Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
-[المعنى العام]-
حرص الشارع الحكيم على تقديس الصلاة، وحمايتها من مظاهر اللَّهو والعبث، وحماية ساحتها من الذهاب والمجيء، وتوفير وسائل الخشوع والاستغراق في مناجاة اللَّه فيها. فأمر المصلي بأن يحجز مكان صلاته عن مرور الناس بجدار أو بعصا أو بساتر ما، وحذر المار من أن يمر بين هذا الساتر وبين المصلي، وخوفه بالوعيد الشديد الذي يستصغر أمام عظمه أن يقف أربعين سنة انتظارًا لانتهاء المصلي من صلاته لو قدر له أن يبقى في صلاة هذه المدة. وكان رسول اللَّه ﷺ القدوة الصالحة، فلم يكن يصلي إلا إلى ساتر، بل كان إذا سافر أو تعرض للصلاة في بيداء أخذ معه عصا يغرسها أمامه كساتر وكان أحيانًا يتخذ بعيره ساترًا، وأحيانًا يتخذ الجدار، وأحيانًا يتخذ الأسطوانة في المسجد. وحرض المصلي إن اعتدى على قداسة موضع صلاته بمرور أحد بين يديه أن يدفعه بيده دفعًا خفيفًا، فإن لم يمتنع دفعه بما هو أشد إلى أن يصل إلى المنع، حتى ولو لم يكن إلا بالمقاتلة كان له أن يقاتله. ونفذ الصحاب تعاليمه، ولم يعبئوا بغضب المخطئ ولا بشكايته.
ولما كان الهدف من منع المرور توفير أكبر قدر من الخشوع والتفرغ للصلاة كان ما يثير الانشغال بدرجة أكبر جديرًا بالتحذير بدرجة أشد، ومن ذلك المرأة، أحبولة الشيطان، فالمرأة أشد فتنة على الرجل من أي كائن آخر، تتحرك لها العين، ويرهف لها السمع، ويهفو إليها الفؤاد، ومن ذلك الحمار، أبلد الحيوانات طبعًا، وأنكرها صوتًا وأكثرها نفورًا، ومن ذلك الكلب الأسود الذي جمع إلى نجاسته قبح صورته، لذا حذر الرسول ﷺ من هذه الثلاث، بل بالغ في التحذير بأنها بمرورها تقطع الصلاة على المصلي.
ودافعت عائشة ﵂ عن المرأة، وروت أن النبي ﷺ كان يصلي وهي أمامه، فلم يكن ليفعل ذلك لو أن مرورها مبطل لصلاته. وزادت الدفاع حتى وصل إلى أنه كان يغمزها لتقبض رجليها من قبلته.
وانضمت أم المؤمنين ميمونة إلى عائشة في الدفاع عن المرأة فروت كل منهما صلاة النبي ﷺ بجوار المرأة الحائض، وفي ثوب يتصل ويغطي المرأة الحائض فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات المطهرات أمهات المؤمنين.
-[المباحث العربية]-
(بين يديه) أي أمامه بالقرب منه.
(مثل مؤخرة الرحل) أي مقدار مؤخرة الرحل، و"مؤخرة الرحل" بضم الميم وكسر الخاء بينهما همزة ساكنة، ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء، ويقال: آخرة الرحل، بهمزة ممدودة وكسر الخاء، وهو العمود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب.
стр. 1332
(كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه) كانت صلاة العيد في صحراء لا علامة فيها تستره لهذا احتيج إلى غرس الحربة، والحربة قيل هي العنزة، وقيل: إن الحربة يقال لها عنزة إذا كانت قصيرة، وسيأتي تفسير العنزة.
(فيصلي إليها والناس وراءه) قال الحافظ ابن حجر: "والناس" بالرفع عطفًا على فاعل "فيصلي". اهـ، ويصح أن يكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة حال من فاعل "يصلي".
(وكان يفعل ذلك في السفر) أي كان يفعل نصب الحربة بين يديه حيث لا يكون جدار.
(فمن ثم أخذها الأمراء) أي فمن هنا أخذ الأمراء سنة غرس الحربة في صحراء العيد.
(كان يركز -أو يغرز- العنزة) "يركز" بفتح الياء وضم الكاف، وهو بمعنى "يغرز" في الرواية الثانية، و"العنزة" بفتح العين والنون عصى أكبر من الرمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة، وفي الطبقات لابن سعد أن النجاشي كان أهداها للنبي ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر: وهذا يؤكد كونها كانت على صفة الحربة لأنها من آلات الحبشة، وكان النبي ﷺ يحملها أو تحمل معه في السفر لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما يعرض من هوام الأرض.
(كان يعرض راحلته وهو يصلي إليها) "يعرض" بفتح الياء وكسر الراء، وروي بضم الياء وتشديد الراء ومعناها يجعلها معترضة بينه وبين القبلة.
(وهو الأبطح) موضع معروف على باب مكة، ويقال لها البطحاء.
(في قبة له حمراء من أدم) بفتح الهمزة والدال، وهو الجلد المدبوغ.
(فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح فخرج النبي ... فتوضأ) "بوضوئه" بفتح الواو، وهو الماء.
و"النائل" من ينال، والمعنى: فمنهم من ينال من ماء الوضوء شيئًا ومنهم من ينضح عليه غيره شيئًا مما ناله، ويرش عليه بللاً مما حصل له، وهو معنى ما جاء في الرواية العاشرة بلفظ "فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه".
وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: فخرج بلال بوضوئه، فخرج النبي ﷺ فتوضأ، فمن نائل وناضح.
(عليه حلة حمراء) قال أهل اللغة: الحلة ثوبان: إزار ورداء ونحوهما [فتطلق على البدلة في العصر الحاضر] ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة. كذا في القاموس.
(يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع) بضم الياء وفتح النون مبني للمجهول، أي لا يمنع واحد منهما. ومعناه: يمر الحمار والكلب وراء الستر، وبين الستر والقبلة، وهو المراد من قوله في
стр. 1333
الرواية العاشرة "ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة" وهو المراد من قوله في ملحق الرواية الحادية عشرة "وكان يمر من ورائها المرأة والحمار" فالمراد بين العنزة والقبلة وليس بينه وبين العنزة.
(ثم صلى العصر ركعتين) يحتمل أنه بعد دخول وقتها، ويحتمل أنه جمع بين الظهر والعصر وسيأتي بسط المسألة في فقه الحديث.
(في حلة حمراء مشمرًا) يعني رافعًا حلته إلى أنصاف ساقيه ونحو ذلك ذكره النووي.
(أقبلت راكبًا على أتان) في رواية للبخاري: على "حمار أتان" والحمار اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، وقد شذ حمارة في الأنثى، حكاه في الصحاح: والأتان بفتح الهمزة وشذ كسرها، الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى أتانة. وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة، لأنهن أشرف. اهـ. وهذا الملحظ بعيد، فإن الرواة غالبًا ما يقصدون بمثل هذه الألفاظ التوثيق بالرواية بذكر دقائق ملابساتها. وذكر الحمار في الرواية الثالثة عشرة لا يتعارض وأنها أنثى، فكما ذكرنا قبل قليل أن الحمار يطلق على الذكر والأنثى.
(وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام) أي قاربته، واختلف العلماء في سن ابن عباس ﵄ عند وفاة رسول الله ﷺ ، فقيل: عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة.
(يصلي بالناس بمنى) فيه لغتان: الصرف وعدمه، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، سميت "منى" لما يمنى بها من الدماء، أي يراق، ووقع في ملحق الرواية الثالثة عشرة "يصلي بعرفة" قال النووي: يحمل ذلك على أنهما قضيتان، وتعقب بأن الأصل عدم التعدد، ولا سيما مع اتحاد مخرج الحديث، قال الحافظ ابن حجر: إن قول "بعرفة" شاذ.
(فمررت بين يدي الصف) مجاز عن مروره أمام الصف، وفي الرواية الثالثة عشرة "فسار الحمار بين يدي بعض الصف" قال الحافظ ابن حجر: بعض الصف يحتمل أن يراد به صف من الصفوف أو بعض من أحد الصفوف.
(نزلت) أي عن الأتان، وكان قبل راكبًا.
(فأرسلت الأتان ترتع) بفتح التاءين بينهما راء ساكنة، والعين مضمومة من "رتع" أسرع في المشي، قيل معناه تأكل ما تشاء، قال الحافظ ابن حجر: وجاء أيضًا بكسر العين، من الرعي، وأصله ترتعي لكن حذفت الياء تخفيفًا، والأول أصوب، ويدل عليه رواية البخاري في الحج "نزلت عنها فرتعت". اهـ.
(ودخلت في الصف) في بعض الروايات "فدخلت الصف".
стр. 1334
(في حجة الوداع أو الفتح) قال الحافظ ابن حجر: هذا الشك من الراوي لا يعول عليه والحق أن ذلك كان في حجة الوداع. اهـ.
(وليدرأه ما استطاع) أي وليمنعه ما استطاع، وليدفعه قدر استطاعته.
(فإن أبى فليقاتله) أي يزيد في منعه أشد من الأول، فالمراد بالمقاتلة المنع والمدافعة. وقيل: المراد المقاتلة حقيقتها، وقيل غير ذلك مما سيأتي في فقه الحديث.
(فإنما هو الشيطان) في القاموس: الشيطان كل عات متمرد إنس أو جن أو دابة. اهـ. ومعنى الحديث على هذا واضي، وقيل: معناه أن فعله فعل الشيطان، لأنه أبى إلا التشويش، فالكلام على التشبيه، وأصله: فإنما هو كالشيطان، والشيطان على هذا الجني، وقيل: إن المعنى على حذف مضاف. والتقدير: فإنما هو قرين شيطان، أي الحامل له على ذلك شيطان، ويؤيده ما جاء في الرواية السادسة عشرة "فإن معه القرين".
(من بني أبي معيط) قيل: ورد في الرواية أنه الوليد بن عقبة بن أبي معيط. قال الحافظ ابن حجر: لم يكن الوليد يومئذ شابًا، بل كان في عمر الخمسين، فلعله ابن للوليد بن عقبة.
(فدفعه في نحره) بيده في لطف.
(فمثل قائمًا) بفتح الميم وفتح الثاء وضمها، لغتان، والفتح أشهر، ومعناه انتصب.
(فنال من أبي سعيد) أي عابه وتناوله بسوء.
(ثم زاحم الناس) الخارجين من المسجد ليسرع بالشكوى.
(فدخل على مروان) وكان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية.
(ما لك ولابن أخيك؟ ) قال الحافظ ابن حجر: أطلق الأخوة باعتبار الإيمان، وهذا يؤيد أن المار غير الوليد، لأن أباه عقبة قتل كافرًا، فلا يكون أخًا لأبي سعيد.
(لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه)؟ أي مقدار ما عليه من الإثم وما يترتب على ما فعله من عقوبة.
(لكان أن يقف أربعين) أي لاختار أن يقف أربعين ينتظر انتهاء المصلي من صلاته.
(خيرًا له أن يمر بين يديه) "خيرًا" بالنصب خبر "كان" وفي رواية الترمذي "خير" بالرفع على أنه اسم كان، وجوز الابتداء به وهو نكرة كونه موصوفًا، ويحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن والجملة خبرها.
стр. 1335
وقال الكرماني: جواب "لو" ليس المذكور، بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وليس ما قاله الكرماني متعينًا.
(كان بين مصلى رسول اللَّه ﷺ وبين الجدار) أي بين مكان مقامه في الصلاة وبين جدار المسجد مما يلي القبلة. وقال النووي: يعني بالمصلى موضع السجود.
(ممر الشاة) "ممر" بالرفع اسم "كان" والتقدير: كان مقدار ممر الشاة بين ... وبين الجدار، فالظرف خبر، وأعرب الكرماني "ممر" بالنصب خبر "كان" واسمها محذوف، والأصل: كان قدر المسافة بين المصلى والجدار ممر الشاة.
(كان يتحرى موضع مكان المصحف) قال الحافظ ابن حجر: هذا دال على أنه كان للمصحف موضع خاص به.
وفي رواية "يصلي وراء الصندوق" وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه.
(يسبح فيه) قال النووي: المراد بالتسبيح صلاة النافلة.
(كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف) قال الحافظ ابن حجر: حقق لنا بعض مشايخنا أنها الأسطوانة المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين، إذ كانوا يجتمعون عندها.
(إن المرأة لدابة سوء؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري، أي ليست المرأة دابة سوء.
(قد شبهتمونا بالحمير والكلاب؟ ) وفي الرواية السادسة والعشرين "عدلتمونا بالكلاب والحمر"؟ :
وفي وجه آخر: "يا أهل العراق" عدلتمونا "أي ساويتمونا" بالحمير والكلاب"؟ والاستفهام إنكاري توبيخي، أي ما ينبغي أن تقولوا ذلك.
(فتبدو لي الحاجة) أي الرغبة في القيام لإصلاح شأني.
(فأكره أن أسنحه) بفتح الهمزة وإسكان السين وفتح النون، أي أظهر لها وأعترض، يقال: سنح لي كذا أي عرض، تريد أنها كانت تخشى أن تستقبله وهو يصلي ببدنها أي منتصبة.
(فانسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي) وفي الرواية الخامسة والعشرين "فانسل من رجليه" الضمير في "رجليه" للسرير، فتتوافق الروايات.
ومعنى "أنسل" أخرج بخفية أو برفق، وكأن عائشة كرهت إيذاء الرسول ﷺ بتحركها أمامه وهو يصلي، وعلى هذا فمرورها بين يدي المصلي أشد، لكنها ﵂ تقصد إنكار أن مرور المرأة بين يدي المصلي يقطع صلاته، فعلة امتناعها عدم التشويش لا قطع الصلاة.
стр. 1336
(والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) أرادت بذلك الاعتذار، أي لو كان فيها مصابيح لقبضت رجلي عند إرادته السجود، ولما أحوجته إلى غمزي.
(وعلى مرط) أي كساء.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أحكام كثيرة، نحاول ضبطها فيما يلي: ]-
١ - مشروعية وضع المصلي سترة أمامه، قال النووي: السنة أن يكون بين يدي المصلي سترة من جدار، أو سارية، أو غيرهما. ونقل الإجماع فيه.
ثم قال: والحكمة في السترة كف البصر عما وراء الساتر [أي حبس نظر المصلي فإنه أمكن للخشوع] ومنع من يجتاز بقربه.
ثم قال: ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن المرور بين يديه، واختلفوا إذا كان في وضع يأمن المرور بين يديه، وهما قولان في مذهب مالك، ومذهبنا أنها مشروعة مطلقًا لعموم الأحاديث.
٢ - أن أقل السترة عصا مثل مؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع، ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه، وشرط مالك أن يكون في غلظ الرمح.
٣ - ويؤخذ من الرواية الخامسة والعشرين جواز الستر بالسرير.
٤ - ومن الرواية السابعة والثامنة صحة التستر بالحيوان، وجواز الصلاة بقرب البعير، بخلاف الصلاة في أعطان الإبل، أي موضع إقامتها، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها، وإما لأنهم كانوا يتبولون بينها مستترين بها، وإما لأنها في أعطانها لا تخلو من الحركة. وأما قول الشافعي في البويطي: لا يستتر بامرأة ولا دابة فمحمول على الاختيار، ووجود ساتر آخر غيرهما، وأما ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره أن يصلي إلى بعير إلا وعليه رحل فالظاهر أن الحكمة في ذلك أنه في حالة شد الرحل عليه يكون أقرب إلى السكون من حالة تجريده.
٥ - ومن ملحق الرواية التاسعة عشرة الصلاة عند الأسطوانة وجعلها سترة واستدل ابن بطال على صحة الصلاة إلى الأسطوانة بثبوت صلاته ﷺ إلى الحربة، قال: وحيث صلى إلى الحربة كانت الصلاة إلى الأسطوانة أولى، لأنها أشد سترة، اهـ. قال النووي: لكن الأفضل أن يصمد إليها [أي لا يجعلها تلقاء وجهه] بل يجعلها عن يمينه أو شماله. ثم قال: وأما الصلاة بين الأساطين فلا كراهة فيها عندنا. واختلف قول مالك في كراهتها إذا لم يكن عذر، وسبب الكراهة عنده أنه يقطع الصف، ولأنه يصلي إلى غير جدار قريب. اهـ.
стр. 1337
وقد روى الحاكم النهي عن الصلاة بين السواري من حديث أنس بإسناد صحيح، وهو في السنن الثلاثة وحسنه الترمذي مما يؤيد ما ذهب إليه مالك، وجمع بعضهم بجواز الصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة.
٦ - ويؤخذ من الرواية الخامسة الاحتياط للصلاة في الخلاء في السفر باستصحاب عنزة أو عصا إذ المألوف والمعهود من عادته ﷺ أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، وفي الرواية الخامسة ما يدل على المداومة من قول ابن عمر "وأن يفعل ذلك في السفر فمن ثم أخذها الأمراء".
وهل الخط يقوم مقام السترة عند عدمها؟ قال النووي: قولان، والمختار استحباب الخط إذ به يثبت حريم للمصلي. اهـ. لكن الروايات الأولى التي معنا تفيد أن الخط لا يكفي.
ولو قلنا باستحباب الخط فما كيفيته؟ قال أحمد بن حنبل: يجعله مقوسًا كالهلال، وقيل أفقيًا معترضًا بينه وبين القبلة، وقيل: يخطه يمينًا وشمالاً. والله أعلم.
٧ - ويؤخذ من الرواية التاسعة والعاشرة والحادية عشرة، وفيها صلاة النبي ﷺ بالأبطح - وهو على باب مكة - أن مكة في السترة شأنها شأن غيرها من الأماكن. قال ابن المنير: يدفع بهذا وهم من يتوهم أن السترة قبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قبلة إلا الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة. اهـ. وهذا هو المعروف عند الشافعية، وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي وبين مكة وغيرها. واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في مكة كلها. قاله الحافظ ابن حجر في الفتح.
٨ - ويؤخذ من الرواية الثامنة عشرة، وفيها "كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة" استحباب الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف. قال ابن بطال: أقل ما يكون بين المصلي وسترته قدر ممر الشاة، وقيل أقل من ذلك ثلاثة أذرع، وجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة، وأكثره ثلاثة أذرع.
٩ - ويؤخذ من الروايات أن سترة الإمام سترة لمن خلفه. قال القاضي عياض: واختلفوا: هل سترة الإمام بنفسها سترة لمن خلفه؟ أم هي سترة له خاصة، وهو سترة لمن خلفه؟ مع الاتفاق على اعتبار المأمومين يصلون إلى سترة. اهـ.
١٠ - ويؤخذ من الروايات الرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة استحباب دفع المار بين يدي المصلي ومقاتلته قال النووي: والأمر بالدفع أمر ندب، هو ندب متأكد.
قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاي، ولا ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل يجب ديته أم يكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، قال: واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته، بل احتاط وصلى إلى سترة، أو في مكان يأمن المرور بين يديه، ويدل عليه في حديث أبي سعيد: "إذا صلى أحدكم إلى
стр. 1338
شيء يستره فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره. فإن أبى فليقاتله" قال: وكذا اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه في موضعه ليرده، وإنما يدفعه ويرده من موقفه، لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أمر بالقرب من سترته، وإنما يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح. قال: وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يرده لئلا يصير مرورًا ثانيًا. اهـ.
هذا وقد أطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة، وهو بعيد وأبعد منه ما قاله الباجي من أن المراد بالمقاتلة في الحديث اللعن أو التعنيف. اهـ.
وهذا يستلزم التكلم في الصلاة وهو مبطل بخلاف الفعل اليسير، ووجهه الحافظ ابن حجر باحتمال أن يكون مراد الباجي أن يلعنه داعيًا لا مخاطبًا. وهذا التوجيه بعيد، لأنه والحالة هذه لا يزجر المار ولا يدفعه، والله أعلم.
١١ - ويؤخذ من الرواية السابعة عشرة إثم المار بين يدي المصلي، وفيها "لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه" وفي رواية لابن ماجه وابن حبان "لكان أن يقف مائة عام خيرًا من الخطوة التي خطاها" فإطلاق الأربعين كالمائة للمبالغة في تعظيم الأمر على المار.
وعند أحمد: "لكان أن يقف أربعين خريفًا". قال النووي: فيه دليل على تحريم المرور، فإن معنى الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد على ذلك.
قال ابن بطال: الإثم يختص بمن يعلم النهي وارتكبه، إذ قوله: "لو يعلم المار" دليل توقف هذا الجزاء على العلم.
قال الحافظ ابن حجر: وظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مر، لا بمن وقف عامدًا مثلاً بين يدي المصلي أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي فهو في معنى المار. ثم قال: وظاهره عموم النهي في كل مصل، وخصه بعض المالكية بالإمام والمنفرد، لأن المأموم لا يضره من مر بين يديه، لأن سترة إمامه سترة له، وإمامه سترة له. قال الحافظ ابن حجر: والتعليل المذكور لا يطابق المدعي، لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي لا عن المار، فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك.
وقد ذكر ابن دقيق العيد أن بعض الفقهاء [أي المالكية] قسم أحوال المار والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام:
أولاً: يأثم المار دون المصلي كأن يصلي إلى سترة في غير شارع مطروق.
ثانيًا: يأثم المصلي دون المار، كأن يصلي في طريق مسلوك بغير سترة، لكن لا يجد المار مندوحة.
ثالثًا: يأثم المصلي والمار جميعًا، كأن يصلي في طريق مسلوك بغير سترة، لكن يجد المار مندوحة، فيأثمان.
стр. 1339
رابعًا: لا يأثمان، كأن يصلي إلى سترة في غير طريق مشروع ولم يجد المار مندوحة. اهـ.
وظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقًا ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، كما في قصة أبي سعيد مما يجعل التقسيم المذكور غير سليم. والله أعلم.
١٢ - ويؤخذ من الرواية المتممة للعشرين والحادية والعشرين أن مرور المرأة والحمار والكلب بين يدي المصلي يقطع الصلاة وفي الروايات الثانية والعشرين والثالثة والعشرين والخامسة والعشرين والسادسة والعشرين والسابعة والعشرين معارضة لهذا المأخذ.
قال الحافظ ابن حجر: وقد اختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث. فمال الطحاوي وغيره إلى أن حديث أبي ذر وما وافقه منسوخ بحديث عائشة وغيرها، وتعقب بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا علم التاريخ وتعذر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق والجمع لم يتعذر. ومال الشافعي وغيره إلى تأويل لفظ القطع في حديث أبي ذر بأن المراد به نقص الخشوع، لا الخروج من الصلاة، ويؤيده أن الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقيد بالأسود، فأجيب بأنه شيطان، وقد علم أن الشيطان لو مر بين يدي المصلي لم تفسد صلاته. وقال بعضهم: حديث أبي ذر مقدم، لأن حديث عائشة على أصل الإباحة. وقال أحمد: يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي النفس من الحمار والمرأة شيء ووجهه ابن دقيق العيد وغيره بأنه لم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديث ابن عباس [الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة] ووجد في المرأة حديث عائشة. اهـ.
ووجه الدلالة من حديث عائشة أن حديث "يقطع الصلاة المرأة ... إلخ" يشمل ما إذا كانت مارة أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلما ثبت أنه ﷺ صلى وهي مضطجعة أمامه دل ذلك على نسخ الحكم في المضطجع وفي الباقي بالقياس عليه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة. وقد قال بعضهم: إن الفرق بين المار وبين النائم في القبلة أن المرور حرام بخلاف الاستقرار نائمًا كان أم غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لبثها، فلو ثبت أن حديثها متأخر عن حديث أبي ذر لم يدل إلا على نسخ الاضطجاع فقط.
وقد نازع بعضهم في الاستدلال بحديث عائشة من أوجه أخرى.
أحدها: أن العلة في قطع الصلاة بها ما يحصل من تشويش، وقد قالت إن البيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء علته.
ثانيها: أن المرأة في حديث أبي ذر مطلقة، وفي حديث عائشة مقيدة بخلاف الزوجة.
ثالثًا: أن حديث عائشة واقعة حال، يتطرق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذر، فإنه مسوق مساق التشريع العام. وقد أشار ابن بطال إلى أن ذلك كان من خصائصه ﷺ لأنه كان يقدر أن يملك إربه.
والخلاصة أن الشافعية وعامة أهل العلم يقولون: إن مرور الرجل أو المرأة أو الصبي أو الكافر أو
стр. 1340
الحمار أو الكلب الأسود أو الخنزير. إن مرور شيء من ذلك بين يدي المصلي لا يبطل الصلاة. وقال الحسن البصري: تبطل بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود، وقال أحمد وإسحق: تبطل بمرور الكلب الأسود فقط. والله أعلم.
١٣ - يؤخذ من الرواية التاسعة من قوله: "فخرج بلال بوضوئه" جواز الاستخدام.
١٤ - ومن قوله: "فمن نائل وناضح" التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل وضوئهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم. ذكره النووي.
١٥ - وفيه تعظيم الصحابة لرسول الله ﷺ .
١٦ - ومن قوله: "وعليه حلة حمراء" جواز لبس الثوب الأحمر، وفيه خلاف يذكر في كتاب اللباس.
١٧ - ومن قوله: "كأني أنظر إلى بياض ساقيه" أن الساق ليست بعورة قال النووي: وهذا مجمع عليه، فيجوز النظر إلى ساق الرجل حيث لا فتنة.
١٨ - ومنه ومن قوله في الرواية العاشرة "مشمرًا" استحباب تشمير الثياب، ورفع الثوب عن الكعبين، لا سيما في السفر.
١٩ - ومن قوله: "فأذن بلال" مشروعية الأذان في السفر، قال الشافعي: ولا أكره من تركه في السفر ما أكره من تركه في الحضر، لأن أمر المسافر مبني على التخفيف.
٢٠ - ومن قوله: "يقول يمينًا وشمالاً حي على الصلاة" أنه يسن للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يمينًا وشمالاً برأسه وعنقه، قال الفقهاء: ولا يحول قدميه وصدره عن القبلة، وإنما يلوي رأسه وعنقه.
٢١ - ومن قوله "فصلى الظهر ركعتين ... ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة" أن الأفضل قصر الصلاة في السفر وإن كان بقرب بلده، لما يشعر به الخبر من مواظبته ﷺ .
٢٢ - وأن ابتداء القصر من حين مفارقة البلد الذي يخرج منه.
٢٣ - ومن الرواية الثانية عشرة، من قوله "وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام" أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل، وأن الصبي يقبل سماعه، قال يحيى بن معين: أقل سن التحمل خمس عشرة، وقال أحمد بن حنبل: بل إذا عقل ما يسمع. قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو المعتمد. وقد احتج الأوزاعي لذلك بحديث "مروهم بالصلاة لتسع".
٢٤ - ومن مرور ابن عباس بين يدي الصف للدخول فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة، لأن المرور مفسدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة.
٢٥ - ومن الرواية الرابعة عشرة، من قوله "وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله" جواز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة.
стр. 1341
٢٦ - ومن قوله: "فإنما هو شيطان" قال ابن بطال: فيه جواز إطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء.
٢٧ - ومن الرواية السابعة عشرة أخذ القرين عن قرينه ما فاته، أو استثباته فيما سمع معه.
٢٨ - وفيها الاعتماد على خبر الواحد، لأن زيدًا اقتصر على النزول مع القدرة على العلو اكتفاء برسوله المذكور. قاله في الفتح.
٢٩ - وفيها استعمال "لو" في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي، لأنه يشعر بما يعاند المقدور.
٣٠ - ومن الرواية التاسعة عشرة من تحري الصلاة عند الأسطوانة أنه لا بأس بإدامة الصلاة في مكان واحد إذا كان فيه فضل.
٣١ - ومن الرواية الثانية والعشرين جواز صلاة الرجل إلى المرأة، قال النووي: وكره العلماء أو جماعة منهم الصلاة إليها لغير النبي ﷺ ، لخوف الفتنة بها، وتذكرها، واشتعال القلب بها بالنظر إليها.
٣٢ - ومن الرواية الثالثة والعشرين جواز الصلاة خلف النائم، وكره مجاهد ومالك الصلاة إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته.
٣٣ - استحباب تأخير الوتر إلى أخر الليل، وأنه يستحب لمن وثق باستيقاظه من آخر الليل إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره أن يؤخر الوتر وإن لم يكن له تهجد.
٣٤ - وفيها استحباب إيقاظ النائم للصلاة في وقتها.
٣٥ - ومن الرواية الخامسة والعشرين، ومن قوله: "فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله ﷺ " أن التشويش بالمرأة وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصل بها وهي راقدة، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن ذلك من جهة الحركة والسكون، وعلى ذلك فمرورها أشد اهـ.
٣٦ - ومن الرواية السابعة والعشرين، من قولها: "وإذا سجد غمزني فقبضت رجلي" جواز السجود مكان رجلي المرأة.
٣٧ - وأن لمس النساء لا ينقض الوضوء، والجمهور على أنه ينقض، وحملوا الحديث على أنه غمزها فوق حائل، قال النووي: وهذا هو الظاهر من حال النائم، فلا دلالة فيه على عدم النقض.
٣٨ - من الرواية الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين أن وقوف المرأة الحائض بجنب المصلي لا يبطل صلاته، قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وأبطلها أبو حنيفة.
٣٩ - وفيها أن ثياب الحائض طاهرة، إلا موضعًا ترى عليها دمًا أو نجاسة أخرى.
٤٠ - وفيها جواز الصلاة بحضرة الحائض.
٤١ - وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه على الحائض أو غيرها.
والله أعلم
стр. 1342
(١٩٣) باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه
٩٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن سائلاً سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال "أولكلكم ثوبان؟ ".
٩٥٥ - عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَادَى رجل النبي ﷺ فقال: أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال "أوكلكم يجد ثوبين؟ ".
٩٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء".
٩٥٧ - عن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقيه.
٩٥٨ - عن هشام بن عروة بهذا الإسناد غير أنه قال متوشحًا ولم يقل مشتملا.
٩٥٩ - عن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في بيت أم سلمة في ثوب قد خالف بين طرفيه.
٩٦٠ - عن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد ملتحفًا مخالفًا بين طرفيه. زاد عيسى بن حماد في روايته قال على منكبيه.
стр. 1343
٩٦١ - عن جابر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحًا به.
٩٦٢ - عن سفيان بهذا الإسناد وفي حديث ابن نمير قال دخلت على رسول الله ﷺ .
٩٦٣ - عن أبي الزبير المكي أنه رأى جابر بن عبد الله يصلي في ثوب متوشحًا به وعنده ثيابه. وقال جابر: إنه رأى رسول الله ﷺ يصنع ذلك.
٩٦٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه دخل على النبي ﷺ قال فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه. قال: ورأيته يصلي في ثوب واحد متوشحًا به.
٩٦٥ - عن الأعمش بهذا الإسناد. وفي رواية أبي كريب: واضعًا طرفيه على عاتقيه. ورواية أبي بكر وسويد، متوشحًا به.
-[المعنى العام]-
كانوا فقراء، وكان الكثير منهم لا يملك إلا ثوبًا واحدًا، وخشي أصحاب الثوب الواحد أن يكونوا مقصرين في صلاتهم، فسألوا رسول اللَّه ﷺ ، وأجابهم بصحة صلاتهم. ودلهم على كيفية استعماله استعمالاً أفضل، دلهم على أنه يسن أن يضع على عاتقيه شيء من ثوبه، إن كان يكفي ستر العورة، وصلى النبي ﷺ أمامهم بثوب واحد، يلفه حول وسطه يستر عورته، ثم يأخذ طرفه فيلقيه من الأمام على كتفه الأيمن، ويمر من ظهره إلى تحت يده اليسرى، ويأخذ الطرف الثاني فيلقيه من الأمام على كتفه الأيسر، ويمر به من خلفه إلى تحت يده اليمنى، ثم يجمع الطرفين فيعقدهما على صدره، وفي هذا الوضع ستر لجزء من العاتق مع ستر العورة ومع تمكن الثوب من الجسم بحيث لا تنكشف العورة أثناء الركوع والسجود. واللَّه أعلم.
стр. 1344
-[المباحث العربية]-
(أولكلكم ثوبان) الواو عاطفة على محذوف، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، والتقدير: أأنتم قادرون ولكل منكم ثوبان؟ أي لستم قادرين وليس لكل منكم ثوبان.
(لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد) قال ابن الأثير: كذا هو في الصحيحين "لا يصلي" بإثبات الياء، فهو خبر بمعنى النهي، وفي رواية "لا يصل" على أن لا ناهية، وفي أخرى "لا يصلين".
(ليس على عاتقه منه شيء) "العاتق" هو ما بين المنكبين إلى أصل العنق، وهو مذكر، وحكي تأنيثه.
(يصلي في ثوب واحد مشتملاً به) وفي الرواية السابعة "متوشحًا به" وفي الرواية الخامسة "قد خالف بين طرفيه" قال النووي المشتمل والمتوشح والمخالف بين طرفيه معناها واحد هنا. وهو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره.
(وعنده ثيابه) في رواية للبخاري "وثيابه موضوعة على المشجب".
-[فقه الحديث]-
قال النووي: يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ثيابه المتيسرة له، ويتقمص ويتعمم، فإن اقتصر على ثوبين فالأفضل قميص ورداء، أو قميص وإزار، أو قميص وسروال، وإذا أراد الاقتصار على ثوب واحد فالقميص أولى [وقميص العرب أشبه بقميص الفلاح يستر ما تحت الركبة] لأنه أعم في الستر، ولأنه يستر العورة ويحصل على الكتف، فإن كان القميص واسع الفتح بحيث إذا نظر رأى العورة زره ولو بشوكة [دبوس] فإن لم يكن قميص فالرداء أولى لأنه يمكنه أن يستر به العورة ويبقى منه ما يطرحه على الكتف، فإن لم يكن فالإزار أولى من السراويل، وقيل السراويل أولى.
ثم قال: والنهي عن الصلاة في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء للتنزيه، فلو صلى مكشوف العاتقين صحت صلاته مع الكراهة عند الشافعية، ومالك وأبي حنيفة وجمهور السلف والخلف، وقال أحمد وطائفة قليلة: يجب وضع شيء على العاتق لظاهر الحديث.
ويؤخذ من الرواية التاسعة جواز الصلاة على شيء يحول بينه وبين الأرض، من ثوب وحصير وصوف وشعر وغير ذلك، وسواء نبت من الأرض أم لا.
وهذا مذهب الشافعية والجمهور، وقال القاضي عياض: أما ما نبت من الأرض فلا كراهة فيه، أما البسط واللبود وغيرها مما ليس من نبات الأرض فتصح الصلاة فيه بالإجماع، لكن الأرض أفضل إلا لحاجة حر أو برد أو نحوهما، لأن الصلاة سرها التواضع والخضوع. ذكره النووي.
стр. 1345
كتاب المساجد ومواضع الصلاة
стр. 1346
(١٩٤) باب الأرض كلها مسجد وتربتها طهور
٩٦٦ - عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة وأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد" وفي حديث أبي كامل "ثم حيثما أدركتك الصلاة فصله. فإنه مسجد".
٩٦٧ - عن إبراهيم بن يزيد التيمي قال: كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة فإذا قرأت السجدة سجد. فقلت له يا أبت أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون عامًا ثم الأرض لك مسجد. فحيثما أدركتك الصلاة فصل".
٩٦٨ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي. كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا. فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان. ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر. وأعطيت الشفاعة".
٩٦٩ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا. وجعلت تربتها لنا طهورًا، إذا لم نجد الماء" وذكر خصلةً أخرى.
стр. 1347
٩٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم. ونصرت بالرعب. وأحلت لي الغنائم. وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا. وأرسلت إلى الخلق كافة. وختم بي النبيون".
٩٧١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "بعثت بجوامع الكلم. ونصرت بالرعب. وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت بين يدي" قال أبو هريرة: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها.
٩٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب على العدو. وأوتيت جوامع الكلم. وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي".
٩٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ "نصرت بالرعب. وأوتيت جوامع الكلم".
-[المعنى العام]-
يسوق الإمام مسلم في هذه المجموعة حديثين أحدهما في أفضلية بعض أماكن الأرض بالنسبة لعبادة اللَّه تعالى، والثاني في صلاحية الأرض عمومًا للتيمم من ترابها عند الحاجة والصلاة على أي موضع فيها.
أما الحديث الأول فيحكي إبراهيم بن زيد التيمي أنه كان يتعلم القرآن على أبيه، فكان يقرأ وأبوه يسمع، فلاحظ على أبيه أمرًا تعجب منه، رأى أباه كلما سمع من ابنه آية سجدة سجد، ويبدو أن الصبي لم يتابع أباه لأنه مع حداثته كان يظن أن الطريق العام وحوافه لا تصلح للسجود، بل الذي عهده الصبي هو السجود في المساجد أو على الفرش في أماكن الصلاة، ولما كان الصبي وأبوه في رحبة المسجد الخارجة من المسجد والمتصلة بالطريق، وهي ليس لها حكم المسجد، لما كان الأمر كذلك سأل الصبي أباه متعجبًا: أتسجد في الطريق يا أبي؟ هل هذا يصح؟ فقال له أبوه: إني سمعت
стр. 1348
أبا ذر يقول: سألت رسول اللَّه ﷺ ، أي المساجد في الأرض وضعها اللَّه أولاً للناس للصلاة فيها؟ ومن الطبيعي أن يكون أول مكان وضع للعبادة وقامت فيه العبادة أفضل الأماكن - قال رسول اللَّه ﷺ : أول مسجد وضع في الأرض للعبادة هو المسجد الحرام بمكة، قال أبو ذر: ثم ما هو المسجد الثاني؟ قال ﷺ : المسجد الأقصى ببيت المقدس، قال أبو ذر كم سنة كانت بينهما! قال ﷺ : أربعون سنة، وخشي ﷺ أن تحرص أمته على السفر إلى هذين المسجدين فأشار إلى أن الأرض كلها صالحة للصلاة عليها، ورب مصل بقلب خاشع وإخلاص في غير هذين المسجدين أفضل من بعض من يصلي فيهما بالليل والنهار.
وفي الحديث الآخر يسوق مسلم قول رسول الله ﷺ : فضلت على من سبقني من الأنبياء بخصال: لا أقول ذلك فخراً وكبراً إنما أتحدث بنعمة الله تعالى لأزداد شكراً، ولتشكر أمتي ربها على تكريمها وتكريم نبيها، من هذه الخصائص: كان كل نبي يرسل إلى قوم محددين تنتهي رسالته عندهم وتنتهي بعده وبعدهم، لكن محمداً ﷺ أرسل إلى أهل الأرض جميعاً من يوم بعثته إلى يوم القيامة، وكان من قبله إذا غنموا لم تحل لهم الغنائم، بل كانت تترك في العراء حتى تهلك فأحل الله له ولأمته الغنائم، وكان من قبله لا يصلون إلا في كنائسهم ومعابدهم، ولا يصح طهورهم إلا بالماء فجعل الله لمحمد وأمته الأرض كلها صالحة للصلاة عليها وترابها صالحاً للتيمم والتطهر، فأي مسلم أدركته الصلاة وحان وقتها وكاد يخرج ولم يجد ماء فعنده مسجده وطهوره فليتيمم وليصل، ومن خصوصياته ﷺ أن الله كان يلقي الرعب في قلوب أعدائه، مما يسهل له النصر عليهم، وأنه أعطي الشفاعة العظمى يوم القيامة، وختم به النبيون فلا نبي بعده، وأعطي القرآن وهو جوامع الكلم، قليل اللفظ كثير المعنى، وبشره الله بأن أمته سيفتح الله عليها كنوز الأرض، فتصبح مالكة لكثير من بقاعها، مالكة لكثير من كنوزها وخيراتها، وقد وقع ما أخبر به ﷺ وما بشر به.
نسأل الله أن يجعل هذه الكنوز وهذه الخيرات في خدمة الآخرة، إنه سميع مجيب.
-[المباحث العربية]-
(أي مسجد) في بعض الروايات "أي بيت" والمراد من البيت المسجد، كما في قوله تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا﴾ [آل عمران: ٩٦].
(وضع في الأرض) أي وضع للعبادة.
(أولا) في رواية البخاري "أول" بالبناء على الضم، لقطعه عن الإضافة، مثل قبل وبعد، والتقدير: أول كل شيء، وروايتنا بالنصب والتنوين، ويجوز فيه المنع من الصرف.
(المسجد الحرام) خبر مبتدأ محذوف. أي أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام بمكة.
стр. 1349
(ثم أي)؟ بالتنوين، وبعدم التنوين، وقيل: الصواب أنه غير منون لأن السائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة، ثم يؤتى بما بعده، وهو مضاف تقديراً، والمضاف إليه محذوف لفظاً، والتقدير: ثم أي مسجد وضع بعد المسجد الحرام؟ .
(المسجد الأقصى) قيل: سمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقال الزمخشري: سمي الأقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبث، وهو ببيت المقدس.
(كم بينهما)؟ أي من الزمن؟ أي كم سنة بين وضعهما في الأرض؟ .
(أينما أدركتك الصلاة فصل) "أينما" أداة شرط للمكان، و"ما" زائدة، والمقصود إدراك وقت الصلاة، أي في أي مكان أدركك وقت الصلاة فصل.
(فهو مسجد) فالمكان مسجد.
(ثم حيثما أدركتك الصلاة فصله) الهاء في "فصله" هاء السكت، فهي بمعنى رواية "فصل".
(كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة) بضم السين وتشديد الدال، واحدة السدد، وهي المواضع التي تطل حول المسجد وليست منه، وليس لها حكم المسجد إذا كانت خارجة عنه.
(أعطيت خمسًا) في الرواية الرابعة "فضلنا على الناس بثلاث" وفي الرواية الخامسة "فضلت على الأنبياء بست" واختلاف الروايات في العدد مشكل عند من يرى أن مفهوم العدد حجة، وفي فقه الحديث نذكر الإجابات عن هذا الإشكال.
(لم يعطهن أحد قبلي) أي من الأنبياء، بدليل قوله "كان كل نبي" إلخ.
(كان كل نبي يبعث) أي كان كل رسول يبعث .... إلخ.
(وبعثت إلى كل أحمر وأسود) قيل: المراد بالأحمر وبالأسود العرب، وقيل: الأحمر الإنس والأسود الجن: والأولى جعل ذلك كناية عن الكل، كأنه قال: إلى كل لون، يؤكده رواية للبخاري "إلى الناس عامة" وروايتنا الخامسة، "إلى الخلق كافة".
(وأحلت لي الغنائم) وفي رواية "المغانم".
(فأيما رجل) أي مبتدأ فيه معنى الشرط، و"ما" مزيد للتأكيد، وذكر الرجل للتغليب والحكم يشمل النساء.
(وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا) أي موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع،
стр. 1350
ويصح أن يراد بالمسجد المعروف، والكلام على التشبيه، أي جعلت لنا الأرض كلها كالمسجد في صحة الصلاة عليها.
(وجعلت تربتها لنا طهورًا) تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
(وذكر خصلة أخرى) اعتبر جعل الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا خصلة واحدة، فلم يذكر الراوي سوى ثنتين من ثلاث. وهذه الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة والنسائي "وهي" وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش".
(أتيت بمفاتيح خزائن الأرض) كناية عما فتح اللَّه لأمته من المال والدنيا.
(فوضعت في يدي) بلفظ التثنية، وهو كناية عن امتلاكها، والمراد امتلاك أمته لها.
(وأنتم تنتثلونها) أي تستخرجون ما في خزائن الأرض وتنتفعون بها.
-[فقه الحديث]-
تتناول هذه الأحاديث مسألتين أساسيتين:
الأولى: وهي المقصودة بكتاب المساجد، جعل الأرض لنا مسجدًا وطهورًا.
الثانية: خصائصه ﷺ وخصائص أمته.
وفيما يتعلق بالمسألة الأولى يتشعب البحث إلى أفضل بقاع الأرض من حيث العبادة، ثم صلاحية عامة الأرض للصلاة عليها وللتيمم من ترابها.
والرواية الأولى والثانية تنصان على فضل المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى من حيث تقدم وضعهما في الأرض لعبادة الناس.
والروايتان تصرحان بأن المسجد الحرام أول مسجد وضع للناس في الأرض، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين﴾ [آل عمران: ٩٦] ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في أول من بناه، ففي بعض الآثار أن أول من بناه الملائكة، ثم آدم ثم شيث، ثم غمره طوفان وأزال معالمه، ثم بوأ اللَّه مكانه لإبراهيم وعرفه إياه فبناه.
والروايتان تصرحان بأن بين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى أربعين عامًا، وهذا مشكل بالنسبة لما هو مشهور من أن باني البيت الحرام إبراهيم ﵇، وباني المسجد الأقصى داود ثم ابنه سليمان ﵉، وبين بناء إبراهيم وبنائهما مدة تزيد على الأربعين بأمثالها، حتى قيل: إن بينهما أكثر من ألف عام، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة كثيرة، منها: أن الحديث يشير إلى أول بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وأول من وضع أساسهما، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة،
стр. 1351
ولا سليمان أول من بنى المسجد الأقصى، يصرح بذلك القرطبي حيث يقول: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما.
وقيل: إن إبراهيم ﵇ هو الذي بنى المسجد الحرام والمسجد الأقصى وبين بنائه لهما أربعون سنة، وما حصل من داود وسليمان تجديد لا تأسيس، قال الحافظ ابن حجر: والأول أوجه.
هذا من ناحية أولية الوضع والبناء، أما من ناحية الأجر وثواب العبادة فإن مسجد الرسول ﷺ بالمدينة أصبح في الدرجة الثانية بعد المسجد الحرام، فقد روى الإمام أحمد وصححه ابن حبان "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا" وعند ابن ماجه "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" وروى البزار والطبراني "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة".
ولأفضلية العبادة في هذه المساجد روى البخاري عن النبي ﷺ قال "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى" وأما صلاحية الأرض عامة للصلاة عليها وللتيمم من تربتها فهي المقصود الأساسي لإيراد أحاديث الباب، وقد استدل بقوله "وأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد" على جواز الصلاة في جميع المواضع التي لا نتيقن نجاستها، مع مراعاة ما استثناه الشرع كالصلاة في المقابر والمزابل والمجازر، وأعطان الإبل وقارعة الطريق، والحمام، وغير ذلك مما ورد النهي بها على خلاف في المذاهب.
كما استدل المالكية والحنفية بقوله في الرواية الثالثة "وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً" على أنه يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض، ولا يختص التيمم بالتراب، فالتعبير بأن الأرض طهور -أي مطهر- عام في جميع أجزائها، فإن قيل لهم: إن المراد بالطهور في هذه الرواية الطاهرة، أي صالحة للصلاة عليها، قالوا: إن معنى "طيبة" طاهرة، فلو كان معنى "طهوراً" طاهرة للزم التكرار وتحصيل الحاصل، لكن المعنى على تفسيرنا: طاهرة مطهرة، ويؤيد هذا القول رواية البيهقي "فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهوراً ومسجداً"، وعند أحمد "فعنده طهوره ومسجده" وفي رواية "فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" فكل هذه الألفاظ في مطلق الأرض ولا خصوص التراب.
واستدل الشافعية والحنابلة بالرواية الرابعة، وفيها "وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء" فهذه الرواية مقيدة لما يطهر من الأرض، وهو التراب، ويحمل المطلق في الروايات السابقة على المقيد فإن قيل لهم: إن التعبير بالتربة لا يقتصر على التراب، فقد قيل: إن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره قالوا: بل ورد في الحديث المذكور بلفظ "التراب" أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن وجعل التراب لي طهوراً، والله أعلم.
стр. 1352
والمتحصل من روايات الباب عشر خصال اختص بها النبي ﷺ هي:
١ - كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود.
٢ - أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي.
٣ - جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً.
٤ - نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر.
٥ - أعطيت الشفاعة.
٦ - جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة.
٧ - أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش [وهي الخصلة المبهمة في الرواية الرابعة].
٨ - أعطيت جوامع الكلم.
٩ - ختم بي النبيون.
١٠ - أتيت بمفاتيح خزائن الأرض.
وفي كتب أخرى روايات بها زيادات، منها:
١ - وسميت أحمد [رواها أحمد].
٢ - وجعلت أمتي خير الأمم [رواها أحمد].
٣ - غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر [رواها البزار].
٤ - وأعطيت الكوثر [رواها البزار].
٥ - وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه [رواها البزار].
٦ - وكان شيطاني كافراً فأعانني الله عليه فأسلم [رواها البزار].
فينتظم بهذا ست عشرة خصلة، قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، وقد ذكر النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" أن عدد الذي اختص به نبينا ﷺ على الأنبياء ستون خصلة. اهـ
والذي يعنينا الآن ما ورد في روايات الباب، وسأقتصر في الكلام عليه.
ولا إشكال في قوله "خمساً" وقوله "بثلاث" وقوله "بست" مع وصول العدد إلى ما وصل إليه، لأن بعضهم يقول: إن مفهوم العدد ليس بحجة. والبعض يرفع الإشكال بأنه ﷺ اطلع أولاً على بعض ما اختص به، فأخبر عنه، ثم اطلع على غيره فأخبر عنه.
стр. 1353
والذي أميل إليه هو الأول، لأن قولنا: فيك عشر خصال لا يعتبر في اللغة العربية من أساليب القصر، ولا يمنع أن يكون فيك خصال أخرى، ويمكن أن أقول: خصصت بخمس فلا تمنع العبارة أن أكون خصصت بغيرها، وكل ما تدل عليه العبارة أن كل واحدة مما اختص به ﷺ لم تكن لأحد قبله. والمتمعن في الخصال العشر يرى أن بعضها خاص به ﷺ ، لا تشاركه فيها أمته كالخصلة الأولى والرابعة والثامنة والتاسعة، وبعضها تشترك معه فيها أمته، كحل الغنائم، وطيب الأرض، وآخر سورة البقرة، ومفاتح خزائن الأرض، وبعضها خصوصية لأمته كجعل صفوفها كصفوف الملائكة. فإسناد الخصوصيات إليه ﷺ في حالة كونها للأمة إسناد تشريف وتكريم، لأنها إنما خصت بذلك من أجله تكريماً له فهي خصوصية له ﷺ ، ولنعرض بشيء من التفصيل للخصوصيات العشر:
١ - فعموم رسالته ﷺ للناس كافة منذ بعثته إلى يوم القيامة محل إجماع المسلمين، وكونها خاصة به لم تعط لنبي قبله أمر واضح، لكنه أشكل عليه أولاً بأن نوحاً ﵇ دعا على أهل الأرض بالهلاك بقوله ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ [نوح: ٢٦] ولو لم يكن مرسلاً إليهم ما دعا عليهم، وثانيًا بأن نوحًا بعد الطوفان كان مرسلاً إلى الناجين، وهم الأحياء على الأرض، وثالثًا أنه صح أن أهل الموقف يوم القيامة يسألون نوحًا الشفاعة بقولهم أنت أول رسول إلى أهل الأرض. إذ كل ذلك يوهم عموم رسالة نوح ﵇.
وأجيب عن الشبهة الأولى بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدته، وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم، فأجيب، ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس، فتمادوا على الشرك، فاستحقوا العقاب، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح فبعثته خاصة، لكونها إلى قومه فقط، وهي عامة في الصورة، لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثاً إليهم، ويمكن أن يكون هذا جواباً للإشكال الثاني، وهو أن نوحاً بعد الطوفان كان مرسلاً إلى الناجين، وهم الأحياء على الأرض، كما يمكن أن يكون جواباً للإشكال الثالث وهو قول أهل الموقف لنوح ﵇: "أنت أول رسول إلى أهل الأرض" على أنه يمكن أن يكون مرادهم من هذا القول إثبات أولية إرساله لا عموم بعثته.
وإذن لا دليل على عموم رسالة نوح ﵇، وكل ما استدل به على ذلك تطرق إليه الاحتمال فسقط به الاستدلال، على أن القرآن الكريم صرح في غير موضع على أن إرسال نوح كان إلى قومه.
٢ - وأما الغنائم فقد قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته.
وقيل: المراد أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف شاء. قال الحافظ ابن حجر: والأول أصوب.
стр. 1354
٣ - وأما الخصوصية في جعل الأرض طهوراً ومسجداً فقال ابن التيمي: قيل: المراد جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وجعلت لغيري مسجداً ولم تجعل له طهوراً، لأن عيسى ﵇ كان يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، وقيل: إنما أبيح لهم الصلاة في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما تيقنوا نجاسته. قال الحافظ ابن حجر: والأظهر ما قاله الخطابي، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة، كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية "وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم" وما أخرجه البزار بلفظ "ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه" قال الحافظ ابن حجر: وهذا نص في موضع النزاع.
٤ - وأما خصوصية النصر بالرعب ففي رواية أحمد زيادة "يقذف في قلوب أعدائي" قال الحافظ ابن حجر مفهوم رواية "نصرت بالرعب مسيرة شهر" أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن رواية "ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر" ظاهرها اختصاصه به مطلقاً، وإنما جعل الغاية شهراً لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه. وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى ولو كان وحده بغير عسكر، ثم قال: وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال. اهـ وهذا الاحتمال إنما يصح إذا كانت أمته قائمة على شريعته وسنته. والله أعلم.
٥ - وأما الشفاعة فقد قال ابن دقيق العيد: الأقرب أن اللام فيها للعهد، والمراد بها الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وكذا جزم النووي وغيره.
وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل: الشفاعة لخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، لأن شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك، وفيها أقوال أخرى. والأول هو الصواب.
٦ - وأما صفوف الملائكة فالمقصود الصفوف في صلاة الجماعة، ووجه الشبه الاستقامة في المساجد صفًا صفًا كقوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ [الفجر: ٢٢] والاستدارة حول الكعبة كقوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ [غافر: ٧].
٧ - وخواتيم سورة البقرة إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٨ - وأما جوامع الكلم فقيل المراد بها القرآن الكريم، لأنه قليل اللفظ كثير المعاني، وقيل: كلامه ﷺ ، حيث أوتي الحكمة وفصل الخطاب.
٩ - وأما ختمه للنبيين فهو صريح قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠].
стр. 1355
١٠ - وأما مفاتيح خزائن الأرض فهو إخبار منه ﷺ بفتح البلاد لأمته، ووقع كما أخبر، فهو علم من أعلام النبوة. قاله النووي.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
١ - مشروعية تعديد نعم الله.
٢ - وإلقاء العلم قبل السؤال.
٣ - واستدل به على كرامة الآدمي، لأنه خلق من ماء وتراب وكل منهما طهور كذا قيل.
والله أعلم
стр. 1356
(١٩٥) بناء مسجد المدينة - والصلاة في مرابض الغنم
٩٧٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النجار فجاءوا متقلدين بسيوفهم قال فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب قال فكان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم ثم إنه أمر بالمسجد قال فأرسل إلى ملإ بني النجار فجاءوا فقال: "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا" قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. قال أنس: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب. فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقطع. وبقبور المشركين فنبشت. وبالخرب فسويت. قال فصفوا النخل قبلة. وجعلوا عضادتيه حجارة. قال فكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم. وهم يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة.
٩٧٥ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم. قبل أن يبنى المسجد.
-[المعنى العام]-
تواترت الأخبار بورود النبي ﷺ قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول وله من العمر ثلاث وخمسون سنة، فنزل على كلثوم بن هدم في حي بني عمرو بن عوف، ونحر جزورًا، وأقام في قباء أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى أشراف بني النجار في المدينة وهم أخوال جده عبد المطلب فجاءوا متقلدين سيوفهم معلقيها على أكتافهم استعدادًا للدفاع ورمزًا للنجدة، وركب رسول الله ﷺ ناقته القصواء وأردف أبا بكر خلفه عليها، وملأ بني النجار ووجهاؤهم حوله يحيطون بركبه تكريمًا وتشريفًا، وسار الركب حتى دخل المدينة، وكل يريد أن يشرف بنزول رسول الله ﷺ في داره أو بجوارها، يحاولون إيقاف الناقة فيقول ﷺ : دعوها فإنها مأمورة حتى وصلوا إلى بيت أبي أيوب، وفي فناء البيت بركت الناقة، فأخذ جبار بن صخر ينخسها برجله لتقوم يبغى أن
стр. 1357
تصل إلى داره، ورآه أبو أيوب، فقال: يا جبار، أعن منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف.
وكان رسول اللَّه ﷺ يعتزم بناء مسجد، ووقع اختياره على أرض لبني النجار فيها نخل وفيها قبور المشركين وفيها آثار بناء محطم وبها حفر، فقال: يا بني النجار. ساوموني على هذه الأرض لأشتريها فأقيم عليها مسجدًا نصلي فيه. قالوا: لا. واللَّه لا نأخذ لها ثمنًا إنما هي للَّه تعالى.
فأمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه بقطع النخل فقطعوه، وأمر بقبور المشركين فنبشت، وجمع عظامها وترابها وغيبت في باطن الأرض، وأمر بآثار الهدم والحجارة فسويت ومهدت الأرض واستوت ثم بنى المسجد، صفوا النخل حائطًا جهة القبلة، جهة القدس بطول مائة ذراع، وبنيت جدرانه باللبن بعد أساس من الحجارة، وجعل ارتفاع الجدار قامة وبسطة، وجعل طول الضلع مائة ذراع، فهو مربع، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له باب الرحمة، وهو الباب الذي يدعى باب العاتكة، والثالث الذي يدخل منه ﵊، وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجعل جانبي الباب من الحجارة، وجعل عمد المسجد من جذوع النخل وسقفه من جريد النخل، وكان النبي ﷺ ينقل معهم الحجارة واللبن بنفسه وهو ينشد معهم: اللَّهم لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة. ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد النبي ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا. ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة والقصة، وجعل عمده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج وكان ﷺ يصلي على الأرض حيث أدركته الصلاة في أي مكان، وبعد أن بنى المسجد لم يكن يصلي إلا في المسجد حيث أمكنه ﷺ وكان يصلي في مرابض الغنم وأماكن نومها ومبيتها، فالأرض كلها مسجد وطهور. واللَّه أعلم.
-[المباحث العربية]-
(قدم المدينة) المنورة في الهجرة.
(فنزل في علو المدينة) قال النووي: هو بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان. اهـ. وعلو المدينة هو العالية، وفي رواية للبخاري "فنزل في أعلى المدينة".
(في حي) بتشديد الياء وهي القبيلة.
(فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) هذه رواية الأكثرين، وفي رواية "بضع عشرة ليلة" ولا خلاف بينهما، لكن في رواية المستعلي والحموي "أربعًا وعشرين ليلة" قال الحافظ ابن حجر: والأول هو الصواب.
(ثم أرسل إلى ملإ بني النجار) في رواية البخاري "إلى ملإ من بني النجار" والملأ الجماعة، والملأ أشراف القوم ورؤساؤهم، وهو المراد هنا، وبنو النجار هم بنو تيم اللات بن ثعلبة، وتيم
стр. 1358
اللات هو النجار، وإنما طلب بني النجار لأنهم كانوا أخواله ﷺ ، لأن هاشمًا جده ﷺ تزوج من بني النجار بالمدينة فولدت له عبد المطلب، فأراد النبي ﷺ النزول عندهم لما تحول من قباء، ففي الكلام حذف، والأصل أقام في حي عمر بن عوف أربع عشرة ليلة ثم نزل المدينة، ثم أرسل إلى ملإ بني النجار.
(فجاءوا متقلدين بسيوفهم) منصوب على الحال، وفي رواية للبخاري "مقلدي السيوف" بالإضافة، وفي رواية الأكثرين "متقلدين السيوف" بنصب السيوف على المفعولية، وتقلد السيف، جعل بجاده على المنكب، مظهر من مظاهر القوة والنجدة.
(على راحلته) الراحلة المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى وكانت راحلته ﷺ ناقة تسمى "القصواء".
(وأبو بكر ردفه) جملة إسمية في محل النصب على الحال، والردف بكسر الراء وسكون الدال المرتدف وهو الذي يركب خلف الراكب، وكأن النبي ﷺ أردفه تشريفًا له وتنويهًا بقدره. وقد كان لأبي بكر ناقة هاجر عليها، فلعلها كانت معهم وتركها لشرف الارتداف، أو لعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض أو غيره، أو لعله ردها إلى مكة ليحمل عليها أهله.
(وملأ بني النجار حوله) قال الحافظ ابن حجر: وكأنهم مشوا حوله ومعه أدبًا.
(حتى ألقى) أي ألقى رحله.
(بفناء أبي أيوب) أي بفناء دار أبي أيوب، والفناء بكسر الفاء سعة أمام الدار، أو هو ما امتد من جوانب الدار مكشوفًا: وأبو أيوب هو خالد بن زيد الأنصاري.
(ويصلي في مرابض الغنم) جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء، قال أهل اللغة: هي مباركها ومواضع مبيتها ووضعها أجسادها على الأرض للاستراحة، ويقال ذلك أيضًا لكل دابة من ذوات الحوافر والسباع قاله ابن دريد، وفي الصحاح: ربض الغنم والبقر والفرس والكلب مثل بروك الإبل وجثوم الطير. اهـ.
(ثم إنه أمر بالمسجد) قال النووي: ضبطناه "أمر" بفتح الهمزة والميم و"أمر" بضم الهمزة وكسر الميم، وكلاهما صحيح. اهـ. وهمزة "إنه" مكسورة لأنه كلام مستقل بذاته، والضمير للنبي ﷺ على رواية "أمر" بالبناء للمعلوم، وهو ضمير الشأن في رواية بنائها للمجهول. قاله العيني، وهو مبني على أن المأمورين الصحابة والآمر المحذوف هو الرسول لكن لو قدرنا الآمر هو اللَّه والمأمور هو الرسول صح جعل الضمير في "إنه" للرسول أيضًا كرواية البناء للمعلوم. والمسجد بكسر الجيم وفتحها، هو الموضع الذي يسجد فيه، وفي الصحاح: المسجد بفتح الجيم موضع السجود وبكسرها البيت الذي يصلي فيه، ومن العرب من يفتح كلا الوجهين، وعن الفراء: سمعنا المسجد بكسر الجيم، والفتح جائز وإن لم نسمعه. اهـ. والمعنى أمر ببناء المسجد.
стр. 1359
(ثامنوني بحائطكم هذا) قال الكرماني: معناه، بيعونيه بالثمن، وقال بعضهم: اذكروا لي ثمنه، قال العيني: هو من ثامنت الرجل في البيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه، وساومته على بيعه وشرائه قال الحافظ ابن حجر: معناه: اذكروا لي ثمنه لأذكر لكم الثمن الذي اختاره. قال ذلك على سبيل المساومة. فكأنه قال: ساوموني في الثمن. والحائط هنا البستان بدليل وجود النخل فيه، وفي رواية "كان مربدًا" وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر ليجف، ولا مانع من أن يكون تجفيف التمر في بستان.
(لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه) قال الحافظ ابن حجر: تقديره لا نطلب الثمن، لكن الأمر فيه إلى اللَّه، فـ"إلا" فيه بمعنى "لكن" - أو "إلى" بمعنى "من" ويقويه رواية الإسماعيلي "لا نطلب ثمنه إلا من اللَّه" وزاد ابن ماجه "أبدًا".
(فكان فيه ما أقول) أي كان في الحائط ما سأقوله لكم.
(كان فيه نخل) بيان "ما أقول" بإعادة الجملة.
(وقبور المشركين) "أل" في المشركين للعهد، أي مشركي هذه الديار.
(وخرب) في رواية البخاري "وفيه خرب" بإعادة الجار والمجرور في الكل. قال النووي: "وخرب" ضبطناه بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء، قال القاضي: رويناه هكذا، ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو ما تخرب من البناء، قال الخطابي: لعل صوابه بضم الخاء جمع خربة بالضم، وهي الخروق في الأرض، أو لعله حرف، قال القاضي: لا حاجة إلى هذا التكلف لأنه كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخرب فرفعت رسومها وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذا فعل بالقبور. اهـ.
(وبقبور المشركين فنبشت) أي وأمر بقبور المشركين فنبشت، وأمر بالعظام أن تجمع وأن يحفر لها وأن تغيب.
(فصفوا النخل قبلة) أي جهة القبلة وكانت بيت المقدس، وليس المراد بالقبلة هنا المحراب المعهود الذي يرمز إلى الجهة في مساجد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في ذلك الوقت.
(وجعلوا عضادتيه حجارة) أي وجعلوا عضادتي المسجد حجارة، فالضمير يعود على معهود، ورواية البخاري أوضح، ولفظها "فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة" والعضادة بكسر العين جانب الباب، وعضادتا الباب ما كان عليهما يطبق الباب إذا أغلق، وفي التهذيب للأزهري: عضادتا الباب الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله وفوقهما العارضة، وهو ما يسمى في هذه الأيام بحلق الباب.
стр. 1360
(فكانوا يرتجزون) أي يتعاطون نوعًا من ضروب الشعر، وأكثر العروضيين وأهل الأدب على أن الرجز لا يكون شعرًا. قال ابن التين: لا يطلق على الرجز شعر، إنما هو كلام مرجز مسجع، بدليل أنه يقال لصانعه راجز، ولا يقال أنشد شعرًا والتحقيق أنه من الشعر.
(فاغفر للأنصار والمهاجرة) في رواية المستعلي والحموي "فاغفر الأنصار" بحذف اللام، قال الحافظ ابن حجر: ووجهه أن يضمن "اغفر" معنى "استر" وقد رواه أبو داود "فانصر الأنصار" وقال الكرماني: واعلم أنه لو قرئ هذا البيت بوزن الشعر ينبغي أن يوقف على الآخرة والمهاجرة بالهاء، إلا أنه قيل: إنه ﷺ قرأهما بالتاء متحركة خروجًا عن وزن الشعر.
-[فقه الحديث]-
ذكر الحديث في مسلم بدون ترجمة تابعًا لباب: الأرض كلها مسجد، ومقصوده الصلاة في مرابض الغنم، وصدر الحديث يناسب كتاب الهجرة وسنتعرض في شرح الحديث إلى النقاط التالية:
١ - الجمع بين رواية هبة أرض المسجد الواردة هنا وبين روايات شراء الرسول ﷺ للأرض.
٢ - حكم نبش القبور وبناء مساجد مكانها.
٣ - الصلاة في مرابض الغنم.
٤ - ما يؤخذ من الحديث. وهذا هو التفصيل:
١ - ظاهر الحديث أن الرسول ﷺ أخذ أرض المسجد تبرعًا من بني النجار، محتسبين أجرها عند اللَّه تعالى، وهذا هو المشهور المروي في الصحيحين، وذكر محمد بن سعد في الطبقات عن الواقدي أن النبي ﷺ اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها أبو بكر الصديق، ويقال: كان ذلك مربد اليتيمين، فدعاهما النبي ﷺ ، فساومهما ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللَّه، فأبى رسول اللَّه ﷺ حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، وفي المغازي لأبي معشر فاشتراه أبو أيوب منهما وأعطاهما الثمن، فبناه مسجدًا، واليتيمان هما سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو من بني النجار، كانا في حجر أسعد بن زرارة، وقيل معاذ بن عفراء، وقال معاذ: يا رسول اللَّه، أنا أرضيهما فاتخذه مسجدًا، ويقال: إن بني النجار جعلوا حائطهم وقفًا، وأجازه النبي ﷺ ، واستدل ابن بطال بهذا على صحة وقف المشاع، وقال: وقف المشاع جائز عند مالك، وهو قول أبي يوسف والشافعي خلافًا لمحمد، والصحيح أن بني النجار لم يوقفوا شيئًا، بل باعوه، ووقفه النبي ﷺ فليس وقف مشاع. اهـ. ذكره العيني، ويمكن الجمع بين روايات الشراء وروايات الصحيحين بأن ما في الصحيحين تعبير عن أول الأمر وما ذكر في غيرهما تعبير عما لحق، فبنو النجار عرضوا التبرع به على أساس أن يعوضوا اليتيمين وهم أولياؤهما، فلما علم الرسول ﷺ ملكية اليتيمين أصر على الشراء وليس في الروايات ما يدل على أن أبا بكر دفع الثمن نيابة عن
стр. 1361
الرسول ﷺ ، بل كل ما فيها أن رسول اللَّه ﷺ أمر أبا بكر بالدفع، فيحتمل أن أبا أيوب قام بالدفع فيكون هو الذي اشترى وأوقف، وليس في الروايات ما يمنع من أن اليتيمين أخذا الثمن من أية جهة، ولا يؤخذ منها أن أشراف بني النجار أخذوا الثمن، فلا تعارض.
٢ - أما نبش قبور المشركين فجائز لأنهم لا حرمة لهم، وإقامة المساجد عليها جائزة إذا لم يسجد المصلي على تراب أجسامهم أو عظامهم، بأن غيبت العظام وستر تراب الأجساد بتراب طاهر جديد، وليس في اتخاذ قبور المشركين مساجد بهذه الصفة تعظيم لهم، لأنه بعد النبش وتغييب العظام وتراب الرفات لم تعد قبورًا ويصير سطح الأرض طاهرًا منهم، والأرض كلها مسجد.
أما نبش قبور المسلمين فلا يجوز لأن حرمة المسلم لا تزول حيًا وميتًا، نعم القبور الدارسة التي لا يعرف حائزوها إذا دعت مصلحة لنبشها وتغييب ترابها وعظامها جاز.
وقد استشكل على الحديث بأنه كيف جاز إخراج المشركين من قبورهم والقبر مختص بمن دفن فيه، وقد حازه، فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه، وأجاب العيني عن هذا الإشكال بأن تلك القبور التي أمر النبي ﷺ بنبشها لم تكن ملكًا لمن دفن فيها، بل لعلها غصبت. فلذلك باعها ملاكها، وعلى تقدير التسليم أنها حبست فليس بلازم، إنما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار، ولهذا قالت الفقهاء: إذا دفن المسلم في أرض مغصوبة يجوز إخراجه، فضلاً عن المشرك، وقد يجاب بأنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم فجاز. اهـ.
ثم قال: فإن قلت: هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها مساجد؟ قلت: أجاز ذلك قوم محتجين بهذا الحديث، وليست حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء، وإلى جواز نبش قبورهم ذهب الحنفية والشافعي. وقال الأوزاعي: لا يفعل. اهـ.
ثم قال: فإن قلت: هل يجوز أن تبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت: قال ابن القاسم: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى عليها قوم مسجدًا لم أر بذلك بأسًا، وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا درست واستغنى عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد، لأن المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تملكه لأحد، فمعناهما على هذا واحد، وذكر أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عفت ودثرت تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا يجوز أن يبنى موضع المسجد دارًا وموضع المقبرة مسجدًا وغير ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. اهـ.
والكلام في بناء المساجد على القبور يجرنا إلى الكلام عن حكم بناء المساجد بجوار القبور، أو دفن بعض الموتى الصالحين في ناحية من المسجد أو قريبًا منه، وفي هذا يقول البندنيجي، يكره أن يبنى عند القبر مسجد فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقابر الكثيرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه فلم أر فيه بأسًا. وقال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا لعنهم النبي ﷺ ومنع
стр. 1362
المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور. اهـ.
والحق أنه وإن لم يدخل في الوعيد المذكور المصحوب باللعن إلا أنه لا يحل هذا الفعل شرعًا خصوصًا إذا وضع القبر جهة القبلة، وكذا إذا أدى إلى تعظيم صاحب القبر والتوجه إليه بالدعاء، فعلة النهي تعظيم الميت المقبور مما أدى مع تطاول الأزمان إلى عبادته، ولا يخفى أن سد الذرائع أصل شرعي واجب الاتباع، فبناء المسجد ملاصقًا لقبر، أو بناء قبر صالح في ناحية من المسجد لا يجوز. واللَّه أعلم.
أما الصلاة في المقابر فمكروهة، سواء أكانت بجانب القبر، أو عليه أو إليه، استدلالاً بما رواه البخاري عن النبي ﷺ قال "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا" وبما رواه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام".
وقال النووي في المجموع: إن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها إذا لم يبسط تحته شيء لأنه قد اختلط بالأرض صديد الموتى، وإن كانت جديدة لم تنبش صحت صلاته مع الكراهة، هذا مذهب الشافعية، وذهب أبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقابر مطلقًا، وعن مالك روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها، وقال أحمد: الصلاة فيها حرام، وفي صحتها روايتان وإن تحقق طهارتها.
٣ - ومورد الحديث في هذا الباب الصلاة في مرابض الغنم، وفي الرواية الثانية منه "كان النبي ﷺ يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد" قال الحافظ ابن حجر: أي بعد بناء المسجد صار لا يحب الصلاة في غيره إلا لضرورة، وقال ابن بطال: هذا الحديث حجة على الشافعي في قوله بنجاسة أبوال الغنم وأبعارها، لأن مرابض الغنم لا تسلم من ذلك، فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم فلا تكون نجسة، وتعقب بأن الطهارة هي الأصل، وعدم السلامة منها غالب، وإذا تعارض الأصل والغالب قدم الأصل ورد بأن التعبير بكان يدل على الملازمة والكثرة والدوام مما تتحقق معه حالة وجود البول والروث وقد حاول البعض أن ينازع هذا الدليل باحتمال وضعهم حائلاً بينهم وبين مواضع البول والروث، وهو احتمال بعيد، فإنهم لم يكونوا يفرشون بينهم وبين الأرض، وحاول ابن حزم أن يجعل الإباحة منسوخة بقوله "قبل أن يبنى المسجد" قال الحافظ ابن حجر وفيه نظر، لأن إذنه ﷺ في الصلاة في مرابض الغنم ثابت عند مسلم، "عن جابر بن سمرة أن رجلاً سأل النبي ﷺ قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا". ولم يقل أحد بالفرق بين أبوال الغنم وأبوال الإبل وأرواثهما، فدل على أن الإذن في مرابض الغنم والنهي في مبارك الإبل لشيء لا يتعلق بالطهارة ولا النجاسة، وهو أن الغنم ذات سكينة - لا يخاف من نفارها بخلاف الإبل.
والحق أن الحديث دليل قوي للقائلين بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه وهم المالكية وأحمد ومحمد بن الحسن، والاصطخري والروياني من الشافعية، وهو قول الشعبي وعطاء والنخعي
стр. 1363
والزهري وابن سيرين والحكم والثوري، وردود المانعين لا تنهض على المعارضة، وهم الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأبو ثور وآخرون. واللَّه أعلم.
-[٤ - ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - جواز الإرداف.
٢ - جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع. قاله الحافظ ابن حجر، وقال النووي: فيه أن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرست يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده إذا لم توقف.
٣ - جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة، أخذًا من قوله "وأمر بالنخل فقطع" قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لاحتمال أن يكون النخل بما لا يثمر، إما بأن تكون ذكورًا، وإما أن يكون طرأ عليه ما قطع ثمرته، وقال النووي: فيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة والمصلحة لاستعمال خشبها، أو ليغرس موضعها غيرها أو لخوف سقوطها على شيء تتلفه، أو لاتخاذ موضعها مسجدًا أو قطعها في بلاد الكفار إذا لم يرج فتحها، لأن فيه نكاية وغيظًا لهم وإضعافًا وإرغامًا، اهـ. وما ذكره النووي من حالات عدا بناء المسجد مكانها لا يؤخذ من الحديث وإنما هو على سبيل القياس أو لأدلة أخرى، ويبقى اعتراض الحافظ ابن حجر قائمًا.
٤ - قال النووي: وفيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه إذا أزيل ترابها المخلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض: قال الحافظ ابن حجر: إذا لم تكن القبور محترمة. وهو قيد حسن.
٥ - جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها.
٦ - وجواز بناء المساجد في أماكنها.
٧ - قال النووي: فيه جواز الارتجاز وقول الأشعار في حال الأعمال والأسفار ونحوها لتنشيط النفوس وتسهيل الأعمال والمشي عليها، اهـ.
ولما كان إنشاد الشعر محرمًا على النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس: ٦٩] قال بعض العلماء: إن الرجز ليس من الشعر وعلى هذا القول يحمل تناوله ﷺ في هذا الموضع، وقال القرطبي: الصحيح في الرجز أنه من الشعر، وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي ﷺ إياه، فقال، لو كان شعرًا لما علمه قال: وهذا ليس بشيء، لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه إنه يعلم الشعر ولا ينسب إليه. اهـ.
٨ - وفيه جواز الصلاة في مرابض الغنم.
واللَّه أعلم
стр. 1364
(١٩٦) باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة
٩٧٦ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا حتى نزلت الآية التي في البقرة ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] فنزلت بعد ما صلى النبي ﷺ فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهم يصلون فحدثهم فولوا وجوههم قبل البيت.
٩٩٧ - عن البراء ﵁ قال: صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا ثم صرفنا نحو الكعبة.
٩٩٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال إن رسول اللَّه ﷺ قد أنزل عليه الليلة وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
٩٩٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس في صلاة الغداة إذ جاءهم رجل بمثل حديث مالك.
١٠٠٠ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة.
-[المعنى العام]-
كان رسول اللَّه ﷺ في مكة يصلي مستقبلاً بيت المقدس جاعلاً الكعبة بينه وبينه، فلما هاجر
стр. 1365
إلى المدينة لم يعد من الممكن استقبال الكعبة وبيت المقدس معًا لأن بيت المقدس في الشمال والكعبة في الجنوب، ومستقبل أحدهما مستدبر الآخر، فاستقبل بيت المقدس بوحي من اللَّه وخصوصًا أنه في أول هجرته كان يحب موافقة اليهود تأليفًا لهم، فلما استقر الإسلام بالمدينة وقويت شوكته وبرزت شخصيته كان ﷺ يتمنى أن يؤمر بالتوجه في صلاته إلى الكعبة قبلة أبيه إبراهيم وأول بيت وضع للناس، وكان يقلب وجهه في السماء ينتظر أمر اللَّه بذلك ويتعجله، حتى نزل قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ كان ذلك بعد ستة عشر شهرًا من قدومه المدينة أو تزيد قليلاً، نزل هذا الأمر والنبي ﷺ يصلي الظهر بمسجده بالمدينة وقد صلى ركعتين إلى بيت المقدس فاستدار وصلى الركعتين الأخيرتين إلى الكعبة، وصلى معه رجال خرج أحدهم إلى مسجد بني حارثة فوجد المسلمين يصلون العصر مستقبلين القدس فأعلن لهم ما علم وقال أشهد باللَّه أن النبي ﷺ أنزل عليه، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستدار المصلون نحو الكعبة، وخرج رجل آخر فجرًا إلى قباء فوجدهم يصلون الصبح مستقبلين الشام وقد صلوا ركعة فأخبرهم، فاستداروا نحو الكعبة وأكملوا صلاتهم، وصدق اللَّه العظيم ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [البقرة: ١٤٢].
-[المباحث العربية]-
(صليت مع النبي ﷺ إلى بيت المقدس) قال النووي: المقدس فيه لغتان مشهورتان، إحداهما فتح الميم وإسكان القاف، والثانية ضم الميم وفتح القاف، ويقال فيه أيضًا إيلياء وإلياء، وأصل القدس والتقديس من التطهير. اهـ.
(فانطلق رجل من القوم) قال الحافظ ابن حجر: واسمه عباد بن بشر بن قيظي، وقيل: عباد بن نهيك.
(فمر بناس من الأنصار وهم يصلون) قيل: هم من بني سلمة، وقيل أهل قباء.
(بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت) "بينما" أصله "بين" فأشبعت الفتحة فصارت "بينا" وزيدت الميم، فصارت "بينما" وهي ظرف زمان بمعنى المفاجأة وتضاف إلى جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه "إذ" و"إذا" وقد جاء بإذ وإذا كثيرًا، وأضيفت هنا إلى المبتدأ والخبر، وجوابها قوله "إذ جاءهم آت" وأل في "الناس" للعهد الذهني، لأن المراد أهل قباء ومن حضر معهم في الصلاة، و"قباء" فيها ست لغات المد والقصر، والتذكير والتأنيث، والصرف والمنع، وأفصحها المد.
(إن رسول اللَّه ﷺ قد أنزل عليه الليلة) أطلق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا.
стр. 1366
(وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها) قال النووي: روى "فاستقبلوها" بكسر الباء وفتحها والكسر أصح وأشهر، وهو الذي يقتضيه الكلام بعده، اهـ. فالكسر على صيغة الأمر، والآمر الرجل الآتي لهم من مسجد الرسول ﷺ ، ويؤيده رواية البخاري في التفسير "ألا فاستقبلوها" وفتح الباء رواية الأكثر فعل ماض، يحكي الراوي استجابتهم وتنفيذهم للتشريع، والفاعل يصح أن يقصد به الرسول ﷺ وأصحابه، ويصح أن يقصد به أهل قباء.
(وكانت وجوههم إلى الشام) هو من كلام ابن عمر، لا من كلام الرجل المخبر.
(فاستداروا إلى الكعبة) وقد وقع بيان كيفية التحول في بعض الروايات، وفيها، "فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء" قال الحافظ: وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد، لأن من استقبل الكعبة في المدينة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار في مكانه لم يكن خلفه الصفوف.
(في صلاة الغداة) صلاة الصبح.
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة لكن أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس "كان النبي ﷺ يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون ﷺ قد أمر لما هاجر بأن يستمر على الصلاة لبيت المقدس. وأخرج الطبراني من طريق ابن جريج قال: صلى النبي ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه اللَّه إلى الكعبة.
وما رواه الطبراني لا يتنافى مع ما رواه أحمد لجواز أن يكون الاستقبال بدأ إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس فحدث ابن عباس عن الحالة الثانية:
قال الحافظ ابن حجر: وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس، ثم نسخ قال: وهذا ضعيف، والأول أصح لأنه جمع بين القولين. اهـ.
واختلف العلماء في أن استقبال بيت المقدس هل كان ثابتًا بالقرآن أو باجتهاد النبي ﷺ ، والذي ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن، فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال: إن القرآن ينسخ السنة، وهو قول أكثر الأصوليين المتأخرين، والقول الثاني وبه قال الشافعي وآخرون لا يجوز أن ينسخ القرآن السنة، لأن السنة مبينة للكتاب فكيف ينسخها؟ وهؤلاء يقولون: لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة، بل كان بوحي، قال تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية، وفي تحرير القول بالمدة التي استقبل بها بيت المقدس في المدينة
стр. 1367
قال الحافظ ابن حجر: وقع الشك في الرواية الثانية، وفي الرواية الأولى وبعض الروايات "ستة عشر" من غير شك، ووقع في بعض الروايات "سبعة عشر شهرًا من غير شك، والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر شهرًا عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك. وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - جواز النسخ ووقوعه.
٢ - وفيه قبول خبر الواحد.
٣ - وفيه دليل على أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه. قال النووي: فإن قيل: هذا نسخ لمقطوع به بخبر الواحد، وذلك ممتنع عند أهل الأصول؟ فالجواب أنه احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم، وخرج عن كونه خبر واحد مجردًا، اهـ.
٤ - وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين، وهذا هو الصحيح عند الشافعية، فمن صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى، حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت صلاته على الأصح، لأن أهل هذا المسجد المذكور في الحديث استداروا في صلاتهم واستقبلوا الكعبة ولم يستأنفوها وبهذا قال أحمد وجمهور العلماء.
٥ - وفيه جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها.
٦ - وفيه أن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يضر صلاته.
٧ - وفيه أن ما يؤمر به النبي ﷺ يلزم أمته.
٨ - وفيه أن العمل الذي هو في مصلحة الصلاة لا يضر الصلاة، لأن التحول وتغيير الصفوف وانتقال النساء أعمال كثيرة، وقيل: يحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، ويحتمل أن يكون قد اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة.
واللَّه أعلم
стр. 1368
(١٩٧) باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد
١٠٠١ - عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول اللَّه ﷺ فقال رسول الله ﷺ "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة".
١٠٠٢ - عن عائشة ﵂ أنهم تذاكروا عند رسول الله ﷺ في مرضه فذكرت أم سلمة وأم حبيبة كنيسة ثم ذكر نحوه.
١٠٠٣ - عن عائشة ﵂ قالت: ذكرن أزواج النبي ﷺ كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية بمثل حديثهم.
١٠٠٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت فلولا ذاك أبرز قبره. غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. وفي رواية ابن أبي شيبة: ولولا ذاك لم يذكر: قالت.
١٠٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "قاتل اللَّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
١٠٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
стр. 1369
١٠٠٧ - عن عائشة ﵂ وعبد الله بن عباس ﵄ قالا لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه. فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال وهو كذلك "لعنة اللَّه على اليهود والنصارى. اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا.
١٠٠٨ - عن جندب ﵁ قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك".
-[المعنى العام]-
مرض رسول اللَّه ﷺ مرضه الأخير، ولم يستطع أن يدور على نسائه كل واحدة منهن في ليلة، ورغب أن يمرض في بيت من بيوتهن، وأحب البيوت إليه بيت عائشة ولكن كيف يحصل على موافقة الأزواج على أن يمرض في بيت عائشة؟ فكان يسأل: أين أنا غدًا؟ أين أبيت غدًا؟ في بيت من سأكون غدًا، وفهم أمهات المؤمنين أنه ﷺ يسأل عن ليلة عائشة ويتشوف إلى بيت عائشة فأذن له أن يمرض في بيتها، ويجتمعن عنده ﷺ في كل يوم.
وكانت أم حبيبة وأم سلمة قد هاجرتا إلى الحبشة فيمن هاجر، ورأتا في الحبشة في كنيسة تسمى "مارية" تماثيل مصورة يسجد عندها الناس على أنها معبودات أو على أنها رمز لصالحين عابدين، يرجى خيرهم ونفعهم، رأتا كيف يقدس الناس هذه التماثيل في الكنيسة وكيف يركعون لها، ولا شك أنهما وبقية أمهات المؤمنين يفترضون وفاة النبي ﷺ في مرضه، وقد خطر في نفس كل منهن ولا ريب النهاية والمصير، وقد خطر في نفوسهن ما يصير إليه الأمر بعده، وكيف يكون قبره؟ وكيف يصبح مسجده؟ .
وبرزت صورة ما كان في الكنيسة من تماثيل في مخيلة أم حبيبة وأم سلمة، فقامت إحداهن تروي ما رأت والأخرى تؤمن على ما تقول: قالت يا رسول اللَّه، رأينا ونحن بالحبشة في كنيسة
стр. 1370
تسمى مارية تماثيل كثيرة تمثل أشخاصًا وتصورهم كأنهم أجساد بشرية أحياء، ورأينا الناس يعظمونها ويقدسونها ويسجدون عندها.
وكان في عرض هذه الواقعة تنبيه لرسول اللَّه ﷺ خشي على إثره أن يحدث معه بعد موته ما حدث مع غيره، فقال ﷺ لعن اللَّه اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم النبي أو الرجل الصالح بنوا على قبره كنيسة يجتمع إليها الناس، وصوروا فيها هذه الصور تقديسًا وتعظيمًا ولتكون ذكرى للصلاح ليقتدوا بهم، فلما طال عليهم الزمن سول لهم الشيطان أن أجدادهم كانوا يعبدون هذه التماثيل فعبدوها. ألا وإني أنهاكم أن يتخذ قبري مسجدًا، ألا وإني أنهاكم أن تصور بعدي عند قبري الصور والتماثيل. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
ولم يفتأ رسول اللَّه ﷺ طيلة مرضه يحذر الناس من مثل هذا الفعل، فكلما هدأت حرارة الحمى غطى وجهه ﷺ يفكر ويستعد للقاء ربه، وكلما اشتدت حرارتها كشف عن وجهه ليبرد الحرارة بالماء، فإذا رأى بعض الصحابة بجواره حذرهم من اتخاذ قبره مسجدًا، وحذرهم من تقديسه بعد موته، يقول: إن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا لا تتخذوا قبري مسجدًا. إني أنهاكم عن ذلك وأبرأ إلى اللَّه من فعل يزيد في تقديسي، ثم أشار إلى الخلافة من بعده فقال: إن اللَّه قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. فصلى اللَّه وسلم عليه، بلغ الأمانة وأدى الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة فجزاه اللَّه خيرًا.
-[المباحث العربية]-
(أم حبيبة) أم المؤمنين، واسمها رملة بنت أبي سفيان، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد اللَّه بن جحش فتوفي هناك، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي في الحبشة سنة ست من الهجرة، وكان النجاشي قد أمهرها من عنده عن رسول اللَّه ﷺ وبعثها إليه.
(أم سلمة) أم المؤمنين هند بنت أبي أمية المخزومي، هاجر بها أبو سلمة إلى الحبشة، فلما رجعا إلى المدينة مات زوجها، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ .
(ذكرتا كنيسة) "ذكرتا" كذا لأكثر الرواة بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة وأم سلمة، والظاهر أن إحداهما ذكرت والأخرى أمنت فنسب الذكر إليهما، وفي رواية "ذكرا"، وهو خلاف الأصل والأظهر أنه من النساخ، والكنيسة معبد النصارى، وفي الرواية الثالثة "يقال لها: مارية" بكسر الراء وتخفيف الياء التحتية، قال العيني: والمارية بتخفيف الياء البقرة.
(رأينها بالحبشة) بصيغة جمع المؤنث من الماضي، أي هما ومن كان معهما. وفي رواية "رأتاها" على الأصل بضمير التثنية.
следующие страницы →