Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
(وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها) قال النووي: روى "فاستقبلوها" بكسر الباء وفتحها والكسر أصح وأشهر، وهو الذي يقتضيه الكلام بعده، اهـ. فالكسر على صيغة الأمر، والآمر الرجل الآتي لهم من مسجد الرسول ﷺ ، ويؤيده رواية البخاري في التفسير "ألا فاستقبلوها" وفتح الباء رواية الأكثر فعل ماض، يحكي الراوي استجابتهم وتنفيذهم للتشريع، والفاعل يصح أن يقصد به الرسول ﷺ وأصحابه، ويصح أن يقصد به أهل قباء.
(وكانت وجوههم إلى الشام) هو من كلام ابن عمر، لا من كلام الرجل المخبر.
(فاستداروا إلى الكعبة) وقد وقع بيان كيفية التحول في بعض الروايات، وفيها، "فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء" قال الحافظ: وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد، لأن من استقبل الكعبة في المدينة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار في مكانه لم يكن خلفه الصفوف.
(في صلاة الغداة) صلاة الصبح.
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة لكن أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس "كان النبي ﷺ يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون ﷺ قد أمر لما هاجر بأن يستمر على الصلاة لبيت المقدس. وأخرج الطبراني من طريق ابن جريج قال: صلى النبي ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه اللَّه إلى الكعبة.
وما رواه الطبراني لا يتنافى مع ما رواه أحمد لجواز أن يكون الاستقبال بدأ إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس فحدث ابن عباس عن الحالة الثانية:
قال الحافظ ابن حجر: وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس، ثم نسخ قال: وهذا ضعيف، والأول أصح لأنه جمع بين القولين. اهـ.
واختلف العلماء في أن استقبال بيت المقدس هل كان ثابتًا بالقرآن أو باجتهاد النبي ﷺ ، والذي ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن، فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال: إن القرآن ينسخ السنة، وهو قول أكثر الأصوليين المتأخرين، والقول الثاني وبه قال الشافعي وآخرون لا يجوز أن ينسخ القرآن السنة، لأن السنة مبينة للكتاب فكيف ينسخها؟ وهؤلاء يقولون: لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة، بل كان بوحي، قال تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية، وفي تحرير القول بالمدة التي استقبل بها بيت المقدس في المدينة
стр. 1367
قال الحافظ ابن حجر: وقع الشك في الرواية الثانية، وفي الرواية الأولى وبعض الروايات "ستة عشر" من غير شك، ووقع في بعض الروايات "سبعة عشر شهرًا من غير شك، والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر شهرًا عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك. وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - جواز النسخ ووقوعه.
٢ - وفيه قبول خبر الواحد.
٣ - وفيه دليل على أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه. قال النووي: فإن قيل: هذا نسخ لمقطوع به بخبر الواحد، وذلك ممتنع عند أهل الأصول؟ فالجواب أنه احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم، وخرج عن كونه خبر واحد مجردًا، اهـ.
٤ - وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين، وهذا هو الصحيح عند الشافعية، فمن صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى، حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت صلاته على الأصح، لأن أهل هذا المسجد المذكور في الحديث استداروا في صلاتهم واستقبلوا الكعبة ولم يستأنفوها وبهذا قال أحمد وجمهور العلماء.
٥ - وفيه جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها.
٦ - وفيه أن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يضر صلاته.
٧ - وفيه أن ما يؤمر به النبي ﷺ يلزم أمته.
٨ - وفيه أن العمل الذي هو في مصلحة الصلاة لا يضر الصلاة، لأن التحول وتغيير الصفوف وانتقال النساء أعمال كثيرة، وقيل: يحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، ويحتمل أن يكون قد اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة.
واللَّه أعلم
стр. 1368
(١٩٧) باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد
١٠٠١ - عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول اللَّه ﷺ فقال رسول الله ﷺ "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة".
١٠٠٢ - عن عائشة ﵂ أنهم تذاكروا عند رسول الله ﷺ في مرضه فذكرت أم سلمة وأم حبيبة كنيسة ثم ذكر نحوه.
١٠٠٣ - عن عائشة ﵂ قالت: ذكرن أزواج النبي ﷺ كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية بمثل حديثهم.
١٠٠٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت فلولا ذاك أبرز قبره. غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. وفي رواية ابن أبي شيبة: ولولا ذاك لم يذكر: قالت.
١٠٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "قاتل اللَّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
١٠٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
стр. 1369
١٠٠٧ - عن عائشة ﵂ وعبد الله بن عباس ﵄ قالا لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه. فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال وهو كذلك "لعنة اللَّه على اليهود والنصارى. اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا.
١٠٠٨ - عن جندب ﵁ قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك".
-[المعنى العام]-
مرض رسول اللَّه ﷺ مرضه الأخير، ولم يستطع أن يدور على نسائه كل واحدة منهن في ليلة، ورغب أن يمرض في بيت من بيوتهن، وأحب البيوت إليه بيت عائشة ولكن كيف يحصل على موافقة الأزواج على أن يمرض في بيت عائشة؟ فكان يسأل: أين أنا غدًا؟ أين أبيت غدًا؟ في بيت من سأكون غدًا، وفهم أمهات المؤمنين أنه ﷺ يسأل عن ليلة عائشة ويتشوف إلى بيت عائشة فأذن له أن يمرض في بيتها، ويجتمعن عنده ﷺ في كل يوم.
وكانت أم حبيبة وأم سلمة قد هاجرتا إلى الحبشة فيمن هاجر، ورأتا في الحبشة في كنيسة تسمى "مارية" تماثيل مصورة يسجد عندها الناس على أنها معبودات أو على أنها رمز لصالحين عابدين، يرجى خيرهم ونفعهم، رأتا كيف يقدس الناس هذه التماثيل في الكنيسة وكيف يركعون لها، ولا شك أنهما وبقية أمهات المؤمنين يفترضون وفاة النبي ﷺ في مرضه، وقد خطر في نفس كل منهن ولا ريب النهاية والمصير، وقد خطر في نفوسهن ما يصير إليه الأمر بعده، وكيف يكون قبره؟ وكيف يصبح مسجده؟ .
وبرزت صورة ما كان في الكنيسة من تماثيل في مخيلة أم حبيبة وأم سلمة، فقامت إحداهن تروي ما رأت والأخرى تؤمن على ما تقول: قالت يا رسول اللَّه، رأينا ونحن بالحبشة في كنيسة
стр. 1370
تسمى مارية تماثيل كثيرة تمثل أشخاصًا وتصورهم كأنهم أجساد بشرية أحياء، ورأينا الناس يعظمونها ويقدسونها ويسجدون عندها.
وكان في عرض هذه الواقعة تنبيه لرسول اللَّه ﷺ خشي على إثره أن يحدث معه بعد موته ما حدث مع غيره، فقال ﷺ لعن اللَّه اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم النبي أو الرجل الصالح بنوا على قبره كنيسة يجتمع إليها الناس، وصوروا فيها هذه الصور تقديسًا وتعظيمًا ولتكون ذكرى للصلاح ليقتدوا بهم، فلما طال عليهم الزمن سول لهم الشيطان أن أجدادهم كانوا يعبدون هذه التماثيل فعبدوها. ألا وإني أنهاكم أن يتخذ قبري مسجدًا، ألا وإني أنهاكم أن تصور بعدي عند قبري الصور والتماثيل. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
ولم يفتأ رسول اللَّه ﷺ طيلة مرضه يحذر الناس من مثل هذا الفعل، فكلما هدأت حرارة الحمى غطى وجهه ﷺ يفكر ويستعد للقاء ربه، وكلما اشتدت حرارتها كشف عن وجهه ليبرد الحرارة بالماء، فإذا رأى بعض الصحابة بجواره حذرهم من اتخاذ قبره مسجدًا، وحذرهم من تقديسه بعد موته، يقول: إن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا لا تتخذوا قبري مسجدًا. إني أنهاكم عن ذلك وأبرأ إلى اللَّه من فعل يزيد في تقديسي، ثم أشار إلى الخلافة من بعده فقال: إن اللَّه قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. فصلى اللَّه وسلم عليه، بلغ الأمانة وأدى الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة فجزاه اللَّه خيرًا.
-[المباحث العربية]-
(أم حبيبة) أم المؤمنين، واسمها رملة بنت أبي سفيان، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد اللَّه بن جحش فتوفي هناك، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي في الحبشة سنة ست من الهجرة، وكان النجاشي قد أمهرها من عنده عن رسول اللَّه ﷺ وبعثها إليه.
(أم سلمة) أم المؤمنين هند بنت أبي أمية المخزومي، هاجر بها أبو سلمة إلى الحبشة، فلما رجعا إلى المدينة مات زوجها، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ .
(ذكرتا كنيسة) "ذكرتا" كذا لأكثر الرواة بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة وأم سلمة، والظاهر أن إحداهما ذكرت والأخرى أمنت فنسب الذكر إليهما، وفي رواية "ذكرا"، وهو خلاف الأصل والأظهر أنه من النساخ، والكنيسة معبد النصارى، وفي الرواية الثالثة "يقال لها: مارية" بكسر الراء وتخفيف الياء التحتية، قال العيني: والمارية بتخفيف الياء البقرة.
(رأينها بالحبشة) بصيغة جمع المؤنث من الماضي، أي هما ومن كان معهما. وفي رواية "رأتاها" على الأصل بضمير التثنية.
стр. 1371
(فيها تصاوير) المراد من التصاوير هنا التماثيل.
(إن أولئك) بكسر الكاف، ويجوز فتحها.
(بنوا على قبره مسجدًا) معبد النصارى يسمى بيعة بكسر الباء وكنيسة، فالتعبير عنه بمسجد أي مكان سجود، وليس المراد المسجد المعروف للمسلمين.
(وصوروا فيه تلك الصور) وفي رواية "تيك الصور"، والكاف فيها الكسر والفتح.
(أولئك شرار الخلق) الشرار بكسر الشين جمع الشر كالخيار جمع الخير والبحار جمع البحر، وأما الأشرار فقيل واحدها شر أيضًا، وقيل شرير كيتيم وأيتام.
(ذكرن أزواج النبي ﷺ كنيسة) قال النووي: هكذا ضبطناه "ذكرن" بالنون، وفي بعض الأصول "ذكرت بالتاء، والأول أشهر، وهو جائز على تلك اللغة القليلة لغة أكلوني البراغيت، ومنها "يتعاقبون فيكم ملائكة" اهـ.
(لعن اللَّه اليهود والنصارى. اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) "اتخذوا" جملة مستأنفة على سبيل البيان لموجب اللعن: كأن سائلاً سأل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب "اتخذوا" وقد استشكل ذكر النصارى في الحديث مع أنهم ليس لهم نبي بين عيسى والرسول ﷺ غير عيسى ﵇ وليس له قبر، وأجيب عنه بأنه كان فيهم أنبياء لكنهم غير مرسلين كالحواريين ومريم في قول، وكالثلاثة الذين أرسلوا إلى إنطاكية وجاء ذكرهم في سورة يس ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما ... ﴾ [يس: ١٤] الآية. على أن الرواية الأولى وفيها "إذا كان فيهم الرجل الصالح" والثامنة وفيها "اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم" ترفع الإشكال، وتحمل هذه الرواية عليهما.
(غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا) قال النووي: ضبطناه "خشي" بضم الخاء وفتحها، وهما صحيحان.
(قاتل اللَّه اليهود) أي قتلهم، فهو دعاء بالقتل، و"فاعل" يأتي بمعنى فعل، ويقال: معناه لعنهم اللَّه، ويقال: عاداهم اللَّه، ويقال: القتال هنا عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤداه ومؤدى اللعن واحد، وإنما خص اليهود هنا بالذكر بخلاف ما تقدم لأنهم أسسوا هذا الاتخاذ وابتدءوا به، فهم أظلم، أو لأنهم أشد غلوًا فيه.
(لما نزلت برسول اللَّه ﷺ هكذا هو في أكثر الأصول "نزلت" بفتح الحروف الثلاثة، وبتاء التأنيث، أي لما حضرت الميتة والوفاة، ولم يسبق لها ذكر اعتمادًا على العهد الذهني. وفي بعض الروايات "نزل" قال النووي: ضبطناه بضم النون وكسر الزاي بالبناء للمجهول، وفي رواية لأبي ذر "نزل" بالبناء للمعلوم، فالفاعل محذوف اعتمادًا على العهد الذهني. أي الموت أو ملك الموت.
стр. 1372
(طفق يطرح خميصة له على وجهه) "طفق" جواب "لما" وهو من أفعال المقاربة، ويدل على الشروع في الخبر، ويعمل عمل "كان" إلا أن خبره يجب أن يكون جملة وهو من باب ضرب وعلم، والثاني أشهر وأفصح، وبه جاء القرآن، والخميصة كساء له أعلام سوداء مربعة.
(فإذا اغتم كشفها عن وجهه) أي إذا تسخن وحمى، ولعله كان في وقت هدوء الآلام يغطي وجهه ليشتغل بنفسه وما يستقبله وما يفكر فيه من نصائح أخيرة لأمته، فإذا ملأته الحمى بحرارتها وشدتها كشف وجهه يتنسم الراحة في الهواء.
(فقال - وهو كذلك) "وهو كذلك" جملة معترضة من كلام الراوي بين القول والمقول، أي قال وهو على هذه الحال - حال الطرح والكشف - وهدف ذكر هذه الصفة الإشعار بأهمية هذا الأمر حيث لا يشتغل الإنسان في شدة البلوى إلا بعظائم الأمور. وقال الحافظ ابن حجر: وفائدة التنصيص على زمن النهي وأنه كان في مرض موته وقبل أن يتوفى بخمس الإشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ، لكونه صدر في آخر حياته.
(يحذر ما صنعوا) "يحذر" ينصب مفعولين. قال تعالى ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨] فالمفعول الأول هنا محذوف، أي يحذر الرسول المسلمين ما صنع هؤلاء، والجملة مستأنفة، وهي من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بذلك.
(قبل أن يموت بخمس) أي بخمس ليال.
(إني أبرأ إلى اللَّه أن يكون لي منكم خليل) أي أمتنع من هذا وأنكره. والخليل هو المنقطع إليه، وقيل: المختص بشيء دون غيره، قيل: مشتق من الخلة بفتح الخاء، وهي الحاجة، وقيل من الخلة بضم الخاء، وهي تخلل المودة في القلب، ينفي ﷺ أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير اللَّه تعالى، وقيل: الخليل من لا يتسع القلب لغيره، قاله الإمام النووي في شرح مسلم.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: إنما بنى الأوائل على قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وصوروا صورهم فيها ليأتنسوا برؤية تلك الصور، ويتذاكروا أحوالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدًا للذريعة المؤدية إلى ذلك. اهـ.
وظاهر كلام الحافظ أن الخوف الحقيقي منشؤه الصور والتماثيل وليس بناء المساجد على القبور، على معنى أنه لو وضعت هذه التماثيل على القبور من غير مساجد، أو على أماكن أخرى غير
стр. 1373
القبور، كما كانت على الصفا والمروة، أو في البيوت والنوادي لكان النهي، لأن المحذور المخيف هو التماثيل وبالتالي بناء المسجد على القبر بدون التصاوير لا يؤدي إلى هذا المحذور، وبالتالي يحذر النبي ﷺ أن يفعل معه بعد موته مثل ما صنع مع أنبياء اليهود من تصويره ﷺ .
وقد يؤيد هذا الاتجاه أن عمر ﵁ لما قدم الشام ودعي إلى الكنيسة قال: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الثماثيل التي فيها الصور، وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. ذكر ذلك البخاري ولم يبحث أي منهما ولم يبن فعله على كون الكنيسة بها قبر أو لا.
لكن الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة أوعدت باللعن والقتل لاتخاذهم القبور مساجد دون ذكر للتماثيل والصور مما يفيد أن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد معرض للعن والطرد من رحمة اللَّه، ومما لا شك فيه أنهم لم يكونوا يتخذون القبر وحده مسجدًا بل كان القبر جزء مسجد، وعلى ذلك فلا فرق بين أن يكون القبر في زاوية من المسجد أو في وسطه غاية الأمر أن الحرمة تشتد، والجرم يعظم إذا جعل القبر في القبلة بحيث يستقبله المصلون، وكذا لا فرق بين أن يسبق بناء المسجد أو العكس، فكل من الوضعين في النهاية يؤدي إلى تعظيم صاحب القبر مما يهدد مستقبلاً بالمحظور، وإذا كانت العلة في المنع أن يؤدي إلى تعظيم وتقديس صاحب القبر مما يؤدي إلى عبادته أو إلى احتمال عبادته ولو بنسبة واحد في الألف كان ممنوعًا، كذلك كل مظهر من مظاهر التعظيم كبناء القبة والمقام ولو بغير مسجد استصحابًا للعلة وإغلاقًا لباب الفتنة وسدًا للذرائع. واللَّه أعلم.
ومن المعلوم أن رسول اللَّه ﷺ قد دفن بحجرة عائشة هو وصاحباه، وكانت خارجة عن المسجد، ولما احتاج الصحابة رضوان اللَّه عليهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللَّه ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة ﵂ بنوا على القبر حوائط مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويؤدي للمحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره ﷺ .
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب.
٢ - وجوب بيان حكم ذلك على العالم به.
٣ - ذم فاعل المحرمات.
٤ - أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.
٥ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وبناء المساجد على القبور، ومقتضاه التحريم، حيث ثبت اللعن عليه، وذهب الشافعي وأصحابه إلى القول بالكراهة. وقال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها
стр. 1374
أوثانًا لعنهم النبي ﷺ ، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور. اهـ. هذا وليس معنى عدم دخوله في الوعيد المذكور عدم حرمته أو عدم كراهته، بل بعده عن أن يكون من الكبائر، حيث قيل في تحديدها: ما أنذر فيها بلعن أو بوعيد شديد. واللَّه أعلم.
٦ - وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، قال الحافظ ابن حجر: وقد حمل بعضهم الوعيد على ما كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا: وقد أطنب ابن دقيق العيد في رد ذلك.
واللَّه أعلم
стр. 1375
(١٩٨) باب فضل بناء المساجد والحث عليها
١٠٠٩ - عن عثمان بن عفان ﵁ عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول ﷺ إنكم قد أكثرتم وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من بنى مسجدًا لله تعالى (قال بكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله) بنى الله له بيتًا في الجنة" وقال ابن عيسى في روايته "مثله في الجنة".
١٠١٠ - عَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ فأحبوا من يدعه على هيئته فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول "من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثله".
-[المعنى العام]-
بنى رسول الله ﷺ مسجده بالمدينة كما سبق، من اللبن وسقفه بجريد النخل وجعل أعمدته جذوع النخل وارتفاع حوائطه قامة أو تزيد، وظل المسجد كذلك في عهد أبي بكر، وفي عهد عمر رأى الجريد قد نخر وتساقط، والحوائط قد تهشمت فأعاد بناءه على الهيئة التي بناه عليها رسول اللَّه ﷺ باللبن وجريد النخل، غير أنه زاد في سعته حيث دعت الضرورة إلى هذه الزيادة، وفي عهد عثمان وفي سنة ثلاثين من الهجرة فكر عثمان في إعادة بناء المسجد، وكان التقدم العمراني غير ما سبق، فاتصال المسلمين بالفرس والروم وكثرة الأموال حدًا بالمسلمين إلى عمران آخر في بيوتهم يستغلون فيه الحجارة بأنواعها والجص والألوان والأخشاب الثمينة، ورأى عثمان أن المسجد ينبغي أن يساير التقدم البنائي، وأن يكون بآلات حديثة كالحجارة والأخشاب لما لها من طول بقاء وحسن منظر وهيبة وجلال، فجلب للمسجد نوعًا مشهورًا من الخشب يسمى بالساج، جلبه من بلاد الهند ليسقف المسجد به، وجلب أنواعًا جيدة من الحجارة المنقوشة ليبني بها حوائطه، ويقيم بها أعمدته، وجلب القصة والجص والجير ليطلي به البناء بعد تمامه، وشعر بعض المسلمين أن في هذا التغيير الشكلي لبناء المسجد إسرافًا لا داعي له، وأن إعادة بنائه بالوضع السابق يذكر الناس بما كان عليه رسول الله ﷺ وصاحباه من الزهد والتقشف وخصوصًا في وقت وأماكن العبادة، وخشوا أن يفتح هذا العمل باب التنافس في المظاهر وفي عمارة المساجد على حساب التنافس في البواطن والإيمان والعبادة وفي عمارة المساجد بالورود عليها والإقبال والإقامة.
стр. 1376
هذه المخاوف دفعت الكثير من الصحابة أن ينتقد عثمان ﵁ في هذا العزم ويحاول إثناءه عن تنفيذه، لكن الخليفة الثالث كان مقتنعًا فروى للقوم حديث رسول الله ﷺ من بنى وشيد مسجدًا يصلي فيه الناس يبتغي بهذا العمل وجه الله ومرضاته بنى الله له بيتًا مثله في الجنة، ورضي كثير من الصحابة وأقروا عثمان على عزمه ووافقوه، ولم تبق المعارضة طويلاً، وتم لعثمان ما قصد، وبنى المسجد النبوي بناء متينًا كريمًا. جزاه الله خير الجزاء ورضي عن الصحابة أجمعين، لقاء حرصهم على تعاليم الشرع ودفاعهم ضد ما يمس الإسلام.
-[المباحث العربية]-
(عند قول الناس فيه) أي في عثمان، وذلك أن بعضهم أنكر عليه تغييره بناء المسجد وتكلموا في عثمان يخطئونه ويلومونه، والجار والمجرور "عند قول الناس فيه" متعلق بقال المحذوفة أي قال عثمان في هذه الحالة.
(حين بنى مسجد الرسول ﷺ في الكلام مجاز المشارفة، أي حين أراد أن يبني، لأن النقد والإنكار توجه إليه حين خطط للبناء وأعد أدواته قبل أن يبني، ويوضح ذلك ما جاء في الرواية الثانية، أن عثمان أراد بناء المسجد فكره الناس" قال البغوي في شرح السنة: لعل الذي كرهه الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة لا مجرد توسيعه. اهـ. ولم يبن عثمان المسجد إنشاء، وإنما وسعه وشيده، فيؤخذ منه إطلاق البناء في حق من جدده كما يطلق في حق من أنشأه أو المراد بالمسجد هنا بعض المسجد من إطلاق الكل على البعض.
(إنكم قد أكثرتم) هذا مقول عثمان، ومفعول "أكثرتم" محذوف تقديره أكثرتم الكلام والإنكار على فعلي.
(من بنى مسجدًا لله) التنكير فيه للشيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير، ووقع عند الترمذي، "صغيرًا أو كبيرًا" والمراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، ويمكن أن يراد به موضع السجود وهو ما يسع الجبهة، لكن قوله "بنى" يشعر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده رواية "من بنى لله بيتًا" ويؤيد الثاني رواية "ولو كمفحص قطاة" والقطاة طائر صغير ومفحصه وعشه الذي يضع فيه البيض قدر مكان سجود الجبهة. وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة في فقه الحديث.
(قال الراوي: حسبت أنه قال يبتغي به وجه اللَّه) أصل السند: "عن بكير بضم الباء أن عاصم بن عمر بن قتادة حدثه أنه سمع عبد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان يقول .... " قال الحافظ ابن حجر: قال بكير: حسبت أنه أي شيخه عاصمًا قال: يبتغي به وجه الله. أي يطلب به رضا الله، والمعنى بذلك الإخلاص، وهذه الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث ولم أرها إلا من طريقه
стр. 1377
هكذا كأنها ليست في الحديث بلفظها، فإن كل من روى حديث عثمان من جميع الطرق إليه لفظهم "من بنى لله مسجدًا" فكأن بكيرًا نسيها فذكر بالمعنى مترددًا في اللفظ الذي ظنه، فإن قوله "لله" بمعنى قوله "يبتغي به وجه الله" لاشتراكهما في المعنى المراد وهو الإخلاص.
(بنى الله له بيتًا في الجنة) إسناد البناء إلى الله تعالى مجاز قطعًا، وإبراز الفاعل فيه لتعظيم ذكره جل اسمه، و"في الجنة" يتعلق ببنى.
(بنى الله له بيتًا مثله في الجنة) لا شك أن المماثلة لا يقصد منها المساواة من كل وجه، إذ موضع شبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها، وبناء الجنة من در وياقوت وسعة الملك فيها مد البصر، ولهذا يكاد العلماء يتفقون أن المماثلة في الكم غير مرادة، واختلفوا في التوجيه على أقوال شتى، فمن قائل: مثله في الجودة والحصانة وطول البقاء، ومن قائل: مثله في مسمى البيت. وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومن قائل مثله أي مثل فضله أي بمقدار فضل المسجد على بيوت الدنيا يكون فضل البيت الذي يجزى به على بيوت الجنة إلى آخر ما قالوا.
ولعل المماثلة في أصل الصفات لا في مقدارها، فالمسجد الواسع يجازى ببيت واسع وليس في مقدار السعة، والمسجد المشيد يجازى ببيت مشيد بقطع النظر عن ماهية ومدى التشييد، والمسجد في موقع يحتاج إليه ويؤمه الكثيرون يجازى ببيت يتطلع إليه أهل الجنة ويغبطونه عليه. وهكذا، استنبط هذا الفهم من قول بعض شراح الترمذي: يحتمل أنه أراد أن ينبه بقوله "مثله" على الحض على المبالغة في إرادة الانتفاع به في الدنيا في كونه ينفع المصلين ويكنهم عن الحر والبرد، ويكون في مكان يحتاج إليه ويكثر الانتفاع به، ليقابل الانتفاع به في الدنيا انتفاعه هو بما يبنى له في الجنة، اهـ وهو كلام حسن.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - حرص الصحابة على الشريعة وحمايتهم لها وإنكارهم على ولي الأمر ما يرونه منكرًا لا يخشون في الله لومة لائم، وإذا عرفنا حال المسجد في عهد الرسول ﷺ وما زاده عليه عمر حيث لم نجد إنكارًا، عرفنا القدر الذي أنكر على عثمان ﵁.
بنى رسول الله ﷺ مسجده باللبن على أساس قليل من الحجارة، وجعل ارتفاع الجدار قامة وبسطة، أي قامة، وزيادة، وجعل طول الضلع مائة ذراع وأضلاعه متساوية، وجعل عمده من جذوع النخل، وسقفه من جريد النخل، مما يمنع الشمس ولا يقي من المطر، حتى رأيناه ﷺ ليلة القدر يسجد في ماء وطين، ولم يغير فيه أبو بكر شيئًا فقد كانت مدة خلافته قصيرة
стр. 1378
وكان مشغولاً بحروب الردة، فلما كان عمر وكثر الناس أعاد بناءه على بنيانه ﷺ باللبن وبالارتفاع وغير جريد السقف المتآكل بجريد جديد وبدل جذوع النخل المتآكلة التي كانت عمدًا بعمد من خشب، وزاد فيه ووسعه طولاً وعرضًا، فكانت الهيئة التي تم عليها بناء عمر مشابهة للهيئة التي بناها رسول الله ﷺ ، لا تكاد تفترق إلا في السعة.
وفي عهد عثمان كان بناء عمر قد تداعى، جريد النخل نخر، واللبن تهدم بالأمطار والرياح وعوامل الزمن، ورأى عثمان أن الناس قد غيروا بناء بيوتهم جريًا على سنة التطور وسعة الرزق، فجلب لبناء المسجد حجارة منقوشة ليبني بها الحوائط والأعمدة، وعزم على رفع البناء ليتمشى مع ارتفاع البيوت وأحضر له القصة وهي الجص (الجير أو المصيص) ليطلي به الجدران بعد البناء وجلب من الهند خشبًا خاصًا يسمى بالساج للسقف، وعزم على الزيادة في المسجد زيادة كبيرة، من هنا يتضح أن الإنكار لم يتوجه إلى إعادة البناء ولا إلى التوسع وإنما توجه إلى الغلو في الآلات وعدم القصد في البنيان.
٢ - محاولة الحاكم إقناع المحكومين بوجهة نظره مع استمساكه بشرع الله ولم أر فيما قرأت من شفى غلتي في مطابقة رد عثمان للإنكار، وكيف صلح ردًا مقنعًا؟ هم ينكرون الغلو ولا ينكرون البناء وفضله، وعثمان يدلل على فضل البناء، فكيف التقى الرد مع الإنكار؟ .
ولو أننا تعلقنا بالمثلية الواردة في بعض الروايات كالرواية الثانية في حديثنا وأن المماثلة في التشييد والمغالاة لتنافس المسلمون في ذلك بدرجة لا يقول بها أحد من العلماء، ويبدو لي أن عثمان ﵁ أقنع الناس بما لم يذكر في الحديث لعله قال لهم: إن عمر الحجارة يفوق بكثير عمر اللبن، وأن خشب الساج يفوق متانة الجريد، فطول البناء بهما يعادل زيادة تكاليفهما، على أن زيادة التكاليف في تلك الأيام لم تكن ليحسب عند القوم حسابها، فقد امتلأت خزائن الدولة وخزائن الناس بما يستهان معه بهذه النفقات، لعله قال لهم: إن المسجد يجب أن يجد المصلي فيه راحته وأمنه من الحر والبرد ليتفرغ قلبه ومشاعره للتوجه إلى الله تعالى، لعله قال لهم أمثال ذلك مما يقنع فمما لا شك فيه أن القوم اقتنعوا بفعل عثمان، أو اقتنع أكثرهم على الأقل، وإلا ما فعل ﵁ ما فعل.
٣ - وفيه إنكار زخرفة المسجد، فإن الصحابة إذا كانوا قد أنكروا التشييد بالخشب والجص مع فائدتهما للمصلي، فإن الإنكار للزخرفة لا شك فيه لعدم وجود الفائدة، بل للإضرار بالخشوع ولانشغال المصلي بها ومن ذلك الزركشة بالألوان المختلفة وكتابة الآيات والأحاديث على الجدران، وطلاء السقف بالنقوش المستوردة، كل ذلك بدع سيئة، أول من بدعها الوليد بن عبد الملك بن مروان في أواخر عصر الصحابة ﵃. قال الحافظ ابن حجر: وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة، وقال: ورخص في ذلك بعضهم - وهو قول أبي حنيفة - إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال، وقال ابن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونًا لها عن
стр. 1379
الاستهانة وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة فلا، لبقاء العلة. اهـ
وقد حاول البدر العيني - وهو حنفي المذهب - أن يوهن من القول الذي نسب إلى أبي حنيفة فقال: مذهب أصحابنا أن ذلك مكروه، وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد معناه تركه أولى، ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذي يخرجه، سواء كان ناظرًا أو غيره، إما لاشتغال المصلي به، وإما لأنه إخراج المال في غير وجهه، اهـ
والحق أن المنع من الزخرفة للعلتين معًا، شغل المصلي ووضع المال في غير وجهه، وكلام ابن المنير مردود، فعدم الزخرفة لا يؤدي إلى الاستهانة، وما أكثر العمارات الخالية من الزخرفة المشيدة كأحسن تشييد وهي تدعو إلى التقدير والإعجاب والإكبار فلنشيد المساجد بما يغيظ الكفار وبما يريح المصلي ويحفظ عليه خشوعه وخضوعه ويحبب إليه المساجد وطول الإقامة فيها.
لقد كان عمر قادرًا على زخرفة المسجد، ولكنه قال للصانع: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، رواه البخاري. وقال ابن عباس لتزخرفن المساجد كما زخرفت اليهود كنائسهم والنصارى بيعهم، قال الخطابي: وإنما زخرفت اليهود والنصارى كنائسها وبيعها حين حرفت الكتب وبدلتها، فضيعوا الدين، وعرجوا على الزخارف والتزيين، وقال محي السنة: إنهم زخرفوا المساجد عندما بدلوا دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم: وسيصير أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتزيينها.
٤ - ويؤخذ من قوله "لله" أو "يبتغي به وجه الله" توقف الجزاء على الإخلاص، أما من يقصد ببناء المسجد المباهاة أو المراءاة فإن عمله محبط، وهل يدخل في ذلك من شهر مسجدًا باسمه، أو كتب اسمه عليه؟ يقول ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص.
٥ - ويؤخذ من قوله "من بنى" أن الجزاء المذكور مرتبط بالبناء، أما من جعل بقعة الأرض مسجدًا واكتفى بتحويطها من غير بناء، أو من عمد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجدًا فظاهر اللفظ أنه لا يستحق الجزاء المذكور، وإن استحق جزاء آخر. قال الحافظ ابن حجر: لكن لو نظرنا إلى المعنى والحكمة فنعم يحصل الجزاء نفسه، وهو المتجه، اهـ.
وهل يحصل الأجر نفسه من أمر بالبناء ولم يباشره؟ ومن أنفق على البناء؟ ومن اشترك فيه متطوعًا؟ ومن عمل فيه بأجر؟ ظاهر كلام العلماء أن الله يمنح هذا الأجر بواسع فضله لكل هؤلاء، فقد روى أصحاب السنن وابن خزيمة والحاكم من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة. صانعه المحتسب في صنعته [وهو أعم من أن يكون متطوعًا أو بأجرة مادام يقصد بذلك إعانة المجاهد] والرامي به، والممد به".
стр. 1380
٦ - ويؤخذ من قوله "مسجدًا" بالتنكير أن الثواب المذكور يحصل على المسجد الكبير والمسجد الصغير، وهو كذلك فقد جاء في بعض الروايات "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة" أي عش طائر صغير "بنى الله له بيتًا في الجنة" نعم حمل كثير من العلماء هذا التشبيه على المبالغة لا على حقيقته، إذ مفحص القطاة لا يتسع لوضع الجبهة لكنه على كل حال يشير إلى الصغر واستحقاق صاحبه الأجر المذكور، قال الحافظ ابن حجر: وقد شاهدنا كثيرًا من المساجد في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة وهي في غاية الصغر وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود، وروى البيهقي في الشعب من حديث عائشة نحو الحديث الذي معنا، وزاد "قلت وهذه المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم".
وهل يدخل معنا من أعد لنفسه في بيته مكانًا للصلاة فيه أو لا؟ الظاهر لا؛ لأن المقصود الحث على مكان يجمع الناس للصلاة، وإن كان فاعل ذلك يثاب ثوابًا آخر غير المذكور.
٧ - ويؤخذ من الحديث أن الجزاء في الآخرة من جنس العمل في الدنيا وقد سبق الكلام في المباحث العربية عن المماثلة الواردة في بعض الروايات.
٨ - وفي الحديث إشارة إلى أن فاعل ذلك يدخل الجنة، إذ المقصود بالبناء له أن يسكنه وهو لا يسكنه إلا إذا دخل الجنة.
واللَّه أعلم
стр. 1381
(١٩٩) باب وضع الأيدي على الركب في الركوع
١٠١١ - عن الأسود وعلقمة قالا أتينا عبد الله بن مسعود ﵁ في داره فقال أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا، قال فقوموا فصلوا فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال وذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، قال فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال فضرب أيدينا وطبق بين كفيه ثم أدخلهما بين فخذيه، قال فلما صلى قال إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه وليجنأ وليطبق بين كفيه فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ فأراهم.
١٠١٢ - عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله بمعنى حديث أبي معاوية وفي حديث ابن مسهر وجرير فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ وهو راكع.
١٠١٣ - عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله فقال أصلى من خلفكم؟ قال نعم. فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا ثم طبق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه فلما صلى قال هكذا فعل رسول الله ﷺ .
١٠١٤ - عن مصعب بن سعد قال صليت إلى جنب أبي قال وجعلت يدي بين ركبتي فقال لي أبي اضرب بكفيك على ركبتيك، قال ثم فعلت ذلك مرة أخرى فضرب يدي وقال إنا نهينا عن هذا وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب.
стр. 1382
١٠١٥ - عن أبي يعفور بهذا الإسناد إلى قوله فنهينا عنه ولم يذكرا ما بعده.
١٠١٦ - عن مصعب بن سعد قال ركعت فقلت بيدي هكذا يعني طبق بهما ووضعهما بين فخذيه فقال أبي قد كنا نفعل هذا ثم أمرنا بالركب.
١٠١٧ - عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: صليت إلى جنب أبي فلما ركعت شبكت أصابعي وجعلتهما بين ركبتي فضرب يدي، فلما صلى قال قد كنا نفعل هذا ثم أمرنا من نرفع إلى الركب.
-[المعنى العام]-
عبد الله بن مسعود إمام أهل الكوفة وقارئها، يجتمع به أصحابه يتداولون الشريعة ويأخذون عنه علومها، ويرجعون إليه في أمورهم المهمة.
رأى الأسود وعلقمة أن الجماعة لا تقام في المدينة وفي مسجد الجماعة في أول وقت الصلاة، وأن الأمير يتأخر فتتأخر الجماعة حتى قرب الوقت التالي، فقاما إلى بيت شيخهما عبد الله بن مسعود يشكوان إليه، فقال لهما أصلى القوم وصليتما؟ قالا: لا. لم يصل القوم ولم نصل، فقام يصلي بهما وأوقفهما حسبما يرى أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله مع أن السنة عند العلماء أن يقف الاثنان صفًا خلف الإمام، فلما ركع وضعا أكفهما على ركبهما حسب السنة المشروعة عن جمهور العلماء، لكن ابن مسعود يذهب مذهبًا آخر كان قبل أن ينسخ وهو تطبيق الكفين بعضهما على بعض ووضعهما أثناء الركوع بين الفخذين، فنزع ابن مسعود يدي صاحبيه من فوق الركب وأشار لهما بيديه وطبقهما ووضعهما بين فخذيه، فلما انتهوا من الصلاة قال لهما: هذه الهيئة من تطبيق اليدين ووضعهما بين الفخذين هي الهيئة التي رأيت رسول الله ﷺ يفعلها، وقال لهما: إذا تأخر الأمراء عن الصلاة في أول الوقت فصلوا لتنالوا فضيلة أول الوقت ثم صلوا معهم تحسب صلاتكم معهم نافلة.
ثم ساق مسلم حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص: وفيه أن تطبيق اليدين في الركوع قد نسخ وأن السنة هي وضع الأكف على الركب، وقد أخذ سعد بيدي ابنه مصعب المطبقتين أثناء الركوع ووضعهما على الركب، ولما انتهى من الصلاة قال له: كانت السنة التطبيق لكنا نهينا عنه وأمرنا بوضع الأكف على الركب، فرضي الله عن الصحابة حملة الشريعة الناشرين للسنة المعلمين لها ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 1383
-[المباحث العربية]-
(أصلى هؤلاء خلفكم) كان حقه أن يقول "خلفكما" لأن المخاطب اثنان والإشارة بهؤلاء إلى الأمير وأتباعه، والمعنى أصلى الأمير وأتباعه الذين هم خلفكم ومن ورائكم والذين تركتموهم وراءكم؟ .
(قال: قوموا فصلوا) كان من حقه أيضًا أن يقول "قوما فصليا" لأن الخطاب لهما أيضًا وسيصف أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله.
(قال: وذهبنا ... إلخ) كان الأصل أن يقول: "قالا" كما هو السابق لكنه هنا، وفيما بعد أفرد القائل، وهذا هو الأصل واحد يتكلم والآخر موافق فيسند القول إليهما، لكن المفروض أن يسير الأسلوب على وتيرة واحدة بالإفراد أو بالتثنية.
(فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا) في الكلام حذف اعتمادًا على المقام، والأصل: فلما ركع ركعنا ووضعنا أيدينا على ركبنا، والمراد من اليد الكف من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أي وضع كل كف على كل ركبة.
(وطبق بين كفيه) أي ألصق بطن الكف اليمنى ببطن الكف اليسرى.
(ثم أدخلهما بين فخذيه) أي أدخل كفيه الملصقتين بين رجليه، بين فخذيه قريبًا من ركبتيه.
(ستكون عليكم أمراء) أنث الفعل لأن الفاعل جمع تكسير، وهو جائز، والشائع التذكير. والظاهر أنه لم يقصد التسويف والمستقبل ويقصد الحال: أي عليكم أمراء يفعلون كذا وكذا لكنه استخدم أسلوب المستقبل سياسة وتقية.
(يؤخرون الصلاة عن ميقاتها) أي يؤخرونها عن وقتها المختار، وهو أول وقتها، لا عن جميع وقتها.
(ويخنقونها) بضم النون، أي يضيقون وقتها، ويؤخرون أداءها، يقال: هم في خناق من كذا أي في ضيق.
(إلى شرق الموتى) أي حالة تشبه حالة شرق الموتى، وشرق الموتى هي الفترة التي لا تبقى الموتى بعدها إلا يسيرًا. أي قرب خروج الروح، أي إلى قرب انتهاء وقت الصلاة.
(واجعلوا صلاتكم معهم سبحة) أي نافلة، أي صلوا قبلهم حفاظًا على وقت الصلاة ثم صلوا معهم، خوف الفتنة، وصلاتكم معهم تعتبر نافلة. وسيأتي الحكم في فقه الحديث.
стр. 1384
(وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا) أي جماعة في صف واحد. وهذا مخالف لما أجمعت عليه الأمة. وسيأتي الحكم في فقه الحديث.
(وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم) أي ليتقدم عليكم وتكونوا صفًا خلفه.
(وليجنأ) بفتح الياء وإسكان الجيم آخره همزة، ومعناه ولينعطف وليحن ظهره ولا يصلبه إلى أعلى، وضبطه كثير من الشيوخ "وليحن" بضم النون وكسرها، من حنا يحنو، وحنى يحني، ومعناهما الانعطاف والانحناء.
(فكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول اللَّه ﷺ فأراهم) كان حقه أن يقول "فأراها" ويقصد بهذه الجملة التوثيق بالرواية وأن الحالة التي يرويها وإن كانت غائبة فهي كالحاضرة، ولما كان نظر الشيء قد يكون عارضًا غير مستقيم في النفس لانشغالها بآخر عطف عليها الرؤية لإفادة الوثوق والاستقرار والتيقظ لما نظر. ومراده من اختلاف أصابعه ﷺ تطبيقها.
(فضرب يدي وقال) أي ضرب يدي في الصلاة، وقال بعد انتهاء الصلاة كما تصرح بذلك الرواية إذ لا يصح أن يقول ذلك في الصلاة.
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث إلى نقطتين أساسيتين جمهور العلماء على خلافهما.
الأولى تطبيق اليدين ووضعهما بين الفخذين في الركوع والثانية وضع الاثنين مع الإمام في صلاة الجماعة، وإلى نقط تابعة أخرى.
أما عن النقطة الأولى فيقول الإمام النووي: مذهبنا ومذهب العلماء كافة أن السنة وضع اليدين على الركبتين وكراهة التطبيق إلا ابن مسعود وصاحبيه علقمة والأسود، فإنهم يقولون: إن السنة التطبيق، لأنهم لم يبلغهم الناسخ، وهو رواية سعد بن أبي وقاص [وهو روايتنا الثالثة والرابعة والخامسة وما كان بينه وبين ابنه مصعب] والصواب ما عليه الجمهور لثبوت الناسخ الصريح، اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث مصعب بن سعد، عند قوله "كنا نفعله ونهينا عنه وأمرنا" قال: استدل به على نسخ التطبيق المذكور، بناء على أن المراد بالآمر والناهي في ذلك هو النبي ﷺ ، وهذه الصيغة مختلف فيها، والراجح أن حكمها الرفع، وهو مقتضى تصرف البخاري، وكذا مسلم إذ أخرجه في صحيحه ..... ثم قال الترمذي: التطبيق منسوخ عند أهل العلم لا خلاف بين العلماء في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون وحمل الحافظ روايتنا الأولى والثانية على أن ابن مسعود لم يبلغه الناسخ. ثم قال: وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر بإسناد قوي قال: إنما فعله النبي ﷺ مرة. يعني التطبيق. ثم ساق الحافظ ابن حجر روايات أخرى تؤكد نسخ
стр. 1385
التطبيق، ثم قال: واستدل ابن خزيمة بقوله "فنهينا عنه" على أن التطبيق غير جائز، وفيه نظر لاحتمال حمل النهي على الكراهة، ويدل على أنه ليس بحرام كون عمر وغيره ممن أنكره لم يأمر من فعله بالإعادة، اهـ قال الشوكاني: والظاهر ما قاله ابن خزيمة لأن المعنى الحقيقي للنهي على ما هو الحق التحريم. اهـ والمحقق في المسألة يرى أن التطبيق لا يتعدى الكراهة، فإن هيئات الصلاة من رفع اليدين عند الهوي أو وضع اليمنى على اليسرى عند القراءة أو وضع اليدين على الفخذين في الجلوس إلخ، هيئات في درجة السنن، ومخالفة السنة مكروهة، فما بالنا وقد طلب التطبيق فترة من الزمن وفعله النبي ﷺ ؟ يؤكد أنها سنن ما أخرجه الترمذي ولفظه "قال لنا عمر بن الخطاب ﵁: إن الركب سنت فخذوا بالركب" وفي رواية له "سنت لكم الركب فأمسكوا بالركب".
ولست مع القائلين بأن الحكم في هذه المسألة التخيير استدلالاً بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي ﵁ قال: إذا ركعت فإن شئت قلت: هكذا - يعني وضعت يديك على ركبتيك - وإن شئت طبقت.
فقد قال عنه الحافظ ابن حجر: هو ظاهر في أن عليًا كان يرى التخيير، فإما أنه لم يبلغه النهي، وإما حمله على كراهة التنزيه. اهـ وأرجح أنه لم يبلغه النهي لأن حمله على كراهة التنزيه لا يجيز له أن يخير بين الأمرين. واللَّه أعلم.
وأما عن النقطة الثانية: فقد قال الإمام النووي: وقوف أحد الاثنين على يمين الإمام والآخر عن يساره مذهب ابن مسعود وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفًا لحديث جابر قال: "قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه" رواه مسلم. ولحديث أنس قال: قام رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين رواه البخاري ومسلم.
وفي الحديث أنه لم يؤذن للصلاة ولم يقم لها، قال النووي: هذا مذهب ابن مسعود ﵁ وأصحابه وبعض السلف من غيرهم وهو أنه لا يشرع أذان ولا إقامة لمن يصلي وحده في البلد الذي يؤذن فيه ويقام لصلاة الجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الإقامة سنة في حقه ولا يكفيه إقامة الجماعة، واختلفوا في الأذان، فقال بعضهم: يشرع له، وقال بعضهم لا يشرع، ومذهبنا الصحيح أنه يشرع له الأذان إن لم يكن سمع أذان الجماعة، وإلا فلا يشرع. اهـ
والتحقيق أن الحادثة الواردة في الحديث إنما هي في قوم يصلون وحدهم في دار بعيدة عن مسجد الجماعة، ثم إن الجماعة لم يقيموا الصلاة بعد لتأخيرهم لها، فكيف يعتمد المصلي على إقامة لاحقة لصلاته؟ والرأي في ذلك أنهم يقيمون، والمخالف في ذلك ابن مسعود وأصحابه، أما الأذان فالخلاف في: هل يؤذن المنفرد في بيت أو في صحراء أو لا يؤذن؟ سمع أذان الجماعة أو لم يسمع؟ هذا الخلاف مبني على أن الأذان هل هو عبادة من حق الصلاة نفسها أو هو إعلام لجمع الناس؟ فمن قال بالأول قال يؤذن ولو سمع أذان الجماعة لكن لا يرفع صوته، ومن قال بالثاني قال لا يؤذن إلا إذا
стр. 1386
ظن إقبال من يسمع الأذان للصلاة معه. وجوز الإمام أحمد الأمرين، ففي المغني: ومن دخل مسجدًا قد صلى فيه فإن شاء أذن وأقام، نص عليه أحمد، وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة، وهذا قول الحسن والشعبي والنخعي، إلا أن الحسن قال: كان أحب إلي أن يقيم. واللَّه أعلم.
ومن قوله "فصلوا الصلاة لميقاتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة" نستفيد مشروعية إعادة الصلاة مع الإمام إذا كانت قد صليت بدونه مفردة أو جماعة وذلك خوف الفتنة وخوف الاتهام بفرقة الجماعة، وظاهر كلام ابن مسعود أن الصلاة الثانية تقع موقع النافلة وأن الفريضة تسقط بالأولى، ويؤيده ما رواه الترمذي وأبو داود من أن النبي ﷺ صلى صلاة الغداة في مسجد الخيف، فرأى في آخر القوم رجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله، قد صلينا في رحالنا. قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة".
وفي الحديث إنكار تأخير الصلاة عن وقتها المفضل، والظاهر أن ابن مسعود اكتفى بالإنكار القلبي وصلى في بيته هو وأصحابه، ولم ينكر على الأمراء مواجهة.
ومن الرواية الأولى والثانية، من قوله "فضرب أيدينا" ومن الرواية الثالثة والخامسة من قوله "فضرب يدي" يؤخذ مشروعية تعديل أحوال المصلي الآخر بالأفعال ولا تضر الحركات القليلة.
(ملحوظة) في الرواية الأولى "أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا" وفي الرواية الثانية "أصلي من خلفكم؟ قالا: نعم" هذا التناقض في جواب الأسود وعلقمة لا يمكن حمله على تعدد الواقعة، إذ من المستبعد أن يوضع أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال في يوم ويعودا للمخالفة في يوم آخر، ومن المستبعد أن يؤمرا بالتطبيق وينهيا عن وضع اليد على الركب ثم يعودا لما نهيا عنه في يوم آخر. فالحادثة واحدة، ولا توجيه لهذا التناقض إلا أن تكون الرواية الثانية خاطئة من النساخ أو من الطبعة التي في يدي [وهي طبعة المطبعة المصرية بسوق الأوقاف أرض شريف بالقاهرة] وصحتها "قالا: لا" لأن سبب الصلاة مع ابن مسعود تأخير الأمراء للصلاة، ولو أنهما صليا مع الأمراء ما صلى بهما ابن مسعود.
واللَّه أعلم
стр. 1387
(٢٠٠) باب جواز الإقعاء على العقبين
١٠١٨ - عن طاوس قال قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال هي السنة فقلنا له إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس بل هي سنة نبيك ﷺ .
-[المعنى العام]-
مازال حرص الصحابة والتابعين على التوصل إلى السنة وإلى الأفضل في أفعال الصلاة وهيئاتها مضرب الأمثال وموطن العجب، فهذا طاووس وقد سمع في الإقعاء قولاً يكرهه في الصلاة يسأل عنه ابن عباس حبر الأمة يقول له: ماذا ترى في حكم الإقعاء ووضع الإليتين على القدمين في الصلاة؟ فيقول ابن عباس: هذا الوضع هو سنة نبيكم في الصلاة، فيقول له طاووس: إنا لنراه جفاء بالرجل غير لائق بالمسلم لأنها قعدة مذمومة في نظرنا، فيقول ابن عباس: بل هي سنة نبيك محمد ﷺ ، ويخضع طاووس للحكم ويسلم لأمر الشريعة تسليمًا.
-[المباحث العربية]-
(في الإقعاء) قال النووي: الصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان أحدهما أن يلصق إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب. هكذا فسره أبو عبيد معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي، والنوع الثاني أن يجعل إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: سنة نبيكم ﷺ .
(إنا لنراه جفاء الرجل) الجفوة هي الغلظة وعدم اليسر وعدم اللين، وقد ضبط لفظ "الرجل" في الحديث بفتح الراء وضم الجيم أي الإنسان، والمعنى أن الإقعاء صعب وشديد على الإنسان المصلي، وضبط كذلك بكسر الراء وسكون الجيم، والمعنى أن الإقعاء صعب وشديد على أرجل الإنسان، قال ابن عبد الله: والصواب ضم الجيم وهو الذي يليق به إضافة الجفاء إليه.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: نص الشافعي ﵁ على استحباب الإقعاء في الجلوس بين السجدتين [بمعنى وضع
стр. 1388
الإليتين على العقبين] وحمل حديث ابن عباس عليه، قال القاضي عياض: وقد روي عن جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه. قال: وكذا جاء مفسرًا عن ابن عباس ﵄ "من السنة أن تمس عقبيك إليتيك" هذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس، وقد ذكرنا أن الشافعي ﵁ على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحاصله أنهما سنتان، وأيهما أفضل؟ فيه قولان. اهـ.
وفي كيفية الجلوس في الصلاة عامة بحث مطول شرحناه في السابق ولا نرى بأسًا في إعادته، قلنا:
أما الجلوس في الصلاة فمذهب أبي حنيفة في هيئته المستحبة الافتراش في جميع الجلسات، والافتراش أن يفرش رجله اليسرى بقدمها، وينصب اليمنى.
ومذهب مالك: يسن التورك في جميع الجلسات في الصلاة، والتورك أن يخرج رجله اليسرى من تحته ويفضي بوركه إلى الأرض.
ومذهب الشافعي: يسن أن يجلس كل الجلسات مفترشًا إلا التي يعقبها السلام فيسن أن يجلس فيها متوركًا - وقلنا رأيًا آخر للشافعي بالإقعاء في الجلوس بين السجدتين.
وقال أحمد: إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعًا افترش في التشهد الأول وتورك في التشهد الثاني.
واحتج لأبي حنيفة في الافتراش في الصلاة بقول عائشة في حديث مسلم المروي في باب صفة الصلاة "وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى".
واحتج لمالك في التورك بحديث عبد الله بن الزبير "أن النبي ﷺ كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى، رواه مسلم.
واحتج الشافعية بما رواه البخاري عن أبي حميد أنه وصف بين عشرة من أصحاب النبي ﷺ صلاة النبي ﷺ قال: "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته" قال الشافعي والأصحاب: فحديث أبي حميد وأصحابه صريح في الفرق بين التشهدين، وباقي الأحاديث مطلقة، فيجب حملها على مقيده. فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير، ومن روى الافتراش أراد الأول، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، لا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة ﵃.
قال النووي: وجلوس المرأة كجلوس الرجل، وصلاة النفل كصلاة الفرض في الجلوس، هذا مذهب الشافعي ومالك والجمهور، وحكي عن بعض السلف أن سنة المرأة التربع وعن بعضهم التربع في النافلة. والصواب الأول. اهـ.
هذا وسيعقد باب بعنوان [صفة الجلوس في الصلاة] بعد أربعة عشر بابًا.
واللَّه أعلم
стр. 1389
(٢٠١) باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان
١٠١٩ - عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم. فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: وا ثكل أمياه ما شأنكم؟ تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم يصمتونني. لكني سكت فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". أو كما قال رسول الله ﷺ . قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية. وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان. قال "فلا تأتهم" قال: ومنا رجال يتطيرون. قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم. فلا يصدنهم (قال ابن الصباح: فلا يصدنكم) قال قلت: ومنا رجال يخطون. قال "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك قال وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوانية. فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال "ائتني بها" فأتيته بها. فقال لها "أين الله؟ " قالت: في السماء قال "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، قال "أعتقها فإنها مؤمنة".
١٠٢٠ - عن عبد الله ﵁ قال كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال: "إن في الصلاة شغلاً".
١٠٢١ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل
стр. 1390
صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
١٠٢٢ - عن جابر ﵁ أنه قال إن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة ثم أدركته وهو يسير. (قال قتيبة: يصلي) فسلمت عليه: فأشار إلي. فلما فرغ دعاني فقال "إنك سلمت آنفًا وأنا أصلي وهو موجه حينئذ قبل المشرق".
١٠٢٣ - عن جابر ﵁ قال أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال لي بيده هكذا (وأومأ زهير بيده) ثم كلمته فقال لي هكذا (فأومأ زهير أيضًا بيده نحو الأرض) وأنا أسمعه يقرأ يومئ برأسه فلما فرغ قال: "ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني من أكلمك إلا أني كنت أصلي". قال زهير وأبو الزبير جالس مستقبل الكعبة. فقال بيده أبو الزبير إلى بني المصطلق. فقال بيده إلى غير الكعبة.
١٠٢٤ - عن جابر ﵁ قال كنا مع النبي ﷺ فبعثني في حاجة فرجعت وهو يصلي على راحلته ووجهه على غير القبلة فسلمت عليه فلم يرد علي فلما انصرف قال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي".
١٠٢٥ - عن جابر ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة بمعنى حديث حماد.
-[المعنى العام]-
معاوية بن الحكم السلمي حديث عهد بإسلام، لا يعلم أن الكلام في الصلاة يبطلها، يصلي خلف النبي ﷺ ، فيسمع مصليًا يعطس، فيشمته وهو في الصلاة، ويقول له: يرحمك الله، ورأى الصحابة ينظرون إليه نظرة استنكار ودهشة، وظن معاوية في نفسه أنه لم يأت شيئًا ينكر، فنظر فيهم نظرة استغراب كذلك وقال: فقدتني أمي. ماذا فعلت؟ وماذا أنكرتم علي حتى نظرتم إلي هذه النظرات، وكان كلامه هذا أثناء الصلاة مثارًا آخر لزيادة الاستنكار فأخذوا يضربون أفخاذهم ببطن أكفهم ثم يقلبونها، فلما رأى معاوية أن الاستنكار يزداد سكت وأتم صلاته. فلما انتهى رسول الله ﷺ من
стр. 1391
الصلاة استدعاه وتوقع معاوية نهرًا وتعنيفًا بل شتمًا وضربًا نظرًا لما لاقاه من الصحابة من استنكار، فإذا به يجد العطف والرحمة والخلق الحسن العظيم يتلقاه على وجه رسول الله ﷺ وعلى لسانه، فيسمع تعليمًا هادئًا لينًا، وتعلم منه أن الصلاة لا يحل فيها كلام الناس، وإنما هي تسبيح وتكبير وقراءة القرآن، واطمأن معاوية لرسول الله ﷺ وطمع في زيادة عطفه ومروءته واستعذب الحديث معه فاستخرج ما في نفسه من أسئلة دينية، فقال: يا رسول الله، إني حديث عهد بالإسلام. حديث عهد بالجاهلية فاعذرني إذا أخطأت واعذرني إذا استفهمت وفتح له الرسول ﷺ صدره الرحيم. قال معاوية: منا رجال يتكهنون ورجال يأتون الكهان الذين يزعمون علم الغيب فيسمعون ويعتقدون؟ قال ﷺ لا تأت الكهان ولا تسمع منهم ولا تعتقد صحة ما يزعمون. قال معاوية: ومنا رجال يتطيرون يتفاءلون بأمر ويتشاءمون من آخر، فما حكم التطير؟ قال ﷺ : ما يقع في الصدر من الانقباض أو الانبساط أمر غير مكتسب لا حساب عليه، ولكن على المسلم أن لا يعمل على مقتضى التشاؤم، فلا يحل له أن يمتنع من القيام بمصلحة لما حصل في نفسه من التشاؤم.
قال: ومنا رجال يخطون على الرمل وغيره ويدعون أنهم يعرفون الغيب عن طريق هذه الخطوط، قال ﷺ : كان نبي من الأنبياء قد أعطاه الله علم بعض الغيب عن طريق هذه الخطوط لكن لا نبي بعدي ومدعي علم الغيب بهذه الخطوط كاذب ومنجم وقد يوافق قوله واقعًا صدفة لا علمًا، لا تصدقوهم في مزاعمهم. قال معاوية: وكانت لي أمة جارية ترعى غنمًا لي قرب أحد، فأهملت الحراسة فأكل الذئب شاة من غنمي وأنا إنسان يغضب كما يغضب البشر، فغضبت ولطمتها لطمة قوية. وهأنذا نادم على ما فعلت فكيف أكفر عن ذنبي؟ قال رسول الله ﷺ ذنبك عظيم. إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فعاملوهم بالحسنى قال: يا رسول الله، أأعتقها عقابًا لي على ما فعلت؟ قال: أهي مؤمنة ليكون لك أجر كبير؟ قال: لا أدري. قال: ائتني بها. فأتاه بها، فسألها رسول الله ﷺ هل تعبد أوثان الأرض أم تعبد الله؟ قال لها: أين الله؟ قالت في السماء. قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة. فأعتقها.
وفي مجال النهي عن الكلام في الصلاة يورد الإمام مسلم: (١) حديث عبد الله بن مسعود وقوله: كنا إذا دخلنا على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة سلمنا عليه، فكان يرد علينا السلام، فلما رجعنا من هجرتنا إلى الحبشة من عند النجاشي دخلنا عليه وهو في الصلاة فسلمنا عليه، فلم يرد علينا السلام، فلما انتهى من الصلاة قلنا: يا رسول الله، كنا قبل مهاجرتنا إلى الحبشة نسلم عليك وأنت في الصلاة فترد علينا، فلما سلمنا عليك اليوم لم ترد علينا. فماذا حدث؟ قال: إن الصلاة ينبغي أن يكون الاشتغال بها مانعًا من الاشتغال بغيرها، وإن الله قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة.
(٢) وحديث زيد بن أرقم الأنصاري وأنه قال: كنا نتكلم في الصلاة كلام البشر، يكلم الرجل منا صاحبه الذي بجواره في أمورهما، حتى نزل قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي ساكنين خاشعين لا تتكلمون إلا بالتسبيح والتحميد والتكبير وقراءة القرآن، فأمرنا رسول الله ﷺ بالسكوت ونهانا عن الكلام في الصلاة.
стр. 1392
(٣) وأحاديث جابر بن عبد الله - وأن الرسول ﷺ أرسله في مهمة، فلما جاء من المهمة - وكان يعلم أن الكلام في الصلاة ممنوع - جاء فوجد رسول الله ﷺ على راحلته ووجهه إلى غير القبلة، فسلم عليه يظن أنه في غير صلاة. فلم يرد الرسول عليه سلامه، فكلمه فلم يستمع إلى كلامه، فأرخى جابر سمعه فإذا الرسول يقرأ أو يومئ بالركوع وهو مسنود على راحلته، فلما انتهى ناداه ﷺ ماذا فعلت فيما أرسلت فيه؟ فأجابه. قال له رسول الله ﷺ ما منعني من الرد عليك إلا أني كنت أصلي.
-[المباحث العربية]-
(فرماني القوم بأبصارهم) أي نظروا إلي بأبصارهم نظرة استنكار، وفي "رماني" استعارة تصريحية تبعية، شبه توجيه الأبصار برمي السهم في قوة تصويبه وشدته، واستعير الرمي للنظر، واشتق منه رمي بمعنى نظر.
(واثكل أمياه) "وا" حرف ندبة، و"ثكل" بضم الثاء، وإسكان الكاف وبفتحهما جميعًا لغتان، وهو فقدان المرأة ولدها وحزنها عليه لفقده، وهو مندوب في حكم المنادي، و"أمياه" بضم الهمزة وكسر الميم المشددة، وأصله أمي، زيدت عليه ألف الندبة، وأردفت بهاء السكت و"ثكل" مصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف، والأصل يا ثكل أمي إياي، أي أدعو وأندب فقد أمي لي وحزنها علي، وهذه الجملة من الجمل التي اعتادتها العرب عند التفجع وأماتوا معناها لكثرة الاستعمال فلم يقصدوا بها الدعاء بالموت. وفي رواية "أماه" بألف الندبة وهاء السكت وبحذف ياء المتكلم.
(ما شأنكم تنظرون إلي)؟ "ما" اسم استفهام خبر مقدم، و"شأنكم" أي حالكم مبتدأ مؤخر، وجملة "تنظرون إلي" حال. والمعنى: أي شيء حصل لكم حالة نظركم إلي؟ والاستفهام تعجبي إذا كان قد أدرك الخطأ فإنه يتعجب من زيادة الإنكار على ما ينبغي، أو حقيقي إذا لم يكن قد أدرك خطأه وتكلم هذا الكلام وهو في الصلاة وهو لا يعرف أن الكلام ممنوع.
(فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم) الظاهر أنهم كانوا في جلوس، ولما وجدوا نظرات الاستنكار لم تفد أخذوا يضربون أفخاذهم بأكفهم ويقلبونها تعبيرًا عن مزيد الاستنكار والتعجب قال النووي: وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في الصلاة.
(فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت) "يصمتونني" بضم الياء وفتح الصاد وتشديد الميم المكسورة أي يسكتونني، وجواب "لما" المستدرك عليه لكن محذوف والتقدير: فلما رأيتهم يصمتونني بهذه الصورة كدت أغضب وأثور لكنني سكت، أي لم أتكلم.
(فبأبي هو وأمي) متعلق بفعل محذوف تقديره فهو بأبي وأمي أفديه.
стр. 1393
(فوالله ما كهرني) أي ما انتهرني، والكهر الانتهار قاله أبو عبيد، وقرأ عبد الله بن مسعود: وأما السائل فلا تكهر، وقيل: الكهر العبوس في وجه من تلقاه.
(إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) أي لا يحل كما جاء في بعض الروايات.
(إني حديث عهد بجاهلية) قال النووي: قال العلماء: الجاهلية ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالتهم وفحشهم. اهـ.
(ذاك شيء يجدونه في صدورهم) أي التطير انقباض أو انبساط يجدونه في صدورهم نتيجة وأثرًا لرؤية شيء أو سماع شيء لا يقدرون على دفعه من الصدور.
(فلا يصدنهم) أي لكن الممنوع شرعًا أن يؤثر هذا على تحركاتهم، وفي ذلك يقول ﷺ "إذا تطيرت فلا ترجع" عما كنت تقصده قبل التطير.
(قال ابن الصباح: فلا صدنكم) أصل السند: حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة، وتقاربا في لفظ الحديث قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ... الحديث.
فرواية ابن الصباح بأسلوب الخطاب "فلا يصدنكم" ورواية ابن أبي شيبة بأسلوب الغيبة "فلا يصدنهم".
(ومنا رجال يخطون) خطوطًا في الرمل أو غيره للتنجيم. وسيأتي الحكم والشرح في فقه الحديث.
(قبل أحد والجوانية) "قبل" بكسر القاف وفتح الباء أي جهة، و"الجوانية" بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مشددة. قال النووي: هكذا ضبطناه، وحكي عن بعضهم تخفيف الياء، والمختار التشديد والجوانية موضع بقرب أحد في شمال المدينة.
(وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون) "آسف" بمد وفتح السين مضارع أسف، أي أغضب كما يغضبون.
(لكني صككتها صكة) أي لطمتها. قال علماء اللغة: "لكن" لا بد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها، نحو ما هذا ساكنًا لكنه متحرك، أو ضد له، نحو ما هذا أبيض لكنه أسود، وظاهر الأسلوب هنا جرى على غير ذلك. ويمكن أن يكون الاستدراك على محذوف والتقدير: أغضب كما يغضبون، وكان ينبغي إسلامًا أن أكظم غيظي لكني صككتها، و"صكة" لإفادة المرة، أي صكة واحدة والتنكير فيها للتعظيم والتهويل.
стр. 1394
(فأتيت رسول اللَّه ﷺ فعظم ذلك على) ليس المراد أنه جاء بهذا الكلام إلى النبي ﷺ قبل هذا المجلس، وإنما المراد فعلت كذا وكذا فجئتك اليوم لتقول ما ترى في هذا الفعل، فعظم رسول الله ﷺ هذا الفعل وجعله كبيرًا وأنكره إنكارًا شديدًا.
(أفلا أعتقها) بضم الهمزة من "أعتق" أي جزاء لي على صكها؟ .
(كنا نسلم على رسول اللَّه ﷺ وهو في الصلاة) أي ونحن قادمون خارج الصلاة.
(فلما رجعنا من عند النجاشي) كان رجوع ابن مسعود من الحبشة من عند النجاشي بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين كما قيل.
(إن في الصلاة شغلاً) قال النووي: معناه أن المصلي وظيفته أن يشتغل بصلاته فيتدبر ما يقوله ولا يعرج على غيرها، فلا يرد سلامًا ولا غيره. اهـ. أي إن في الصلاة شغلاً كافيًا عن غيره.
(وقوموا للَّه قانتين) قيل: معناه مطيعين، وقيل: ساكنين، وقيل: ساكتين وهو أنسب المعاني للمراد.
(فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) ذكر "ونهينا عن الكلام"، بعد ما قبلها ظاهرها أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، وهي مسألة أصولية مختلف فيها.
(وهو موجه حينئذ قبل المشرق) "موجه" بكسر الجيم المشددة، أي موجه وجهه وراحلته جهة المشرق وليس إلى جهة القبلة.
(فقال لي بيده هكذا) فيه استعمال القول مكان الفعل، والأصل ففعل لي بيده هكذا.
(وأومأ زهير بيده) أصل السند: حدثنا أحمد بن يونس. حدثنا زهير. حدثني أبو الزبير عن جابر قال ... الحديث. فالقائل "وأومأ زهير بيده، الراوي عن زهير. أحمد بن يونس.
-[فقه الحديث]-
ظاهر الرواية الثالثة وفيها "عن زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة ... " إلخ أن تحريم الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد الهجرة، لأن زيد بن أرقم مدني وهو يخبر أنهم كانوا يتكلمون خلف الرسول ﷺ في الصلاة إلى أن نهوا، ويؤيد هذا الظاهر اتفاق المفسرين على أن قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] نزلت بالمدينة.
ولكن هذا الظاهر مشكل مع حديث ابن مسعود [روايتنا الثانية] وفيه أنه لما رجع من الحبشة كان تحريم الكلام في الصلاة، وكان رجوعه من الحبشة قبل الهجرة قطعًا.
وقد حاول العلماء رفع هذا الإشكال فقال ابن حبان: إن زيد بن أرقم كان من الأنصار الذين
стр. 1395
أسلموا وصلوا قبل الهجرة، وكانوا يصلون بالمدينة كما يصلي المسلمون بمكة في إباحة الكلام في الصلاة لهم، فلما نسخ ذلك بمكة نسخ بالمدينة، فحكى زيد ما كانوا عليه، ورد بعض العلماء هذا القول بإيراد قول زيد في رواية الترمذي "كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة" فقوله "خلف رسول الله" يدل على أن الكلام كان مباحًا بالمدينة إذ لم يصل زيد خلف رسول الله إلا بالمدينة.
ودفع بعضهم الإشكال بأن قول الرسول ﷺ "إن في الصلاة شغلاً" في حديث ابن مسعود كان اجتهادًا منه ﷺ ، وأوحي إليه بتحريم الكلام عند نزول الآية المذكورة بالمدينة. وهذا القول بعيد عن الصواب إذ يستحيل أن يعمل ويأمر غيره أن يعملوا باجتهاده سنوات حتى ينزل القرآن.
ودفع بعضهم الإشكال بأن الكلام نسخ بمكة ثم أبيح ثم نسخت الإباحة بالمدينة، وهذا قول لا يلتفت إليه لأنه قول بتكرير النسخ بدون دليل.
ودفع بعضهم الإشكال بأن زيدًا أراد أن يحكي ما كان يفعل المسلمون، لا ما كان يفعله هو، كما يقول القائل: فعلنا كذا وهو يريد بعض قومه، وهذا قول بعيد.
ودفع بعضهم الإشكال بترجيح حديث ابن مسعود والمصير إليه والسكوت عن حديث زيد، حكاه ابن سريج والقاضي أبو الطيب، وهذا غير مقبول لأن فيه أخذًا بحديث وتركًا لآخر والجمع بين الحديثين مع العمل بهما خير من الترجيح ولا يصار إليه إلا إذا لم يمكن الجمع.
والذي يظهر لي أن حديث زيد رواه الجماعة إلا ابن ماجه، وحديث ابن مسعود متفق عليه، وليس من السهل أن يرد أحد الحديثين، وإذا تأملنا حديث ابن مسعود وجدناه لا يحمل نهيًا للصحابة عن الكلام، وكل ما فيه أنه لم يرد وأنه قال إن الصلاة تشغله ﷺ عن الكلام. وهذا غير صريح في نهي الأمة عن الكلام في الصلاة. بخلاف حديث زيد فإنه صريح بالنهي عن الكلام في الصلاة بالمدينة، فلا تعارض بين الحديثين، ونسخ ما كان من جواز الكلام في الصلاة كان بالمدينة. والله أعلم.
فإن قيل: إن لابن مسعود رواية عند أحمد والنسائي وفيها " ... فسلمنا عليه فلم يرد، فأخذني ما قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة، فسألته، فقال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة" أجيب بأن العراقي قال عن هذه الرواية: إنها لا تقاوم الرواية الأولى للاختلاف في راويها.
أما حكم الكلام في الصلاة فيمكن تقسيم كلام المصلي إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتكلم عامدًا بكلام ليس في مصلحة الصلاة، فتبطل صلاته بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره لحديث معاوية بن الحكم [روايتنا الأولى] وفيه "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" وحديث ابن مسعود [روايتنا الثانية] وحديث جابر [روايتنا الرابعة والخامسة والسادسة] وحديث زيد بن أرقم [روايتنا الثالثة] وغيرها من الأحاديث.
стр. 1396
الثاني: أن يتكلم عامدًا بكلام هو في مصلحة الصلاة "كأن يقوم الإمام إلى خامسة فيقول المأموم: صليت أربعًا. أو نحو ذلك. ومذهب الشافعية وجمهور العلماء أنها تبطل، وقال الأوزاعي لا تبطل، وهي رواية عن مالك وأحمد لحديث ذي اليدين، فقد حصل كلام بين الرسول ﷺ وبين ذي اليدين وبنى رسول الله ﷺ على ما صلى وأكمل النقص، ودليل الجمهور عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن الكلام، ولقوله ﷺ "من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال وليصفق النساء" ولو كان الكلام لمصلحة الصلاة مباحًا لكان أسهل وأبين من التسبيح والتصفيق وأما حديث ذي اليدين فإن ما وقع فيه من كلام كان خارج الصلاة وبعد السلام.
الثالث: أن يتكلم ناسيًا ولا يطول كلامه فمذهب الشافعية والمالكية وأحمد في رواية أنها لا تبطل، وكذا الجاهل بالحكم، ومن أدلتهم حديث معاوية بن الحكم [روايتنا الأولى] فإنه تكلم جاهلاً بالحكم ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة. ومذهب أبي حنيفة وأحمد في رواية أنها تبطل ودليلهم عموم الأحاديث المذكورة في الباب، وعدم ورود الأمر لمعاوية بالإعادة لا يصلح دليلا لجواز أنه أمره ولم يبلغنا.
وإذا تركنا كلام الناس، وبحثنا الكلام بذكر أو دعاء وجدنا الإمام النووي يقول: الكلام المبطل للصلاة هو ما سوى القرآن والذكر والدعاء ونحوها، فأما القراءة والذكر ونحوها فلا تبطل الصلاة بلا خلاف عندنا، فلو أتى بشيء من نظم القرآن بقصد القرآن فقط أو بقصد القراءة مع غيرها كتنبيهه جماعة بالإذن بالدخول فقرأ ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ [الحجر: ٤٦] أو استؤذن في أخذ شيء فقرأ ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ [مريم: ١٢] وما أشبه ذلك فهذا كله لا يبطل الصلاة سواء قصد القراءة أو القراءة مع الإعلام، أما إن قصد الإعلام وحده فتبطل. اهـ.
هذا مذهب الشافعية ورواية عن أحمد، وعند الحنفية ورواية عن أحمد تبطل صلاته لأنه خطاب آدمي، فأشبه ما لو كلمه.
وإذا أرتج على الإمام ففتح المأموم عليه لا يضر عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة به.
وإن كلمه إنسان وهو في الصلاة فأراد أن يعلم أنه في صلاة، أو سها الإمام فأراد أن يعلمه السهو استحب له إن كان رجلاً أن يسبح، وتصفق المرأة بأن تضرب ظهر كفها الأيمن على بطن كفها الأيسر. هذا مذهب الشافعية وأحمد، وقال مالك تسبح المرأة أيضًا، ووافقنا أبو حنيفة إذا قصد المصلي بذلك شيئًا من مصلحة الصلاة، ومنعه إذا لم يكن في مصلحة الصلاة وقال ببطلانها حينئذ.
ولو قرأ قرآنًا أو ذكرًا من سبب غير الصلاة ومن غير تنبيه الآدمي، كأن يعطس فيحمد الله، أو يرى عجبًا فيقول: سبحان الله. أو يسمع أن قد ولد له غلام فيقول: الحمد لله، أو يقال له: سرق بيتك فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو يقال له: مات أخوك، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهذا كله لا يبطل الصلاة عند الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: تفسد صلاته لأنه كلام آدمي.
وإذا سلم على المصلي لم يكن له رد السلام كما يؤخذ من الرواية الثانية والرابعة والسادسة من
стр. 1397
روايات الباب، فإن فعل بطلت صلاته، يقول بذلك مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة، لأنه كلام آدمي فأشبه تشميت العاطس الوارد في الرواية الأولى من الباب، وهل يرد السلام بالإشارة؟ يجيز ذلك مالك والشافعي وأحمد، والأحسن أن ينتظر بالرد حتى يفرغ من الصلاة، أما كيفية الإشارة الواردة فقد روى صهيب قال. مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه وكلمته، فرد إشارة. قال بعض الرواة: فرد إشارة بإصبعه. وعن ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى قباء فصلى فيه قال فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي قال فقلت لبلال كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال يعقوب: هكذا. وبسط يعني كفه، وجعل بطنه أسفل، وظهره إلى فوق، قال الترمذي: كلا الحديثين صحيح رواهما أبو داود.
وهل يسن لمن دخل على قوم يصلون أن يسلم عليهم؟ نعم قال بذلك بعض العلماء. قال النووي: وأما ابتداء السلام على المصلي فمذهب الشافعي أنه لا يسلم عليه، فإن سلم لم يستحق جوابًا. وقال به جماعة من العلماء، وعن مالك روايتان، إحداهما كراهة السلام والأخرى جوازه. هذا. والضحك. والتأوه والنحنحة إن بان منها حرفان بطلت الصلاة عند الجمهور، وفي كتب الفروع تفصيلات كثيرة يضيق المقام بذكرها، فمن أرادها فليرجع إليها.
-[ويؤخذ من روايات الباب فوق ما تقدم]-
١ - النهي عن تشميت العاطس في الصلاة. قال النووي: وتفسد به الصلاة إذا أتى به عالمًا عامدًا. قال أصحابنا: إن قال: يرحمك اللَّه بكاف الخطاب بطلت صلاته، وإن قال: يرحمه اللَّه أو اللَّهم ارحمه لم تبطل صلاته، لأنه ليس بخطاب. اهـ، والأصوب القول ببطلان الصلاة خاطب أو لم يخاطب مادام مشمتًا لعاطس.
٢ - قال النووي: وفي الحديث دليل على أن من حلف ألا يكلم الناس فسبح أو كبر أو قرأ قرآنًا لا يحنث.
٣ - قال النووي: وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وجزء منها، وقال أبو حنيفة: ليست منها، بل هي شرط خارج عنها متقدم عليها. اهـ والحديث حقًا ضد أبي حنيفة، لكنه لا يدل على أن تكبيرة الإحرام فرض، فعبارة الحديث "إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" وهذه العبارة لا تنص على تكبيرة الإحرام أو غيرها، وهي تجمعها مع التسبيح وليس فرضًا، فاستدلال النووي بها غير واضح.
٤ - قال النووي: وفي ضربهم على أفخاذهم دليل على جواز الفعل في الصلاة، ولا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. اهـ وليس مقصود النووي أن ما فعلوه لا كراهة فيه اليوم فمن المعلوم أن ما فعلوه قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، فمقصود النووي أن الفعل القليل إذا لم يغن عنه التسبيح وكان لحاجة لا يكره، كما إذا لم يمتنع المار بين يدي المصلي بالتسبيح فلا يكره منعه باليد.
стр. 1398
٥ - وفيه بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخلق والرفق بالجاهل ورأفته بأمته وشفقته عليهم.
٦ - وفيه النهي عن إتيان الكهان. قال النووي: قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، لأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان، وهو حرام بإجماع المسلمين: قال البغوي: اتفق أهل العلم على تحريم حلوان الكاهن، وهو ما أخذه المتكهن على كهانته، لأن فعل الكهانة باطل، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: ويمنع المحتسب الناس من التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي، وقال الخطابي: وحلوان العراف حرام أيضًا، قال: والفرق بين العراف والكاهن أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدعي معرفة الأسرار، والعراف يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما، وقال الخطابي أيضًا في حديث "من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ ". قال: كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيًا من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يدعي استدراك ذلك بفهم أعطيه، ومنهم من يسمى عرافًا، وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات أسباب استظل بها كمعرفة من سرق الشيء الفلاني، ومعرفة من يتهم به المرأة، ونحو ذلك، ومنهم من يسمي المنجم كاهنًا. قال: والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم والرجوع إلى قولهم وتصديقهم فيما يدعونه. قال النووي: هذا كلام الخطابي، وهو نفيس. اهـ
٧ - وفي الحديث أن ما يقع في الصدر من التطير لا إثم فيه ولكن المنهي عنه العمل به والامتناع عن التصرف بسببه، وأحاديث النهي عن الطيرة محمولة على النهي عن العمل بها، لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاها.
٨ - وفي الخط الوارد في هذا الحديث يقول النووي: اختلف العلماء في معناه، فالصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود أنه حرام، لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وإنما قال النبي ﷺ "فمن وافق خطه فذاك". ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي ﷺ على حرمة ذلك النبي مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها.
وقال الخطابي: هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط إذا كان علمًا لنبوة ذلك النبي وقد انقطعت، فنهينا عن تعاطي ذلك. وقال القاضي عياض: المختار أن معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول، لا أنه أباح ذلك لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا. فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن. اهـ
стр. 1399
وكل هذه التوجيهات غير مقنعة في الاستدلال بالحديث على الحرمة والمنع فليس اللفظ كاللفظ في إتيان الكاهن مثلاً، إذ كان من الممكن أن يقول: لا تأتهم، أو لا ينبغي أن يخطوا. بل ذكر النبي وخطه يرجح عندي أن الحديث يبيح ويخوف، وربما كان هذا أسلوب تشريع تدريجي كقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩] وكأنه يقول: الخط نفسه لا يعلم الغيب، ولئن كان نبي آتاه الله بعض الغيب بوسيلة الخط فلستم أنبياء، فما يقوله من يخط رجم بالغيب فما وافق منه الواقع وافق صدقه. فلا تكترثوا به ولا بما يقول. ثم نهي عن الخط وغيره من وسائل أدعياء علم الغيب منعًا قاطعًا والقول الآن بحرمته باتفاق العلماء.
٩ - وعن قوله "وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي" قال النووي: فيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرعي، وإن كانت تنفرد في المرعى [أخذ ذلك من عدم إنكار النبي ﷺ على قوله] ثم قال: وإنما حرم الشارع مسافرة المرأة وحدها، لأن السفر مظنة الطمع فيها وانقطاع ناصرها والذاب عنها وبعدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها أو لفساد من يكون في الناحية التي ترعى فيها أو نحو ذلك لم يسترعها، ولم تمكن الحرة ولا الأمة من الرعي حينئذ، لأنه حينئذ يصير في معنى السفر الذي حرم الشرع على المرأة، فإن كان معها محرم أو نحوه ممن تأمن على نفسها فلا منع حينئذ كما لا يمنع من المسافرة في هذا الحال. اهـ.
١٠ - يؤخذ من قوله "فعظم ذلك علي" حسن معاملة الإسلام للخدم والإماء، والدعوة إلى الحسنى مهما قصر المخطئ، فالجارية بحكم العادة لا بد أنها قصرت في جمع الشياه فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. ومع ذلك عنف الرسول ﷺ سيدها لصكه لها صكة واحدة. وحبب إليه عتقها.
١١ - ويؤخذ من مشروعية القول بأن الله في السماء، فقد قبله منها ﷺ : وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿أأمنتم من في السماء ... ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقد علم الرسول ﷺ من قولها "في السماء" أنها موحدة، وليست من عبدة الأوثان.
١٢ - ويؤخذ من قوله "أعتقها فإنها مؤمنة" أن الكافر لا يصير مؤمنًا إلا بالإقرار بالله تعالى ورسوله ﷺ . قال النووي: ولعله يقصد صيرورته مؤمنًا بالنسبة لأحكام الدنيا، أما بالنسبة لما عند الله فالإيمان التصديق بالقلب بذلك.
١٣ - وأن من أقر بالشهادتين واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه وكونه من أهل القبلة والجنة، ولا يكلف مع هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، قال النووي: وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور.
١٤ - وأن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر: وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير
стр. 1400
الكفارات، وأجمعوا على أنه لا يجزئ الكافر في كفارة القتل كما ورد به القرآن، واختلفوا في كفارة الظهار واليمين والجماع في نهار رمضان، فقال الشافعي ومالك والجمهور: لا يجزئه إلا مؤمنة حملاً للمطلق على المقيد في كفارة القتل، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يجزئه للكافر للإطلاق، لأنها تسمى رقبة.
١٥ - ويؤخذ من الرواية الرابعة من قوله "فسلمت عليه فأشار إلي" أن السلام بالإشارة الخفيفة في الصلاة لا تضر خلافًا لأبي حنيفة وقد مر الحكم قريبًا.
١٦ - ومن قوله في الرواية الخامسة والسادسة "إنه لم يمنعني أن أكلمك ... إلخ" أنه ينبغي لمن سلم عليه ومنعه من رد السلام مانع، أو كلمه متكلم ومنعه من إجابته مانع أن يعتذر ويبين المانع، لإزالة ما قد يحاك بصدر المسلم من الأفكار.
١٧ - ويؤخذ من الرواية السادسة جواز النافلة في السفر على الراحلة حيث توجهت به، قال النووي: وهو مجمع عليه.
١٨ - يؤخذ من قوله في الرواية السادسة "بعثني في حاجة" حرص الصحابة على كتمان السر والمحافظة عليه وعدم إفشائه. لذا لم يبين المأمورية التي أسندت إليه.
واللَّه أعلم
стр. 1401
(٢٠٢) باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه وجواز العمل القليل في الصلاة
١٠٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن عفريتًا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون (أو كلكم) ثم ذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي. فرده الله خاسئًا". وقال ابن منصور: شعبة عن محمد بن زياد.
١٠٢٧ - عن شعبة في هذا الإسناد وليس في حديث ابن جعفر قوله: فذعته وأما ابن أبي شيبة فقال في روايته: فدعته.
١٠٢٨ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعنة اللَّه" ثلاثًا. وبسط يده كأنه يتناول شيئًا. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول اللَّه، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك. قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ باللَّه منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة اللَّه التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه. واللَّه لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة".
-[المعنى العام]-
الجن خلق من خلق اللَّه يعيش معنا على هذا الكوكب، يرانا من حيث لا نراه، شاء اللَّه في خلقته أن يكون قادرًا على التشكل بأشكال مختلفة، إذا قدر لابن آدم أن يراه، فإذا ظهر بصورة وقبض عليه فيها لم يستطع الخروج منها والرجوع إلى أصل خلقته بل تحكم عليه الصورة حتى يطلقه القابض عليه، وقل أن يراه إنسان خلا سيدنا سليمان ﵇ وبعض أهل عصره. فقد سخر الله له الشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد، حكمه الله في الجن فسخر منهم في البناء
стр. 1402
والغوص في البحار لإخراج الجواهر والكنوز ما سخر، وحبس منهم وقيد ما حبس وما قيد، وقد رآهم رسول الله ﷺ مرات وقرأ عليهم القرآن في مكة، وآمن بعض الجن برسالته كما ثبت في القرآن والحديث، وروي أن أبا هريرة ﵁ قد رآه في صورة لص سارق وأمسكه ثم أطلقه، وفي هذا الحديث الشريف يحدثنا رسول الله ﷺ عن متمرد من الجن حاول شغله عن الصلاة وإخراجه منها، فتمثل له وهو في صلاته في صورة قط يحمل في يده صاروخًا من نار يشرعه في وجه الرسول الكريم وهو يؤم الناس ليلاً، فقال ﷺ بصوت سمعه بعض المصلين معه: أعوذ بالله منك. أعوذ بالله منك. أعوذ بالله منك. ألعنك بلعنة الله التامة. ألعنك بلعنة الله التامة - يشير إلى قوله تعالى مخاطبًا إبليس ﴿وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين﴾ [الحجر: ٣٥] وأمكن اللَّه رسوله من هذا المتمرد، فلم يستأخر وقفز في وجه الرسول، فقبض عليه وخنقه خنقًا شديدًا حتى خرج لسانه وأحس ﷺ برد لسانه على يده، وهم أن يربطه في أحد أعمدة المسجد حتى يراه الناس ويلعب به صبيان المدينة.
لكنه ذكر أن التحكم في الجن كان ملك أخيه سليمان ﵇، الذي سأل الله تعالى أن لا يكون هذا الملك لأحد من بعده فرأى ﷺ تواضعًا وأدبًا مع أخيه سليمان أن يترك له هذه الجزئية من الملك وأن لا يشاركه فيها، فدفع المتمرد دفعًا شديدًا بعيدًا، فهرب خاسئًا ذليلاً، وقد رأى الصحابة المصلون معه تحركات يده بعد سماعهم استعاذته ولعنته للشيطان فسألوه عما رأوا وسمعوا، فحكى لهم ما رأى وما قال، وما هم به وما رجع عنه وما فعله، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن صحابته أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(إن عفريتًا من الجن) قال ابن الحاجب وزنه فعليت من عفر، وفي المحكم: عفريت بين العفارة خبيث منكر، وقال الزجاج: العفريت النافذ في الأمر المبالغ فيه من خبث ودهاء، والجن نوع من العالم، والجمع جنان وهم الجنة، والجني منسوب إلى الجن، قال ابن دريد: الجن خلاف الإنس، وكل شيء استتر فقد جن عنك، وقال ابن عقيل: إنما سمي الجن جنًا لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، فالمعنى المراد: إن متمردًا خبيثًا من الجن.
(جعل يفتك علي البارحة) "الفتك" الأخذ في غفلة وخديعة، وفي رواية البخاري "تفلت علي البارحة" أي تعرض لي فلتة أي بغتة، وفي المحكم أفلت الشيء إذا أخذ بغتة في سرعة، و"البارحة" أقرب ليلة مضت، ويقال لكل زائل بارح، والبارحة منصوب على الظرفية.
(فذعته) بذال معجمة وتخفيف العين، وبعدها تاء مشددة، أي خنقته، وفي رواية "فدعته" بالدال بدل الذال، ومعناه دفعته شديدًا، والدعت والدع الدفع الشديد، قال النووي: والمعجمة [أي رواية الذال] أوضح وأشهر.
стр. 1403
(فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد) السارية هي الأسطوانة أي العمود المستدير.
(حتى تصبحوا) أي تدخلوا في الصباح، فهي تامة لا تحتاج إلى خبر.
(تنظرون إليه أجمعون - أو كلكم) "أجمعون" أو "كلكم" تأكيد للضمير المرفوع في "تنظرون".
(قول أخي سليمان) الأخوة بينهما بحسب أصول الدين.
(فرده الله خاسئًا) أي ذليلاً صاغرًا مطرودًا مبعدًا، يقال: خسأت الكلب طردته، وخسأ الكلب يخسأ ذل.
(ألعنك بلعنة الله التامة) قال النووي: قال القاضي: يحتمل تسميتها تامة أي لا نقص فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه أو الموجبة عليه العذاب سرمدًا.
(يلعب به ولدان أهل المدينة) قال النووي: المراد من الولدان الصبيان.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الحديث دليل على أن الجن موجودون، وإنهم قد يراهم بعض الآدميين، وأما قول الله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧]، فمحمول على الغالب، فلو كانت رؤيتهم محالاً لما قال النبي ﷺ ما قال من رؤيته إياه، ومن أنه كاد يربطه لينظروا كلهم إليه ويلعب به ولدان أهل المدينة. قال القاضي: وقيل: إن رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة لظاهر الآية، إلا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن خرقت له العادة. وإنما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم كما جاء في الآثار. قال النووي: هذه دعوى مجردة فإن لم يصح لها مستند فهي مردودة. قال الإمام أبو عبد الله المازري: الجن أجسام لطيفة روحانية فيحتمل أنه تصور بصورة يمكن ربطها معها، ثم يمتنع من أن يعود إلى ما كان عليه حتى يتأتى اللعب به. اهـ ويؤيد هذا القول رواية عبد الرزاق "عرض لي في صورة هر".
وظاهر قوله ﷺ "ثم ذكرت قول أخي سليمان إلى آخره ... " أنه ﷺ كان قادرًا على ربطه، وكان ربطه ممكنًا لكنه ﷺ تركه ليحقق لسليمان ﵇ استجابة دعوته، ويبدو لي أن ذلك لم يكن يؤثر في دعوة سليمان، فملك سليمان كان أكبر بكثير من التحكم في جني واحد متفلت فقد كان الجن والريح مسخرين له وعلم لغة الطير وسخر الطير له وأوتي من كل شيء، ودعوته أن يكون هذا الملك الواسع خاصًا به لا يعطى لغيره، وهذا لا يمنع من حصول الغير على بعضه، وما قيمة التحكم في جني بجوار هذا الذي كان لسليمان، وأعتقد
стр. 1404
أن ذلك من النبي ﷺ زيادة تقدير وأدب لأخيه سليمان عليهما وعلى جميع الأنبياء السلام. ولست مع القاضي عياض في قوله: معناه أنه مختص بهذا فامتنع ﷺ من ربطه، إما لأنه لم يقدر عليه لذلك، وإما لكونه لما تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لم يقدر عليه. اهـ
قال النووي: وفي الحديث دليل لجواز دعاء المصلي لغيره وعلى غيره بصيغة المخاطبة لقوله في الحديث "ألعنك بلعنة الله" ثلاثًا. وجمهور العلماء على خلافه والأحاديث السابقة في الباب الذي قبله في السلام على المصلي تؤيد الجمهور ويحمل هذا الحديث على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة. واستدل بهذا الحديث أن العمل القليل لا يبطل الصلاة أخذًا من دعه ﷺ للعفريت، وليس من محاولة ربطه لأنه يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة.
ومن قوله "والله لولا دعوة أخي سليمان ... " أخذ جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم ما يخبر به الإنسان وتعظيمه والمبالغة في صحته وصدقه. قال النووي: وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا.
واستدل به البخاري على جواز ربط الأسير والغريم بالمسجد، وقال المهلب: إن في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحق عليه أو دين والتوثق منه في المسجد أو غيره.
وقال العيني: في الحديث دليل على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناري، لأنه ﷺ قال "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي" ولو كانوا باقين على عنصرهم الناري وأنهم نار محرقة لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه كما تحرق الآدمي النار الحقيقية بمجرد اللمس، فدل على أن تلك النارية انغمرت في سائر العناصر حتى صار إلى البرد، ويؤيد ذلك قوله ﷺ "حتى وجدت برد لسانه على يدي".
واللَّه أعلم
стр. 1405
(٢٠٣) باب جواز حمل الصبيان في الصلاة وأن ثيابهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق نجاستها وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة وكذا إذا فرق الأفعال
١٠٢٩ - عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن الربيع فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها؟ قال يحيى: قال مالك: نعم.
١٠٣٠ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت النبي ﷺ على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها.
١٠٣١ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي للناس وأمامة بنت أبي العاص على عنقه فإذا سجد وضعها.
١٠٣٢ - عن أبي قتادة ﵁ قال: بينا نحن في المسجد جلوس خرج علينا رسول الله ﷺ بنحو حديثهم. غير أنه لم يذكر أنه أم الناس في تلك الصلاة.
-[المعنى العام]-
أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانة وتجارة، وأمه هدلة وقيل هند بنت خويلد أخت خديجة زوج النبي ﷺ لأبيها وأمها، ومن المعلوم أن خديجة ولدت لرسول الله ﷺ ثلاثة من الذكور ماتوا جميعًا أطفالاً وولدت له أربع إناث كبراهن زينب وصغراهن فاطمة وبينهما رقية وأم كلثوم.
أما زينب فقد تزوجت من أبي العاص بن الربيع قبل البعثة بناء على طلب خديجة من رسول
следующие страницы →