Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
ينبه عبد الرحمن بن عوف ليتأخر ويترك الإمامة لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ "دعه إماما" فامتثل الأمر، لكن الصحابة لم يعجبهم أن يصلي عبد الرحمن إماما لرسول الله ﷺ فأكثروا التسبيح لينبهوا عبد الرحمن فلم ينتبه، وصلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن ركعة فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ فأتم صلاته، فلما انتهى أعلن رضاه وإقراره واستحسانه لما حدث، أعلن استحسانه وسروره بتبكيرهم للصلاة في أول وقتها، وأعلن استحسانه لتسبيحهم وعدم تصفيقهم فقال لهم: أصبتم وأحسنتم، التسبيح في الصلاة للرجال والتصفيق للنساء.
-[المباحث العربية]-
(فحانت الصلاة) أل في الصلاة للعهد، والمراد بها صلاة العصر، ففي رواية البخاري "فلما حضرت صلاة العصر".
(فجاء المؤذن) هو بلال، ففي رواية البخاري "فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ثم أقام"
(فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ ) وفي رواية للبخاري "أتصلي للناس فأقيم؟ " باللام بدل الباء، والاستفهام قيل: للتقرير، أي صل بالناس. وليس المقصود الاستفهام الحقيقي، لأن صلاة أبي بكر بالناس كان مأمورا بها من النبي ﷺ ففي رواية لأحمد وأبي داود "فقال النبي ﷺ لبلال: إن حضرت العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس" ويصح أن يكون الاستفهام على الحقيقة، وأن بلالا خشى أن يكون عند أبي بكر زيادة علم من النبي ﷺ بهذا الخصوص فاستفهم أو أن بلالا استفهم: هل يبادر أول الوقت؟ أو ينتظر قليلا لعل النبي ﷺ يأتي؟ وكون الاستفهام حقيقيا أولى، لورود الجواب بنعم، وللتصريح بالتفويض من بلال في رواية للبخاري بلفظ "أتصلي للناس فأقيم إن شئت"؟ .
ويمكن الجمع بين روايتنا وبين رواية البخاري الواردة في الأحكام بلفظ "فلما حضرت صلاة العصر أذن وأقام وأمر أبا بكر فتقدم" بأن بلالا أذن وأقام بإذن أبي بكر، ثم أمر أبا بكر فتقدم للإمامة كأمر النبي ﷺ وقوله "فأقيم" بالرفع والنصب، فالرفع على أن الجملة خبر مبتدأ محذوف، أي فأنا أقيم، والنصب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة باستفهام.
(فصلى أبو بكر) ليس على حقيقته، بل معناه: دخل في الصلاة، بدليل قوله "فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة"، وبدليل ما جاء في رواية أخرى "وتقدم أبو بكر فكبر" وفي رواية "فاستفتح أبو بكر الصلاة".
(فجاء النبي ﷺ والناس في الصلاة) يعنى شرعوا فيها مع شروع أبي بكر، وجملة "والناس في الصلاة" حالية.
(فتخلص حتى وقف في الصف) أي فتخلص رسول الله ﷺ من الصفوف بشقها برفق
стр. 1192
حتى وصل إلى الصف الأول، فوقف فيه، وقد وضح هذا المعنى بالزيادة الواردة في آخر روايتنا، ولفظها "فجاء رسول الله ﷺ فخرق الصفوف، حتى قام عند الصف المقدم".
(فصفق الناس) التصفيق التصويت باليدين، قيل هو التصفيح وقيل: التصفيح الضرب بظاهر إحدى اليدين على صفحة الأخرى، والتصفيق الضرب بإحدى الصفحتين على الأخرى، كما يفعل في اللهو واللعب. والمراد من الناس المصلون أي بعضهم، والظاهر أن البعض المصفق استمر في تصفيقه فترة، بدليل رواية "فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت" وروايتنا "فلما أكثر الناس التصفيق التفت".
(فأشار إليه ﷺ أن امكث مكانك) "أن" تصلح مصدرية والتقدير: فأشار إليه بالمكث، وتصلح مفسرة لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، والتقدير: فأشار إليه أي امكث مكانك. وفي رواية "فأشار إليه يأمره بأن يصلي".
(حمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك) أي من ذلك التكريم وطلب بقائه إماما لرسول الله ﷺ .
(ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف) أي تأخر، والسين والتاء للمعالجة أو الصيرورة أو للمبالغة، في التأخر، والتعبير بثم ليس للتراخي الزمني بل للتراخي الرتبي، وفي الرواية الملحقة "فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ورجع القهقري وراءه حتى قام في الصف".
(وتقدم النبي ﷺ فصلى) في رواية المسعودي "فلما تنحى تقدم النبي ﷺ ".
(ثم انصرف) أي انصرف من الصلاة وانتهى منها بالتسليم.
(ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ "وأبي قحافة" بضم القاف وتخفيف الحاء، واسمه عثمان بن عامر القرشي. أسلم عام الفتح وعاش إلى خلافة عمر ﵁، ومات سنة أربع عشرة من الهجرة، واختار أبو بكر هذه العبارة، ولم يقل مثلا: ما كان لي، أو ما كان لأبي بكر تواضعا وهضما لنفسه، واستصغارا لمرتبته عند رسول الله ﷺ .
(ما لي رأيتكم قد أكثرتم التصفيق؟ ) أسلوب تعريض، والغرض مالكم قد أكثرتم التصفيق. و"مالي" مبتدأ وخبر، أي أي شيء حدث لي حالة رؤيتي لكم في هذه الحالة، والمراد أي شيء حصل لكم حالة إكثاركم التصفيق؟ .
(من نابه شيء في صلاته فليسبح) أي من أصابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله.
(فإنه إذا سبح التفت إليه) "التفت" بالبناء للمجهول، والمقصود انتبه إلى المسبح، وليس المقصود خصوص الالتفات.
стр. 1193
(وإنما التصفيح للنساء) ظاهر هذه العبارة أن المراد من التصفيح هو التصفيق، إذ عبر عن الحالة التي كانوا عليها مرة بالتصفيق ومرة بالتصفيح.
(فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط) "البراز" بفتح الباء المكان الواسع الظاهر من الأرض، ويقصد لقضاء الحاجة بعيدا عن أعين الناظرين، والبراز بكسر الباء نفس الخارج، والغائط المكان المنخفض المقصود لقضاء الحاجة ويطلق على نفس الخارج، فالمعنى هنا: تبرز رسول الله ﷺ ، أي اتجه إلى المكان الواسع البعيد المتجه نحو المكان المنخفض لقضاء الحاجة.
(فحملت معه إداوة) الإداوة بكسر الهمزة إناء صغير من جلد قال النووي: والإداوة والركوة والمطهرة بكسر الميم، والميضأة بكسر الميم أيضأ بمعنى متقارب: إناء الوضوء. اهـ.
(ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه) أي يزيح جبته عن ذراعيه ففي رواية لمسلم في باب المسح على الخفين "ثم ذهب يحسر عن ذراعيه" أي يحسر الجبة عن ذراعيه، وأصل المعنى: يخرج ذراعيه من كمي جبته، ومن المعلوم أن الجبة لها فتحتان بدون طول في الأكمام، ولعل هذه الجبة قد لبست في هذا السفر لأول مرة، وكانت ضيقة الفتحتين، ولم يكن رسول الله ﷺ يعرف ضيق كميها. فحاول إخراج ذراعيه منهما.
(ثم توضأ على خفيه) أي مسح على خفيه، ففي رواية مسلم في باب المسح على الخفين "ثم مسح على خفيه".
(فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف) كان الظاهر أن يقول: حتى وجدنا الناس قد قدموا. لأن الكلام عن الماضي ولكنه عبر بالمضارع استحضارا للصورة الغريبة في نظر المغيرة.
-[فقه الحديث]-
يتعرض كل من الحديثين إلى مسألتين أساسيتين. أولاهما: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، ثانيتهما: التسبيح للرجال في الصلاة والتصفيق للنساء.
أما عن المسألة الأولى: فقد تقدم شرحها في الحديث السابق، وقد قلنا: إن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، وفصلنا قول الفقهاء ووجهة نظرهم في حكم تأخر الإمام الأول إلى الصف ليفسح للإمام الثاني، وهل يجوز أو لا يجوز؟
أما عن المسألة الثانية: فقد ذهب مالك في رواية عنه أن المرأة تسبح كالرجل في الصلاة إذا نابها شيء، لأن "من" في قوله ﷺ : "من نابه شيء في صلاته فليسبح" تقع على الذكور والإناث، قال: والتصفيق منسوخ بقوله "من نابه شيء في صلاته فليسبح" وهذا القول أنكره
стр. 1194
جمهور العلماء لأنه لا يقبل أن ينسخ أول الحديث آخره. فالحديث صريح في أن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
قال الإمام النووي في شرح مسلم: تضرب المرأة بطن كفها الأيمن على ظهر الأيسر، ولا تضرب بطن كف على بطن كف، على وجه اللعب واللهو، فإن فعلت هكذا على جهة اللعب بطلت صلاتها، لمنافاتها الصلاة. اهـ وعليه لو فعلت هكذا على وجه التنبيه لا على وجه اللعب فإنه لا يضر. وإن كان الأولى أن تضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر.
-[ويؤخذ من الحديث الأول فوق ما تقدم]-
١ - فضل الإصلاح بين الناس وجمع الكلمة، وحسم مادة القطيعة.
٢ - توجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته للإصلاح.
٣ - تقديم الإمام الإصلاح على مصلحة الإمام بنفسه، لأن في ذلك دفع المفسدة.
٤ - توجه الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا رجح ذلك على استحضارهم إليه.
٥ - جواز الصلاة الواحدة بإمامين، أحدهما بعد الآخر.
٦ - أن الإمام الراتب إذا غاب أوصى باستخلاف غيره.
٧ - أنه إذا حضر الإمام الراتب بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير الإمام الراتب بين أن يأتم أو يؤم هو ويصير النائب مأموما، من غير أن يقطع الصلاة ولا يبطل شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين، هذا هو الصحيح المشهور عند الشافعية، وادعى ابن عبد البر أن ذلك من خصائص النبي ﷺ وأنه لا يجوز لغيره أن يجعل النائب مأموما، ووجهه العيني فقال: لأنه لا يجوز التقدم بين يدي النبي ﷺ وليس لسائر الناس اليوم من الفضل من يجب التأخر له اهـ وادعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك. لكن هذا الادعاء منقوض بما اشتهر عن الشافعية كما سبق: وقد جاء عن ابن القاسم [في الإمام يحدث فيستخلف، ثم يرجع فيخرج المستخلف ويتم الأول] أن الصلاة صحيحة.
٨ - وفيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام، وهو مذهب الشافعي والجمهور على خلافه، لقوله ﷺ "إذا كبر الإمام فكبروا" فقد رتب تكبير المأموم على تكبير الإمام، فلا يصح أن يسبقه، قال ابن بطال: لا أعلم من يقول: إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي، وسائر الفقهاء لا يجيزون ذلك. اهـ.
والحق أن استدلال الشافعي بالحديث بعيد، لأن تكبير أبي بكر قبل النبي ﷺ لم يكن في حال كون أبي بكر مأموما والنبي ﷺ إماما حتى يقال: إن المأموم كبر قبل الإمام، ولكن التعبير الدقيق أن يقال: إن من سيصير مأموما كبر قبل من سيصير إماما.
٩ - وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إماما وفي بعضها مأموما.
стр. 1195
١٠ - وفيه فضل أبي بكر ﵁، واتفاق الصحابة على رجحانه عليهم.
١١ - وفيه تقديم الصلاة في أول وقتها، وأنه مقدم على انتظار الإمام الأفضل.
١٢ - وأن الإقامة لا تصلح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة، لقوله: "أتصلي فأقيم"؟ .
١٣ - وأن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة، وهذا هو السنة، ولو أقام غيره كان خلاف السنة، لكن يعتد بإقامته عند الشافعية، وجمهور العلماء سواء كان بإذن المؤذن أو بدون إذنه، ففي بعض الروايات أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن زيد حين رأى الأذان "ألقها على بلال فإنه أمد منك صوتا، وأقم أنت" وأما قوله ﷺ : "من أذن فهو يقيم" فقد كان في حق زياد بن الحارث الصدائي، وكان حديث عهد بالإسلام، أمره بها كيلا تدخله الوحشة، قاله العيني.
١٤ - وأن إقامة الصلاة واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن.
١٥ - وأن المؤذن وغيره يعرض التقدم على الفاضل.
١٦ - وأن الفاضل يوافقه بعد أن يعلم أن ذلك برضا الجماعة.
١٧ - وأن المقيم لا يقيم إلا بإذن الإمام.
١٨ - وفيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة، لأنه من ذكر الله، ولو كان مراد المسبح إعلام غيره بما صدر منه.
١٩ - وفيه رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء والثناء.
٢٠ - وفيه استحباب حمد الله لمن تجددت له نعمة، ولو كان في الصلاة.
٢١ - وفيه جواز حرق الصفوف والمشي بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول، لكنه مقصور على من يليق ذلك به، كالإمام، أو من كان بصدد أن يحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سد فرجة في الصف الأول أو ما يليه ولا يكون ذلك معدودا من الأذى.
٢٢ - وفيه جواز الالتفات للحاجة، وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يبطل الصلاة إذا كان يسيرا، ولكنه مكروه لغير حاجة وأما ما رواه أبو داود "لا صلاة لمتلفت" فهو ضعيف.
٢٣ - وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، لقوله: "فصفق الناس".
٢٤ - وجواز المشي خطوة أو خطوتين في الصلاة، وأن هذا القدر لا يكره إذا كان لحاجة، لكنها إذا كانت للخلف لا يستدبر القبلة ولا ينحرف عنها.
٢٥ - وفيه جواز استخلاف المفضول للفاضل، لأن النبي ﷺ أمر أبا بكر بالثبات إماما له.
٢٦ - وفيه جواز استخلاف المصلي بالقوم من يتم الصلاة لهم.
٢٧ - وفيه أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه أن المقصود تكريمه بذلك الشيء، لا يتحتم
стр. 1196
الفعل، فله أن يتركه، ولا يكون بهذا مخالفا للأمر، بل يكون متأدبا متواضعا حذقا في فهم المقاصد، ولهذا لم يتعقب النبي ﷺ اعتذار أبي بكر برده عليه، فإن قيل: قد ثبت أن أبا بكر قد استمر إماما حين صلى النبي ﷺ خلفه الركعة الثانية من الصبح في مرض موته أجيب بأنه إذا كان قد مضى من الصلاة معظمها حسن الاستمرار كما في حال مرضه ﷺ وكما في حال عبد الرحمن بن عوف في الحديث الثاني، وإذا كان لم يمض منها إلا اليسير لم يحسن الاستمرار كما في هذا الحديث.
٢٨ - وفيه ملازمة الأدب مع الكبار.
٢٩ - وفيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك.
٣٠ - وفيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية.
٣١ - فيه ذكر الرجل لنفسه بما يشعر بالتواضع، لقول أبي بكر: "ما كان لابن أبي قحافة ... " إلخ.
٣٢ - استدل به بعضهم على أن الممنوع كثرة التصفيق، لا أصل التصفيق لقوله ﷺ : "مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق"؟ وهو مردود بإنكار أصل التصفيق للرجال في آخر الحديث. والله أعلم.
٣٣ - ومن الرواية الثانية خدمة العالم.
٣٤ - أخذ منه المتصوفة اختصاص الشيخ بخادم يقتصر عليه، فإن المغيرة كان أحد الأحرار المختصين بخدمته ﷺ في السفر، كأنس في الحضر ذكره الأبي.
٣٥ - الإبعاد عند قضاء الحاجة والتواري عن الأعين.
٣٦ - جواز الاستعانة في الوضوء. قاله النووي، وهي على ثلاثة أقسام: أحدها أن يستعين في إحضار الماء، فلا كراهية فيه. الثاني أن يستعين في غسل الأعضاء، ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء، فهذا مكروه إلا لحاجة؛ الثالث أن يصب عليه، فهذا مكروه في أحد الوجهين والأولى تركه. اهـ[ولا يقال: كيف يقال عن فعل فعله الرسول ﷺ والأولى تركه؟ لأن الصحابة كانوا يتبركون بمعاونته ﷺ ، فلا يقاس عليه غيره في مثل هذا].
٣٧ - استدل به بعضهم على جواز لبس الضيق من الثياب الذي لا يصف العورة، قال القرطبي: يحتمل أن تضييق الأكمام كان للسفر وأنه الموجود، فلا يحتج به لرجحان تضييق الأكمام، وما يحكى أن شريحا عزل رجلا ضيق كميه بعيد.
٣٨ - جواز إخراج اليدين من أسفل لمثل هذه الضرورة، فإن لم تكن ضرورة فلا تفعل في المحافل، قال النووي: لأن ذلك يخل بالمروءة، وشرط هذا الجواز أن لا يتبين شيء من العورة.
٣٩ - وفيه أن الاقتصار على غسل معظم العضو المفروض غسله لا يجزئ لأنه صلى الله عليه وسلم
стр. 1197
أخرج يديه من تحت الجبة ولم يكتف بغسل ما أمكن حسر الجبة عنه منهما ومسح ما لم يمكن حسره عنه.
٤٠ - وفيه غسل الكفين في أول الوضوء ثلاثا، وهو من السنن، ففيه مواظبته ﷺ على السنن حتى في السفر.
٤١ - وجواز لبس الجلباب، ذكره النووي.
٤٢ - وفيه جواز المسح على الخفين، وقد تقدمت كيفيته وشروطه في باب المسح على الخفين من كتاب الطهارة، فليراجع.
٤٣ - وفيه جواز الصلاة في الخفاف، لأن قوله: "ثم توضأ على خفيه ثم أقبل ... فصلى مع الناس" ظاهر في أنه صلى في خفيه، لأنه لو نزعهما بعد المسح لوجب غسل رجليه، ولو غسلهما لنقل.
٤٤ - وفيه أن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، فإنهم فعلوها في أول الوقت ولم ينتظروا النبي ﷺ قاله النووي.
وقال القاضي عياض: صلاتهم قبل أن يأتيهم يحتمل أنهم بادروا فضل أول الوقت، أو ظنوا أنه أخذ غير طريقهم، أو أنه لا يأتي إلا وقد صلى، وفزعهم حين أدركهم يصلون يدل على أنهم لم يبادروا الفضل أول الوقت، ولا أنهم أخروا الصلاة حتى خافوا خروج الوقت، فالأشبه أنهم انتظروه فلما تأخر عن وقته المعتاد صلوا، والحق مع الإمام النووي لقول الراوي في نهاية الحديث [فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنتم -أو قال: قد أصبتم- يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها].
٤٥ - قال النووي: وفيه أن الإمام إذا تأخر عن أول الوقت استحب للجماعة أن يقدموا أحدهم فيصلي بهم، إذا وثقوا بحسن خلق الإمام، وأنه لا يتأذى من ذلك، ولا يترتب عليه فتنة، فأما إذا لم يأمنوا أذاه فإنهم يصلون في أول الوقت فرادى، ثم إن أدركوا الجماعة بعد ذلك استحب لهم إعادتها معهم. اهـ.
٤٦ - وفيه تقديم الجماعة إماما بغير إذن الإمام.
٤٧ - وفيه أدب القوم مع كبيرهم، إذ فزعوا حين أحسوا بالنبي ﷺ وذهب إمامهم ليتأخر، وهذا المأخذ مبني على ملاحظة الروايات الأخرى التي تعتبر متممة وموضحة لهذه الرواية، وهي مذكورة في باب المسح على الخفين، وإلا فظاهر روايتنا أن الفزع والتسبيح كان بعد أن سلم عبد الرحمن، وليس فيها محاولة عبد الرحمن التأخر، ففي الروايات هناك "ثم ركب وركبت، فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة، يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي ﷺ ذهب يتأخر، فأومأ إليه، فصلى بهم".
٤٨ - وفيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول.
стр. 1198
٤٩ - وجواز صلاة النبي ﷺ خلف بعض أمته.
٥٠ - وفيه كيفية قضاء المسبوق، واتباعه إمامه حتى في جلوسه ولو في غير محل جلوس المسبوق.
٥١ - وأنه لا يقضي إلا بعد سلام الإمام.
٥٢ - وأنه لا يطالب بسجود السهو خلافا لما ذهب إليه أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر، فقد روى ابن أبي شيبة موصولا عن عطاء عن أبي سعيد وابن عمر وابن الزبير في الرجل يدخل مع الإمام وقد فاته بعض الصلاة؟ قالوا: يصنع كما يصنع الإمام، فإذا قضى الإمام صلاته قام يقضي وسجد سجدتين. اهـ.
وبقولهم هذا قال جماعة منهم عطاء وطاووس وإسحق ومجاهد، ووجهة نظرهم احتمال أن يكون على الإمام سهو، أو لما يترتب على السبق من الجلوس للتشهد في غير موضع الجلوس، أو لما يترتب عليه من الزيادة والنقص.
والله أعلم
стр. 1199
(١٦٩) باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها
٧٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله يوما ثم انصرف فقال "يا فلان ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه. إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي".
٧٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "هل ترون قبلتي ها هنا؟ فوالله ما يخفى على ركوعكم ولا سجودكم إني لأراكم وراء ظهري".
٧٧٩ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال "أقيموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من بعدي (وربما قال: من بعد ظهري) إذا ركعتم وسجدتم".
٧٨٠ - عن أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ قال "أتموا الركوع والسجود. فوالله إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم" وفي حديث سعيد "إذا ركعتم وإذا سجدتم".
-[المعنى العام]-
كان ﷺ يعلم أصحابه الصلاة وأركانها وكيفيتها بالقول كما كان يعلمهم بالفعل، يصلي أمامهم، ثم يقول لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولم يكن يكتفي بالتعليم بل كان يراقب ويتابع تنفيذهم لتعاليمه، وكان إذا رأى خطأ أصلحه وأرشد إلى الصواب.
كان ﷺ يستشعر أحوال أصحابه وتحركاتهم في صلاتهم وهم خلفه، وقد وهبه ربه حسا مرهفا، وإدراكا "إشعاعيا" حتى كأنه يبصر من وراءه بعيني رأسه.
أحس أن رجلا ممن يصلي خلفه لا يحسن الركوع والسجود، ولا يطمئن فيهما، ولا تخشع جوارحه لهما، فلما انتهى من صلاته قال له: يا فلان لماذا لا تحسن صلاتك؟ لماذا لا تتم ركوعها وسجودها
стр. 1200
وخشوعها؟ إنك تصلي لنفسك اجعل نفسك الرقيب على نفسك في صلاتك؟ لأن ثواب صلاتك لك لا لغيرك وما يعمله الإنسان لنفسه ينبغي أن يكون على ما يجب من الجودة والإتقان.
ثم التفت ﷺ إلى المصلين، فقال: ليفكر المصلي في صلاته وليتدبر ما يجب عليه فيها، وليحرص على أن تكون صلاته على الكيفية الصحيحة المطلوبة، ليكن كل منكم رقيبا على نفسه، محاسبا إياها على الإحسان في صلاتها، إنني حريص عليكم، إنني مراقب حركاتكم. إنني وإن كنت متوجها بوجهي وصدري إلى القبلة فإن بصيرتي تراقب من ورائي، وكأنني أبصر من خلفي كما أبصر من أمامي، أقيموا الركوع والسجود وأحسنوهما والتزموا الطمأنينة فيهما، ولتخشع جوارحكم كدليل على خشوع قلوبكم.
وهكذا يدفع ﷺ من لم يراقب نفسه إلى أن يراقب غيره فإن بعض النفوس تخشى الناس كخشية الله، وإن بعض النفوس تطمئن إلى عفو الله وتحسب الحساب مرة ومرة للوم المخلوقين، فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ووفقنا لعمل الخير وخير العمل، إنك أنت السميع العليم.
-[المباحث العربية]-
(ثم انصرف) من الصلاة، أي انتهى منها، أو انصرف عن الاتجاه إلى المصلين.
(فقال يا فلان) لفظ الرسول ﷺ النطق باسم الصحابي، ولكن الراوي كنى عن اسمه وأخفاه، جريا على عادتهم ﵃ في الستر على أصحاب الخطأ والتقصير.
(ألا تحسن صلاتك) "ألا" للعرض أو التخضيض، أي الطلب برفق، أو بشيء من القوة، أي أحسن صلاتك، وأصلها الهمزة التي للاستفهام التوبيخي بمعنى لا ينبغي، دخلت على "لا" النافية، فصار الكلام: لا ينبغي أن لا تحسن صلاتك، ونفي النفي إثبات، فيصير المعنى: ينبغي أن تحسن صلاتك.
(ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي)؟ أي ينبغي أن ينظر المصلي والمراد من النظر التفكر والتأمل، أي ليفكر المصلي في صلاته ويقارن بين ما يؤدى وبين ما ينبغي.
(فإنما يصلي لنفسه) الفاء للتعليل، وفي الكلام مضاف محذوف، أي لنفع نفسه وفائدة نفسه، فالله غني عن الإنسان وعن عبادته، وما أوجب الصلاة إلا لمثوبة العبد ومجازاته، ومن عرف أن الفعل لفائدة نفسه أحسنه فليس هناك من هو أحب إلى الإنسان من نفس الإنسان غالبا.
(إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي) ضبطناه في النسخ التي بين أيدينا "من ورائي. من بين يدي" بكسر الميم في "من" ويصح من حيث المعنى فتح الميم، بل هو أقرب إلى الروايات التالية و"إني لأراكم".
стр. 1201
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد من الإبصار الإبصار الحقيقي، فقال النووي: قال العلماء معناه أن الله تعالى خلق له ﷺ إداركا في قفاه، يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به. قال القاضي: قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وجمهور العلماء هذه الرؤية بالعين حقيقة. اهـ.
ونحن لا ننكر أن هذا ممكن وهين على قدرة الله تعالى، ولكنه لم يعهد واقعا، لم يعهد أن عينيه ﷺ وهي متجهة إلى الأمام ترى من هو في الخلف كما ترى من هو في الأمام، ولسنا في حاجة إلى تكلف خوارق العادات خصوصا حيث لا دليل عليها، إذ المقصود في الحديث علمه ﷺ بحركات من خلفه علما يشبه في تمامه إبصار العين، والأصل في التشبيه أن يكون المشبه به أقوى من المشبه في وجه الشبه، ولو كان بالعين لم يحسن التشبيه إذ يكون الخلف والأمام سواء.
والذي نرتضيه أن الله تعالى أعطى رسوله ﷺ إحساسا وإدراكا لما خلفه وشعورا بالحركات الخفيفة التي لا تراها عينه، وهذا أمر يعطي الله قدرا منه للأعمى تعويضا عما فقد من البصر، لكن لا يقال: إنه يبصر بعينيه، بل يقال: إنه يبصر ببصيرته، ويقوي هذا الفهم بقية الروايات، ولفظها "فو الله ما يخفى على ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم وراء ظهري". "إني لأراكم من بعد ظهري" بل ذهب بعض العلماء إلى أن المراد أنه ﷺ يرى ركوع أمته وسجودها بعد موته. وهو فهم غريب بعيد جدا عن مرمى الحديث.
(هل ترون قبلتي ها هنا) الإشارة إلى القبلة، أي هل ترون توجهي إلى جهة القبلة فتظنوا أنني أرى ما في المواجهة فقط؟ والاستفهام إنكاري، أي لا تظنوا قبلتي ورؤيتي على هذه الجهة فقط.
(أقيموا الركوع والسجود) يقال: أقمت العود إذا قومته وعدلته وأصلحت حاله، فهذه الرواية بمعنى الرواية الأخيرة: "أتموا الركوع والسجود" أي ائتوا بهما تامين.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الحديث جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة، لكن المستحب تركه إلا لحاجة، كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف. اهـ.
أما إتمام الركوع والسجود وكيفيتهما وما يقال من الذكر فيهما فسيأتي شرحه وإيضاحه بعد أبواب إن شاء الله.
والله أعلم
стр. 1202
(١٧٠) باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما ومتابعة الإمام والعمل بعده
٧٨١ - عن أنس ﵁ قال صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: "أيها الناس إني إمامكم. فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود. ولا بالقيام ولا بالانصراف. فإني أراكم أمامي ومن خلفي" ثم قال: "والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: "رأيت الجنة والنار".
٧٨٢ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ بهذا الحديث وليس في حديث جرير "ولا بالانصراف".
٧٨٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال محمد ﷺ "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟ ".
٧٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله "ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام أن يحول الله صورته في صورة حمار".
٧٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بهذا غير أن في حديث الربيع بن مسلم "أن يجعل الله وجهه وجه حمار".
-[المعنى العام]-
شرع الله صلاة الجماعة ليتم اللقاء ويتعدد، فتزول الجفوة، وتشيع المودة، وتتداول المنافع
стр. 1203
والمصالح. وشرع لها حدودا وضوابط لتعليم المسلمين النظام في الحركة والسكون، والانقياد للقائد الذي ارتضوه وقدموه إماما، ومقتضى النظام والدقة والانقياد أن لا يسبقوا قائدهم، فلا يحنوا ظهورهم إلا بعد أن يحني، ولا يرفعوا رءوسهم قبل أن يرفع. بالتزام هذه الحدود والضوابط يتحقق الهدف الأكبر لصلاة الجماعة، ولهذا كثر أمر الرسول ﷺ أصحابه باتباع الإمام "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا ... وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد ... " إلخ.
لكن العجلة طبيعة الإنسان ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧] والشيطان يحركه إلى هذه الطبيعة في الصلاة ليخرجه بسرعة من المناجاة، ويحركه في صلاة الجماعة إلى هذه الطبيعة بصفة خاصة، ليفقده ثوابها، وليوقعه في إثم ما بعده إثم ويعرضه لعقوبة من أشد العقوبات.
لقد كان ﷺ يراقب من خلفه في صلاة الجماعة، وكان حريصا على التزامهم ومتابعتهم لصلاته، فكان يقوم المعوج، ويصحح الخطأ. صلى رجل خلفه فجعل يركع قبل أن يركع، ويرفع قبل أن يرفع، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، قال: من الفاعل هذا؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: إذا ركع الإمام فاركعوا وإذا رفع فارفعوا".
كثرت هذه النصيحة، وكثرت معها المخالفات، فلم يكن بد من التشديد ولم يكن بد من الوعيد، ولقد صلى بأصحابه في يوم من الأيام وأحس بعدم الالتزام، فلما قضى صلاته توجه إليهم، فقال: أيها الناس. إنني إمامكم، وإنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، فتعرضوا أنفسكم لعقاب الله. والله الذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم من عقوبة المخالف لإمامه لخفتم على أنفسكم، واقشعرت أبدانكم وانصرفتم عن السرور بدنياكم والفرح بما آتاكم، والضحك في لهوكم، إلى الانقباض والعبوس والبكاء، قالوا: وماذا رأيت وعلمت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار، رأيت الجنة لمن أطاع والتزم، والنار لمن جعل إمامه كلا إمام.
ومع هذا التشديد والوعيد وجد المخالفون، فترقى بالوعيد، وارتفعت الشريعة بالتهديد، فقال ﷺ : "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام ويسبق الإمام في حركاته أن يجعل الله رأسه في صورة رأس الحمار، وأن يجعل وجهه في صورة وجه الحمار، وأن يجعل شكله وهيئته في شكل وهيئة الحمار في الدنيا بالمسخ؟ أو في الآخرة للتشهير والتوبيخ؟ ".
وقام علماء الأمة من بعده ﷺ على حراسة الشريعة واهتموا الاهتمام اللائق بهذه الشعيرة، فهذا البراء بن عازب -وقد رأى المأمومين يسبقون الإمام- يخطب الناس على المنبر، فيقول: أيها الناس. تابعوا الإمام ولا تسبقوه، بل ولا تلاحقوه بسرعة المتعجل، فقد كنا نصلي خلف النبي ﷺ فإذا رفع رأسه من الركوع لم نر واحدا من المأمومين يحني ظهره للسجود حتى يضع رسول الله ﷺ جبهته على الأرض ساجدا ثم يخر من وراءه سجدا. أيها الناس، كنا لا نركع إلا بعد أن يركع، ولا نرفع إلا بعد أن يرفع.
وهذا ابن مسعود، يرى رجلا يسبق إمامه، فينهره ويقول له: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت.
стр. 1204
فصلى الله وسلم عليك يا رسول الله، ورضي عن أصحابك والتابعين، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(ولو رأيتم ما رأيت) "ما" موصولة، وعائد الصلة محذوف والتقدير: لو رأيتم الذي رأيته.
(لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) "قليلا" و"كثيرا" صفة لمفعول مطلق محذوف، أي ضحكا قليلا وبكاء كثيرا، أو صفة لظرف محذوف أي زمنا قليلا وزمنا كثيرا. والأول أظهر.
(رأيت الجنة والنار) إن قلنا: الرؤية بصرية، يحتمل أنهما صورتا له ﷺ فرآهما ومن فيهما من المنعمين والمعذبين في عرض الحائط، كما نرى شاشة "التلفزيون" بتصوير ما سيكون في صورة ما هو كائن، فليس فيه دليل على أن الجنة والنار موجودتان كما استدل به النووي، وإن قلنا: إن الرؤية علمية سقط الاستدلال من أساسه.
(أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام) في رواية البخاري "أو لا يخشى" وفي رواية له أيضا "أما يخشى أو ألا يخشى" بالشك و"أما" بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح، مثل "ألا" وأصلها "ما" النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا للتوبيخ، بمعنى لا ينبغي، فكأن المعنى في الأصل لا ينبغي أن لا يخشى، ونفي النفي إثبات فيصبح المعنى ينبغي أن يخشى.
(أن يحول الله رأسه رأس حمار) في الرواية التالية: "أن يحول الله صورته في صورة حمار" وفي رواية بعدها "أن يجعل الله وجهه وجه حمار".
قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أنه من تصرف الرواة. قال عياض: هذه الروايات متفقة، لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه. اهـ.
ثم قال الحافظ ابن حجر: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضا، وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل، فهي المعتمدة. وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل.
أما المراد من التحويل فقد قال الكرماني: قيل هذا مجاز عن البلادة، لأن المسخ لا يجوز في هذه الأمة، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ليس التحويل بموجود في هذه الأمة لأن المسخ فيها مأمون، وإنما المراد به معنى الحمار، من قلة البصيرة، وكثرة العناد، فإن من شأن الحمار إذا قيد حرن، وإذا حبس طفر، لا يطيع قائدا، ولا يعين حادسا اهـ قال العيني: القول بأن المسخ في هذه الأمة مأمون فيه نظر، فقد روي أنه يقع في آخر الزمان.
وقال الشيخ تقي الدين: إن الحديث يقتضي تغيير الصورة الظاهرة، ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازا، فإن الحمار موصوف بالبلادة ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فروض
стр. 1205
الصلاة ومتابعة الإمام، وربما يرجح هذا المجاز بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام.
والتحقيق ما قاله بعضهم من أنه يصح أن يكون التهديد بتحويل الصورة وتغييرها على سبيل الحقيقة ولا يلزم من التهديد بالشيء وقوعه، وكل ما يدل عليه الحديث أن فاعله يكون متعرضا لذلك، وهذا أنسب من المجاز، لأن التهديد بالبلادة لا يتناسب مع هذا الفعل، لأن فاعله بليد فعلا، فلا يهدد بالبلادة، ثم إن ألفاظ الحديث [أن يحول الله رأسه -أن يجعل الله وجهه] ظاهرة في الحقيقة بعيدة عن المجاز، والله أعلم.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: ظاهر الحديث [وهو يتكلم عن الروايتين الثانية والثالثة] يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النووي في شرح المهذب. ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وبه قال أهل الظاهر، بناء على أن النهي يقتضي الفساد، وفي المغنى عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب. اهـ.
وقال القرطبي: من خالف الإمام فقد خالف سنة المأموم. اهـ وظاهر عبارته عدم الحرمة وثبوت الكراهة لكن الجمهور على الحرمة.
وقد فصل الإمام النووي هذه المسألة في شرح المهذب تفصيلا جديرا بالاعتبار، فقال:
قال أصحابنا: يجب على المأموم متابعة الإمام، ويحرم عليه أن يتقدمه بشيء من الأفعال، والمتابعة أن يجري على إثر الإمام، بحيث يكون ابتداؤه لكل فعل متأخرا عن ابتداء الإمام، ومقدما على فراغه منه فلو خالفه في المتابعة فله أحوال:
١ - إن قارنه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته باتفاق أصحابنا، وبه قال مالك وأبو يوسف وأحمد وداود، وقال الثوري وأبو حنيفة وزفر ومحمد: تنعقد كما لو قارنه في الركوع.
٢ - إن قارنه في السلام فوجهان، قيل: تبطل، والصحيح الكراهة وعدم البطلان.
٣ - إن قارنه فيما سوى تكبيرة الإحرام والسلام لم تبطل صلاته باتفاق ولكن يكره، قال الرافعي: وتفوت به فضيلة الجماعة.
٤ - أن يتقدم على الإمام بركوع أو غيره من الأفعال، فإن لم يسبق بركن كامل [كأن ركع قبل الإمام فلم يرفع رأسه حتى ركع الإمام أو رفع رأسه قبل الإمام فلم يهو حتى رفع الإمام رأسه] لم تبطل صلاته لأنها مخالفة يسيرة، ولكن هل يعود فورا إلى حال الإمام أو ينتظر؟ قيل: يستحب له
стр. 1206
العود، وقيل: يلزمه العود، وقيل: يحرم عليه العود [والذي أميل إليه أنه إن عهد تطويل الإمام في هذا الركن استحب له العود، وإن عهد تقصيره استحب له انتظاره].
٥ - إن سبق إمامه بركن كامل [كأن ركع قبل الإمام، ثم رفع قبل أن يركع إمامه] بطلت صلاته إن كان عامدا عالما بتحريمه، ولا تبطل إن كان ساهيا أو جاهلا على الصحيح.
٦ - إن سبق إمامه بأقوال غير تكبيرة الإحرام لم تبطل صلاته ولا نضر هذه المخالفة على الصحيح، والأفضل أن يعيد القراءة مع قراءة الإمام أو بعده.
هذا في سبق المأموم، أما تأخر المأموم عن إمامه بركن واحد فإنه لا يبطل صلاته على الصحيح، وإن تخلف بركنين بطلت بالاتفاق لمنافاته للمتابعة، انتهى بتصرف.
-[ويؤخذ من الحديث بعد ما تقدم]-
١ - استدل ابن الجوزي بالحديث على أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام، وتعقب بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه.
٢ - قال ابن بزيزة: استدل بظاهر قوله: "أن يحول الله رأسه رأس حمار" قوم لا يعقلون على جواز التناسخ، قال الحافظ ابن حجر: وهو مذهب رديء مبني على دعاوي بغير برهان.
٣ - وفي الحديث كمال شفقته ﷺ بأمته، وبيانه لهم الأحكام وما يترتب عليها من الثواب والعقاب.
(ملحوظة) للحديث صلة وثيقة بباب متابعة الإمام والعمل بعده، وسيأتي بعد ثلاثة عشر بابا فليراجع.
والله أعلم
стр. 1207
(١٧١) باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة
٧٨٦ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم".
٧٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم".
-[المعنى العام]-
ظن الصحابة أن التوجه إلى السماء بالوجه واليدين حين الدعاء مستحسن ومحبوب، لقوله تعالى ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ [الذاريات: ٢٢] ولأنها -كما قيل- قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة، فكان بعضهم يرفع رأسه وبصره إلى السماء في الدعاء في الصلاة، ونهاهم ﷺ عن ذلك، لأنه ينافي الخشوع والخضوع المطلوب في الصلاة.
ويبدو أن بعض الصحابة خانته العادة فرفع بصره إلى السماء بعد النهي المتكرر، مما أغضب النبي ﷺ فقد روى البخاري أن النبي ﷺ قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" فاشتد قوله في ذلك حتى قال: "لينتهين عن ذلك أو لنخطفن أبصارهم" وهكذا شدد النبي ﷺ الوعيد، وخيرهم بين الانتهاء من رفع الأبصار إلى السماء في الدعاء في الصلاة وبين العمى وخطف الأبصار، فكان هذا التهديد الفظيع كافيا في الانتهاء وامتثال الشرع الحنيف.
-[المباحث العربية]-
(لينتهين أقوام) بفتح اللام والياء وسكون النون وفتح التاء وكسر الهاء وفتح الياء بعدها نون مشددة، واللام فيه للتأكد وهو في جواب قسم محذوف وفي رواية البخاري "لينتهين عن ذلك" بضم الياء وسكون النون وفتح التاء والهاء وضم الياء وتشديد النون على صيغة المبني للمجهول وذكر "أقوام" دون ذكر أسماء الفاعلين لئلا ينكسر خاطرهم -كما هي عادته ﷺ في الستر عند النصيحة.
стр. 1208
(يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة) الجملة في محل رفع صفة أقوام.
(أو لتخطفن أبصارهم) قال الطيبي: كلمة "أو" هنا للتخيير تهديدا وهو خبر في معنى الأمر، أي ليكونن منكم الانتهاء عن رفع البصر، أو خطف الأبصار عند الرفع. اهـ.
-[فقه الحديث]-
ظاهر الرواية الأولى النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة مطلقا سواء أثناء الدعاء فيها أم في غير حال الدعاء، فإن حملنا المطلق على المقيد كان المقصود من الحديث النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة أثناء الدعاء فقط، وبهذا قال جماعة وحكمه عند الجمهور الكراهة.
وإن أبقينا المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده، دل على أن رفع البصر إلى السماء في الصلاة مطلقا منهيا عنه، وقد نقل الإجماع على ذلك، قال ابن التين: أجمع العلماء على كراهة النظر إلى السماء في الصلاة لهذا الحديث وقال القاضي عياض: رفع البصر إلى السماء في الصلاة فيه نوع إعراض عن القبلة وخروج عن هيئة الصلاة. اهـ.
وذهب ابن حزم إلى أنه لا يحل ذلك، بل يحرم لما ورد من النهي الأكيد والوعيد الشديد، وذلك يقتضي أن يكون حراما، وبه قال قوم من السلف، بل بالغ ابن حزم فقال: تفسد صلاته.
وقال الزين ابن المنير: نظر المأموم إلى الإمام من مقاصد الائتمام فإذا تمكن من مراقبته بغير التفات كان ذلك من إصلاحه صلاته.
وقال ابن بطال: يرى مالك أن نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة.
وقال الشافعي والكوفيون: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده، لأنه أقرب للخشوع.
قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يفرق بين الإمام والمأموم فيستحب للإمام النظر إلى موضع السجود، وكذا المأموم إلا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه، وأما المنفرد فحكمه حكم الإمام. اهـ.
أما إذا غمض عينيه في الصلاة، فقد قال الطحاوي: كرهه أصحابنا وقال مالك: لا بأس به في الفريضة والنافلة، وقال النووي: المختار أنه لا يكره إذا لم يخف ضررا، لأنه يجمع الخشوع، ويمنع من إرسال البصر وتفريق الذهن. اهـ.
أما رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاة فقد كرهه شريح وطائفة، فقد قال شريح لرجل رآه يرفع بصره ويده إلى السماء: اكفف يدك واخفض بصرك، فإنك لن تراه ولن نناله.
والجمهور على جوازه، لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة.
والله أعلم
стр. 1209
(١٧٢) باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد فيها
٧٨٨ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة" قال ثم خرج علينا فرآنا حلقا. فقال "ما لي أراكم عزين؟ " قال ثم خرج علينا فقال "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ " فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال "يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف".
بنحوه.
٧٨٩ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيده إلى الجانبين فقال رسول الله ﷺ "علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه. ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله".
٧٩٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال صليت مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا السلام عليكم السلام عليكم فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده".
-[المعنى العام]-
لما كانت الصلاة مناجاة بين العبد وربه وجب أن يقف المصلي في خشوع وخضوع، وأن يمسك أعضاؤه وجوارحه عن الحركة، وأن يتسم بالسكون والهدوء، إن الإنسان إذا وقف أمام رئيس حكم جوارحه، وقيد تحركاته والتزم آداب الخضوع، وإن الجند إذا وقفوا لتحية قائدهم تراصوا وانتظموا كالبنيان: فهل الرئيس أحق بالتقدير والاحترام ومظاهر الخضوع والنظام من رب الرؤساء جميعا؟ .
стр. 1210
بهذا المطهر الكريم أمرنا الإسلام، وتعهد الرسول ﷺ أصحابه وما كان ليترك إخلالا بهذا الوضع إلا عالجه في حينه ﷺ .
لقد رأى في يوم من الأيام أصحابه يصلون وحدهم، فلما انتهوا من الصلاة وسلموا رآهم يقولون عن اليمين: السلام عليكم، ويشيرون بأيديهم إلي من على يمينهم بإشارة السلام، ويقولون ويفعلون جهة الشمال مثلما قالوا ومثلما فعلوا جهة اليمين. فقال لهم: مالكم ترفعون أيديكم وتحركونها، وتشيرون بها؟ كأنها أذناب خيل مستنفرة؟ شرسة شاردة لا تستقر أمام صاحبها؟ اسكنوا ولا تتحركوا بحركات تخل بالصلاة.
وخرج ﷺ مرة أخرى على أصحابه، فرآهم في صلاتهم معوجة صفوفهم مخلخلة غير متصلة، كأنها حلقات مكسرة متحطمة، فقال لهم: مالكم متفرقين منقطعين في صلاتكم؟ ينبغي أن تكون صفوفكم كصفوف الملائكة. قالوا: وكيف يصف الملائكة أنفسهم؟ قال: يتراصون ويتلاصقون في الصف، ويكملون الصف الأول فالثاني فالثالث إلى آخر الصفوف. وصلى بهم رسول الله ﷺ مرة أخرى، فلما سلم ونظر إليهم وجدهم يشيرون بأيديهم حين سلامهم عن اليمين وعن الشمال، فقال لهم: لماذا تشيرون بأيديكم؟ لا يحرك أحدكم يده، وليبقها ساكنة على فخذه وليكتف حين السلام بالالتفات عن اليمين، يسلم على إخوته الذين عن اليمين، ثم الالتفات عن الشمال، يسلم على إخوته الذين على الشمال.
-[المباحث العربية]-
(خرج علينا رسول الله ﷺ أي من بيته إلى المسجد، أو المراد من الخروج الطلوع والظهور.
(فقال: مالي أراكم) "ما" اسم استفهام مبتدأ، و"لي" جار ومجرور خبر وجملة "أراكم" في محل النصب على الحال، وجملة: فقال: "معطوف على محذوف، أي فرآنا في حالة كذا فقال: أي شيء حصل لي حالة رؤيتي لكم؟ والاستفهام وإن كان في صورته استفهاما عن رؤية نفسه، وتعجبا من هذه الرؤية، إلا أن المقصود التعجب من حالهم وكان حقه أن يقول: مالكم تفعلون كذا؟ لكنه آثر أسلوب التعريض.
(رافعي أيديكم) "رافعي" حال من مفعول "أراكم" لأنها بصرية، والمراد من رفع الأيدي رفعها عن الفخذ والإشارة بها يمينا وشمالا، وجمع الأيدي لجمع أصحابها. ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، كأنه قال: ما لي أراكم رافعا كل منكم يده، أي يمينه يشير بالسلام.
(كأنها أذناب خيل شمس) بضم الشين وسكون الميم وضمها، جمع شموس والشموس من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته، والمقصود من هذا التشبيه التنفير، وقد استخدم فيه ثلاثة مشبهات بها منفرة. تشبيه الأيدي التي في مقدمة الإنسان ورمز قوته بالأذناب التي في المؤخرة،
стр. 1211
وهي مثل للحقارة والضعف والتبعية، وتشبيه الإنسان بالحيوان، وتشبيه الحركة بالشغب والنفور، وجملة "كأنها" حال من "أيديكم".
(اسكنوا في الصلاة) أي في غير التحركات المشروعة كرفع اليدين عند الرفع والخفض.
(فرآنا حلقا) بكسر الحاء وفتحها لغتان، جمع حلقة بفتح الحاء وإسكان اللام، وحكي فتحها في لغة ضعيفة، وهي ما استدار من أي شيء، والمقصود أنه رآهم كذلك في الصلاة، فيستبعد فهم الحلق على الاستدارة الكاملة ويكون المراد اعوجاج الصفوف وتقوسها كأنها حلق.
(ما لي أراكم عزين) بكسر العين وكسر الزاي مع التخفيف، جمع عزة بتخفيف الزاي المفتوحة، أي متفرقين جماعة جماعة، فيكون المراد النهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع، وسيأتي إيضاح المطلوب في فقه الحديث.
(ألا تصفون؟ ) "ألا" للتحضيض، و"تصفون" بفتح التاء وضم الصاد.
(كما تصف الملائكة) "تصف" بفتح التاء وضم الصاد.
(عند ربها) في رواية أبي داود والنسائي "عند ربهم".
(يتمون الصفوف الأول) "يتمون" بضم الياء و"الأول" بضم الهمزة وفتح الواو المخففة، وفي رواية "يتمون الصف الأول" أي فالثاني فالثالث إلخ، وفي رواية لأبي داود "يتمون الصفوف المتقدمة"، أي إذا وجد نقص كان في الصف الأخير وحده وليس في الصفوف المتأخرة كما يفهم من ظاهر العبارة.
(ويتراصون في الصف) بتشديد الصاد، أي يتلاصقون من غير فرج بينهم.
(كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ "مع رسول الله" ليس قيدا للاحتراز، وإنما هو لبيان الواقع، كما هو ظاهر من الرواية الأولى.
(قلنا: السلام عليكم ورحمة الله) أي في نهاية الصلاة، وعند نية الخروج منها.
(وأشار بيده إلى الجانبين) أي إلى اليمين والشمال، وجملة "وأشار بيده إلى الجانبين" من كلام عبيد الله بن القبطية الراوي عن جابر بن سمرة، فالذي أشار بيده جابر، والمراد بالإشارة إشارة السلام.
(علام تومئون بأيديكم) "تومئون" مضارع أومأ بمعنى أشار والجار والمجرور "علام" متعلق بالفعل بعده، والاستفهام توبيخي بمعنى لا ينبغي ولا يصح.
(إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه) أي أن يبقي يده موضوعة على فخذه، إذ
стр. 1212
السنة وضعها كذلك من أول التشهد، والمصدر "أن يضع" فاعل "يكفي" وسيأتي مكان وضع اليد من الفخذ بعد أبواب.
(ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله) "من" بفتح الميم اسم موصول صفة أو بدل من "أخيه" والمراد من الأخ الأخ في الإسلام، أي المصلي الذي على يمينه وشماله.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: السنة في السلام من الصلاة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن شماله، ولا يسن زيادة "وبركاته" وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيف، وأشار إليها بعض العلماء ولكنها بدعة إذ لم يصح فيها حديث، بل صح هذا الحديث وغيره في تركها، والواجب منه "السلام عليكم" مرة واحدة، ولو قال: السلام عليك بغير ميم لم تصح صلاته وفي الحديث استحباب تسليمتين، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. اهـ وقال في المجموع: إن اقتصر على تسليمة واحدة جعلها تلقاء وجهه، وإن سلم تسليمتين فالسنة أن تكون إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره. ثم قال: قال صاحب التهذيب وغيره: يبتدئ السلام مستقبل القبلة ويتمه ملتفتا بحيث يكون آخر سلامه مع آخر الالتفات، ففي التسليمة الأولى يلتفت حتى يرى من على يمين خده الأيمن، وفي الثانية يلتفت حتى يرى من على يسار خده الأيسر، ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه أجزأه وكان تاركا السنة.
قال إمام الحرمين والغزالي وغيرهما: إذا قلنا يستحب التسليمة الثانية فهي واقعة بعد فراغ الصلاة ليست منها، وقد انقضت الصلاة بالتسليمة الأولى حتى لو أحدث مع الثانية لم تبطل صلاته. ثم قال: قال أصحابنا ويستحب للإمام أن ينوي بالتسليمة الأولى السلام على من على يمينه من الملائكة ومسلمي الجن والإنس، وبالثانية على من على يساره منهم، وينوي المأموم مثل ذلك ويستحب أن ينوي بعض المأمومين الرد على بعض. اهـ.
هذا مذهب الشافعية والجمهور.
وقال أبو حنيفة: لا يجب السلام، ولا هو من الصلاة، بل إذا قعد قدر التشهيد ثم خرج من الصلاة بما ينافيها من سلام أو كلام أو حدث أو قيام أو غير ذلك أجزأه وتمت صلاته، واحتج له بحديث المسيء صلاته، والجواب عنه أنه ترك بيان السلام للمسيء صلاته لعلمه به كما ترك بيان النية والجلوس للتشهد وهما واجبان بالاتفاق.
وحكى الطحاوي والقاضي أبو الطيب وآخرون عن الحسن بن صالح أنه أوجب التسليمتين جميعا، وهي رواية عن أحمد، وبالرأيين قال بعض أصحاب مالك.
لكن قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. اهـ.
стр. 1213
ولعل مراد المخالفين بالواجب مالا يبطل الصلاة تركه. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - الحث على الخشوع في الصلاة وعدم التحرك فيها بغير ما ورد، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] والخشوع تارة يكون من فعل القلب كالخشية، وتارة من فعل البدن كالسكون وقيل لا بد من اعتبارهما، قال بعضهم: الخشوع معنى يقوم بالنفس يظهر منه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة، ففي الحديث حين رأى ﷺ رجلا يحرك جوارحه في الصلاة قال: "لو خشع هذا خشعت جوارحه".
٢ - وفيه استحباب تسليمتين، وقد مضى توضيح هذا الحكم.
٣ - واستحباب الالتفات عند التسليمتين.
٤ - وأن التسليم من الصلاة حيث نهاهم عن رفع الأيدي عند التسليم ثم قال: "اسكنوا في الصلاة" وفيه حجة على أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
٥ - وفيه الأمر بتسوية الصفوف وإقامتها وعدم اعوجاجها أو تقطعها قطعا وترك فواصل بين أعضاء الصف الواحد وتكملة الصفوف الأول فالأول.
٦ - وفيه استحباب وضع اليد على الفخذ في جلوس التشهد.
٧ - وفيه أن الملائكة يصلون.
٨ - وأنهم يصفون في صلاتهم.
٩ - وأن صفوفهم على هذه الصفة التي ذكرها ﷺ .
والله أعلم
стр. 1214
(١٧٣) باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها
٧٩١ - عن أبي مسعود ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال أبو مسعود فأنتم اليوم أشد اختلافا.
وبنحوه.
٧٩٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثلاثا وإياكم وهيشات الأسواق".
٧٩٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة".
٧٩٤ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أتموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري".
٧٩٥ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها. وقال "أقيموا الصف في الصلاة. فإن إقامة الصف من حسن الصلاة".
٧٩٦ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم".
стр. 1215
٧٩٧ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا. حتى كأنما يسوي بها القداح. حتى رأى أنا قد عقلنا عنه. ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر. فرأى رجلا باديا صدره من الصف. فقال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم".
٧٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لا ستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لا ستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا".
٧٩٩ - عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرا. فقال لهم "تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله".
٨٠٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ قوما في مؤخر المسجد فذكر مثله.
٨٠١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لو تعلمون أو يعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة" وقال ابن حرب: "الصف الأول ما كانت إلا قرعة".
٨٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها".
стр. 1216
-[المعنى العام]-
صلاة الجماعة تدريب على النظام والطاعة، وكما سبق أن قلنا إنها تدرب على دقة متابعة الجندي لقائده نقول: وإنها للاجتماع، فإذا ما التزمنا كون الإمام أعلم القوم، ووليه أصحاب العقول والعلم، الأرسخ فالأقل رسوخا، وإذا ما التزمنا تسوية الصفوف واعتدالها واستقامتها، وإذا ما التزمنا الهدوء والسكينة عند إقامة الصفوف، ثم تابعنا حركات الإمام فلم نتقدم عليه ولم نتأخر كثيرا عنه، إذا ما التزمنا كل ذلك حققنا هدف صلاة الجماعة. وظفرنا بأجر يعادل أجر صلاة الفرد سبعا وعشرين مرة.
ولقد حرص ﷺ على أن يعلم أمته هذه المبادئ عملا وقولا، فكان ﷺ يمر بين الصفوف يعدل الناس فيها، ويضع منكب وكتف الواحد موازيا لمنكب وكتف الآخر، يسوي بيده الشريفة المناكب ويرص القوم في الصف رصا كالبنيان المستقيم، حتى إذا اطمأن إلى استجابتهم، وإلى محافظتهم جهد الطاقة على الاعتدال وتسوية الصفوف اكتفى بالقول عن الفعل، وأصبح يذكرهم في كل صلاة بواجب تسوية الصفوف، فيلتفت يمينا ويقول: استووا. سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة ومن محاسنها، ثم يلتفت يسارا فيقول مثل ذلك لمن على يساره، وكان ﷺ حينما يرى خللا في استواء الصفوف بعد طول التذكير والوعظ يلجأ إلى الشدة والوعيد، ويحذر من اختلاف الصفوف بأنه يؤدي إلى اختلاف القلوب واختلاف الكلمة، فيقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، بل كان يخوف ويدفع النفوس الضعيفة إلى استشعار أنه ﷺ يراهم من خلف ظهره. وكان يقدم تسوية الصفوف على الإسراع بالصلاة، بل كان يوقف تكبيرة الإحرام وقد تهيأ للدخول في الصلاة لينذر المخالف للصف، فقد وقف يؤم القوم يوما، وطلب عن يمين وشمال تسوية الصفوف، فلحظ رجلا لا يسوي صدره مع صدر الآخرين، فغضب. وقال: يا عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم وقلوبكم، وأصبح المسلمون قائمين بأمر الله وعلى أمره، يعدل كل منهم نفسه، ويعدل من يخالف ممن يجاوره، فنشأ نتيجة لهذه الحركات بعض الجلبة والضوضاء، فهناهم رسول الله ﷺ ، وقال لهم احذروا المنازعات والاحتكاكات فليست الصلاة كالأسواق، واعتدلوا في هدوء وعدلوا أنفسكم في سكينة ووقار.
ولقد طلب ﷺ من أصحابه أن يتقدم إلى الصف الأول أولو العقول والفهم والعلم، ولكن كيف يستجيبون لذلك وهم المتواضعون الذين يحسنون الظن بغيرهم قبل أن يحسنوه بأنفسهم، من منهم الذي يدعي لنفسه أنه خير القوم عقلا وعلما حتى يتقدم؟ لقد دفعهم تواضعهم وهضمهم لأنفسهم أن يتأخروا عن الصف الأول، حتى كاد يختل توازنه، بل حتى خلا الصف الأول، وأصبح بين الإمام وبين المأمومين ما يسع صفا أو أكثر، ولم يتغلب الترغيب في الصف الأول على هذا الشعور، لم يتغلب على هذا الشعور قوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول [من الأجر الكبير] لتسابقوا حتى يقترعوا، لو تعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة لمن يقف فيه، إن
стр. 1217
خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء المصليات مع الرجال آخرها وشرها أولها". لم يتغلب هذا الترغيب على تواضع القوم، فظلوا يتأخرون عن الصف الأول، حتى قال لهم ﷺ : "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله عن رحمته" تقدموا يا أولي النهي فائتموا بي، وليأتم بي من بعدكم، مستشعرا حركاتي عن طريقكم. فتقدم كبار الصحابة وأئمتهم إلى الصف الأول رضوان الله عليهم أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(يمسح مناكبنا) المنكب مجتمع العضد والكتف. والمعنى يسوي مناكبنا ويقيمها في الصفوف ويعدلها بيده ويجعلها على خط مستقيم، بحيث يكون منكب كل واحد من المصلين موازيا لمنكب الآخر، فتكون المناكب والأعناق على سمت واحد.
(في الصلاة) "أل" للعهد، أي في صلاة الجماعة.
(استووا ولا تختلفوا) عطف تفسير وتأكيد، فالمراد من الاختلاف اختلاف الأجسام، وليس ما يتبادر من الاختلاف في العقائد والآراء.
(فتختلف قلوبكم) الفاء للسببية، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة واختلاف القلوب كناية عن وقوع العداوة والبغضاء والتقاطع، كأن مخالفة الظواهر سبب في مخالفة البواطن.
(ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) "ليلني" بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، قال النووي: ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد، وأولو الأحلام هم العقلاء، وقيل البالغون، والنهى بضم النون العقول، فعلى القول بأن أولي الأحلام هم العقلاء يكون اللفظان بمعنى، فلما اختلف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدا. وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء، قال أهل اللغة: واحدة النهى نهية بضم النون وهي العقل، وسمي العقل نهية لأنه ينتهي إلى ما أمر به ولا يتجاوزه، وقيل: لأنه ينهي عن القبائح.
(فأنتم اليوم أشد اختلافا) في صفوفكم عما كنا عليه أيام نهانا رسول الله ﷺ عن الاختلاف، فأنتم اليوم أشد تعرضا لاختلاف القلوب.
(وإياكم وهيشات الأسواق) أي احذروا هيشات الأسواق، أي اختلاط الأسواق والمنازعات والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن فيها، أي احذروا في صلاتكم وصفوفكم ما يشبه هيشات الأسواق من الهرج والاختلاف والمنازعة.
(سووا صفوفكم) في الصلاة، أي اجعلوها، مستوية ولا خلل فيها.
стр. 1218
(فإن تسوية الصف من تمام الصلاة) "الصف" مراد به الجنس، وفي رواية البخاري "فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة" قيل: في الكلام مضاف محذوف تقديره: فإن تسوية الصف من كمال تمام الصلاة، أو من حسن تمام الصلاة، والداعي لهذا التقدير أن تسوية الصف ليست من حقيقة الصلاة، وإنما هي من حسنها وكمالها، سواء كانت واجبة في نفسها أم سنة أم مستحبة على اختلاف في الأقوال، ويتفق مع هذا التقدير روايتنا الخامسة، وفيها "فإن إقامة الصف من حسن الصلاة" وحسن الشيء زائد على حقيقته.
(فإني أراكم خلف ظهري) سواء أردنا من الرؤية، الرؤية البصرية بقدرة يخلقها الله فيه ﷺ أم الرؤية العلمية بوحي أو إلهام، فإن المقصود بهذه الجملة التحذير وزيادة المراقبة.
(أقيموا الصف) أي سووه وعدلوه وتراصوا فيه، فالمقصود استقامته وسد الفرج فيه.
(أو ليخالفن الله بين وجوهكم) إن لم تسووا، واختلف في هذا الوعيد فقيل: هو على حقيقته، والوعيد بالمسخ كالوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو الوعيد بتحويل خلقه عن وضعه، بجعله موضع القفاء أو نحو ذلك، فهو كالوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ [النساء: ٤٧] وهذان الرأيان مبنيان على أن المراد بالوجه العضو المخصوص، وحمل بعضهم هذا الوعيد على المجاز، قال النووي: والأظهر أن معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال: تغير وجه فلان علي، أي طهر لي من وجهه كراهة لي وتغير قلبه علي. اهـ ويؤيد هذا الرأي روايتنا الأولى ففيها "ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" ورواية أبي داود ولفظها "أو ليخالفن الله بين قلوبكم" وقريب من هذا قول القرطبي: معناه تفترقون، فيأخذ كل واحد وجها غير الذي أخذه صاحبه، لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة.
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يراد بالمخالفة المخالفة في الجزاء، فيجازى المسوي بخير، ومن لا يسوي بشر. اهـ وهو احتمال بعيد.
(يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح) "القداح" بكسر القاف هي خشب السهام حين تنحت وتبرى، واحدها قدح بكسر القاف وإسكان الدال وهو السهم قبل أن يراش ويركب فيه النصل، والمعنى يسوي صفوفنا ويقومها، ويبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها.
(حتى أرى أنا قد عقلنا عنه) أي ظل يتعهدنا بذلك حتى ظن أو اعتقد أننا فهمنا الحكم وحرصنا عليه والتزمناه، فتركنا.
(فقام حتى كاد يكبر) أي قام إلى الصلاة واستعد للدخول فيها حتى قرب من تكبيرة الإحرام.
стр. 1219
(لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول) النداء هو الأذان، أي لو يعلم الناس ما في مباشرة الأذان وأدائه من الأجر والثواب، والمراد من الصف الأول ما يلي الإمام مطلقا، وقيل أول صف تام يلي الإمام، لا ما يتخلله شيء كمقصورة. وقيل المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف، قال النووي: والقول الأول هو الصحيح.
(ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) الاستهام الاقتراع والمعنى أنهم لو علموا فضيلة الأذان ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان، ولكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله.
(ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) و"التهجير" التبكير إلى الصلاة أي صلاة كانت، قال الهروي وغيره وخصه الخليل بالجمعة، والصواب المشهور الأول.
(ولو يعلمون ما في العتمة والصبح) أي صلاة العشاء والفجر وهما أثقل الصلاة على المنافقين.
(لأتوهما ولو حبوا) بفتح الحاء وإسكان الباء، وهو المشي على اليدين والرجلين.
(رأى في أصحابه تأخرا) أي عدم المبادرة إلى الصف الأول، وتأخرا عن القرب من الإمام.
(وليأتم بكم من بعدكم) أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم.
(لا يزال قوم يتأخرون) عن الصفوف الأول.
(حتى يؤخرهم الله) عن العلم ورفع المنزلة، أو عن الرحمة وعظيم الفضل أو عن رتبة السابقين.
(لو تعلمون ما في الصف المقدم) أي الصف الأول مما يلي الإمام.
(لكانت قرعة) اسم كانت ضمير، "قرعة" خبرها. أي لكانت المسألة والفاصلة بينهم قرعة.
(خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها) قال النووي: هي على عمومها فخيرها أولها أبدا، وشرها آخرها أبدا.
(وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) قال النووي: ليس على عمومها، فالمراد من الحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابا وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه.
стр. 1220
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - قال النووي: في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها، وينقلوها ويعلموها الناس، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم والقضاء، والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها؛ ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسنن والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. اهـ
٢ - وفيه اعتناء الإمام بتسوية الصفوف بالفعل والحث عليها بالقول.
٣ - وفيه مشروعية تسوية الصفوف، وقد استدل ابن حزم بقوله: "فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" ومن رواية "فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة" على أن التسوية واجبة، لأن تمام الشيء يتوقف على ما لا تتم الحقيقة إلا به.
والجمهور على أن تسوية الصفوف من السنة، اعتمادا على رواية البخاري "فإن إقامة الصف من حسن الصلاة" قال ابن بطال: لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وهي سنة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك.
٤ - استدل بالوعيد في الحديث على إثم من لم يتم الصفوف، لأن مثل هذا الوعيد يستلزم التأثيم، والتأثيم لا يقع على ترك السنة، وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لما كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها المدح عليها دل على أن تاركها يستحق الذم، فهذا القول تعقبه الحافظ ابن حجر من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثما. اهـ.
ويمكن أن يؤخذ وجوب التسوية من صيغة الأمر "سووا صفوفكم" "أتموا الصفوف" ومن عموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" ومن الوعيد على تركه.
لكن الجمهور يرى أن هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيدا وتحريضا على فعلها، ومع القول بأن التسوية واجبة فصلاة من خالف ولم يسو صحيحة، وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان.
٥ - يؤخذ من قوله "فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال ... إلخ" جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة، قال النووي: وهذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، ومنعه بعض العلماء والصواب الجواز سواء كان الكلام لمصلحة الصلاة أو لغيرها أو لا لمصلحة.
٦ - وفي الحديث فضيلة الأذان والمؤذن.
стр. 1221
٧ - وفضيلة الصف الأول فالأول.
٨ - ومشروعية القرعة عند التنازع وعدم المرجح.
٩ - وفضيلة التهجير والتبكير إلى الصلاة.
١٠ - وجواز تسمية العشاء عتمة، وقد ثبت النهي عنه، قال النووي: وجوابه من وجهين. أحدهما: أن هذه التسمية بيان للجواز، وأن ذلك النهي ليس للتحريم. والثاني: -وهو الأظهر- أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ولنفي مفسدة، لأن العرب كانت تستعمل لفظ العشاء في المغرب، فلو قال: لو يعلمون ما في العشاء والصبح فحملوها على المغرب، فسد المعنى وفات المطلوب، فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها، وقواعد الشرع تظاهر على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما. اهـ.
١١ - فيه الحث العظيم على حضور جماعة العشاء والفجر، والفضل الكثير في ذلك لما فيها من المشقة على النفس، من تنغيص أول نومها وآخره، ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين.
١٢ - أخذ الشعبي من قوله: "وليأتم بكم من وراءكم" أن كل صف إمام لمن وراءه، وعامة أهل العلم يخالفونه.
١٣ - استدل به على جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو صف أمامه يراه متابعا للإمام.
١٤ - وفيه فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك.
والله أعلم
стр. 1222
(١٧٤) باب أمر المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع الرجال
٨٠٣ - عن سهل بن سعد قال: لقد رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم مثل الصبيان من ضيق الأزر خلف النبي ﷺ فقال قائل: يا معشر النساء لا ترفعن رءوسكن حتى يرفع الرجال.
-[المعنى العام]-
كان المسلمون الأولون في ضيق، وكان كثير منهم لا يملك إلا ثوبا واحدا لا يغطي كل بدنه، وقد أمروا بستر العورة، فهل تراهم يضعون الثوب على أعناقهم ويشتملون به من أعلى فتنكشف بعض عورتهم؟ أو الأولى بهم أن يأتزروا به من وسطهم، ويستروا به ما بين سرتهم وركبتهم؟ لا شك أن الأولى ستر العورة، ولكن ماذا يفعلون ليمنعوا انزلاق الإزار من وسطهم إلى أسفل؟ وماذا يفعلون في نصفهم الأعلى؟ أيتركونه كله عاريا؟ لقد أمرهم ﷺ أن يربطوا طرف الثوب في أعناقهم فقال "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء" "من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه".
وكان الثوب في ذلك العهد مستطيلا أشبه ما يكون "بالبشكير" في عهدنا الحاضر، فكانوا تنفيذا لأمره ﷺ يضعون طرفه على عاتق، ثم يلفون الثوب على وسطهم من أسفل كإزار، ثم يضعون طرفه الثاني على العاتق الثاني فيعقدون الطرفين حول العنق.
لقد غطوا بذلك جزءا من النصف الأعلى، وأمنوا بهذا العقد من انزلاق الإزار، لكن بقي أمر خطير. إنهم إن سجدوا -وهم بدون سراويل- قد يبدو لمن خلفهم شيء من عوراتهم، حين يرفع من خلفهم رأسه قبل أن ينهضوا من سجودهم، والأمر أدهى وأعظم إذا كان من خلفهم النساء، فلم يكن بد من نهي النساء أن يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع الرجال وينهضوا من سجودهم، لئلا يلمحن عند رفع رءوسهن من السجود شيئا من عورة الرجال.
-[المباحث العربية]-
(لقد رأيت الرجال) اللام في "الرجال" للجنس الصادق بالبعض، فهو في حكم النكرة، ورواية البخاري "كان رجال" وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك.
стр. 1223
(عاقدي أزرهم في أعناقهم) "عاقدي" جمع عاقد، وحذفت النون للإضافة، وهو في موضع الحال، والأزر جمع إزار، وهو ما يحيط بالنصف الأسفل من الجسم من السرة إلى ما تحت الركبة، وعقد الإزار في العنق يكون بربط طرفه أو طرفيه في العنق حيث لا رداء يستر أعلى البدن، وبهذا العقد يحصل الستر لجزء من أعالي البدن، وبه يتمكن من ستر العورة.
(مثل الصبيان) فقد كانت تلك عادتهم، لأن الصبي قد يسهو فيسقط الإزار وهو يلهو، فحماية له كانوا يربطون له طرفي الإزار في عنقه.
(من ضيق الأزر) أي من قلة مساحة الثوب، فمن المعلوم أن الثوب إذا كان كبيرا واسعا جعل بعضه على العاتقين وائتزر ببعضه، ففي الحديث: "من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه على عاتقيه"، وفيه: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء".
والمراد أنه لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بالطرفين على عاتقيه.
(فقال قائل: يا معشر النساء) في رواية البخاري "وقال للنساء" قال الكرماني: فاعل، "قال" هو النبي ﷺ وفي رواية "ويقال للنساء" قال الحافظ ابن حجر: فكأن النبي ﷺ أمر من يقول لهن ذلك، ويغلب على الظن أنه بلال.
-[فقه الحديث]-
من صلى في ثوب واحد وكان واسعا كبيرا يمكن أن يتزر ببعضه وأن يجعل بعضه على عاتقيه فلم يفعل واتزر به وترك عاتقيه فصلى لم تصح صلاته عند أحمد، وفي رواية عنه تصح ويأثم. قال الحافظ ابن حجر: الظاهر التفصيل بين ما إذا كان الثوب واسعا فيجب أن يوضع على العاتق منه شيء، وبين ما إذا كان ضيقا فلا يجب وضع شيء منه على العاتق، ثم قال: وإذا كان الثوب واسعا وأمكن الالتفاف به كان أولى من الائتزار به، لأنه أبلغ في التستر. اهـ.
ثم قال الحافظ: وإنما نهي النساء عن رفع رءوسهن لئلا يلمحن عند الرفع من السجود شيئا من عورات الرجال بسبب ذلك عند نهوضهم، وعند أحمد وأبي داود بذلك من حديث أسماء بنت أبي بكر ولفظه "فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رءوسهم كراهية أن يرين عورات الرجال" ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل. اهـ.
ومن المعلوم أن النظر إلى العورة محرم على الرجال والنساء جميعا، فيرد على هذا النهي الصف الثاني وما وراءه من صفوف الرجال. اللهم إلا أن يقال: إن كل صف متأخر منهي عن أن يرفع رأسه من السجود حتى يستوي رجال الصف الذي أمامه جلوسا وذلك في حالة الصلاة في الثوب الواحد الضيق ويجب على صاحبه أن يضم إليه ثوبه ولا يرسله ولا يسدله إذا خاف أن تنكشف عورته، أما النهي الوارد عن كف الثياب في الصلاة فمحمول على غير هذه الحالة.
-[ويؤخذ من الحديث]-
أن صفوف النساء تكون خلف صفوف الرجال، وأن صلاتهن مع الرجال جائزة.
стр. 1224
(١٧٥) باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة
٨٠٤ - عن الزهري سمع سالما يحدث عن أبيه يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها".
٨٠٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها" قال فقال بلال بن عبد الله والله لنمنعهن قال فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط وقال أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول والله لنمنعهن.
٨٠٦ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
٨٠٧ - عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن".
٨٠٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل" فقال ابن لعبد الله بن عمر لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلا قال فزبره ابن عمر وقال أقول قال رسول الله ﷺ وتقول لا ندعهن.
٨٠٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "ائذنوا للنساء
стр. 1225
بالليل إلى المساجد" فقال ابن له يقال له واقد إذن يتخذنه دغلا قال فضرب في صدره وقال أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: لا.
٨١٠ - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم" فقال بلال والله لنمنعهن فقال له عبد الله أقول قال رسول الله ﷺ وتقول أنت لنمنعهن.
٨١١ - عن بسر بن سعيد أن زينب الثقفية ﵂ كانت تحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة".
٨١٢ - عن زينب امرأة عبد الله رضي اله عنها قالت: قال لنا رسول الله ﷺ "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا".
٨١٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة".
٨١٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل. قال فقلت لعمرة: أنساء بني إسرائيل منعن المسجد؟ قالت: نعم.
стр. 1226
-[المعنى العام]-
كانت المرأة قبل الإسلام قعيدة البيت، حبيسة الجدران، إلا ما كان من النساء الممتهنات القائمات بالخدمات، وإلا ما كان من الإماء والجواري.
ولم يكن يؤذن لهن بالخروج إلا في حالات الضرورة القصوى، وقد لا يؤذن لها فيها، وجاء الإسلام فكرم المرأة ورفع من شأنها، ومنحها حرية الإنسان في عقيدته وحرية الإنسان في إبداء رأيه، وحرية الإنسان في الدفاع عن حقه، وحرية الإنسان في التحرك إلى ما هو مشروع.
لقد آمن النساء بالرسول ﷺ كما آمن الرجال، وبايعن رسول الله ﷺ كما بايع الرجال، وحضرن مجالس العلم في مسجد رسول الله ﷺ كما يحضر الرجال، وأذن لهن في صلاة الجماعة في المسجد مع الرجال.
صورة من الحرية لم يعهدها الزمان ولم تعهدها الجزيرة العربية، كانت نتيجتها صراعا نفسيا بين ما ألفه الرجال وما اعتادوا من حكم النساء والتحكم فيهن وبين بزوغ شمس الحرية للنساء وما أعطينه من حقوق.
وتغلبت الأنفة العربية على بعض النفوس، وتحركت غرائز السيطرة عند بعض الأزواج فمنعوا نساءهم من الخروج إلى المسجد، واستأذن النساء فلم يؤذن لهن، فشكوا إلى رسول الحرية وبشير النور والسلام، فقال لأصحابه ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا رغبن فيها واستأذنكم إليها. إذا استأذنت المرأة زوجها إلى المسجد ليلا فلا يمنعها. ائذنوا للنساء بالخروج إلى المساجد".
وأحس ﷺ ما يختلج في صدور أصحابه من خوف الفتنة، وخشي انفلات زمام المرأة وتعرضها للريبة، فوضعت الشريعة القيود التي تضمن الأمان والسلامة لهذا الانفتاح.
وأمرت النساء بالخروج في الظلام، متلفعات بثيابهن، غير متطيبات، ولا متزينات "إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة" إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا "أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة".
ولتلزم المرأة حافة الطريق في ذهابها وإيابها، ولا نتوسطه لئلا تختلط بالرجال، إذا سلم النساء من صلاة الفجر فليسرعن بالخروج من المسجد متلفعات بثيابهن إلى بيوتهن في الغلس والظلمة قبل أن يظهر ضوء النهار فيعرفن، وليمكث الرجال بعد السلام حتى ينصرف النساء، وليصطف النساء، في آخر المسجد خلف الرجال، ولا يرفعن أصواتهن حتى في الصلاة الجهرية، وإذا نابهن شيء في الصلاة صفقن ولا يسبحن، ولا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها.
واستجاب الصحابة إلى هذا التشريع بشيء من المشقة على نفوسهم، وكانوا يتمنون في قرارة أنفسهم أن لا تستأذنهم نساؤهم، ولكن هيهات، ما كاد النساء يصدقن أن ينفتح باب السجن حتى تدفقن، وما كدن يشعرن بانحسار سيف القهر والإذلال حتى هرولن.
стр. 1227
والمرأة هي المرأة بطبيعتها وأنوثتها، لم تكد تفتر فيها جذوة التدين حتى برزت طلائع غريزتها ولم يكد يخبو فيها نور الشريعة حتى ظهرت حرارة عواطفها.
لم يمض ربع قرن حتى تطيبت عند خروجها، ولبست أحسن ثيابها وحليها وبدت في أبهى زينتها، وتحركت غيرة الرجال على نسائهم، وبدءوا يمنعون نساءهم، ورأى عبد الله بن عمر هذه الرغبة في بنيه، فذكرهم بحديث رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها" "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل".
قال أحدهم: أما أنا فسأمنع نسائي، فمن شاء أن يسرح نساءه فليفعل، وقال الآخر: والله لنمنعهن، والله لا ندعهن يخرجن فيتخذن الخروج وسيلة للفساد ويتسترن وراءه بالخداع. فقام عبد الله ينهر ولديه، يضرب أحدهما في صدره ويقول له: أف لك. فعل الله بك كذا وكذا، ويسب الآخر غاضبا، ويقول لهما: أقول لكما قال رسول الله ﷺ ، وتقولان لا. والله لا أكلمكما حتى تتوبا.
ولم تكن الغيرة على هذا الخلل مقصورة على الرجال، بل شملت الحريصات على شعائر الإسلام من النساء، فتلك عائشة ﵂ وقد رأت ما وصل إليه الأمر من التطيب للخروج والتزين والاختلاط، تقول: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده من عدم الالتزام بتعاليمه لمنعهن الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل من الخروج إلى المساجد حين استشرفن للرجال وبرزن لهم وأثرن فيهم نوازع الفسوق والعصيان.
-[المباحث العربية]-
(فسبه سبا سيئا) فسر السب المذكور في بعض الروايات باللعن ثلاث مرات، وفي رواية "قال: أف لك" وفي رواية "قال: فعل الله بك وفعل".
(ما سمعته سبه مثله قط) أي ما سمعت عبد الله سب بلالا مثل هذا السب قط.
(إماء الله) أي النساء، وسمين إماء الله كما يسمى الرجال عباد الله واختيرت هذه اللفظة هنا لمناسبتها "مساجد الله".
(لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل) قيد "بالليل" ورد في بعض الروايات دون بعضها، وقد حملوا المطلق على المقيد. وهل يؤذن لها في غير الليل من باب أولى حيث إن الليل عرضة للفساد والإفساد؟ أولا يؤذن لها في غير الليل لما فيه من الستر والتخفي وعدم التمييز بين النساء؟ سنتعرض لهذا المبحث في فقه الحديث إن شاء الله.
(فقال ابن لعبد الله بن عمر) هذا الابن سمي في الرواية الثانية والسابعة ببلال، وفي الرواية السادسة سمي بواقد، قال الحافظ ابن حجر: والراجح أن صاحب القصة بلال، لورود ذلك من
стр. 1228
روايته نفسه [روايتنا السابعة] ومن رواية أخيه سالم، ولم يختلف عليهما في ذلك، ثم قال: فإن كانت رواية تسميته واقدا محفوظة فيحتمل أن يكون كل من بلال وواقد وقع منه ذلك، إما في مجلس أو مجلسين، وأجاب ابن عمر كلا منهما بجواب يليق به، ويقويه اختلاف النقله في جواب ابن عمر، فالسب العنيف والزبر كان لبلال، والدفع في الصدر كان لواقد.
(فيتخذنه دغلا) بفتح الدال والغين، وهو الفساد والخداع والريبة، وأصل الدغل الشجر الملتف، ثم استعمل في المخادعة، لكون المخادع يلف في ضميره أمرا ويظهر غيره.
(فزبره ابن عمر) أي نهره وعنفه.
(فضرب في صدره) أي ضربه ودفعه بيده في صدره.
(لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم) حظ الإنسان نصيبه من الخير والفضل. وقوله: "إذا استأذنوكم" قال النووي: هكذا وقع في أكثر النسخ "استأذنوكم" وفي بعضها "استأذنكم" وهذا ظاهر، والأول صحيح أيضا وعوملن معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس الذكور. اهـ.
(إذا شهدت إحداكن العشاء) معناه إذا أرادت شهودها، أما من شهدتها ثم عادت إلى بيتها فلا تمنع من التطيب، وكذا "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا. [الوارد في الرواية التاسعة] معناه إذا أرادت شهود المسجد.
(فلا تطيب تلك الليلة) أصله تتطيب فحذفت إحدى التاءين، والمقصود لا تتطيب قبل خروجها في تلك الليلة.
(أيما امرأة أصابت بخورا) "ما" زائدة، و"امرأة: مضافة لأي، والتقدير أي امرأة أصابت بخورا أي تبخرت، والبخور بفتح الباء وتخفيف الخاء عود يحرق في النار فتفوح رائحته ويدخل دخانه وريحه في ثنايا الثياب، فيظل ريحه مصاحبا فترة طويلة.
(ما أحدث النساء) قال النووي: يعني من الزينة وحسن الثياب اهـ وكذا من التمايل والتبختر والتزاحم والاختلاط.
(كما منعت نساء بني إسرائيل) قال العيني: "يحتمل أن يكون شريعتهم المنع، ويحتمل أن يكون منعهن بعد الإباحة، ويحتمل غير ذلك مما لا طرق لنا إلى معرفته إلا بالخبر. اهـ.
(قال: قلت لعمرة) القائل يحيى بن سعيد الراوي عن عمرة.
(قالت: نعم) قال الحافظ ابن حجر: قول عمرة نعم في جواب سؤال يحيى بن سعيد لها يظهر أنها تلقته عن عائشة، ويحتمل أن يكون عن غيرها، وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة
стр. 1229
موقوفا أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولفظه قالت: "كان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلا من خشب يتشرفن للرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلطت عليهن الحيضة" وهذا وإن كان موقوفا فحكمه حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي. اهـ.
-[فقه الحديث]-
قال النووي في شرحه لقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله "هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهي أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها.
وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج ووجدت الشروط المذكورة. اهـ وقال العيني: إن الإذن المذكور غير واجب، لأنه لو كان واجبا لا نتفى معنى الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيرا في الإجابة أو الرد. اهـ.
ومعنى هذا أنه يكره للزوج أن يمنع زوجته من الخروج للصلاة في المسجد إذا استوفيت الشروط المذكورة، ولا يحرم عليه منعها حتى مع استيفاء هذه الشروط، وله أن يمنعها بدون كراهة إذا ظن اختلال شرط مما ذكر، فإن تحقق الاختلال وجب عليه منعها.
هذا واجب الزوج، أما واجب الزوجة فينبغي أن يكون حرصها على صيانة سمعتها وعرضها فوق حرصها على حضور المساجد، ولتعلم أن شهودها الجماعة في المساجد لا يزيدها ثوابا عن حضورها في منزلها، فقد ورد في بعض طرق هذا الحديث ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ولفظها "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة، ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية "أنها جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: قد علمت وصلاتك في بيتك [أي في مخدعك ومكان نومك] خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة".
قال الحافظ ابن حجر: ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل لتحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة ومن ثم قالت عائشة ما قالت. اهـ. فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك وأن صلاة المرأة في مخدعها خير من صلاتها مع النبي ﷺ فلم نهى الرجال عن منعهن من الخروج إلى المساجد؟ أجيب بأن هناك فرقا بين إعطاء حق الحرية، وبين استخدام هذه الحرية، لقد جاء الإسلام والمرأة كم مهمل، كقطعة من متاع البيت، إن كان للرجل بها حاجة طلبها وإلا فهي قعيدة لا تتدخل حتى برأيها في شأن من الشئون، فمنحها الحرية، وحملها المسئولية، وأراد لها أن تمتنع هي، لا أن تمنع ورضي الله عن عمر وزوجه حين أراد أن يمنعها من الخروج إلى المسجد
стр. 1230
دون أن يخالف النهي، فعرض لها في زاوية، وهي في طريقها إلى المسجد لصلاة الفجر فغمزها، فرجعت دون أن تصلي، فلما عاد من صلاته سألها عن سبب رجوعها فقالت: كنت أظن الناس ناسا. ولم تخرج بعد ذلك إلى المسجد.
وقد قيدت الرواية الخامسة النهي عن منع الخروج بالليل، وأطلقت بقية الروايات، قال العيني: يحمل المطلق على المقيد، للإشارة إلى أن حكم النهار خلاف الليل. اهـ ويؤخذ من بقية كلام العيني أن الإذن خاص بالليل، لأنه أستر لهن، ولحديث البخاري "كانت نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الناس" قيل في معناه: لا يعرفن أنساء أم رجال؟ وقيل: لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب.
وكأن الحافظ ابن حجر: حمل المقيد على المطلق، واستنبط منه جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في النهار من باب أولى، قال: لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار. اهـ والذي تستريح إليه النفس أن الإذن بالليل لا يستلزم الإذن بالنهار، لأن الفتنة بالليل ومظنة الريبة فيه إنما تقع من جانبها هي، أما الفتنة بالنهار ومظنة الريبة فيه فإنها تقع من جانبها ومن جانب الرجل، فاحتمال الفتنة في النهار أقوى وأعظم.
بقي أن نقول: إن للعلماء في خروج المرأة للصلاة في المسجد أقوالا وتفاصيل، يحسن بنا أن نذكر بعضها، فقال صاحب الهداية: ويكره لهن حضور الجماعات. قال الشراح: ويعني الشواب منهن. وعن الشافعي: يباح لهن الخروج عند أمن الفتنة. وعند أبي حنيفة وأصحابه: يحرم خروجهن، قالوا: "لأن في خروجهن خوف الفتنة، وهو سبب للحرام، وما يفضي إلى الحرام فهو حرام. قال العيني: فعلى هذا قولهم يكره مرادهم يحرم، لا سيما في هذا الزمان لشيوع الفساد في أهله، قال: ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء لحصول الأمن، وهذا عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد أن العجائز يخرجن في الصلوات كلها، لأنه لا فتنة فيها لقلة الرغبة. اهـ.
والمالكية يفرقون بين الشابة والعجوز، ويحملون الإذن المطلوب في الحديث على الإذن للعجائز دون الشابات.
وتمسك بعضهم بقول عائشة: فمنع النساء مطلقا من الخروج، وحاول ابن حجر وهو شافعي أن يرد هذا القول فقال: وفيه نظر، إذ لا يترتب على عبارتها تغير الحكم، لأنها علقته على شرط ولم يوجد، بناء على ظن ظنته، فقالت: "لو رأى لمنع" فيقال عليه: لم ير ولم يمنع، فاستمر الحكم، حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع، وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع، وأيضا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن، فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى، وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء، لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت. اهـ.
следующие страницы →