← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

٨٩٠ - عن علي ﵁ قال نهاني حبي ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا. ٨٩١ - عن علي ﵁ عن النبي ﷺ كلهم قالوا: نهاني عن قراءة القرآن وأنا راكع ولم يذكروا في روايتهم النهي عنها في السجود. كما ذكر الزهري وزيد بن أسلم والوليد بن كثير وداود بن قيس. ٨٩٢ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال نهيت أن أقرأ وأنا راكع لا يذكر في الإسناد عليا. (ملحوظة) ستشرح هذه الأحاديث مع ما بعدها.

стр. 1297

(١٨٧) باب ما يقال في الركوع والسجود ٨٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء". ٨٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره". ٨٩٥ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن. ٨٩٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: "سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك" قالت قلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: "جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلى آخر السورة ٨٩٧ - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ يصلي صلاة إلا دعا أو قال فيها "سبحانك ربي وبحمدك اللهم اغفر لي". ٨٩٨ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر من قول "سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه" قالت: فقلت: يا رسول الله أراك تكثر من قول "سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه" فقال: "خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي. فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. فقد

стр. 1298

رأيتها. ﴿إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ ٨٩٩ - عن ابن جريج قال قلت لعطاء: كيف تقول أنت في الركوع؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت. فأخبرني ابن أبي مليكة عن عائشة: قالت: افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة. فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه. فتحسست ثم رجعت. فإذا هو راكع أو ساجد يقول: "سبحانك وبحمدك. لا إله إلا أنت" فقلت: بأبي أنت وأمي إني لفي شأن وإنك لفي آخر. ٩٠٠ - عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش. فالتمسته. فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد. وهما منصوبتان. وهو يقول "اللهم أعوذ برضاك من سخطك. وبمعافاتك من عقوبتك. وأعوذ بك منك. لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك". ٩٠١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده "سبوح قدوس رب الملائكة والروح". بمثل هذا الحديث. (ملحوظة): ستشرح هذه الأحاديث مع ما قبلها، وما بعدها.

стр. 1299

(١٨٨) باب فضل السجود والحث عليه ٩٠٢ - عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة. أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله. فسكت. ثم سألته فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "عليك بكثرة السجود لله. فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة. وحط عنك بها خطيئة". قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته. فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. ٩٠٣ - عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي: "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك. قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود". -[المعنى العام]- ثلاث مجموعات من الأحاديث، تنهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وتوضح ما ينبغي أن يقال فيهما من الأذكار، وتبين فضل السجود ومكانته بين الطاعات. المجموعة الأولى: تتحدث عن صورة مشرقة لحرص النبي ﷺ على محافظة أمته على تعاليم الإسلام وحرصه على الاطمئنان على تطبيقهم العملي لسنته، حتى ساعة أقعده المرض الأخير عن الخروج إلى الصلاة، وكان يغشى عليه من الحمى، ثم يفيق، فإذا أفاق سأل أزواجه عن أداء المسلمين الصلاة: هل صلى الناس؟ فيقلن: لا، وهم ينتظرونك. فيقول: مروا أبا بكر فليصل بهم، حتى إذا أمروا أبا بكر، فقام يصلي بالناس كشف الرسول ﷺ الستارة التي بين بيته وبين المسجد، كشف الستارة ورأسه معصوب من شدة الألم، فرأى الناس صفوفا خلف أبي بكر كما علمهم أن يصفوا أنفسهم كصفوف الملائكة، فاطمأن على إقامتهم للركن الأساسي في الإسلام، وبشرهم ببقاء جزء من أربعين جزءا من النبوة بينهم بعد وفاته ﷺ ، قال لهم: إلا إنه لا نبي بعدي، ولن يبقى بعد وفاتي من طلائع النبوة وأحوالها وروافدها إلا الرؤيا الصادقة في المنام، يراها المسلم الصالح أو يراها غيره له، يطلعه الله على بعض غيبه، يبشره بما سيأتيه من خير، لكيلا يفرح بما آتاه عند إتيانه،

стр. 1300

ولتتهيأ نفسه لاستقباله دون مفاجأة أو طغيان، وينذره مما سيصيبه من شر، ليستعد له، ويروض نفسه على احتماله قبل وصوله، فإذا وصل لم يكن صدمة يفزع لها، أو يفقد من هولها صوابه، كل ذلك لطف من الله بالمسلم ليرضى بالقضاء، ويشكر عند السراء والضراء. بعد هذه البشرى بما أفاض ويفيض الله على عبده الصالح وضع ﷺ اللمسات الأخيرة على هيئة الصلاة فقال: أيها الناس. ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا، فلا تقرءوا القرآن في الركوع والسجود فعظموا فيه الرب، وقولوا: سبحان ربنا العظيم، وأما السجود فهو أقرب ما يكون العبد من ربه، فادعوا الله فيه، واجتهدوا في الدعاء، وأكثروا وألحوا، فجدير أن يستجيب الله لكم وأنتم سجود. أيها الناس. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. اللهم قد بلغت. اللهم فاشهد. اللهم قد بلغت اللهم فاشهد ثم أرخى الستر فلم يره الصحابة بعد، ولحق بالرفيق الأعلى ﷺ . والمجموعة الثانية: تدعو إلى كثرة الدعاء في السجود، وتبرز ما كان يدعو به ﷺ في سجوده في أيامه الأخيرة، وأنه كان يقول أحيانًا في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله، صغيره وكبيره، حقيره وجليله، وأوله ووسطه وآخره، علانيته وسره. وإنه كثيرًا ما كان يقول في ركوعه وفي سجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. وأحيانًا ما كان يقول: سبحانك وبحمدك. لا إله إلا أنت. اللهم إني أعوذ برضاك عن سخطك، وبمعافاتك عن عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك. وأحيانا كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. ولاحظت أم المؤمنين عائشة - وهي مشهورة بالذكاء واليقظة، ومتابعة حركاته وسكناته ﷺ لاحظت أنه منذ وقت قريب يكثر من التسبيح والتحميد والتوبة والاستغفار على غير ما كانت تعهد من قبل، لاحظت أنه لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء، ولا يركع ولا يسجد، إلا ويذكر هذه الكلمات فقالت: يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أسمعها منك حديثا؟ ولم أكن أسمعك تواظب عليها قديما؟ قال: يا عائشة أخبرني ربي أنني سأرى علامة، وأمرني أنني إذا رأيتها أكثر من هذه الكلمات، وقد رأيتها، فأنا أكثر منها. هذا الإخبار كان بنزول قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ وقد رأيت هذه العلامة، ففتح الله مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فأنا أقولها إيذانا بقرب نهايتي فقد أكمل الله لكم دينكم، وأتم عليكم نعمته، ورضي لكم الإسلام دينا، ولم يبق إلا أن أسبح، وأحمد وأستغفر وأتوب وأنتظر اللحوق بالرفيق الأعلى. المجموعة الثالثة: تحكي أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ سأله معدان بن أبي طلحة اليعمري عن أحب الأعمال إلى الله: فسكت ثوبان مبديا إعجابه وسروره بالسؤال مما شجع معدان أن يعيد السؤال، وسكت ثوبان للمرة الثانية وفي وجهه بشاشة السرور بحرص المسلمين على الترقي بالأعمال

стр. 1301

الصالحة، فسأله معدان نفس السؤال للمرة الثالثة، فقال ثوبان: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: عليك بكثرة السجود - سجود الصلاة، وسجود "شكر" وسجود التلاوة - فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وأعطاك بها حسنة، وغفر لك بها سيئة. كما تحكي هذه المجموعة أن ربيعة بن كعب الأسلمي كان يبيت ليلة عند رسول الله ﷺ وكان الصحابة يتقربون بخدمته ﷺ ويحرصون على مساعدته في وضوئه بإحضار الماء وصبه، فلما قام بذلك ربيعة أراد ﷺ أن يكافئه، فقال له: ماذا تطلب لأدعو لك به، فقال ربيعة: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: سألت عظيما، أو غير هذا السؤال؟ قال: لا، هو ذاك ليس غير، قال ﷺ : فأعني على إجابة سؤالك بكثرة السجود، وكثرة الدعاء فيه. فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وكثرة السجود لك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. -[المباحث العربية]- (كشف رسول الله ﷺ الستارة) أي رفع الستارة التي كانت بين بيته وبين مسجده ﷺ ، والستارة بكسر السين الستر الذي يكون على باب البيت والدار، واستعملت حديثا بعد الأبواب على النوافذ. (والناس صفوف خلف أبي بكر) يصلي بهم خلفًا للنبي ﷺ في مرض موته. (ألا وإني نهيت أن أقرأ ... ) "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه، تدل على تحقق ما بعدها، ويقول عنها المعربون: حرف استفتاح، والواو بعدها عاطفة، والتقدير: إلا إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة وإني نهيت أن أقرأ، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف محذوف، والتقدير: نهيت عن قراءتي القرآن في الركوع. (فأما الركوع فعظموا فيه الرب) أي مجدوه ونزهوه عن النقائص، بقولكم: سبحان ربي العظيم. (وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء) فيه، أكثروا، أو رددوا، أو ألحوا، على ما سيأتي في فقه الحديث. (فقمن أن يستجاب لكم) "قمن" بفتح الميم وكسرها لغتان، ويقال أيضًا: قمين بزيادة ياء، ومعناه حقيق وجدير. (نهاني ... ولا أقول: نهاكم) معناه أن النهي في صورته كان موجهًا لي في هذه القصة، ولم يتوجه إلى أحد من الحاضرين: وهذا لا يمنع من شمول النهي للجميع، ولا من توجهه لهم في قصة

стр. 1302

أخرى، وربما سمع رسول الله ﷺ عليًا - كرم الله وجهه - يقرأ القرآن في ركوعه أو سجوده فنهاه - لأن الأصل في النهي عن شيء إنما يكون عند الوقوع فيه أو عند الخوف من الوقوع فيه - فيكون في هذا القول من على صورة رائعة لإبراز الحق ودفع الشبهة عن الآخرين، فكأنه يقول: أنا الذي أخطأت فنهيت لا أنتم. (نهاني حبي) بكسر الحاء والباء المشددة، أي محبوبي (أقرب ما يكون العبد من ربه) في الكلام مضاف محذوف، أي أقرب ما يكون العبد من رحمة ربه وفضله. (اللهم اغفر لي ذنبي كله. دقه وجله) "دقه" بكسر الدال وتشديد القاف المفتوحة، أي دقيقه وصغيره، وجله أي عظيمه، فالمراد قليله وكثيره. (وأوله وآخره) ليس المراد الأول والآخر دون ما بينهما، بل العبارة كناية عن الإحاطة والشمول، أي الكل. وكذا يقال في "دقه وجله" و"علانيته وسره" والمراد من العبارات الثلاث التأكيد لقوله "ذنبي كله" إثر تأكيد. (يكثر أن يقول .... ) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به. والتقدير: يكثر قول سبحانك اللهم في ركوعه وسجوده. (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) قال الواحدي: أجمع المفسرون وأهل المعاني على أن معنى تسبيح الله تعالى تنزيهه وتبرئته من السوء. قال: وأصله في اللغة التبعيد، من قولك: سبحت في الأرض إذا ضربت فيها. اهـ فسبحانك اللهم معناه براءة وتنزيهًا لك من كل نقص وسبحانك منصوب على المصدر، يقال: سبحت الله بتشديد الباء تسبيحًا وسبحانًا فجعل السبحان موضع التسبيح، فحذف الفعل "سبحت" اختصارًا، ولكثرة الاستعمال صار حذفه لازمًا. و"اللهم" منادى، أي يا ربنا، "وبحمدك أسبح"، والمراد من الحمد لازمه مجازًا، وهو ما يوجبه من التوفيق والهداية، والمعنى بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك سبحتك، لا بحولي وقوتي، ففيه شكر الله على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى الله تعالى، وأن كل الأفعال له، فالواو في "وبحمدك" إما للحال، إما لعطف الجملة على الجملة. (يتأول القرآن) المراد من القرآن بعضه، والمراد بهذا البعض قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ فهو ﷺ يتأول قوله تعالى ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ أي يفعل ما أمر به فيقول في ركوعه وسجوده وفي كثير من أوقاته: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. (يكثر أن يقول قبل أن يموت) أي في الفترة بين نزول سورة النصر وبين موته ﷺ .

стр. 1303

(ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ ) جملة "تقولها" بيان لجملة "أحدثها" أي تقولها حديثًا. (جعلت لي علامة في أمتي) "علامة" بالرفع نائب فاعل، أي جعل الله لي علامة في أمتي. (إذا رأيتها قلتها) أي إذا رأيت هذه العلامة قلت هذه الكلمات، وهذه العلامة هي فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجًا وقد رأيتها، فلذلك أقولها وأكثر من قولها، عملاً بقوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ (كيف تقول أنت في الركوع؟ ) كان الظاهر أن يقول: ماذا تقول أنت في الركوع؟ لأنه يسأل عما يقول، لا عن كيفيته، ولكنه أراد السؤال عن القول بدقة حتى كأنه يسأل عنه وعن كيفيته. (افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة) في الرواية الثامنة "فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش" وفقد وافتقد بمعنى، والمقصود أنها لم تجده في فراشه. (فتحسست ثم رجعت) وفي الرواية الثامنة "فالتمسته" والتحسس البحث بإحدى الحواس، والالتماس في أصله البحث باللمس، والظاهر أنها تسمعت لصوته أو نفسه في نواحي البيت، فلما لم تجده رجعت إلى مكان النوم، ثم بدا لها أن تتجه إلى المسجد، وبين حجراته والمسجد ستر كما ذكرنا، وفي الظلام تحسست بيدها. (فإذا هو راكع أو ساجد) في الرواية الثامنة "فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهذه الهيئة لا تكون في الركوع، ولا تكون إلا في السجود فقولها في روايتنا "فإذا هو راكع أو ساجد" مشكل. إلا إذا قلنا بتعدد القصة، تعدد افتقاده ﷺ والتماسه، فالرواية السابعة تحكي أنها سمعته يقول هذا الذكر ولم تلمسه، ولم تتبين إن كان في ركوع أو في سجود، والرواية الثامنة تحكي أنها لمسته بيدها، لمست بطن قدميه فكان في سجود، يساعد على هذا الفهم اختلاف الذكر الوارد في كل من الروايتين. والله أعلم. (بأبي أنت وأمي) كثيرة الاستعمال لحسن حذف فعلها، والأصل: أفديك بأبي وأمي يا رسول الله. تقال عند مشاهدة فعل عظيم. (إني لفي شأن وإنك لفي آخر) أي إني لفي ظني ما ظننت، وإنك لعلى نقيض من ظني، حيث تركت متعة النساء إلى متعة عبادة ربك. (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) قال الخطابي: في هذا معنى لطيف، وذلك أنه استعاذ بالله تعالى وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له،

стр. 1304

وهو الله استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه. (لا أحصي ثناء عليك) أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك: معناه لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بها عليك وإن اجتهدت في الثناء عليك. (أنت كما أثنيت على نفسك) قال النووي: هذا اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد للثناء إلى الجملة دون التفصيل والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، وكل ثناء أثنى به عليه، وإن كثر وطال وبولغ فيه، فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكبر وأكثر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. اهـ (سبوح قدوس) بضم السين والقاف، وقد يفتحان، والضم أفصح وأكثر، قال أهل اللغة: هما صفتان لله تعالى: وقال ابن فارس والترمذي: اسمان لله تعالى. فالمراد بالسبوح المسبح، أي المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية، والمراد بالقدوس المقدس، أي المطهر من كل ما لا يليق بالخالق، وقال الهروي: قيل: القدوس المبارك. والرواية هكذا برفع "سبوح قدوس" وقال القاضي عياض: وقيل: سبوحًا قدوسًا بالنصب، أي أسبح سبوحًا أو أذكر أو أعظم أو أعبد. (رب الملائكة والروح) قيل: الروح جبريل، وقيل: ملك عظيم أعظم الملائكة خلقًا، وقيل: أشرف الملائكة، وعلى كل هذا هو من عطف الخاص على العام لمزيد عناية بهذا الخاص، والأصح أنه جبريل، فقد عطف صريحا في قوله تعالى: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ [البقرة: ٩٨] كما أطلق عليه الروح في قوله: ﴿نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] ومن الأقوال الضعيفة ما قيل: إن المراد بالروح خلق كالناس ليسوا بناس، وما قيل: إنهم خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة. والله أعلم. -[فقه الحديث]- يمكن حصر الكلام في فقه الحديث في أربع نقاط: الأولى: حكم القراءة في الركوع والسجود. الثانية: حكم التسبيح في الركوع والسجود، والأذكار الواردة فيهما. الثالثة: الرؤيا الصالحة

стр. 1305

الرابعة: -[ما يؤخذ من الحديث من أحكام]- وإليك التفصيل: ١ - قال الإمام النووي: لو قرأ في ركوع أو سجود غير الفاتحة عمدًا كره ولم تبطل صلاته، وإن قرأ الفاتحة عمدًا فالأصح أنه يحرم وتبطل صلاته، لأنه نقل ركنا إلى غير موضعه، كما لو ركع أو سجد في غير موضعه وقيل: يكره ولا تبطل. هذا مذهب الشافعية، وعند جمهور الحنفية: أنه يكره ولا تبطل. أما إن قرأ سهوًا فلا كراهة، وسواء قرأ عمدًا أو سهوًا يسجد للسهو عند الشافعي رحمه الله تعالى اهـ ٢ - وظيفة الركوع التسبيح والذكر، وكره مالك الدعاء في الركوع، ووظيفة السجود التسبيح والذكر والدعاء، والمستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، لما ورد أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: ٧٤] قال ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، ويستحب أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، لما ورد أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] قال ﷺ : اجعلوها في سجودكم. ويستحب أن يكرر كل واحدة منها ثلاث مرات، ويضم إليها ما شاء من أذكار تأتي، هذا للمفرد، وللإمام الذي يعلم أن المأمومين يؤثرون التطويل، فإن شك لم يزد على التسبيح، ولو اقتصر الإمام والمنفرد في تسبيحه على واحدة، فقال: سبحان الله أو سبحان ربي حصل أصل سنة التسبيح، لكن ترك كمالها وأفضلها، وأدنى الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود ثلاث مرات، ولو سبح خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة كان أفضل وأكمل. قال النووي: واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود سنة غير واجب هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور، وأوجبه أحمد وطائفة من أئمة الحديث لظاهر الحديث في الأمر به، ولقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". وأجاب الجمهور بأنه محمول على الاستحباب، واحتجوا بحديث المسيء صلاته، فإن النبي ﷺ لم يأمره به، ولو وجب لأمره به. اهـ والأذكار الواردة في الركوع والسجود كثيرة منها ما ورد في روايات الباب، ففي الرواية الثانية "كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره". وفي الرواية الثالثة: "كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي". وفي الرواية السابعة: فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت". وفي الرواية الثامنة: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

стр. 1306

وفي الرواية التاسعة: "كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح". وعن علي ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت: وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي، وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد لك وجهي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين". وعند أبي داود: كان يقول في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة". ٣ - والروايتان الأولى والثانية تتحدثان عن الرؤيا الصالحة وأنها من مبشرات النبوة فتقولان "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا" وفي معناهما يقول ابن التين: إن الوحي ينقطع بموته ﷺ ، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا اهـ والتعبير بلفظ "مبشرات" خرج مخرج الغالب، فإن الرؤيا قد تكون منذرة وهي صادقة يريها الله المؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه. كذلك التعبير بلفظ "يراها العبد الصالح" خرج مخرج الغالب والكثير، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منه، بخلاف غير الصالح فإن الصدق في رؤياه نادر وقليل، لغلبة تسلط الشيطان عليه. قال المهلب: فالناس على هذا ثلاث درجات: الأنبياء ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى التعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير. ومن عداهم قد يقع في رؤياهم الصدق، وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار، كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف ﵇ ورؤيا ملكهما. اهـ هذا ما يقوله الدين، ويصدقه الواقع، ولعلماء النفس كلام غير هذا فيه بعد ونظر، وسنتعرض له إن شاء الله عند الكلام على كتاب الرؤيا. فذكرها هنا عرض وفيما ذكرناه كفاية. والله أعلم. ٤ - ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم: ١ - يؤخذ من قوله في الرؤية الأولى من الباب الأول "وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" الحث على الدعاء في السجود، بل يؤخذ من قوله: "فاجتهدوا في الدعاء" استحباب الإكثار من الدعاء في السجود، وقد جاء هذا صريحا في الرواية الأولى من الباب الثاني، ولفظها "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء". قال الحافظ ابن حجر: والأمر بإكثار الدعاء في السجود يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة كما في حديث أنس "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شسع نعله" أي: زمام نعله ورباطه، أخرجه الترمذي، ويشمل التكرار للسؤال الواحد. اهـ ٢ - يؤخذ من الرواية الثانية في الباب الثاني. من قوله: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره" توكيد الدعاء، وتكثير ألفاظه، وإن أغنى بعضها عن بعض.

стр. 1307

ذكره النووي، ثم قال: واستغفاره ﷺ مع أنه مغفور له من باب العبودية والإذعان والافتقار إلى الله تعالى. اهـ وقال العيني بعد ما ذكر قول النووي: أو الاستغفار عن ترك الأولى، أو التقصير في بلوغ حق العبادة، مع أن نفس الدعاء هو عبادة، وهذا من رسول الله ﷺ عمل بما أمر به في قول الله تعالى ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ على أحسن الوجوه، فإن قلت: إتيانه بهذا في الركوع والسجود ما حكمته؟ قلت: أما كونه في حال الصلاة فلأنها أفضل من غيرها، وأما في هاتين الحالتين فلما فيهما من زيادة خشوع وتواضع ليس في غيرهما والله تعالى أعلم. اهـ ٣ - يؤخذ من الرواية السابعة من الباب الثاني من قولها "فظننت أنه ذهب إلى نسائه فتحسست" غيرة المرأة، وأنها لا تلام عليها لما في طبيعتها، وشرط ذلك أن تكون مبنية على أساس، وبقدر محدود من غير مغالاة، لا تتحرك لشبهة تافهة، ولا تصل إلى الثورة وفقدان التوازن لمجرد الظن، وذهابه ﷺ لبعض نسائه في ليلة عائشة ليس ممنوعا شرعا، وإنما الممنوع المبيت المجاوز للقسم. ٤ - يؤخذ من الرواية الثالثة من الباب الثاني، من قولها: كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" إباحة الدعاء في الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله في الرواية الأولى من المجموعة الأولى "أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء" إذ يمكن أن تحمل رواية الباب الأول على الأولوية، ورواية الباب الثاني على الجواز، ويحتمل أن يكون قد أمر في السجود بتكثير الدعاء لإشارة "فاجتهدوا" والذي وقع في الركوع ليس كثيرًا، فلا يعارض ما أمر به في السجود، ذكره الحافظ ابن حجر. ٥ - قال النووي: يؤخذ من قوله في الرواية الثانية من الباب الأول "ورأسه معصوب في مرضه" عصب الرأس عند وجعه. ٦ - وقال النووي: يؤخذ من الرواية السادسة من الباب الثاني وفيها "أستغفر الله وأتوب إليه" أنه يجوز بل يستحب أن يقول أستغفرك وأتوب إليك، وحكي عن بعض السلف كراهته، لئلا يكون كاذبا قال: بل يقول: اللهم اغفر لي وتب علي. وهذا الذي قاله من قوله: "اللهم اغفر لي وتب علي" حسن لا شك فيه، وأما كراهة قوله: "أستغفر الله وأتوب إليه" فلا يوافق عليها. اهـ ٧ - عن الرواية الثامنة في الباب الثاني عن قولها: "فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد" ... إلخ. قال النووي: استدل به من يقول: لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة ﵁ وآخرين، وقال مالك والشافعي وأحمد ﵏ والأكثرون: ينقض، واختلفوا في تفصيل ذلك، وأجيب عن هذا الحديث بأن الملموس لا ينقض على قول الشافعي رحمه الله تعالى وغيره، وعلى قول من قال ينقض وهو الراجح عند أصحابنا يحمل هذا اللمس على أنه كان على حائل، فلا يضر. اهـ

стр. 1308

٨ - ومن الرواية الثامنة من قولها: "وهما منصوبتان" يؤخذ أن السنة نصبهما في السجود. ٩ - وعن الرواية الثامنة أيضًا عن قوله: "أعوذ برضاك من سخطك" قال النووي: فيه دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى الله تعالى كما يضاف إليه الخير. ١٠ - استدل بقوله: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" على أن السجود أفضل من القيام ومن سائر أركان الصلاة. قال النووي: وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب. أحدها أن تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود أفضل. حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة. والمذهب الثاني مذهب الشافعي ﵁ وجماعته أن تطويل القيام أفضل، لأن ذكر القيام القراءة، وذكر السجود التسبيح، والقراءة أفضل، لأن المنقول عن النبي ﷺ أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود. والمذهب الثالث أنهما سواء، وتوقف أحمد بن حنبل ﵁ في المسألة ولم يقض فيها بشيء اهـ. ثم قال عند شرحه لحديثي الباب الثالث: فيه دليل لمن يقول تكثير السجود أفضل من إطالة القيام، وقرب العبد من ربه وهو ساجد موافق لقوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩] ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى، وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن. والله أعلم

стр. 1309

(١٨٩) باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة ٩٠٤ - عن ابن عباس ﵄ قال أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة ونهي أن يكف شعره وثيابه. هذا حديث يحيى وقال أبو الربيع على سبعة أعظم ونهي أن يكف شعره وثيابه الكفين والركبتين والقدمين والجبهة. ٩٠٥ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوبًا ولا شعرًا". ٩٠٦ - عن ابن عباس ﵄ أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبع ونهي أن يكفت الشعر والثياب. ٩٠٧ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة (وأشار بيده على أنفه) واليدين والرجلين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب ولا الشعر". ٩٠٨ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين". ٩٠٩ - عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه".

стр. 1310

٩١٠ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فقام فجعل يحله فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال ما لك ورأسي فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف". (ملحوظة) ستشرح هذه الأحاديث مع ما بعدها

стр. 1311

(١٩٠) باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عن الجنبين ورفع البطن عن الفخذين في السجود - ٩١١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب". ٩١٢ - عن شعبة بهذا الإسناد وفي حديث ابن جعفر "ولا يتبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب". ٩١٣ - عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك". ٩١٤ - عن عبد الله بن مالك بن بحينة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه. ٩١٥ - عن جعفر بن ربيعة بهذا الإسناد وفي رواية عمرو بن الحارث كان رسول الله ﷺ إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه وفي رواية الليث أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه. ٩١٦ - عن ميمونة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت. ٩١٧ - عن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول

стр. 1312

الله ﷺ إذا سجد خوى بيديه (يعني جنح) حتى يرى وضح إبطيه من ورائه وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى. ٩١٨ - عن ميمونة بنت الحارث ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه قال وكيع يعني بياضهما. -[المعنى العام]- السجود أكبر صور العبادة، وأقواها في إبراز معنى الخضوع والتذلل والاستسلام، ومن هنا فهو المقرب الأول بين العبد وربه، مصداقًا لقوله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء في السجود" وقوله جل شأنه: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩] وقد حرص الإسلام على إعطاء السجود في الصلاة كل مظاهر الخضوع والاستسلام: انحناء الهامة وخفض الرأس، وإلصاق الوجه بالأرض، وتمكين الجبين والأنف منها، والجثو على الركب، مظهر العجز وعدم القدرة، وقلب القدمين بجعل ظهرهما باطنًا وباطنهما ظاهرًا، أمارة سلب الحركة وضعف النهوض، ووضع الكفين مفروشتي الأصابع على الأرض، فلا حول لليد ولا طول. هكذا رسم الإسلام سجود الصلاة، فقال ﷺ : أمرني ربي أن أسجد أنا وأمتي على سبعة أعظم (سبحانك ربي: تلك لفتة دقيقة لبني البشر إنهم ينظرون إلى العظام نظرة الحقارة وعدم التقدير، إنهم يرمزون للشيء التافه بالعظم، لهذا عبر ﷺ عن الأعضاء التي يعتز بها الإنسان ويشمخ بها، ويتعالى بعضه على بعض بها، يشيح بوجهه، ويضع أنفه في السماء، ويتخايل بهامته وانتصابه، ويطغى بقوة يديه ورجليه. كل هذه الأعضاء وسيلة العدوان والتعالي والطغيان ما هي إلا عظام، مآلها إلى العظام، وفي غمضة عين يمكن أن تسلب الحياة فتصبح كالعظم) الوجه بجبهته وأنفه، واليدان براحتيهما وأصابعهما، والرجلان بركبتيهما وساقيهما، والقدمان بأصابعهما وأمرت في صلاتي أن أرسل شعري ولا أضم ثوبي، إعراضًا عن مظاهر التجمل والحسن، وجمعًا للحس والشعور وعدم الحركة بغير حركات الصلاة. لم يكتف ﷺ برسم صورة السجود بالقول، بل أخذ يشرح لهم الهيئة المطلوبة بالعمل، وهو القدوة الحسنة ﷺ ، من رآه اقتدى به، ومن لم يسعد بالرؤية سمع وصف من رأى. فقد كان ﷺ إذا سجد فرج بين يديه، وباعد بين كل منهما وبين الجنب الذي يليها، فتكون هذه فرجة، وسعة بين الجنب وبين المرفق تسمح بمرور شاة صغيرة لو أرادت

стр. 1313

المرور من يمينه إلى شماله من بين يديه وجنبيه، ونتيجة لهذه الهيئة التي تشبه تجنيح الطائر وفرشه جناحيه ينكشف الإبط ويبدو بعد أن كان مستورًا بضم اليد إلى الجنب في العادة وأغلب الأحوال. ولم يكتف ﷺ برسم صورة السجود بالقول والعمل، بل تابع أصحابه في أدائهم وتنفيذهم، وأرشد مخطئهم إلى الصواب، فقد رأى مصليًا يضع ذراعيه ممدودتين على الأرض من المرفقين إلى الكفين، فقال له ﷺ : إذا سجدت فضع كفيك على الأرض، وارفع مرفقيك عن الأرض ولا تبسط ذراعيك على الأرض كما يفعل الكلب. بهذا التشبيه زجر المخطئ ليهتم بالصواب ويحرص عليه. وتابع أصحابه ﵃ مسيرته من بعده، يحرسون الشريعة، ويقومون اعوجاج من يحيد عنها بالفعل والقول، فقد رأى عبد اللَّه بن عباس ابْنَ عبد اللَّه بن الحارث يصلي وشعر رأسه مربوط مجموع من ورائه - كما يفعل بعض النساء اليوم [فرمة ذيل حصان]- فأخذ ابن عباس يحل رباط شعر ابن الحارث، وابن الحارث يصلي، فلما انتهى ابن الحارث من الصلاة قال لابن عباس: ما لك وشعري؟ قال ابن عباس: إن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ربط الرجال شعرهم في الصلاة، وقال: إن من يصلي مكتوف الشعر مربوطه كمن يصلي وهو مكتوف. وتقبل ابن الحارث نصيحة الدين بصدر رحب، وتقبل فعل ابن عباس بدين سمح، وهكذا حفظ اللَّه دينه وشريعته بقيام الغيورين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستجابة المخطئين واتباعهم الطريق المستقيم. -[المباحث العربية]- (أمر النبي ﷺ "أمر" بضم الهمزة وكسر الميم مبني للمجهول والمراد بالآمر اللَّه ، عرف ذلك بالعرف، ولما كان هذا السياق يحتمل الخصوصية جاءت الرواية السادسة "إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف" فأبعدت الخصوصية. قال الكرماني: فإن قلت: بم عرف ابن عباس أن النبي ﷺ أمر بذلك؟ قلت: إما بإخباره له، أو إخباره لغيره أو باجتهاده، لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، اهـ والظاهر الأول. (أن يسجد على سبعة) وفي الرواية الثانية والرابعة "على سبعة أعظم" وفي الرواية الثالثة والخامسة "على سبع" والمعدود إذا حذف جاز تذكير العدد وتأنيثه على تأويل المعدود بمؤنث أو بمذكر، والعظم يجمع على أعظم وعظام وعظامة والمراد سبعة أعضاء، تسمى كل عضو عظمًا، وإن كان فيه عظام كثيرة، وفي رواية للبخاري "سبعة أعضاء". (ونهى أن يكف شعره وثيابه) وفي الرواية الثالثة "ونهى أن يكفت الشعر والثياب" وفي

стр. 1314

الرواية الرابعة "ولا نكفت الثياب ولا الشعر" وفي الرواية الخامسة "لا أكفت الشعر ولا الثياب" والكف المنع، والكفت الجمع والضم ومنه قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا﴾ [المرسلات: ٢٥] أي كافتة تجمع الناس في حياتهم وموتهم، قال الثوري: والكفت في الحديث بمعنى الكف في الرواية الأخرى، اهـ. والمراد أنه لا يجمع ثيابه ولا شعره، بل يتركهما على وضعهما وطبيعتهما والمراد بالشعر شعر الرأس. وقوله في الرواية الخامسة "ولا أكفت الشعر ولا الثياب" معترض بين البيان والمبين. (الجبهة -وأشار بيده على أنفه-) في الرواية الخامسة "الجبهة والأنف" والرواية السادسة "وجهه" وقوله "الجبهة" بالجر، عطف بيان لقوله "سبعة أعظم" وفي رواية "وأشار بيده إلى أنفه" فرواية "على أنفه" فيها تضمين "أشار" معنى "أمر" تعدى بعلى دون إلى، وفي رواية "ووضع يده على جبهته وأمرها على أنفه وقال: هذا واحد". قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة في السجود، والأنف تبع، وقال ابن دقيق العيد: قيل: معناه أنهما جعلا كعضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية وللبحث تتمة في فقه الحديث تأتي إن شاء اللَّه. (واليدين) قال ابن دقيق العيد: المراد بهما الكفان؛ لئلا يدخل تحت النهي عنه من افتراش السبع والكلب. اهـ. والرواية السادسة نص في أن المراد الكفان، ففيها "وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه" والرواية الأولى كذلك، وفيها "الكفين والركبتين" ... إلخ. (والرجلين) المراد بهما الركبتان، كما جاء في الرواية الأولى والخامسة والسادسة. (والقدمين) المراد بهما أطراف القدمين، أي أصابعهما، كما جاء في الرواية الرابعة. (ورأسه معقوص) العقص أن يجمع شعره على وسط رأسه، ويشده بخيط أو بصمغ ليتلبد. كذا في عمدة القارئ. والظاهر من الحديث أن المراد من العقص مطلق جمع الشعر، سواء على الوسط أو على الجنب أو على الإمام أو على الخلف لأن، ابن الحارث كان جامعًا شعره من ورائه. (إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف) "مثل" بفتح الميم والثاء والمشار إليه الوضع القائم والشعر المعقوص، أي إنما مثل الذي يصلي بهذا الوضع كمثل الذي يصلي وهو مكتوف، لأن تكتيف جزء يشبه تكتيف جزء آخر، فتكتيف الشعر يشبه تكتيف اليدين. (اعتدلوا في السجود) الاعتدال وضع كل شيء في موضعه المطلوب والاعتدال في السجود وضع أعضاء السجود في مواضعها الشرعية. (ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) الذراع من الإنسان من طرف

стр. 1315

المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، وبسط الذراعين المنهي عنه في السجود هو مد هذين العضوين على الأرض وملاصقتهما لها بطولهما، كهيئة الكلب حين يفرش ذراعيه على الأرض، وكان الظاهر أن يقول، ويبسط أحدكم ذراعيه بسط الكلب - ليكون المفعول المطلق مصدر الفعل المذكور لكنه عبر بلفظ "انبساط" مصدر انبسط، وهذا جائز عند النحاة، وكثير في الكلام العربي، وفي القرآن الكريم ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا﴾ [نوح: ١٧] و ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا﴾ [آل عمران: ٣٧] وفيه يقول النحاة: إنه مصدر لفعل محذوف، والتقدير: ولا يبسط أحدكم ذراعيه فتنبسط انبساط الكلب. وفي الرواية الثانية "ويتبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" يقال: تبسط أي اتخذ بساطًا، والمعنى لا يتخذ أحدكم ذراعيه بساطًا، وما قيل في الرواية الأولى يقال في هذه الرواية من حيث الإعراب. وهل عطف جملة "ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" على جملة "اعتدلوا في السجود" من قبيل عطف التفسير والبيان على معنى الأمر بالشيء نهي عن ضده، فيكون المراد من الاعتدال في السجود رفع المرفقين عن الأرض والتجنيح الآتي في الروايات الثانية؟ أو هو من قبيل الأمر بأشياء والنهي عن ضد واحد منها لمزيد عناية به، فيكون المراد من الاعتدال في السجود وضع جميع أعضاء السجود في مواضعها المطلوبة؟ الظاهر الأول. واللَّه أعلم. إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك هذه الرواية تبين المراد من بسط الذراعين المنهي عنه، وذلك بوضع الكفين على الأرض وسيأتي في الروايات اللاحقة زيادة إيضاح. فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه أي باعد كل يد عن الجنب الذي يليها حتى ينكشف الإبط، وتنفرج زاوية اتصال اليد بالجسم، وحين تلتصق اليد بالجسم يظلم الإبط، وحين تنفرج وتبتعد يبدو الإبط غير مظلم ولو كان لابسًا ثوبًا غير أبيض. (إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه) "يجنح" بضم الياء وفتح الجيم وكسر النون المشددة، أي يفرج بين يديه ويجعلهما كجناحي الطائر المبسوطين، ووضح الصبح بياضه، فوضح إبطيه بمعنى بياض إبطيه. (إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت) قال أهل اللغة: البهمة واحدة البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، والسخلة بنت الماعز، والمقصود بهذا الفرض والتصوير إبراز التفريج بين اليدين وبين الجنبين.

стр. 1316

(إذا سجد خوى بيديه) "خوى" بفتح الخاء وتشديد الواو المفتوحة أي فرج وباعد، فروايات "فرج" و"يجنح" و"خوى" و"جافى" بمعنى واحد. واللَّه أعلم. -[فقه الحديث]- يمكن أن تحدد نقاط الحديث الفقهية في ثلاث نقاط: ١ - أعضاء السجود وآراء الفقهاء فيها. ٢ - كيفية وضع هذه الأعضاء في السجود والهيئة المطلوبة، والحكمة في هذه الهيئة. ٣ - ما يؤخذ من الأحاديث من أحكام وحكم. ١ - أما أعضاء السجود فهي - كما يؤخذ من ملحق الرواية الأولى ومن الرواية الرابعة والخامسة والسادسة - الجبهة مع الأنف واليدان والرجلان والقدمان. فالسجود على الجبهة واجب عند الشافعية بلا خلاف، والسجود على الأنف مع الجبهة مستحب عندهم، فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز. هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة والأكثرين، وقال أبو حنيفة وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء، وقال أحمد وابن حبيب من أصحاب مالك يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعًا. دليل الجمهور: ملحق الرواية الأولى، وفيها [الجبهة] وليس فيها الأنف وأمثال هذه الرواية كثير في الصحيح، وذكر الأنف في بعض الروايات الصحيحة للاستحباب، لأنه لو اعتبر عضوًا يجب السجود عليه كانت الأعضاء ثمانية، والروايات تعد الأعضاء سبعة. ودليل أبي حنيفة: الرواية الخامسة، وفيها [الجبهة والأنف] والرواية الرابعة وفيها [الجبهة وأشار بيده على أنفه] فدل على أن الأنف عضو للسجود ولتكون الأعضاء سبعة كانت الجبهة كافية وكانت الأنف وحده كافيًا. كما استدل له بأن المأمور به في السجدة وضع بعض الوجه على الأرض لأنه لا يمكن بكله، فيكون بالبعض مأمورًا، والأنف بعضه. فكما أن الاقتصار على الجبهة يجوز عند الجمهور، لكونها بعض الوجه ومسجدًا فكذا الاقتصار على الأنف، لأنه بعض الوجه ومسجد، وسئل طاووس عن السجود على الأنف فقال، أليس أكرم الوجه؟ قال ابن المنذر: لا يحفظ الاقتصار على الأنف عن أحد غير أبي حنيفة. اهـ. وقد سبق أن قلنا: إنه رأى ابن القاسم من أصحاب مالك. ودليل أحمد: ظاهر الرواية الرابعة والخامسة إذ فيهما الجبهة والأنف وأحاديث أخرى صحيحة كحديث أبي حميد "كان النبي ﷺ إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض".

стр. 1317

هذا، وهل يجب وضع الجبهة كلها على الأرض أو يكفي بعضها؟ قال النووي: والأولى أن يسجد عليها كلها، فإن اقتصر على ما يقع عليه الاسم منها أجزأه مع أنه مكروه كراهة تنزيه، ولو سجد على الجبين - وهو الذي في الجبهة - أو على خده، أو مقدم رأسه، ولم يضع شيئًا من جبهته على الأرض لم يجزئه. اهـ. أما السجود على اليدين والركبتين والقدمين فقد ذهب أحمد وإسحق إلى أنه يجزيه من ترك السجود على شيء من الأعضاء السبعة، وهو مذهب ابن حبيب من المالكية. وقال النووي: عن الشافعية في وجوب السجود عليها قولان: أحدهما: أن عليه أن يسجد على جميع أعضائه التي وردت في الأحاديث فإن ترك عضوًا منها لم يوقعه الأرض وهو يقدر على إيقاعه لم يكن ساجدًا، كما إذا ترك جبهته فلم يوقعها الأرض وهو يقدر، وإن سجد على ظهر كفيه أو على حروفها لم يجزئه، وإن مس الأرض ببعض العضو لا بكله صح كما قيل في الجبهة، والاعتبار في القدمين ببطون الأصابع فلو وضع غير ذلك لم يجزئ. ثانيهما: أنه إذا سجد على جبهته، أو على شيء منها دون ما سواها أجزأه مع الكراهة. اهـ بتصرف. والقول الأول أشهر وأصح، وهو الموافق لظاهر ما ورد من الأحاديث. واللَّه أعلم. ٢ - أما الكيفية الكاملة لوضع هذه الأعضاء في السجود فإن عامة الفقهاء يرون أن يقدم الركبتين ثم اليدين ثم الجبهة والأنف، وبهذا قال أكثر العلماء وقال مالك في إحدى روايتين: يقدم يديه على ركبتيه. وفي الرواية الأخرى له: يقدم أيهما شاء ولا ترجيح. والمشهور عند الشافعية أنه لا يكفي في وضع الجبهة الإمساس، بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه حتى تستقر جبهته، وفي قول عندهم أنه يكفي إرخاء رأسه، ولا حاجة إلى التحامل. فإن حال دون الجبهة حائل متصل به كمن سجد على كفه أو طرف عمامته أو طرف كمه وهما يتحركان بحركته في القيام والقعود لم تصح صلاته بلا خلاف عند الشافعية إن تعمده مع علمه بتحريمه، أما إن كان ساهيًا لم تبطل لكن يجب عليه إعادة السجود. وبهذا قال داود وأحمد في رواية، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية يصح، وبه قال أكثر العلماء، واحتج لهم بحديث أنس عند البخاري: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه. والسنة في السجود أن يفرج بين يديه بأن ينحى كل يد عن الجنب الذي يليها، وأن يبدي وسط العضد من الداخل، وأن يضم فخذيه، وأن يضع كفيه ويرفع مرفقيه. وأن

стр. 1318

يستقبل القبلة بأطراف رجليه. وأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما وعقباه مرتفعان. وأن يضم الأصابع ولا يفرقها. قال القرطبي: والحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود أنه يخف بها اعتماده على وجهه. وقال غيره: هذه الهيئة أشبه الهيئات بالتواضع. وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقيل: الحكمة فيه أن يظهر كل عضو بنفسه ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد ومقتضى هذا أن يستقل كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده. وظاهر الرواية الأولى من المجموعة الثانية أن هذه الهيئة تبعد الإنسان عن هيئة الحيوان. -[٣ - ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - النهي عن كف الشعر والثياب في الصلاة. قال النووي: اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر، أو كمه، أو رأسه معقوص [مربوط الشعر في الوسط] أو مردود شعره تحت عمامته، أو نحو ذلك، فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء، وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء، وصحت صلاته. ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقًا لمن صلى كذلك، سواء تعمده للصلاة أم كان قبلها كذلك، لا لها بل لمعنى آخر. وقال الداودي: يختص النهي بمن فعل ذلك للصلاة، والمختار الصحيح هو الأول، وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم والحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه، ولهذا مثله بالذي يصلي وهو مكتوف، اهـ بتصرف. وقال الحافظ ابن حجر: النهي الوارد عن كف الثياب في الصلاة محمول على غير حالة الاضطرار، فإن من ضم إليه ثوبه إذا خاف أن تنكشف عورته لا كراهة عليه، بل هو يفعل الواجب. اهـ. ووجه إدخال النهي عن تشمير الثياب في الصلاة في أحكام السجود من جهة أن حركة السجود والرفع منه تسهل مع ضم الثياب لا مع إرسالها وسدلها فخشي أن يتوجه إلى الأسهل مع ما في غيره من الأفضلية. ٢ - يؤخذ من الرواية السادسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٣ - وأن ذلك لا يؤخر، إذ لم يؤخره ابن عباس حتى يفرغ ابن الحارث من الصلاة. ٤ - وأن المكروه ينكر كما ينكر المحرم. ٥ - وأن من رأى منكرًا وأمكنه تغييره بيده غيره بيده. ٦ - وأن خبر الواحد مقبول ذكره النووي. ٧ - قال الحافظ ابن حجر عن الرواية الثالثة في المجموعة الثانية. قال ابن التين: في قوله، "حتى يبدو بياض إبطه" دليل على أنه ﷺ لم يكن عليه قميص لانكشاف إبطيه، وتعقب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام. ٨ - واستدل به على أن إبطيه ﷺ لم يكن عليهما شعر، وفيه نظر.

стр. 1319

(١٩١) باب ما يجمع صفة الصلاة، وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع، والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية، وصفة الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول ٩١٩ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا وكان يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهى عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وكان يختم الصلاة بالتسليم وفي رواية ابن نمير عن أبي خالد وكان ينهى عن عقب الشيطان. -[المعنى العام]- كان حرص الصحابة على متابعة أقوال النبي ﷺ وأفعاله شديدًا، بل عجيبًا خصوصًا في أركان الصلاة وهيئاتها. وكانت مراقبتهم لتنفيذ تعاليمه ﷺ دقيقة وناقدة وكانت توجيهاتهم عند رؤية الأخطاء واضحة وسديدة، وكان تبليغهم ما تحملوه من شريعة لمن لم يعلموا وافيًا وصافيًا. رأينا منهم من كان يتوضأ أمام أصحابه أكمل وضوء، ثم يقول: كان هذا وضوء رسول الله ﷺ ، وكان منهم من يصلي أتم صلاة، ثم يقول: إني أشبهكم بصلاة النبي ﷺ ، وكان منهم من يصف صلاة النبي ﷺ بأقوالها وأفعالها وحركاتها، وسكناتها وصفًا لا يدع منها شيئًا. وكان منهم من يصف ركنًا خاصًا يرى تقصيرًا أو قصورًا في أداء المسلمين له، وكان منهم من يصف بعض الهيئات والأركان. والحديث الذي معنا من هذا القبيل. تصف عائشة ﵂ صلاة النبي ﷺ ، فتترك من الصلاة أركانًا وسننًا، وتتعرض لأركان وسنن، لعلها رأت تقصيرًا فيها أو قصورًا.

стр. 1320

تحكي كيف كان يفتتح ﷺ الصلاة بتكبيرة الإحرام وكيف كان يفتتح القراءة فيها بالفاتحة ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ وكان يضع رأسه في استقامة مع ظهره في الركوع بحيث لا يخفضها ولا يرفعها، بل كان بين ذلك قوامًا، وكيف كان يعتدل بعد الرفع من الركوع حتى يطمئن واقفًا، وكيف كان يعتدل بعد السجود الأول حتى يطمئن جالسًا، وكيف كان يقرأ التشهد "التحيات للَّه" إلخ بعد الركعتين الأوليين في الصلاة الرباعية والثلاثية، وكيف كان يقرأ التشهد الأخير؟ وكيف كان يجلس بين السجدتين وعند التشهد، كيف كان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وكيف كان يكره وينهى عن أن يجلس المصلى على إليتيه وينصب رجليه كما يفعل الكلب والسباع، وكيف كان يكره وينهى عن أن يفرش الإنسان ذراعيه في السجود افتراش السبع وكيف كان يختم الصلاة بالتسليم. فاللَّهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، ورضي اللَّه عمن بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأحيا السنة وأمات البدعة السيئة، وقام على شرع اللَّه القويم. -[المباحث العربية]- (يستفتح الصلاة بالتكبير) أي يدخل فيها بقوله: اللَّه أكبر. (والقراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾) "والقراءة" بالنصب، عطفًا على "الصلاة" و"الحمد للَّه رب العالمين" بضم دال الحمد على الحكاية، فالباء حرف جر، والحمد للَّه إلخ مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، والمعنى: كان يستفتح القراءة بهذا اللفظ، أو بهذا اللفظ وما يليه، أي سورة الفاتحة، كما سيأتي في فقه الحديث. (لم يشخص رأسه ولم يصوبه) "يشخص" بضم الياء وسكون الشين وكسر الخاء، أي يرفع، و"يصوب" بضم الياء وفتح الصاد وكسر الواو المشددة، أي يخفضه خفضًا بليغًا. أي لم يكن يرفع رأسه عن مستوى ظهره ولم يخفض رأسه عن مستوى ظهره. (ولكن بين ذلك) بين الرفع والخفض، أي مستويًّا. (وكان يقول في كل ركعتين التحية) أي التشهد، التحية للَّه، أو التحيات للَّه ... إلخ. (وكان يفرش رجله اليسرى) "يفرش" بضم الراء وكسرها، والضم أشهر. أي يبسطها ويمدها على الأرض. (وكان ينهى عن عقبة الشيطان) "عقبة" بضم العين، وفي الرواية الثانية "عقب الشيطان" بفتح العين وكسر القاف. هذا هو الصحيح المشهور، وحكي بضم العين، وهو ضعيف، وفسره

стр. 1321

أبو عبيد وغيره بالإقعاء المنهي عنه، وهو أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كما يفرش الكلب وغيره من السباع. -[فقه الحديث]- أكثر أحكام هذا الحديث قد مرت مفصلة في بابها من الكتاب، وسنعرض هنا لما هو ضروري ثم نحيل التفصيل إلى بابه، وقد اشتمل هذا الحديث على: ١ - افتتاح الصلاة بالتكبير. ٢ - وقراءة الفاتحة. ٣ - واستواء الرأس في الركوع. ٤ - والاعتدال والاستواء قائمًا بعد الرفع من الركوع. ٥ - والاعتدال والاستواء في الجلوس بين السجدتين. ٦ - والتشهد بعد الركعة الثانية. ٧ - وصفة جلسة التشهد وجلسة ما بين السجدتين. ٨ - والتسليم آخر الصلاة. ١ - أما عن تكبيرة الإحرام فيقول النووي: في الحديث إثبات التكبير في أول الصلاة، وأنه يتعين لفظ التكبير، لأنه ثبت أن النبي ﷺ كان يفعله، وأنه ﷺ قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وهذا الذي ذكرناه من تعيين التكبير، هو قول مالك والشافعي وأحمد - رحمهم اللَّه تعالى - وجمهور العلماء من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة ﵁ يقوم غيره من ألفاظ التعظيم مقامه. اهـ. وللموضوع تفصيل وأدلة مبسوطة في باب رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام من هذا الكتاب. ٢ - وقولها: ويستفتح القراءة بالحمد للَّه رب العالمين يحتمل أن مرادها ويستفتح قراءة الفاتحة بالحمد للَّه رب العالمين ولا يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم فيكون دليلاً للمالكية وغيرهم ممن يقول: إن البسملة ليست من الفاتحة، ويحتمل أن مرادها ويستفتح القراءة في الصلاة بالفاتحة المسماة بالحمد للَّه رب العالمين لا بالسورة الأخرى المطلوبة مع الفاتحة، فيسقط استدلال المالكية وغيرهم به في هذا الشأن. وللموضوع بحث واف في باب قراءة الفاتحة وباب الجهر بالبسملة. ٣ - وتسوية الظهر والرأس في الركوع من سنن الصلاة، بحيث يستوي رأس المصلي ومؤخرته. قال النووي: أقل الركوع أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه لو أراد وضعهما عليهما، ولا يجزيه دون

стр. 1322

هذا بلا خلاف عند الشافعية ما دام معتدل الخلقة سليم اليدين والركبتين وليست بظهره علة. وأما أكمل الركوع في الهيئة فإنه ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه ويمدهما كالصفيحة، وينصب ساقيه، ولا يثني ركبتيه، فإن رفع رأسه عن ظهره، أو ظهره عن رأسه، أو جافى ظهره حتى يكون كالمحدودب به فهو مكروه. هذا مذهب الشافعي، وبهذا قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: يكفيه في الركوع أدنى انحناء، وتجب الطمأنينة. اهـ. ولكن أبا حنيفة يتفق مع الجمهور في هيئة كمال الركوع، واستحباب الانحناء التام واستواء الظهر والرأس، كما هو وارد في الحديث. ٤ - وفي الحديث وجوب الاعتدال إذا رفع من الركوع، وأنه يجب أن يستوي قائمًا، والاعتدال من الركوع ركن الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به وبهذا قال أحمد وأكثر العلماء، مستدلين بحديث المسيء صلاته، وبتعليمه ﷺ المروى في هذا الحديث، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقال أبو حنيفة: لا يجب الاعتدال، لكن يستحب، فلو انحط من الركوع إلى السجود أجزأ، واحتج له بقوله تعالى ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧] وعن مالك روايتان، وللاعتدال وما يقال فيه من أذكار باب مضى في هذا الكتاب. ٥ - وفي الحديث وجوب الجلوس بين السجدتين: والاستواء فيه. قال النووي: والجلوس بين السجدتين فرض، والطمأنينة فيه فرض، وينبغي أن لا يطوله طولاً فاحشًا. ثم قال: هذا مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا تجب الطمأنينة، ولا الجلوس، بل يكفي أن يرفع رأسه عن الأرض أدنى رفع، ولو كحد السيف، وعنه وعن مالك أنهما قالا: يجب أن يرتفع بحيث يكون إلى القعود أقرب منه، ويحملون حديث الباب على الاستحباب، وليس لهما دليل يصح التمسك به، ودليلنا حديث المسيء صلاته الذي طلب منه إعادة الصلاة، وقال له: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" انتهى بتصرف. ٦ - وقول عائشة: "وكان يقول في كل ركعتين التحية" دليل لأحمد ومن وافقه من فقهاء أصحاب الحديث أن التشهد الأول والأخير واجبان، وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: هما سنتان ليسا واجبين وقال الشافعي: الأول سنة، والثاني واجب. واحتج أحمد بهذا الحديث وبحديث "كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن" وبقوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليقل التحيات" والأمر للوجوب. واحتج مالك وأبو حنيفة والأكثرون بأن النبي ﷺ ترك التشهد الأول وجبره بسجود السهو، ولو وجب لم يصح جبره كالركوع وغيره من الأركان قالوا: وإذا ثبت هذا في الأول فالأخير بمعناه، ولأن النبي ﷺ لم يعلمه الأعرابي حين علمه فروض الصلاة. واحتج الشافعية للتشهد الأول بما احتج به الأكثرون. واحتجوا للتشهد الأخير بحديث ابن مسعود

стр. 1323

قال: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد مع رسول اللَّه ﷺ : السلام على اللَّه قبل عباده. السلام على جبريل وميكائيل. والسلام على فلان. فقال ﷺ : لا تقولوا: السلام على اللَّه، فإن اللَّه هو السلام، ولكن قولوا: التحيات للَّه" وهو حديث صحيح فقوله: "قبل أن يفرض التشهد" دليل على أنه فرض، وقوله: "ولكن قولوا: التحيات للَّه" أمر والأمر للوجوب، ولم يثبت شيء صريح في خلافه. قالوا: ولأن التشهد شبيه بالقراءة، لأن القيام والقعود لا تتميز العبادة منهما عن العادة، فوجب فيهما ذكر، ليتميز، بخلاف الركوع والسجود. قاله النووي. واللَّه أعلم. وللموضوع تفصيل وشرح سبق في باب التشهد في الصلاة. ٧ - أما الجلوس في التشهد وبين السجدتين فمذهب أبي حنيفة في هيئته المستحبة الافتراش، سواء فيه جميع الجلسات [بين السجدتين، وفي التشهد الأول، وفي التشهد الأخير] والافتراش أن يفرش رجله اليسرى بقدمها، وينصب اليمنى. ومذهب مالك: يسن التورك في جميع الجلسات في الصلاة، والتورك أن يخرج رجله اليسرى من تحته، ويفضي بوركه إلى الأرض. ومذهب الشافعي: يسن أن يجلس مفترشًا، إلا التي يعقبها السلام، فيسن أن يجلس فيها متوركًا. وقال أحمد: إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعًا افترش في الأول، وتورك في الثاني. واحتج لأبي حنيفة في الافتراش في الصلاة بقول عائشة في حديث الباب "وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى". واحتج مالك في التورك بحديث عبد اللَّه بن الزبير "أن النبي ﷺ كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى" رواه مسلم. واحتج الشافعية بما رواه البخاري عن أبي حميد أنه وصف بين عشرة من أصحاب النبي ﷺ صلاة النبي ﷺ ، قال: "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته". قال الشافعي والأصحاب: فحديث أبي حميد وأصحابه صريح في الفرق بين التشهدين، وباقي الأحاديث مطلقة، فيجب حملها على موافقته، فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير، ومن روى الافتراش أراد الأول، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، ولا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة ﵃. قاله النووي.

стр. 1324

ثم قال: قال أصحابنا: الحكمة في الافتراش في التشهد الأول والتورك في الثاني أنه أقرب إلى تذكر الصلاة، وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول، فيجلس مفترشًا ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل الثاني، ولا قيام بعده، فيجلس متوركًا ليكون أعون له وأمكن ليتوفر الدعاء ولأن المسبوق إذا رآه علم أنه في أي التشهدين. اهـ واللَّه أعلم. أما عقبة الشيطان التي ينهى عنها الحديث فالمراد بها الإقعاء، وهو جلوس الإنسان على إليتيه ناصبًا فخذيه، مثل إقعاء الكلب والسبع. أما الإقعاء بمعنى أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع إليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض فليس بمنهي عنه، فقد كان العبادلة يفعلونه عند الرفع من السجدة الأولى. وأما افتراش الذراعين فقد سبق الكلام عليه وافيًا في الحديث السابق، واللَّه أعلم. قال النووي: وجلوس المرأة كجلوس الرجل، وصلاة النفل كصلاة الفرض في الجلوس، هذا مذهب الشافعي ومالك والجمهور، وحكي عن بعض السلف أن سنة المرأة التربع، وعن بعضهم التربع في النافلة. والصواب الأول. ثم هذه الهيئة التي ذكرناها مسنونة وليست بواجبة، فلو جلس في الجميع مفترشًا، أو متوركًا، أو متربعًا صحت صلاته، وإن كان مخالفًا. اهـ. ٨ - قال النووي: وفي الحديث دليل على وجوب التسليم، واختلف العلماء فيه، فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف: السلام فرض، ولا تصح الصلاة إلا به. وقال أبو حنيفة: هو سنة، لو تركه صحت صلاته. وقال أبو حنيفة: لو فعل فعلاً منافيًا للصلاة من حدث أو غيره في آخرها صحت صلاته. اهـ هذا وقد مر تفصيل القول في حكم السلام آخر الصلاة وأدلة العلماء فيه في باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام. واللَّه أعلم

стр. 1325

(١٩٢) باب سترة المصلي والندب إلى الصلاة خلف سترة والنهي عن المرور بين يدي المصلي، وحكم المرور ودفع المار وجواز الاعتراض بين يدي المصلي، والصلاة إلى الراحلة والأمر بالدنو من السترة، وبيان قدر السترة وما يتعلق بذلك ٩٢٠ - عن موسى بن طلحة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك". ٩٢١ - عن موسى بن طلحة عن أبيه ﵁ قال كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال "مثل مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم ثم لا يضره ما مر بين يديه" وقال ابن نمير فلا يضره من مر بين يديه. ٩٢٢ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ عن سترة المصلي فقال: "مثل مؤخرة الرحل". ٩٢٣ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي فقال: "كمؤخرة الرحل". ٩٢٤ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه وكان يفعل ذلك في السفر فمن ثم اتخذها الأمراء.

стр. 1326

٩٢٥ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يركز (وقال أبو بكر: يغرز) العنزة ويصلي إليها. زاد ابن أبي شيبة: قال عبيد الله: وهي الحربة. ٩٢٦ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يعرض راحلته وهو يصلي إليها. ٩٢٧ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يصلي إلى راحلته وقال ابن نمير: إن النبي ﷺ صلى إلى بعير. ٩٢٨ - عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم قال فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح. قال فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه. قال فتوضأ وأذن بلال. قال فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا (يقول: يمينًا وشمالاً) يقول حي على الصلاة حي على الفلاح. قال ثم ركزت له عنزة. فتقدم فصلى الظهر ركعتين. يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع ثم صلى العصر ركعتين ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة. ٩٢٩ - عن عون بن أبي جحيفة أن أباه ﵁ رأى رسول الله ﷺ في قبة حمراء من أدم ورأيت بلالاً أخرج وضوءًا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئًا تمسح به ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه ثم رأيت بلالاً أخرج عنزة فركزها وخرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء مشمرًا فصلى إلى العنزة بالناس ركعتين ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة. ٩٣٠ - عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ بنحو حديث سفيان

стр. 1327

وعمر بن أبي زائدة يزيد بعضهم على بعض وفي حديث مالك بن مغول فلما كان بالهاجرة خرج بلال فنادى بالصلاة. ٩٣١ - عن الحكم قال: سمعت أبا جحيفة قال خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة قال شعبة وزاد فيه عون عن أبيه أبي جحيفة وكان يمر من ورائها المرأة والحمار. ٩٣٢ - عن شعبة بالإسنادين جميعًا مثله وزاد في حديث الحكم فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه. ٩٣٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: أقبلت راكبًا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى فمررت بين يدي الصف فنزلت فأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد. ٩٣٤ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله ﷺ قائم يصلي بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس قال فسار الحمار بين يدي بعض الصف ثم نزل عنه فصف مع الناس. ٩٣٥ - عن الزهري بهذا الإسناد قال والنبي ﷺ يصلي بعرفة. ٩٣٦ - عن الزهري بهذا الإسناد ولم يذكر فيه منى ولا عرفة وقال: في حجة الوداع أو يوم الفتح. ٩٣٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله. فإنما هو شيطان".

стр. 1328

٩٣٨ - عن ابن هلال قال: بينما أنا وصاحب لي نتذاكر حديثًا إذ قال أبو صالح السمان أنا أحدثك ما سمعت من أبي سعيد ورأيت منه قال بينما أنا مع أبي سعيد يصلي يوم الجمعة إلى شيء يستره من الناس إذ جاء رجل شاب من بني أبي معيط أراد أن يجتاز بين يديه فدفع في نحره فنظر فلم يجد مساغًا إلا بين يدي أبي سعيد فعاد فدفع في نحره أشد من الدفعة الأولى فمثل قائمًا فنال من أبي سعيد ثم زاحم الناس فخرج فدخل على مروان فشكا إليه ما لقي قال ودخل أبو سعيد على مروان فقال له مروان ما لك ولابن أخيك جاء يشكوك فقال أبو سعيد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان". ٩٣٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه فإن أبى فليقاتله. فإن معه القرين". ٩٤٠ - عن بسر بن سعيد أن زيد بن خالد الجهني أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ قال أبو جهيم: قال رسول الله ﷺ "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه" قال أبو النضر لا أدري قال أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة؟ . ٩٤١ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة. ٩٤٢ - عن سلمة ﵁ (وهو ابن الأكوع) أنه كان يتحرى موضع مكان المصحف

стр. 1329

يسبح فيه وذكر أن رسول الله ﷺ كان يتحرى ذلك المكان. وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة. ٩٤٣ - عن يزيد قال: كان سلمة يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة. قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها. ٩٤٤ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود". قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: "الكلب الأسود شيطان". ٩٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل". ٩٤٦ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة. ٩٤٧ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت.

стр. 1330

٩٤٨ - عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة ما يقطع الصلاة؟ قال فقلنا المرأة والحمار، فقالت إن المرأة لدابة سوء لقد رأيتني بين يدي رسول الله ﷺ معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي. ٩٤٩ - عن عائشة ﵂ وذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب. والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله ﷺ فأنسل من عند رجليه. ٩٥٠ - عن عائشة ﵂ قالت عدلتمونا بالكلاب والحمر لقد رأيتني مضطجعة على السرير فيجيء رسول الله ﷺ فيتوسط السرير فيصلي فأكره أن أسنحه فأنسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي. ٩٥١ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. ٩٥٢ - عن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه. وأنا حائض. وربما أصابني ثوبه إذا سجد. ٩٥٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض. وعلي مرط. وعليه بعضه إلى جنبه.

стр. 1331

-[المعنى العام]- حرص الشارع الحكيم على تقديس الصلاة، وحمايتها من مظاهر اللَّهو والعبث، وحماية ساحتها من الذهاب والمجيء، وتوفير وسائل الخشوع والاستغراق في مناجاة اللَّه فيها. فأمر المصلي بأن يحجز مكان صلاته عن مرور الناس بجدار أو بعصا أو بساتر ما، وحذر المار من أن يمر بين هذا الساتر وبين المصلي، وخوفه بالوعيد الشديد الذي يستصغر أمام عظمه أن يقف أربعين سنة انتظارًا لانتهاء المصلي من صلاته لو قدر له أن يبقى في صلاة هذه المدة. وكان رسول اللَّه ﷺ القدوة الصالحة، فلم يكن يصلي إلا إلى ساتر، بل كان إذا سافر أو تعرض للصلاة في بيداء أخذ معه عصا يغرسها أمامه كساتر وكان أحيانًا يتخذ بعيره ساترًا، وأحيانًا يتخذ الجدار، وأحيانًا يتخذ الأسطوانة في المسجد. وحرض المصلي إن اعتدى على قداسة موضع صلاته بمرور أحد بين يديه أن يدفعه بيده دفعًا خفيفًا، فإن لم يمتنع دفعه بما هو أشد إلى أن يصل إلى المنع، حتى ولو لم يكن إلا بالمقاتلة كان له أن يقاتله. ونفذ الصحاب تعاليمه، ولم يعبئوا بغضب المخطئ ولا بشكايته. ولما كان الهدف من منع المرور توفير أكبر قدر من الخشوع والتفرغ للصلاة كان ما يثير الانشغال بدرجة أكبر جديرًا بالتحذير بدرجة أشد، ومن ذلك المرأة، أحبولة الشيطان، فالمرأة أشد فتنة على الرجل من أي كائن آخر، تتحرك لها العين، ويرهف لها السمع، ويهفو إليها الفؤاد، ومن ذلك الحمار، أبلد الحيوانات طبعًا، وأنكرها صوتًا وأكثرها نفورًا، ومن ذلك الكلب الأسود الذي جمع إلى نجاسته قبح صورته، لذا حذر الرسول ﷺ من هذه الثلاث، بل بالغ في التحذير بأنها بمرورها تقطع الصلاة على المصلي. ودافعت عائشة ﵂ عن المرأة، وروت أن النبي ﷺ كان يصلي وهي أمامه، فلم يكن ليفعل ذلك لو أن مرورها مبطل لصلاته. وزادت الدفاع حتى وصل إلى أنه كان يغمزها لتقبض رجليها من قبلته. وانضمت أم المؤمنين ميمونة إلى عائشة في الدفاع عن المرأة فروت كل منهما صلاة النبي ﷺ بجوار المرأة الحائض، وفي ثوب يتصل ويغطي المرأة الحائض فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات المطهرات أمهات المؤمنين. -[المباحث العربية]- (بين يديه) أي أمامه بالقرب منه. (مثل مؤخرة الرحل) أي مقدار مؤخرة الرحل، و"مؤخرة الرحل" بضم الميم وكسر الخاء بينهما همزة ساكنة، ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء، ويقال: آخرة الرحل، بهمزة ممدودة وكسر الخاء، وهو العمود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب.

стр. 1332

(كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه) كانت صلاة العيد في صحراء لا علامة فيها تستره لهذا احتيج إلى غرس الحربة، والحربة قيل هي العنزة، وقيل: إن الحربة يقال لها عنزة إذا كانت قصيرة، وسيأتي تفسير العنزة. (فيصلي إليها والناس وراءه) قال الحافظ ابن حجر: "والناس" بالرفع عطفًا على فاعل "فيصلي". اهـ، ويصح أن يكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة حال من فاعل "يصلي". (وكان يفعل ذلك في السفر) أي كان يفعل نصب الحربة بين يديه حيث لا يكون جدار. (فمن ثم أخذها الأمراء) أي فمن هنا أخذ الأمراء سنة غرس الحربة في صحراء العيد. (كان يركز -أو يغرز- العنزة) "يركز" بفتح الياء وضم الكاف، وهو بمعنى "يغرز" في الرواية الثانية، و"العنزة" بفتح العين والنون عصى أكبر من الرمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة، وفي الطبقات لابن سعد أن النجاشي كان أهداها للنبي ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر: وهذا يؤكد كونها كانت على صفة الحربة لأنها من آلات الحبشة، وكان النبي ﷺ يحملها أو تحمل معه في السفر لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما يعرض من هوام الأرض. (كان يعرض راحلته وهو يصلي إليها) "يعرض" بفتح الياء وكسر الراء، وروي بضم الياء وتشديد الراء ومعناها يجعلها معترضة بينه وبين القبلة. (وهو الأبطح) موضع معروف على باب مكة، ويقال لها البطحاء. (في قبة له حمراء من أدم) بفتح الهمزة والدال، وهو الجلد المدبوغ. (فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح فخرج النبي ... فتوضأ) "بوضوئه" بفتح الواو، وهو الماء. و"النائل" من ينال، والمعنى: فمنهم من ينال من ماء الوضوء شيئًا ومنهم من ينضح عليه غيره شيئًا مما ناله، ويرش عليه بللاً مما حصل له، وهو معنى ما جاء في الرواية العاشرة بلفظ "فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه". وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: فخرج بلال بوضوئه، فخرج النبي ﷺ فتوضأ، فمن نائل وناضح. (عليه حلة حمراء) قال أهل اللغة: الحلة ثوبان: إزار ورداء ونحوهما [فتطلق على البدلة في العصر الحاضر] ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة. كذا في القاموس. (يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع) بضم الياء وفتح النون مبني للمجهول، أي لا يمنع واحد منهما. ومعناه: يمر الحمار والكلب وراء الستر، وبين الستر والقبلة، وهو المراد من قوله في

стр. 1333

الرواية العاشرة "ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة" وهو المراد من قوله في ملحق الرواية الحادية عشرة "وكان يمر من ورائها المرأة والحمار" فالمراد بين العنزة والقبلة وليس بينه وبين العنزة. (ثم صلى العصر ركعتين) يحتمل أنه بعد دخول وقتها، ويحتمل أنه جمع بين الظهر والعصر وسيأتي بسط المسألة في فقه الحديث. (في حلة حمراء مشمرًا) يعني رافعًا حلته إلى أنصاف ساقيه ونحو ذلك ذكره النووي. (أقبلت راكبًا على أتان) في رواية للبخاري: على "حمار أتان" والحمار اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، وقد شذ حمارة في الأنثى، حكاه في الصحاح: والأتان بفتح الهمزة وشذ كسرها، الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى أتانة. وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة، لأنهن أشرف. اهـ. وهذا الملحظ بعيد، فإن الرواة غالبًا ما يقصدون بمثل هذه الألفاظ التوثيق بالرواية بذكر دقائق ملابساتها. وذكر الحمار في الرواية الثالثة عشرة لا يتعارض وأنها أنثى، فكما ذكرنا قبل قليل أن الحمار يطلق على الذكر والأنثى. (وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام) أي قاربته، واختلف العلماء في سن ابن عباس ﵄ عند وفاة رسول الله ﷺ ، فقيل: عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة. (يصلي بالناس بمنى) فيه لغتان: الصرف وعدمه، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، سميت "منى" لما يمنى بها من الدماء، أي يراق، ووقع في ملحق الرواية الثالثة عشرة "يصلي بعرفة" قال النووي: يحمل ذلك على أنهما قضيتان، وتعقب بأن الأصل عدم التعدد، ولا سيما مع اتحاد مخرج الحديث، قال الحافظ ابن حجر: إن قول "بعرفة" شاذ. (فمررت بين يدي الصف) مجاز عن مروره أمام الصف، وفي الرواية الثالثة عشرة "فسار الحمار بين يدي بعض الصف" قال الحافظ ابن حجر: بعض الصف يحتمل أن يراد به صف من الصفوف أو بعض من أحد الصفوف. (نزلت) أي عن الأتان، وكان قبل راكبًا. (فأرسلت الأتان ترتع) بفتح التاءين بينهما راء ساكنة، والعين مضمومة من "رتع" أسرع في المشي، قيل معناه تأكل ما تشاء، قال الحافظ ابن حجر: وجاء أيضًا بكسر العين، من الرعي، وأصله ترتعي لكن حذفت الياء تخفيفًا، والأول أصوب، ويدل عليه رواية البخاري في الحج "نزلت عنها فرتعت". اهـ. (ودخلت في الصف) في بعض الروايات "فدخلت الصف".

стр. 1334

(في حجة الوداع أو الفتح) قال الحافظ ابن حجر: هذا الشك من الراوي لا يعول عليه والحق أن ذلك كان في حجة الوداع. اهـ. (وليدرأه ما استطاع) أي وليمنعه ما استطاع، وليدفعه قدر استطاعته. (فإن أبى فليقاتله) أي يزيد في منعه أشد من الأول، فالمراد بالمقاتلة المنع والمدافعة. وقيل: المراد المقاتلة حقيقتها، وقيل غير ذلك مما سيأتي في فقه الحديث. (فإنما هو الشيطان) في القاموس: الشيطان كل عات متمرد إنس أو جن أو دابة. اهـ. ومعنى الحديث على هذا واضي، وقيل: معناه أن فعله فعل الشيطان، لأنه أبى إلا التشويش، فالكلام على التشبيه، وأصله: فإنما هو كالشيطان، والشيطان على هذا الجني، وقيل: إن المعنى على حذف مضاف. والتقدير: فإنما هو قرين شيطان، أي الحامل له على ذلك شيطان، ويؤيده ما جاء في الرواية السادسة عشرة "فإن معه القرين". (من بني أبي معيط) قيل: ورد في الرواية أنه الوليد بن عقبة بن أبي معيط. قال الحافظ ابن حجر: لم يكن الوليد يومئذ شابًا، بل كان في عمر الخمسين، فلعله ابن للوليد بن عقبة. (فدفعه في نحره) بيده في لطف. (فمثل قائمًا) بفتح الميم وفتح الثاء وضمها، لغتان، والفتح أشهر، ومعناه انتصب. (فنال من أبي سعيد) أي عابه وتناوله بسوء. (ثم زاحم الناس) الخارجين من المسجد ليسرع بالشكوى. (فدخل على مروان) وكان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية. (ما لك ولابن أخيك؟ ) قال الحافظ ابن حجر: أطلق الأخوة باعتبار الإيمان، وهذا يؤيد أن المار غير الوليد، لأن أباه عقبة قتل كافرًا، فلا يكون أخًا لأبي سعيد. (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه)؟ أي مقدار ما عليه من الإثم وما يترتب على ما فعله من عقوبة. (لكان أن يقف أربعين) أي لاختار أن يقف أربعين ينتظر انتهاء المصلي من صلاته. (خيرًا له أن يمر بين يديه) "خيرًا" بالنصب خبر "كان" وفي رواية الترمذي "خير" بالرفع على أنه اسم كان، وجوز الابتداء به وهو نكرة كونه موصوفًا، ويحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن والجملة خبرها.

стр. 1335

وقال الكرماني: جواب "لو" ليس المذكور، بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وليس ما قاله الكرماني متعينًا. (كان بين مصلى رسول اللَّه ﷺ وبين الجدار) أي بين مكان مقامه في الصلاة وبين جدار المسجد مما يلي القبلة. وقال النووي: يعني بالمصلى موضع السجود. (ممر الشاة) "ممر" بالرفع اسم "كان" والتقدير: كان مقدار ممر الشاة بين ... وبين الجدار، فالظرف خبر، وأعرب الكرماني "ممر" بالنصب خبر "كان" واسمها محذوف، والأصل: كان قدر المسافة بين المصلى والجدار ممر الشاة. (كان يتحرى موضع مكان المصحف) قال الحافظ ابن حجر: هذا دال على أنه كان للمصحف موضع خاص به. وفي رواية "يصلي وراء الصندوق" وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه. (يسبح فيه) قال النووي: المراد بالتسبيح صلاة النافلة. (كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف) قال الحافظ ابن حجر: حقق لنا بعض مشايخنا أنها الأسطوانة المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين، إذ كانوا يجتمعون عندها. (إن المرأة لدابة سوء؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري، أي ليست المرأة دابة سوء. (قد شبهتمونا بالحمير والكلاب؟ ) وفي الرواية السادسة والعشرين "عدلتمونا بالكلاب والحمر"؟ : وفي وجه آخر: "يا أهل العراق" عدلتمونا "أي ساويتمونا" بالحمير والكلاب"؟ والاستفهام إنكاري توبيخي، أي ما ينبغي أن تقولوا ذلك. (فتبدو لي الحاجة) أي الرغبة في القيام لإصلاح شأني. (فأكره أن أسنحه) بفتح الهمزة وإسكان السين وفتح النون، أي أظهر لها وأعترض، يقال: سنح لي كذا أي عرض، تريد أنها كانت تخشى أن تستقبله وهو يصلي ببدنها أي منتصبة. (فانسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي) وفي الرواية الخامسة والعشرين "فانسل من رجليه" الضمير في "رجليه" للسرير، فتتوافق الروايات. ومعنى "أنسل" أخرج بخفية أو برفق، وكأن عائشة كرهت إيذاء الرسول ﷺ بتحركها أمامه وهو يصلي، وعلى هذا فمرورها بين يدي المصلي أشد، لكنها ﵂ تقصد إنكار أن مرور المرأة بين يدي المصلي يقطع صلاته، فعلة امتناعها عدم التشويش لا قطع الصلاة.
следующие страницы →