← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أما على تفسير الشرع له بأنه خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، فإنه بهذا المعنى لا يأتي إلا بخير، وهو خير كله. وهذا هو المقصود بالحديث، فإن كان الحياء عن محرم فهو واجب، وإن كان عن مكروه فهو مندوب، وإن كان عن مباح فهو على وفق الشرع مباح، وهو في جميع هذه الحالات لا يأتي إلا بخير، وكله خير. وعلى هذا التفسير يمكن أن يقال: إن انكسار النفس وانقباضها عن السؤال في العلم والتزود منه، ليس حياء شرعيا، لأنه لا يبعث على اجتناب القبيح، بل هو - والحالة هذه- باعث على اجتناب الحسن، مؤد إلى التقصير في حق صاحبه. ولكنه حياء لغوي، تغير وانكسار خوف ارتكاب ما يعاب به، ولهذا صح قول ابن عمر: "فاستحييت" حين أحجم عن الجواب والكلام في العلم، وصح قول أبيه معاتبا له على هذا الانقباض النفسي، لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا (أي حمر النعم). وصح قول عائشة: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". وصح قول مجاهد: "لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر". فكل هذه النصوص من قبيل إطلاق الحياء بمعناه اللغوي، وليس بالمعنى الشرعي. وحين نتساءل - بعد هذا التفصيل- عن وجه إنكار عمران على بشير مع أن ما حكاه بشير صحيح من الناحية اللغوية نقول: نستبعد أن يكون عمران قد حمل ما في الحكمة من الحياء على الحياء الشرعي، وأن يكون بشير يعارض الحديث بما جاء فيها. وإنما الذي أنكره عمران وضع بشير قول الحكماء في مقابلة قول رسول الله ﷺ وقصد عمران بذلك صون السنة أن يذكر معها غيرها، حتى ولو كان هذا الغير موافقا لها، لأنها أجل من أن يستشهد على صحتها، فما بالنا والمقابل يوهم معارضتها، وأسلوب سياقه يوهم الميل إليه لا إليها. إنه باب لو فتح لاستهان الناس بها، ولتطرق الشك فيها عند مرضى القلوب ومن يعبد الله على حرف، وأصحاب البدع والأهواء، وعليه فإن إصرار بشير على موقفه بعيد عن الحكمة والصواب. هذا، والحياء كما قال الراغب من خصائص الإنسان، ليرتدع عن ارتكاب ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقا، وقلما يكون الشجاع مستحيا. والحياء الشرعي درجات، أعلاها أن يستحي المتقلب في نعم الله أن يستعين بها على معصيته، وأن يعبد الله كأنه يراه، ويحرص على أن لا يفقده ربه حيث أمره، وأن لا يراه حيث نهاه، وفي هذا يقول ﷺ لأصحابه "استحيوا من الله حق الحياء". قالوا: إنا نستحي والحمد لله، فقال: ليس ذلك، وإنما الاستحياء من الله تعالى حق الحياء

стр. 142

أن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء". -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على التخلق بخلق الحياء. ٢ - أن الحياء الشرعي خير كله، ولو أدى إلى ضياع بعض الحقوق الدنيوية. ٣ - أن ما يمنع من السؤال في العلم، أو يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يمنع من أداء واجب، أو يسمح بفعل محرم، كل ذلك ليس حياء شرعيا، وكل ذلك ليس من الإيمان، وكل ذلك لا خير فيه. ٤ - حرص السلف على صيانة السنة من المعارضة، ودفاعهم عنها وغيرتهم عليها. ٥ - عمل علمائهم على نشر السنة والوعظ والتذكير في مجالسهم. ٦ - أنه يجب على من حضر خصومة أن يهدئ من ثورتها، ويلطف من حرارتها، ولا يشعل نارها. والله أعلم

стр. 143

(٢١) باب الخصلة الجامعة لأمور الإسلام ٦٣ - عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك (وفي حديث أبي أسامة غيرك) قال: "قل آمنت بالله ثم استقم". -[المعنى العام]- كان رسول الله ﷺ يبعث بعض فقهاء الصحابة إلى الأمصار معلمين، وكان ينصب رؤساء الوفود أو فصحاءها مبلغين ومنذرين ومبشرين لمن وراءهم، وكان كل من علم من الصحابة علما يرى واجبا عليه أن يبلغه وينشره، فكان نور الإسلام ينبعث من أفواه كثير ممن اقتبسوه من رسول الله ﷺ مباشرة أو بالوساطة. لكن سفيان بن عبد الله الثقفي -وقد حرص على الأخذ من فم النبي ﷺ جاء يسأل عن أمور الإسلام سؤالا قليل اللفظ كثير المعنى، محصور الطلب منتشر المطلوب. يقول. حدثني يا رسول الله عن أمور الإسلام وواجباته ومحرماته وشرائعه وحدوده حديثا وافيا كافيا يغنيني عن أن أسأل عنها بعد حديثك أحدا غيرك. وأجاب ﷺ بكلمة جامعة، شاملة للعلم والعمل، وكل ما يتعلق بالمأمورات والمنهيات. قال "قل آمنت بالله" وحده لا شريك له وبرسوله محمد ﷺ ، قولا صادقا مطابقا لما في القلب "ثم استقم" على حدود الله، وعلى صراطه المستقيم، مطيعا أوامره، مجتنبا نواهيه، من غير انحراف إلى الباطل أو ميل إلى الهوى والشهوات. إن أنت فعلت ذلك تتنزل عليك الملائكة تمدك بالعون على الطاعة، وتشرح صدرك، وتدفع عنك الخوف والحزن، وتساعدك على خذلان الشيطان، وتبشرك عند الموت بالجنة وبما أعد الله لك من نعيم مقيم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. قال سفيان: يا رسول الله ما أخوف ما أخاف على نفسي؟ قال ﷺ : هذا، وأمسك بلسانه. وصدق رسول الله ﷺ فإنه لا يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.

стр. 144

-[المباحث العربية]- (قل لي في الإسلام) في الكلام مضاف محذوف، أي في أمور الإسلام وتعاليمه. (قل آمنت بالله) فيه اكتفاء كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد والمقصود آمنت بالله وبرسوله. (ثم استقم) الاستقامة الحسية هي انتصاب الجسم واعتداله، وليست مرادة هنا، إنما المراد الاستقامة المعنوية بمعنى عدم الميل والانحراف عن حدود الشرع وصراطه. ومن المعلوم أن "ثم" للترتيب والتراخي، أما التراخي الزمني فيمكن توجيهه بأن الاستقامة الشرعية المعتد بها لا تكون ولا تقبل إلا بعد الإيمان، وأن التراخي في كل شيء بحسبه. وأما التراخي الرتبي -وهو هنا أحسن- فباعتبار أن الاستقامة أعظم وأصعب من الإقرار، وبها تتحقق ثمرة الإيمان العظمى، وترتفع رتبته ودرجته. -[فقه الحديث]- ظاهر الحديث أن قول "آمنت بالله" كاف وإن لم يصاحبه تصديق وإذعان، وهذا الظاهر غير مراد، لأن الشرع لا يطلب قولا كاذبا بعيدا، وإنما يطلب القول الصادق المطابق. وإنما آثر طلب القول على طلب التصديق لأن السؤال عن الإسلام، والإقرار أساسه كما مر في حديث جبريل ﵇ أول الكتاب. وقد مضى أن طلب الإيمان بالله، أو طلب شهادة أن لا إله إلا الله يلزمه شرعا طلب الإيمان برسول الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، لأن الشرع لا يقبل واحدة منهما دون الأخرى، فإذا طلب إحداهما كان القصد مع الأخرى. والمقصود من الإيمان بالله ورسوله الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبكل ما جاء به ﷺ وقد اختلف العلماء في المراد من الاستقامة المطلوبة في الحديث، وفي قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير﴾ [هود: ١١٢]. فذهب مقاتل إلى أن المراد المضي على التوحيد وعدم الرجوع إلى الشرك، وهذا القول مروي أيضا عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق ﵁ حيث قرأ قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [الأحقاف: ١٣]. ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا. قال: قد حملتم الأمر على أشده. قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.

стр. 145

وعليه فالأمر بالاستقامة في الحديث أمر بالثبوت والدوام، أي قل: آمنت بالله عن تصديق وإذعان، ثم اثبت على هذا دون شك أو تزعزع. وذهب جمهور العلماء إلى أن المراد الاستقامة على جميع ما يتطلبه الإيمان ولزوم النهج المستقيم. ونحن لا نقول بالرأي الأول، لأنه لا يتناسب مع سياق السؤال عن الإسلام وأموره في الحديث، ولا يتناسب مع الجزاء الموعود به في قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة﴾ [الأحقاف: ١٣]. ولا نقول بالرأي الثاني على ظاهره، لأن الاستقامة على جميع ما يتطلبه الإيمان أدق من الشعرة وأحد من السيف، فهي غير مستطاعة على الدوام فلا يكلف بها. وإنما الأولى أن يراد بالاستقامة المطلوبة التزام الواجبات والبعد عن المحرمات قدر الطاقة، وهذا هو المناسب لقوله تعالى: ﴿ولا تطغوا﴾ فالمراد من الاستقامة المأمور بها عدم الطغيان وليس عدم الميل قيد شعرة، وهو مفهوم تفسير علي - كرم الله وجهه- حيث فسر الآية بقوله "أدوا الفرائض" وتفسير عمر لها بقوله "لم يروغوا روغان الثعالب". وبهذا نجمع بين الرجاء الذي يسرف فيه الرأي الأول والخوف الذي يفرط فيه الرأي الثاني. والله أعلم

стр. 146

(٢٢) باب إطعام الطعام وإفشاء السلام ٦٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". -[المعنى العام]- من أهم شعب الإيمان، وأبرز خصال الإسلام، إطعام الطعام، وإفشاء السلام، إذ بهما يكون التآلف والإخاء، وبهما تصبح الأمة الإسلامية كالجسد الواحد، تتعاون أعضاؤه على خيرها، وتتسالم وتتكاتف على دفع الضرر عنها، ويشد بعضها بعضا تحقيقا لمتانتها وصلابتها وقوتها. إن الإسلام دين ودنيا، بل إن دنياه مزرعة لدينه، ودينه لخير دنياه وأخراه، إنه يضع قواعد المجتمع السليم، والمدنية الفاضلة، في خصلتين اثنتين وما أسهلهما، وما أيسر أداءهما، وما أعظم نفعهما، وما أكبر أثرهما. إنهما التعاون المالي والبدني، إنهما إنفاق الطعام، وإعطاء الأمن والأمان. فما أحكم الرسول النبي الأمي، الذي أعطي جوامع الكلم، والذي لا ينطق عن الهوى حين يسأله السائل: أي خصال الإسلام خير يا رسول الله؟ لنتسابق إليها، ونحرص عليها فوق حرصنا على غيرها. لقد كان الجواب الرائع منحصرا في جملتين: تطعم الطعام، وتقرأ السلام. تطعم طعامك والديك وأولادك وأهلك، فلا تكن شحيحا عليهم مقترا في الإنفاق على طعامهم، تطعم طعامك الأغنياء وذوي الجاه، لتحظى بحقك عندهم، وتؤكد الروابط بين طبقات المجتمع السليم، تطعم طعامك الفقراء والمساكين وابن السبيل، لتفوز بدعائهم، وثواب برهم وصلتهم، تطعم طعامك العدو والصديق لتؤلف بين القلوب، وتدرأ غوائل الإحن والأحقاد ولتزداد المودة والمحبة بينك وبين الخلان، تطعم طعامك الطير والحيوان، لتنمو في صدرك صفة الرحمة، فتسعد برحمة الرحمن. بذلك تحقق الأمن لنفسك ممن حولك، ويبقى عليك أن تؤمن من معك، فاقرأ السلام وأعط الأمان لكل من تلقاه، وسلم على من تعرف ومن لا تعرف، فتتقارب النفوس المتباعدة، وتتجاوب القلوب المتنافرة، وتتعارف الأرواح المتذاكرة. بهاتين الخصلتين يتم الأمن والأمان، وتتحقق المحبة والوئام، ويسود الصفاء والسلام وتتجلى بأبرز صورها مظاهر الإسلام.

стр. 147

-[المباحث العربية]- (أن رجلا) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمه، وقيل: إنه أبو ذر. (أي الإسلام خير؟ ) "أي" هنا للاستفهام مبتدأ، فإن قيل: إن شرط "أي" أن تدخل على متعدد، وهنا دخلت على الإسلام، وهو مفرد، لا تعدد فيه؟ أجيب بأن في الكلام محذوفا، هو مدخول "أي" في الحقيقة، والأصل أي خصال الإسلام خير؟ بدليل أن الجواب كان في التفاضل بين الخصال. و"خير" أفعل تفضيل. لأن السؤال ليس عن نفس الخيرية، وإنما عن وصف زائد، وهو الأخيرية، غير أن العرب استعملت أفعل التفضيل من هذا الباب على لفظه، فيقال: هذا خير من هذا، على معنى أخير منه، ولهذا لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. فإن قيل: إن أفعل التفضيل لا بد أن يستعمل بالإضافة أو من، أو بالألف واللام، فكيف استعمل هنا بدونها؟ أجيب بأنه قد يجرد من ذلك كله عند العلم به، ومنه قوله تعالى: ﴿يعلم السر وأخفى﴾ [طه: ٧]. (تطعم الطعام) بضم التاء من "أطعم" وهو في محل الرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف بتقدير: "أن" المصدرية، والتقدير: خير خصال الإسلام إطعام الطعام، وهذا نظير قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي سماعك بالمعيدي خير من رؤيته. والتعبير بالمضارع للحث على تجدده، كقوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾ [الإنسان: ٨] والخطاب في "تطعم" للسائل، وغيره مقيس عليه من قبيل "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" أو لكل من يتأتى خطابه فهو من قبيل الخطاب العام، أي تطعم يا من يصح منه الإطعام. والطعام عند الفقهاء اسم للمطعوم المقتات، أي ما يعد طعاما. والمفعول الأول "لتطعم" محذوف للتعميم، والتقدير - تطعم أي كائن الطعام، وقيل - إنه محذوف لدلالة "من عرفت ومن لم تعرف" عليه، وفي حذف المفعول إشارة أي أن إطعام الطعام غير مختص بأحد سواء كان المطعم مسلما أو كافرا أو حيوانا. واختار لفظ "تطعم" ولم يقل تؤكل مثلا، لأن لفظ الإطعام عام يتناول الأكل والشرب والذوق، قال تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي ومن لم يذقه. (وتقرأ السلام) قال السجستاني: يقال: اقرأ ﵇، ولا يقال: أقرئه السلام إلا في لغة سوء إلا أن يكون مكتوبا، فتقول: أقرئه السلام أي اجعله يقرؤه، كما تقول: أقرئه الكتاب، أي اجعله يقرؤه.

стр. 148

(على من عرفت ومن لم تعرف) "من" موصولة، وعائد الصلة، مفعول "عرفت" محذوف. -[فقه الحديث]- قال السنوسي: الإطعام المرغب فيه هو ما كان لفائدة شرعية، من طلب ثواب الله جل وعلا (فلا يبالي حينئذ ما أعطى، ولا لمن أعطى) أو دفع شر عن نفسه وعرضه وماله. أما ما لا فائدة فيه، أو كانت الفائدة غير شرعية، كقصد المباهاة، وتكثير الانتفاع والثناء الدنيوي، ونحو ذلك، فليس بمقصود من الحديث، بل ربما كان بعضه محرما، كالإطعام لبعض اللئام، من الظلمة والفساق، ممن يستعين بذلك على فساده، ويغريه على أموال الناس، وتبقى لهم سنة سيئة في أموال الناس على الدوام. اهـ. فإن قيل: إنما يغرس الإطعام الود في نفس الكريم، أما اللئيم فقد يغريه الإطعام ويطمعه ويزيده لؤما، أجيب بأن الشأن والغالب في الإطعام أن يؤثر في المطعوم خضوعا للطاعم بل ذلة وانكسارا في بعض الأحيان، وقديما قيل. أطعم الفم تستح العين، وقيل: ما وضع أحد يده في صحفة غيره إلا ذل له. وعلى ذلك فالإطعام يخفف منازعة اللئيم، ويقلل من أذاه، واللئيم الذي لا يتأثر بالطعام، لن يزيد شره بعد الأكل عنه قبله، وحينئذ فأجر الإطعام عند الله، وقد قيل: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس وأما إقراء السلام، فهو مما يزرع الود والمحبة في القلوب، وقد يكون في قلب المحبين أسى أو صد، أو إعراض فيزول بالتحية، وقد يكون في قلب العدو سوء ظن ومجافاة فينقلب بالتحية صديقا. وظاهر الحديث "من عرفت ومن لم تعرف" يفيد العموم في كل الناس مؤمنهم وكافرهم، مستأمنهم وحربيهم، لأنه يدل على أن السلام لله تعالى لا لتوفية حق المعرفة. وبهذا العموم أخذ بعضهم، وطلب السلام على الكافر ولو حربيا عند الاحتياج إلى ذلك لوعظ أو نحوه، لأنه أرجى لقبولهم الإسلام، وقد أمر الله تعالى موسى وهارون ﵉ أن يتلطفا مع فرعون حيث قال: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]. وذهب جماعة إلى أن هذا العموم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلم ابتداء على كافر لقوله ﷺ : "لاتبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه" رواه البخاري. وذهب بعضهم إلى أن العموم صدر أولا لمصلحة التأليف، ثم جاء النهي عن التسليم على الكافرين متأخرا، فنسخ عمومه. ومعنى "السلام عليكم" إما الدعاء بالسلام على المسلم عليه، أي سلمك الله من الآفات دنيا وأخرى، وإما الخبر، أي سلمت مني، فإني مسالم لك لا محارب.

стр. 149

والسلام علم على الأمان، لأن العادة بين المتحاربين أن لا يسلم بعضهم على بعض، وكانت عادة الجاهلية إن سلموا لم يحاربوا. وعلى هذا لا ينبغي للمسلم أن يغتاب من سلم عليه، ولا أن يتعرض لإيذائه، لأن مثل هذا الفعل مناقض لما أعطاه وأخبر به من الأمان. وقيل المراد من السلام اسم الله تعالى، فيكون المعنى: الله حفيظ عليكم أو رقيب عليكم. وقد وردت أحاديث بأن الجهاد أفضل الأعمال، ولا عمل يعدل الجهاد، وبأن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وبأن أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. وهذه تعارض حديث الباب الذي ينص على أن خير خصال الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام، وقد أجيب عن هذا التعارض بالحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، أو المقام، فحين الحث على الجهاد والترغيب فيه، أفاد أنه أفضل الأعمال، ولا عمل يعدله، وحين يخشى من السائل الإيذاء بيد أو لسان أرشده إلى أن كف الأذى خير الأعمال، وحين رأى من السائل أو السامعين تهاونا في شأن الصلاة أفاد بأنها أحب الأعمال، وحين أحس في السائل كبرا أو إمساكا أو انقباضا عن الناس أجابه بأن خير خصال الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام، وهكذا. فاختلاف جوابه ﷺ مع اتحاد السؤال أو تشابهه إنما كان مراعاة لحال السائل أو السامع، وما رآه ﷺ أنفع له وأخص به، فكأن الخيرية أمر نسبي، فقد يكون الأمر خيرا لفلان في وقت، وغيره خيرا منه في وقت آخر عند الشخص نفسه، ومرجع هذا الجواب إلى تقييد كل حديث بالحاضرين. فكأنه قال هنا: خير خصال الإسلام لكم في هذا الوقت إطعام الطعام وإفشاء السلام. وهذا الجواب نفسه يصلح جوابا عن قول القائل: لم خص هاتين الخصلتين بالذكر من بين سائر خصال الإسلام وشعبه؟ . فتقدير الظروف، ومراعاة مقتضى الحال هو الذي أدى إلى تخصيصهما بالذكر في هذا الوقت لمسيس الحاجة إليهما، فقد يكون وقت ذكرهما وقت جهد ومشقة وحاجة إلى تأليف القلوب، وتوثيق الصلات والمودة بين الناس. ويؤكد هذا المعنى أنه ﷺ حث عليهما أول ما دخل المدينة، فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن سلام قال: أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأملت وجهه، واشتبهته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". وأجيب عن هذا السؤال أيضا بأن مكارم الأخلاق نوعان: مالية فأشار إليها بإطعام الطعام، وبدنية فأشار إليها بتقرأ السلام.

стр. 150

-[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على إطعام الطعام الذي هو علامة الجود والسخاء ومكارم الأخلاق، وفيه نفع للمحتاجين، وتوطيد المحبة بين الناس. ٢ - الحث على إفشاء السلام الذي يدل على خفض الجناح والتواضع، ويحقق التعارف والتآلف بين المسلمين. ٣ - الحث على تعميم السلام وأن لا يخص به أحدا دون أحد - كما يفعل الجبابرة- لأن المسلمين كلهم إخوة، وهم متساوون في رعاية الأخوة، وقد جعل ﷺ السلام على المعارف علامة من علامات فساد الزمان حيث قال: "إن السلام في آخر الزمان للمعرفة يكون". ٤ - الحث على كل ما يؤلف القلوب، ويجمع الكلمة، ويغرس المودة، ويزيد المحبة. ٥ - العمل على نفع المسلمين بالفعل والقول. ٦ - إخلاص العمل، وتجنب المصانعة والملق. والله أعلم

стр. 151

(٢٣) باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ٦٥ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: إن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أي المسلمين خير؟ قال "من سلم المسلمون من لسانه ويده". ٦٦ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". ٦٧ - عن أبي موسى ﵁ قال: قلت يا رسول الله! أي الإسلام أفضل؟ قال "من سلم المسلمون من لسانه ويده". ٦٨ - حدثني بريد بن عبد الله بهذا الإسناد قال: سئل رسول الله ﷺ : أي المسلمين أفضل؟ فذكر مثله. -[المعنى العام]- دعا الإسلام في الحديث السابق، إلى شعبتين عظيمتين من شعب الإيمان فحقق بهما جانبا من أهم جوانبه، وركنا من أهم أركانه، وهو الركن الإيجابي أو ركن الفعل، وفي هذا الحديث الشريف يضع الإسلام الجانب الثاني والركن المهم المقابل وهو الركن السلبي، أو ركن الترك والكف، دعا في الحديث السابق إلى إطعام الطعام، وإفشاء السلام، ويدعو في هذا الحديث إلى كف الأذى وحجب الشرور والبوائق والإزعاج. فهذا أبو موسى الأشعري، يسأل رسول الله ﷺ عن أفضل خصال الإسلام، وعن أفضل المسلمين العاملين بأفضل الخصال، ليحرص على الفضيلة ويسعى نحو الكمال الديني، ويعمل جهده ليكون من خير المسلمين. ويجيبه ﷺ : خير المسلمين هو الذي يمسك لسانه عن طعن الناس، ويحفظ ما

стр. 152

بين فكيه عن الإساءة للمسلمين بالقول أو بالإشارة، وهو الذي يمسك يده وجميع جوارحه، ويحبس شرورها وأذاها، فلا يمد يده لحق الغير، ولا تمشي رجله للإضرار بأحد، ولا يتحرك فكره وقلبه للإيقاع أو الظلم أو الإيلام. المسلم الكامل هو الذي يسلم الناس من شروره وأذاه، والمؤمن الكامل هو الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وفي هذا يقول ﷺ : "والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه". بهاتين القاعدتين، وعلى هذين الركنين يعتمد صرح الإسلام، وترتكز أسس المجتمع الإسلامي القويم بالمسالمة ومنع الشر، بين الأفراد والجماعات والأمم، ثم بالتعاون وإيصال الخير وتبادل المنافع. وما قامت مدنية، وما شيدت حضارة، وما نهضت أمة، وما استقر عالم في حياته، من غير هاتين القاعدتين، وما تخلف المسلمون في هذه الأيام إلا بإهمالهما، وما تقدم غيرهم إلا باتباعهما، فنعم التشريع الإسلام، ونعمت الهداية هداية خير الأنام. عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. -[المباحث العربية]- الرواية الأولى (سأل رجل) لعله أبو موسى، المصرح به في الرواية الثالثة. والسؤال مروي بالمعنى في بعض الروايات، ولعله رجل آخر، فعند ابن حبان أنه أبو ذر، وعند الطبراني أنه عمير بن قتادة، فتعدد السؤال، واتحد الجواب. (أي المسلمين خير) أي أخير، وجاء في رواية "أي الإسلام أفضل" أي: أي خصال الإسلام أفضل، والسؤال عن خير المسلمين سؤال عن خير خصال الإسلام، فإن خير المسلمين ما صار خيرا إلا بقيامه بخير الخصال. (من سلم المسلمون) "من" اسم موصول خبر لمبتدأ محذوف، تقديره خير المسلمين من سلم المسلمون، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو أن يرجع اللفظان في اشتقاق إلى أصل واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين القيم﴾ [الروم: ٤٣] فإن "أقم" و"القيم" يرجعان في الاشتقاق إلى أصل القيام، والتعبير بلفظ "المسلمون" من قبيل التغليب، والمراد من سلم المسلمون والمسلمات. (من لسانه ويده) اليد اسم الجارحة، ولكن المراد منها أعم من أن تكون يدا حقيقية أو يدا معنوية، كالاستيلاء على حق الغير بغير حق، وأطلق اللسان واليد، وأراد أي

стр. 153

جارحة من جوارحه، والمراد من سلم المسلمون من شره، فهو من باب ضربته الظهر والبطن، أي ضربت منه كل مكان. الرواية الثانية (المسلم من سلم) اختلف في الأداة "أل" في مثل هذا التركيب هل تقتضي الحصر أو لا؟ الراجح أنها تقتضي الحصر، ولكنه حصر الكمال في الإسلام، وهو قصر ادعائي كقولهم: الناس العرب، والمال الإبل، أي أفضل الناس وأفضل المال، وهنا كذلك أفضل المسلمين. بل قد ينفي اسم الشيء، ويراد نفي الكمال، كما يقال لمن لم يتقن عمله: ما صنع شيئا، أي متقنا، فإنه لا يقصد نفي الصنعة، فإنه قد صنع بالفعل. وقدره الخطابي "المسلم الممدوح" وهذا التقدير يحتاج صفة أخرى، أي الممدوح مدحا كاملا، وإلا لزم أن من لم يتصف بهذه الصفة من المسلمين ليس بممدوح، وليس كذلك، فإن كل مسلم ممدوح بإسلامه، وإن ذم من ناحية أخرى. قال بعض الشيوخ: والظاهر أن الحصر في مثل هذا الحديث، إنما هو نسبي واعتباري مثل الحصر في "لا علم إلا بخشية" و"لا علم إلا ما نفع" فإن ظاهر ثبوت هذه الأشياء بمجرد ثبوت هذا الوصف. وظاهر الحديث على هذا يفيد ثبوت الإسلام لمن سلم المسلمون من لسانه ويده وإن لم ينطق بالشهادتين وليس كذلك، بل المراد المبالغة بأن هذا الوصف (سلامة المسلمين من لسانه ويده) هو المعتد به، دون غيره مجازا، أو التنبيه على أنه آكد الأوصاف المعتبرة في تحقق الإسلام، أو المراد المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده مع مراعاة بقية الأركان. الرواية الثالثة (أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده) قال الكرماني: فإن قلت: السؤال عن الإسلام، أي عن خصاله، والجواب بمن سلم، أي ذي الخصلة، حيث قال: "من سلم" ولم يقل: هو سلامة المسلمين من لسانه ويده، فكيف يكون الجواب مطابقا للسؤال؟ . قلت: هو جواب مطابق وزيادة، من حيث المعنى، إذ يعلم منه أن أفضليته باعتبار تلك الخصلة، أو أطلق الإسلام وأراد الصفة، كما يقال: العدل، ويراد: العادل، فالإسلام أريد به المسلم، فكأنه قال: أي المسلمين خير؟ كما جاء في بعض الروايات. انتهى بتصرف. وبعضهم قدر مضافا، به يصح المعنى، والتقدير: أي أصحاب الإسلام أفضل، وبذلك يتطابق الجواب والسؤال. وللتوفيق بين الرواية الأولى والثالثة، وبين كلمة "خير" وكلمة "أفضل" قال العيني: فإن قلت: هل هناك فرق بين "أفضل" وبين "خير"؟ .

стр. 154

قلت: لا شك أنهما من باب التفضيل، ولكن الفضل يعني كثرة الثواب في مقابلة القلة، والخير يعني النفع في مقابلة الشر، والأول من الكمية، والثاني من الكيفية، اهـ ثم استشهد على قوله بما في العباب، ونصه: الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والخير ضد الشر. وتعقبه بعضهم بقوله: الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يعقل تأتيه في الأخرى فلا. اهـ وهذا التعقيب وجيه، فإن السائل في الرواية الأولى والثالثة إنما سأل عن الأفضل ثوابا ونفعا، ولم يقصد الأول الأفضلية في الثواب والآخر الأفضلية في النفع والله أعلم. -[فقه الحديث]- من علامة المسلم التي يستدل بها على حسن إسلامه سلامة المسلمين من شره وأذاه، بل إحسان المعاملة مطلوب مع غير المسلمين، بل مع غير الإنسان من الطير والحيوان، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه. اهـ. وقال السنوسي: لفظ المسلمين خرج مخرج الغالب، إذ الأغلب أن سبب الإذاية المخالطة، وغالب من يخالطه المسلم المسلمون مثله، فنبه على التحرز من إذايتهم التي قربت أسبابها، ولأن كف الأذى عن إخوته المسلمين أولى فذكر الوصف كالباعث على ترك الإذاية ... ثم قال: وقد دلت الأدلة الشرعية على تحريم إذاية الذمي، وعلى المنع من تعذيب الحيوان بغير ما شرع فيه من النفع. اهـ. وخص اللسان واليد بالذكر من بين سائر الجوارح، لأن اللسان هو المعبر عما في النفس، واليد هي التي بها البطش، والقطع والوصل، والأخذ والمنع والإعطاء. قال الزمخشري: لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت، فقيل في كل عمل: هذا مما عملت أيديهم، وإن كان عملا لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدي. وقدم اللسان على اليد لأن إيذاءه أكثر وقوعا من إيذائها وأسهل مباشرة وأشد نكاية منها، ولهذا يقول الشاعر: جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان ثم إيذاء اللسان يعم ويلحق عددا أكثر مما يلحقه إيذاء اليد، فقد يؤذي أسرة أو قبيلة أو أهل بلدة، أو دولة بلفظ واحد، كما يتناول البعيد والقريب والحاضر والغائب، والميت والحي بخلاف اليد. ثم إن ذكر اللسان واليد لغلبة مباشرة الأذى بهما لا يجعلهما المقصودين بالذات، بل هما كعنوان لكل ما يباشر الأذى من جميع الأعضاء حتى القلب فإن منهي عن الحقد والحسد، والبغض والغيبة، والتلذذ بتصور المعايب وإضمار الشر، ونحو ذلك.

стр. 155

فإن قيل: هل يدخل في إيذاء المسلم إقامة الحدود والتعازير والتأديبات؟ وما موقف الحديث منها؟ . أجيب بأنها مستثناة من هذا العموم بالإجماع، وقيل: إنها ليست من الإيذاء حتى تستثنى، بل هي عند التحقيق استصلاح، وطلب للسلامة لهم، ولو في المآل. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وجماع ذلك حسن الخلق وحسن المعاملة مع العالم، وهو درجات، أعلاها درجة الأبرار الذين لا يؤذون الذر، ولا يضمرون الشر. ٢ - الرد على المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان معصية. ٣ - أن العفو والصفح وترك المؤاخذة أولى من المطالبة والمعاقبة مصداقا لقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقوله ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ [الشورى: ٤٣]. والله أعلم

стр. 156

(٢٤) باب ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ٦٩ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان. من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه. كما يكره أن يقذف في النار". ٧٠ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان من كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه". ٧١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ بنحو حديثهم. غير أنه "قال من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا". -[المعنى العام]- ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] تلك الكلمة كلمة التوحيد والإخلاص إذا غرست في القلب، ونمت وترعرعت بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، آتت أكلها، وأثمرت حبا لله وحبا لرسوله اعترافا بفضلهما وشكرا لهما أن هدي للإيمان بهدايتهما. وينمو هذا الحب ويزداد، ويرتقي صاحبه في درجات الوجد والهيام بالاستغراق في الفرائض والنوافل، حتى يغطي حب الله ورسوله كل مشاعره، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه من ولده ووالده، وماله ونفسه. وتبرز آثار هذا الحب في امتثال أمر الله، والتلذذ بالعبادة والتكاليف الشاقة، والرضا بقضائه وقدره، بل يتلقى المحنة بالنفس الراضية المطمئنة، وبنفس الروح التي يتلقى بها المنحة. فالمحب يرضى بل يحب كل أفعال المحبوب، ويحرص ألا يخالفه أو يغضبه أو يميل إلى ما لا يحب. كما تبرز آثار هذا الحب في طاعة رسول الله ﷺ ، وسلوك طريقته، والتخلق بأخلاقه، ويتفرع

стр. 157

عن هذا الحب حب من يحبه الله ورسوله من أجل حب الله ورسوله، يتفرع عن هذا الحب حب الصالحين ومجالستهم والاقتداء بهم وتتبع سيرتهم، والميل إليهم لا لشيء إلا لأنهم صالحون، ولأن حبهم من حب الله ولله وفي الله. ويتفرع عن هذا الحب بغض ما يبغضه الله ورسوله، بغض الكفر والفسوق والعصيان، بغض الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا. بغض أن يعود المؤمن إلى هذا الظلام بعد أن أنقذه الله منه وأخرجه إلى النور. من بلغ هذه الدرجة من الحب بلغ قمة الإيمان، وتمتع بحلاوته، وسعد بسموه ونوره وهدايته، وكانت له الجنات العلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. -[المباحث العربية]- (ثلاث من كن فيه) "ثلاث" مبتدأ، والجملة بعده الخبر، وجاز الابتداء به - وهو نكرة - لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، والتقدير: ثلاث خصال أو صفات، وقد سبق القول بأن حذف المعدود يجيز تذكير العدد وتأنيثه، و"من" مبتدأ ثان، والشرط والجواب خبره، والجملة خبر "ثلاث". (وجد بهن حلاوة الإيمان) أي أحس وشعر بحلاوة الإيمان بسبب تحصيلهن، فحلاوة الإيمان موجودة في المؤمن بوجود الإيمان، لكنه لا يحسها ولا يدركها ولا يستلذها إلا من كانت عنده هذه الخصال الثلاث، فالمؤمن مثله مثل آكل العسل، حلاوة العسل محققة في أكله، لكن إن كان الآكل في صحة وراحة بال فهو يستطيبه، ويحس به، ويتلذذ بحلاوته، وإن لم يكن في صحة أو كان مشغول البال مهموما بأمر من الأمور لم يحس له طعما ولم يشعر بحلاوة، وكذلك المؤمن إن حصل الصفات الثلاث وجد حلاوة الإيمان، وإلا لم يسعد بإيمانه في دنياه، ولم ينتفع به النفع الكامل في أخراه. وقد جاء في الرواية الثانية "وجد طعم الإيمان" وهي بمعنى الرواية الأولى، لأن طعم الإيمان عند المؤمن لا يكون إلا حلوا. ولما كان الطعم والحلاوة من صفات المطعومات كان التعبير بهما في جانب الإيمان مجازيا على سبيل الاستعارة التصريحية، بتشبيه انشراح الصدر بالحلاوة. أو على سبيل الاستعارة بالكناية بتشبيه الإيمان بشيء حلو، ثم إضمار التشبيه، والرمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الحلاوة على سبيل التخييل. (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) رواية البخاري جاءت تعدد الخصال الثلاث ولفظها "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء ... وأن يكره أن يعود ... ".

стр. 158

والرواية الثانية لمسلم جعلت تعدد صاحب الخصال، ولفظها "من كان .. ومن كان .. ومن كان" أما الرواية الأولى لمسلم فقد جاءت بصاحب الخصلة الأولى، ثم جاءت بالخصلتين الأخيرتين. والمصدر المنسبك من "أن" والفعل [على رواية البخاري] خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي [أي الخصال الثلاث] كذا وكذا وكذا إن روعي المجموع، وتقديره: إحداها كذا وثانيتها كذا وثالثتها كذا إن روعي كل من الثلاث على حدة. ولفظ "من كان" على رواية مسلم خبر مبتدأ محذوف أيضا، تقديره: هو [أي صاحب هذه الخصال] من كان كذا ومن كان كذا، ومن كان كذا، ويراعى أن المقصود تعدد الصفات لموصوف واحد، لأن حلاوة الإيمان لا تكون إلا لمن جمعها، ولفظ "أحب" خبر "كان" وجاء بكثرة على صيغة أفعل التفضيل، وإن كان على خلاف القياس، إذ لا يصاغ أفعل التفضيل من الفعل المبني للمجهول، وكان الأصل أن يقال: من كان الله ورسوله أشد محبوبية إليه، وعبر بـ "ما" دون "من" في قوله "مما سواهما" ليعم كل محبوب عاقل أو غير عاقل. (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) فاعل "يحب" ضمير مستتر يعود على "من كان الله ورسوله أحب إليه" وجملة "لا يحبه إلا لله" حال. (وأن يكره أن يعود في الكفر) مصدر "أن يعود" مفعول "يكره" يقال عاد إلى كذا أي رجع إليه، وعاد فيه مضمن معنى استقر، أي رجع إليه وانغمس فيه واستقر، حتى صار الراجع مظروفا والمرجوع عليه ظرفا له. وآثر التعبير بـ "في" ليتسق مع المشبه به في قوله "كما يكره أن يقذف في النار" فالكفر مشبه بالنار، والعود إليه مشبه بالقذف فيها، لا بالوصول إليها، فمن رجع إلى الكفر غمره الكفر وأحرقه كما تغمر النار المقذوف فيها. (بعد أن أنقذه الله منه) رواية البخاري "بعد إذ أنقذه الله منه" وفائدة هذا القيد إبراز المنة، وأن الله هو الذي هداه إلى الإيمان، وتأكيد القبح والشناعة في الرجوع، فإن الرجوع إلى الشر بعد النجاة منه والبعد عنه أقبح من الرجوع إليه عن قرب منه وشائبة اتصال به. (كما يكره أن يقذف في النار) "كما يكره" صفة لمصدر محذوف و"ما" مصدرية والتقدير: وأن يكره العود في الكفر كراهة مشابهة لكراهته أن يقذف في النار. والتعبير في الرواية الثانية "ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر" أبلغ منه في الرواية الأولى، لأن التعبير في الرواية الأولى يسوي بين الأمرين، والتعبير في الرواية الثانية يجعل الوقوع في النار أحب من الرجوع في الكفر، فالرجوع في الكفر أشد كراهة من القذف في النار. وأفعل التفضيل "أحب" في الروايتين الثانية والثالثة ليس على بابه من أن أمرين اشتركا في

стр. 159

صفة وزاد أحدهما على الآخر في هذه الصفة، فإنه لا حب في الرجوع في الكفر، ولا حب في القذف في النار، وإنما قصد بهذا الأسلوب شناعة أمر عن أمر آخر، كما نقول: الرسوب خير من الغش، نقصد زيادة جريمة الغش وضررها على الرسوب، ولا خيرية في كل منهما. (ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا) هذه هي الرواية الثالثة لمسلم، وهي تعطي معنى الرواية الثانية بالطريق الأولى، لأنه إذا كره الرجوع إلى اليهودية والنصرانية [وهما ديانتان سماويتان في الأصل] كره الرجوع إلى الأوثان والكفر الذي لا أساس له من باب أولى. -[فقه الحديث]- الحب الميل إلى الشيء، وهو نوعان: جبلي يغرسه الله في القلب بأسباب أو بدون أسباب، فيحس صاحبه ميلا لا سلطان له على دفعه، ولا قدرة له على اكتسابه، ولا على الحد منه، ومن هذا النوع قوله ﷺ "اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك". النوع الثاني مكتسب بتناول أسبابه، وتوافر دواعيه، فحسن الصورة وجمال الصوت من أسباب الحب غالبا، وحسن المعاملة والصلاح والنفع ودفع الضر من دواعيه. ثم هذا الحب المكتسب قد يكون ميلا إلى ما يستلذه الإنسان وتستطيبه النفس، وترتاح إليه الحواس، وقد يكون ميلا بالعقل والرشد إلى ما فيه الخير، وإن كان على خلاف هوى النفس كالوضوء بالماء البارد في شدة الشتاء، وكميل المريض للدواء، وهذا النوع قاله البيضاوي، وإن كان العرف يأباه ويقصر الحب على ما تميل إليه النفس استطيابا وتلذذا، ويجعل الآخر من باب الإرادة والعزيمة التي تقهر النفس إلى ما فيه صلاحها. وإذا تدبرنا حب المؤمن لله تعالى نجد أنه ينشأ عن التفكير في فضله ونعمائه والاعتراف بهذه الآلاء التي لا تنقطع عن الإنسان طرفة عين، وينشأ عن هذا التفكير والاعتراف التقرب إليه جل شأنه بالفرائض والنوافل، وكلما تقرب قرب، لأنه إن تقرب من الله شبرا تقرب الله إليه ذراعا، وإن تقرب إليه ذراعا تقرب الله منه باعا، فإذا ما استغرق في هذا البحر كان الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وكان الله وأوامره وطاعته هي كل شيء في حياته، لا خوفا من ناره ولا طمعا في جنته، ولكن يفعل ما يريد ربه حبا فيه جل شأنه. وكذلك الحال بالنسبة لرسول الله ﷺ يصل حبه عند المؤمنين أن يكون أحب إليهم من والدهم وولدهم وأموالهم حتى من أنفسهم التي بين جنبيهم، اعترافا بفضله، وإيمانا بعظيم جهاده ونفعه، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه. وللحب علامات وآثار لا يوجد بدونهما، فطاعة المحبوب، والحرص على رضاه، والميل إلى ما إليه

стр. 160

يميل دليل المحبة وشعارها، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ [آل عمران: ٣١]. فقيام المؤمن المحب لربه بالتكاليف الشاقة ليس للحب العقلي كشرب الدواء المر كما يرى البيضاوي، وإنما للتلذذ بأداء التكاليف وعدم الشعور بمشقتها، فهي حلوة عنده تهفو إليها نفسه، وتسعد بها مشاعره. وإذا وصل المؤمن إلى هذه الحالة كمل إيمانه، وشعر بحلاوة الإيمان، وحصلت عنده الخصلتان الأخيرتان حصولا لازما تبعيا. فإن حب المرء لله معناه حب من يحبه الله، لا لشيء إلا للصلة بالله، فكأنه من لوازم حب الله. وهذا القصر في الحديث "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، يخرج ما كان الحب فيه مشتركا بين الله ونفع دنيوي، كمحبة الصالحين لأنهم صالحون وللانتفاع منهم بالمعاملات الدنيوية، فهذا الحب وإن كان حسنا وممدوحا شرعا لكنه لا يصل بصاحبه إلى المرتبة المطلوبة التي بها يجد حلاوة الإيمان وجودا كاملا. وظاهر من هذا أن المراد بالمرء المحبوب المرء المسلم الصالح، فإن الفاسق والكافر ينبغي أن يبغضا في الله، مصداقا لقوله تعالى ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ [المجادلة: ٢٢]. نعم. وإذا وصل المؤمن إلى أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كره الكفر والكافرين، ومقت الذين يمقتهم الله، وكانت نار الدنيا عنده أحب إليه من غضب ربه. وفي هذا يقول البيضاوي: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان، لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسايط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينا، ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار. اهـ. وظاهر كلام الإمام البيضاوي أن المراد من النار نار الآخرة، وتوجيهه أن المؤمن الذي أحب ربه، أيقن بكل ما وعد وأوعد، وصار عنده ما سيقع في قوة الواقع. فإن أطاع أحس أنه في الجنة، والعود في الكفر عنده إلقاء في النار، لأنها متوعد بها لمن كفر. وهذا الاحتمال مع توجيهه بعيد عن ظاهر الحديث، فإن إن ساغ مع رواية "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" أي نار جهنم، فإن لا يسوغ مع رواية "ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر" إذ لا يقال: إلقاؤه في نار جهنم أحب إليه من العود في الكفر.

стр. 161

وقد أثار العلماء إشكالا حول قوله ﷺ "مما سواهما" في حين أنه ﷺ قال للخطيب الذي قال: "ومن يعصهما" أي ومن يعص الله ورسوله قال له ﷺ "بئس الخطيب أنت" إذ كان ينبغي على الخطيب أن يقول: ومن يعص الله ورسوله بالإفراد ولا يجمعها في ضمير واحد مما يوهم التسوية بين الله ورسوله، فحاصل الإشكال: كيف قال ﷺ "مما سواهما" وجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد مع أنه نهى عن ذلك؟ . ومن خير الأجوبة على هذا الإشكال أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي ﷺ ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فإن الخصلة الأولى والثانية من قبيل التحلي بالفضائل، والخصلة الثالثة من قبيل البعد عن الرذائل. ٢ - أن للإيمان حلاوة ولذة يحسها المقربون. ٣ - الحث على اتباع الأوامر واجتناب النواهي لنيل محبة الله ورسوله. ٤ - الحث على إخلاص محبة الناس وتمحيصها لله تعالى. ٥ - التنفير من محبة الكافرين والفاسفين ومودة أهل المعاصي. والله أعلم

стр. 162

(٢٥) باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ٧٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يؤمن عبد" (وفي رواية "لا يؤمن الرجل") حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين". ٧٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". -[المعنى العام]- إن حب الشيء يدعو إلى حب الموصل إليه، وإن حب الإيمان وبغض الكفر يستلزم حب المتسبب فيه والداعي إليه، فحب الرسول ﷺ دليل على حب الإيمان، وبقدر ارتفاع درجة هذا الحب أو انخفاضها ترتفع درجة الإيمان أو تنخفض، فإذا وصل المؤمن إلى أن يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ومن المال والأهل والأقارب والناس أجمعين، كان كامل الإيمان، وأكمل منه أن يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه، يبذلها فداء له في حياته، كما قرأنا عن أبي بكر الصديق، وكثير من الصحابة، ﵃ الذين عرضوا أنفسهم للأخطار حماية لرسول الله ﷺ من الكفار. وإذا كنا في هذه العصور لا نملك الدفاع عن ذات الرسول ﷺ برهانا على كمال حبه، فإننا نملك الذب عن سنته، وحماية دينه، والدفاع عن شريعته والعمل على طريقته والتمسك بكل ما جاء به وطاعته، فإن نحن فعلنا ذلك كنا محبين على الحقيقة، وإلا كنا مدعين بألسنتنا أمرا لم تواطئه قلوبنا، فالمحب الذي يخذل حبيبه كاذب في حبه، والمحب الذي يعصي حبيبه كاذب في حبه، والمحب غير المكترث بصفات حبيبه كاذب في حبه، والمحب المضيع لهدية حبيبه وذكراه كاذب في حبه، مهما بكى أو تباكى، ومهما أظهر اللوعة والوجد، ومهما تحرق شوقا إلى قبره، ومهما سعى إلى زيارته. هذا هو ميزان الحب ومقياس الإيمان، فلينظر كل منا موضعه، وليزن نفسه، وليصلح المقصر من شأنه، حتى يكون جديرا بحبه، حريا بشفاعته ﷺ ، جعلنا الله من أحبابه، ومن خدمة سنته، إنه سميع مجيب.

стр. 163

-[المباحث العربية]- (لا يؤمن عبد) العبد الإنسان، حرا كان أو رقيقا، كذا في القاموس، وقد أطلقه القرآن على الملائكة في قوله ﴿عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦] فالظاهر أن العبد من شأنه أن يعبد ويخضع ويذل، لكن المراد من العبد في الحديث الإنسان لأن الملك لا ولد له ولا والد ولا أهل. وفي الرواية الأخرى "لا يؤمن رجل" والرجل خلاف المرأة، ويطلق عليه إذا احتلم وشب، وقيل: هو رجل من ساعة يولد. وفي الرواية الثانية "لا يؤمن أحدكم" والخطاب فيه للصحابة الحاضرين، وهل يشمل من على شاكلتهم من المعاصرين الغائبين ومن سيوجد بالنص؟ أو ينسحب الحكم عليهم بالقياس؟ خلاف. وهل تدخل المرأة في الحكم؟ الظاهر أنها تدخل بالقياس، لأن النساء شقائق الرجال، وهن مخاطبات بما خوطب به الرجال من أحكام إلا ما خص، وقد جاء في رواية الأصيلي "لا يؤمن أحد" وهي أشمل وأعم. (حتى أكون أحب إليه من أهله) في القاموس: أهل الرجل: عشيرته وذوو قرباه، وأهل الأمر ولاته، وأهل البيت سكانه، وأهل المذهب من يدين به. اهـ. فالتعبير بالأهل أعم من التعبير بالولد والوالد في الرواية الثانية، لكن ذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لأنهما أعز الأهل عند العاقل، ففي التعبير بهما إبراز لعظم محبة الرسول ﷺ . (وماله) المراد من المال كل ما يتمول ويقدر بقيمة، نقدا كان أو عقارا أو ضياعا، وذكره لمسايرة بعض الطباع التي قد تحب المال حبا جما. (حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده) في رواية البخاري تقديم الوالد على الولد، ووجهها الحافظ ابن حجر بأن تقديم الوالد للأكثرية، لأن كل أحد له والد من غير عكس، ولأن الوالد متقدم على الولد بالزمان والإجلال. وتوجه رواية مسلم بأن تقديم الولد تساير الترتيب التنازلي من حيث مزيد المحبة والشفقة، فللولد مزيد شفقة عند الوالد أكثر من شفقة الولد على والده ثم الناس في المرتبة الثالثة، وهل تدخل الأم في لفظ الوالد؟ قيل نعم، لأن المراد بالوالد، من له ولد، والظاهر أنه من قبيل الاكتفاء، أو دخول الأم بطريق القياس. (والناس أجمعين) من عطف العام على الخاص، وفي رواية "الأهل" وفي رواية "الولد والوالد" وهل تدخل النفس في هذا العموم؟ قال الحافظ ابن حجر: الظاهر دخولها. اهـ. ويضعف هذا القول أن حب النفس أقوى من حب الولد والوالد في طبائع العقلاء ودخولها في هذا

стр. 164

العموم يجعل حبها في الدرجة الثانية بل الثالثة، يدل على قوة حبها ما رواه البخاري من "أن عمر بن الخطاب قال للنبي ﷺ : لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا. والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي". -[فقه الحديث]- قلنا في الحديث السابق: إن الحب نوعان: جبلي واختياري، وقلنا إن الشارع لا يكلف الإنسان ولا يطلب منه التحكم في الحب الجبلي، فالمقصود بالحب هنا الحب الاختياري، وقلنا إن للحب أسبابا تغرسه في النفس أو تعمقه فيها، كجمال المنظر وحسن الصوت والخلق أو النفع بوجه ما. ورسول الله ﷺ من حيث هذه الأسباب- أحق الناس بحب المؤمن، ولا شك أن حظ الصحابة من هذه الأسباب أوفى وأتم، وأما غيرهم فيكفي أن يفكروا في أنه ﷺ هو الذي أخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة وإما بالسبب، وأن يتفكروا في أنه الذي بين لهم طريق البقاء الأبدي في النعيم المقيم، فيعلمون أن انتفاعهم من الرسول ﷺ أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، والنفع يثير المحبة، فينبغي أن يكون الرسول ﷺ أحب إلى المؤمن من ولده ووالده وماله والناس أجمعين، ونفي الإيمان عمن لا يكون الرسول أحب إليه إنما هو نفي للإيمان الكامل لا لمطلق الإيمان. لكن ظاهر عبارة القاضي عياض تفيد أنه يرى أن أحبية الرسول ﷺ شرط في صحة الإيمان، إذ قال ﵀: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع ﷺ أصناف المحبة في محبته، ثم قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي ﷺ ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومتفضل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن. اهـ. ونحن نوافق القاضي عياض في أن إعلاء قدر النبي ﷺ وإعظامه شرط في صحة الإيمان، وحقيقة الإيمان لا تتم إلا به، وأن من اعتقد خلاف ذلك فليس بمؤمن. لكن هناك فرق بين الإعظام والمحبة، ولا تلازم بينهما، إذ قد يعترف الإنسان بالأعظمية، ويذل لها ولا يحبها. والإيمان مبني على التصديق برسالته ﷺ ، والإسلام مبني على التسليم بما جاء به، والانصياع إليه، أما حبه ﷺ فبه يزداد الإيمان، وببلوغ حبه أعلى درجات الحب يكمل الإيمان. وعلامة حصول هذه الدرجة العليا أن يعرض المرء على نفسه، ويخيرها بين أن يملك المال

стр. 165

ويحصل عنده الولد وبين أن يرى النبي ﷺ ويجالسه ويصاحبه، فإن اختار الثاني فقد اتصف بالأحبية المذكورة وإلا فلا. وليس معنى فقدان الأحبية فقدان الحب، فعامة المؤمنين يحبونه ﷺ وإن تفاوتوا في درجات هذا الحب، بدليل أنهم إذا ذكر النبي ﷺ اشتاقوا إلى رؤيته، بل نجد الكثير من المؤمنين يؤثر زيارة قبر النبي ﷺ ، ورؤية مواضع آثاره على ماله وجوار أولاده، فيفارقها فراق مودع، ويتوجه إلى المدينة توجه المشتاق المتلهف. والله أعلم

стр. 166

(٢٦) باب من الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك ٧٤ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه (أو قال: لجاره) ما يحب لنفسه". ٧٥ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده! لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره (أو قال لأخيه) ما يحب لنفسه". -[المعنى العام]- إن الإيمان الكامل الذي وصل بالمؤمن إلى حب الله ورسوله، يدفعه حتما إلى أن يحب للمسلمين ما يحب لنفسه من خيري الدنيا والآخرة. أما الذين يحقدون على إخوانهم المسلمين، أو يحسدونهم على ما آتاهم الله من فضله، أو يسعون لبخس إخوانهم والتعالي عليهم، فهم ضعاف الإيمان، حظهم منه في الآخرة قليل، مصداقا لقوله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾ [القصص: ٨٣] إن الإيمان الكامل ينزع الغل والحقد والحسد من قلب صاحبه، ويملؤه برغبة الخير، وبحب المعروف للناس، فالإيمان محبة ومودة وإخاء ومجتمع إنساني فاضل كريم. إن الحديث يعالج القلوب من هذه الأمراض الخبيثة، والقلوب إذا صلحت صلح الجسد كله، لأن الأعضاء آلات وجنود للقلوب، فإذا ما حل حب الخير للمسلم في قلب المسلم تحركت الجوارح لتنفيذ ميوله وتحقيق رغباته، فنطق اللسان بما فيه صلاحه والدفاع عنه، وامتدت اليد والرجل إلى ما يوصل النفع إليه، ذاك هدف الحديث، بناء مجتمع متآلف متعاون متراحم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. -[المباحث العربية]- (لا يؤمن أحدكم) أي لا يؤمن إيمانا كاملا. أما أصل الإيمان فإنه يحصل لمن لم يحصل هذه الصفة. ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض وكثير في كلام العرب، كقولهم: فلان ليس برجل أو ليس بإنسان.

стр. 167

(حتى يحب لأخيه -أو قال- لجاره) شك من الراوي في أي من اللفظين صدر عن الرسول ﷺ ، وفي الرواية الثانية: "حتى يحب لجاره أو قال لأخيه" ورواية البخاري "لأخيه" من غير شك. والتعبير بالأخ على سبيل التغليب فتدخل الأخت أيضا. والتعبير بالأخوة لإثارة كوامن الشفقة والمحبة. (ما يحب لنفسه) "ما" موصولة، وعائد الصلة مفعول "يحب" محذوف، والتقدير: الذي يحبه لنفسه. -[فقه الحديث]- المراد من الأخ ما هو أعم وأشمل من أخ النسب قطعا، ولكن هل المراد الأخوة في الإسلام؟ أو الأخوة في الإنسانية، بمعنى أن الناس كلهم لآدم وحواء، أب واحد وأم واحدة فهم إخوة؟ . ظاهر صنيع الإمام النووي في شرح مسلم أن المراد بالأخوة الأخوة في الإسلام، إذ بوب هذا الحديث بقوله: [باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير] ثم قال في الشرح: معنى الحديث أنه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحب لنفسه. اهـ. وهو ظاهر كلام الحافظ ابن حجر، إذ ساق رواية للإسماعيلي، نصها "يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير" ثم قال: فبين [الحديث] المراد بالأخوة، وعين جهة الحب، ثم قال: والخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات، لأن اسم الخير لا يتناولها. انتهى كلامه. وإن الباحث ليتساءل -أمام رأي هذين الإمامين- ألا ينبغي أن نحب للكفار أن يسلموا؟ ألم يكن رسول الله ﷺ يحب هداية الناس جميعا، فقيل له "إنك لا تهدي من أحببت"؟ ألسنا نحب الصفات الحميدة؟ ونحب أن يتحلى بها الناس جميعا؟ فلم نضيق الواسع؟ ونجعل المطلوب من المؤمن حبه الخير للمسلم فقط دون بقية البشر؟ نعم. نهينا عن حب الكفار ومودة المحاربين منهم، لما هم عليه من شطط وصفات ذميمة، لكن من الإيمان أن نحب لهم أن يؤمنوا، بل يجب علينا أن ندعوهم لذلك، وأن نجاهد في سبيل تحقيق هذا الخير لهم. إن رواية الإسماعيلي - على فرض صحتها- تخص الأخ المسلم بالذكر لمزيد عناية به، هو بالنسبة لحب الخير له أولى وأهم من غيره، وإن كان حبنا الخير ليس مقصورا عليه. والله أعلم. وهل الذي يجب على المؤمن ليكمل إيمانه أن يحب لأخيه عين ما يحب لنفسه، أو مثل ما يحب لنفسه؟ فمثلا؟ إذا كانت هناك درجة مالية واحدة أطمع فيها، هل أحبها لأخي فأحرم أنا منها؟ أو أحبها لنفسي وأحب وجود مثلها لأخي؟

стр. 168

وإذا كنت في منصب مدير الجامعة مثلا، هل أحب لأخي أن ينتزعه مني لأكون قد أحببت له عين ما أحبه لنفسي؟ أو أحب لأخي منصبا شبيها بمنصبي؟ أعتقد أن الإيمان يتم بالثاني، أعني بالشبيه، غاية الأمر أنه إن فاز أخي بما كنت أطمع فيه، أو حل محلي فيما كنت فيه، بطريق مشروع، ودون إيذاء منه لي، ينبغي أن أحبه له ولا أحقد عليه، ولا أجد في نفسي حاجة مما أوتي ولو كان بي خصاصة، لأني أحب له ما أحب لنفسي، ومعنى هذا أن المنافسة بين الأقران في المشروع مشروعة بالطريق المشروع، فالمنافسة في الدرجات والمناصب الدنيوية جائزة بين المستحقين لها، فإن اعتدى من أجلها أدنى على أعلى. أو سعى لها أحد المتساويين سعيا غير مشروع كانت غير مشروعة. أما المنافسة في الأمور الدينية والأخروية فهي واجبة في الواجبات مندوبة في المندوبات، قال تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين: ٢٦]. وقد أورد الحافظ ابن حجر على الحديث إشكالا وجوابه، نصه، فإن قيل: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنا كاملا وإن لم يأت ببقية الأركان؟ أجيب بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله "لأخيه المسلم" ملاحظة بقية الصفات. اهـ. وهذا الإشكال لا يرد على الحديث، إنما يرد لو كان نصه: المؤمن الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، كما ورد هذا الإشكال وأجبنا عنه في حديث "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". أما لفظ الحديث الذي معنا فهو "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" فلا يرد عليه هذا الإشكال. فإن قولنا: لا يكون أحدكم عالما حتى يدرس علوم القرآن ليس معناه أن من درس علوم القرآن وحده يكون عالما، وإنما معناه أنه لا يكمل علمه إلا بدراسته. وإذا كان من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه كان منه أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، ولم يذكره الحديث لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على التواضع. ٢ - السعي وراء أسباب المحبة بين الناس. ٣ - البعد عن الأثرة وحب النفس أكثر من الغير. ٤ - الزجر عن الحقد والغش والحسد ونحوها من الصفات الذميمة التي تورث التباغض والتدابر بين الناس. (ملحوظة) أرجأنا الكلام عن حب المؤمن لجاره ما يحب لنفسه الوارد في هذا الحديث إلى موضوعه الآتي. والله أعلم

стр. 169

(٢٧) باب النهي عن إيذاء الجار ٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه". -[المعنى العام]- إن الأمن على النفس والمال والعرض من نعم الله الكبرى، وأقرب الناس تهديدا لهذا الأمن هو الجار، لأن الحذر منه أصعب من الحذر من غيره، والضرر منه أشد خطرا من الضرر من غيره، إنه يعرف كثيرا من الخفايا, ويكشف كثيرا من الأستار، ويطلع على كثير من العيوب، إنه أعلم بمواطن الضعف، وأقدر على توصيل الأذى. والإسلام يحرص على استتباب الأمن، ونشر الطمأنينة والاستقرار بين أبناء المجتمع الواحد، لهذا جعل مسالمة الجار من الإيمان، جعل حبس النفس عن أذى الجار من الإيمان، بل جعل خوف الجار من الجار دليلا على ضعف إيمان الجار الذي بعث الخوف، وإن لم يصل ضرره لجاره بالفعل، فقد روي أن النبي ﷺ قال: والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. كررها ثلاثا، وكان متكئا فقام، وبدا الغضب في وجهه الشريف، حتى انزعج الصحابة، فقالوا: من يا رسول الله هذا الذي تقسم على سلب إيمانه؟ ومن سلب إيمانه لا يدخل الجنة، فمن هو الذي خاب وخسر؟ قال: الذي لا يأمن جاره أذاه، والذي يخاف جاره اعتداءه، والذي لا يطمئن جاره لجواره. نعم هذا التشريع الحكيم لو أمن كل جار جاره، وكف كل جار عن ضرر جاره، وحمى كل جار محارم جاره، لكانت المدينة الفاضلة، ولكان المجتمع الموادع الأمين، ولعاش الناس سعداء آمنين. -[المباحث العربية]- (من لا يأمن جاره بوائقه) وفي رواية "من خاف جاره بوائقه" والبوائق جمع بائقة، وهي الداهية والشيء المهلك، والأمر الشديد الذي يوافي بغتة. -[فقه الحديث]- في حد الجوار شرعا خلاف، فعن علي -كرم الله وجهه- من سمع النداء فهو جار، وعن عائشة والأوزاعي: حد الجوار أربعون دارا من كل جانب.

стр. 170

نعم الجار الجنب أولى بكل حق من حقوق الجوار ممن بعد، ولكن لكل من القريب والبعيد حقه، وكف الأذى عن الجميع واجب، بل إدخال الأمن والطمأنينة على الجميع واجب. وهناك أمثلة من الأذى قد يستهين بها الجار، ويظنها حقا له، فلا يعبأ بجاره، ولا يراعي شعوره، فيتحقق بذلك أذاه، منها: وضع الجذع على جداره، وصب الماء أمام داره، وطرح التراب والحصى في فنائه، وتضييق طريقه، والنظر إلى حرماته، وكشف عوراته. وقد جاء في الحديث الشريف قالوا: يا رسول الله، ما حق الجار على الجار؟ قال: "إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابه مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فاهد له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده". وقد جاء في رواية البخاري: "والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. والله لا يؤمن: قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه"، فنفي الإيمان عمن يؤذي جاره نفي كمال كما سبق. وأما نفي دخوله الجنة في رواية مسلم فقد قال عنه النووي: في معنى "لا يدخل الجنة" جوابان يجريان في كل ما أشبه هذا. أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه، فهذا كافر لا يدخلها أصلا. والثاني: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل يؤخر، ثم قد يجازى، وقد يعفى عنه فيدخلها، وإنما تأولنا هذين التأويلين، لأنا قدمنا أن مذهب أهل الحق أن من مات على التوحيد مصرا على الكبائر، فهو إلى الله تعالى: إن شاء عفا عنه فأدخله الجنة أولا، وإن شاء عاقبه، ثم أدخله الجنة. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: في الحديث مبالغة تنبئ عن تعظيم حق الجار وأن إضراره من الكبائر. ومنع أذى الجار أعم من أن يكون مسلما أو غير مسلم، ففي الحديث "الجيران ثلاثة، جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم، فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم، وأما الذي له حقان فالجار المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك له حق الجوار". وفي تغليظ حرمة الجار وحرمة إيذائه. قيل لرسول الله ﷺ : "إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل، وتؤذي جيرانها، فقال رسول الله ﷺ : هي في النار" رواه أحمد والحاكم، وقال صحيح الإسناد. وقال ابن أبي جمرة: إذا أكد حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه وأمر بحفظه وإيصال الخير إليه، وكف أسباب الضرر عنه، فينبغي أن يراعي حق الحافظين الذين ليس بينه وبينهما جدار

стр. 171

ولا حائل، فلا يؤذيهما بإيقاع المخالفات في مرور الساعات، فقد جاء أنهما يسران بوقوع الحسنات ويحزنان بوقوع السيئات، فينبغي مراعاة جانبهما. وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعات، والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برعاية الحق من كثير من الجيران. والله أعلم

стр. 172

(٢٨) باب إكرام الجار والضيف وفضيلة حفظ اللسان ٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". ٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت". ٧٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، بمثل حديث أبي حصين. غير أنه قال "فليحسن إلى جاره". ٨٠ - عن أبي شريح الخزاعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت". -[المعنى العام]- ثلاث خصال من سمات المؤمن بالله وبالبعث والجزاء، ثلاث خصال هي جماع الخير وأمهات مكارم الأخلاق. أولى هذه الخلال إكرام الجار، والإحسان إليه، وقد أشار الحديث الشريف الذي رواه مسلم قبل هذا إلى نفي الإيمان عمن يؤذي جاره، وبه حمى الإسلام الجار من جاره، لكنه لم يكتف بهذه الحماية، بل حث في هذا الحديث على إكرامه والإحسان إليه، وكم كررت الشريعة الوصاية بالجار، ومازال جبريل يوصي رسول الله ﷺ بالجار حتى ظن ﷺ أن الله سيحكم للجار بالميراث من جاره.

стр. 173

ثانية هذه الخلال إكرام الضيف، وكل إنسان عرضة لأن يكون ضيفا في يوم من الأيام ينزل في بلد لا أهل له فيها ولا وطن، ولا وسيلة للعيش فمن له غير أخيه المسلم يضيفه ويكرمه؟ فتتوثق عرى المحبة بين المسلمين. نعم إكرام الضيف من خلق النبيين، ومن شمائل المقربين، وقد ذكره الله لنبيه إبراهيم ﵇، على أنه مكرمة من مكارم الأخلاق، إذ قال ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم﴾ [الذاريات: ٢٦، ٢٧] وبعد هاتين الخلتين العمليتين بقيت خلة مكملة متممة لمن لم يتيسر له العمل بجوارحه لإكرام جاره وإكرام ضيفه، عليه أن يقول كلمة الخير، فالكلمة الطيبة صدقة، فإن لم تتيسر له كلمة الخير فليحبس لسانه، وليصمت عن الكلام، وليمسك عن الشر، فإن ذلك من الإيمان، ورحم الله عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم. -[المباحث العربية]- (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) جمع بين المبتدأ والمعاد، أي من جمع بين طرفي الإيمان. (فليقل خيرا) "خيرا" صفة لمصدر محذوف، أي قولا خيرا، أو صفة لمفعول محذوف أي فليقل مقولا خيرا، وسيأتي بيان القول الخير في فقه الحديث. (أو ليصمت) لام الأمر هنا مكسورة على الأصل، وفي الفعل السابق ساكنة. قال صاحب مغني اللبيب: اللام الموضوعة للطلب حركتها الكسر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها. اهـ. و"يصمت" بضم الميم مضارع صمت [بفتحها من باب دخل] صموتا، وحكي بكسر الميم في المضارع من باب ضرب "صمتا" وفي الرواية الثانية والثالثة "أو ليسكت" والمعنى واحد. (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) كرره للإيذان بأن كل واحدة من الثلاث مستقلة بالطلب لا تابعة لأختها، وأن من كان هذا شأنه ينبغي أن يحصل كلا من الثلاث، وأن يحرص على كل منها باهتمام. (فليكرم جاره) وفي الرواية الثالثة "فليحسن إلى جاره" والإكرام والإحسان شيء زائد على كف الشر، ومنع الأذى، الوارد في الرواية الثانية، ولفظها "فلا يؤذي جاره" وهي في أصول صحيح مسلم "فلا يؤذي" بالياء، على أن "لا" نافية، والجملة خبر في معنى النهي، وهو -كما قال العلماء- أبلغ من النهي الصريح، لأنه يشعر بأن النهي امتثل، وأصبح المنهي عنه منتفيا يخبر عنه بالنفي وعدم الوقوع.

стр. 174

وروي في غير مسلم "فلا يؤذ" بحذف الياء، على أن "لا" ناهية، وكلاهما صحيح وكثير، فقد قرئ بالجزم والرفع في قوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ [البقرة: ٢٣٣] وورد الجزم والرفع في الحديث "لا يبيع أحدكم على بيع أخيه". (فليكرم ضيفه) لفظ "ضيف" يطلق على الواحد والجمع، وجمع القلة أضياف، وجمع الكثرة ضيوف وضيفان. -[فقه الحديث]- فائدة الترشيح بقوله "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" قبل الأوامر الثلاثة- التهييج وإثارة المشاعر لالتزامها والمحافظة عليها، فكأنه يقول: يا من تحليتم بشعار الإيمان بالله واليوم الآخر، ويا من وصلتم إلى هذه الدرجة من الطهر عليكم أن تكملوا أنفسكم باتباع هذه الأوامر، ولا تدنسوا هذا النقاء بنقائضها. ونظير هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]. والحديث يتعرض لأوامر ثلاثة: إكرام الجار، وإكرام الضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير. ١ - أما إكرام الجار: فقد تقدم الزجر عن إيذائه، فالحديث السابق كالتخلية، وهذا الحديث بالنسبة للجار كالتحلية، وقد وصى الله تعالى بالإحسان إلى الجار، فقال ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦]. [أي الجار الذي بينك وبينه قرابة ورحم والجار الجنب أي الأجنبي] وهذا قول الأكثر، وقيل الجار القريب المسلم، والجار الجنب غير المسلم، وقيل: الجار القريب المرأة والجنب الرفيق في السفر. وروى البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والمقيم، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها [المسلم العابد الصديق الغريب النافع القريب] ثم أكثرها وهلم جرا، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى فيعطى كل حقه حسب حاله. والأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية، وقد يكون مستحبا، ويجمع الجميع أنه من مكارم الأخلاق. وكان الصحابة يحسنون إلى الجار الكافر، فقد روى البخاري في الأدب المفرد أن عبد الله بن عمرو لما ذبحت له شاة أمر أن يهدى منها لجاره اليهودي.

стр. 175

ويحصل إكرام الجار بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه وموعظته بالحسنى، والدعاء له. وغير الصالح إكرامه - زيادة على ما سبق - كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وستر زلته، فإن أفاد فبها ونعمت، وإلا هجر بقصد تأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف. وأما الكافر فبوعظه وعرض الإسلام عليه وتبيين محاسنه والترغيب فيه برفق مع إرادة الخير للجميع، والدعاء بالهداية، وترك الإضرار. ٢ - وأما إكرام الضيف: فبالبشاشة في وجهه، والترحيب بقدومه، وإنزاله المكان اللائق به المقدور عليه، وتقديم المناسب له من الطعام والشراب. وقد اختلف العلماء فيما يقدم للضيف، هل يقدم ما حضر، وما اعتاد أكله أهل البيت ولا يزاد؟ أو يتكلف له شيء من البر ويتحف زيادة على عادة البيت؟ والجمهور على أنه يتكلف له في اليوم الأول بالبر والألطاف، ويقدم له ما حضر دون تكلف في اليومين الثاني والثالث، أخذا من الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة" قال الخطابي: معناه: أنه إذا نزل به ضيف أن يتحفه ويزيده في البر على ما بحضرته يوما وليلة، وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه، فما زاد عليها مما يقدمه له يكون صدقة. كما اختلفوا في الضيافة: هل هي واجبة أو مكرمة؟ فذهب الليث إلى أنها واجبة يوما وليلة، واستدل بحديث "ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم" وبحديث عقبة الذي رواه البخاري، قال عقبة: "قلنا للنبي ﷺ إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف"، فظاهر الحديث أن قري الضيف واجب، وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة أخذ منه قهرا. وذهب الجمهور وعامة الفقهاء إلى أنها من آداب الإسلام، وهي سنة ومكرمة واستدلوا بقوله ﷺ "جائزته يوم وليلة" والجائزة العطية والمنحة والصلة، وذلك لا يكون إلا مع الاختيار، كما استدلوا بقوله ﷺ "فليكرم ضيفه" و"فليحسن إلى ضيفه" إذ هذا الأسلوب لا يستعمل في الواجب، كما أن إكرام الضيف مضموم إلى إكرام الجار والإحسان إليه، وذلك غير واجب. وأجابوا عن الحديثين اللذين استدل بهما الليث، بأن ذلك كان أول الإسلام إذ كانت المواساة واجبة ثم نسخ، أو أن ذلك في الضيف المضطر. كما اختلفوا: هل الضيافة على أهل الحضر وأهل البادية جميعا؟ أو هي على أهل البادية خاصة؟

стр. 176

فذهب الشافعي ﵁ إلى أنها عليهما على السواء، وقال مالك: إنما هي على أهل البوادي، لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق، ومواضع النزول، وما يشترى من المأكل في الأسواق. اهـ. والذي تستريح إليه النفس في مواضع الخلاف الثلاثة أن الأمر يختلف باختلاف حال الضيف، وباختلاف حال المنزول عليه، وباختلاف ظروف الضيافة. ففي الموضع الأول قد يكون الضيف فقير الحال، والمنزول عليه ميسورها، فيكون فيما يقدم للضيف إتحاف وإكرام له، وإن كان على عادة أهل البيت أو أقل من عادتهم. وقد يكون العكس فيحسن التكلف، وقد يكون الضيف من الأصدقاء الذين يحبون البساطة، ويكرهون التكلف، ليشعروا برفع الحرج، فيحسن تقديم ما حضر. لكن طلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن المقام وحسن التوديع مطلوب في جميع الأحوال. وفي الموضع الثاني: قد يكون الضيف مضطرا فتكون الضيافة واجبة بقدر الضرورة وإلا فهي من مكارم الأخلاق. وفي الموضع الثالث: قد يكون الضيف النازل على أهل الحضر لا يملك ما يشتري به قوته، ولا ما ينزل به في الفنادق، وقد يكون الضيف النازل على أهل البادية يحمل معه زادا يكفيه، وبيتا يقيمه ويرسيه، في مثل هاتين الصورتين تكون الضيافة مشروعة على أهل الحضر، دون أهل البادية. فإطلاق الخلاف في المواضع الثلاثة لا يستقيم، وللشرع أهدافه وللتشريع حكمته، والمراد تحقيق حكمة التشريع من التواد والألفة والمواساة. ولا يفوتنا - وقد بسطنا حق الضيف والواجب له- أن نبين الواجب عليه، فعلى الضيف أن يكون خفيف الظل، خفيف السؤال، لطيف الطلب، محافظا على آداب الضيافة مراعيا حرمة المنزل الذي يضيفه. فلا يحل له أن يطيل الإقامة حتى يحرج صاحب البيت ويوقعه في الضيق والإثم، فقد جعل ﷺ ما يقدم للضيف بعد الثلاث في حكم الصدقة، وأطلق عليه لفظ الصدقة تنفيرا، لأن كثيرا من الناس خصوصا الأغنياء يتأففون غالبا من أكل الصدقة. ولا يتأفف مما يقدم له مهما قل، فالله يقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة: ٩١] وروى أحمد والحاكم عن سلمان قوله: نهانا رسول الله ﷺ أن نكلف للضيف وساق قصته مع ضيفه، وفيها أن ضيفه طمع في الإتحاف والزيادة، فرهن سلمان مطهرته واشترى له ما يتحفه به، فلما أكل الضيف، قال: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال له سلمان: لو قنعت ما كانت مطهرتي مرهونة. وحكى ذلك للنبي ﷺ ، فقال: صدق سلمان.

стр. 177

٣ - وأما النطق بخير أو الصمت فيمكن تقسيم الكلام والصمت من حيث الأحكام الشرعية إلى ستة أنواع: أ - كلام واجب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان حيث أمكن، وكشهادة الحق، وكالعبادات القولية الواجبة، فهذا لا شك في خيريته، والنطق به واجب، يثاب عليه. ب - كلام مندوب كالوعظ ونشر العلم والأذكار المستحبة، والكلام الذي يؤدي إلى خير دنيوي مشروع، وهو كذلك خير محقق، والنطق به مستحب يثاب عليه. جـ - كلام محرم تحريما ظاهرا، كالكذب والغيبة والنميمة والسخرية والاستهزاء والسب والفحش، والخوض في الباطل (كالغزل وذكر محاسن النساء والخمور والمحرمات). فهذا لا خير فيه، والإمساك عنه واجب. د - كلام غير محرم في حد ذاته، لكنه يجر إلى محرم تحقيقا أو غالبا كالتقعر في الكلام، فإنه يجر إلى المقت والبغض، وكالوعد مع نية الخلف، وكمجادلة من يغضب، وكممازحة من لا يحب المزاح، وهذا أيضا لا خير فيه، والإمساك عنه واجب. هـ - كلام لا خير فيه: مشكوك في أنه يجر إلى ضرر أو مكروه، كالكلام فيما لا يعنيك، والزيادة عن قدر الحاجة فيما يعنيك، وهذا هو المعروف بفضول الكلام، فالإمساك عنه مندوب والصمت عنه مستحب. و- كلام مباح يستوي طرفاه. فالنوعان الأولان داخلان في الأمر الأول "فليقل خيرا". والثالث والرابع والخامس داخلة في الأمر الثاني "ليصمت". والأمر على هذا لمطلق الطلب واجبا كان المطلوب أو مستحبا. وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في النوع السادس ككلام الناس ومسامرتهم فيما لا يضر، هل يدخل في الأمر الثاني؟ أو لا يدخل في الأمرين؟ . جمهور العلماء على أنه يدخل في الأمر الثاني، لأن الأمر الأول موجه للقول الذي تحقق أو ترجح خيره "فليقل خيرا" وهذه المسامرة مفروض أنه لا خير فيها ولا شر، والأمر بالصمت توجه لما لا خير فيه. قال النووي في شرحه للحديث: معناه أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا يثاب عليه واجبا أو مندوبا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين، فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه، مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه وهذا يقع في العادة كثيرا أو غالبا، وقد قال الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] واختلف السلف

стр. 178

والعلماء في أنه: هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد، وإن كان مباحا لا ثواب فيه ولا عقاب لعموم الآية؟ أم لا يثبت إلا ما فيه جزاء من ثواب أو عقاب؟ . إلى الثاني ذهب ابن عباس ﵁ وغيره من العلماء، وعلى هذا تكون الآية مخصوصة، أي ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء اهـ. والذي أميل إليه أن الكلام المباح غير مأمور بتركه، وغير مندوب الإمساك عنه، بشرط أن يكون بمقدار لا يصل إلى النوع الخامس، لأن تسميته مباحا يتنافى مع الأمر بتركه والندب للإمساك عنه، وكلام الإمام النووي يشبه قولنا: مباح مأمور بتركه، أو مباح مندوب تركه، وهو كلام ظاهره الخلط بين الأحكام الشرعية التي تفرق بين المندوب والمباح. كما أن احتمال جر المباح إلى المحرم أو المكروه كاحتمال جره إلى الواجب أو المندوب، فلا يمنع المباح لهذا الاحتمال. يؤيدني في هذا الميل ما نقله النووي عن الإمام الشافعي، إذ قال: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه تكلم، وإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه أمسك. اهـ. وهنا ينبغي أن نلاحظ أننا لسنا في مقام التفضيل بين الصمت وبين الكلام المباح، حتى نقول: إذا كان الكلام من فضة كان السكوت من ذهب. وإنما الذي حرصت على بيانه هو أن الكلام المباح غير مأمور بتركه، أما أن السكوت خير منه، أو هو خير من السكوت فليست الخيرية بينهما مطلقة، فإن أدى السكوت إلى التفكر في آلاء الله والعظة والتدبر كان خيرا منه، وحينئذ تكون المقارنة بين مندوب إليه وبين مباح. وإن أدى السكوت إلى حديث النفس الأمارة بالسوء، وإلى التخطيط في الشر كان الكلام المباح خيرا منه، وتكون المقارنة بين مكروه وبين مباح. وإن لم يؤد السكوت إلى خير ولا إلى شر، ولم يؤد الكلام المباح إلى خير ولا إلى شر. كانا مباحين غير مأمور بترك أحدهما، وإن كانت السلامة في السكوت أكثر. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - تعظيم حق الجار. ٢ - الحث على إكرام الضيف. ٣ - الأمر بقول الخير. ٤ - إمساك اللسان عن الشر. ٥ - أن إكرام الضيف والجار وحفظ اللسان من صفات المؤمن، وليس معنى ذلك انتفاء الإيمان عمن فقد هذه الصفات، فإن عبارة "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" أريد بها المبالغة والحث على

стр. 179

الالتزام، كما نقول: من كان ابني فليطعني، إذ المقصود منه التهييج على الطاعة بذكر الباعث عليها وهو البنوة. والباعث هنا على الانصياع للأوامر الثلاثة هو الإيمان بالله وبجزائه، وهو لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجرا عظيما. والله أعلم

стр. 180

(٢٩) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإيمان ٨١ - عن طارق بن شهاب. وهذا حديث أبي بكر. قال: أول من بدأ بالخطبة، يوم العيد قبل الصلاة، مروان. فقام إليه رجل. فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك، فقال: أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان. ٨٢ - وبمثله. -[المعنى العام]- كان النبي ﷺ يخرج يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به صلاة العيد، ثم يقوم فيتوجه إلى الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيخطبهم ويعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يخرج طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات أخرج، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف. واستمر العمل على هذه السنة في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلما كان معاوية، وكان مروان أمير المدينة من جهته، بدأ بالخطبة قبل صلاة العيد، ورأى الغيورون على الإسلام أن عليهم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن فعل النبي ﷺ واجب الاتباع، وأن عليهم أن ينبهوا الأمير ليعود إلى السنة. من هؤلاء الغيورين أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، قام إلى مروان وهو يتهيأ للصعود على المنبر، فقال له: عليك بالصلاة قبل الخطبة. سنة رسول الله ﷺ ، فلم يعبأ به مروان، وقال له: قد ترك هذا الوضع، فجذب أبو سعيد الخدري مروان من ثوبه ليمنعه من ارتقاء المنبر، فجذبه مروان، فارتقى، فقال أبو سعيد: غيرتم والله سنة رسول الله ﷺ ، فقال له مروان: قد ذهب ما تعلم، قال أبو سعيد: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، وخطب مروان، ثم صلى، ثم قال لأبي سعيد: إن الناس لم يعودوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلت الخطبة قبل الصلاة للحفاظ على سماعها. قال أبو سعيد: أما أبو مسعود فقد أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أديت ما علي، وقد
следующие страницы →