Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
قدرها من سورة طويلة، لأن المستحب للقارئ أن يبتدأ من أول الكلام المترابط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس، ذكره النووي.
٢ - استدل بعضهم بقوله في الرواية الأولى: "وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية" وبالرواية السابعة والثامنة على أنه يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدا في جميع الصلوات، وبه قال جمهور الشافعية ومحمد من أصحاب أبي حنيفة.
قال الحافظ ابن حجر: كأن السبب في ذلك أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرا من الملل اهـ وقيل لإدراك الناس الركعة، فعند عبد الرزاق في نهاية هذا الحديث "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة" ويقول عطاء: إني لأحب أن يطول الإمام الركعة الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف وبعض الشافعية يسوى بين الركعتين إلا في الفجر، فإنه يطول الأولى على الثانية، ويجيبون عن الحديث بأن تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتعوذ لا في القراءة.
٣ - أخذ من قوله في الرواية الأولى والثانية "ويسمعنا الآية أحيانا" على أن الإسرار ليس بشرط في صحة الصلاة السرية، بل هو سنة، فالحديث بيان لجواز الجهر في الصلاة السرية. قال النووي: ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر، أو ليعلمهم أنه يقرأ، أو أنه يقرأ سورة كذا، وأنه لا سجود سهو على من جهر في السرية، خلافا لمن قال ذلك من الحنفية وغيرهم.
٤ - أخذ من قوله في الرواية الثانية "ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب" أن قراءة الفاتحة مطلوبة في جميع الركعات وهو قول الجمهور، وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة في رواية: لا يجب القراءة في الركعتين الأخريين، بل هو بالخيار إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت.
قال صاحب الهداية وغيره من الحنفية: إلا أن الأفضل أن يقرأ، وقد سبق بسط هذه المسألة في باب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
٥ - أخذ بعضهم من قوله في الرواية الرابعة "وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية" استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين من الصلاة الرباعية والثالثة من المغرب، وهو قول للشافعي وهو نصه في الأم، والجمهور على خلافه، ويؤيده ما في الرواية الثانية، نعم لو أدرك المسبوق الأخريين أتى بالسورة في الباقيتين عليه، لئلا تخلو صلاته من سورة على الأصح.
٦ - وفي الأحاديث جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، فالراوي أخذه من سماع بعضها مع قيام قرينة على قراءة باقيها. قاله ابن دقيق العيد.
стр. 1262
٧ - استدل بعض الشافعية من تطويل القراءة في الأولى على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل، حيث إن تطويل القراءة في الأولى لتمكين المتأخر من إدراك الركعة.
٨ - استدل ابن العربي باختلاف المقروء على عدم مشروعية سور معينة في صلاة معينة قال الحافظ ابن حجر: وهو واضح فيما اختلف، لا فيما لم يختلف "كتنزيل" و"هل أتى" في صبح الجمعة.
٩ - ومن أحاديث شكاية سعد، خطاب الرجل الجليل بكنيته ومدحه في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة.
١٠ - وأن الإمام إذا شكى إليه نائبه بعث إليه واستفسر عن ذلك.
١١ - ويؤخذ من قول سعد: "تعلمني الأعراب بالصلاة" أن الذين شكوه كانوا جهالا.
١٢ - استدل بقوله: "أركد في الأوليين" على تطويل الركعتين الأوليين على الأخريين في الصلوات كلها، وهو مذهب الشافعي، وفي الروضة الأصح التسوية بينهما وبين الثالثة والرابعة.
والله أعلم
стр. 1263
(١٨٠) باب القراءة في الصبح والمغرب
٨٣٥ - عن محمد بن عباد بن جعفر قال: أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب العابدي عن عبد الله بن السائب قال صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة. فاستفتح سورة المؤمنين. حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى (محمد ابن عباد يشك أو اختلفوا عليه) أخذت النبي ﷺ سعلة. فركع. وعبد الله بن السائب حاضر ذلك. وفي حديث عبد الرزاق: فحذف، فركع. وفي حديثه: وعبد الله بن عمرو. ولم يقل: ابن العاص.
٨٣٦ - عن عمرو بن حريث ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿والليل إذا عسعس﴾ [التكوير: ١٧]
٨٣٧ - عن قطبة بن مالك ﵁ قال: صليت وصلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ حتى قرأ ﴿والنخل باسقات﴾ قال فجعلت أرددها ولا أدري ما قال.
٨٣٨ - عن قطبة بن مالك ﵁ سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿والنخل باسقات لها طلع نضيد﴾
٨٣٩ - عن زياد بن علاقة عن عمه أنه صلى مع النبي ﷺ الصبح فقرأ في أول ركعة ﴿والنخل باسقات لها طلع نضيد﴾ وربما قال ﴿ق﴾
٨٤٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ وكان صلاته بعد تخفيفا.
стр. 1264
٨٤١ - عن سماك قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق والقرآن﴾ ونحوها.
٨٤٢ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بـ ﴿الليل إذا يغشى﴾ وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك.
٨٤٣ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي الصبح بأطول من ذلك.
٨٤٤ - عن أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الغداة من الستين إلى المائة.
٨٤٥ - عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية.
٨٤٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ ﴿والمرسلات عرفا﴾ [المرسلات: ١] فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة. إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب.
٨٤٧ - عن الزهري بهذا الإسناد وزاد في حديث صالح ثم ما صلى بعد حتى قبضه الله .
стр. 1265
٨٤٨ - عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالطور في المغرب.
-[المعنى العام]-
نكتفي بالمعنى العام للباب التالي.
-[المباحث العربية]-
(صلى لنا النبي ﷺ وفي الرواية الثالثة "صلى بنا" فكل من اللام والباء مقصود به المصاحبة، أي صلى لنا إماما أو صلى بنا إماما.
(بمكة) أخذ منه بعضهم أن سورة المؤمنين مكية، قال الحافظ ابن حجر: وهو قول الأكثر، ولمن خالف أن يعتمد على رواية النسائي والطبراني وفيها "يوم الفتح".
(فاستفتح سورة المؤمنين) أي جعل بداية قراءته فاتحة سورة المؤمنين ﴿قد أفلح المؤمنون﴾
قال النووي: يقال. سورة بلا همز وبالهمز لغتان ذكرهما ابن قتيبة وغيره، وترك الهمزة هنا هو المشهور الذي جاء به القرآن العزيز، ويقال قرأت السورة، وقرأت بالسورة، وافتتحتها وافتتحت بها. اهـ
(حتى جاء ذكر موسى وهارون) في قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين﴾ [المؤمنون: ٤٥]
(أو ذكر عيسى) في قوله تعالى: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ [المؤمنون: ٥٠] وذكر عيسى متصل في الآيات بذكر قصة موسى، وفي رواية الطحاوي "على ذكر موسى وعيسى" بقصد نهاية قصة موسى وبداية قصة عيسى، بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون. وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ [المؤمنون: ٤٩ - ٥٠]
(أخذت النبي ﷺ سعلة) بفتح السين وسكون العين. وفتح اللام من السعال، ويجوز ضم
стр. 1266
السين، وفي رواية لابن ماجه "فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة - أو قال - شهقة" وفي رواية "شرقة" بفتح الشين وسكون الراء وفتح القاف.
(فحذف فركع) قال الحافظ ابن حجر: "فحذف" أي ترك القراءة.
﴿(والليل إذا عسعس)﴾ أي بالسورة التي فيها ﴿والليل إذا عسعس﴾ وهي سورة التكوير، قال جمهور أهل اللغة: معنى عسعس الليل أدبر، كذا نقله صاحب المحكم عن الأكثرين، ونقل القراء إجماع المفسرين عليه. قال: وقال آخرون: معناه أقبل وقال آخرون: هو من الأضداد، يقال إذا أقبل، وإذا أدبر.
﴿(والنخل باسقات)﴾ أي طويلات.
﴿(لها طلع نضيد)﴾ قال النووي: قال أهل اللغة والمفسرون: معناها منضود متراكب بعضه فوق بعض. قال ابن قتيبة: هذا قبل أن ينشق فإذا انشق كمامه وتفرق فليس هو بعد ذلك بنضيد.
(وربما قال) "ق" (والنخل باسقات لها طلع نضيد) هي الآية العاشرة من سورة "ق" فالرسول ﷺ كان يقرأ "ق" ويصل الآية المذكورة وما بعدها، فالإخبار بـ "ق" صحيح والإخبار بهذه الآية أو غيرها من سورة "ق" صحيح وليس مراد الراوي بيان عدد الآيات المقروءة من السورة، فعدد آيات "ق" خمس وأربعون آية، والظاهر أن الرسول ﷺ كان يقرأ السورة في ركعتين كما يفهم من الروايات التالية.
(وكان صلاته بعد تخفيفا) أي بعد القراءة، فلم يكن يطيل في الركوع والسجود مثلا فوق ما يتحمل المأمومون.
(وفي الصبح أطول من ذلك) هذه الجملة هي التي أدخلت الحديث تحت الترجمة والباب. "وأطول" وإن كانت تحتمل طوال السور إلا أن المراد ما يلي السورة المذكورة في الطول.
(من الستين إلى المائة) "من الستين" كحد أقل، وإلى "المائة" كحد أعلى، وهذا بيان لبعض حالاته ﷺ ، وكل راو عبر عن أكثر ما شاهد، والظاهر أن هذا العدد مقسوم على الركعتين.
(عن ابن عباس قال: إن أم الفضل بنت الحارث) هي والدة ابن عباس الراوي عنها، وكان الظاهر أن يقول: أمي دون ذكر اسمها، ولكن الإسلام وقد رفع من شأن المرأة جعل المسلمين لا يستنكفون ذكر أسماء النساء، بل يجدون في ذلك فخرا وبرا، وخصوصا إذا كان الاسم مشتهرا أو مشعرا بالمدح، وقد جاء الجمع بين ذكر الأمومة واسمها في رواية الترمذي وفيها "عن ابن عباس عن أمه أم الفضل" واسمها لبابة بنت الحارث، كنيت بابنها الفضل بن العباس، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، ويقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، والصحيح أن أخت عمر سبقتها إلى الإسلام.
стр. 1267
(سمعته) أي سمعت ابن عباس، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة، لأن ابن عباس قال: إن أم الفضل سمعته، كما في الرواية، فكان الأصل أن يقول: سمعتني.
(يا بني) تصغير ابن للشفقة والترحم.
(لقد ذكرتني) بتشديد الكاف وسكون الراء.
(بقراءتك هذه السورة) "هذه السورة" تنازعها "ذكرتني" و"قراءتك" فهي معمول للأول عند الكوفيين وللثاني عند البصريين.
(إنها لأخر ما سمعت) أي إن السورة لآخر ما سمعت ويروى "ما سمعته".
(يقرأ بها) في موضع الحال، أي سمعته في حال قراءته.
(في المغرب) قال الحافظ ابن حجر: تقدم في حديث عائشة أن الصلاة التي كانت آخر صلاة صلاها النبي ﷺ بأصحابه في مرض موته كانت الظهر، وقد جمعنا بينه وبين حديث أم الفضل هذا بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد، والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته كما رواه النسائي.
(جبير بن مطعم) كان سماعه لهذه السورة سبب إسلامه، فقد روى أنه جاء من مكة يكلم النبي ﷺ في أسرى بدر، فاضطجع في المسجد بعد العصر، فأصابه النعاس، فنام، فأقيمت صلاة المغرب، فقام فزعا بقراءة النبي ﷺ في المغرب بسورة "الطور" قال: فلما بلغ (إن عذاب ربك لواقع) فكأنما صدع قلبي، وكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي.
فقه الحديث
سندمج فقه الحديث عن هذا الباب في فقه الحديث في الباب التالي.
стр. 1268
(١٨١) باب القراءة في العشاء
٨٤٩ - عن عدي قال سمعت البراء يحدث عن النبي ﷺ أنه كان في سفر فصلى العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين ﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١]
٨٥٠ - عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال صليت مع رسول الله ﷺ العشاء فقرأ بالتين والزيتون.
٨٥١ - عن عدي بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه.
٨٥٢ - عن جابر ﵁ قال كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي فيؤم قومه فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف فقالوا له أنافقت يا فلان قال لا والله ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه فأتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار وإن معاذا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ فقال: "يا معاذ أفتان أنت؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا" قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال "اقرأ والشمس وضحاها. والضحى. والليل إذا يغشى. وسبح اسم ربك الأعلى" فقال عمرو نحو هذا.
٨٥٣ - عن جابر ﵁ أنه قال: صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء فطول عليهم فانصرف رجل منا فصلى فأخبر معاذ عنه فقال إنه منافق فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله ﷺ فأخبره ما قال معاذ فقال له النبي ﷺ : "أتريد أن تكون فتانا يا معاذ إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها. وسبح اسم ربك الأعلى. واقرأ باسم ربك. والليل إذا يغشى".
стр. 1269
٨٥٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة.
٨٥٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يأتي مسجد قومه فيصلي بهم.
-[المعنى العام]-
مما لا خلاف في استحبابه قراءة سورة من القرآن بعد الفاتحة في الأوليين من كل صلاة، جهرًا في الصلاة الجهرية، وسرًا في الصلاة السرية، والخلاف في مقدار ما يقرأ، وأي السور أفضل في كل الصلوات، ولو تتبعنا قراءة الرسول ﷺ لوجدناها تختلف اختلافًا بينًا، ففي الظهر قرأ بالسماء ذات البروج وبالسماء والطارق، وبالليل إذا يغشى، وبسورة لقمان وبالذاريات في ركعتين، فتراوحت قراءته في ركعة الظهر بين أربع وثلاثين آية وبين سبع عشرة آية، وفي العصر دون ذلك، وفي المغرب قرأ بسورة المرسلات، وبسورة الطور، وبقصار المفصل، وفي العشاء قرأ بسورة التين وأمر معاذا أن يقرأ بالشمس وضحاها، وبالضحى والليل إذا سجى، وبسورة الليل إذا يغشى، وبسورة اقرأ، وفي الفجر قرأ بسورة المؤمنين في ركعتين وبالتكوير في ركعة وبسورة ق وبسورة إذا زلزلت الأرض وبسورة السجدة وبسورة الدهر.
ولا شك أن هذا الاختلاف دليل جواز الكل، والكلام فيما هو أفضل، ولا شك أن المصلي المنفرد ومن يؤم قوما محصورين راضين بالتطويل له أن يقرأ بما شاء بشرط أن لا يؤدي طول القراءة إلى ضياع وقت الصلاة.
أما الذي يؤم قوما غير محصورين، أو يؤم من لا يرضى بالتطويل فواجبه التخفيف من القراءة بالقدر الذي لا يتألم منه مأموم، فإن الإسلام حريص على عدم التنفير من صلاة الجماعة، فهي مهما قلت القراءة فيها أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.
ولا يظن الإمام الذي يتعب المأمومين بقراءته أنه بذلك يتقرب إلى الله، بل إنه يخالف سنة الرسول الكريم الذي كان يدخل الصلاة ينوي تطويلها بصحابته رجالا ونساء فيسمع بكاء الطفل فيخفف القراءة إشفاقًا على أمه التي ستشغل عليه وتتألم لبكائه.
إن معاذ بن جبل كان يؤم قومه فحرص على أن ينال من فضل القراءة ما يطيل منها، فاستفتح
стр. 1270
في صلاة العشاء بسورة البقرة، وخلفه المريض وذو الحاجة والمتعب من عمل النهار، وصبر المتعب قدر طاقته وهو يظن أن معاذا سيقف عند قريب، لكنه يئس من وقوفه، واعتقد أنه سيتم بهم سورة البقرة في ركعة واحدة، فسلم وصلى منفردا وانصرف، وعلم بأمره معاذ فقال عنه: إنه منافق: وسأله أصحابه: أنافقت يا فلان حيث انفصلت عن الإمام. وصليت وحدك؟ قال: لا والله ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه، وشكا إلى رسول الله ﷺ تطويل معاذ، فعنف رسول الله ﷺ معاذا، وأمره أن يقرأ بقصار السور إذا أم القوم لئلا ينفروا عن الجماعة، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة.
التزم الصحابة هذه النصيحة من بعد نبيهم ﷺ يطيلون حيث لا خوف ولا ضرر، ويخففون حيث راحة المأمومين، فما أجمل سماحة الإسلام، وما أعظم عطف الرسول الكريم ﷺ .
وصدق الله العظيم حيث يقول فيه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]
-[المباحث العربية]-
(ثم يأتي فيؤم قومه) في رواية "ثم رجع إلى بني سلمة فيصليها بهم ولا مخالفة، فإن قومه هم بنو سلمة.
(فانحرف رجل فسلم) المفروض أنه سلم ثم انحرف أي انصرف فالمراد أنه أراد الانحراف فسلم.
(فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ ) "فلان" كناية عن اسم الرجل، وقد نودي فعلا باسمه، ولكن الراوي كنى عنه كعادتهم في الستر، كأنه صان اسمه عن أن يتهم بالنفاق.
وفي الرواية الخامسة أن معاذًا قال: إنه منافق، فكأن القوم بلغوه على لسانهم لا على لسان معاذ ابتعادا عن النميمة.
(إنا أصحاب نواضي) جمع "ناضح" وهو ما استعمل من الإبل في سقي النخل والزرع.
(نعمل بالنهار) أي نعمل بجهد ومشقة وتعب طول النهار.
(أفتان أنت) الاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي أن تكون فتانًا، أي منفرًا عن الدين وصادًا عنه، قال الحافظ ابن حجر: ومعنى الفتنة ههنا أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة وللتكره للصلاة في الجماعة، وقال النووي: يحتمل أن يريد بقوله "فتان" أي معذب لأنه عذبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ [البروج: ١٠] قيل: معناه عذبوهم.
стр. 1271
-[فقه الحديث]-
قلنا في باب القراءة في الظهر والعصر: إنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ في كل من الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، وإنه كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، وهي اثنتان وعشرون آية قصيرة، وبالسماء والطارق وهي سبع عشرة آية قصيرة.
وفي روايتنا الثامنة "كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك".
وسورة الليل إذا يغشى "إحدى وعشرون آية، وفي النسائي" كان رسول الله ﷺ يصلي بنا الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات" ولقمان أربع وثلاثون آية والذاريات ستون آية، وتحمل على الركعتين ففي كل ركعة نحو ثلاثين آية.
ومن مجموع هذه الروايات يثبت أن قراءته ﷺ في كل من ركعتي الظهر تتراوح بين أربع وثلاثين آية وبين سبع عشرة آية وقراءاته في العصر دون ذلك.
أما القراءة في الصبح فقد مر في باب القراءة في الصبح أنه ﷺ قرأ في الركعة من أول سورة المؤمنين إلى ذكر عيسى [نحو خمسين آية] وأنه قرأ في ركعة الصبح بالسورة التي فيها ﴿والليل إذا عسعس﴾ وهي سورة التكوير، وعددها تسع وعشرون آية، وأنه كان يقرأ في الفجر بـ "ق" وهي خمس وأربعون آية، وأنه كان يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية [أي في الركعتين] ففي رواية البخاري "كان النبي ﷺ يصلي الصبح، فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة. وفي أبي داود أنه ﷺ قرأ في الصبح: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ في الركعتين كلتيهما [وهي ثمان آيات] قال الراوي: فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا، أي تكريره السورة في الركعتين.
وفي البخاري عن أبي هريرة "كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة و ﴿هل أتى على الإنسان﴾ والأولى ثلاثون آية والثانية إحدى وثلاثون آية.
ومن مجموع هذه الروايات يثبت أن قراءته صلى الله
стр. 1272
عليه وسلم في كل من ركعتي الصبح تراوحت بين خمسين آية وبين ثماني آيات.
أما القراءة في المغرب فقد مضى في الباب السابق، في الرواية الثانية عشرة أنه ﷺ قرأ في المغرب بسورة المرسلات (أي في ركعة) وهي خمسون آية قصيرة، وفي الرواية الثالثة عشرة أنه ﷺ قرأ في ركعة المغرب بسورة الطور، وهي تسع وأربعون آية، وهناك رواية في البخاري يطالب فيها زيد بن ثابت مروان بن الحكم أمير المدينة أن يقرأ في ركعتي المغرب بالمائدة والأعراف، والأولى مائة وعشرون آية والثانية مائتان وست آيات.
وللعلماء فيما يقرأ في المغرب بحث طويل يأتي فيما يؤخذ من الحديث أما قراءته ﷺ في العشاء فروايتنا الثانية تفيد أنه قرأ في ركعة العشاء بسورة ﴿والتين والزيتون﴾ وهي ثماني آيات، وفي روايتنا الرابعة أمر ﷺ معاذا أن يقرأ بـ ﴿والشمس وضحاها﴾ وهي خمس عشرة آية، وبـ ﴿والضحى. والليل إذا سجى﴾ وهي إحدى عشرة آية، وبـ ﴿والليل إذا يغشى﴾ وهي إحدى وعشرون آية، وبـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وهي تسع عشرة آية، وفي روايتنا الخامسة أمر معاذا أن يقرأ بسورة اقرأ، وهي تسع عشرة آية فقراءاته ﷺ وأمره بالقراءة في كل من الأوليين من العشاء تتراوح بين إحدى وعشرين آية وبين ثماني آيات.
قال النووي في شرح المهذب: قال العلماء: واختلاف قدر القراء في الأحاديث كان بحسب الأحوال، فكان النبي ﷺ يعلم من حال المأمومين في وقت أنهم يؤثرون التطويل فيطول، وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه فيخفف، وفي وقت يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيخفف، كما ثبت في الصحيحين. اهـ
ثم قال: يستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر بقريب من ذلك، وفي العصر والعشاء بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، فإن خالف وقرأ بأطول أو أقصر من ذلك جاز. وهذا إذا كان منفردا أو علم رضا المأمومين وإلا فليخفف. اهـ
والمفصل السبع السابع من القرآن، سمي بذلك لكثرة فصوله وصغر آياته، وهو من صورة محمد إلى آخر القرآن، وقصاره من ﴿لم يكن﴾ إلى آخر القرآن، وأوساطه من ﴿والسماء ذات البروج﴾ إلى ﴿لم يكن﴾ وطواله من سورة محمد إلى ﴿والسماء ذات البروج﴾
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - قال النووي: يؤخذ منها استحباب أن يقرأ الإمام والمنفرد بعد الفاتحة شيئا من القرآن في الصبح، وفي الأوليين من سائر الصلوات، ويحصل أصل الاستحباب بقراءة شيء من القرآن، ولكن سورة كاملة أفضل حتى إن سورة قصيرة أفضل من قدرها من طويلة ... قال الزين ابن المنير: ذهب مالك إلى أن يقرأ المصلي في كل ركعة بسورة، ولا تقسم السورة في ركعتين، ولا يقتصر على بعضها ويترك الباقي، ولا يقرأ بسورة قبل سورة يخالف ترتيب المصحف، فإن فعل ذلك كله لم تفسد صلاته، بل هو خلاف الأولى، وجميع ما استدل به البخاري لا يخالف ما قال مالك لأنه محمول على الجواز. اهـ
٢ - يؤخذ من سعلته ﷺ وركوعه جواز قطع القراءة، قال النووي: وهذا جائز بلا خلاف، ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن له عذر فلا كراهة فيه أيضا، ولكنه خلاف الأولى. وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وبه قال مالك في رواية عنه، والمشهور عنه كراهته. اهـ
٣ - وجواز القراءة ببعض السورة.
٤ - واستدل به على أن السعال لا يبطل الصلاة، وهو واضح فيما إذا غلبه.
٥ - واستدل به بعضهم على أن سورة المؤمنين مكية، وقد رد برواية أنه كان في الفتح.
стр. 1273
٦ - قال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ منه أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال والتنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما استحب فيه تطويلها.
٧ - يؤخذ من رواية جبير بن مطعم [الرواية الثالثة عشرة من الباب السابق] صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا في الفسق إذا أداه في حال العدالة، لأن جبيرا تحمل الحديث وهو مشرك وأداه وهو عدل.
٨ - استدل بالرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة على استحباب القراءة في المغرب بالسور الطوال كالطور والمرسلات، وقال الترمذي: نقل عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالطوال نحو الطور والمرسلات. وقال الشافعي: لا أكره ذلك. بل أستحب. وكذا نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك ولا استحباب، وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة لا بغيرها. قال ابن دقيق العيد: استمر العمل في تطويل القراءة في الصبح وتقصيرها في المغرب. قال الحافظ ابن حجر: والحق عندنا أن ما صح عن النبي ﷺ في ذلك وثبتت مواظبته عليه فهو مستحب، وما لا تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه. اهـ وقال ابن خزيمة في صحيحه: وهذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إماما استحب له أن يخفف في القراءة، اهـ. وقال القرطبي: ما ورد في مسلم وغيره من تطويل القراءة فيما استقر عليه التقصير أو عكسه فهو متروك اهـ
والذي تستريح إليه النفس أن المستحب في المغرب قراءة قصار المفصل، وهو من ﴿لم يكن﴾ إلى آخر القرآن، قال العيني: وهو مذهب الثوري والنخعي وعبد الله بن المبارك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد ومالك وإسحق، وقد روى الطحاوي أن الرسول ﷺ قرأ في المغرب بالتين والزيتون وروي بسند صحيح عن ابن عمر "كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ وروى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب آخر المفصل، وفي الأثر أن ابن عباس كان يقرأ في المغرب ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وأن عمران بن حصين كان يقرأ في المغرب ﴿إذا زلزلت﴾ ﴿والعاديات﴾ وهذه الآثار وإن كان في بعضها ضعف تركن إليها النفس والله أعلم.
٩ - ويؤخذ من حديث معاذ [الرواية الرابعة والخامسة] جواز صلاة المفترض خلف المنتفل، لأن معاذا كان يصلي الفريضة مع رسول الله ﷺ فيسقط فرضه، ثم يصلي مرة ثانية بقومه، هي له تطوع ولهم فريضة، وقد جاء هكذا مصرحا به في غير مسلم، وهذا جائز عند الشافعي ﵀ وآخرين، ولم يجزه ربيعة ومالك وأبو حنيفة ﵃ والكوفيون، وتأولوا حديث معاذ ﵁ على أنه كان يصلي مع النبي ﷺ تنفلا، ومنهم من تأوله على أنه لم يعلم به النبي ﷺ [وهذا مستبعد فإن الرواية الرابعة تفيد علمه ﷺ من الشاكي ولم ينكر عليه ذلك] ومنهم من قال: حديث معاذ كان أول الأمر، ثم نسخ.
قال النووي: وكل هذه التأويلات دعاوى لا أصل لها، فلا يترك ظاهر الحديث بها.
стр. 1274
١٠ - استدل بعض الشافعية على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردا وإن لم يخرج منها، قال النووي: وهذا الاستدلال ضعيف، لأنه ليس في الحديث أنه فارقه وبنى على صلاته، بل في الرواية الأولى أنه سلم وقطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، وهذا لا دليل فيه للمسألة المذكورة. اهـ
١١ - وفيه أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة.
١٢ - وفيه إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين.
١٣ - وجواز خروج المأموم من الصلاة لعذر.
١٤ - وفيه جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلي فيه بالجماعة إذا كان بعذر.
١٥ - وأن التخلف عن الجماعة من صفة المنافقين. قاله الحافظ ابن حجر وفيه نظر.
١٦ - أخذ من قوله "فافتتح بسورة البقرة" جواز قول سورة البقرة وسورة النساء وسورة المائدة ونحوها ومنعه بعض السلف، وزعم أنه لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها البقرة ونحو هذا، وهذا خطأ صريح والصواب جوازه. اهـ
١٧ - وأخذ من قوله "أفتان أنت يا معاذ؟ " الإنكار على من ارتكب ما ينهى عنه وإن كان مكروها غير محرم.
١٨ - وجواز الاكتفاء في التعزير بالكلام.
١٩ - والأمر بتخفيف الصلاة والتعزير على إطالتها إذا لم يرض المأمومون ذكره النووي.
والله أعلم
стр. 1275
(١٨٢) باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام
٨٥٦ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين. فأيكم أم الناس فليوجز. فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة".
٨٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء".
٨٥٨ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "إذا ما قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة فإن فيهم الكبير وفيهم الضعيف وإذا قام وحده فليطل صلاته ما شاء".
٨٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن في الناس الضعيف والسقيم وذا الحاجة"
٨٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ بمثله غير أنه قال (بدل السقيم): الكبير.
٨٦١ - عن عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "أم قومك" قال قلت: يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئا قال: "ادنه" فجلسني بين يديه ثم وضع
стр. 1276
كفه في صدري بين ثديي ثم قال: "تحول" فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال "أم قومك. فمن أم قوما فليخفف. فإن فيهم الكبير وإن فيهم المريض وإن فيهم الضعيف. وإن فيهم ذا الحاجة. وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء".
٨٦٢ - عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ "إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة".
٨٦٣ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يوجز في الصلاة ويتم.
٨٦٤ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان من أخف الناس صلاة في تمام.
٨٦٥ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ .
٨٦٦ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة.
٨٦٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به".
-[المعنى العام]-
صدق الله العظيم حيث يقول ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨] وحيث يقول ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]
ولقد حرص الإسلام في تشريعه السمح على أن لا يشق على الأمة، وراعى حالة الضعفاء والمرضى
стр. 1277
والمشتغلين بمطالب الحياة ﴿علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: ٢٠]، فجعل الضعيف أمير الركب، وطلب من الأقوياء أن يسيروا بخطى الضعفاء، وكان ﷺ خير مطبق لهذا القانون بطبعه ووجدانه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]
لقد غضب ﷺ على معاذ حين طول القراءة على المأمومين، واستفتح بسورة البقرة، فعنفه، وحذره من مثل ذلك لئلا ينصرف الناس عن الإسلام وصلاة الجماعة، ولعل أئمة لم يعلموا بقصته فطولوا رغبة في زيادة الثواب، أو لعلهم ظنوا أن الصبح غير العشاء، فالعشاء يحتاج أهلها للنوم، أما الصبح فقد شبعوا من النوم واستقبلوا الحركة والحياة بكثير من النشاط والرغبة في الخير.
وكان من هؤلاء الأئمة أبي بن كعب في مسجد قباء، وشكا الشاكي إلى رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله، إني ضعيف لا أقوى على صلاة الصبح جماعة مع أبي، لأنه يطيل القراءة، فأضطر إلى التخلف عن صلاة الجماعة وأصلي منفردا، أو أتشاغل ببعض مصالحي حتى يقطع شوطا من قراءته، ثم أحاول اللحاق به فلا أكاد أدرك الصلاة. فغضب ﷺ غضبا شديدا، ودعا أبي بن كعب، ودعا جمعا من الأئمة، وقال: أيها الناس: إن منكم منفرين، ينفرون الناس عن صلاة الجماعة بطول القراءة، إذا ما قام أحدكم إماما للناس فليخفف، فإن من ورائه يصلي الصغير والكبير والضعيف والمريض والحامل والمرضع وابن السبيل وذو الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليطل في صلاته ما شاء.
أيها الناس: إنني لا أراعي المرضى والضعفاء فحسب. بل أراعي أحاسيس من خلفي ومشاغلهم ووجدهم، إنني أدخل في الصلاة وأنا أنوي وأريد تطويلها، فأسمع بكاء الطفل، فأقدر انشغال أمه ببكائه، وحرصها على سرعة لقائه واحتضانه، فأقرأ بالسورة القصيرة، وأخفف من صلاتي من أجل الصبي وأمه.
أفلا تقدرن أن خلفكم المريض والمسن والضعيف وذا الحاجة؟
أيها الناس يسروا ولا تعسروا، وخففوا ولا تطولوا، مع المحافظة على أركان الصلاة وسننها واستجاب الصحابة ﵃، فكان عبد الرحمن بن عوف يقرأ بأقصر سورتين في القرآن ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ واقتدوا برسول الله ﷺ الذي قال عنه أنس بن مالك كان ﷺ من أخف الناس صلاة في تمام، وما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(إني لأتأخر عن صلاة الصبح) "أي فلا أحضرها جماعة" وفي رواية "إني لأتأخر عن
стр. 1278
صلاة الغداة" وهي الصبح، وفي رواية "والله إني لأتأخر" بزيادة القسم، وفي رواية "إني لا أكاد أدرك الصلاة" أي لاطمئنانه إلى تطويل الإمام يتشاغل عن الإسراع إليه فتكاد تفوته الجماعة.
وخص الصبح من بين بقية الصلوات لأنها تطول فيها القراءة غالبا، ولأن الانصراف منها في وقت التوجه إلى الأعمال والحرف.
(من أجل فلان) المقصود به أبي بن كعب، قال الحافظ ابن حجر: وهم من فسره بمعاذ، لأن قصة معاذ كانت في صلاة العشاء، وفي مسجد بني سلمة، وهذه كانت في الصبح وفي مسجد قباء. اهـ
(مما يطيل بنا) أي في القراءة، كما هو ظاهر في العلاج والأمر بالتخفيف، وما مصدرية.
(فما رأيت رسول الله ﷺ غضب في موعظة قط) قط بفتح القاف وتشديد الطاء ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى وتختص بالنفي، فالمعنى ما رأيته فيما انقطع من عمري وما مضى من زمان.
(أشد مما غضب) "أشد" بالنصب، نعت لمصدر محذوف، أي غضبًا أشد من غضبه وما مصدرية.
(يومئذ) التنوين عوض عن جملة، أي يوم أخبر بذلك.
(إن منكم منفرين) بصيغة الجمع من التنفير، يقال: نفر ينفر نفورا، إذا فر وذهب، ونفره بتشديد الفاء إذا دفعه إلى النفور.
(فأيكم أم الناس) أي فأي واحد منكم، وفي رواية "فأيكم ما صلى" بما الزائدة، وفي رواية "فمن أم الناس" وذلك بالإضافة إلى روايات الباب.
(فليوجز) اللام لام الأمر، وفي رواية "فليتجوز" والإيجاز التقليل والتخفيف وهو ضد الإطناب.
(فإن من ورائه) وفي الروايات الآتية "فإن فيهم" وفي رواية "فإن خلفه" وفي رواية "فإن منهم"
(الكبير والضعيف وذا الحاجة) المراد من الكبير المسن الذي وهن بالشيخوخة، والمراد بالضعيف الذي لا يحتمل، أعم من أن يكون الضعف بسبب المرض، أو بسبب في أصل الخلقة كالنحيف، أو بسبب السن، فيكون من ذكر العام بعد الخاص، وفي الرواية الثانية "فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، فالمراد من الصغير الذي لا يحتمل التطويل بسبب صغر السن، ومن الكبير الذي لا يحتمل بسبب الشيخوخة ومن الضعيف الذي لا يحتمل بسبب في خلقته، ومن المريض الذي لا يحتمل بسبب مرضه.
стр. 1279
وفي الرواية الرابعة "الضعيف والسقيم" والمراد من السقيم المريض، وكان من الممكن أن يجمعها بقوله "فإن فيهم من لا يحتمل" لكن ذكر هذه الأوصاف مدعاة إلى الإشفاق وإلى الاستجابة بالتخفيف، أما ذو الحاجة فيراد به صاحب المصلحة العاجلة كالمسافر والعامل والمشغول بأمر من أموره الداعية إلى الإسراع. فقد جاء في رواية "والعابر السبيل" وفي أخرى "الحامل والمرضع".
(فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء) أي مخففًا أو مطولاً، وفي الرواية الثالثة "فليطل صلاته ما شاء" من أطال، وفي رواية "فيطول ما شاء" من طول، و"ما" زمانية، أي فليطول المدة التي يشاؤها، "وكيف" في رواية "كيف شاء" شرطية، وجوابها محذوف، دليله ما قبلها.
(إذا ما قام أحدكم للصلاة) "ما" زائدة بعد أداة الشرط غير الجازمة، وهي "إذا"
(إني أجد في نفسي شيئًا) قال النووي: يحتمل أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر والإعجاب له بتقديمه على الناس، ويحتمل أنه أراد الوسوسة في الصلاة، فإنه كان موسوسًا، ولا يصلح للإمامة الموسوس. اهـ
(قال: ادنه) الهاء هاء السكت، و"أدن" فعل أمر.
(فجلسني بين يديه) بتشديد اللام، أي أجلسني أمامه.
(ثم وضع كفه في صدري) أي على صدري، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض، وفي أدخل في التمكن كتمكن المظروف في ظرفه.
(بين ثديي) بتشديد الياء على التثنية، قال النووي وفيه إطلاق الثدي على حلمة الرجل، وهذا هو الصحيح، ومنهم من منعه اهـ
(ثم قال: تحول) أي ضع صدرك جهة ظهرك، وظهرك جهة صدرك.
(فوضعها في ظهري بين كتفي) بتشديد الياء، تثنية كتف، أي فوضع كفه على وسط ظهري.
(إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة) هذه الجملة مقصود لفظها وحكايتها، خبر المبتدأ أي آخر عهده إلى هذا القول.
(ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ "قط" وأخف صفة إمام مجرور بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف وصلاة تمييز.
(إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها) جملة "أريد" في محل النصب على الحال، وفي رواية "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها".
стр. 1280
(أسمع بكاء الصبي) قال العيني، البكاء إذا مددت أردت به الصوت الذي يكون معه، وإذا قصرت أردت خروج الدمع، وهنا ممدود لا محالة بقرينة "فأسمع" إذ السماع لا يكون إلا في الصوت. اهـ وليس المقصود بالصبي خصوص الذكر، بل ومثله الصبية.
(فأخفف من شدة وجد أمه به) أي فأخفف الصلاة، وقال النووي: الوجد يطلق على الحزن وعلى الحب أيضًا، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر أي من حزنها واشتغال قلبها به. اهـ.
-[فقه الحديث]-
قال ابن دقيق العيد: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلا بالنسبة لعادة آخرين. اهـ
وظاهر الأحاديث أن تخفيف الصلاة إنما هو مراعاة لحال المأمومين، ومن هنا قال بعضهم: لا يكره التطويل إذا علم رضا المأمومين، واعترض بأن الإمام لو فرض علمه بحال من بدأ الصلاة معه فإنه لا يعلم حال من قد يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة، قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا يكره التطويل مطلقا إلا إذا فرض في مصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم. اهـ
وقال اليعمري: الأحكام إنما تناط بالغالب، لا بالصورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا. وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر، وعلل بالمشقة، وهو مع ذلك يشرع ولو لم يشق، عملا بالغالب لأنه لا يدري ما يطرأ عليه وكذلك هنا.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - قال النووي: في الأحاديث الأمر للإمام بتخفيف الصلاة، بحيث لا يخل بسننها ومقاصدها، وأنه إذا صلى لنفسه طول ما شاء في الأركان التي تحتمل التطويل، وهي القيام والركوع والسجود والتشهد، دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين. اهـ وسيأتي مزيد لهذا البحث في الباب التالي.
٢ - يؤخذ من قوله "إني لأتأخر عن صلاة الصبح" جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم أن من عادة الإمام التطويل الكثير، حيث لم يعنف رسول الله ﷺ الرجل.
٣ - وفيه جواز ذكر الإنسان بهذا ونحوه في معرض الشكوى والاستفتاء.
٤ - وفيه الغضب لما ينكر من أمور الدين والغضب في الموعظة، قال ابن دقيق العيد: وسبب غضبه ﷺ إما مخالفة الموعظة [إن قلنا بسبق العلم، باحتمال كون هذه القصة بعد قصة معاذ، وعليه أتى بصيغة الجمع هنا] أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه، ويحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه، ليكونوا من سماعه على بال، لئلا يعود من فعل ذلك إلى مثله اهـ قال الحافظ ابن حجر: وهذا أحسن في الباعث على أصل إظهار الغضب، أما كونه أشد فالاحتمال الثاني أوجه. اهـ
стр. 1281
٥ - استدل بعضهم بقوله "فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء" على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت وفيه نظر، لأنه يعارض عموم قوله في بعض الأحاديث "إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" رواه مسلم قال الحافظ ابن حجر: وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى.
٦ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل بعمومه على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين اهـ
وفيه نظر، لأن الشكوى وعلاجها في القراءة، ولا تتعرض لباقي الأركان
٧ - ويؤخذ من حديث بكاء الصبي جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد.
٨ - وأن الصبي يجوز إدخاله المسجد، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يؤمن منه حدث.
٩ - وفيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع ومراعاة مصالحهم، وأن لا يدخل ما يشق عليهم وإن كان يسيرا من غير ضرورة، ذكره النووي.
١٠ - استدل بقوله "إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها" إلخ أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحب لا يجب عليه الوفاء به، خلافا لأشهب، حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائما ليس له أن يتمه جالسا.
١١ - قال ابن بطال: احتج به من قال: يجوز للإمام إطالة الركوع إذا سمع بحس داخل ليدركه، وتعقبه ابن المنير بأن التخفيف نقيض التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال: ثم إن فيه مغايرة للمطلوب لأن فيه إدخال المشقة على جماعة من أجل الواحد. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال: إن محل ذلك ما لم يشق على الجماعة، وبذلك قيده أحمد وإسحق وأبو ثور، وما ذكره ابن بطال سبقه إليه الخطابي، ووجهه بأنه إذا جاز التخفيف لحاجة من حاجات الدنيا كان التطويل لحاجة من حاجات الدين أجوز: وتعقبه القرطبي بأن التطويل هنا زيادة عمل في الصلاة غير مطلوب بخلاف التخفيف، فإنه مطلوب اهـ وفي المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل وبالكراهة قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شركا.
والله أعلم
стр. 1282
(١٨٣) باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام
٨٦٨ - عن البراء بن عازب ﵁ قال رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء.
٨٦٩ - عن الحكم قال: غلب على الكوفة رجل قد سماه زمن ابن الأشعث فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد قال الحكم فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال سمعت البراء بن عازب يقول كانت صلاة رسول الله ﷺ وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء قال شعبة: فذكرته لعمرو بن مرة فقال قد رأيت ابن أبي ليلى فلم تكن صلاته هكذا.
٨٧٠ - عن الحكم أن مطر بن ناجية لما ظهر على الكوفة أمر أبا عبيدة أن يصلي بالناس وساق الحديث.
٨٧١ - عن أنس ﵁ قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا قال فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي.
٨٧٢ - عن أنس ﵁ قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله ﷺ في تمام كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان
стр. 1283
عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر وكان رسول الله ﷺ إذا قال "سمع الله لمن حمده" قام. حتى نقول: قد أوهم. ثم يسجد. ويقعد بين السجدتين. حتى نقول: قد أوهم.
-[المعنى العام]-
لم يهتم المسلمون برصد ركن من أركان الإسلام اهتمامهم برصد حركات الصلاة وسكناتها وقراءتها وذكرها، وكيف لا وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ وكيف لا وهي عماد الدين؟ وكيف لا وهي الفارق بين المسلم والكافر؟
لقد كان الصحابة يرمقون صلاة رسول الله ﷺ ويقلدونها ويقتدون بها وكان التابعون يرصدون صلاة الصحابة ويحاكونها، ومن كان يرى خلافا لما علم سأل من هو أعلم منه به، ومن رأى منهم خللا نبه عليه، وهكذا صانوها وحفظوها ونقلوها إلينا خلفا عن سلف مع كمال العناية، وبالغ الاهتمام.
وهذه الأحاديث تحكي صورة حية ناطقة بتبليغ الرسالة وحفظ الأمانة ونصح الأمة.
فهذا البراء بن عازب يروي أنه رصد ورمق صلاة رسول الله ﷺ ، رمق كم من الوقت كان وقوفه؟ وكم كان ركوعه؟ كم كان رفعه من الركوع؟ وكم من الوقت قضى في سجوده؟ وكم قضى في جلوسه بين السجدتين؟ ويحكى أن الزمن الذي استغرق في كل كان متقاربا.
وهذا أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود التابعي يؤم الناس، فيطمئن بعد الرفع من الركوع ويقرأ الذكر الجميل الطويل في وقوفه كرسم لمقدار الطمأنينة المطلوبة، ويحكي الحكم التابعي للتابعي الجليل عبد الرحمن بن أبي ليلى ما رآه من تطويل أبي عبيدة فيحسب ابن أبي ليلى مقدار هذا التطويل على بقية أركان الصلاة.
ويرى أنس بن مالك الصحابي الجليل، يرى الناس، وقد أخلوا بالطمأنينة في الصلاة، وأخذوا ينقرون الصلاة نقرا، فقال لهم: ألا أنبئكم بصلاة رسول الله ﷺ ؟ تعالوا أريكم إني والله لا آلو جهدا أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا، وصلى بهم صلاة يطمئن فيها في الركوع وفي الرفع منه وفي السجود وفي الرفع منه اطمئنانا لا يطمئن القوم مثله، وحين يلمس التعجب في وجوه القوم يقول لهم: كانت صلاة رسول الله ﷺ كذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، وظل قائما حتى يقول الناس إنه نسي الهوي للسجود، وإذا رفع رأسه من السجود جلس واستمر جالسا بين السجدتين حتى يقول الناس إنه نسي الهوي للسجدة الثانية.
وقد سار أبو بكر على نهجه ﷺ ، وصار عمر على نهجه بل وزاد في طمأنينة صلاة الفجر عما كان عليه العهد في صلاة أبي بكر، فرضي الله عمن اتبع هداك يا رسول الله، وصلى الله وسلم وبارك عليك وعلى أصحابك أجمعين.
стр. 1284
-[المباحث العربية]-
(رمقت الصلاة مع محمد ﷺ أي راقبتها وحاولت فهمها.
(قريبًا من السواء) "قريبًا" مفعول ثان لـ"فوجدت" وهذا التعبير ظاهر في التفاوت اليسير بين الأركان، وسيأتي زيادة إيضاح في فقه الحديث.
(غلب على الكوفة رجل) قال النووي: هو مطر بن ناجية المسمى في الرواية الثانية.
(فأمر أبا عبيدة بن عبد الله) بن مسعود ﵁.
(فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي، كان أصحابه يعظمونه، أدرك مائة وعشرين صحابيا، مات سنة ثلاث وثمانين.
(إني لا آلو) بهمزة ممدودة بعد حرف النفي ولام مضمومة بعدها واو، أي لا أقصر.
(فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأنهم كانوا يخلون بتطويل الاعتدال.
(حتى يقول القائل: قد نسي) أي قد نسي وجوب الهوي إلى السجود أو أنسي أنه في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت حيث كان معتدلاً، أو وقت التشهد حيث كان جالسًا.
(خلف أحد أوجز صلاة) أوجز صفة أحد مجرور بالفتحة، وصلاة تمييز.
(حتى نقول: قد أوهم) في كتب اللغة: أوهم فلان وهم بفتح الهاء، أي ذهب وهمه إلى شيء وهو يريد سواه، ووهم في الصلاة سها، فهي كما في الرواية الرابعة "قد نسي".
-[فقه الحديث]-
قال النووي: واعلم أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام، وأنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بـ"ألم تنزيل" السجدة، وأنه كان تقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يرجع، فيتوضأ، ثم يأتي المسجد فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون وأنه قرأ في المغرب بالطور وبالمرسلات، وأشباه هذا. وكله يدل على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات. وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات. اهـ
وما قاله الإمام النووي هو محاولة للتوفيق بين قول البراء بن عازب "فوجدت قيامه فركعته ...
стр. 1285
إلخ قريبًا من السواء" وبين ما ثبت من قراءاته ﷺ في وقوفه، وهذه المحاولة غير مسلمة، إذ من المستبعد أن يتساوى ركوعه مع قراءة دعاء الاستفتاح والفاتحة وسورة مهما كانت قصيرة، والذي يبدو لي أن المعادلة التي قصدها البراء معادلة بين قيامه بدون قراءة وبين الركوع إلخ أي معادلة بين الوقت الذي يبدأ بتكبيرة الإحرام وينتهي بالبدء في الفاتحة، ويشغل بدعاء الاستفتاح، يرشح هذا أنه لم يذكر مسافة الجلوس للتشهد، بل ذكر مسافة الجلوس بين السلام والانصراف، مما يوحي بأن وقوف القراءة وجلوس القراءة غير داخلين في المعادلة، ويؤكد هذا الفهم الرواية الثانية للبراء، وفيها عقد المقارنة في غير الوقف للقراءة والجلوس للتشهد، ويؤيد هذا الفهم تأكيدا رواية البخاري عن البراء نفسه، ولفظها "كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وبين السجدتين وإذا رفع من الركوع - ما خلا القيام والقعود - قريبًا من السواء".
وعلى ذلك فقول النووي: في الحديث دليل على تخفيف القراءة والتشهد. هذا القول غير مسلم.
وهناك من العلماء من فهم أن مقارنة البراء ليست بين أركان الصلاة بعضها مع بعض وإنما هي مقارنة بين الركن الواحد في الصلوات المختلفة، أو في الركعات المختلفة، فكأنه قال: كان ركوعه في جميع الركعات وجميع الصلوات قريبا من السواء وكان اعتداله في جميع الركعات وفي جميع الصلوات قريبا من السواء، ويساعد هذا الفهم عبارته في الرواية الثانية "كانت صلاته، قريبًا من السواء" قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى تكلفه.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - استحباب إطالة الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، وفي مقدارها تفصيل وآراء تأتي في أبوابها التي تلي هذا الباب إن شاء الله.
٢ - قال الحافظ ابن حجر: استدل بظاهره على أن الاعتدال ركن طويل ولا سيما قول أنس "حتى يقول القائل: "قد نسي".
٣ - قال القرطبي: هذا الحديث يدل على أن بعض الأركان أطول من بعض، غير أنها غير متباعدة.
٤ - قال النووي: وفيه دليل على أنه ﷺ كان يجلس بعد التسليم شيئًا يسيرًا في مصلاه.
والله أعلم
стр. 1286
(١٨٤) باب متابعة الإمام والعمل بعده
٨٧٣ - عن أبي إسحق عن عبد الله بن يزيد قال: حدثني البراء وهو غير كذوب أنهم كانوا يصلون خلف رسول الله ﷺ فإذا رفع رأسه من الركوع لم أر أحدًا يحني ظهره حتى يضع رسول الله ﷺ جبهته على الأرض ثم يخر من وراءه سجدًا.
٨٧٤ - عن البراء ﵁ (وهو غير كذوب) قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال "سمع الله لمن حمده" لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجدًا ثم نقع سجودًا بعده.
٨٧٥ - عن محارب بن دثار قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول على المنبر حدثنا البراء أنهم كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ فإذا ركع ركعوا وإذا رفع رأسه من الركوع فقال "سمع الله لمن حمده" لم نزل قياما حتى نراه قد وضع وجهه في الأرض ثم نتبعه.
٨٧٦ - عن البراء ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ لا يحنو أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد. فقال زهير: حدثنا سفيان قال: حدثنا الكوفيون: أبان وغيره قال: حتى نراه يسجد.
٨٧٧ - عن عمرو بن حريث ﵁ قال: صليت خلف النبي ﷺ الفجر فسمعته يقرأ ﴿فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس﴾ [التكوير: ١٥، ١٦]. وكان لا يحني رجل منا ظهره حتى يستتم ساجدًا.
стр. 1287
-[المعنى العام]-
شرع الله صلاة الجماعة ليتم اللقاء ويتعدد، فتزول الجفوة، وتشيع المودة وتتداول المنافع والمصالح، وشرع لها حدودا وضوابط لتعليم المسلمين النظام في الحركة والسكون، والانقياد للقائد الذي ارتضوه وقدموه إماما، ومقتضى النظام والدقة والانقياد أن لا يسبقوا قائدهم، فلا يحنوا ظهورهم إلا بعد أن يحني، ولا يرفعوا رءوسهم قبل أن يرفع.
بالتزام هذه الحدود والضوابط يتحقق الهدف الأكبر لصلاة الجماعة ولهذا كثر أمر الرسول ﷺ أصحابه باتباع الإمام "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد .. " إلخ.
لكن العجلة طبيعة الإنسان ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧] والشيطان يحركه إلى هذه الطبيعة في الصلاة ليخرجه بسرعة من المناجاة، ويحركه في صلاة الجماعة إلى هذه الطبيعة بصفة خاصة، ليفقده ثوابها، وليوقعه في إثم ما بعده إثم ويعرضه لعقوبة من أشد العقوبات.
لقد كان ﷺ يراقب من خلفه في صلاة الجماعة، وكان حريصًا على التزامهم ومتابعتهم لصلاته، فكان يقوم المعوج، ويصحح الخطأ. صلى رجل خلفه فجعل يركع قبل أن يركع، ويرفع قبل أن يرفع، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، قال: من الفاعل هذا؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: "إذا ركع الإمام فاركعوا وإذا رفع فارفعوا".
-[المباحث العربية]-
(وعن أبي إسحق عن عبد الله بن يزيد قال: حدثني البراء - وهو غير كذوب) قال يحيى بن معين: القائل [وهو غير كذوب] هو أبو إسحق. قال: ومراده أن عبد الله بن يزيد غير كذوب، وليس المراد أن البراء غير كذوب. لأن البراء صحابي، لا يحتاج إلى تزكية، ولا يحسن فيه هذا القول. اهـ
قال النووي: وهذا الذي قاله ابن معين خطأ عند العلماء، بل الصواب أن القائل: "وهو غير كذوب" هو عبد الله بن يزيد، ومراده أن البراء غير كذوب ومعناه تقوية الحديث وتفخيمه، والمبالغة في تمكينه من النفس، لا التزكية التي تكون في مشكوك فيه، ونظيره قول ابن عباس ﵁ حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، وعن أبي هريرة مثله، ونظائر، فمعنى الكلام حدثني البراء وهو غير متهم كما علمتم، فثقوا بما أخبركم عنه اهـ
وقال الخطابي: هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي، إنما يوجب حقيقة الصدق له اهـ
فهذا القول لا يقصد به تعديل الراوي حتى ينزه عنه البراء لأجل صحبته.
стр. 1288
وقد اعترض بعضهم على ابن معين بأنه حين نزه البراء عن هذه العبارة ألصقها بعبد الله بن يزيد وهو صحابي أيضا، لكنه أجيب بأن ابن معين لا يعد عبد الله بن يزيد في الصحابة وإن عده كثير من العلماء منهم.
بقي قولهم: إن نفي الكذوبية لا يستلزم نفي الكاذبية، أي إن نفي المبالغة في الكذب لا يستلزم نفي أصل الكذب وقليله، فكان الواجب نفي مطلق الكذب وأجيب بأن المعنى غير كذب، فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]
(لم أر أحدًا يحني ظهره) أي للسجود، وفي الرواية الرابعة "لا يحنو أحد منا ظهره" قال النووي وكلاهما صحيح فهما لغتان حكاهما الجوهري وغيره يقال: حنيت وحنوت، ولكن الياء أكثر ومعناه عطفته، ومثله حنيت العود وحنوته عطفته. اهـ
(لم يحن أحد منا ظهره) يحن بفتح الياء وسكون الحاء من حنيت العود إذا قوسته.
﴿(فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس)﴾ قال المفسرون وأهل اللغة: هي النجوم الخمسة، وهي المشترى وعطارد والزهرة والمريخ وزحل هكذا قال أكثر المفسرين، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وفي رواية عنه أنها هذه الخمسة والشمس والقمر، وعن الحسن هي كل النجوم، وقيل غير ذلك، والخنس التي تخنس، أي ترجع في مجراها، والكنس التي تكنس أي تدخل كناسها أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها، والكنس جمع كانس قاله النووي.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: ظاهر الحديث [وهو يتكلم عن حديث التهديد بصورة حمار] يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النووي في شرح المهذب.
ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وبه قال أهل الظاهر، بناء على أن النهي يقتضي الفساد، وفي المغني عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب اهـ
وقال القرطبي: من خالف الإمام فقد خالف سنة المأموم. اهـ وظاهر عبارته عدم الحرمة وثبوت الكراهة لكن الجمهور على الحرمة.
وقد فصل الإمام النووي هذه المسألة في شرح المهذب تفصيلاً جديرًا بالاعتبار فقال:
قال أصحابنا يجب على المأموم متابعة الإمام، ويحرم عليه أن يتقدمه بشيء من الأفعال،
стр. 1289
والمتابعة أن يجري على إثر الإمام، بحيث يكون ابتداؤه لكل فعل متأخرًا عن ابتداء الإمام، ومقدمًا على فراغه منه فلو خالفه في المتابعة فله أحوال:
إن قارنه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته باتفاق أصحابنا وبه قال مالك وأبو يوسف وأحمد وداود، وقال الثوري وأبو حنيفة وزفر ومحمد تنعقد، كما لو قارنه في الركوع.
وقد سبق تفصيل هذا القول وتوضيحه.
والله أعلم
стр. 1290
(١٨٥) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
٨٧٨ - عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع قال "سمع الله لمن حمده. اللهم ربنا لك الحمد. ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد".
٨٧٩ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو بهذا الدعاء "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد".
٨٨٠ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "اللهم لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد. اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد. اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ".
٨٨١ - وفي رواية معاذ "كما ينقى الثوب الأبيض من الدرن" وفي رواية يزيد "من الدنس"
٨٨٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال "ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد. أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد. وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
٨٨٣ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال "اللهم ربنا لك الحمد. ملء السموات وملء الأرض، وما بينهما. وملء ما
стр. 1291
شئت من شيء بعد. أهل الثناء والمجد. لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
٨٨٤ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ إلى قوله "وملء ما شئت من شيء بعد" ولم يذكر ما بعده.
-[المعنى العام]-
الصلاة مجموعة من القراءة والأذكار، بعضها واجب وركن، وبعضها مشروع ومستحب، ومن الأذكار المستحبة ما يقال عند الرفع من الركوع وكان ﷺ يحافظ على دعاء معين ويداوم عليه جهرا مثل "سمع الله لمن حمده" أو سرًا مثل "ربنا لك الحمد" كما كان يكثر من دعاء معين بعد هذا، مثل "ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد" وقد يزيد "أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد - وكلنا لك عبد - اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لمن منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وقد يزيد "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ".
كانت أحواله ﷺ في الذكر مختلفة، يطيل به أحيانًا اطمئنانًا إلى رضا من خلفه من المأمومين بالتطويل، ويقصر إذا ظن حاجة بعض من خلفه إلى التقصير، وهو في هذا وذاك مشرع، مشرع للتطويل في العبادة، ومشرع للتقصير والتيسير، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦]
-[المباحث العربية]-
(سمع الله لمن حمده) قال العلماء: معنى "سمع" هنا أجاب، ومعناه أن من حمد الله تعالى متعرضا لثوابه استجاب الله تعالى له وأعطاه ما تعرض له. فإنا نقول: ربنا لك الحمد لتحصيل ذلك.
(اللهم ربنا لك الحمد) في بعض الطرق بحذف "اللهم" وثبوتها أرجح. وفي بعض الروايات "ولك الحمد" بزيادة الواو.
стр. 1292
(ملء السموات والأرض) "ملء" بنصب الهمزة ورفعها، والنصب أشهر، وحكي عن الزجاج أنه يتعين الرفع ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النصب، والأول أصح.
قال العلماء: معناه: لك الحمد حمدا لو كان أجساما لملأ السموات والأرض.
(اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد) استعارة للمبالغة في الطهارة من الذنوب وغيرها، وإجراء الاستعارة بتشبيه التوبة والندم والاستغفار بالثلج والماء البارد بجامع التطهير والتنظيف بكل، وحذف المشبه وأقيم المشبه به مقامه على سبيل الاستعارة التصريحية، والأصل طهرني من ذنوبي بالتوبة والاستغفار والندم التي هي في تطهير الذنوب كالثلج والبرد والماء في تطهيرها للثياب.
(اللهم طهرني من الذنوب والخطايا) قال النووي: يحتمل أن يكون الجمع بينهما كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما﴾ [النساء: ١١٢] قال: الخطيئة المعصية بين العبد وبين الله تعالى، والإثم بينه وبين الآدمي. اهـ
ويحتمل أن يكون عطف مرادف مبالغة في التذلل والاعتراف بالتقصير.
(كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ) الوسخ والدرن والدنس كله بمعنى واحد، والمعنى اللهم طهرني طهارة كاملة معتنى بها كما يعتنى بتنقية الثوب الأبيض من الوسخ.
(أهل الثناء والمجد) "أهل" منصوب على النداء، قال النووي: هذا هو المشهور، وجوز بعضهم رفعه على تقدير: أنت أهل الثناء، والمختار النصب والثناء الوصف الجميل والمدح، والمجد العظمة ونهاية الشرف وفي رواية أهل الثناء والحمد وله وجه اهـ
(أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد) هكذا هو في مسلم وغيره "أحق" بالألف، و"كلنا" بالواو، وأما ما وقع في كتب الفقه "حق ما قال العبد، كلنا" بحذف الألف والواو فغير معروف من حيث الرواية، وإن كان صحيحا، وعلى الرواية المعروفة تقديره: أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت إلخ، واعترض بينهما بقوله: "وكلنا لك عبد".
والاعتراض هنا للاهتمام مع ارتباطه بما قبله وما بعده. كذا قاله النووي بتصرف.
(ولا ينفع ذا الجد منك الجد) ذا الجد المشهور فتح الجيم هكذا ضبطه العلماء المتقدمون والمتأخرون، قال ابن عبد البر: ومنهم من رواه بالكسر. قال: وهذا خلاف ما عرفه النقل.
قال: ومعناه على ضعفه الاجتهاد، أي لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه وينجيه رحمتك. وقيل المراد "ذا الجد" والسعي التام في الحرص على الدنيا وقيل: معناه الإسراع في الهرب، أي لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هربه، فإنه في قبضتك وسلطانك، والصحيح المشهور "الجد" بالفتح، وهو الحظ والغنى والعظمة والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة
стр. 1293
والسلطان منك حظه، أي لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح كقوله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك﴾ [الكهف: ٤٦] قاله النووي.
-[فقه الحديث]-
قال النووي في المجموع شرح المهذب: الاعتدال من الركوع فرض وركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا به عند الشافعية بلا خلاف، والواجب هو أن يعود بعد ركوعه إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع، سواء صلى قائمًا أو قاعدًا وبهذا قال أحمد وداود وأكثر العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يجب، بل لو انحط من الركوع إلى السجود أجزأه، وعن مالك روايتان.
وتجب الطمأنينة في الاعتدال بلا خلاف عند الشافعية، وقال إمام الحرمين: في قلبي من إيجابها شيء، وسببه أن النبي ﷺ قال في حديث المسيء صلاته "حتى تعتدل قائمًا" وفي باقي الأركان "حتى تطمئن" والصواب الأول لأن النبي ﷺ كان يطمئن، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" هذا ما يتعلق بواجب الاعتدال، أما أكمله ومندوباته فمنها: أن يرفع يديه حذو منكبيه، ويكون ابتداء رفعهما مع ابتداء الرفع، فإذا اعتدل قائما حط يديه، والسنة أن يقول في حال ارتفاعه: سمع الله لمن حمده، فإذا استوى قائما استحب أن يقول: ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد - وكلنا لك عبد - لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. قال الشافعي والأصحاب: يستوي في استحباب هذه الأذكار كلها الإمام والمأموم والمنفرد، فيجمع كل واحد منهم بين "سمع الله لمن حمده" و"ربنا لك الحمد" إلى آخره. لكن قال الأصحاب: إنما يأتي الإمام بهذا كله إذا رضي المأمومون بالتطويل وكانوا محصورين، فإن لم يكن كذلك اقتصر على قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد".
قال صاحب الحاوي وغيره: يستحب للإمام أن يجهر بقوله: "سمع الله لمن حمده" ليسمع المأمومون ويعلموا انتقاله كما يجهر بالتكبير، ويسر بقوله: "ربنا لك الحمد" لأنه في الاعتدال، فأسر به كالتسبيح في الركوع والسجود، وأما المأموم فيسر بهما كما يسر بالتكبير، فإن أراد تبليغ غيره انتقال الإمام كما يبلغ التكبير جهر بقوله: "سمع الله لمن حمده" لأنه المشروع في حال الارتفاع ولا يجهر بقوله: "ربنا لك الحمد" لأنه إنما يشرع في حال الاعتدال.
ثم قال النووي: هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة: يقول الإمام والمنفرد "سمع الله لمن حمده" فقط، ويقول المأموم "ربنا لك الحمد" فقط. حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي ومالك وأحمد، وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد: يجمع الإمام الذكرين، ويقتصر المأموم على "ربنا لك الحمد" اهـ بتصرف.
قال الحافظ ابن حجر: الذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع، فتكرير
стр. 1294
"سبحان ربي العظيم" يجيء قدر "اللهم ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه" وقد شرع في الاعتدال "ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج" ومن هنا اختار النووي جواز تطويل الركن القصير بالذكر. ثم قال: والعجب ممن يرى بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال بحجة أن ذلك ينفي الموالاة. والرد أن نفي الموالاة أن يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها. وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها. اهـ بتصرف.
والله أعلم
стр. 1295
(١٨٦) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
٨٨٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر. فقال: "أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم. أو ترى له. ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. فأما الركوع فعظموا فيه الرب . وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم"
٨٨٦ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال "اللهم هل بلغت؟ " ثلاث مرات "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا. يراها العبد الصالح أو ترى له" ثم ذكر بمثل حديث سفيان.
٨٨٧ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا.
٨٨٨ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهاني رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد.
٨٨٩ - عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: نهاني رسول الله ﷺ عن القراءة في الركوع والسجود ولا أقول نهاكم.
стр. 1296
٨٩٠ - عن علي ﵁ قال نهاني حبي ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا.
٨٩١ - عن علي ﵁ عن النبي ﷺ كلهم قالوا: نهاني عن قراءة القرآن وأنا راكع ولم يذكروا في روايتهم النهي عنها في السجود. كما ذكر الزهري وزيد بن أسلم والوليد بن كثير وداود بن قيس.
٨٩٢ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال نهيت أن أقرأ وأنا راكع لا يذكر في الإسناد عليا.
(ملحوظة) ستشرح هذه الأحاديث مع ما بعدها.
стр. 1297
(١٨٧) باب ما يقال في الركوع والسجود
٨٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء".
٨٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره".
٨٩٥ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن.
٨٩٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: "سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك" قالت قلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: "جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلى آخر السورة
٨٩٧ - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ يصلي صلاة إلا دعا أو قال فيها "سبحانك ربي وبحمدك اللهم اغفر لي".
٨٩٨ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر من قول "سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه" قالت: فقلت: يا رسول الله أراك تكثر من قول "سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه" فقال: "خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي. فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. فقد
стр. 1298
رأيتها. ﴿إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾
٨٩٩ - عن ابن جريج قال قلت لعطاء: كيف تقول أنت في الركوع؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت. فأخبرني ابن أبي مليكة عن عائشة: قالت: افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة. فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه. فتحسست ثم رجعت. فإذا هو راكع أو ساجد يقول: "سبحانك وبحمدك. لا إله إلا أنت" فقلت: بأبي أنت وأمي إني لفي شأن وإنك لفي آخر.
٩٠٠ - عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش. فالتمسته. فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد. وهما منصوبتان. وهو يقول "اللهم أعوذ برضاك من سخطك. وبمعافاتك من عقوبتك. وأعوذ بك منك. لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك".
٩٠١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده "سبوح قدوس رب الملائكة والروح".
بمثل هذا الحديث.
(ملحوظة): ستشرح هذه الأحاديث مع ما قبلها، وما بعدها.
стр. 1299
(١٨٨) باب فضل السجود والحث عليه
٩٠٢ - عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة. أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله. فسكت. ثم سألته فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "عليك بكثرة السجود لله. فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة. وحط عنك بها خطيئة". قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته. فقال لي مثل ما قال لي ثوبان.
٩٠٣ - عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي: "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك. قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود".
-[المعنى العام]-
ثلاث مجموعات من الأحاديث، تنهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وتوضح ما ينبغي أن يقال فيهما من الأذكار، وتبين فضل السجود ومكانته بين الطاعات.
المجموعة الأولى: تتحدث عن صورة مشرقة لحرص النبي ﷺ على محافظة أمته على تعاليم الإسلام وحرصه على الاطمئنان على تطبيقهم العملي لسنته، حتى ساعة أقعده المرض الأخير عن الخروج إلى الصلاة، وكان يغشى عليه من الحمى، ثم يفيق، فإذا أفاق سأل أزواجه عن أداء المسلمين الصلاة: هل صلى الناس؟ فيقلن: لا، وهم ينتظرونك. فيقول: مروا أبا بكر فليصل بهم، حتى إذا أمروا أبا بكر، فقام يصلي بالناس كشف الرسول ﷺ الستارة التي بين بيته وبين المسجد، كشف الستارة ورأسه معصوب من شدة الألم، فرأى الناس صفوفا خلف أبي بكر كما علمهم أن يصفوا أنفسهم كصفوف الملائكة، فاطمأن على إقامتهم للركن الأساسي في الإسلام، وبشرهم ببقاء جزء من أربعين جزءا من النبوة بينهم بعد وفاته ﷺ ، قال لهم: إلا إنه لا نبي بعدي، ولن يبقى بعد وفاتي من طلائع النبوة وأحوالها وروافدها إلا الرؤيا الصادقة في المنام، يراها المسلم الصالح أو يراها غيره له، يطلعه الله على بعض غيبه، يبشره بما سيأتيه من خير، لكيلا يفرح بما آتاه عند إتيانه،
стр. 1300
ولتتهيأ نفسه لاستقباله دون مفاجأة أو طغيان، وينذره مما سيصيبه من شر، ليستعد له، ويروض نفسه على احتماله قبل وصوله، فإذا وصل لم يكن صدمة يفزع لها، أو يفقد من هولها صوابه، كل ذلك لطف من الله بالمسلم ليرضى بالقضاء، ويشكر عند السراء والضراء.
بعد هذه البشرى بما أفاض ويفيض الله على عبده الصالح وضع ﷺ اللمسات الأخيرة على هيئة الصلاة فقال: أيها الناس. ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا، فلا تقرءوا القرآن في الركوع والسجود فعظموا فيه الرب، وقولوا: سبحان ربنا العظيم، وأما السجود فهو أقرب ما يكون العبد من ربه، فادعوا الله فيه، واجتهدوا في الدعاء، وأكثروا وألحوا، فجدير أن يستجيب الله لكم وأنتم سجود. أيها الناس. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. اللهم قد بلغت. اللهم فاشهد. اللهم قد بلغت اللهم فاشهد ثم أرخى الستر فلم يره الصحابة بعد، ولحق بالرفيق الأعلى ﷺ .
والمجموعة الثانية: تدعو إلى كثرة الدعاء في السجود، وتبرز ما كان يدعو به ﷺ في سجوده في أيامه الأخيرة، وأنه كان يقول أحيانًا في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله، صغيره وكبيره، حقيره وجليله، وأوله ووسطه وآخره، علانيته وسره.
وإنه كثيرًا ما كان يقول في ركوعه وفي سجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي.
وأحيانًا ما كان يقول: سبحانك وبحمدك. لا إله إلا أنت. اللهم إني أعوذ برضاك عن سخطك، وبمعافاتك عن عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك.
وأحيانا كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
ولاحظت أم المؤمنين عائشة - وهي مشهورة بالذكاء واليقظة، ومتابعة حركاته وسكناته ﷺ لاحظت أنه منذ وقت قريب يكثر من التسبيح والتحميد والتوبة والاستغفار على غير ما كانت تعهد من قبل، لاحظت أنه لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء، ولا يركع ولا يسجد، إلا ويذكر هذه الكلمات فقالت: يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أسمعها منك حديثا؟ ولم أكن أسمعك تواظب عليها قديما؟ قال: يا عائشة أخبرني ربي أنني سأرى علامة، وأمرني أنني إذا رأيتها أكثر من هذه الكلمات، وقد رأيتها، فأنا أكثر منها.
هذا الإخبار كان بنزول قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾
وقد رأيت هذه العلامة، ففتح الله مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فأنا أقولها إيذانا بقرب نهايتي فقد أكمل الله لكم دينكم، وأتم عليكم نعمته، ورضي لكم الإسلام دينا، ولم يبق إلا أن أسبح، وأحمد وأستغفر وأتوب وأنتظر اللحوق بالرفيق الأعلى.
المجموعة الثالثة: تحكي أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ سأله معدان بن أبي طلحة اليعمري عن أحب الأعمال إلى الله: فسكت ثوبان مبديا إعجابه وسروره بالسؤال مما شجع معدان أن يعيد السؤال، وسكت ثوبان للمرة الثانية وفي وجهه بشاشة السرور بحرص المسلمين على الترقي بالأعمال
следующие страницы →