن من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده لا يكفر بذلك ولا يفسق، بل يعذر بالتأويل. ١٣ - الذب عن ذكره بسوء وهو بريء منه.

стр. 127

١٤ - جواز اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي عن إيطان موضع معين من المسجد فمحمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه. ١٥ - فيه الصلاة في الدور، وأنه لا بأس أن يجعل الرجل محرابا في بيته، وهل له حرمة المسجد أو لا؟ خلاف. ١٦ - أن المسجد المتخذ في البيوت لا يخرج عن ملك صاحبه بخلاف المسجد المتخذ في المحلة. ١٧ - جواز تمني هلاك أهل النفاق والشقاق ووقوع المكروه بهم. ١٨ - حسن خلقه ﷺ وتواضعه مع جلالة قدره وعلو منزلته. ١٩ - البدء بالأهم، فقد بدأ ﷺ في هذه القصة بالصلاة، لأنها أصل الدعوة، وبدأ بالطعام في قصة مليكة لأنه كان أصل الدعوة. ٢٠ - أنه لا يدخل النار من شهد أن لا إله إلا الله. وقد سبق تفصيله وبيان الآراء والتوجيهات الخاصة به في أول حديث بالباب. ٢١ - جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية، وأجيب عن النهي عن كتابة الحديث بأنه كان خوفا من اختلاطه بالقرآن، ولئلا يتكل الصحابة على الكتابة، ويفرطوا في الحفظ مع التمكن منه. وكان بين الصحابة والتابعين خلاف في جواز كتابة الحديث، وكرهها كثير منهم، ثم استقر الإجماع وانعقد على جواز كتابته، بل على استحبابها، بل لا يبعد وجوبها على من خشي النسيان ممن يتعين عليه التبليغ. ٢٢ - ويؤخذ من رواية البخاري من قوله: "قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي" جواز إمامة الأعمى. ٢٣ - وأنه كان في المدينة مساجد للجماعة سوى مسجد رسول الله ﷺ . ٢٤ - وأن التخلف عن الجماعة جائز للعذر. ٢٥ - ويؤخذ من قوله في رواية البخاري أيضا "فقام ﷺ فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلم" يؤخذ من هذه الفقرة صلاة النافلة في جماعة. ٢٦ - وصلاة الجماعة في البيوت. ٢٧ - وأن السنة في نوافل النهار ركعتان كالليل. ٢٨ - وأن الإمام إذا زار قوما أمهم، وأما قوله ﷺ "من زار قوما فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم" فإنه مقيد بما إذا لم يكن الزائر هو الإمام الأعظم، وكذا من أذن له صاحب المنزل، وقال إسحق: لا يصلي أحد لصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل، وكأنه يجعل صلاة الرسول ﷺ وإمامته لصاحب المنزل من باب خصوصياته ﷺ ، وقال مالك: يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه للصلاة.

стр. 128

٢٩ - يؤخذ من رواية البخاري من قوله ﷺ "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" الرد على غلاة المرجئة القائلين بأنه يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد. ٣٠ - ومن قول عتبان في رواية البخاري: "وحبسناه على خريزة صنعناها له" إكرام العلماء والفضلاء إذا دعوا. والله أعلم

стр. 129

(١٧) باب طعم الإيمان ٥٦ - عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا". -[المعنى العام]- للإيمان حلاوة تحسها قلوب المتقين، وتتلذذ بها أفئدة الأبرار، وتذوب في سعادتها مشاعر المقربين. نعم: للإيمان شعب وأمور، وبمقدار تحصيل شعبه، والمحافظة على تعاليمه تكون درجة تذوق المؤمن للإيمان ودرجة تمتعه بها. وأول مراتبه أن يمس شغاف القلوب، فيتذوق صاحبه حلاوته، كما يتذوق اللسان حلاوة الطعام أول لمسه طرف اللسان، فليس الإيمان بالتمني والانتساب وما يتشدق به من الألفاظ، وإنما الإيمان الحقيقي ما وقر في القلب وسكنت إليه النفس، نعم أول منازل الإيمان الصادق أن يرضى صاحبه بالله وحده ربا، ويعزف عن الأصنام، وعن كل ما يعبد من دون الله ، ويرضى بالإسلام وحده دينا، ويتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام، ويرضى بمحمد ﷺ رسولا لجميع البشر، وخاتما للأنبياء وناسخا لشرائع السابقين. بهذا الرضا، وبهذا الاعتقاد، وبهذا اليقين الذي لا يتطرق إليه الشك يتذوق المرء حلاوة الإيمان، ويحصل المرتبة الأولى من مراتب الصادقين في إيمانهم، وعليه أن يسعى لتحصيل المراتب العليا، باتباع الواجبات والبعد عن المنهيات ليتمتع بحلاوته، بل عليه أن يتدرج في مدارج الكمال، فيسلك طريق المعرفة، وينخرط في بحار الخشية، ويذوب في ساحة القرب، حتى يكون الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وحينئذ يصل إلى درجة الشبع من الإيمان والسعادة به وبأموره في الدنيا، وإلى مقاعد الصديقين في الجنات العلى، ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ [الجمعة: ٤]. -[المباحث العربية]- (ذاق طعم الإيمان) الذوق مبدأ إدراك الطعم، وقد شبه الإيمان بالثمرة أو بمطعوم

стр. 130

حلو، ثم أثبت للمشبه لازم المشبه به، وهو الطعم على سبيل الاستعارة التخييلية، والذوق كناية عن الإدراك. (من رضي بالله ربا) الرضا بالشيء قد يكون بمعنى القناعة به، وقد يكون بمعنى الإيثار له وتفضيله عما عداه، وسيأتي في فقه الحديث آراء العلماء في حقيقة الرضا على الله تعالى. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في درجة الإيمان المقصودة بالحديث، فذهب بعضهم إلى أنه يشير إلى كمال الإيمان وغايته، وذهب آخرون إلى أنه يشير إلى أول درجاته ومبدئه. ووجهة نظر الأولين أن من لم يطلب غير الله، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ ، من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وخامر باطنه وذاق طعمه، واستغرق في الطاعات ولذت له، لأن من رضي أمرا سهل عليه معالجته. فهذا الفريق يفسر الرضا بالإيثار (وهو تفسير صحيح) ولا شك أن من يؤثر الله على جميع من عداه، ويؤثر الإسلام على جميع الشرائع، ويؤثر طاعة رسول الله ﷺ على طاعة غيره من النفس والهوى والشيطان، فقد وصل إلى درجة الخواص واستحلى الإيمان، وذاق طعمه. ووجهة نظر الأخيرين أنه لو أريد من الحديث غاية الإيمان وكماله لم يعبر عنهما بالذوق، إذ لا يعبر عن غاية الشيء بمبدئه، لأن الذوق مبدأ الفعل. ويدفع الأولون هذا الإيراد بأن كون الذوق مبدأ الفعل إنما هو إذا استعمل في المحسوسات كذوق الطعام، أما إذا استعمل في المعاني كما هنا فقد صح أن يكون كناية عن كمال الإدراك. ويتمثل هذا الرأي في جماعة الصوفية الذين يحملون الرضا بالله ربا على الرضا عن الله وعن جميع أوامره وعن جميع أفعاله، فيفسره الجنيد بأنه رفع الاختيار، ويفسره المحاسبي بأنه سكون النفس تحت مجاري القدر. ويفسره النووي: بأنه السرور بمر القضاء. ويفسره الداراني بأنه بلوغ المرء درجة يرضى بها عن الله حتى لو أدخله النار. والذي ترتاح إليه النفس أن الحديث يشير إلى مبدأ الإيمان، منبها إلى أن هذه الأمور الثلاثة وإن اقتضت الذوق فليست هي الكمال، وليس الذوق هو غاية المقصود الذي يقف عنده الكيس، بل هو مبدأ للترقي في المقامات وشدة الشوق إلى نيل الذروة، والحرص على الشبع. ويؤيد ذلك إبدال كلمة الذوق بالوجود، وكلمة الطعم بالحلاوة، حيثما حصل الترقي في

стр. 131

شعب الإيمان في قوله ﷺ "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". وسيأتي لهذا الموضوع بقية توضيح بعد أربعة أحاديث. والله أعلم

стр. 132

(١٨) باب الحياء شعبة من الإيمان ٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان". ٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة. فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان". -[المعنى العام]- الإيمان كالشجرة، تطلق على الجذر والجذع، كما تطلق عليهما مع الفروع والأغصان والأوراق والأزهار والثمار، كذلك يطلق الإيمان على التصديق بالقلب، وعليه مع الأعمال الصالحة، وإذا كانت الشجرة لا تؤتي أكلها، ولا يكمل نفعها إلا بما حمل جذرها وجذعها فإن الإيمان كذلك، لا يكون منجيا من النار، إلا بما أوجبه واستلزمه من صالح الأعمال. وإذا كانت الشجرة تتشعب شعبا مختلفة، بعضها أغلظ من بعض، وبعضها أساس لغيره وبعضها أهم وأنفع من الشعب الأخرى، فإن الإيمان الكامل كذلك، يبدأ بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتتدرج أوامره ومطالبه من الأهم إلى المهم، ومن المهم إلى ما هو دونه، حتى ينتهي بإزاحة الشوك من طريق المسلمين، وإزالة كل ما من شأنه إيذاء المارة أو الإضرار بهم، أما الحياء، أما انقباض النفس عن إتيان الفعل القبيح، فهو من أهم خصال الإيمان، لأنه الباعث والداعي لكثير من صفات الخير، وهو المانع والحاجز عن كثير من مزالق الشر والفساد -[المباحث العربية]- (الإيمان) الكامل المنجي من النار، والمحقق للأهداف والأغراض. (بضع وسبعون) البضع بكسر الباء، والبضعة القطعة، ومن العدد ما بين الاثنين والعشرة، على الصحيح، ويجري عليه حكم العدد فيذكر مع المعدود المؤنث، ويؤنث مع المعدود المذكر، ويبنى

стр. 133

مع العشرة كما يبنى سائر الآحاد، فيقال، بضعة عشر رجلا، وبضع عشرة امرأة، ويعطف عليه العشرون والثلاثون إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف. (شعبة) بضم الشين، أي خصلة، منصوب على التمييز، وأصل الشعبة الفرقة والطائفة من الشيء، ومنه شعب القبائل. (والحياء) هو الاستحياء، واشتقاقه من الحياة، وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، ويذم عليه، وقد يعرف بأنه انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء لسبب، والحقيقة أن الترك من لوازمه، وإنما هو دهشة تكون سببا لترك الشيء. قال الواحدي: استحيا الرجل من قوة الحياة فيه، لشدة علمه بمواقع الغيب، قال: فالحياء من قوة الحس ولطفه وقوة الحياة" اهـ. (شعبة من الإيمان) أي خصلة عظيمة، فالتنوين للتعظيم والتفخيم، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة. (بضع وسبعون، أو بضع وستون) شك من الراوي، وهو في بعض طرق الترمذي "بضع وسبعون" من غير شك. (فأفضلها) الفاء فصيحة، أي إذا تدرجت شعب الإيمان فأفضلها، وفي رواية ابن ماجه "فأرفعها" وفي رواية "أعلاها". (لا إله إلا الله) محمد رسول الله، فإن الشهادتين متلازمتان شرعا، فإذا ذكرت إحداهما أريدت معها الأخرى. (وأدناها) من الدنو بمعنى القرب، أي أقلها طلبا وأجرا ومنزلة. (إماطة الأذى عن الطريق) أي إزالة الأذى، والمراد من الأذى ما من شأنه أن يؤذي، حصل به الإيذاء بالفعل أولا. وفي رواية "أدناها إماطة العظم عن الطريق". -[فقه الحديث]- قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد. ثم لخص ما أوردوه فقال: إن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب وأعمال اللسان، وأعمال البدن. فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة، الإيمان بالله (ويدخل

стр. 134

فيه الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده وبأن ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه) والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر (ويدخل فيه المسألة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار) ومحبة الله، والحب والبغض في الله، ومحبة النبي ﷺ ، واعتقاد تعظيمه (ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته) والإخلاص (ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق) والتوبة، والخوف والرجاء والشكر، والوفاء والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة، والتواضع (ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكبر والعجب) وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب. وأما أعمال اللسان فتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء والذكر (ويدخل فيه الاستغفار واجتناب اللغو). وأما أعمال البدن فتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: منها ما يختص بالأعيان، وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حسا وحكما (ويدخل فيه اجتناب النجاسات) وستر العورة والصلاة فرضا ونفلا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود (ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف) والصيام فرضا ونفلا، والحج والعمرة كذلك، والطواف والاعتكاف والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين (وتدخل فيه الهجرة من دار الشرك) والوفاء بالنذر والتحري في الأيمان، وأداء الكفارات. ومنها ما يتعلق بالاتباع، وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال وبر الوالدين (ويدخل فيه اجتناب العقوق) وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة والرفق بالعبيد. ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس (ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة) والمعاونة على البر (ويدخل فيه الأمر بالمعروف) والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد (ومنه المرابطة) وأداء الأمانة (ومنه أداء الخمس والقرض مع وفائه) وإكرام الجار، وحسن المعاملة (وفيه جمع المال من حله) وإنفاق المال في حقه (ومنه ترك التبذير والإسراف) ورد السلام، وتشميت العاطس وكف الأذى عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق. فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر. اهـ. وبفحص ما لخصه الحافظ ابن حجر نرى أن بعضه يتداخل في بعض كطاعة أولي الأمر وطاعة السادة، وكالقيام بحقوق العيال، وتربية الأولاد. ثم نرى أنه لم يذكر في الشعب "الحياء" الذي نص عليه في الحديث، بل هو المقصود الأول منه. ثم نرى أنه اعتمد رواية: "بضع وستون" مع أن الحليمي والنووي والقاضي عياض رجحوا رواية: "بضع وسبعون" لأنها زيادة من ثقة فقبلت وقدمت، وليس في رواية الأقل ما يمنعها، ولعل الحافظ ابن حجر مال إلى ما ذهب إليه ابن الصلاح من ترجيح الأقل "بضع وستون" لأنه المتيقن، وهذا كله مبني على أن العدد له حقيقة محددة مرادة، وبهذا قيل.

стр. 135

وذهب جماعة إلى أن العدد أريد به التكثير دون التحديد، كما في قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة: ٨٠] ويكون ذكر البضع للترقي، والعرب تستعمل السبعة للتكثير في الآحاد، ومنه قوله تعالى: ﴿سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقوله: ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر﴾ [لقمان: ٢٧]. فيكون المعنى أن شعب الإيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لكثرتها، ويرجح هذا الرأي أنه أبهم بذكر البضع، ولو أريد التحديد لم يبهم. فإن قيل: أصل الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع تصديق القلب واللسان، فما وجه كون الحياء شعبة من الإيمان؟ أجيب بأن ظواهر الشرع تطلقه أيضا على الأعمال، ومنه هذا الحديث، وقال النووي: كمال الإيمان بالأعمال، وتمامه بالطاعات، وأن التزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه وأنها خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي. اهـ. فإن قيل: لم خص الحياء بالذكر من بين الشعب؟ أجيب بأنه الباعث على أفعال الخير الحاجز عن أفعال المعاصي، فله أهمية خاصة ومزيد عناية داعية، إذ الحيي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، فإن قيل: إن الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟ أجيب بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقا، وعلى كل فاستعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فلهذا جعل من الإيمان. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - تفاوت مراتب الإيمان. ٢ - أن الإيمان قول وعمل، وفيه الرد على المرجئة القائلين بأن الإيمان قول بلا عمل. ٣ - أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى الإيمان. ٤ - الحث على التخلق بالحياء. ٥ - الحث على إماطة الأذى من طريق المسلمين. ٦ - مسئولية الفرد نحو المجتمع، فإن إماطة الأذى من التعاون والتكافل الاجتماعي ودفع الضرر عن أفراده، وحمايته من الوقوع في الخطر والضرر. والله أعلم

стр. 136

(١٩) باب الحياء من الإيمان ٥٩ - عن سالم، عن أبيه، سمع النبي ﷺ رجلا يعظ أخاه في الحياء فقال "الحياء من الإيمان". ٦٠ - وعن الزهري بهذا الإسناد. وقال: مر برجل من الأنصار يعظ أخاه. -[المعنى العام]- في بعض طرق المدينة، مر رسول الله ﷺ على أخوين من الأنصار. يعاتب أحدهما أخاه على تهاونه في استيفاء حقه، وينصحه أن يخفف من حيائه، وأن يتخلق بشيء من الحزم والشدة في مواجهة خصومه، ويعظه ويبين له أضرار فرط الحياء خصوصا أمام من لا يستحي ولا يقدر أهل الاستحياء. وسمع رسول الله ﷺ كلام الناصح، ورأى استحياء أخيه وسكوته، وإطراقه، وغض طرفه واحمرار وجهه. إنه ﷺ يعلم إيمان الموعوظ، ويعلم الكثير من صفاته الحميدة، ويعلم أن دوافع انقباضه عن أخذ حقه هي الخشية من ارتكاب القبيح الذي يكرهه، ليس جبنا، ولا خورا، ولا ضعفا ولا استكانة، ولا ذلة. فوجه ﷺ لومه للائم، وعتبه للمعاتب، ونصحه للناصح وزجره للزاجر، فقال له: دع أخاك على خلقه الحميد، وصفته الطيبة وخصلته الشرعية، فإن مثل هذا الحياء أثر من آثار الإيمان، ولئن منع من استيفاء حق من حقوق الدنيا فإنه يحصل على ما هو خير منه، ويحقق أجرين: أجر الصبر على جهل الجاهل، وافتراء المفتري، وأجر الحق الذي لا يضيع عند أحكم الحاكمين. -[المباحث العربية]- (عن سالم عن أبيه سمع النبي ﷺ رجلا) تقدير الكلام: روي عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر أنه قال: سمع النبي رجلا، فجملة "سمع النبي رجلا" مقول لقول محذوف.

стр. 137

وقد وصف الرجل في الرواية الثانية بأنه من الأنصار، ولم يقف الحفاظ على اسم الرجل، ولا على اسم أخيه. (يعظ أخاه في الحياء) أي ينصح، أو يخوف، أو يذكر، وجاء في رواية للبخاري في الأدب "يعاتب أخاه في الحياء" يقول "إنك لتستحي حتى كأنه يقول: قد أضربك". والعتب لوم على الماضي، والنصح والوعظ والتذكير تنبيه على خير المستقبل، ودعوة إليه، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون قد جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، ولكن المخرج متحد. والظاهر أن الأخ أخ من النسب، لأنه الأصل عند الإطلاق، ولا قرينة تمنعه و"في" سببية، أي يعظ أخاه بسبب كثرة حيائه، التي أدت إلى ضياع حقوقه. (الحياء من الإيمان) أي أثر من آثاره، أو شعبة من شعبه، كما مر في الحديث السابق، وهذه الجملة علة لنهي الواعظ، ومنعه من استمرار عتبه، وقد ورد التصريح بالردع والعلية في رواية البخاري، حيث جاء فيها "دعه فإن الحياء من الإيمان". (مر برجل) "مر" بمعنى اجتاز ويقال: مر به، ومر عليه. (من الأنصار) متعلق بمحذوف صفة لرجل، و"ال" في "الأنصار" للعهد، أي أنصار رسول الله ﷺ -[فقه الحديث]- يعلم مما مر في الحديث السابق، ومما سيأتي في الحديث اللاحق. والله أعلم.

стр. 138

(٢٠) باب الحياء خير كله ٦١ - عن قتادة، قال: سمعت أبا السوار يحدث، أنه سمع عمران بن حصين يحدث عن النبي ﷺ أنه قال "الحياء لا يأتي إلا بخير" فقال بشير بن كعب: إنه مكتوب في الحكمة: أن منه وقارا ومنه سكينة. فقال عمران: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك. ٦٢ - عن إسحاق أن أبا قتادة حدث قال: كنا عند عمران بن حصين في رهط منا. وفينا بشير بن كعب. فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله ﷺ "الحياء خير كله" قال أو قال "الحياء كله خير" فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارا لله. ومنه ضعف. قال فغضب عمران حتى احمرتا عيناه. وقال ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه؟ قال فأعاد عمران الحديث. قال فأعاد بشير. فغضب عمران. قال، فمازلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد! إنه لا بأس به. -[المعنى العام]- في مجلس من مجالس العلم والوعظ حدث عمران بن حصين، يرغب في الحياء، ويدعو إلى التخلق به، حدث بقول النبي ﷺ "الحياء لا يأتي إلا بخير"، "الحياء خير كله"، "الحياء كله خير". وفي القوم بشير بن كعب، وكان على علم ببعض الكتب السابقة، وكتب الحكمة وكان فيما علم أن الحياء منه الممدوح، وهو الناشئ عن السكينة والوقار لله، ومنه المذموم وهو الناشئ عن الضعف والخور، فأشكل عليه الحديث، فقال لعمران: كيف نوفق بين الحديث وبين ما جاء في كتب الحكمة أن من الحياء وقارا، ومنه ضعفا؟ . وغضب عمران من بشير، لمقابلته الحديث بالحكمة، ولوضعه ما في الكتب الأخرى في صف واحد مع كلام رسول الله ﷺ ، وخاف أن يتطرق الشك في الحديث لمن في قلبه ريب ونفاق إذا سمع بهذه الحكمة.

стр. 139

وأراد أن يصون السنة عن أن يذكر معها غيرها، فقال لبشير: لا أحب أن أحدثك عن رسول الله ﷺ بحديث، فتعارض فيه بأي قول آخر. ثم أعاد عمران الحديث، وهو مغضب مكفهر الوجه، محمر العينين. وأخذت بشير العزة والحمية، فإن في قول عمران طعنا لعقيدته، وفهمه وتصرفه، وما قصد بكلامه الغض من شأن السنة، ولا معارضتها بقول أحد، وإنما قصد أن يفهم كلام رسول الله ﷺ على وجه يتمشى مع ما هو معروف من إطلاق الحياء أحيانا على ما لا خير فيه. فلم يخش ثورة عمران، ولا احمرار عينيه، فأعاد قولته السابقة: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارا لله، ومنه ضعف، فاستشاط عمران غيظا، وانتفخت أوداجه، وتحركت أعضاؤه، وكاد يمسك ببشير أو يخرجه من مجلسه، وبشير لا يتحرك. أما الجلساء فقد أخذوا يهدئون من روع عمران ويطمئنونه على حسن قصد بشير وعلى صحة عقيدته، يقولون: رفقا يا أبا نجيد، عفوا يا أبا نجيد، إحسانا يا أبا نجيد، إن بشيرا منا معشر المقدسين للسنة، المصدقين بكل ما جاءت به، إنه غير متهم في دينه، وليس من أهل البدع والأهواء، حتى هدأ عمران. -[المباحث العربية]- (إنه مكتوب في الحكمة) اسم "إن" ضمير الحال والشأن. (أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك) الكلام على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري التوبيخي، أي لا يليق ولا يصح أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك. (كنا عند عمران في رهط) الرهط ما دون العشرة من الرجال خاصة لا يكون فيهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، وجمعه أرهط، وأرهاط وأراهط، وأراهيط، والجار والمجرور "في رهط" متعلق بمحذوف حال من اسم كان، أو من الضمير المستكن في خبرها. (وفينا بشير) بضم الباء وفتح الشين، مبتدأ مؤخر، وخبر مقدم، والجملة في محل النصب على الحال، من الضمير المستكن في خبر كان. (حتى احمرتا عيناه) هو في كل الأصول بألف "احمرتا" قال النووي: وهو صحيح جار على لغة أكلوني البراغيث، ومثله ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ [الأنبياء: ٣] على أحد المذاهب فيها، ومثله "يتعاقبون فيكم ملائكة" وأشباهه كثيرة معروفة، ورويناه في سنن أبي داود "واحمرت عيناه" من غير ألف، وهذا ظاهر. اهـ. (ألا أراني أحدثك) "ألا" حرف تنبيه، و"أحدثك" في محل المفعول الثاني لأرى، والتقدير: أراني محدثك.

стр. 140

(وتعارض فيه) الجملة في محل النصب على الحال من فاعل "أحدثك" والضمير المجرور في "فيه" يعود على الحديث المفهوم من "أحدثك" والتقدير: أراني محدثك حديثا عن رسول الله ﷺ حالة معارضتك في هذا الحديث، والمقصود إنكار المعارضة بكلام مقابل مخالف. (فأعاد بشير) مفعوله محذوف، للعلم به، أي أعاد بشير مقالته. (ومنه ضعف) بالرفع، مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبر مقدم، وهو من عطف الجمل، ويجوز في ضاد "ضعف" الفتح والضم، لغتان مشهورتان. (إنه منا) ضمير اسم "إن" لبشير، ومعنى "إنه منا" أي من عقيدتنا واستقامتنا، وليس ممن يتهم بنفاق أو زندقة. (إنه لا بأس به) أي لا طعن فيه باتباع أهل الهوى والبدعة، حتى يحمل كلامه على معارضة السنة. -[فقه الحديث]- الشبهة الواردة على الحديث هي ما قد يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير، كأن يحجم صاحبه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف يكون هذا خيرا؟ وأجاب عن ذلك ابن الصلاح بأن مثله ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازا لمشابهته الحياء الحقيقي، والحياء الحقيقي كله خير. وقال الأبي ما معناه: إنه حياء حقيقة، وقوله ﷺ "الحياء لا يأتي إلا بخير" من قبيل العام المخصوص، إن جعلت الأداة في الحياء للعموم، وإن لم تجعل فالحديث قضية مهملة، والمهملة في قوة الجزئية، ولا تناقض بين جزئيتين، فالمعنى بعض الحياء لا يأتي إلا بخير، وبعض الحياء لا خير فيه. اهـ. وهذا الذي ذهب إليه الأبي إن قبل في قوله: ﷺ "الحياء لا يأتي إلا بخير" فإنه لا يقبل في قوله: ﷺ "الحياء خير كله" و"الحياء كله خير"، فإن ادعاء العام المخصوص، أو ادعاء أن القضية مهملة في قوة الجزئية لا يستقيم مع التأكيد بلفظ "كل". وتحقيق المسألة أن الحياء في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وهو بهذا المعنى منه الممدوح، ومنه المذموم، منه السكينة والوقار لله، ومنه الضعف والخور، منه ما يأتي بخير، ومنه ما لا يأتي بخير، بل قد يأتي بالضرر والشر. وهذا هو المقصود بما جاء في بعض كتب الحكمة.

стр. 141

أما على تفسير الشرع له بأنه خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، فإنه بهذا المعنى لا يأتي إلا بخير، وهو خير كله. وهذا هو المقصود بالحديث، فإن كان الحياء عن محرم فهو واجب، وإن كان عن مكروه فهو مندوب، وإن كان عن مباح فهو على وفق الشرع مباح، وهو في جميع هذه الحالات لا يأتي إلا بخير، وكله خير. وعلى هذا التفسير يمكن أن يقال: إن انكسار النفس وانقباضها عن السؤال في العلم والتزود منه، ليس حياء شرعيا، لأنه لا يبعث على اجتناب القبيح، بل هو - والحالة هذه- باعث على اجتناب الحسن، مؤد إلى التقصير في حق صاحبه. ولكنه حياء لغوي، تغير وانكسار خوف ارتكاب ما يعاب به، ولهذا صح قول ابن عمر: "فاستحييت" حين أحجم عن الجواب والكلام في العلم، وصح قول أبيه معاتبا له على هذا الانقباض النفسي، لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا (أي حمر النعم). وصح قول عائشة: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". وصح قول مجاهد: "لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر". فكل هذه النصوص من قبيل إطلاق الحياء بمعناه اللغوي، وليس بالمعنى الشرعي. وحين نتساءل - بعد هذا التفصيل- عن وجه إنكار عمران على بشير مع أن ما حكاه بشير صحيح من الناحية اللغوية نقول: نستبعد أن يكون عمران قد حمل ما في الحكمة من الحياء على الحياء الشرعي، وأن يكون بشير يعارض الحديث بما جاء فيها. وإنما الذي أنكره عمران وضع بشير قول الحكماء في مقابلة قول رسول الله ﷺ وقصد عمران بذلك صون السنة أن يذكر معها غيرها، حتى ولو كان هذا الغير موافقا لها، لأنها أجل من أن يستشهد على صحتها، فما بالنا والمقابل يوهم معارضتها، وأسلوب سياقه يوهم الميل إليه لا إليها. إنه باب لو فتح لاستهان الناس بها، ولتطرق الشك فيها عند مرضى القلوب ومن يعبد الله على حرف، وأصحاب البدع والأهواء، وعليه فإن إصرار بشير على موقفه بعيد عن الحكمة والصواب. هذا، والحياء كما قال الراغب من خصائص الإنسان، ليرتدع عن ارتكاب ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقا، وقلما يكون الشجاع مستحيا. والحياء الشرعي درجات، أعلاها أن يستحي المتقلب في نعم الله أن يستعين بها على معصيته، وأن يعبد الله كأنه يراه، ويحرص على أن لا يفقده ربه حيث أمره، وأن لا يراه حيث نهاه، وفي هذا يقول ﷺ لأصحابه "استحيوا من الله حق الحياء". قالوا: إنا نستحي والحمد لله، فقال: ليس ذلك، وإنما الاستحياء من الله تعالى حق الحياء

стр. 142

أن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء". -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على التخلق بخلق الحياء. ٢ - أن الحياء الشرعي خير كله، ولو أدى إلى ضياع بعض الحقوق الدنيوية. ٣ - أن ما يمنع من السؤال في العلم، أو يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يمنع من أداء واجب، أو يسمح بفعل محرم، كل ذلك ليس حياء شرعيا، وكل ذلك ليس من الإيمان، وكل ذلك لا خير فيه. ٤ - حرص السلف على صيانة السنة من المعارضة، ودفاعهم عنها وغيرتهم عليها. ٥ - عمل علمائهم على نشر السنة والوعظ والتذكير في مجالسهم. ٦ - أنه يجب على من حضر خصومة أن يهدئ من ثورتها، ويلطف من حرارتها، ولا يشعل نارها. والله أعلم

стр. 143

(٢١) باب الخصلة الجامعة لأمور الإسلام ٦٣ - عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك (وفي حديث أبي أسامة غيرك) قال: "قل آمنت بالله ثم استقم". -[المعنى العام]- كان رسول الله ﷺ يبعث بعض فقهاء الصحابة إلى الأمصار معلمين، وكان ينصب رؤساء الوفود أو فصحاءها مبلغين ومنذرين ومبشرين لمن وراءهم، وكان كل من علم من الصحابة علما يرى واجبا عليه أن يبلغه وينشره، فكان نور الإسلام ينبعث من أفواه كثير ممن اقتبسوه من رسول الله ﷺ مباشرة أو بالوساطة. لكن سفيان بن عبد الله الثقفي -وقد حرص على الأخذ من فم النبي ﷺ جاء يسأل عن أمور الإسلام سؤالا قليل اللفظ كثير المعنى، محصور الطلب منتشر المطلوب. يقول. حدثني يا رسول الله عن أمور الإسلام وواجباته ومحرماته وشرائعه وحدوده حديثا وافيا كافيا يغنيني عن أن أسأل عنها بعد حديثك أحدا غيرك. وأجاب ﷺ بكلمة جامعة، شاملة للعلم والعمل، وكل ما يتعلق بالمأمورات والمنهيات. قال "قل آمنت بالله" وحده لا شريك له وبرسوله محمد ﷺ ، قولا صادقا مطابقا لما في القلب "ثم استقم" على حدود الله، وعلى صراطه المستقيم، مطيعا أوامره، مجتنبا نواهيه، من غير انحراف إلى الباطل أو ميل إلى الهوى والشهوات. إن أنت فعلت ذلك تتنزل عليك الملائكة تمدك بالعون على الطاعة، وتشرح صدرك، وتدفع عنك الخوف والحزن، وتساعدك على خذلان الشيطان، وتبشرك عند الموت بالجنة وبما أعد الله لك من نعيم مقيم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. قال سفيان: يا رسول الله ما أخوف ما أخاف على نفسي؟ قال ﷺ : هذا، وأمسك بلسانه. وصدق رسول الله ﷺ فإنه لا يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.

стр. 144

-[المباحث العربية]- (قل لي في الإسلام) في الكلام مضاف محذوف، أي في أمور الإسلام وتعاليمه. (قل آمنت بالله) فيه اكتفاء كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد والمقصود آمنت بالله وبرسوله. (ثم استقم) الاستقامة الحسية هي انتصاب الجسم واعتداله، وليست مرادة هنا، إنما المراد الاستقامة المعنوية بمعنى عدم الميل والانحراف عن حدود الشرع وصراطه. ومن المعلوم أن "ثم" للترتيب والتراخي، أما التراخي الزمني فيمكن توجيهه بأن الاستقامة الشرعية المعتد بها لا تكون ولا تقبل إلا بعد الإيمان، وأن التراخي في كل شيء بحسبه. وأما التراخي الرتبي -وهو هنا أحسن- فباعتبار أن الاستقامة أعظم وأصعب من الإقرار، وبها تتحقق ثمرة الإيمان العظمى، وترتفع رتبته ودرجته. -[فقه الحديث]- ظاهر الحديث أن قول "آمنت بالله" كاف وإن لم يصاحبه تصديق وإذعان، وهذا الظاهر غير مراد، لأن الشرع لا يطلب قولا كاذبا بعيدا، وإنما يطلب القول الصادق المطابق. وإنما آثر طلب القول على طلب التصديق لأن السؤال عن الإسلام، والإقرار أساسه كما مر في حديث جبريل ﵇ أول الكتاب. وقد مضى أن طلب الإيمان بالله، أو طلب شهادة أن لا إله إلا الله يلزمه شرعا طلب الإيمان برسول الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، لأن الشرع لا يقبل واحدة منهما دون الأخرى، فإذا طلب إحداهما كان القصد مع الأخرى. والمقصود من الإيمان بالله ورسوله الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبكل ما جاء به ﷺ وقد اختلف العلماء في المراد من الاستقامة المطلوبة في الحديث، وفي قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير﴾ [هود: ١١٢]. فذهب مقاتل إلى أن المراد المضي على التوحيد وعدم الرجوع إلى الشرك، وهذا القول مروي أيضا عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق ﵁ حيث قرأ قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [الأحقاف: ١٣]. ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا. قال: قد حملتم الأمر على أشده. قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.

стр. 145

وعليه فالأمر بالاستقامة في الحديث أمر بالثبوت والدوام، أي قل: آمنت بالله عن تصديق وإذعان، ثم اثبت على هذا دون شك أو تزعزع. وذهب جمهور العلماء إلى أن المراد الاستقامة على جميع ما يتطلبه الإيمان ولزوم النهج المستقيم. ونحن لا نقول بالرأي الأول، لأنه لا يتناسب مع سياق السؤال عن الإسلام وأموره في الحديث، ولا يتناسب مع الجزاء الموعود به في قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة﴾ [الأحقاف: ١٣]. ولا نقول بالرأي الثاني على ظاهره، لأن الاستقامة على جميع ما يتطلبه الإيمان أدق من الشعرة وأحد من السيف، فهي غير مستطاعة على الدوام فلا يكلف بها. وإنما الأولى أن يراد بالاستقامة المطلوبة التزام الواجبات والبعد عن المحرمات قدر الطاقة، وهذا هو المناسب لقوله تعالى: ﴿ولا تطغوا﴾ فالمراد من الاستقامة المأمور بها عدم الطغيان وليس عدم الميل قيد شعرة، وهو مفهوم تفسير علي - كرم الله وجهه- حيث فسر الآية بقوله "أدوا الفرائض" وتفسير عمر لها بقوله "لم يروغوا روغان الثعالب". وبهذا نجمع بين الرجاء الذي يسرف فيه الرأي الأول والخوف الذي يفرط فيه الرأي الثاني. والله أعلم
следующие страницы →