← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

-[المعنى العام]- كانت المرأة قبل الإسلام قعيدة البيت، حبيسة الجدران، إلا ما كان من النساء الممتهنات القائمات بالخدمات، وإلا ما كان من الإماء والجواري. ولم يكن يؤذن لهن بالخروج إلا في حالات الضرورة القصوى، وقد لا يؤذن لها فيها، وجاء الإسلام فكرم المرأة ورفع من شأنها، ومنحها حرية الإنسان في عقيدته وحرية الإنسان في إبداء رأيه، وحرية الإنسان في الدفاع عن حقه، وحرية الإنسان في التحرك إلى ما هو مشروع. لقد آمن النساء بالرسول ﷺ كما آمن الرجال، وبايعن رسول الله ﷺ كما بايع الرجال، وحضرن مجالس العلم في مسجد رسول الله ﷺ كما يحضر الرجال، وأذن لهن في صلاة الجماعة في المسجد مع الرجال. صورة من الحرية لم يعهدها الزمان ولم تعهدها الجزيرة العربية، كانت نتيجتها صراعا نفسيا بين ما ألفه الرجال وما اعتادوا من حكم النساء والتحكم فيهن وبين بزوغ شمس الحرية للنساء وما أعطينه من حقوق. وتغلبت الأنفة العربية على بعض النفوس، وتحركت غرائز السيطرة عند بعض الأزواج فمنعوا نساءهم من الخروج إلى المسجد، واستأذن النساء فلم يؤذن لهن، فشكوا إلى رسول الحرية وبشير النور والسلام، فقال لأصحابه ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا رغبن فيها واستأذنكم إليها. إذا استأذنت المرأة زوجها إلى المسجد ليلا فلا يمنعها. ائذنوا للنساء بالخروج إلى المساجد". وأحس ﷺ ما يختلج في صدور أصحابه من خوف الفتنة، وخشي انفلات زمام المرأة وتعرضها للريبة، فوضعت الشريعة القيود التي تضمن الأمان والسلامة لهذا الانفتاح. وأمرت النساء بالخروج في الظلام، متلفعات بثيابهن، غير متطيبات، ولا متزينات "إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة" إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا "أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة". ولتلزم المرأة حافة الطريق في ذهابها وإيابها، ولا نتوسطه لئلا تختلط بالرجال، إذا سلم النساء من صلاة الفجر فليسرعن بالخروج من المسجد متلفعات بثيابهن إلى بيوتهن في الغلس والظلمة قبل أن يظهر ضوء النهار فيعرفن، وليمكث الرجال بعد السلام حتى ينصرف النساء، وليصطف النساء، في آخر المسجد خلف الرجال، ولا يرفعن أصواتهن حتى في الصلاة الجهرية، وإذا نابهن شيء في الصلاة صفقن ولا يسبحن، ولا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها. واستجاب الصحابة إلى هذا التشريع بشيء من المشقة على نفوسهم، وكانوا يتمنون في قرارة أنفسهم أن لا تستأذنهم نساؤهم، ولكن هيهات، ما كاد النساء يصدقن أن ينفتح باب السجن حتى تدفقن، وما كدن يشعرن بانحسار سيف القهر والإذلال حتى هرولن.

стр. 1227

والمرأة هي المرأة بطبيعتها وأنوثتها، لم تكد تفتر فيها جذوة التدين حتى برزت طلائع غريزتها ولم يكد يخبو فيها نور الشريعة حتى ظهرت حرارة عواطفها. لم يمض ربع قرن حتى تطيبت عند خروجها، ولبست أحسن ثيابها وحليها وبدت في أبهى زينتها، وتحركت غيرة الرجال على نسائهم، وبدءوا يمنعون نساءهم، ورأى عبد الله بن عمر هذه الرغبة في بنيه، فذكرهم بحديث رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها" "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل". قال أحدهم: أما أنا فسأمنع نسائي، فمن شاء أن يسرح نساءه فليفعل، وقال الآخر: والله لنمنعهن، والله لا ندعهن يخرجن فيتخذن الخروج وسيلة للفساد ويتسترن وراءه بالخداع. فقام عبد الله ينهر ولديه، يضرب أحدهما في صدره ويقول له: أف لك. فعل الله بك كذا وكذا، ويسب الآخر غاضبا، ويقول لهما: أقول لكما قال رسول الله ﷺ ، وتقولان لا. والله لا أكلمكما حتى تتوبا. ولم تكن الغيرة على هذا الخلل مقصورة على الرجال، بل شملت الحريصات على شعائر الإسلام من النساء، فتلك عائشة ﵂ وقد رأت ما وصل إليه الأمر من التطيب للخروج والتزين والاختلاط، تقول: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده من عدم الالتزام بتعاليمه لمنعهن الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل من الخروج إلى المساجد حين استشرفن للرجال وبرزن لهم وأثرن فيهم نوازع الفسوق والعصيان. -[المباحث العربية]- (فسبه سبا سيئا) فسر السب المذكور في بعض الروايات باللعن ثلاث مرات، وفي رواية "قال: أف لك" وفي رواية "قال: فعل الله بك وفعل". (ما سمعته سبه مثله قط) أي ما سمعت عبد الله سب بلالا مثل هذا السب قط. (إماء الله) أي النساء، وسمين إماء الله كما يسمى الرجال عباد الله واختيرت هذه اللفظة هنا لمناسبتها "مساجد الله". (لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل) قيد "بالليل" ورد في بعض الروايات دون بعضها، وقد حملوا المطلق على المقيد. وهل يؤذن لها في غير الليل من باب أولى حيث إن الليل عرضة للفساد والإفساد؟ أولا يؤذن لها في غير الليل لما فيه من الستر والتخفي وعدم التمييز بين النساء؟ سنتعرض لهذا المبحث في فقه الحديث إن شاء الله. (فقال ابن لعبد الله بن عمر) هذا الابن سمي في الرواية الثانية والسابعة ببلال، وفي الرواية السادسة سمي بواقد، قال الحافظ ابن حجر: والراجح أن صاحب القصة بلال، لورود ذلك من

стр. 1228

روايته نفسه [روايتنا السابعة] ومن رواية أخيه سالم، ولم يختلف عليهما في ذلك، ثم قال: فإن كانت رواية تسميته واقدا محفوظة فيحتمل أن يكون كل من بلال وواقد وقع منه ذلك، إما في مجلس أو مجلسين، وأجاب ابن عمر كلا منهما بجواب يليق به، ويقويه اختلاف النقله في جواب ابن عمر، فالسب العنيف والزبر كان لبلال، والدفع في الصدر كان لواقد. (فيتخذنه دغلا) بفتح الدال والغين، وهو الفساد والخداع والريبة، وأصل الدغل الشجر الملتف، ثم استعمل في المخادعة، لكون المخادع يلف في ضميره أمرا ويظهر غيره. (فزبره ابن عمر) أي نهره وعنفه. (فضرب في صدره) أي ضربه ودفعه بيده في صدره. (لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم) حظ الإنسان نصيبه من الخير والفضل. وقوله: "إذا استأذنوكم" قال النووي: هكذا وقع في أكثر النسخ "استأذنوكم" وفي بعضها "استأذنكم" وهذا ظاهر، والأول صحيح أيضا وعوملن معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس الذكور. اهـ. (إذا شهدت إحداكن العشاء) معناه إذا أرادت شهودها، أما من شهدتها ثم عادت إلى بيتها فلا تمنع من التطيب، وكذا "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا. [الوارد في الرواية التاسعة] معناه إذا أرادت شهود المسجد. (فلا تطيب تلك الليلة) أصله تتطيب فحذفت إحدى التاءين، والمقصود لا تتطيب قبل خروجها في تلك الليلة. (أيما امرأة أصابت بخورا) "ما" زائدة، و"امرأة: مضافة لأي، والتقدير أي امرأة أصابت بخورا أي تبخرت، والبخور بفتح الباء وتخفيف الخاء عود يحرق في النار فتفوح رائحته ويدخل دخانه وريحه في ثنايا الثياب، فيظل ريحه مصاحبا فترة طويلة. (ما أحدث النساء) قال النووي: يعني من الزينة وحسن الثياب اهـ وكذا من التمايل والتبختر والتزاحم والاختلاط. (كما منعت نساء بني إسرائيل) قال العيني: "يحتمل أن يكون شريعتهم المنع، ويحتمل أن يكون منعهن بعد الإباحة، ويحتمل غير ذلك مما لا طرق لنا إلى معرفته إلا بالخبر. اهـ. (قال: قلت لعمرة) القائل يحيى بن سعيد الراوي عن عمرة. (قالت: نعم) قال الحافظ ابن حجر: قول عمرة نعم في جواب سؤال يحيى بن سعيد لها يظهر أنها تلقته عن عائشة، ويحتمل أن يكون عن غيرها، وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة

стр. 1229

موقوفا أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولفظه قالت: "كان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلا من خشب يتشرفن للرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلطت عليهن الحيضة" وهذا وإن كان موقوفا فحكمه حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي. اهـ. -[فقه الحديث]- قال النووي في شرحه لقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله "هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهي أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها. وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج ووجدت الشروط المذكورة. اهـ وقال العيني: إن الإذن المذكور غير واجب، لأنه لو كان واجبا لا نتفى معنى الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيرا في الإجابة أو الرد. اهـ. ومعنى هذا أنه يكره للزوج أن يمنع زوجته من الخروج للصلاة في المسجد إذا استوفيت الشروط المذكورة، ولا يحرم عليه منعها حتى مع استيفاء هذه الشروط، وله أن يمنعها بدون كراهة إذا ظن اختلال شرط مما ذكر، فإن تحقق الاختلال وجب عليه منعها. هذا واجب الزوج، أما واجب الزوجة فينبغي أن يكون حرصها على صيانة سمعتها وعرضها فوق حرصها على حضور المساجد، ولتعلم أن شهودها الجماعة في المساجد لا يزيدها ثوابا عن حضورها في منزلها، فقد ورد في بعض طرق هذا الحديث ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ولفظها "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة، ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية "أنها جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: قد علمت وصلاتك في بيتك [أي في مخدعك ومكان نومك] خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة". قال الحافظ ابن حجر: ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل لتحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة ومن ثم قالت عائشة ما قالت. اهـ. فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك وأن صلاة المرأة في مخدعها خير من صلاتها مع النبي ﷺ فلم نهى الرجال عن منعهن من الخروج إلى المساجد؟ أجيب بأن هناك فرقا بين إعطاء حق الحرية، وبين استخدام هذه الحرية، لقد جاء الإسلام والمرأة كم مهمل، كقطعة من متاع البيت، إن كان للرجل بها حاجة طلبها وإلا فهي قعيدة لا تتدخل حتى برأيها في شأن من الشئون، فمنحها الحرية، وحملها المسئولية، وأراد لها أن تمتنع هي، لا أن تمنع ورضي الله عن عمر وزوجه حين أراد أن يمنعها من الخروج إلى المسجد

стр. 1230

دون أن يخالف النهي، فعرض لها في زاوية، وهي في طريقها إلى المسجد لصلاة الفجر فغمزها، فرجعت دون أن تصلي، فلما عاد من صلاته سألها عن سبب رجوعها فقالت: كنت أظن الناس ناسا. ولم تخرج بعد ذلك إلى المسجد. وقد قيدت الرواية الخامسة النهي عن منع الخروج بالليل، وأطلقت بقية الروايات، قال العيني: يحمل المطلق على المقيد، للإشارة إلى أن حكم النهار خلاف الليل. اهـ ويؤخذ من بقية كلام العيني أن الإذن خاص بالليل، لأنه أستر لهن، ولحديث البخاري "كانت نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الناس" قيل في معناه: لا يعرفن أنساء أم رجال؟ وقيل: لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب. وكأن الحافظ ابن حجر: حمل المقيد على المطلق، واستنبط منه جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في النهار من باب أولى، قال: لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار. اهـ والذي تستريح إليه النفس أن الإذن بالليل لا يستلزم الإذن بالنهار، لأن الفتنة بالليل ومظنة الريبة فيه إنما تقع من جانبها هي، أما الفتنة بالنهار ومظنة الريبة فيه فإنها تقع من جانبها ومن جانب الرجل، فاحتمال الفتنة في النهار أقوى وأعظم. بقي أن نقول: إن للعلماء في خروج المرأة للصلاة في المسجد أقوالا وتفاصيل، يحسن بنا أن نذكر بعضها، فقال صاحب الهداية: ويكره لهن حضور الجماعات. قال الشراح: ويعني الشواب منهن. وعن الشافعي: يباح لهن الخروج عند أمن الفتنة. وعند أبي حنيفة وأصحابه: يحرم خروجهن، قالوا: "لأن في خروجهن خوف الفتنة، وهو سبب للحرام، وما يفضي إلى الحرام فهو حرام. قال العيني: فعلى هذا قولهم يكره مرادهم يحرم، لا سيما في هذا الزمان لشيوع الفساد في أهله، قال: ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء لحصول الأمن، وهذا عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد أن العجائز يخرجن في الصلوات كلها، لأنه لا فتنة فيها لقلة الرغبة. اهـ. والمالكية يفرقون بين الشابة والعجوز، ويحملون الإذن المطلوب في الحديث على الإذن للعجائز دون الشابات. وتمسك بعضهم بقول عائشة: فمنع النساء مطلقا من الخروج، وحاول ابن حجر وهو شافعي أن يرد هذا القول فقال: وفيه نظر، إذ لا يترتب على عبارتها تغير الحكم، لأنها علقته على شرط ولم يوجد، بناء على ظن ظنته، فقالت: "لو رأى لمنع" فيقال عليه: لم ير ولم يمنع، فاستمر الحكم، حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع، وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع، وأيضا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن، فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى، وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء، لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت. اهـ.

стр. 1231

ولست مع الحافظ ابن حجر في هذا الرأي، فإن حكم الرسول ﷺ بالخروج مشروط بشروط، والحكم إذا كان مشروطا يتغير إذا اختلت الشروط، وعائشة رأت في زمانها اختلال الشروط، وكون الرسول ﷺ لم ير ولم يمنع لا يوجب على من بعده استمرار الحكم، وكون عائشة لم تصرح بالمنع ليس دليلا على عدم المنع، بل يكفي إشعار كلامها بأنها ترى المنع، وأما أن الله يعلم ما سيحدث فهذا مسلم وبين، ولكن قوله: فما أوحى إلى نبيه بالمنع غير مسلم، لأنه أوحى إلى نبيه بالمنع، ففي روايتنا العاشرة "أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" والحافظ ابن حجر نفسه يقول: ويلحق بالطيب ما في معناه لأن سبب المنع منه ما فيه تحريك الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة والاختلاط بالرجال. اهـ. وأما ربطه بين المنع من المساجد والمنع من الأسواق فمسلم، ونحن نرى المنع منهما معا، وأما كون وقوع الإحداث من البعض يجعل المنع خاصا بهذا البعض فغير مسلم، لأن الشرع يعطي الحكم للعموم إذا وقع من البعض واحتمل وقوعه من البعض الآخر، فما وقع من أحد المثلين جاز وقوعه من الآخر، وفي الباب السابق حديث نهي النساء عن أن يرفعن رءوسهن حتى يرفع الرجال، مخافة أن يروا عورة الرجال، مع أن الاحتمال خاص بالبعض وصدر النهي للكل، لا لمن أحدثت النظرة إلى العورة. والله أعلم. بقي الكلام على خروج النساء لغير المساجد، كالأسواق والعمل في المكاتب والمدارس وغيرها وواضح أن الحكم لا يختلف، بل إن الخروج إلى المساجد أبعد من الفتنة والريبة من الخروج إلى غير المساجد، لأن المفروض في أهل المساجد التقوى والعبادة عكس أهل الأسواق وغيرها، فضلا عن أن المساجد تمنع الاختلاط وتوجب وضع النساء خلف الرجال. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - قال النووي: استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن. ويتقوى هذا بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمر مقرر، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، فيبقى ما عداه على المنع. ٢ - ويؤخذ من الحديث نهي الأزواج عن منع نسائهم من الخروج إلى فعل واجب كأداء شهادة، أو أداء فريضة حج، أو زيارة آبائهن وأمهاتهن وذوي محارمهن، لأنه إذا نهوا عن منعهن من شهود الجماعة في المسجد وهو سنة فالنهي عن منعهن من أداء واجب من باب أولى. ٣ - يؤخذ من إنكار عبد الله بن عمر لابنه تأديب المعترض على السنن، وبلال عارض الخبر برأيه، وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته الغيرة المحمودة على ذلك، وليس إنكار أبيه موجهاً إلى هذه الغيرة، بل لتصريحه بمخالفة الحديث، فلو أنه قال مثلاً: إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره، ربما لم يكن أنكر عليه أبوه ولا عنفه هذا التعنيف، فقد أشارت عائشة بنحو هذا الكلام في الحديث.

стр. 1232

٤ - ويؤخذ منه تأديب الرجل ولده وإن كان كبيراً، إذا تكلم بما لا ينبغي له. ٥ - وحرص الصحابة على صيانة السنة من الاعتراض، وغضبهم لذلك أشد الغضب. ٦ - قال النووي: فيه دليل على جواز قول الإنسان: العشاء الآخرة، أما ما نقل عن الأصمعي أنه قال: من المحال قول العامة: العشاء الآخرة، لأنه ليس لنا إلا عشاء واحدة، فلا توصف بالآخرة، فهذا القول غلط لهذا الحديث، وقد ثبت في صحيح مسلم عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء الآخرة، وألفاظهم بهذا مشهورة. اهـ. والله أعلم

стр. 1233

(١٧٦) باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة ٨١٥ - عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: نزلت ورسول الله ﷺ متوار بمكة. فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ فيسمع المشركون قراءتك ﴿ولا تخافت بها﴾ عن أصحابك. أسمعهم القرآن. ولا تجهر ذلك الجهر ﴿وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾. يقول بين الجهر والمخافتة. ٨١٦ - عن عائشة ﵂ في قوله ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ قالت أنزل هذا في الدعاء. -[المعنى العام]- الصلاة مناجاة بين العبد وربه، وقد يستطيب المناجي خفض الصوت لأن الله سميع بصير، يعلم السر وأخفى، وقد يتلذذ بإسماع إذنيه ورفع صوته وتعليم من حوله، ونشر الدعوة ليستفيد من الأجر بما فوق السر، ومن هنا كانت الصلاة جامعة بين الجهر والسر، الجهر في الفجر وفي الأوليين من المغرب والعشاء والسر في الظهر والعصر وثالثة المغرب والأخيرتين من العشاء. لقد كان ﷺ في أول الدعوة يحرص على إسماع القرآن للكافرين لعل الله يهديهم به إلى الإسلام، لكن طغاة المشركين كانوا يعاندون فيسبون القرآن ويسبون من أنزل القرآن، ومن أنزل عليه القرآن، فأمر ﷺ أن يخفض من صوته في قراءته وصلاته بحيث يسمع أصحابه ولا يستفز الكافرين، بل عليه أن يكون بين الجهر والإسرار، فلا يسر الإسرار الذي يحجب القرآن عن المؤمنين، ولا يجهر الجهر الذي يغيظ الكافرين، حيث كان المسلمون ضعافاً عاجزين عن مواجهة الكافرين.

стр. 1234

وإذا كان هذا مطلوباً في الصلاة التي هي مناجاة فإن الوضع نفسه يكون أشد طلباً حين الدعاء، فعلى المسلم أن لا يديم الجهر بالدعاء، فإنه لا يدعو أصم، ولكن يدعو سميعاً بصيراً، ولا يخفض صوته حتى لا يحرك لسانه ولا يسمع أذنه، فإن تحريك اللسان عبادة، وإن انشغال الأذنين بصوت التضرع والدعاء عبادة. وعلى المسلم أن يكون في دعائه بين الأمرين، أن يرفع صوته بالدعاء في وقت لا شبهة للرياء فيه، ويخفض صوته في وقت تشوبه شائبة الرياء والسمعة. وما أجمل قول الله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. -[المباحث العربية]- (ولا تجهر بصلاتك) ظاهره أن المراد بالصلاة هنا القراءة فيها، وهي جزء من أجزائها، فيكون من قبيل المجاز المرسل، من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أو مجاز بالحذف بتقدير مضاف، أي ولا تجهر بقراءة صلاتك. وعلى فهم عائشة للآية وأن المراد من الصلاة الدعاء يكون المراد من الصلاة معناها اللغوي. وقيل: الصلاة على حقيقتها الشرعية، والمعني لا تصل صلاة رياء، ولا تدع الصلاة حياء، كذا قيل، وهو بعيد. (ولا تخافت بها) المخافتة إسرار الكلام بحيث لا يسمعه المتكلم، وعليه يحمل قول ابن مسعود [لم يخافت من أسمع أذنيه] وخفت من باب ضرب. (ورسول الله ﷺ متوار بمكة) أي متخف بالدعوة مسر بها قبل الجهر بها. (وابتغ بين ذلك سبيلا) أي اقصد بين الجهر والمخافتة، واتخذ هذا التوسط طريقاً وسنة. -[فقه الحديث]- أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: كان أبو بكر إذا صلى بالليل خفض صوته جداً، وكان عمر إذا صلى من الليل رفع صوته جداً. فقال عمر: يا أبا بكر، لو رفعت من صوتك شيئاً؟ وقال أبو بكر: يا عمر، لو خفضت من صوتك شيئاً؟ فأتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بأمرهما، فأنزل الله تعالى الآية فأرسل ﵊ إليهما فقال: يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئاً وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئاً. وفي رواية: قيل لأبي بكر لم تصنع هذا؟ فقال: أناجي ربي وقد عرف حاجتي. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان.

стр. 1235

وظاهر هذه الرواية أن التوسط في القراءة بين الجهر والمخافتة إنما هو في صلاة الليل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن المعنى لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلاً، بأن تجهر في بعضها كالصبح والأوليين من المغرب والعشاء، وأن تسر في بعضها كالظهر والعصر والأخيرة من المغرب والأخريين من العشاء. والآية على رأي جمهور المفسرين محكمة، وقيل: منسوخة بناء على ما أخرجه ابن مردويه وابن أبي حاتم عن ابن عباس من أنه ﷺ أمر بمكة بالتوسط، بأن لا يجهر جهراً شديداً، ولا يخفض حتى لا يسمع أذنيه فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك، وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥]، والصحيح أن الآية محكمة. والله أعلم

стр. 1236

(١٧٧) باب الاستماع للقراءة ٨١٧ - عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿لا تحرك به لسانك﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] قال كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه فكان ذلك يعرف منه فأنزل الله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ أخذه ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ إن علينا من نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرؤه ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ قال أنزلناه فاستمع له ﴿إن علينا بيانه﴾ من نبينه بلسانك فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله. ٨١٨ - عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ قال كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة كان يحرك شفتيه فقال لي ابن عباس أنا أحركهما كما كان رسول الله ﷺ يحركهما فقال سعيد أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه﴾ قال جمعه في صدرك ثم تقرؤه ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ قال فاستمع وأنصت ثم إن علينا من تقرأه قال فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه. -[المعنى العام]- القرآن كلام الله، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه، وإذا كان من الأدب العام أن يستمع الصغير إذا تكلم الكبير، وأن ينصت البشر عند سماع محدثهم فأولى بالمسلمين إذا قرئ القرآن أن يستمعوا له وينصتوا، يجب عليهم أن لا يشغلوا عنه بكلامهم ولا بكلام غيرهم، يجب عليهم أن لا يشغلوا عنه بأكل أو شرب أو ملهاة، فالسلف الصالح كانوا على غير ما عليه المسلمون اليوم ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً﴾ [مريم: ٥٨]. ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ [الأنفال: ٢]. ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣].

стр. 1237

وكان رسول الله ﷺ أول المؤمنين، كان أول المستجيبين، وكان أول الخاشعين لسماع القرآن، لكنه عند تلقيه من جبريل ﵇ كان يقع في حالة شبيهة بالحمى من ثقل الوحي الذي يتلقاه، وكان وهو في هذه الحالة حريصاً على عدم تفلت شيء مما يسمع، فكان يحرك لسانه وشفتيه يتابع ما ينطق به جبريل، ومع هذا القصد الطيب، ومع هذا الهدف الجميل كان العتب شديداً، وكان الأمر الإلهي ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ بل أنصت واخشع واستمع ﴿إن علينا جمعه﴾ في صدرك ﴿وقرآنه﴾ وعلينا إعدادك لقراءته قراءة سليمة. ﴿فإذا قرأناه﴾ ونطق به جبريل ﵇ وانتهى من قراءته ﴿فاتبع قرآنه﴾ وكرر قراءته ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ والإيحاء إليك لتبينه للناس. فكان رسول الله ﷺ إذا قرأ عليه جبريل ﵇ أطرق واستمع وأنصت فإذا ذهب الوحي قرأ. فما أحوج المسلمين إلى الخشوع عند سماع القرآن، وما أحوجهم إلى تدبر معانيه والاشتغال به عما سواه. -[المباحث العربية]- (كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه) قال النووي: إنما كرر لفظة "كان" لطول الكلام "وقد قال العلماء: إذا طال الكلام جازت إعادة اللفظ ونحوها قوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون: ٣٥] فأعاد "أنكم" لطول الكلام. اهـ. والأولى أن تكون "كان" الثانية غير الأولى، وأن يكون اسمها ضمير الوحي والتقدير: إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان الوحي مما يحرك به لسانه. (فيشتد عليه) أي فيثقل عليه ويصعب عليه النطق خلف جبريل. (فكان ذلك يعرف منه) يعني يعرفه من رآه لما يظهر على وجهه وبدنه من أثره، كما قالت عائشة ﵂: لقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ما يفصد عرقاً. (لتعجل به) أي لتأخذه وتستوعبه على عجل. (فإذا قرأناه) أي فإذا قرأه عليك الملك. (فاتبع قرآنه) فاتبع قراءته لك بالسمع والإصغاء والتدبر. أو فإذا قرأه الملك وانتهى فابدأ قراءته لنفسك والأول تفسير ابن عباس. (ثم إن علينا بيانه) لك بالوحي لتبينه للناس عن طريق الحديث النبوي وتفسير ابن عباس يعني: إن علينا بيانه لأمتك بلسانك عن طريق إيحائنا لك.

стр. 1238

(فإذا ذهب قرأه) للحفظ والتدبر والتعبد. (يعالج من التنزيل شدة) أي يتكلف ويتحمل من تنزيل القرآن عليه شدة، قال النووي: وسبب الشدة هيبة الملك، وما جاء به، وثقل الوحي، قال تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥] والمعالجة المحاولة للشيء والمشقة في تحصيله. اهـ (فاستمع وأنصت) قال النووي: الاستماع الإصغاء له، والإنصات السكوت، فقد يستمع ولا ينصت، فلهذا جمع بينهما. قال الله تعالى ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. اهـ. -[فقه الحديث]- قيل في سبب تعجيل النبي ﷺ أخذ القرآن: أنه كان حريصاً على حفظه، وقيل: كان يحرك لسانه مخافة أن ينفلت منه شيء، وقيل: لأن الوحي كان يصاحبه من المشقة ما لا قبل له به فكان يتعجل أخذه لتزول المشقة سريعاً، وهذا التعليل ليس بشيء، وقيل: كان يتعجل النطق به لحبه إياه. قال الحافظ ابن حجر: ولا بعد في تعدد السبب. ويؤخذ من الحديث مدى حرص الصحابة على حديث رسول الله ﷺ والمحافظة عليه قولاً وعقلاً وعملاً. كما استدل بالحديث على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو مذهب الجمهور من أهل السنة، ونص عليه الشافعي، لما تقتضيه "ثم" من التراخي. والله أعلم. ومن الواضح أن المقصود من ذكر هذا الحديث هنا هو الاستدلال به على وجوب الاستماع والإصغاء لقراءة القرآن، وإذا وجب ذلك خارج الصلاة وجب في الصلاة من باب أولى.

стр. 1239

(١٧٨) باب الجهر في القراءة في الصبح والقراءة على الجن ٨١٩ - عن ابن عباس ﵄ قال ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا ما لكم؟ قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قالوا ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة (وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر) فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا ﴿إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً﴾ فأنزل الله على نبيه محمد ﷺ ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾ [الجن: ١]. ٨٢٠ - عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة. ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب. فقلنا: استطير أو اغتيل. قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال "أتاني داعي الجن. فذهبت معه. فقرأت عليهم القرآن" قال فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد. فقال "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحماً. وكل بعرة علف لدوابكم" فقال رسول الله ﷺ "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم". ٨٢١ - عن داود بهذا الإسناد إلى قوله وآثار نيرانهم.

стр. 1240

٨٢٢ - قال الشعبي: وسألوه الزاد. وكانوا من جن الجزيرة. إلى آخر الحديث من قول الشعبي. مفصلاً من حديث عبد الله. ٨٢٣ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ إلى قوله: وآثار نيرانهم. ولم يذكر ما بعده. ٨٢٤ - عن عبد الله ﵁ قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ . ووددت أني كنت معه. ٨٢٥ - عن معن قال سمعت أبي قال سألت مسروقاً من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن فقال حدثني أبوك (يعني ابن مسعود) أنه آذنته بهم شجرة. -[المعنى العام]- الجن خلق من خلق الله، يرانا من حيث لا نراه، منهم المسلمون، ومنهم القاسطون، عاثوا في الأرض فساداً، وعادى إبليس وجنوده منهم آدم وذريته قعدوا لهم صراط الله المستقيم، يوسوسون لهم ويغوونهم ويضلونهم بشتى وسائل الإضلال. وكان من أساليبهم الصعود إلى السماء، وتسمع ملائكة الله تتكلم بينها بالأمر يوكل إليها، فيسترقون السمع، فينزلون بالخبر الغيبي ويكذبون عليه أخباراً وأخباراً، ويلقونها للكهان وسدنة الأصنام حتى إذا ذهب بنو آدم للأصنام يعبدونها ويسألونها أخبروا ببعض الغيب الذي تنزلت به الشياطين فيزيدونهم اعتقاداً في ألوهيتها، ويستميتون في عبادتها فينتشر الضلال والإضلال. وبعث محمد ﷺ ، وشاء الله تعالى أن تكون بعثته نهاية لهذا السلاح الشيطاني الخبيث، صعد الشياطين كعادتهم إلى السماء، فوجدوها ملئت حرساً شديداً وشهباً، من يحاول استراق السمع منهم يجد شهاباً واقفاً له بالمرصاد، صاروخاً من نار يثقب الجني فيفتته ويحرقه، لقد حاول بعضهم فاحترقوا، وخلص بعضهم إلى الأرض فراراً، ينذرون قومهم بهذا الأمر الخطير يقولون: ﴿لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً* وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾ [الجن: ٨ - ٩] واغتاظ زعيمهم إبليس وجمع كبار جنده، وأجمعوا على أن حدثاً بالأرض كان وراء هذه

стр. 1241

الظاهرة فأرسل رسله إلى مشارق الأرض ومغاربها يبحثون، فكانت الطائفة التي اتجهت إلى تهامة بشيرة الخير، ونذيرة الشر، لقد وجدت رسول الله ﷺ يصلي الصبح بأصحابه في وادي نخلة بين مكة والطائف، واستمعت إليه وهو يقرأ ويجهر بالقرآن، استمعت واستمعت، وأصغت وأنصتت إنهم يعلمون الكثير عن التوراة والإنجيل، ويعلمون خصائص كلام الله، إن ما يسمعون اليوم ليس من كلام البشر، لقد آمنوا بأنه من كلام الله: ﴿فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين* قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم* يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم .... ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١] وأنزل الله على نبيه ﷺ يعلمه أن الجن سمعوه بقوله: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً* يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً ... ﴾ [الجن: ١ - ٢]. وأمر ﷺ أن يقرأ على الجن القرآن مرة ومرة فكان يخرج إليهم خارج مكة يقرأ عليهم، مرة يراهم ومرة لا يراهم، مرة يكلمهم ويكلمونه، ومرة لا يحس بوجودهم لولا أن تعلمه شجرة بهم، ومرة سألوه ماذا يأكلون؟ وماذا يحل لهم من طعام؟ ولعلهم كانوا قبل ذلك يأكلون النجاسات والميتة، ولعلهم كانوا يسرقون ويخطفون من البشر -فأباح لهم العظم الذي ذكر اسم الله عليه -وكان ﷺ يخرج إليهم دون علم من أصحابه، وفي ليلة افتقده أصحابه، وبحثوا عنه فلم يجدوه، وتوقعوا له شراً وباتوا في حزن وضيق وانزعاج، وفي الصباح وجدوه ينزل من قبل غار حراء وسألوه، فأجاب أنه كان يقرأ على الجن القرآن. فاطمأنوا عليه، وودوا أن لو كانوا معه حرصاً عليه، ﷺ ، ورضي الله عن أصحابه أجمعين. -[المباحث العربية]- (في طائفة من أصحابه) قال الجوهري: الطائفة من الشيء قطعة منه وفي قوله تعالى ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [الجن: ٢] قال ابن عباس: الواحد فما فوقه. وقال مجاهد: الطائفة الرجل الواحد إلى الألف، وقال عطاء: أقلها رجلان وهو الذي نميل إليه. (عامدين إلى سوق عكاظ) أي قاصدين، وهو منصوب على الحال و"عكاظ بضم العين وتخفيف الكاف، يصرف ولا يصرف، والسوق تؤنث وتذكر لغتان، قيل: سميت السوق سوقاً لقيام الناس فيها على سوقهم، ذكره النووي: وقيل من سوق الناس إليها بضائعهم. و"عكاظ" إن كانت اسماً للسوق فالإضافة من إضافة الشيء إلى نفسه، قال ابن التين، وإن كانت السوق تقام بمكان عكاظ فالإضافة بمعنى في. وسوق عكاظ كانت في صحراء مستوية ناحية مكة، قريبة من عرفات وهي من عمل الطائف، على عشرة أميال منها، وكانت العرب تجتمع بها كل سنة يتفاخرون بها ويحضرها الشعراء والخطباء،

стр. 1242

وتقوم السوق صبح هلال ذي القعدة، وتستمر عشرين يوماً، واتخذت سوقاً بعد الفيل بخمس عشرة سنة وظلت إلى سنة تسع وعشرين ومائة من الهجرة فخرج إليها الخوارج الحرورية فنهبوها فتركت إلى الآن. (وقد حيل بين الشياطين) بكسر الحاء، يقال: حال الشيء بيني وبينك أي حجر ومنع، والشياطين جمع شيطان، واشتقاقه من شطن إذا بعد، لبعده عن الصلاح والخير، فالنون أصلية، أو من شاط إذا بطل، فالنون زائدة، والشياطين العصاة من الجن. وقال الجوهري: كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان، وقال ابن عبد البر: إن خبث الجن فهو شيطان، فإن زاد خبثه فهو مارد، فإن زاد على ذلك وقوي أمره فهو عفريت، والجمع عفاريت. اهـ وقال العيني: الجن والشيطان نوع واحد، غير أنهما صارا صنفين باعتبار أمر عرض لهما، وهو الكفر والإيمان، فالكافر منهم يسمى بالشيطان، والمؤمن بالجن. اهـ. (وبين خبر السماء) المراد جنس الأخبار التي في السماء عند الملائكة. (وأرسلت عليهم الشهب) بضم الشين والهاء جمع شهاب، وهو شعلة نار ساطعة تنفصل من بعض الكواكب. (فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها) أي سيروا في الأرض كلها فالمشارق والمغارب كناية عن الكل، ويقال: فلان ضرب في الأرض أي سار فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ [النساء: ١٠١]. (الذين أخذوا نحو تهامة) بكسر التاء، وفي الموعب: تهامة اسم مكة، وفي كتاب الرشاطي: تهامة ما ساير البحر من نجد، ومكة وجدة من تهامة، وأصلها اسم لكل مكان غير عال من بلاد الحجاز. (وهو بنخل) قال النووي: هكذا وقع في مسلم "بنخل" وصوابه بنخلة بالهاء، وهو موضع معروف هناك، كذا جاء صوابه في صحيح البخاري، ويحتمل أن يقال فيه نخل ونخلة. اهـ ونخلة على ليلة من مكة، وهي التي ينسب إليها بطن نخل، وضمير "وهو بنخل" للرسول ﷺ فقد جاء صريحاً في رواية البخاري ولفظها "فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فقوله: "عامدين إلى سوق عكاظ" معترض بين الجملتين، مؤخر من تقديم. (فلما سمعوا القرآن استمعوا له) أي أنصتوا، والفرق بين السماع والاستماع، أن الاستماع تصرف بالقصد والإصغاء، والسماع أعم. ﴿قرآناً عجباً﴾ أي بديعاً مبايناً لسائر الكتب، وانتصاب "عجباً" على أنه مصدر وضع موضع التعجب، وفيه مبالغة.

стр. 1243

﴿يهدي إلى الرشد﴾ يدعو إلى الصواب والتوحيد والإيمان. (استطير أو اغتيل) معنى "استطير" طارت به الجن، ومعنى "اغتيل" قتل سراً، والغيلة بكسر الغين هي القتل في خفية. (من آذن النبي ﷺ بالجن؟ ) أي من أعلمه حين القراءة بأنه يقرأ على الجن؟ -[فقه الحديث]- قصد الإمام مسلم من ذكر هذا الحديث هنا هو الاستدلال على الجهر في قراءة الصبح، أخذاً من سماع الجن للرسول ﷺ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. لكن أحاديث الباب تتعرض لثلاث مسائل مهمة، هي: ١ - الروايات المتعارضة في قراءته ﷺ على الجن والتوفيق بينها ما أمكن. ٢ - حقيقة الجن والشياطين وأصل خلقتهم ومعايشهم وتكليفهم وثوابهم. ٣ - استراقهم السمع ورميهم بالشهب. وسنحاول الإلمام مع الاختصار، فإن الآراء في هذه المسائل كثيرة، وغير محكومة بالعقل، وغير يقينية الدليل. والله ولي التوفيق: ١ - بالإضافة إلى روايات الباب يروي أبو داود وغيره عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟ فسكتوا. ثم قال الثانية فسكتوا، ثم قال الثالثة، فقال ابن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون، عند شعب أبي دب [فيه مدفن آمنة بنت وهب أم النبي ﷺ ] فخط علي خطاً، فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدر عليه أمثال الحجل، يحدرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت، فأومأ إلي بيده أن اجلس فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم؟ فلما انفلت إلي قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله، فقال: ما كان ذلك لك. هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد فزودتهم العظم والبعر" قال عكرمة: وكانوا اثنى عشر ألفاً من جزيرة الموصل. ومن غير هذا الوجه يروي ابن مسعود: "انطلق بي ﵇، حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خط لي خطأ، فأتاه نفر منهم، كأنهم رجال الزط [جنس من الهنود] فقالوا: من أنت؟ قال: أنا نبي الله. قالوا: فمن يشهد لك على ذلك؟ قال: هذه الشجرة، فقال: يا شجرة. فجاءت تجر عروقها حتى انتصبت بين يديه. فقال: على ماذا تشهدين؟ قالت: أشهد أنك رسول الله فرجعت كما جاءت".

стр. 1244

وروي أنه ﵊ لما فرغ من لقاء الجن وضع رأسه على حجر ابن مسعود فرقد، ثم استيقظ، فقال: هل من وضوء؟ قال: لا. إلا أن معي إداوة فيها نبيذ، هل هو إلا تمر وماء؟ فتوضأ منه، وقال: تمرة طيبة وماء طهور. هذه الروايات بينها وبين روايات الباب تعارض واضح، إذ هي تثبت بوضوح أن ابن مسعود كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، وروايات الباب تنفي بشكل قاطع أنه كان معه، بل ولم يكن أحد معه ليلة ذهب للقراءة على الجن، والأحاديث التي تنفي متأخرة، ففيها التابعي يسأل ابن مسعود فينفي، فيستحيل بناء على هذا الجمع بتعدد الواقعة، فلم يكن مناص من الأخذ برواية ورد الأخرى، ولهذا قال النووي في شرح مسلم بعد أن ذكر روايات الباب: هذا صريح في إبطال الحديث المروي، في سنن أبي داود وغيره، المذكور فيه الوضوء بالنبيذ وحضور ابن مسعود معه ﷺ ليلة الجن، فإن هذا الحديث [أي الذي في رواية مسلم من روايات الباب] صحيح، وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين ومداره على زيد مولى عمر بن حريث، وهو مجهول. اهـ. بقي التوفيق بين روايات الباب نفسها، فالرواية الأولى تنفي أن النبي ﷺ قرأ على الجن، وتنفي أنه رآهم، على معنى أنه ﷺ حين قرأ على أصحابه في صلاة الفجر لم يكن يقصد القراءة على الجن، ولا يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بعد، والرواية الثانية تثبت أنه ﷺ ذهب إليهم قاصداً وقرأ عليهم عالماً بهم وسألوه وأجابهم. وأمام هذا التعارض يقول الحافظ ابن حجر: كأن البخاري حذف من حديث ابن عباس [الرواية الأولى] عبارة "ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم"، وبدأ حديثه بلفظ "انطلق" لأن ابن مسعود أثبت أن النبي ﷺ قرأ على الجن فكان ذلك مقدماً على نفي ابن عباس. اهـ ومعنى ذلك رد هذا الجزء من رواية ابن عباس وترجيح رواية ابن مسعود. ثم قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بالتعدد على معنى أن الجن أتوا رسول الله ﷺ مرتين إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود، والثانية بنخلة وهي التي ذكرها ابن عباس. اهـ وهذا الجمع أولى من إهمال جزء من رواية واردة في الصحيح، وقد جزم بذلك النووي، حيث قال: قال العلماء: هما قضيتان، فحديث ابن عباس في أول الأمر، وأول النبوة حين أتوا فسمعوا قراءة ﴿قل أوحي﴾ [ولعل مراد النووي: حين أتوا فسمعوا قراءة النبي ﷺ لأصحابه في صلاة الصبح، فنزل عليه بعد ذلك ﴿قل أوحي﴾ واختلف المفسرون. هل علم النبي ﷺ استماعهم حال استماعهم بوحي أوحي إليه؟ [وحينئذ يتعارض ظاهره مع قول ابن عباس: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن] أم لم يعلم بهم إلا بعد ذلك؟ وأما حديث ابن مسعود فقضية أخرى جرت بعد ذلك بزمان، الله أعلم بقدره، وكان بعد اشتهار الإسلام. اهـ أما متى كانت القراءة الأولى والثانية فيقول ابن إسحاق والواقدي: لما أيس رسول الله ﷺ من

стр. 1245

أهل مكة خرج إلى ثقيف بالطائف قبل الهجرة بثلاث سنين وقبل الإسراء، وأقام خمسة وعشرين ليلة وفي طريق عودته من الطائف، وعند بطن نخلة قام من جوف الليل يصلي الفجر، فمر نفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى، وهم من جن نصيبين [قرية باليمن] قيل كانوا سبعة وقيل كانوا تسعة وقيل: كانوا اثنى عشر. وأقام بمكة ثلاثة أشهر، وقرأ على جن الحجون. وهذا القول من أصحاب السيرة يفتقر إلى الدليل والتوثيق حتى تطمئن إليه النفس، وقد استشكل عليه الحافظ ابن حجر بأن ذهابه ﷺ إلى الطائف وعودته منها لم يكن معه من أصحابه سوى زيد بن حارثة، فكيف يقال: "وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر"؟ وأيضاً من المعلوم أن الصلاة فرضت بأوقاتها ليلة الإسراء، فكيف تصح هذه العبارة [أي صلاة الفجر وصلاة الجماعة] قبل فرض الصلوات؟ وحاول أن يجيب عن الإشكال الأول بجواز مرور بعض أصحابه فالتقوا به في هذا الوقت فصلوا معه، وعن الإشكال الثاني باحتمال أن يكون قد فرضت الصلاة بمكة قبل الإسراء صلاة بالغداة وصلاة بالعشي قبل أن تفرض الصلوات الخمس على هيئتها الحالية، فتكون صلاة الفجر الواردة في الحديث إحدى الصلاتين الواجبتين، وهو جواب لا تطمئن إليه النفس، ويبقى كلام أصحاب السير في حاجة إلى دليل، ونحن لا يعنينا كثيراً وقت القراءتين، وإنما المهم ثبوتهما، والأحاديث في ذلك صحيحة وقوية، بل قيل بتعدد القراءة على الجن أكثر من مرتين في مكة والمدينة. والله أعلم. ٢ - أما عن الجن: (أ) وحقيقة وجودهم فقد نقل إمام الحرمين أن كثيراً من الفلاسفة والزنادقة والقدرية ينكرون وجودهم رأساً، وبعض هؤلاء يثبت وجودهم في الماضي وينفي وجودهم الآن، وبعض آخر منهم يثبت وجودهم، وينفي صلتهم بالإنسان وتسلطهم عليه ووسوستهم له. أما أهل السنة وجمهور المعتزلة فيثبتون وجودهم. قال عبد الجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل، إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة، لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق، ولو كان إثباتهم باضطرار لما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبي ﷺ كان يتدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده. (ب) وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافراً سمي شيطاناً، وقيل إن الشياطين أولاد إبليس، ومن عداهم ليسوا من ولده. وفي كتاب المبتدأ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خلق الله الجن قبل آدم بألفي سنة، وعن ابن عباس: كان الجن سكان الأرض والملائكة سكان السماء، وقال بعضهم: عمروا الأرض ألفي سنة، وقيل: أربعين سنة، وعن عكرمة عن ابن عباس قال: خلق الله شوما أبا الجن، وهو الذي خلق من مارج من نار. وكل هذه أقوال مصدرها إسرائيليات لا يعتمد عليها. والله أعلم.

стр. 1246

(ج) واختلف في صفتهم فقال بعض المعتزلة: الجن أجسام رقيقة بسيطة. وقال أبو يعلى بن الفراء: الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة، خلافاً للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، قال: وهو مردود، فإن الرقة ليست بمانعة من الرؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها. اهـ. أما عن رؤيتهم في صورتهم الحقيقية أو صورة متطورة فقد روى البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده عن الربيع، سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته إلا أن يكون نبياً. اهـ وهو محمول على من يدعي رؤيتهم على صورتهم التي خلقوا عليها، وأما من ادعى أنه يرى شيئاً منهم بعد أن يتطور على صور شتى فلا يقدح فيه، وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور. قال الحافظ ابن حجر: واختلف أهل الكلام في ذلك، فقيل هو تخييل فقط ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، وقيل: بل ينتقلون، لكن لا باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر. قال: وهذا يرجع إلى الأول. اهـ (د) واختلف أيضاً: وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ أو لا؟ فقيل: نعم، وقيل: لا. ومن قال نعم اختلفوا. فقيل: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح، لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود: كان رسول الله ﷺ جالساً ورجل يأكل ولم يسم، ثم سمى في آخره فقال النبي ﷺ : "مازال الشيطان يأكل معه، فلما سمى استقاء ما في بطنه". وروى مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "لا يأكل أحدكم بشماله ويشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله". والرواية الثانية من أحاديث الباب تفيد أن الزاد الذي أبيح لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه، وقد قيل: إن هذا لمؤمنهم، أما الكافرون فطعامهم ما لم يذكر اسم الله عليه. قاله النووي. واستدل من قال: إنهم يتناكحون بقوله تعالى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٥٦] وبقوله ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو﴾ [الكهف: ٥٠]؟ وأما كونهم مكلفين فقد قال ابن عبد البر: الجن عند الجماعة مكلفون. وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافاً بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكى زرقان عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين. قال: والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم، وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي، مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جداً. وإذا تقرر كونهم مكلفين فقد اختلفوا. هل كان فيهم نبي منهم أولاً؟ فروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، ومن قال بقول الضحاك احتج بأن الله

стр. 1247

تعالى أخبر أن من الجن والأنس رسلاً أرسلوا إليهم: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الأنعام: ١٣٠]. فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز عكسه، وهو فاسد. اهـ وأجاب الجمهور بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل الله إليهم، ورسل الجن بثهم الله في الأرض، فسمعوا كلام الرسل من الإنس، وبلغوا أممهم، ولهذا قال قائلهم: ﴿إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] واحتج ابن حزم بأنه ﷺ قال: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة" قال: وليس الجن من قوم الإنس، فثبت أنه كان فيهم أنبياء إليهم. قال: ولم يبعث إلى الجن من الإنس نبي إلا نبينا ﷺ لعموم بعثه للجن والإنس باتفاق. اهـ وقال ابن عبد البر: لا يختلفون أنه ﷺ بعث إلى الإنس والجن، وهذا مما فضل به محمد على الأنبياء. اهـ وقال ابن تيمية: اتفق على ذلك علماء السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. قال ابن حجر: وثبت التصريح بذلك في حديث "وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الإنس والجن". وإذا تقرر أنهم مكلفون فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام، وأما ما عداه من الفروع فاختلف فيه، لما ثبت من النهي عن الروث والعظم، وأنها زاد الجن، مما يدل على جواز تناولهم الروث، وذلك حرام على الإنس. اهـ ولم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختلف هل يثابون؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم موقوفاً "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قال الله لمؤمني الجن وسائر الأمم [أي من غير الإنس] كونوا تراباً فحينئذ يقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠] وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم كونوا تراباً. وروي عن أبي حنيفة هذا القول، ويؤيد هذا الرأي قوله تعالى: ﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ [الأحقاف: ٣١] حيث جعل نتيجة الإيمان الإجارة من النار، ويرده أن مثل ذلك وارد في الإنس أيضاً، وعدم ذكر الجنة ليس دليلاً على عدم استحقاقها. وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وغيرهم، واختلفوا هل يدخلون الجنة مدخل الإنس على أربعة أقوال: (١) [نعم]، وهو قول الأكثر. (٢) يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك وطائفة. (٣) أنهم أصحاب الأعراف. (٤) التوقف.

стр. 1248

وفي قوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ [الأنعام: ١٣٢، الأحقاف: ١٩]. ﴿أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس﴾ [الأحقاف: ١٨] بعدها ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] والخطاب للإنس والجن، بدليل قوله تعالى: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ في ذلك كله دليل كاف على أنهم يدخلون الجنة. ٣ - وأما عن استراقهم السمع فقد قال النووي: ظاهر قوله "وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب" أن هذا حدث بعد نبوة نبينا محمد ﷺ ، ولم يكن قبلها، ولهذا أنكرته الشياطين وارتاعت له، وضربوا مشارق الأرض ومغاربها ليعرفوا خبره، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب حتى قطع بين الشياطين وبين صعود السماء واستراق السمع. اهـ وذكر ابن إسحق أن العرب أنكرت وقوع الشهب. وأشدهم إنكاراً ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رئيسهم عمرو بن أمية بعد ما عمي، فسألوه، فقال انظروا، إن كانت هي التي يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فهو خراب الدنيا وزوالها، وإن كان غيرها فهو لأمر حدث. وذهب جماعة من العلماء وابن عباس والزهري إلى أن الشهب مازالت منذ كانت الدنيا، يؤيده ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ : "ورمي بنجم ما كنتم تقولون إن كان مثل هذا في الجاهلية؟ قالوا: يموت عظيم أو يولد عظيم" الحديث. وذكر بعضهم أن السماء كانت محروسة قبل النبوة، ولكن إنما كانت تقع الشهب عند حدوث أمر عظيم من عذاب ينزل، أو إرسال رسول إليهم، وعليه فسروا قوله تعالى: ﴿وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً﴾ [الجن: ١٠]. وقيل: كانت الشهب مرئية معلومة، لكن رجم الشياطين وإحراقهم لم يكن إلا بعد نبوة سيدنا محمد ﷺ . وعن ابن عباس: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات، فلما ولد عيسى ﵇ منعت من ثلاث سموات، فلما ولد سيدنا محمد ﷺ منعت منها كلها. وقال ابن الجوزي: الذي أميل إليه أن الشهب لم ترم إلا قبل مولد النبي ﷺ ، ثم استمر ذلك وكثر حين بعث، وعن الزهري: كانت الشهب قليلة فغلظ أمرها وكثرت حين البعثة. قال العيني: فإن قيل: كيف تتعرض الجن لإتلاف نفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار الرمي بالشهب معلوماً لهم؟ أجيب بأنه قد ينسيهم الله تعالى ذلك لينفذ فيهم قضاؤه، على أن السهيلي وغيره زعموا أن الشهاب تارة يصيبهم فيحرقهم، وتارة لا يصيبهم، فإن صح هذا كان تعرضهم لعدم تيقنهم الهلاك وعدم جزمهم به. وقد تحصل لنا في هذه المسألة أقوال:

стр. 1249

(أ) الحراسة والشهب لم تكن أصلاً قبل البعثة. (ب) الحراسة والشهب كانت موجودة قبل البعثة لكن لا تستخدم الشهب إلا عند حدوث أمر عظيم. وهل كانت موجهة إلى الجن أولا؟ الظاهر لا. (جـ) الحراسة والشهب كانت موجودة قبل البعثة. وكانت توجه إلى الشياطين لكن إحراقهم بها لم يكن إلا بعد البعثة. (د) الحراسة والرجم كانا موجودين وحاصلين قبل البعثة ولكنهما غلظا وكثرا وأحكما بعد البعثة. ولا يستطيع باحث منصف أن يجزم برأي، فالأمور غيبية والتأويلات سائغة، والله أعلم بالصواب. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - الجهر بالقراءة في الصبح. ٢ - إثبات صلاة الجماعة وأنها مشروعة في السفر، وأنها كانت مشروعة من أول النبوة. ٣ - أخذ منه المازري أن الجن آمنوا عند سماع القرآن، قال: ولا بد لمن آمن عند سماعه أن يعلم حقيقة الإعجاز وشروط المعجزة، وبعد ذلك يقع له العلم بصدق الرسول، فيكون الجن علموا ذلك من كتب الرسل المتقدمين قبلهم على أنه هو النبي الصادق المبشر به. اهـ. ٤ - يؤخذ في قوله: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه" أن الجن يطعمون ذلك. قال النووي: قال بعض العلماء: هذا لمؤمنيهم، وأما غيرهم فجاء في حديث آخر أن طعامهم ما لم يذكر اسم الله عليه. ٥ - من قوله "وددت أني كنت معه" يؤخذ الحرص على مصاحبة أهل الفضل في أسفارهم ومهماتهم ومشاهدهم ومجالسهم مطلقاً والتأسف على فوات ذلك. ٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن الاعتبار بما قضى الله تعالى للعبد من حسن الخاتمة، لا بما يظهر منه الشر ولو بلغ ما بلغ، لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن كانوا عند إبليس في أعلى مقامات الشر، وإلا ما اختارهم لهذه المهمة، ونحو ذلك قصة سحرة فرعون. ٧ - قال النووي: في قوله "آذنت بهم شجرة" دليل على أن الله تعالى يجعل فيما يشاء من الجماد تميزاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤] وقوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤] وقوله ﷺ : "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي". وحديث الشجرتين اللتين انتقلتا إليه ﷺ ، وقد ذكره مسلم في آخر الكتاب، وحديث حنين الجذع، وتسبيح الطعام، وفرار حجر موسى. والله أعلم

стр. 1250

فتح المنعم شرح صحيح مسلم تابع كتاب الصلاة - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - كتاب صلاة المسافرين الجزء الثالث الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين دار الشروق

стр. 1251

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1252

فتح المنعم شرح صحيح مسلم ٣ -

стр. 1253

جميع حقوق النشر والطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م دار الشروق القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢) e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)

стр. 1254

تابع كتاب الصلاة

стр. 1255

(١٧٩) باب القراءة في الظهر والعصر ٨٢٦ - عن أبي قتادة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا وكان يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية وكذلك في الصبح. ٨٢٧ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحيانا ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. ٨٢٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ألم تنزيل - السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك ولم يذكر أبو بكر في روايته ألم تنزيل وقال قدر ثلاثين آية. ٨٢٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك. ٨٣٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن أهل الكوفة شكوا سعدا إلى عمر بن الخطاب فذكروا من صلاته فأرسل إليه عمر فقدم عليه فذكر له ما عابوه به من أمر الصلاة فقال إني

стр. 1256

لأصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها إني لأركد بهم في الأوليين وأحذف في الأخريين فقال ذاك الظن بك أبا إسحق. ٨٣٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال عمر لسعد قد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة. قال: أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين. وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ فقال: ذاك الظن بك أو ذاك ظني بك. ٨٣٢ - عن جابر بن سمرة ﵁ بمعنى حديثهم وزاد: فقال: تعلمني الأعراب بالصلاة. ٨٣٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لقد كانت صلاة الظهر تقام. فيذهب الذاهب إلى البقيع. فيقضي حاجته ثم يتوضأ. ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى. مما يطولها. ٨٣٤ - عن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور عليه. فلما تفرق الناس عنه، قلت إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه. قلت: أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: ما لك في ذاك من خير. فأعادها عليه. فقال: كانت صلاة الظهر تقام. فينطلق أحدنا إلى البقيع. فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ. ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى. -[المعنى العام]- قراءة السورة بعد الفاتحة في الصلاة سنة رسول الله ﷺ ، وقد واظب على قراءتها رسول الله ﷺ في الصلاة الجهرية والسرية على السواء، علم ذلك في الصلاة الجهرية بسماع أصحابه، وفي السرية بما كان يبدو من صوته ﷺ أحيانًا، وبحركة شفتيه واهتزاز لحيته بالقراءة أحيانا، وبإخباره لهم بعد الصلاة أنه قرأ كذا وكذا أحيانًا، فكان الصحابة يعرفون ما يقرأ في الجهرية على التحديد، ويعرفون ما يقرأ في السرية على سبيل التقدير، وكانوا يهتمون بهذه المعرفة للاقتداء به

стр. 1257

صلى الله عليه وسلم والتبليغ عنه لمن لم يبلغه، وبالمتابعة قدروا ما يقرأ في كل ركعة من الركعة الأولى والثانية من صلاة الظهر بما يقرب من ثلاثين آية، وقدروا قراءته في كل من الركعتين الثالثة والرابعة بما يقرب من خمس عشرة آية، الفاتحة وبعض الذكر أو الفاتحة وسورة على خلاف بينهم، وقدروا ما يقرأ في كل من الأوليين من صلاة العصر بنحو خمس عشرة آية، وما يقرأ في كل من الأخريين من صلاة العصر بما يقرب من سبع آيات قدر الفاتحة. والحكمة في إطالة الظهر ومثله الصبح أنهما وقت غفلة النوم - آخر الليل والقيلولة - فيطولهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، أما العصر ففي وقت تعب أهل الأعمال فخففت عن الظهر. بل قدروا أنه ﷺ يطيل في الركعة الأولى عن الثانية في صلاة الظهر، ليمكن الغافل والمتأخر من اللحاق به مستفيدا بنشاط المصلين في أول الصلاة لدرجة أن غير المتوضئ كان يمكنه بعد إقامة الصلاة أن يذهب إلى مكان التغوط في خارج المباني فيقضي حاجته، ثم يعود إلى أهله فيتوضأ، ثم يدرك الرسول ﷺ وهو مازال في الركعة الأولى. واقتدى الصحابة بما كان عليه ﷺ ، واتبع أئمتهم وولاتهم الأسلوب نفسه مع المسلمين حين يؤمونهم. وفترت همم المسلمين، فرغبوا في التخفيف، وعابوا على أئمتهم هذا التطويل، لكن الأئمة المتمسكين لم يخففوا من أجل الرغبة في التخفيف، إنهم أمروا بالتخفيف للمريض والضعيف وذي الحاجة، ولم يؤمروا بالتخفيف استجابة للمتكاسلين، من هؤلاء الأئمة سعد بن أبي وقاص والي الكوفة من قبل الخليفة عمر بن الخطاب. إنه الرجل الذي قاد جيوش المسلمين، وفتح الله على يديه العراق، وهو الذي خطط لبناء مدينة الكوفة، إنه المسلم القوي الذي يأخذ بالعزيمة ويربأ المسلمين على الرخص والضعف والقصور، طلبوا إليه التخفيف فأبى، فشكوه إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، واتهموه تهما باطلة ليقووا دعواهم. فذهب قلة منهم إلى المدينة يقولون لعمر: إن سعدا لا يحسن يصلي وإنه حابى في بيع خمس باعه، وإنه صنع على داره بابًا من خشب له مغلق، وإنه يطلب من أهل السوق ألا يرفعوا أصواتهم لعدم إزعاجه، لأن بيته قريب من السوق، وزعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج مع السرايا. ولم يجد العادل عمر بدا من أن يرسل إليه يستقدمه، وقدم سعد على عمر قال له عمر: لقد شكوك في كل شيء حتى الصلاة، ودافع سعد، فقال: إنها صلاة رسول الله ﵊، وأنا لا أعدل عنها، وكيف يعلمنا هؤلاء الأعراب الصلاة؟ إنني أطول بهم في الركعتين الأوليين، وأخفف في الركعتين الأخريين، كما كان يفعل معنا رسول الله ﷺ قال عمر: أحسنت يا أبا إسحق لا نظن بك إلا كل خير، ولا نظنك تحيد عن السنة. ودافع سعد عن بقية التهم: وماذا يفعل عمر ليتبين الحقيقة؟ لقد أرسل رسولين مع سعد إلى الكوفة ليسألا الناس عن سعد، وعما جاء في الاتهام، فلم يتركا مسجدا من مساجد الكوفة إلا سألا

стр. 1258

أهله عن سعد فكان الكل يثني خيرا حتى جاء مسجد لبني عبس، ومنهم الشاكون فقام رجل منهم فقال: إن سعدا لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون عليك بثلاث. اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره وأطل فقره، وعرضه للفتن. فعاش حتى سقط حاجباه على عينيه، وكان فقيرا معدما وعنده عشر بنات، وعمي، وكان يتعرض للجواري في الطريق يغمزهن، إذا قيل له. قال: شيخ فقير مفتون أصابته دعوة سعد. أما عمر فقد عزل سعدا وقال: ما عزلته من خيانة ولا عجز، وأوصى في وصيته أن يكون من أهل الشورى، ويبدو أنه عزله اتقاء الفتنة. فإن عمر ﵁ اطمأن إلى أن التهم كلها باطلة ﵃ أجمعين. -[المباحث العربية]- (في الركعتين الأوليين) بياءين، تثنية الأولى، وكذا الأخريين. (بفاتحة الكتاب) أي في كل ركعة من الأوليين. (وسورتين) أي وسورة في كل ركعة منهما. (ويسمعنا الآية أحيانا) أي قاصدًا إسماعنا، أو غير قاصد - وسيأتي البحث في فقه الحديث وفي بعض الروايات "فنسمع منه الآية بعد الآية" و"أحيانا" جمع حين، ويدل على تكرر ذلك منه. (وكان يطول الركعة الأولى) من التطويل، بزيادة في الآيات المقروءة، أو ببطء في قراءتها، أو بزيادة الأذكار ودعاء الاستفتاح، وسيأتي البحث مفصلا في فقه الحديث. (كنا نحزر رسول الله ﷺ "نحزر" بفتح النون وسكون الحاء وضم الزاي وكسرها لغتان من نصر وضرب، والحزر التقدير (فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر) أي في كل ركعة من الركعتين الأوليين، لتتفق مع الرواية الرابعة. (قدر قراءة ألم تنزيل - السجدة) "ألم تنزيل" مقصود لفظها مضاف إلى قراءة والسجدة إما بدل منه، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو مفعول محذوف تقديره: أعني (عن جابر بن سمرة) صحابي، وأبوه صحابي، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص، سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وتوفي سنة ست وستين. (أن أهل الكوفة) في الكلام مضاف محذوف، أي بعض أهل الكوفة، أو مجاز مرسل من

стр. 1259

إطلاق الكل وإرادة البعض، والكوفة مدينة في العراق على نهر الفرات، بناها المسلمون في عهد عمر بعد أن فتحوا العراق سنة أربع عشرة من الهجرة. (شكوا سعدا إلى عمر بن الخطاب) هو سعد بن أبي وقاص، وقد ذكرنا في المعنى العام موضوع الشكوى ونتيجتها. (فذكروا من صلاته) أي فذكروا شكاية من صلاته، أي إنه لا يحسن الصلاة بهم. وفي رواية: "حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي". (إني لأصلي بهم صلاة رسول الله) أي مثل صلاة رسول الله ﷺ . (ما أخرم عنها) أخرم بفتح الهمزة وسكون الخاء وكسر الراء، أي لا أنقص، وحكى ابن التين عن بعض الرواة إنه بضم الهمزة الرباعي، واستضعفه. (إني لأركد بهم في الأوليين) بضم الكاف أي أسكن وأمكث في الركعتين الأوليين يقال: ركد يركد ركودا إذا ثبت ودام، ومنه الماء الراكد والمراد: أطيل في القراءة في الأوليين وأمد فيهما، كما جاء في الرواية السادسة. (وأحذف في الأخريين) في رواية البخاري "وأخف في الأخريين" بضم الهمزة وكسر الخاء، يعني أقصرهما عن الأوليين، ومراده حذف الركود والتطويل، لا أنه يخل بالقراءة ويحذفها كلها. (ذاك الظن بك) مبتدأ وخبر و"بك" متعلق بالظن، أي هذا الذي تقوله هو الذي يظن بك، وفي الرواية السادسة "ذاك ظني بك". (أبا إسحاق) أي يا أبا إسحاق، وقد كني باسم أكبر أولاده. (قد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة) أي شكوك في أشياء كثيرة منها أنهم زعموا إنه حابى في بيع خمس باعه، وإنه صنع على داره بابا مبوبا من خشب، وكان السوق مجاورا له فكان يتأذى بأصواتهم، فزعموا أنه قال: لينقطع التصويت، وزعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السرايا. (أما أنا فأمد في الأوليين) "أما" بتشديد الميم للتقسيم، والقسيم هنا محذوف تقديره: أما هم فقالوا ما قالوا وأما أنا فأمد. (وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ "آلو" بمد الهمزة وضم اللام أي لا أقصر ما أخذته من صلاة رسول الله ﷺ بل أقتدي به في قراءته دون تقصير. (تعلمني الأعراب بالصلاة) الكلام على الاستفهام الإنكاري، والباء زائدة، أي أنكر أن تعلمني الأعراب الصلاة، فقد تعلمتها من مصدر التشريع من رسول الله ﷺ .

стр. 1260

والأعراب ساكنوا البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه. (فيذهب الذاهب إلى البقيع) صحراء قريبة من المسجد النبوي وكانوا يتبولون ويتغوطون عندها حيث لم تكن كنف، وفيها مقبرة أهل المدينة. (فيقضي حاجته) من البول أو الغائط. (وهو مكثور عليه) أي عنده ناس كثيرون للاستفادة منه. (مالك في ذاك من خير) معناه أنك لا تستطيع الإتيان بمثلها لطولها وكمال خشوعها، وإن تكلفت ذلك شق عليك ولم تحصله، فتكون قد علمت السنة وتركتها. -[فقه الحديث]- ذكرت الرواية الثالثة أن ما يقرأ في الأوليين من صلاة الظهر نحو سورة السجدة وهي ثلاثون آية، ومقصوده ما يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين فهي تتفق مع ما ذكرته الرواية الرابعة من أن النبي ﷺ كان يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين من صلاة الظهر قدر ثلاثين آية، أي في الركعتين قدر ستين آية، وسيأتي في صحيح مسلم في الباب التالي عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى - وهي إحدى وعشرون آية قصيرة - وفيه عن جابر بن سمرة أيضًا أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر - بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ - وهي تسع عشرة آية، وعند أبي داود والترمذي "أنه ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق، ونحوهما من السور". قال النووي: قال العلماء: كانت صلاة رسول الله ﷺ تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل، ولا شغل هناك له ولا لهم طول، وإذا لم يكن كذلك خفف، وقد يريد الإطالة، ثم يعرض ما يقتضي التخفيف كبكاء الصبي ونحوه، وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف، وقيل: إنما طول في بعض الأوقات وهو الأقل، وخفف في معظمهما، فالإطالة لبيان جوازها، والتخفيف لأنه الأفضل، وقد أمر ﷺ بالتخفيف، وقال: "إن منكم منفرين، فأيكم صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة". وقيل: طول في وقت وخفف في وقت ليبين أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراطات، بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنما يشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها، واختلف فيما زاد، وعلى الجملة السنة التخفيف. اهـ. -[ويؤخذ من أحاديث الباب: ]- ١ - أخذ من قوله "بفاتحة الكتاب وسورتين" أن قراءة السورة القصيرة بكمالها أفضل من قراءة

стр. 1261

قدرها من سورة طويلة، لأن المستحب للقارئ أن يبتدأ من أول الكلام المترابط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس، ذكره النووي. ٢ - استدل بعضهم بقوله في الرواية الأولى: "وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية" وبالرواية السابعة والثامنة على أنه يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدا في جميع الصلوات، وبه قال جمهور الشافعية ومحمد من أصحاب أبي حنيفة. قال الحافظ ابن حجر: كأن السبب في ذلك أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرا من الملل اهـ وقيل لإدراك الناس الركعة، فعند عبد الرزاق في نهاية هذا الحديث "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة" ويقول عطاء: إني لأحب أن يطول الإمام الركعة الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف وبعض الشافعية يسوى بين الركعتين إلا في الفجر، فإنه يطول الأولى على الثانية، ويجيبون عن الحديث بأن تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتعوذ لا في القراءة. ٣ - أخذ من قوله في الرواية الأولى والثانية "ويسمعنا الآية أحيانا" على أن الإسرار ليس بشرط في صحة الصلاة السرية، بل هو سنة، فالحديث بيان لجواز الجهر في الصلاة السرية. قال النووي: ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر، أو ليعلمهم أنه يقرأ، أو أنه يقرأ سورة كذا، وأنه لا سجود سهو على من جهر في السرية، خلافا لمن قال ذلك من الحنفية وغيرهم. ٤ - أخذ من قوله في الرواية الثانية "ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب" أن قراءة الفاتحة مطلوبة في جميع الركعات وهو قول الجمهور، وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة في رواية: لا يجب القراءة في الركعتين الأخريين، بل هو بالخيار إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت. قال صاحب الهداية وغيره من الحنفية: إلا أن الأفضل أن يقرأ، وقد سبق بسط هذه المسألة في باب قراءة الفاتحة في كل ركعة. ٥ - أخذ بعضهم من قوله في الرواية الرابعة "وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية" استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين من الصلاة الرباعية والثالثة من المغرب، وهو قول للشافعي وهو نصه في الأم، والجمهور على خلافه، ويؤيده ما في الرواية الثانية، نعم لو أدرك المسبوق الأخريين أتى بالسورة في الباقيتين عليه، لئلا تخلو صلاته من سورة على الأصح. ٦ - وفي الأحاديث جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، فالراوي أخذه من سماع بعضها مع قيام قرينة على قراءة باقيها. قاله ابن دقيق العيد.

стр. 1262

٧ - استدل بعض الشافعية من تطويل القراءة في الأولى على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل، حيث إن تطويل القراءة في الأولى لتمكين المتأخر من إدراك الركعة. ٨ - استدل ابن العربي باختلاف المقروء على عدم مشروعية سور معينة في صلاة معينة قال الحافظ ابن حجر: وهو واضح فيما اختلف، لا فيما لم يختلف "كتنزيل" و"هل أتى" في صبح الجمعة. ٩ - ومن أحاديث شكاية سعد، خطاب الرجل الجليل بكنيته ومدحه في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة. ١٠ - وأن الإمام إذا شكى إليه نائبه بعث إليه واستفسر عن ذلك. ١١ - ويؤخذ من قول سعد: "تعلمني الأعراب بالصلاة" أن الذين شكوه كانوا جهالا. ١٢ - استدل بقوله: "أركد في الأوليين" على تطويل الركعتين الأوليين على الأخريين في الصلوات كلها، وهو مذهب الشافعي، وفي الروضة الأصح التسوية بينهما وبين الثالثة والرابعة. والله أعلم

стр. 1263

(١٨٠) باب القراءة في الصبح والمغرب ٨٣٥ - عن محمد بن عباد بن جعفر قال: أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب العابدي عن عبد الله بن السائب قال صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة. فاستفتح سورة المؤمنين. حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى (محمد ابن عباد يشك أو اختلفوا عليه) أخذت النبي ﷺ سعلة. فركع. وعبد الله بن السائب حاضر ذلك. وفي حديث عبد الرزاق: فحذف، فركع. وفي حديثه: وعبد الله بن عمرو. ولم يقل: ابن العاص. ٨٣٦ - عن عمرو بن حريث ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿والليل إذا عسعس﴾ [التكوير: ١٧] ٨٣٧ - عن قطبة بن مالك ﵁ قال: صليت وصلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ حتى قرأ ﴿والنخل باسقات﴾ قال فجعلت أرددها ولا أدري ما قال. ٨٣٨ - عن قطبة بن مالك ﵁ سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿والنخل باسقات لها طلع نضيد﴾ ٨٣٩ - عن زياد بن علاقة عن عمه أنه صلى مع النبي ﷺ الصبح فقرأ في أول ركعة ﴿والنخل باسقات لها طلع نضيد﴾ وربما قال ﴿ق﴾ ٨٤٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ وكان صلاته بعد تخفيفا.

стр. 1264

٨٤١ - عن سماك قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق والقرآن﴾ ونحوها. ٨٤٢ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بـ ﴿الليل إذا يغشى﴾ وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك. ٨٤٣ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي الصبح بأطول من ذلك. ٨٤٤ - عن أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الغداة من الستين إلى المائة. ٨٤٥ - عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية. ٨٤٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ ﴿والمرسلات عرفا﴾ [المرسلات: ١] فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة. إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. ٨٤٧ - عن الزهري بهذا الإسناد وزاد في حديث صالح ثم ما صلى بعد حتى قبضه الله .

стр. 1265

٨٤٨ - عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالطور في المغرب. -[المعنى العام]- نكتفي بالمعنى العام للباب التالي. -[المباحث العربية]- (صلى لنا النبي ﷺ وفي الرواية الثالثة "صلى بنا" فكل من اللام والباء مقصود به المصاحبة، أي صلى لنا إماما أو صلى بنا إماما. (بمكة) أخذ منه بعضهم أن سورة المؤمنين مكية، قال الحافظ ابن حجر: وهو قول الأكثر، ولمن خالف أن يعتمد على رواية النسائي والطبراني وفيها "يوم الفتح". (فاستفتح سورة المؤمنين) أي جعل بداية قراءته فاتحة سورة المؤمنين ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ قال النووي: يقال. سورة بلا همز وبالهمز لغتان ذكرهما ابن قتيبة وغيره، وترك الهمزة هنا هو المشهور الذي جاء به القرآن العزيز، ويقال قرأت السورة، وقرأت بالسورة، وافتتحتها وافتتحت بها. اهـ (حتى جاء ذكر موسى وهارون) في قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين﴾ [المؤمنون: ٤٥] (أو ذكر عيسى) في قوله تعالى: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ [المؤمنون: ٥٠] وذكر عيسى متصل في الآيات بذكر قصة موسى، وفي رواية الطحاوي "على ذكر موسى وعيسى" بقصد نهاية قصة موسى وبداية قصة عيسى، بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون. وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ [المؤمنون: ٤٩ - ٥٠] (أخذت النبي ﷺ سعلة) بفتح السين وسكون العين. وفتح اللام من السعال، ويجوز ضم
следующие страницы →