← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

(فإنه من وافق قوله قول الملائكة) قيل: معناه الموافقة في الوقت بداية ونهاية، وقيل: معناه الموافقة في الصفة والخشوع والإخلاص، والأول هو الصحيح والصواب، واختلف في هؤلاء الملائكة، فقيل: هم الحفظة، ورد بالرواية الثالثة والرابعة والخامسة، وهي تصرح بأنهم أهل السماء، وأجيب بأنه إذا قالها الحاضرون من الحفظة قالها من فوقهم، وحتى ينتهي إلى أهل السماء قاله النووي: وهذا الجواب في الحقيقة رجوع عن أن المراد بهم الحفظة إلى أن المراد ما يعم الحفظة وغيرهم، وهذا هو الأولى، ومثل ذلك يقال في التأمين. (إذا أمن الإمام فأمنوا) يقال: أمن يؤمن إذا قال: آمين والمراد إذا قال الإمام: آمين. بعد قراءة الفاتحة فقولوا: آمين. ولما كان ظاهر العبارة يؤدي إلى كون تأمين المأموم يكون عقب تأمين الإمام مع أن الجمهور يقول بموافقتهما قالوا: إن المراد إذا أراد أن يؤمن الإمام فأمنوا ليكون تأمينكم وتأمينه في وقت واحد، ولما كان بعضهم يرى أن الإمام لا يؤمن قال معنى "أمن الإمام" بلغ موضع التأمين، أي وصل في قراءته الفاتحة إلى ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ كما يقال: أحرم وأنجد إذا دخل في الحرم أو بلغ نجدا، أو أن معنى "أمن الإمام" دعا بقوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ والداعي يسمى مؤمنا، كما أن المؤمن يسمى داعيا. وسيأتي البحث مبسوطا في فقه الحديث. (إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين) وزن آمين ليس من أوزان كلام العرب، وهو مثل هابيل وقابيل، وهو اسم فعل، ويوقف عليه بالسكون فإن وصل بغيره حرك لالتقاء الساكنين، ويفتح طلبا للخفة لأجل البناء كأين وكيف، إذ الكسرة بعد الياء ثقيلة، وأما معناه فقيل: ليكن كذلك، وقيل: اقبل. وقيل: لا تخيب رجاء. وقيل: لا يقدر على هذا غيرك. وقيل: هو اسم من أسماء الله، حذف منه حرف النداء. والأصل: يا آمين استجب دعاءنا، وهو أبعد الأقوال عن القبول. (فوافقت إحداهما الأخرى) أي فوافقت إحدى المقالتين المقالة الأخرى والمراد مقالة المؤمنين ومقالة الملائكة: آمين. -[فقه الحديث]- يتعرض الحديث لمسألتين منفصلتين: التسميع والتحميد، ثم التأمين، وقد قدم الإمام مسلم وكثير من المحدثين أحاديث التسميع والتحميد، على أحاديث التأمين، مع أن التأمين مقدم في الصلاة على التسميع والتحميد، ولعلهم لم يلتزموا ترتيب أفعال الصلاة، فقد قدموا التشهد والصلاة على النبي ﷺ فيه على التسميع والتحميد والتأمين. وموافقة لترتيبهم نقول: إن ظاهر الرواية الأولى -ولفظها "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد"-

стр. 1157

أن الإمام لا يقول: ربنا لك الحمد، وإن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ومن تبعهما، ووجه هذا الدليل بأنه قسم التسميع والتحميد، فجعل التسميع للإمام والتحميد للمأموم، والقسمة تنافي الشركة، واحتجوا كذلك بأن معنى "سمع الله لمن حمده" طلب التحميد، فيناسب حال الإمام، وأما المأموم فتناسبه حال الإجابة بقوله "ربنا لك الحمد" ويقويه حديث أبي موسى الأشعري المذكور قبل قليل في باب التشهد، ولفظه "وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقالوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم". وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد: يجمع الإمام الذكرين ويقتصر المأموم على "ربنا لك الحمد". ومذهب الشافعية أنه يستحب لكل من الإمام والمأموم أن يقول في حال ارتفاعه: سمع الله لمن حمده، فإذا استوى قائما قال: ربنا لك الحمد فيستحب للإمام والمأموم الجمع بين هذين الذكرين، وبهذا قال عطاء وإسحق وداود واستدلوا بأنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد، ففي البخاري ومسلم في باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع -وسيأتي بعد أبواب- عن ابن أبي أوفى قال "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد" وقال "صلوا كما رأيتموني أصلي" فيقتضي هذا مع ما قبله أن كل مصل يجمع بينهما، قالوا: ولأنهما ذكر كالتسبيح، فيستحب للإمام وغيره، لأن الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها، فإن لم يقل بالذكرين في الرفع والاعتدال بقي أحد الحالين خاليا عن الذكر. وأجابوا عن الرواية الأولى في بابنا بأنها ليس فيها ما يدل على النفي، بل فيها أن قول المأموم "ربنا ولك الحمد" يقول عقب قول الإمام "سمع الله لمن حمده" والواقع في التصوير ذلك، لأن الإمام يقول التسميع في حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام. وكأن المعنى: قولوا "ربنا ولك الحمد" مع ما قد علمتموه من قول "سمع الله لمن حمده" وإنما خص هذا بالذكر لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي ﷺ بـ"سمع الله لمن حمده" فإن السنة فيه الجهر، ولا يسمعون قوله "ربنا لك الحمد" لأنه يأتي به سرا، وكانوا يعلمون قوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" مع قاعدة التأسي به ﷺ مطلقا، وكانوا يوافقون في "سمع الله لمن حمده" فلم يحتج إلى الأمر به، ولا يعرفون "ربنا لك الحمد" فأمروا به. قاله النووي في شرح المذهب. اهـ. وأجابوا عما احتج به المالكية والحنفية من حيث المعنى بأنه لا يدل على أن الإمام لا يقول "ربنا لك الحمد" إذ لا يمتنع أن يكون طالبا ومجيبا. هذا حكم الإمام والمأموم، أما المنفرد فهو عند الشافعية كالإمام والمأموم يجمع بين الذكرين، وعند مالك وأبي حنيفة: يقول كما يقول الإمام "سمع الله لمن حمده" فقط، وفي قول للحنيفة: يجمع المنفرد بين الذكرين، وحملوا عليه الحديث الذي استدل به الشافعية

стр. 1158

من أن النبي ﷺ كان يجمع بين الذكرين فقال العيني: يمكن أن يكون هذا من النبي ﷺ وهو منفرد: وأبو حنيفة أيضا حمله على حالة الانفراد. اهـ. أما التأمين فمذهب الشافعية أنه سنة لكل مصل فرغ من قرأة الفاتحة سواء الإمام والمأموم والمنفرد، والرجل والمرأة والصبي، والقائم والقاعد والمضطجع والمفترض والمتنقل، في الصلاة السرية والجهرية، فإن كانت الصلاة سرية أسر الإمام وغيره بالتأمين تبعا للقراءة وإن كان جهرية، وجهر الإمام أو المنفرد بالقراءة استحب لهما الجهر بالتأمين بلا خلاف بين الشافعية، وخلافهم في المأموم حيث يجهر إمامه بالتأمين، وجمهورهم على أنه يجهر، وذهب جماعة منهم إلى أنه لا يجهر، ولعل منشأ الخلاف بينهم ما نقل عن الشافعي، ففي المذهب القديم يجهر وعبارته في المذهب الجديد تفيد عدم استحباب الجهر، ولفظها في المختصر وهو من الجديد "يرفع الإمام صوته بالتأمين، ويسمع من خلفه أنفسهم، ولفظهما في الأم يرفع الإمام بها صوته فإذا قالوها أسمعوا أنفسهم ولا أحب أن يجهروا، فإن فعلوا فلا شيء عليهم". ووجهة نظر القائلين بجهر الإمام أن القول إذا وقع به الخطاب مطلقا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار أو حديث النفس قيد بذلك في الحديث الآمر بقول المأمومين: آمين. ثم إن الحديث قابل تأمين المأمومين بتأمين الإمام، ومقابلة القول بالقول ظاهرها الاتفاق في الصفة، والإمام قد استحب له الجهر، فالمأموم كذلك: وفي البخاري "أمن ابن الزبير ومن وراءه، حتى إن للمسجد للجة" ويروى "لجلبة" أي لصوت مرتفع. وحكى القاضي أبو الطيب والعبدري الجهر بالتأمين للإمام والمأموم والمنفرد في الجهرية عن طاوس وأحمد وإسحق وابن خزيمة وابن المنذر وداود. وعن مالك في التأمين ثلاث روايات: الأولى: لا يؤمن الإمام مطلقا في سرية ولا في جهرية، وكذا المنفرد، ويؤمن المأموم سرا في الجهرية. الثانية: لا يؤمن الإمام في الجهرية. ويؤمن سرا في السرية ويؤمن المنفرد سرا فيهما، الثالثة: يؤمن الإمام سرا في الجهرية والسرية ويؤمن المأموم والمنفرد سرا. واحتج بعض المالكية للرواية الأولى -رواية عدم تأمين الإمام مطلقا بأن الإمام داع، بقوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم ... ﴾ إلخ فناسب أن يختص المأموم بالتأمين، واستدلوا بما رواه مسلم في باب التشهد (إذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين) فإنه ﷺ قسم ذلك بين الإمام والمأموم، والقسمة تنافي الشركة، وأجابوا عن حديث (إذا أمن الإمام فأمنوا) وظاهره أن الإمام يؤمن أجابوا بأنها قضية شرطية لا تثبت وقوع فعل الشرط، وعلى التسليم بأن (إذا) تشعر بتحقيق وقوع فعل الشرط فإن المراد من (أمن) موضع التأمين، بقوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ كما يقال: أنجد إذا بلغ نجدا، وإن لم يدخلها، وقال بعضهم. معنى إذا أمن الإمام، إذا دعا بقوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وتسمية الداعي مؤمنا سائغة، لأن المؤمن يسمى داعيا، كما جاء في قوله تعالى ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] وكان موسى داعيا، وهارون مؤمنا.

стр. 1159

ورد هذا الاحتجاج بجميع وجوهه، فإن قولهم: إن الإمام داع فناسب أن يختص التأمين بالمأموم، لأنه جواب للدعاء، مردود بأن التأمين دعاء قائم مقام التخليص بعد البسط، فالمناسب للإمام أن يقوله، لأنه في مقام الداعي، ثم إنه إذا استحب التأمين للسامع، فالداعي أولى بالاستحباب. ثم إن استدلالهم برواية مسلم "إذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين "غير مسلم، لأنه قصد منه موافقة تأمين المأموم لتأمين الإمام، أي إذا بلغ "ولا الضالين" فقولوا: آمين ليوافق تأمينكم تأمينه، فقد روى أبو داود وابن ماجه "كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال آمين حتى يسمع من الصف الأول "زاد ابن ماجه "فيرتج بها المسجد". وإجابتهم عن حديث "إذا أمن الإمام" بأن معنى "أمن" بلغ موضع التأمين قال عنها ابن العربي: هذا بعيد لغة وشرعا، وقال عنها ابن دقيق العيد: هذا مجاز، فإن وجد دليل يرجحه عمل به، وإلا فالأفضل عدمه اهـ والواقع أنه لا دليل يرجحه، بل الدليل على خلاف هذا التأويل، وقول بعضهم: "إذا أمن" معناه إذا دعا إلخ مردود بأنه لا يلزم من تسمية المؤمن داعيا تسمية الداعي مؤمنا، ثم إنه لم يصح أن هارون كان مؤمنا ولم يكن داعيا، ولو صح كان إطلاق دعوتكما من قبيل التغليب. وأما الرواية الثانية عن مالك، وهي أن الإمام لا يؤمن في الجهرية ويؤمن سرا في السرية فيمكن الاستدلال لها والرد عليها بالاستدلال السابق والرد عليه. بقيت الرواية الثالثة عن مالك، وهي استحباب التأمين سرا للإمام والمأموم والمنفرد وهو مذهب الحنفية، وقد استدل له برواية شعبة عن علقمة بن وائل عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ فلما بلغ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين، وأخفى بها صوته) ولفظ الحاكم (وخفض بها صوته) كما استدل له بما رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار: حدثنا أبو حنيفة حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: (أربع يخفيهن الإمام. التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم، وآمين). وقد ورد هذا الاستدلال بأن رواية شعبة عند أبي داود بلفظ "قال: آمين ورفع بها صوته" ولفظ الترمذي "ومد بها صوته" وحيث تعارضت لا تصلح دليلا بل روايات الرفع أقوى، أما أثر إبراهيم النخعي فهو ضعيف لا يحتج به. ثم إنه لو لم يكن التأمين مسموعا للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه فترجح أن الإمام يؤمن فيجهر به في الجهرية، كما هو مذهب الشافعية. وهناك في التأمين مذهبان شاذان على طرفي نقيض، أحدهما للإمامية إذ قالوا: إن التأمين يبطل الصلاة، لأنه لفظ ليس بقرآن ولا ذكر. وثانيهما للظاهرية، إذ أوجبوه على كل مصل، وحكي عن ابن حزم أنه سنة للإمام واجب على المأموم، عملا بظاهر الأمر والله أعلم. والمراد بموافقة الملائكة في التسميع والتحميد والتأمين الموافقة في القول والزمان خلافا لمن

стр. 1160

قال: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع كابن حبان، قال ابن المنير: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها، لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظا. اهـ. قال النووي في شرح المهذب: يستحب أن يقع تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله ولا بعده، لقوله ﷺ "فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" فينبغي أن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دفعة واحدة: وقال إمام الحرمين: كان شيخي يقول: لا يستحب مقارنة الإمام في شيء إلا في هذا، قال الإمام: يمكن تعليل استحباب المقارنة بأن القوم لا يؤمنون لتأمينه، وإنما يؤمنون لقراءته، وقد فرغت قراءته. فإن قيل: هذا مخالف لقوله ﷺ (إذا أمن الإمام فأمنوا) فجوابه أن الحديث الآخر "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين" وكلاهما في الصحيح يقتضي الجمع بينهما، وهذا كقولهم: إذا رحل الأمير فارحلوا، أي إذا تهيأ للرحيل فتهيئوا ليكون رحيلكم معه، وبيانه في الحديث الآخر "إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة: آمين، فوافق أحدهما الآخر، فظاهره الأمر بوقوع تأمين الجميع في حالة واحدة اهـ واختار ابن بزيزة أن المراد من الملائكة جميعهم، وهو بعيد إذ لا يتصور أن يؤمن جميع الملائكة كلما أمن إمام في الأرض، وإلا لم يكن لهم عمل غير التأمين الذي لا تكاد لحظة تخلو منه على وجه الأرض، وقيل الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا: إنهم غير الحفظة، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة، ممن في الأرض، أو في السماء، وهو قول وجيه ويؤيده رواياتنا الثالثة والرابعة والخامسة إذ فيها "والملائكة في السماء" وفيها "فوافق قوله قول أهل السماء" وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال: "صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد" قال الحافظ ابن حجر. ومثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى. اهـ. هذا والموافقة في الجهرية معقولة ويسيرة لمن سمع الإمام حتى قرأ المأموم خلف الإمام فبلغ الإمام التأمين قبل المأموم استحب له أن يقطع قراءته ويوافق الإمام في التأمين، بهذا القول قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة؟ قولان، أصحهما أنها تنقطع. لكن الموافقة في السرية، أو في الجهرة لمن لا يسمع الإمام عسيرة، فهل يستحب له أن يتحرى؟ أو غير مطالب بالموافقة؟ الظاهر الثاني. ثم ظاهر الحديث أن هذا الوعد، وهو غفران ما تقدم من الذنب إنما هو للمأموم الذي وافق تأمينه تأمين الملائكة، أما الإمام الذي أمن فوافقه المأموم والملائكة، فلا يدخل في هذا الوعد وكذا المنفرد الذي أمن، لكن لا يمنع من أن لكل منهما ثواب آخر غير هذا الوعد، إذ ربط هذا الوعد بيقظة المأموم، وإيقاعه التأمين موافقا للملائكة، لكن الحافظ ابن حجر يرى دخول الإمام في الوعد من باب أولى، كما سيأتي فيما يؤخذ من الحديث، والمراد من الذنب الذي وعد بغفرانه الصغائر من الذنوب وإن كان ظاهر الحديث جميعها، ولكن العلماء حملوه على الصغائر، كما مضى أمثاله فيمن توضأ كوضوئه

стр. 1161

صلى الله عليه وسلم، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا، ومن انتظر الصلاة، إلى غير ذلك من الطاعات، فإن لم توجد صغائر تغفر أثيب بحسنات تقابل ذلك. والله أعلم. وظاهر الأحاديث الحث على التأمين في الصلاة خاصة، ولكن يمكن أن يقال: إن طلبه في الصلاة وهي محدودة الألفاظ والدعاء يجعل طلبه في غيرها من باب أولى، بل في بعض الروايات عند أحمد ما يفيد العموم، إذ جاء "إذا أمن القارئ فأمنوا" واستحب ابن العربي وغيره التأمين في كل دعاء لما في أبي داود عن أبي زهر النميري، وكان من الصحابة ﵃، قال: فإذا دعا أحدنا قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة، قال أبو زهر: ألا أخبركم بذلك؟ "خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات مرة، فإذا رجل قد ألح في المسألة. فقال النبي ﷺ : قد أوجب إن ختمه فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب". -[ويؤخذ من الأحاديث]- ١ - أن الإمام يؤمن، وقد سبق بيان الخلاف فيه. ٢ - وأنه يجهر بالتأمين، وقد سبق كذلك بيان الخلاف فيه. ٣ - واستدل بعضهم بقوله "إذا أمن الإمام فأمنوا" على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام لأنه رتب بالفاء وقد سبق توجيهه. ٤ - وفيه حجة على الإمامية في قولهم: إن التأمين يبطل الصلاة. ٥ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه فضيلة الإمام، لأن تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة، ولهذا شرعت للمأموم موافقته. اهـ. ٦ - استدل به القرطبي على تعيين قراءة الفاتحة للإمام، لأن التأمين لا يكون إلا عقبها، وظاهر السياق يقتضي أن قراءة الفاتحة كانت أمرا معلوما عندهم. ٧ - قال القاضي عياض: فيه حجة على أنه لا يقرأ مع الإمام في الجهر لأنه ذكر قراءة الإمام، ولم يذكر قراءة المأموم. اهـ وهو مردود لأن عدم الذكر لا يدل على عدم المشروعية. ٨ - وقال القاضي عياض أيضا: وفيها حجة لمن لا يرى السكتة [وهم المالكية والحنفية] إذ لو كانت من حكم الصلاة لقال: فإذا سكت فاقرءوا كما قال "وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين". وهو مردود بأن عدم القول لا يدل على المشروعية، وقد سبق حكم السكتة قبل أبواب. ٩ - وفيه أن الملائكة تتابع عبادات المؤمنين، وتدعو لهم. ١٠ - واستدل به بعض المعتزلة على أن الملائكة أفضل من الآدميين لأن مجرد موافقتهم في جزئية كانت سببا في غفران الذنوب، وسيأتي البحث في ذلك في باب الملائكة عند الكلام عن بدء الخلق إن شاء الله تعالى.

стр. 1162

(فائدة) قال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: إذا ترك التأمين حتى اشتغل بغيره فات ولم يعد إليه، ولو قرأ المأموم الفاتحة مع الإمام وفرغ منها قبل فراغه، فالأولى بل الصواب أن يؤمن لقراءة نفسه، ثم يؤمن مرة أخرى بتأمين الإمام، وإذا أمن المأموم بتأمين الإمام، ثم قرأ المأموم الفاتحة أمن ثانيا لقراءة نفسه، فلو فرغا من الفاتحة معا كفاه أن يؤمن مرة واحدة. ويستحب أن لا يصل لفظة "آمين" بقوله "ولا الضالين" بل يسكت سكتة لطيفة جدا ليعلم أن "آمين" ليست من الفاتحة. والله أعلم

стр. 1163

(١٦٦) باب ائتمام المأموم بالإمام ٧٤٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا فصلينا وراءه قعودا فلما قضى الصلاة قال "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا سجد فاسجدوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون". ٧٤٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال خر رسول الله ﷺ عن فرس فجحش فصلى لنا قاعدا ثم ذكر نحوه. ٧٤٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صرع عن فرس فجحش شقه الأيمن بنحو حديثهما وزاد "فإذا صلى قائما فصلوا قياما". ٧٤٨ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن بنحو حديثهم وفيه "إذا صلى قائما فصلوا قياما". ٧٤٩ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ سقط من فرسه فجحش شقه الأيمن وساق الحديث وليس فيه زيادة يونس ومالك. ٧٥٠ - عن عائشة ﵂ قالت اشتكى رسول الله ﷺ فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه فصلى رسول الله ﷺ جالسا فصلوا بصلاته قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا فلما انصرف قال "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا". بهذا الإسناد نحوه.

стр. 1164

٧٥١ - عن جابر ﵁ قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال "إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا". ٧٥٢ - عن جابر ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول الله ﷺ كبر أبو بكر ليسمعنا ثم ذكر نحو حديث الليث. ٧٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إنما الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون". ٧٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول "لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد". ٧٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه إلا قوله "ولا الضالين فقولوا آمين" وزاد "ولا ترفعوا قبله". ٧٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنما الإمام جنة فإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه". ٧٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "إنما جعل الإمام ليؤتم به

стр. 1165

فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد وإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون". -[المعنى العام]- في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة ركب رسول الله ﷺ فرسا سار به في بعض شوارع المدينة المنورة، ولعل الفرس رأى في جوانب الطريق ما يزعجه فنفر فسقط رسول الله ﷺ على جذع نخلة فانفكت قدمه، وخدشت ساقه، وقشر بعض الجلد في كتفه ودخل ﷺ بيت عائشة وصعد المشربة وهي مرتفع يصعد إليه بدرجات خشبية، شبيهة بما يسمى اليوم "بالفرندة أو البلكون الدخلي" وعلم الصحابة بالحادث، فذهب إليه أبو بكر وأنس وعمر وجابر يعودونه وحضرت صلاة الظهر أو العصر فأقيمت الصلاة، ولم يستطع ﷺ الوقوف مما أصابه، فصلى من قعود، وأحس من تحركات من خلفه أن من وراءه وقوف، فالتفت التفافة خفيفة، ونظر إليهم نظرة خاطفة فوجدهم قياما، فأشار إليهم بيده وأومأ إليهم برأسه: أن اجلسوا، فجلسوا وأتموا الصلاة خلفه جلوسا، يكبر بصوت خافت لحالته الصحية، وأبو بكر خلفه يصلي بعده مباشرة، ليسمع القوم تكبيره، وليؤدي مشروعية الجهر بالتكبير، فلما سلم التفت إليهم فقال: لقد كدتم [في صلاتكم وقوفا خلفي قاعدا] أن تشبهوا فارس والروم في فعلهم القبيح، يقفون على رءوس ملوكهم تعظيما لهم، لا تفعلوا ذلك ثانية وائتموا بأئمتكم، فإن صلوا قياما فصلوا قياما. وإن صلوا قعودا فصلوا قعودا وإذا كبر الإمام فكبروا، ولا تبادروه، ولا تسبقوه في فعل من أفعال الصلاة، بل إذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: "سمع الله لمن حمده" فقولوا: "ربنا لك الحمد" فإن الملائكة في السماء. تقول ذلك، فمن وافق قوله من أهل الأرض قول الملائكة أهل السماء ونطق بذلك وقت ما ينطقون غفر له ما تقدم من ذنبه. -[المباحث العربية]- (سقط النبي ﷺ عن فرس) في الرواية الثانية "خر رسول الله ﷺ عن فرس" وفي الرواية الثالثة "صرع عن فرس" وفي الرواية الخامسة "سقط من فرسه" والسقوط: الوقوع. فإن لوحظ الانفصال قيل: سقط عن الفرس، وإن لوحظ البداية قيل: سقط من الفرس. ويقال: خر بفتح الخاء وتشديد الراء، يخر بكسرها، خرا بفتحها، ويخر ضم الخاء خرورا. إذا سقط، أو إذا سقط من علو إلى أسفل، والصرع الطرح على الأرض، وواقع الحادثة أن الرسول ﷺ ركب فرسا بالمدينة فسقط عنه على جذع نخلة. (فجحش شقه الأيمن) بضم الجيم وكسر الحاء، والجحش الخدش أو أشد منه قليلا،

стр. 1166

والخدش قشر الجلد، ورواياتنا "جحش شقه الأيمن" وفي رواية للبخاري "فجحشت ساقه أو كتفه" بالشك من الراوي، وعند الإسماعيلي "انفكت قدمه" ولا تنافي فقد انفكت قدمه، وخدش في ساقه الأيمن، أو كتفه الأيمن أو فيهما، وعبارة "شقه الأيمن" أشمل من ذكر الساق أو الكتف. فكل رواية ذكرت وضعا لا ينافي ما ذكرته الأخرى. (فدخلنا عليه نعوده) معطوف على محذوف، أي فدخل بيته واحتجب عن الخروج، فدخلنا عليه، وجملة "نعوده" في محل النصب على الحال، وسميت زيارة المريض عيادة لما أن الغالب فيها التكرار. والداخلون -كما يؤخذ من الروايات- كانوا أنسا الراوي وأبا بكر وجابرا وعمر ﵁ عنهم، وهم المقصودون من قول عائشة في الرواية السادسة: "فدخل عليه ناس يعودونه". (فحضر الصلاة) قال القرطبي: اللام للعهد ظاهرا، والمراد الفرض لأن المعهود من عاداتهم اجتماعهم للفرض بخلاف النافلة، وقال عياض عن ابن القاسم: إن هذه الصلاة كانت نفلا. والتحقيق ما قاله القرطبي. (فصلينا وراءه قعودا) هذا بيان لما آل إليه الحال، بعد أمره لهم بالجلوس وبذلك تصرح الرواية السادسة، ولفظها "فصلوا بصلاته قياما" فأشار إليهم أن اجلسوا، فجلسوا، وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس في الرواية الأولى، وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة في الرواية السادسة، وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه ﷺ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد، لأن فرض القادر في الأصل القيام. (إنما جعل الإمام ليؤتم به) الائتمام الاقتداء والاتباع، أي جعل الإمام إماما ليقتدي به، ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه. ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، وسيأتي مزيد إيضاح لهذا في فقه الحديث. (فإذا كبر فكبروا) قال بعضهم: الفاء في "فكبروا" وفي "فاسجدوا" وفي "فارفعوا" للتعقيب، واستدل بها على أن المقتدي لا يسبق الإمام بالركوع ولا بالسجود، ولا بالرفع، والتحقيق أن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط، لأنها وقعت جوابا للشرط. نعم يمكن الاستدلال بتقدم الشرط على الجواب، وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفى المقارنة إلا بدليل آخر، كرواية أبي داود، ولفظها "ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد". (وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون) كذا في جميع الطرق في الصحيحين "أجمعون" بالرفع، فهو تأكيد لضمير الفاعل في "صلوا" لكن خلاف المحدثين في رواية أبي هريرة، الرواية الثامنة فقد رواها بعضهم "أجمعين" بالنصب على الحال، أي فصلوا جلوسا مجتمعين.

стр. 1167

(إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم) "إن" مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها، و"فعل فارس" مفعول مطلق مبين لنوعه و"تفعلون" منزل منزلة اللازم، وفي الكلام تشبيه، والتقدير: تفعلون مثل فعل فارس، و"آنفا" نصب على الظرفية، وهو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته، والمعنى: كدتم في أول الوقت الذي يقرب منا أن تفعلوا فعل فارس، وفي بعض النسخ "إن كدتم آنفا تفعلون" بدون اللام. (يقومون على ملوكهم وهم قعود) جملة "وهم قعود" حال من "ملوكهم" وجملة "يقومون على ملوكهم" لا محل لها من الإعراب مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنها في جواب سؤال، تقديره: وما فعل فارس؟ ويجوز أن تكون في موضع النصب على الحال من (فارس والروم). (فلا تفعلوا) الفاء فصيحة، في جواب شرط مقدر، أي إذا كان هذا فعل فارس والروم فلا تفعلوه، لئلا تتشبهوا بهم في فعل لا يرضاه الشرع، ومفعول "تفعلوا" محذوف. (ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما) كان الظاهر أن يقول: إن صلوا قياما فصلوا قياما، لأن الضمير عائد على "أئمتكم" لكن التقدير إن صلى أحدهم قائما. (إنما الإمام ليؤتم به) "يؤتم" مؤول بمصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بكون خاص، والتقدير: إنما الإمام جعل للائتمام به. (سمع الله لمن حمده ... اللهم ربنا لك الحمد) سبق شرحه في الباب السابق. (لا تبادروا الإمام) أي لا تسبقوه، ففي القاموس: بادره مبادرة وبدارا، وابتدره عاجله. (إنما الإمام جنة) بضم الجيم وتشديد النون المفتوحة، أي وقاية وساتر لمن خلفه، ومانع من خلل يعرض لصلاتهم بسهو أو مرور، أي كالجنة، وهي الترس الذي يستر من وراءه، ويمنع وصول مكروه إليه. (فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه)، "قول أهل الأرض" فاعل "وافق" و"قول أهل السماء" مفعوله، و"غفر" مبني للمجهول، و"ما تقدم" نائب فاعل، وضمير "له" يعود على الإمام أو على الموافق من أهل الأرض، وهو أولى ليوافق الرواية الأولى من الباب السابق ولفظها "فإنه من وافق قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". -[فقه الحديث]- النقطة الأساسية في هذا الحديث، برواياته الإحدى عشرة، هي: إذا صلى الإمام جالسا، فهل يجلس المأموم أو يقف؟

стр. 1168

وصريح الروايات الأمر بمتابعة الإمام في جلوسه ووقوفه، فإن صلى جالسا جلس المأموم، وإن صلى واقفا وقف المأموم، وبهذا الظاهر قال أحمد بن حنبل والأوزاعي وطائفة. وقال مالك في المشهور عنه: لا يجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد مطلقا، لا قائما، ولا قاعدا وسنعرض قريبا لدليله ومناقشته. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي ومالك في رواية عنه وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائما، واحتجوا بأن النبي ﷺ صلى في مرض وفاته بعد هذا قاعدا وأبو بكر والناس خلفه قياما، كما ذكره مسلم في الباب التالي ولم يأمرهم بالجلوس، فصلاة الإمام قاعدا بالناس قعودا نسخت بصلاته ﷺ قاعدا وهم قيام، وهو الأحدث من فعله ﷺ . وقوله ﷺ "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ليس على عمومه، بل دخله التخصيص. ويزيد مالك في المشهور عنه على ما ذهب إليه الجمهور أن صلاة القائم خلف القاعد نسخت كذلك بقوله ﷺ "لا يؤمن أحد بعدي جالسا" فهذا الحديث ينسخ أمره في روايات الباب بالجلوس لما صلوا خلفه قياما، وينسخ صلاتهم خلفه قياما في مرض موته، فيثبت عدم جواز صلاة القادر خلف القاعد. ويحتج بعض المالكية لهذا المذهب بأنه ﷺ إنما صلى بهم قاعدا لأنه لا يصح التقدم بين يديه، لنهي الله عن ذلك، فلا يصح أن يكون إماما له، مهما قعد ﷺ . قال بعض أشياخهم: إن حال النبي ﷺ والتبرك به، وعدم العوض عنه يقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها، وليس ذلك لغيره، وأيضا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصور في حقه، ويتصور في حق غيره، فالصلاة خلف القاعد كانت من خصوصياته ﷺ . ورد الاستدلال بقوله ﷺ : "لا يؤمن أحد بعدي جالسا" بأنه لا حجة فيه، لأنه مرسل، ومن رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه وهو جابر الجعفي. وقال ابن بزيزة: وعلى فرض صحته لم يكن فيه حجة لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، فيعرب "جالسا" مفعولا لا حالا. اهـ. ثم إن القول بأن هذا الحديث ينسخ عمله ﷺ في مرض موته بعيد، لأنه يحتاج إثبات أن تاريخه متأخر عن صلاة مرض الموت ودونه خرط القتاد. فإن قيل: إن مواظبة الخلفاء الراشدين على عدم صلاة الإمام قاعدا تشهد له، قلنا: إن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع ولو سلم لا يستدل به على عدم الجواز، لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام للاتفاق، على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله وهذا كاف في بيان تركهم الإمامة من قعود. وأما قول بعضهم: لا يصح أن يكون أحد إماما له ﷺ فهو مردود بما ثبت في الصحيح عند مسلم، وسيأتي بعد باب، أنه ﷺ صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، مما يدل على أن المراد بمنع التقدم بين يديه ﷺ إنما هو في غير الإمامة. وأما نقص صلاة القاعد عن القائم فهو في حق القادر في النافلة وأما المعذور في الفريضة فلا

стр. 1169

نقص في صلاته عن القائم، ثم إن جعل هذا من خصوصياته ﷺ لا دليل يعتمد عليه، بل هو معارض بعموم قوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومن هنا قال أبو بكر بن العربي المالكي: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبي ﷺ يخلص عند السبك، واتباع السنة أولى والتخصيص لا يثبت بالاحتمال. اهـ. وننتقل إلى مذهب الحنابلة، وهم ينكرون نسخ روايات الباب بحديث صلاته ﷺ في مرضه الأخير، ويجمعون بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين، إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعودا، ثانيتهما إذ ابتدأ الإمام قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدا أم لا فالحالة الأولى كروايات الباب، والحالة الثانية كحديث صلاته ﷺ في مرض موته، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائما، وصلوا معه قياما بخلاف الحالة الأولى، ويقوي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدا، بروايات الباب، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد. وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية، كابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان، وأجابوا في الجمع بين الحديثين بأجوبة أخرى، منها قول ابن خزيمة، إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدا تبعا لإمامه لم يختلف في صحتها ولا في سياقها، وأما في صلاته ﷺ قاعدا فاختلف فيها هل كان إماما أو مأموما؟ وما لم يختلف فيه لا ينبغي تركه لمختلف فيه. ومنها ما قاله بعضهم: إن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمر من أم قاعدا لعذر تخير من صلى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أولى، لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، ولكثرة الأحاديث الواردة في ذلك، واستدل لهذا بما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن فهد الأنصاري "أن إماما لهم اشتكى على عهد رسول الله ﷺ قال: فكان يؤمنا وهو جالس ونحن جلوس". وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير أنه كان يؤم قومه فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلي بهم. فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائما. فاقعدوا. فصلى بهم قاعدا وهم قعود. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى. فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالسا، وصلوا معه جلوسا. ولهذا المذهب أميل، وإن كنت أفضل القيام للمأمومين خلف الإمام القاعد لعذر، والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - وجوب متابعة المأموم لإمامه في التكبير والقيام والقعود والركوع والسجود، ومع وجوب المتابعة

стр. 1170

ليس شيء منها شرطا في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام، واختلف في السلام والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام والقيام من التشهد الأول، قال النووي: وأنه يفعلها بعد الإمام، فيكبر تكبيرة الإحرام بعد فراغ الإمام منها، فإن شرع فيها قبل فراغ الإمام منها لم ننعقد صلاته، ويركع بعد شروع الإمام في الركوع وقبل رفعه منه، فإن قارنه أو سبقه، فقد أساء، ولكن لا تبطل صلاته، وكذا السجود، ويسلم بعد فراغ الإمام من السلام، فإن سلم قبله بطلت صلاته إلا أن ينوي المفارقة، ففيه خلاف مشهور، وإن سلم معه لا قبله ولا بعده فقد أساء، ولا تبطل صلاته على الصحيح. وقيل: تبطل. اهـ. وهذا ظاهر في قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وقوله: "فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" وخالف الحنفية، فقالوا: تكفي المقارنة لأن معنى الائتمام الامتثال، ومن فعل مثل فعل إمامه عد ممتثلا. ٢ - استدل المالكية والحنفية بقوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به" على عدم صلاة الفرض خلف النفل وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، قالوا: لأن معنى الحديث ليؤتم به في الأفعال والنيات، كما استدلوا بقوله في الرواية الثامنة "فلا تختلفوا عليه" وقالوا: مقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، ولا اختلاف أشد من الاختلاف في النيات في صلاة فرضين أو نفل وفرض. وأجاب الشافعية -وهم يجيزون ذلك- بأن معنى الحديث: ليؤتم به في الأفعال الظاهرة، إذ هي التي نبه عليها في الحديث، فذكر الركوع وغيره، بخلاف النية، فإنها لم تذكر، وقد خرجت من قوله ﷺ : "فلا تختلفوا عليه" بدليل آخر، فقد صح أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، ببطن نخل صلاة الخوف مرتين، بكل فرقة مرة، فصلاته الثانية وقعت له نفلا، وللمقتدين فرضا وأيضا حديث معاذ "كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه فيصليها بهم، هي له تطوع، ولهم فريضة"، بل يمكن أن يستدل من أحاديث الباب على عدم دخولها. لأنها تقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله [القيام، والقعود والركوع والسجود، والرفع، والتكبير والتسبيح والتأمين] لا في جميع أحواله. والله أعلم. ٣ - استدل بعض المالكية بقوله في الرواية السابعة: "وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول الله ﷺ كبر أبو بكر" على جواز الصلاة بالسمع، فالمقتدي به مقتد بالإمام، وقيل عند المالكية أيضا: إن أذن له الإمام صحت لأن مع الإذن يصير المقتدي به كالمقتدي بالإمام. وقيل: إنما يجوز في مثل الأعياد والجنائز والصلوات المجتمع لها من غير الفرض. وقيل: يجوز: في الجمعات، لضرورة كثرة الناس والجمهور على عدم صحة الاقتداء بمقتد والمقتدي به مقتدي بغير إمام. ٤ - استدل بقوله: "فحضرت الصلاة" على جواز صلاة الفرض جماعة في المنزل، وهو مذهب الجمهور؛ وأجاب المخالف بأن من في المسجد صلى بصلاته ﷺ ، لأن منزله في المسجد، إذا لم يثبت أنه استخلف. قال الحافظ ابن حجر: وهذا محتمل، ويحتمل أيضا أن يكون استخلف وإن لم ينقل. اهـ.

стр. 1171

٥ - استدل بقوله في الرواية السابعة: "فالتفت إلينا" على جواز العمل اليسير، وشرط بعضهم أن يكون لمصلحة الصلاة لأنه التفت ليرى هل امتثلوا وصلوا كما صلى أولا؟ قال الأبي: أما الالتفات لغير مصلحة الصلاة فمكروه وخلسة من الشيطان اهـ والتحقيق أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة سواء كان لمصلحتها أم لا، وأما كراهته فمسلمة إلا لضرورة. ٦ - استدل بقوله في الرواية السادسة: "فأشار إليهم" وفي الرواية السابعة "فأشار إلينا" على جواز الإشارة في الصلاة، وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة. ٧ - استدل المالكية والحنفية ومن تبعهما بالرواية التاسعة على أن الإمام لا يقول ربنا لك الحمد، وأن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده، قال الحافظ ابن حجر في رده هذا الاستدلال: ليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك، لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول "ربنا لك الحمد" عقب قول الإمام "سمع الله لمن حمده" فأما منع الإمام من قول "ربنا لك الحمد" فليس بشيء. اهـ وقد سبق بيان الحكم وأدلته في باب التسميع، في الباب السابق. ٨ - قال الحافظ ابن حجر: فيه أنه يجوز عليه ﷺ ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة. اهـ وقال الأبي: الأمراض الحسية، الأنبياء ﵈ فيها كغيرهم، تعظيما لأجرهم، ولا يقدح في رتبتهم، بل هو تثبيت لأمرهم وأنهم بشر، إذ لو لم يصبهم ما أصاب البشر، مع ما يظهر على أيديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم ﵇ ويستثنى من ذلك ما فيه نقص كالجنون. اهـ. ٩ - قال الحافظ ابن حجر: فيه مشروعية ركوب الخيل، والتدرب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق للنبي ﷺ في هذه الواقعة وبه الأسوة الحسنة. ١٠ - أخذ النووي من الرواية السابعة النهي عن قيام الغلمان والأتباع على رأس متبوعهم الجالس، لغير حاجة، قال: وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير فليس من هذا، بل هو جائز: قد جاءت به أحاديث، وأطبق عليه السلف والخلف. اهـ. وقال الأبي: قاموا على رأس عمر بن عبد العزيز فقال: إن تقوموا نقم، وإن تقعدوا نقعد، فلم يكره القيام إلا على رأس القاعد، وعليه يحمل حديث: "من أحب أن يتمثل له الناس قياما" وأما القيام للقادم فقد قام ﷺ لجعفر وعكرمة وأسامة بن زيد ﵃، وقال للأنصار ﵃: قوموا لسيدكم، وعمم بعضهم النهي في الجميع، إذا كان للتعظيم، وهو ظاهر مذهب مالك رحمه الله تعالى. اهـ. ١١ - وفيه فضل أبي بكر على عامة الصحابة. والله أعلم

стр. 1172

(١٦٧) باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ونسخ القعود خلف الإمام القاعد لعذر ومرض رسول الله ﷺ ٧٥٨ - عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ قالت: بلى ثقل النبي ﷺ فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قال: "ضعوا لي ماء في المخضب" ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا لا وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب" ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال "أصلى الناس؟ " قلنا لا وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال "ضعوا لي ماء في المخضب" ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: "أصلى الناس؟ " فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله، قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة قالت فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا يا عمر صل بالناس قال فقال عمر أنت أحق بذلك قالت فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر وقال لهما "أجلساني إلى جنبه" فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد قال عبيد الله فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﷺ فقال هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئا غير أنه قال أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت لا قال: هو علي. ٧٥٩ - عن عائشة ﵂ قالت أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها وأذن له قالت فخرج ويد له على الفضل بن

стр. 1173

عباس ويد له على رجل آخر وهو يخط برجليه في الأرض فقال عبيد الله فحدثت به ابن عباس فقال: أتدري من الرجل الذي لم تسم عائشة؟ هو علي. ٧٦٠ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر قال عبيد الله فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة فقال لي عبد الله بن عباس هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال قلت لا قال ابن عباس هو علي. ٧٦١ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر. ٧٦٢ - عن عائشة ﵂ قالت لما دخل رسول الله ﷺ بيتي قال "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه فلو أمرت غير أبي بكر قالت والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ قالت فراجعته مرتين أو ثلاثا فقال ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صواحب يوسف. ٧٦٣ - عن عائشة ﵂ قالت لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقال "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقالت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1174

"إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت فأمروا أبا بكر يصلي بالناس قالت فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض قالت فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله ﷺ قم مكانك فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر قالت فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر. ٧٦٤ - عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه وفي حديثهما لما مرض رسول الله ﷺ مرضه الذي توفي فيه وفي حديث ابن مسهر فأتي برسول الله ﷺ حتى أجلس إلى جنبه وكان النبي ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير وفي حديث عيسى فجلس رسول الله ﷺ يصلي وأبو بكر إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس. ٧٦٥ - عن عائشة ﵂ قالت أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه فكان يصلي بهم قال عروة فوجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة فخرج وإذا أبو بكر يؤم الناس فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه رسول الله ﷺ أي كما أنت فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر. ٧٦٦ - عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الأثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكا قال فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتموا صلاتكم قال ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى الستر قال فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك.

стр. 1175

٧٦٧ - عن أنس ﵁ قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة يوم الإثنين بهذه القصة وحديث صالح أتم وأشبع. ٧٦٨ - عن أنس ﵁ قال لم يخرج إلينا نبي الله ﷺ ثلاثا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه فلما وضح لنا وجه نبي الله ﷺ ما نظرنا منظرا قط كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا قال فأومأ نبي الله ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى نبي الله ﷺ الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات. ٧٦٩ - عن أبي موسى ﵁ قال: مرض رسول الله ﷺ فاشتد مرضه فقال "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطع أن يصلي بالناس فقال "مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف". قال فصلى بهم أبو بكر حياة رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- ما أشد حرص السلف الصالح على طلب العلم، وعلى انتقالهم إلى مصدره وإلى اختيار من هو أعلم بالمطلوب، وعلى الاستيثاق ممن يأخذون. هذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يروي أنه ذهب إلى أم المؤمنين عائشة يسألها عن مرض رسول الله ﷺ الذي توفي فيه، فقال لها -وبينهما الحجاب-: يا أم المؤمنين، أرجو أن تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ وفهمت عائشة بذكائها أنه لا يسأل عن نوع المرض أو مكانه أو صفته، وإنما يسأل عن ملابسات المرض من الاستخلاف في الصلاة والحرص في أحرج الأوقات على إقامتها، فأجابت ﵂ إجابة شفت السائل، وأشبعت استفهاماته، وصورت الموقف المخزن بأنه ﷺ قد مرض في مرضه الأخير عشرة أيام قبل وفاته، أمضى الأيام الثلاثة الأولى منه يتحامل على نفسه، وينتقل بين أزواجه منفذا القسم بينهن، وفيهن كبيرة السن التي لا تستطيع خدمة المريض خدمة كاملة، وفيهن ذات العيال التي يتعذر على المريض الراحة التامة عندها، لقد كان يسائلهن: أين أنا غدا؟ أين سأبيت الليلة القادمة؟ عند من من نسائي سأكون غدا؟ يتشوف إلى يوم عائشة، التي يستريح قلبه عندها، إنها حبيبته أو أحب

стр. 1176

زوجاته إليه، وابنة أحب الناس إليه، وفهمت ابنته فاطمة مقصده، فقالت لهن: إنه لا يستطيع أن يدور على البيوت، وإنه يستأذن في الإقامة في بيت واحدة، فقلن ﵅: يا رسول الله قد وهبنا ليالينا لأختنا عائشة، فذهب إلى بيت عائشة يوم الإثنين وتوفي ﷺ يوم الإثنين بعد أسبوع، ولقد كان بيت عائشة ملاصقا للمسجد بل يفتح فيه، وليس بينهما إلا ستارة، وكان لشدة حرصه ﷺ على إقامة الصلاة يتكلف الصعب والمشقة، ويخرج إلى الجماعة يصلي بالناس، فلما اشتد عليه المرض، وانتابه الإغماء ثم أفاق أخذ يسأل ﷺ : أصلى الناس؟ فأجيب: لا، وهم ينتظرون في المسجد، لتخرج فتصلي بهم، فقال: ضعوا لي ماء أغتسل منه وأتوضأ، فوضعوا الماء فاغتسل فلما أراد القيام لم يستطع وعاوده الإغماء، فلما أفاق سأل: أصلى الناس؟ قيل: لم يصلوا وهم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المغسل، أغتسل منه وأتوضأ، ففعلوا فاغتسل وتوضأ، فلما أراد القيام عاوده الإغماء، تكرر هذا ثلاث مرات أو أكثر، فلما أفاق واستيقن أنه من الصعب أن يخرج قال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، وأشفقت عائشة على أبيها، أن يتشاءم الناس منه إن هو قام مقام رسول الله ﷺ ، وخافت على أبيها كراهية الناس له إذا ارتبطت إمامته بمرض من يحبون أو بموت أحب الناس إليهم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا بكر رقيق القلب سريع الدمع، إن هو وقف موقفك لا يملك نفسه من البكاء، فلا يسمع الناس الصلاة، فمر عمر الرجل القوي الشديد أن يصلي بالناس، فأعاد ﷺ : مروا أبا بكر فليصل بالناس. فأعادت عائشة المراجعة. فأعاد ﷺ الأمر، فهمست عائشة لحفصة أن تقول له ما قالت، فاستجابت لها حفصة وقالت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق لا يسمع الناس من البكاء إن قام مقامك فمر عمر أن يصلي بالناس. وغضب ﷺ من طول المراجعة، فوجه اللوم لعائشة قائلا: إنكن -معشر النساء- صواحب يوسف، إن طبائعكن كطبائع زليخا امرأة العزيز، تكثرن الإلحاح، وتبدين ما لا تخفين، مروا أبا بكر فليصل بالناس، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فأمروه أن يذهب إلى أبي بكر ليصلي بالناس، فذهب إليه في المسجد يقول له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، وأحس أبو بكر بثقل التبعة، وشعر بضعفه عن أن يتحمل هذا الموقف الصعب، وخشي أن يبكي في الصلاة فيثير الشجن في المصلين، وينشر البكاء والضجيج في المسجد، فقال لعمر: صل أنت بالناس فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد أمرك، ولا سبيل إلى تغيير أمره، فصل بالناس: فصلى بهم أبو بكر صلاة العشاء الآخرة، ثم صلى بهم الصبح، فلما جاءت صلاة الظهر في اليوم التالي وجد ﷺ من نفسه خفة ونشاطا يمكنه من الصلاة في المسجد، فخرج بين عمه العباس وابن عمه علي بن أبي طالب، يتوكأ عليهما، ويخط برجليه في الأرض، لعدم قدرته على رفعهما، وكان أبو بكر قد بدأ الصلاة بالناس، فلما رآه أبو بكر تخلى عن إمامته، وأراد أن يتأخر. ليصل إلى الصف، فقبل منه ﷺ الإمامة ولم يقبل أن يتأخر إلى الصف تكريما لأبي بكر. وإشارة إلى تقديمه على المسلمين. فأشار إليه ﷺ أن لا يتأخر. وقال للعباس ولعلي: اجلساني بجانبه. فأجلساه. فصلى وصوته خافت لا يبلغ الناس. فكان أبو بكر ينقل تكبيراته ويسمعهم، وهو يصلي كالناس واقفا، والنبي ﷺ جالس، وتعدد خروج النبي ﷺ للصلاة مع أبي بكر، وكان يجلس مرة

стр. 1177

عن يمينه: ومرة عن شماله بحذائه، كما استند في خروجه مرة على أسامة بن زيد، ومرة على الفضل بن عباس، ومرة على بريرة، ومرة على نوبة، وهو عبد أسود، وربما توكأ على بعض هؤلاء ذهابا، وعلى بعضهم إيابا، حتى إذا لم يبق على وفاته ﷺ إلا ثلاث لم يستطع الخروج، لكنه كان يطمئن بين الحين والحين على اهتمام الصحابة بصلاة الجماعة، وعلى إمامة أبي بكر فلما كان يوم الأثنين الذي توفي فيه ﷺ ، وكانت صلاة الظهر، ودخل الناس في الصلاة رفع ﷺ الستارة التي بينه وبين المسجد، فرأى صحابته صفوفا خلف أبي بكر يقيمون شعائر الإسلام، ويحافظون على تعاليمه، فأشرق وجهه وأضاء، وهز رأسه راضيا مطمئنا، وتبسم فرحا وسرورا، وأحس الصحابة برفع الحجاب، ولحظوا بعيونهم إشراقة وجهه ونور ابتسامته التي حرموها منذ ثلاث فكادوا يفتنون فرحا، وتهللت وجوههم بشرا، وبهتوا حيرة ودهشة وشوقا وظنوا أن رسول الله ﷺ خارج إليهم بعد غيبة صعبة، وسمع في المسجد صوت الذكر والتسبيح، ينبه أبا بكر للحدث الجلل والبشر العظيم، فرجع أبو بكر على عقبيه، وتأخر عن الإمامة لهفة عليه، فأشار إليهم ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم أرخى الستر، وأنزل الحجاب ودخل، وكانت آخر نظرة منه على صلاتهم، وآخر نظرة منهم إلى وجهه الوضاء، ولحق من يومه بالرفيق الأعلى ﷺ ، نشهد أنه رسول الله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهم أعطه الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة العالية في الجنة، وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد. -[المباحث العربية]- (ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ "ألا" للعرض أو التحضيض ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلب برفق، والتحضيض طلب بحث أي حدثيني، والمراد من المرض مرضه الأخير الذي توفي فيه. (قالت: بلى) "بلى" حرف جواب عن النفي، وكأنه روعي في جوابها أصل "ألا" وأنها مركبة من همزة الاستفهام، و "لا" النافية. (ثقل النبي ﷺ ثقل في مرضه، بفتح الثاء وضم القاف إذا تناهى في الضعف، وركدت أعضاؤه عن خفة الحركة، حتى لا تكاد تحمله رجلاه. (قلنا: لا، وهم ينتظرونك) القائل عائشة، ونسب للحاضرين لموافقتهم وجملة "وهم ينتظرونك" في موقع الحال من الضمير الواقع في مضمون "لا" إذ أصلها: لم يصلوا منتظرين حضورك، وفيها التعريض لأن يخرج، فيصلي بهم. (ضعوا لي ماء في المخضب) "المخضب" بكسر الميم وفتح الضاد بينهما خاء ساكنة، والمشهور أنه الإناء الذي يغسل فيه الثياب من أي جنس كان.

стр. 1178

(فاغتسل) حمله بعض العلماء على الوضوء، وحمله بعضهم على الغسل الكامل، وسيأتي توضيحه في فقه الحديث. (ثم ذهب لينوء) أي ثم أخذ يقوم وينهض بجهد، ففي القاموس: ناء نهض بجهد ومشقة، وبالحمل نهض مثقلا، وفلان ثقل فسقط، والنوء النجم مال للغروب. اهـ. (قالت: والناس عكوف في المسجد) أي مجتمعون منتظرون لخروج النبي ﷺ وأصل الاعتكاف اللزوم والحبس، وهذه الجملة قالتها عائشة عند روايتها لعبيد الله، ولم تقلها للرسول ﷺ ولهذا جاء الراوي بكلمة "قالت". (فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يصلي بالناس) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول "أرسل" بتضمينه معنى طلب أي طلب إليه الصلاة بالناس. (فأتاه الرسول) أي فأتى أبا بكر رسول رسول الله ﷺ وهو بلال. (كان رجلا رقيقا) أي رقيق القلب، وفد فسره في الرواية الخامسة بأنه لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن. (فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام) أي التي مرض فيها رسول الله ﷺ وانقطع عن الذهاب فيها إلى المسجد، وهي ثلاثة على أرجح الأقوال وسيأتي توضيح المسألة في فقه الحديث. (فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر) قولها "صلاة الظهر" بعد قولها من قبل "لصلاة العشاء الآخرة" صريح في أن الخروج كان في غير وقت الإغماء السابق، فهو خروج غير خروج. (فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، أي أومأ إليه بعدم التأخر. (وقال لهما: اجلساني) أي قال للرجلين اللذين خرج بينهما. (قال: هات) اسم فعل أمر، بمعنى احضر، مبني على الكسر. (أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة) "في بيت ميمونة" متعلق بمحذوف خبر، و"ما" مصدرية، أي أول شكايته ﷺ كان في بيت ميمونة إحدى زوجاته ﷺ . (فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها) "يمرض" بضم الياء وفتح الميم والراء المشددة، أي يخدم في مرضه، وقول الراوي "في بيتها" أي في بيت عائشة، والمفروض أنها قالت "في بيتي" كما هو لفظ الرواية الثالثة واستأذن طلب الإذن، وكان طلبه بطريق التلميح والتعريض، لا بطريق

стр. 1179

التصريح على الصحيح، فقد روى البخاري "أن رسول الله ﷺ " كان يسأل في مرضه الذي مات فيه، يقول: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء "وروى ابن سعد" أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك، فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف "نعم جاء عند أحمد" أنه ﷺ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور ببيوتكن، فإذا شئتن أذنتن لي" وكان هذا الاستئذان قبل موته ﷺ بسبعة أيام، فعند ابن أبي مليكة عن عائشة "أن دخوله في بيتها كان يوم الإثنين، ومات يوم الإثنين الذي يليه". (وأذن له) بكسر الذال وتشديد النون المفتوحة أي أذن الأزواج له. (وهو يخط برجليه في الأرض) كناية عن الضعف وعدم اعتماده على رجليه وتحامله على الرجلين، أي يجرهما في الأرض لدرجة أنهما يجعلان فيها خطا. (واشتد به وجعه) أي مرضه، والعرب تسمي كل مرض وجعا. قاله القاضي عياض. (لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك) أي في أمر استخلاف أبي بكر للصلاة بالناس. (فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر) كذا ضبطتها النسخة التي بيدي، "رسول" بالرفع، والمعنى عليها فأردت أن يعدل رسول الله الإمامة عن أبي بكر، أي أن يحولها عنه، والإشارة لأمر الإمامة، ولو أن لفظ "رسول الله" بالنصب تكون الإشارة لتوقف عائشة ومراجعتها. (مروا أبا بكر فليصل بالناس) "مروا" أصله اؤمرو، لأنه من أمر فحذفت الهمزة للاستثقال، واستغنى عن الألف، فحذفت، فبقي مروا، على وزن علوا، لأن المحذوف فاء الكلمة. (فلو أمرت غير أبي بكر) "لو" للعرض، أي الطلب برفق أو للتمني أي ليتك تأمر غير أبي بكر، أو للشرط، وجوابها محذوف أي لو أمرت غير أبي بكر كان خيرا. (والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس) "ما" نافية، و"بي" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و"كراهية تشاؤم الناس" مبتدأ مؤخر. (فراجعته مرتين أو ثلاثا) شك من عائشة في عدد مراجعتها وظاهر روايتنا أن المراجعة كانت مرتين، مرة بنفسها، ومرة بواسطة حفصة، لكن في البخاري "وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: إنكن صواحب يوسف" مما ظاهره أن المراجعة بلغت ثلاثا. (فإنكن صواحب يوسف) أي مثل صواحب يوسف، ففي الكلام تشبيه بليغ، وصواحب يوسف جمع صاحبة، والخطاب إن كان لعائشة وحفصة باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو كان لهما وللحاضرات باعتبار موافقتهن فظاهر، وإن كان لعائشة وحدها فهو من قبيل خطاب الجماعة وإرادة الواحد، تخفيفا عليه في الزجر، كما أن "صواحب" صيغة جمع والمراد بها زليخا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة

стр. 1180

على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف، ويعذرنها في محبته وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو ألا يتشاءم الناس به قاله الحافظ ابن حجر، وقال القاضي عياض: وجه الشبه التظاهر والإلحاح على ما أرادته عائشة وحفصة، كتظاهر امرأة العزيز ونسائها على يوسف ﵇ ليصرفنه عن رأيه في الاستعصام. وقال السنوسي قيل: إن وجه الشبه كون المظهر شيئا والمراد غيره فإن نساء امرأة العزيز لمنها على المراودة، وبهن من حب يوسف ﵇ والرغبة في مراودته ما بامرأة العزيز أو أشد، اهـ ولا مانع من كون وجه الشبه الأمرين معا، الإلحاح وإظهار غير المقصود. (إن أبا بكر رجل أسيف) بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل، من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد أنه رقيق القلب، سريع البكاء، والأسف عند العرب شدة الحزن والندم، وقول يعقوب ﵇ ﴿يا أسفى على يوسف﴾ [يوسف: ٨٤] يعني واحزناه توجعا لفقده، وأما الأسف بكسر السين فهو الغضبان المتهلف، قال تعالى: ﴿فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا﴾ [الأعراف: ١٥٠] ذكره العيني. (فأمروا أبا بكر يصلي بالناس) "يصلي" مسبوك بمصدر من غير سابك والمصدر مجرور بحرف جر محذوف والتقدير: فأمروا أبا بكر بالصلاة بالناس. (فقام يهادى بين رجلين) "يهادى" بضم الياء وفتح الدال، مبني للمجهول، يقال: جاء فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه متمايلا إلى هذا مرة، وهذا مرة، من شدة الضعف والتهادي التمايل في المشي البطيء. (فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه) في القاموس: الحس بفتح الحاء الجلبة، والحس بكسرها الحركة وأن يمر بك قريبا، فتسمعه ولا تراه والرواية بكسر الحاء: أي سمع أبو بكر حركته. (قال عروة ... إلخ) في الرواية السابعة. قال الكرماني: من هنا إلى آخر الحديث موقوف على عروة، وهو من مراسيل التابعين ويحتمل دخوله تحت الإسناد الأول، وأخرجه ابن ماجه بهذا الإسناد متصلا، ويحتمل أن يكون عروة أخذه عن غير عائشة، فقطع الجزء الثاني عن الجزء الأول. (فأشار إليه ﷺ أي كما أنت) "ما" موصولة و"أنت" مبتدأ وخبرها وعائد الصلة محذوف تقديره "عليه" والكاف للتشبيه، والجملة خبر "كان" المحذوفة مع اسمها، أي كن مشابها للذي أنت عليه. أي يكون حالك في المستقبل مشابها لحالك في الماضي. (فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه) أي محاذيا أبا بكر من جهة الجنب، لا من جهة القدام والخلف، أي بجواره لا يسبقه ولا يتأخر عنه.

стр. 1181

(حتى إذا كان يوم الإثنين) روي برفع "يوم" على جعل "كان" تامة وبالنصب على خبر كان، أي حتى إذا كان الزمن يوم الإثنين، والأول أوضح. (كأن وجهه ورقة مصحف) وجه الشبه الجمال البارع، وحسن الوجه وصفاء البشرة، وفي ميم المصحف الحركات الثلاث. قال الأبي: والمصحف هو من لفظ الراوي، لأنه لم يكن حينئذ. (فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله) "بهتنا" بالبناء للمجهول، أي أخذنا بغتة، وانتابتنا الحيرة، ففي القاموس: والبهت بفتح الباء الأخذ بغتة والحيرة، فعلهما كعلم ونصر وكرم وزهي وهو مبهوت لا باهت. اهـ. وفي رواية البخاري، "فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ ". (ونكص أبو بكر على عقبيه) أي رجع إلى الخلف. (ليصل الصف) قال العيني: "الصف" منصوب بنزع الخافض أي إلى الصف. اهـ لكن في القاموس: وصل الشيء وإليه وصولا بلغه وانتهى إليه. اهـ فيكون هنا منصوبا على أنه مفعول به. (أن أتموا صلاتكم) "أن" هنا تفسيرية بمعنى أي، وهي مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، فالجملة بعدها تفسير لإشارته ﷺ . (آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ مبتدأ، خبره الجملة المحكية "كشف" الستارة إلى آخر القصة. (لم يخرج إلينا رسول الله ﷺ ثلاثا) أي ثلاث ليال، وكان ابتداء الثلاث من حين خرج، فصلى بهم جالسا. (فقال ﷺ بالحجاب) أي أخذ ﷺ بالحجاب، وإجراء لفظ قال بمعنى "فعل" شائع في كلام العرب. (فلما وضح لنا وجه النبي ﷺ أي فلما ظهر لنا وجه النبي ﷺ وقال ابن التين: فلما ظهر لنا بياضه وحسنه، لأن الوضاح عند العرب هو الأبيض اللون لحسنه. اهـ. (ما نظرنا منظرا قط) بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات، ويختص بالنفي، ظرف لاستغراق ما مضى، أي ما نظرنا منظرا فيما مضى من عمرنا، والعامة تقول: لا أفعله قط، وهو لحن، ذكره ابن هشام في مغنى اللبيب. (فأومأ نبي الله ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول "أومأ" بتضمينه معنى "طلب" أي طلب إليه التقدم.

стр. 1182

(فلم نقدر عليه حتى مات) "نقدر" بفتح النون وكسر الدال. أي فلم نقدر على رؤيته حتى مات، وفي رواية للبخاري "فلم يقدر" بالياء بدل النون وبالبناء للمجهول. (فصلى بهم أبو بكر حياة رسول الله ﷺ أي منذ أن اعتكف حتى مات ﷺ . -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - قال النووي: في قول عائشة "وهم ينتظرونك يا رسول الله" دليل على أنه إذا تأخر الإمام عن أول الوقت، ورجي مجيئه على قرب ينتظر، ولا يتقدم غيره. وسنبسط المسألة في الباب التالي. ٢ - وأن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم، وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم. ٣ - وفي الحديث دليل على نسخ القعود خلف الإمام القاعد لعذر ووجوب وقوف المأموم القادر على القيام وإن جلس إمامه لعذر. وقد بسطت المسألة والمذاهب فيها وأدلة كل مذهب في الباب السابق. ٤ - يؤخذ من قوله في الرواية الأولى "فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر" وفي الرواية السادسة "فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه، فذهب يتأخر" وفي الرواية السابعة "فلما رآه أبو بكر استأخر" وفي الرواية الثامنة "ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف" يؤخذ من هذه العبارات أن من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الراتب، فتأخر الأول، أو لم يتأخر جازت صلاته، وبهذا قال جمهور الشافعية، فجوزوا التأخير اعتمادا على تقرير النبي ﷺ لتأخر أبي بكر، وجوزوا عدم التأخر لإشارته ﷺ لأبي بكر بعدم التأخر، وجمهور الفقهاء على أنه لا يجوز للإمام الأول التأخر، وحملوا الحديث على أنه من خصائص النبي ﷺ لأنه لا يجوز التقدم بين يدي النبي ﷺ ، وليس لسائر الناس اليوم من الفضل من يجب أن يتأخر له، وحكى ابن عبد البر الإجماع على هذا القول، لكن حكايته الإجماع مردودة بخلاف الشافعية السابق الذكر. ٥ - استدل بجلوس النبي ﷺ إلى جنب أبي بكر على جواز وقوف مأموم واحد بجنب الإمام لحاجة أو مصلحة، كإسماع المأمويين وضيق المكان ونحو ذلك. قال النووي: والمعلوم أنه إذا كان مع الإمام مأمومان فأكثر، فالحكم أن يتقدم الإمام عليهما أو عليهم، كما لو كانوا عراة أما تقدم واحد من المأمومين ليقف بجوار الإمام فإنه يجوز لحاجة أو مصلحة، ويقف بجوار الإمام عن يمينه، وقوله في الرواية السادسة "حتى جلس عن يسار أبي بكر" دليل على ذلك، إذ هي صريحة في أن

стр. 1183

أبا بكر كان عن يمين الرسول ﷺ مقتديا به، فالمأموم عن يمين الإمام، وهكذا الحكم لو كان المأموم واحدا، فإنه يقف عن يمين الإمام قريبا منه متأخرا عنه، وقد نقل بعضهم الاتفاق على أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام، إلا النخعي فقال: إذا كان الإمام ورجل، قام الرجل خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحد قام عن يمينه، فإبراهيم النخعي يقول: إن المأموم الواحد يقف خلف الإمام إذا ظن ظنا قويا مجيء مأموم ثان. ٦ - وقد يستشعر من الحديث صحة صلاة المأموم وإن لم يتقدم الإمام عليه كما هو في مذهب المالكية، لقوله "إلى جنبه" ويجيب الجمهور بأن هذه العبارة تحتمل أن يكون إلى جنبه مع تقدم عقب الإمام، كما تحتمل المحاذاة فلا دليل فيها على ما ذهب إليه المالكية. ٧ - وفيه جواز الصلاة الواحدة بإمامين، أحدهما بعد الآخر، وهذا ظاهر من روايتنا السادسة، ففيها "فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسا، وأبو بكر يسمعهم التكبير" ففيها أن الصحابة ائتموا بأبي بكر أولا، ثم برسول الله ﷺ ثانيا. ٨ - استدل بالحديث بعضهم على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض أخذا من قوله في الرواية الأولى، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر، وفي الرواية السادسة "يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" وفي الرواية السابعة" فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر "وهو قول الشعبي، واختيار الطبري، وجمهرة العلماء على أنه لا يجوز الاقتداء بالمقتدي في حالة اقتدائه، وردوا استدلال الشعبي والطبري بأن أبا بكر إنما كان مبلغا فمعنى اقتداء الناس بأبي بكر في هذه الروايات اقتداؤهم بصوته، فهو في حقهم كالإمام، لكنه ليس إماما، إذ كان ﷺ جالسا، وكان أبو بكر قائما، فكان بعض أفعاله يخفى على بعض المأمومين. ٩ - استدل به على جواز رفع الإمام صوته بالتكبير، ليسمعه الناس ويتبعوه. ١٠ - قال النووي: وفيه أنه يجوز للمقتدي اتباع صوت المكبر وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، ونقلوا فيه الإجماع، وما أراه يصح الإجماع فيه، فقد نقل القاضي عياض عن مذهبهم (مذهب المالكية) أن منهم من أبطل صلاة المقتدي ومنهم من لم يبطلها، ومنهم من قال: إن أذن له الإمام في الإسماع صح الاقتداء به، وإلا فلا، ومنهم من أبطل صلاة المسمع، ومنهم من صححها، ومنهم من شرط إذن الإمام، ومنهم من قال: إن تكلف صوتا بطلت صلاته وصلاة من ارتبط بصلاته، وكل هذا ضعيف، والصحيح جواز كل ذلك، وصحة صلاة المسمع والسامع، ولا يعتبر إذن الإمام. اهـ. ١١ - استدل به الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به، ويقتدي هو بغيره، من غير أن يقطع الصلاة. ١٢ - وعلى جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة. ١٣ - وعلى جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام.

стр. 1184

وهذه المآخذ الثلاثة مبنية على أن أبا بكر كان قد دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله ﷺ ؛ ويؤيده أن في بعض الروايات عن ابن عباس "فابتدأ النبي ﷺ القراءة من حيث انتهى أبو بكر". ١٤ - وفيه تأكيد أمر الصلاة، وأنها أهم ما يسأل عنه، فإن الرسول ﷺ في شدته لم يسأل عن شيء غير الصلاة. ١٥ - وفيه الحرص على المبادرة إليها أول الوقت وإنما لم يبادر الصحابة في هذه الواقعة كما بادروا في حديث خروجه إلى بني عوف [الآتي في الباب التالي] لأنهم هنا رجوا خروجه عن قرب، وهناك علموا بعده أو ظنوا أنه قد صلى. ١٦ - وفيه تأكيد أمر صلاة الجماعة، والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأشد، وتحمل المشقة، وإن كانت الرخصة أولى، وقال الطبري: إنما فعل ذلك وخرج مع الشدة التي هو فيها لئلا يعذر أحد من الأمة بعده نفسه بأدنى عذر، فيتخلف عن الإمامة، ويحتمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر كان لأهليته لذلك، حتى إنه صلى خلفه. ١٧ - وفيه فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ وترجحه على جميع الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- وتفضيله، وتنبيهه على أنه الأحق بالخلافة، لأن إمامة الصلاة للخليفة، وتحاول الشيعة رد هذه الفضيلة وتزعم أن النبي ﷺ عزله عنها بخروجه وإمامته وتخلف أبي بكر ليكون مأموما، وهو زعم فاسد، فإن الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة صريحة في أن أبا بكر صلى بالناس بعد ذلك أياما ثلاثة لم يخرج فيها رسول الله ﷺ ويرد هذا الزعم من أساسه أن الصحابة حين تشاوروا في الخلافة قالوا: رضينا لدنيانا من رضيه النبي ﷺ لديننا. ١٨ - ويؤخذ من قول أبي بكر -في الرواية الأولى- "يا عمر صل بالناس" فضيلة عمر بن الخطاب بعد أبي بكر- ﵄ لأن أبا بكر لم يعدل إلى غيره. ١٩ - كما يؤخذ من هذا القول أن للمستخلف في الصلاة أن يستخلف، ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك. قاله القرطبي: وقال الحافظ ابن حجر: استدل به على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة، لصنيع أبي بكر. اهـ. والظاهر أن أبا بكر لم يرد بعرضه الأمر على عمر ما أرادت عائشة. قال النووي: تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعا، وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو كونه رقيق القلب، كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون ﵁ فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى، وعلم ما في تحملها من الخطر، وعلم قوة عمر على ذلك، فاختاره، ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوا عمر، أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح، والظاهر أنه لم يطلع على مراجعة عائشة، وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك، سواء باشر بنفسه أو استخلف. اهـ.

стр. 1185

٢٠ - ويؤخذ من قول عمر "أنت أحق" جواز الثناء في الوجه لمن أمن عليه الإعجاب والفتنة. ٢١ - وأن المفضول إذا عرض عليه الفاضل مرتبة لا يقبلها بل يدعها للفاضل إذا لم يمنع مانع. ٢٢ - وفي هذا القول من عمر رد على الشيعة في زعمهم أن عمر لم يكن راضيا عن استخلاف أبي بكر للصلاة، ويؤكد هذا الرد على ما جاء من أن عمر عند البيعة قال للصحابة: من كانت تطيب نفسه منكم أن يؤخره عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ ؟ ٢٣ - يؤخذ من قول عائشة: -في الرواية السادسة- "جاء بلال يؤذنه بالصلاة" استحباب إيذان الإمام للصلاة، قال النووي: فيه دليل لما قاله أصحابنا أنه لا بأس باستدعاء الأئمة للصلاة. اهـ. ٢٤ - وفي الحديث مراجعة الصغير الكبير، ومراجعة رأي الإمام، لما يظهر أنه مصلحة، لكن بعبارة لطيفة، لا على وجه المعارضة. ٢٥ - وملاطفة النبي ﷺ لأزواجه، وخصوصا لعائشة. ٢٦ - وأن توبيخ الإمام لمن خالفه لا يكون لأول الأمر، بل حتى يتكرر لأنه لأول الأمر يحتمل أنه نصيحة، فإذا تكرر صار مكابرة. ٢٧ - قال القاضي عياض: في مراجعة عائشة التورية بالحجة الصحيحة لغرض آخر. اهـ. وقال الأبي: فيه أن لمن وقع به مؤلم أن يدفعه عن نفسه، وإن علم أنه يقع بالغير. اهـ. وقد ذكر في سبب مراجعة عائشة وجه آخر غير الذي ذكرته في الرواية الرابعة، وهو أنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة، فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله ﷺ بخلاف غيره. ٢٨ - ويؤخذ من تعليل مراجعة عائشة بأن أبا بكر لا يملك دمعه أن البكاء في الصلاة من عوامل التشويش، وأنه لا ينبغي للإمام أن يتعاطى أسباب كثرة البكاء. قاله الأبي: وقال الحافظ ابن حجر: فيه أن البكاء ولو كثر لا يبطل الصلاة، لأنه ﷺ بعد أن علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء لم يعدل عنه، ولا نهاه عن البكاء. ٢٩ - ومن قوله ﷺ "مروا أبا بكر فليصل بالناس" التعرض إلى مسألة طال فيها الخلاف بين علماء الأصول، وهي: هل الأمر بالأمر بالشيء أمر به أو لا؟ على معنى أن الرسول ﷺ يعتبر آمرا لأبي بكر في هذه الحالة أو لا؟ قال جماعة: نعم، قال آخرون: لا، بل المعني بلغوا أبا بكر. قال الحافظ ابن حجر: وفصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمرا حقيقة فمسلم لأنه ليس فيه صيغة أمر للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزمه فمردود. اهـ. ٣٠ - ويؤخذ من إشارة الرسول ﷺ لأبي بكر أن الإيماء يقوم مقام النطق قال الحافظ ابن حجر: واقتصار النبي ﷺ على الإشارة يحتمل أن يكون لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق. اهـ.

стр. 1186

٣١ - ويؤخذ من هم أبي بكر بالرجوع إلى الصف الأدب مع الكبير. ٣٢ - ومن عدم تركه ﷺ ليصل إلى الصف، واستبقائه بجانبه إكرام الفاضل. ٣٣ - ويؤخذ من الرواية الأولى جواز الإغماء على الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- قال النووي: ولا شك في جوازه، فإنه مرض، والمرض يجوز عليهم، بخلاف الجنون، فإنه لا يجوز عليهم، لأنه نقص، والحكمة في جواز المرض عليهم ومصائب الدنيا تكثير أجرهم، وتسلية الناس بهم، ولئلا يفتتن الناس بهم ويعبدوهم، لما يظهر عليهم من المعجزات والآيات البينات. اهـ. ٣٤ - وفي اغتسال النبي ﷺ عقب الإغماء دليل على استحباب الغسل من الإغماء، وإذا تكرر الإغماء استحب تكرار الغسل لكل مرة، فإن لم يغتسل إلا بعد الإغماء مرات كفى غسل واحد، وقد حمل القاضي عياض الغسل هنا على الوضوء، من حيث إن الإغماء ينقض الوضوء قال النووي: والصواب أن المراد غسل جميع البدن، فإنه ظاهر اللفظ. ولا مانع يمنع منه، فإن الغسل من الإغماء مستحب، بل قال بعض أصحابنا: إنه واجب، وهذا شاذ ضعيف. اهـ. ٣٥ - يؤخذ من استئذان الرسول ﷺ زوجاته أن يمرض في بيت عائشة فضل عائشة ﵂ وحب الرسول ﷺ لها، قال النووي: فيه فضل عائشة ورجحانها على جميع أزواجه الموجودات ذلك الوقت وكن تسعا إحداهن عائشة، ﵂، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما اختلفوا في عائشة وخديجة، ﵄. اهـ. ٣٦ - وبهذا الاستئذان يستدل من يقول: إن القسم كان واجبا على النبي ﷺ بين أزواجه في الدوام، كما يجب في حقنا، وقال القاضي عياض: لم يكن القسم عليه واجبا، لقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ [الأحزاب: ٥١] ولكن لحسن عشرته التزمه ﷺ تطييبا لنفوسهن؛ وأوجبه بعض المالكية وبعض الشافعية لهذا الحديث، ولحديث "اللهم هذا قسمي فيما أملك". ٣٧ - إكرام عائشة للعباس بذكره باسمه في مقام التشريف مع إبهامها اسم الرجل الثاني، وقد حاول النووي الدفاع عن عائشة في إبهامها الاسم الآخر فقال عند شرحه رواية "فخرج ويد له على الفضل بن عباس، ويد له على رجل آخر"، وجاء في غير مسلم "بين رجلين أحدهما أسامة بن زيد" قال: وطريق الجمع بين هذا كله أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة ﷺ تارة هذا، وتارة ذاك، ويتنافسون في ذلك، وهؤلاء هم خواص أهل بيته الرجال الكبار، وكان العباس ﵁ أكثرهم ملازمة للأخذ بيده الكريمة المباركة ﷺ أو أنه -أدام الأخذ بيده، وإنما يتناوب الباقون في اليد الأخرى، وأكرموا العباس باختصاصه بيد واستمرارها له لما له من السن والعمومة وغيرهما، ولهذا ذكرته عائشة ﵁ مسمى، وأبهمت الرجل الآخر إذ لم يكن أحد الثلاثة الباقين ملازما في جميع الطريق ولا معظمه، بخلاف العباس. اهـ. يحاول النووي أن يبعد عن عائشة أنها أبهمت اسم "علي" كرم الله وجهه تحاشيا من ذكر اسمه

стр. 1187

على لسانها، لحاجة منه في نفسها، وهذه محاولة مكشوفه يبعدها الواقع، والروايات الكثيرة الصريحة، لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأن المبهم "علي" وزاد الإسماعيلي "ولكن عائشة لا تطيب نفسا له بخير" ولابن إسحاق" ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير": وليس في هذا طعن على عائشة تحتاج الدفاع عنه. فإنها تحمد حيث لم تذكره بشر، ولا شيء في الإمساك عن ذكر اسم لا تستريح لذكره، ولكننا مع ذلك ننكر على الكرماني إذ وصفها في ذلك بعبارة شنيعة، إذ قال: لم ما سمته؟ ثم قال: ما سمته تحقير أو عداوة. اهـ. ننكر على الكرماني هذه العبارة المسيئة من غير سند ولا دليل. ٣٨ - ويؤخذ من دخول عبيد الله على عائشة، وقوله لها: إلا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ عنايتهم بطلب العلم، وحرصهم على استقائه من مصادره. ٣٩ - كما يؤخذ من عرض عبيد الله هذا الحديث على ابن عباس حرصهم على فهم الأمور من جوانبها المتعددة، والاستيثاق مما يأخذون عن طريق العرض على أهل الخبرة والمتخصصين. والله أعلم

стр. 1188

(١٦٨) باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام وتسبيح الرجل وتصفيق المرأة في الصلاة إذا نابهما شيء ٧٧٠ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال أتصلي بالناس فأقيم؟ قال نعم. قال فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف؛ فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله ﷺ فأشار إليه رسول الله ﷺ أن أمكث مكانك؛ فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي ﷺ فصلى ثم انصرف، فقال "يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك" قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ "ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيح للنساء". ٧٧١ - عن سهل بن سعد بمثل حديث مالك وفي حديثهما فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ورجع القهقري وراءه حتى قام في الصف. ٧٧٢ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال ذهب نبي الله ﷺ يصلح بين بني عمرو بن عوف بمثل حديثهم وزاد فجاء رسول الله ﷺ فخرق الصفوف. حتى قام عند الصف المقدم. وفيه: أن أبا بكر رجع القهقري. ٧٧٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك، قال المغيرة فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر، فلما رجع رسول الله ﷺ إلى أخذت أهريق على يديه من الإداوة وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم

стр. 1189

ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته؛ فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه ثم أقبل. قال المغيرة فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى لهم فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله ﷺ يتم صلاته؛ فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال "أحسنتم" أو قال "قد أصبتم" يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها. ٧٧٤ - عن حمزة بن المغيرة نحو حديث عباد قال المغيرة فأردت تأخير عبد الرحمن فقال النبي ﷺ "دعه". ٧٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" زاد حرملة في روايته: قال ابن شهاب: وقد رأيت رجالا من أهل العلم يسبحون ويشيرون. بمثله. ٧٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثله وزاد "في الصلاة". -[المعنى العام]- بنو عمر بن عوف بطن كثير من الأوس، فيه عدة أحباء، كانوا يسكنون قباء قريبا من المدينة. اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، وعلم بذلك رسول الله ﷺ فقال لبعض أصحابه: اذهبوا بنا نصلح بينهم، كان ذلك بعد صلاة الظهر، وخشى ﷺ أن يشغل بالصلح في قباء، ويحين وقت العصر، وينتظره الصحابة أو يختلفون فيمن يؤمهم، فقال لبلال: إن حضرت صلاة العصر ولم آتك

стр. 1190

فمر أبا بكر فليصل بالناس. فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ثم قال لأبي بكر: أتصلي بالناس فأقيم الصلاة؟ أم تنتظر ربما حضر رسول الله ﷺ ؟ وكان أبو بكر يعلم بالأمر، ويعلم حب رسول الله ﷺ للتكبير بالصلاة في أول وقتها ويعلم حرصه على التخفيف عن الصحابة وعدم المشقة عليهم بتطويل الانتظار ومنهم المريض وصاحب العمل وذو الحاجة، فقال لبلال: نعم أقم الصلاة. فأقام بلال، وتقدم أبو بكر، فكبر واستفتح وبدأ في الصلاة، وجاء رسول الله ﷺ من خلف الصفوف، فاخترقها برفق حتى وصل إلى الصف الأول، فوقف فيه، يبغي الاقتداء بأبي بكر، وانزعج الصحابة لوقوف النبي ﷺ خلف أبي بكر، فصفقوا. وصفقوا. وصفقوا. ينبهون بذلك أبا بكر، وكان من عادة أبي بكر ألا يلتفت في صلاته، لأنه يعلم النهي عن الالتفات في الصلاة وأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل، كما كان من عادته أن يستغرق في صلاته خشوعا وخضوعا حتى لا يكاد يحس بما حوله، فلم ينتبه للتصفيق حتى أكثروا وأكثروا فالتفت فرأى رسول الله ﷺ فتحرك ليتأخر وليقف في الصف، وليقدم رسول الله ﷺ وإذا بالرسول ﷺ يشير إليه أن ابق في مكانك، واستمر في إمامتك، ولكن الصديق يفضل استعمال الأدب، ويعتذر عما ورد إليه من الأمر، فيرفع يديه إلى السماء شاكرا الله تعالى على التكريم الذي كرمه به رسول الله ﷺ ثم يرجع إلى الصف، وتقدم ﷺ ، فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته التفت إلى أبي بكر، فقال له: لم لم تثبت في إمامتك إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: كيف أتقدم بين يدي رسول الله ﷺ وأنا ابن أبي قحافة الذي لا يمتاز على كثير من قريش؟ ورضى رسول الله ﷺ بجوابه وأقره عليه، وقدر له أدبه وشعوره النبيل والتفت ﷺ إلى الصحابة يؤاخذهم على التصفيق في الصلاة فقال لهم: ما لكم قد صفقتم في الصلاة وأكثرتم التصفيق؟ لا تعودوا لمثلها. إن التصفيق في الصلاة للنساء، ومن حصل له في الصلاة شيء، يريد أن ينبه الغير عنه فليسبح، وليقل: سبحان الله، فبذلك ينتبه إليه. وبصدد الاستدلال على أن التسبيح في الصلاة للرجال، والتصفيق للنساء يروي الإمام مسلم حديثا آخر، في واقعة أخرى، يروي عن المغيرة بن شعبة أنه صحب رسول الله ﷺ في السفر إلى غزوة تبوك، وفي الطريق وقبيل الفجر أراد رسول الله ﷺ قضاء الحاجة، فانتحى عن الجيش إلى ناحية منعزلة، وبرز واتجه إلى مكان التغوط، وتبعه المغيرة يخدمه ويحمل له ماء الوضوء، ووقف منه على بعد، فلما قضى ﷺ حاجته، واستجمر بالأحجار توجه إلى المكان الذي وقف فيه المغيرة، وتهيأ للوضوء، وأخذ المغيرة يصب عليه الماء من إنائه، فغسل يديه ثلاث مرات. ثم غسل وجهه، ثم حاول أن يخرج يديه من الجبة ليغسلهما إلى المرفقين فلم يستطع لضيق كم الجبة، فأدخل كفيه من كمي الجبة إلى أسفلها، فأخرج ذراعيه وغسلهما إلى المرفقين، ثم مسح شعره ثم مسح على خفيه، ثم اتجه ﷺ وخلفه المغيرة حيث مكان الصلاة فوجدا القوم قد قدموا عبد الرحمن بن عوف يؤمهم، وكأن الصحابة خافوا على ضياع وقت الفضيلة لصلاة الصبح، وتوقعوا تأخر النبي ﷺ لعذر في قضاء الحاجة، وهم يعلمون حرصه ﷺ على أداء الصلاة في أول وقتها، ويعلمون إذنه ﷺ في أن يؤمهم أحدهم إذا تأخر عنهم. جاءهم رسول الله ﷺ وقد صلى بهم عبد الرحمن بن عوف ركعة فوقف في الصف خلف عبد الرحمن بن عوف، وأراد المغيرة أن

стр. 1191

ينبه عبد الرحمن بن عوف ليتأخر ويترك الإمامة لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ "دعه إماما" فامتثل الأمر، لكن الصحابة لم يعجبهم أن يصلي عبد الرحمن إماما لرسول الله ﷺ فأكثروا التسبيح لينبهوا عبد الرحمن فلم ينتبه، وصلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن ركعة فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ فأتم صلاته، فلما انتهى أعلن رضاه وإقراره واستحسانه لما حدث، أعلن استحسانه وسروره بتبكيرهم للصلاة في أول وقتها، وأعلن استحسانه لتسبيحهم وعدم تصفيقهم فقال لهم: أصبتم وأحسنتم، التسبيح في الصلاة للرجال والتصفيق للنساء. -[المباحث العربية]- (فحانت الصلاة) أل في الصلاة للعهد، والمراد بها صلاة العصر، ففي رواية البخاري "فلما حضرت صلاة العصر". (فجاء المؤذن) هو بلال، ففي رواية البخاري "فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ثم أقام" (فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ ) وفي رواية للبخاري "أتصلي للناس فأقيم؟ " باللام بدل الباء، والاستفهام قيل: للتقرير، أي صل بالناس. وليس المقصود الاستفهام الحقيقي، لأن صلاة أبي بكر بالناس كان مأمورا بها من النبي ﷺ ففي رواية لأحمد وأبي داود "فقال النبي ﷺ لبلال: إن حضرت العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس" ويصح أن يكون الاستفهام على الحقيقة، وأن بلالا خشى أن يكون عند أبي بكر زيادة علم من النبي ﷺ بهذا الخصوص فاستفهم أو أن بلالا استفهم: هل يبادر أول الوقت؟ أو ينتظر قليلا لعل النبي ﷺ يأتي؟ وكون الاستفهام حقيقيا أولى، لورود الجواب بنعم، وللتصريح بالتفويض من بلال في رواية للبخاري بلفظ "أتصلي للناس فأقيم إن شئت"؟ . ويمكن الجمع بين روايتنا وبين رواية البخاري الواردة في الأحكام بلفظ "فلما حضرت صلاة العصر أذن وأقام وأمر أبا بكر فتقدم" بأن بلالا أذن وأقام بإذن أبي بكر، ثم أمر أبا بكر فتقدم للإمامة كأمر النبي ﷺ وقوله "فأقيم" بالرفع والنصب، فالرفع على أن الجملة خبر مبتدأ محذوف، أي فأنا أقيم، والنصب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة باستفهام. (فصلى أبو بكر) ليس على حقيقته، بل معناه: دخل في الصلاة، بدليل قوله "فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة"، وبدليل ما جاء في رواية أخرى "وتقدم أبو بكر فكبر" وفي رواية "فاستفتح أبو بكر الصلاة". (فجاء النبي ﷺ والناس في الصلاة) يعنى شرعوا فيها مع شروع أبي بكر، وجملة "والناس في الصلاة" حالية. (فتخلص حتى وقف في الصف) أي فتخلص رسول الله ﷺ من الصفوف بشقها برفق

стр. 1192

حتى وصل إلى الصف الأول، فوقف فيه، وقد وضح هذا المعنى بالزيادة الواردة في آخر روايتنا، ولفظها "فجاء رسول الله ﷺ فخرق الصفوف، حتى قام عند الصف المقدم". (فصفق الناس) التصفيق التصويت باليدين، قيل هو التصفيح وقيل: التصفيح الضرب بظاهر إحدى اليدين على صفحة الأخرى، والتصفيق الضرب بإحدى الصفحتين على الأخرى، كما يفعل في اللهو واللعب. والمراد من الناس المصلون أي بعضهم، والظاهر أن البعض المصفق استمر في تصفيقه فترة، بدليل رواية "فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت" وروايتنا "فلما أكثر الناس التصفيق التفت". (فأشار إليه ﷺ أن امكث مكانك) "أن" تصلح مصدرية والتقدير: فأشار إليه بالمكث، وتصلح مفسرة لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، والتقدير: فأشار إليه أي امكث مكانك. وفي رواية "فأشار إليه يأمره بأن يصلي". (حمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك) أي من ذلك التكريم وطلب بقائه إماما لرسول الله ﷺ . (ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف) أي تأخر، والسين والتاء للمعالجة أو الصيرورة أو للمبالغة، في التأخر، والتعبير بثم ليس للتراخي الزمني بل للتراخي الرتبي، وفي الرواية الملحقة "فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ورجع القهقري وراءه حتى قام في الصف". (وتقدم النبي ﷺ فصلى) في رواية المسعودي "فلما تنحى تقدم النبي ﷺ ". (ثم انصرف) أي انصرف من الصلاة وانتهى منها بالتسليم. (ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ "وأبي قحافة" بضم القاف وتخفيف الحاء، واسمه عثمان بن عامر القرشي. أسلم عام الفتح وعاش إلى خلافة عمر ﵁، ومات سنة أربع عشرة من الهجرة، واختار أبو بكر هذه العبارة، ولم يقل مثلا: ما كان لي، أو ما كان لأبي بكر تواضعا وهضما لنفسه، واستصغارا لمرتبته عند رسول الله ﷺ . (ما لي رأيتكم قد أكثرتم التصفيق؟ ) أسلوب تعريض، والغرض مالكم قد أكثرتم التصفيق. و"مالي" مبتدأ وخبر، أي أي شيء حدث لي حالة رؤيتي لكم في هذه الحالة، والمراد أي شيء حصل لكم حالة إكثاركم التصفيق؟ . (من نابه شيء في صلاته فليسبح) أي من أصابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله. (فإنه إذا سبح التفت إليه) "التفت" بالبناء للمجهول، والمقصود انتبه إلى المسبح، وليس المقصود خصوص الالتفات.

стр. 1193

(وإنما التصفيح للنساء) ظاهر هذه العبارة أن المراد من التصفيح هو التصفيق، إذ عبر عن الحالة التي كانوا عليها مرة بالتصفيق ومرة بالتصفيح. (فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط) "البراز" بفتح الباء المكان الواسع الظاهر من الأرض، ويقصد لقضاء الحاجة بعيدا عن أعين الناظرين، والبراز بكسر الباء نفس الخارج، والغائط المكان المنخفض المقصود لقضاء الحاجة ويطلق على نفس الخارج، فالمعنى هنا: تبرز رسول الله ﷺ ، أي اتجه إلى المكان الواسع البعيد المتجه نحو المكان المنخفض لقضاء الحاجة. (فحملت معه إداوة) الإداوة بكسر الهمزة إناء صغير من جلد قال النووي: والإداوة والركوة والمطهرة بكسر الميم، والميضأة بكسر الميم أيضأ بمعنى متقارب: إناء الوضوء. اهـ. (ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه) أي يزيح جبته عن ذراعيه ففي رواية لمسلم في باب المسح على الخفين "ثم ذهب يحسر عن ذراعيه" أي يحسر الجبة عن ذراعيه، وأصل المعنى: يخرج ذراعيه من كمي جبته، ومن المعلوم أن الجبة لها فتحتان بدون طول في الأكمام، ولعل هذه الجبة قد لبست في هذا السفر لأول مرة، وكانت ضيقة الفتحتين، ولم يكن رسول الله ﷺ يعرف ضيق كميها. فحاول إخراج ذراعيه منهما. (ثم توضأ على خفيه) أي مسح على خفيه، ففي رواية مسلم في باب المسح على الخفين "ثم مسح على خفيه". (فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف) كان الظاهر أن يقول: حتى وجدنا الناس قد قدموا. لأن الكلام عن الماضي ولكنه عبر بالمضارع استحضارا للصورة الغريبة في نظر المغيرة. -[فقه الحديث]- يتعرض كل من الحديثين إلى مسألتين أساسيتين. أولاهما: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، ثانيتهما: التسبيح للرجال في الصلاة والتصفيق للنساء. أما عن المسألة الأولى: فقد تقدم شرحها في الحديث السابق، وقد قلنا: إن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، وفصلنا قول الفقهاء ووجهة نظرهم في حكم تأخر الإمام الأول إلى الصف ليفسح للإمام الثاني، وهل يجوز أو لا يجوز؟ أما عن المسألة الثانية: فقد ذهب مالك في رواية عنه أن المرأة تسبح كالرجل في الصلاة إذا نابها شيء، لأن "من" في قوله ﷺ : "من نابه شيء في صلاته فليسبح" تقع على الذكور والإناث، قال: والتصفيق منسوخ بقوله "من نابه شيء في صلاته فليسبح" وهذا القول أنكره

стр. 1194

جمهور العلماء لأنه لا يقبل أن ينسخ أول الحديث آخره. فالحديث صريح في أن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء. قال الإمام النووي في شرح مسلم: تضرب المرأة بطن كفها الأيمن على ظهر الأيسر، ولا تضرب بطن كف على بطن كف، على وجه اللعب واللهو، فإن فعلت هكذا على جهة اللعب بطلت صلاتها، لمنافاتها الصلاة. اهـ وعليه لو فعلت هكذا على وجه التنبيه لا على وجه اللعب فإنه لا يضر. وإن كان الأولى أن تضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر. -[ويؤخذ من الحديث الأول فوق ما تقدم]- ١ - فضل الإصلاح بين الناس وجمع الكلمة، وحسم مادة القطيعة. ٢ - توجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته للإصلاح. ٣ - تقديم الإمام الإصلاح على مصلحة الإمام بنفسه، لأن في ذلك دفع المفسدة. ٤ - توجه الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا رجح ذلك على استحضارهم إليه. ٥ - جواز الصلاة الواحدة بإمامين، أحدهما بعد الآخر. ٦ - أن الإمام الراتب إذا غاب أوصى باستخلاف غيره. ٧ - أنه إذا حضر الإمام الراتب بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير الإمام الراتب بين أن يأتم أو يؤم هو ويصير النائب مأموما، من غير أن يقطع الصلاة ولا يبطل شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين، هذا هو الصحيح المشهور عند الشافعية، وادعى ابن عبد البر أن ذلك من خصائص النبي ﷺ وأنه لا يجوز لغيره أن يجعل النائب مأموما، ووجهه العيني فقال: لأنه لا يجوز التقدم بين يدي النبي ﷺ وليس لسائر الناس اليوم من الفضل من يجب التأخر له اهـ وادعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك. لكن هذا الادعاء منقوض بما اشتهر عن الشافعية كما سبق: وقد جاء عن ابن القاسم [في الإمام يحدث فيستخلف، ثم يرجع فيخرج المستخلف ويتم الأول] أن الصلاة صحيحة. ٨ - وفيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام، وهو مذهب الشافعي والجمهور على خلافه، لقوله ﷺ "إذا كبر الإمام فكبروا" فقد رتب تكبير المأموم على تكبير الإمام، فلا يصح أن يسبقه، قال ابن بطال: لا أعلم من يقول: إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي، وسائر الفقهاء لا يجيزون ذلك. اهـ. والحق أن استدلال الشافعي بالحديث بعيد، لأن تكبير أبي بكر قبل النبي ﷺ لم يكن في حال كون أبي بكر مأموما والنبي ﷺ إماما حتى يقال: إن المأموم كبر قبل الإمام، ولكن التعبير الدقيق أن يقال: إن من سيصير مأموما كبر قبل من سيصير إماما. ٩ - وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إماما وفي بعضها مأموما.

стр. 1195

١٠ - وفيه فضل أبي بكر ﵁، واتفاق الصحابة على رجحانه عليهم. ١١ - وفيه تقديم الصلاة في أول وقتها، وأنه مقدم على انتظار الإمام الأفضل. ١٢ - وأن الإقامة لا تصلح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة، لقوله: "أتصلي فأقيم"؟ . ١٣ - وأن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة، وهذا هو السنة، ولو أقام غيره كان خلاف السنة، لكن يعتد بإقامته عند الشافعية، وجمهور العلماء سواء كان بإذن المؤذن أو بدون إذنه، ففي بعض الروايات أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن زيد حين رأى الأذان "ألقها على بلال فإنه أمد منك صوتا، وأقم أنت" وأما قوله ﷺ : "من أذن فهو يقيم" فقد كان في حق زياد بن الحارث الصدائي، وكان حديث عهد بالإسلام، أمره بها كيلا تدخله الوحشة، قاله العيني. ١٤ - وأن إقامة الصلاة واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن. ١٥ - وأن المؤذن وغيره يعرض التقدم على الفاضل. ١٦ - وأن الفاضل يوافقه بعد أن يعلم أن ذلك برضا الجماعة. ١٧ - وأن المقيم لا يقيم إلا بإذن الإمام. ١٨ - وفيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة، لأنه من ذكر الله، ولو كان مراد المسبح إعلام غيره بما صدر منه. ١٩ - وفيه رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء والثناء. ٢٠ - وفيه استحباب حمد الله لمن تجددت له نعمة، ولو كان في الصلاة. ٢١ - وفيه جواز حرق الصفوف والمشي بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول، لكنه مقصور على من يليق ذلك به، كالإمام، أو من كان بصدد أن يحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سد فرجة في الصف الأول أو ما يليه ولا يكون ذلك معدودا من الأذى. ٢٢ - وفيه جواز الالتفات للحاجة، وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يبطل الصلاة إذا كان يسيرا، ولكنه مكروه لغير حاجة وأما ما رواه أبو داود "لا صلاة لمتلفت" فهو ضعيف. ٢٣ - وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، لقوله: "فصفق الناس". ٢٤ - وجواز المشي خطوة أو خطوتين في الصلاة، وأن هذا القدر لا يكره إذا كان لحاجة، لكنها إذا كانت للخلف لا يستدبر القبلة ولا ينحرف عنها. ٢٥ - وفيه جواز استخلاف المفضول للفاضل، لأن النبي ﷺ أمر أبا بكر بالثبات إماما له. ٢٦ - وفيه جواز استخلاف المصلي بالقوم من يتم الصلاة لهم. ٢٧ - وفيه أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه أن المقصود تكريمه بذلك الشيء، لا يتحتم
следующие страницы →