Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
(٢٠٢) باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه وجواز العمل القليل في الصلاة
١٠٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن عفريتًا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون (أو كلكم) ثم ذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي. فرده الله خاسئًا". وقال ابن منصور: شعبة عن محمد بن زياد.
١٠٢٧ - عن شعبة في هذا الإسناد وليس في حديث ابن جعفر قوله: فذعته وأما ابن أبي شيبة فقال في روايته: فدعته.
١٠٢٨ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعنة اللَّه" ثلاثًا. وبسط يده كأنه يتناول شيئًا. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول اللَّه، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك. قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ باللَّه منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة اللَّه التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه. واللَّه لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة".
-[المعنى العام]-
الجن خلق من خلق اللَّه يعيش معنا على هذا الكوكب، يرانا من حيث لا نراه، شاء اللَّه في خلقته أن يكون قادرًا على التشكل بأشكال مختلفة، إذا قدر لابن آدم أن يراه، فإذا ظهر بصورة وقبض عليه فيها لم يستطع الخروج منها والرجوع إلى أصل خلقته بل تحكم عليه الصورة حتى يطلقه القابض عليه، وقل أن يراه إنسان خلا سيدنا سليمان ﵇ وبعض أهل عصره. فقد سخر الله له الشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد، حكمه الله في الجن فسخر منهم في البناء
стр. 1402
والغوص في البحار لإخراج الجواهر والكنوز ما سخر، وحبس منهم وقيد ما حبس وما قيد، وقد رآهم رسول الله ﷺ مرات وقرأ عليهم القرآن في مكة، وآمن بعض الجن برسالته كما ثبت في القرآن والحديث، وروي أن أبا هريرة ﵁ قد رآه في صورة لص سارق وأمسكه ثم أطلقه، وفي هذا الحديث الشريف يحدثنا رسول الله ﷺ عن متمرد من الجن حاول شغله عن الصلاة وإخراجه منها، فتمثل له وهو في صلاته في صورة قط يحمل في يده صاروخًا من نار يشرعه في وجه الرسول الكريم وهو يؤم الناس ليلاً، فقال ﷺ بصوت سمعه بعض المصلين معه: أعوذ بالله منك. أعوذ بالله منك. أعوذ بالله منك. ألعنك بلعنة الله التامة. ألعنك بلعنة الله التامة - يشير إلى قوله تعالى مخاطبًا إبليس ﴿وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين﴾ [الحجر: ٣٥] وأمكن اللَّه رسوله من هذا المتمرد، فلم يستأخر وقفز في وجه الرسول، فقبض عليه وخنقه خنقًا شديدًا حتى خرج لسانه وأحس ﷺ برد لسانه على يده، وهم أن يربطه في أحد أعمدة المسجد حتى يراه الناس ويلعب به صبيان المدينة.
لكنه ذكر أن التحكم في الجن كان ملك أخيه سليمان ﵇، الذي سأل الله تعالى أن لا يكون هذا الملك لأحد من بعده فرأى ﷺ تواضعًا وأدبًا مع أخيه سليمان أن يترك له هذه الجزئية من الملك وأن لا يشاركه فيها، فدفع المتمرد دفعًا شديدًا بعيدًا، فهرب خاسئًا ذليلاً، وقد رأى الصحابة المصلون معه تحركات يده بعد سماعهم استعاذته ولعنته للشيطان فسألوه عما رأوا وسمعوا، فحكى لهم ما رأى وما قال، وما هم به وما رجع عنه وما فعله، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن صحابته أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(إن عفريتًا من الجن) قال ابن الحاجب وزنه فعليت من عفر، وفي المحكم: عفريت بين العفارة خبيث منكر، وقال الزجاج: العفريت النافذ في الأمر المبالغ فيه من خبث ودهاء، والجن نوع من العالم، والجمع جنان وهم الجنة، والجني منسوب إلى الجن، قال ابن دريد: الجن خلاف الإنس، وكل شيء استتر فقد جن عنك، وقال ابن عقيل: إنما سمي الجن جنًا لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، فالمعنى المراد: إن متمردًا خبيثًا من الجن.
(جعل يفتك علي البارحة) "الفتك" الأخذ في غفلة وخديعة، وفي رواية البخاري "تفلت علي البارحة" أي تعرض لي فلتة أي بغتة، وفي المحكم أفلت الشيء إذا أخذ بغتة في سرعة، و"البارحة" أقرب ليلة مضت، ويقال لكل زائل بارح، والبارحة منصوب على الظرفية.
(فذعته) بذال معجمة وتخفيف العين، وبعدها تاء مشددة، أي خنقته، وفي رواية "فدعته" بالدال بدل الذال، ومعناه دفعته شديدًا، والدعت والدع الدفع الشديد، قال النووي: والمعجمة [أي رواية الذال] أوضح وأشهر.
стр. 1403
(فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد) السارية هي الأسطوانة أي العمود المستدير.
(حتى تصبحوا) أي تدخلوا في الصباح، فهي تامة لا تحتاج إلى خبر.
(تنظرون إليه أجمعون - أو كلكم) "أجمعون" أو "كلكم" تأكيد للضمير المرفوع في "تنظرون".
(قول أخي سليمان) الأخوة بينهما بحسب أصول الدين.
(فرده الله خاسئًا) أي ذليلاً صاغرًا مطرودًا مبعدًا، يقال: خسأت الكلب طردته، وخسأ الكلب يخسأ ذل.
(ألعنك بلعنة الله التامة) قال النووي: قال القاضي: يحتمل تسميتها تامة أي لا نقص فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه أو الموجبة عليه العذاب سرمدًا.
(يلعب به ولدان أهل المدينة) قال النووي: المراد من الولدان الصبيان.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الحديث دليل على أن الجن موجودون، وإنهم قد يراهم بعض الآدميين، وأما قول الله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧]، فمحمول على الغالب، فلو كانت رؤيتهم محالاً لما قال النبي ﷺ ما قال من رؤيته إياه، ومن أنه كاد يربطه لينظروا كلهم إليه ويلعب به ولدان أهل المدينة. قال القاضي: وقيل: إن رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة لظاهر الآية، إلا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن خرقت له العادة. وإنما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم كما جاء في الآثار. قال النووي: هذه دعوى مجردة فإن لم يصح لها مستند فهي مردودة. قال الإمام أبو عبد الله المازري: الجن أجسام لطيفة روحانية فيحتمل أنه تصور بصورة يمكن ربطها معها، ثم يمتنع من أن يعود إلى ما كان عليه حتى يتأتى اللعب به. اهـ ويؤيد هذا القول رواية عبد الرزاق "عرض لي في صورة هر".
وظاهر قوله ﷺ "ثم ذكرت قول أخي سليمان إلى آخره ... " أنه ﷺ كان قادرًا على ربطه، وكان ربطه ممكنًا لكنه ﷺ تركه ليحقق لسليمان ﵇ استجابة دعوته، ويبدو لي أن ذلك لم يكن يؤثر في دعوة سليمان، فملك سليمان كان أكبر بكثير من التحكم في جني واحد متفلت فقد كان الجن والريح مسخرين له وعلم لغة الطير وسخر الطير له وأوتي من كل شيء، ودعوته أن يكون هذا الملك الواسع خاصًا به لا يعطى لغيره، وهذا لا يمنع من حصول الغير على بعضه، وما قيمة التحكم في جني بجوار هذا الذي كان لسليمان، وأعتقد
стр. 1404
أن ذلك من النبي ﷺ زيادة تقدير وأدب لأخيه سليمان عليهما وعلى جميع الأنبياء السلام. ولست مع القاضي عياض في قوله: معناه أنه مختص بهذا فامتنع ﷺ من ربطه، إما لأنه لم يقدر عليه لذلك، وإما لكونه لما تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لم يقدر عليه. اهـ
قال النووي: وفي الحديث دليل لجواز دعاء المصلي لغيره وعلى غيره بصيغة المخاطبة لقوله في الحديث "ألعنك بلعنة الله" ثلاثًا. وجمهور العلماء على خلافه والأحاديث السابقة في الباب الذي قبله في السلام على المصلي تؤيد الجمهور ويحمل هذا الحديث على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة. واستدل بهذا الحديث أن العمل القليل لا يبطل الصلاة أخذًا من دعه ﷺ للعفريت، وليس من محاولة ربطه لأنه يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة.
ومن قوله "والله لولا دعوة أخي سليمان ... " أخذ جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم ما يخبر به الإنسان وتعظيمه والمبالغة في صحته وصدقه. قال النووي: وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا.
واستدل به البخاري على جواز ربط الأسير والغريم بالمسجد، وقال المهلب: إن في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحق عليه أو دين والتوثق منه في المسجد أو غيره.
وقال العيني: في الحديث دليل على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناري، لأنه ﷺ قال "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي" ولو كانوا باقين على عنصرهم الناري وأنهم نار محرقة لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه كما تحرق الآدمي النار الحقيقية بمجرد اللمس، فدل على أن تلك النارية انغمرت في سائر العناصر حتى صار إلى البرد، ويؤيد ذلك قوله ﷺ "حتى وجدت برد لسانه على يدي".
واللَّه أعلم
стр. 1405
(٢٠٣) باب جواز حمل الصبيان في الصلاة وأن ثيابهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق نجاستها وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة وكذا إذا فرق الأفعال
١٠٢٩ - عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن الربيع فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها؟ قال يحيى: قال مالك: نعم.
١٠٣٠ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت النبي ﷺ على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها.
١٠٣١ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي للناس وأمامة بنت أبي العاص على عنقه فإذا سجد وضعها.
١٠٣٢ - عن أبي قتادة ﵁ قال: بينا نحن في المسجد جلوس خرج علينا رسول الله ﷺ بنحو حديثهم. غير أنه لم يذكر أنه أم الناس في تلك الصلاة.
-[المعنى العام]-
أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانة وتجارة، وأمه هدلة وقيل هند بنت خويلد أخت خديجة زوج النبي ﷺ لأبيها وأمها، ومن المعلوم أن خديجة ولدت لرسول الله ﷺ ثلاثة من الذكور ماتوا جميعًا أطفالاً وولدت له أربع إناث كبراهن زينب وصغراهن فاطمة وبينهما رقية وأم كلثوم.
أما زينب فقد تزوجت من أبي العاص بن الربيع قبل البعثة بناء على طلب خديجة من رسول
стр. 1406
الله ﷺ وكان لا يحب مخالفتها، فلما أوحي إلى رسول الله ﷺ آمنت به خديجة وبناته الأربع، وثبت أبو العاص زوج زينب على شركه. أما رقية وأم كلثوم فكان قد تزوجهما قبل البعثة عتبة وعتيبة ابنا أبي لهب، فلما أنذر ﷺ عشيرته ونزل قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب) فارق عتبة وعتيبة رقية وأم كلثوم، وكانا لم يدخلا بهما، وتزوجت رقية عثمان بن عفان، وهاجرت معه الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وتوفيت رقية عند عثمان أثناء غزوة بدر الكبرى، أما أم كلثوم وفاطمة فقد هاجرتا إلى المدينة عقب هجرة النبي ﷺ فلما توفيت رقية تزوج عثمان أم كلثوم سنة ثلاث من الهجرة، وماتت عنده سنة تسع من الهجرة، ولم تلد له وتزوج على فاطمة بعد مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، وهي الوحيدة من أولاده ﷺ التي مات قبلها إذ ماتت بعده بستة أشهر.
ونعود إلى زينب وقد هاجر أبوها وأخواتها إلى المدينة، وبقيت مع زوجها المشرك بمكة. فلما كان يوم بدر أسر زوجها أبو العاص بن الربيع ضمن أسرى بدر، وأرسل أهل الأسرى من قريش بفداء أسراهم، وأرسلت زينب تفتدي زوجها، أرسلت مالاً وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة ﵂ أدخلتها بها على أبي العاص حين تزوجها، تقول عائشة ﵂: فلما رآها رسول الله ﷺ رق رقة شديدة، وقال لأصحابه: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا. قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها. وأخذ عليه رسول الله ﷺ العهد أن يخلي سبيل زينب لتهاجر إلى المدينة، فوفى أبو العاص بعهده، ولحقت بأبيها في المدينة ومعها طفلتها الرضيع "أمامة" صاحبة القصة.
ووقع أبو العاص مرة ثانية في الأسر، وتذكرت زينب حسن عشرته ووفاءه، تذكرت أنه بعد أن فارق عتبة وعتيبة أختيها ذهبت قريش إلى أبي العاص تقول له: فارق ابنة محمد وننكحك أي نساء العرب شئت. فقال: لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش. ذكرت أنه لم يتزوج عليها على الرغم من كثرة زواج العرب، ذكرت وفاءه بعهده لرسول الله ﷺ وإرسالها إلى أبيها وصبره على بعدها. ذكرت كل ذلك فبرزت من طاقة في بيتها تطل على المسجد والمسلمون في صلاة الفجر، فقالت: أيها الناس. قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما انتهوا من الصلاة قال رسول الله ﷺ : المسلمون ذمة واحدة يجير عليهم أدناهم، وأطلق سراح أبا العاص بن الربيع مرة ثانية، وكانت عنده أمانات وأموال لقريش، فذهب إلى مكة ورد أمانات الناس وأموالهم ثم أعلن إسلامه وهاجر إلى المدينة قبل الفتح، فرد رسول الله ﷺ عليه زينب على النكاح الأول، وكان رسول الله ﷺ يثني عليه في مصاهرته، ولم تطل عشرة زينب معه فتوفيت سنة تسع من الهجرة، ولم يعش بعدها أبو العاص طويلاً. إذ توفي في خلافة أبي بكر، أما "أمامة" صاحبة القصة فقد تزوجها "علي" كرم الله وجهه بعد وفاة فاطمة بوصية من فاطمة قبل وفاتها. قال الحافظ ابن حجر: ولم تعقب.
لقد أطلت في ذكر الظروف المحيطة بالحديث، وبدون شعور أجدني منساقًا إلى السيرة العطرة كلما طرقت بابها، وأجدني آثمًا لو حاولت حذف شيء مما كتبت عنها. ومن هذه الظروف يتضح لنا كيف ومتى وصلت "أمامة" لرسول الله ﷺ بعد غيبة وإشفاق على أمها؟ ومدى ما يتصوره قلب والد
стр. 1407
أو جد من عطف على أطفال بنته وحب لهم فضلاً عمن قال فيه ربه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] أضف إلى ذلك أنه معلم البشرية يحب أن يستأصل من عادات الجاهلية تفضيل الذكور وحبهم دون الإناث، فيضرب لهم المثل الأعلى في عطفه وحبه للبنت حتى يضعها فوق رقبته وهو يعبد الله ويصلي بالناس، ولو أنه استطاع أن لا يزعجها وأن لا يكسر بخاطرها لحظة لفعل، ولكن حركات الصلاة تحول دون ذلك فكان ﷺ إذا أراد أن يركع أخذها بيديه من عاتقه ووضعها على الأرض بين يديه ثم ركع ثم رفع ثم سجد ثم جلس بين السجدتين ثم سجد الثانية ثم وضعها على عاتقه وقام بها، وهكذا حتى انتهت الصلاة. ورأى الصحابة المثل الأعلى في الرحمة والحب والعطف والشفقة والتكريم والإكرام فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(كان يصلي) هذه العبارة تشعر بتكرار الفعل بخلاف ما لو قال "صلى" لكن هذا التعبير غير مراد به التكرار وإن أشعر بذلك، حيث لم يتكرر منه ﷺ ذلك.
(وهو حامل أمامة) قال الحافظ ابن حجر: المشهور في الروايات بتنوين "حامل" ونصب "أمامة" وروي بالإضافة، كما قرئ ﴿إن الله بالغ أمره﴾ [الطلاق: ٣] و"أمامة" بضم الهمزة وتخفيف الميمين.
(بنت زينب بنت رسول الله ﷺ "بنت" الأولى منصوب صفة لأمامة و"بنت" الثانية مجرور صفة لزينب.
(ولأبي العاص بن الربيع) أي "أمامة" بنت لزينب وبنت لأبي العاص بن الربيع، فالإضافة في "بنت زينب" بمعنى اللام التي ظهرت في المعطوف، وأبو العاص بن الربيع اسمه لقيط وقيل مقسم وقيل القاسم، وهو مشهور بكنيته أسلم قبل الفتح وهاجر وكانت وفاته في خلافة أبي بكر، وأشار ابن العطار إلى الحكمة في نسبة أمامة أولاً إلى أمها على غير المعتاد، فقال: الحكمة في ذلك كون والد أمامة كان إذ ذاك مشركًا، فنسبت إلى أمها، تنبيهًا على أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا، ثم بين أنها من أبي العاص تبيينًا لحقيقة نسبها. اهـ وهذا الكلام في ظاهره حسن وجميل حسب الحكم الشرعي الذي استقر أخيرًا بالمدينة، ولكن من المستبعد أن يقصد أبو قتادة هذا المقصد حيث كان آنذاك كثير من أبناء المشركين الذين أسلمت أمهاتهم وفرق الإسلام بين الأمهات والآباء بعد نزول سورة الممتحنة وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [الممتحنة: ١٠] لم يعرف أن أبناء هؤلاء المؤمنات نسبوا إليهن آنذاك ولم ينسبوا لآبائهم الكفار. والذي أراه أن السبب في ذلك هو أن زينب آنذاك كانت عند أبيها بالمدينة
стр. 1408
وأن أبا العاص كان مشركًا بمكة، وكان كل من رأى أمامة وسأل عنها قيل: بنت زينب بنت رسول الله ﷺ تكريمًا لها وحبًا لحب جدها فجرى على لسان الناس هذه النسبة، لا قصد الشرع، ولكن بحكم جريان الألسنة، ولما لم يستسغ الراوي الاكتفاء بهذه النسبة نسبها النسب الحقيقي لأبيها وهو مشرك، ولو قصد الشرع ما نسبها النسبة الثانية. يؤكد ما ذهبت إليه أن الرواية الثالثة من رواياتنا نسبتها إلى أبيها فقط، وأن الرواية الثانية عكست نسبة الرواية الأولى، فنسبتها إلى أبيها أولاً ثم زادتها تعريفًا بنسبتها إلى أمها. والله أعلم.
-[فقه الحديث]-
يجتهد العلماء في توجيه هذا الحديث لدلالته على وقوع الحركات الكثيرة في الصلاة مما يتنافى وما تقرر من أن الحركات الكثيرة تبطلها، فبعضهم يرى:
١ - أن ذلك العمل منه ﷺ لم يكن عن عمد فيقول الخطابي: يشبه أن يكون الصبية كانت قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته فينهض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها قال: هذا وجهه عندي. وتوضيح وجهه أنه يقصد أن الرسول ﷺ لم يكن يرفعها وكل أعماله أنه كان يضعها عند الركوع، وهذا العمل قليل معفو عنه، وقريب من هذا القول قول ابن دقيق العيد، إذ قال: من المعلوم أن لفظ حمل لا يساوي لفظ وضع في اقتضاء فعل الفاعل. لأنا نقول: فلان حمل كذا، ولو كان غيره حمله، بخلاف وضع، فعلى هذا فالفعل الصادر منه هو الوضع لا الرفع، فيقل العمل. اهـ وكان ابن دقيق العيد يشرح الرواية الأولى في بابنا وهي في البخاري ولم يكن اطلع على روايتنا الثانية، فلما اطلع عليها قال ﵀ وقد كنت أحسب هذا التوجيه حسنًا إلى أن رأيت في بعض طرق الحديث الصحيحة "وإذا رفع من السجود أعادها". اهـ وهذه الرواية ترد كذلك توجيه الخطابي، وأصرح منها في ذلك رواية أبي داود وهي "أخذها فردها في مكانها" ورواية أحمد "وإذا قام حملها فوضعها على رقبته".
٢ - وبعضهم يرى أن ذلك كان في النافلة، فيغتفر فيها ما لا يغتفر في الفريضة، روى ذلك ابن القاسم عن مالك، ورده العلماء بأنه تأويل بعيد، قال المازري: لأن إمامته ﷺ بالناس في النافلة ليست بمعهودة ويعارضه صريح بعض الروايات، فعند أبي داود "بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذ خرج علينا وأمامة على عاتقه، فقام في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر فكبرنا وهي في مكانها".
٣ - وبعضهم يرى أن ذلك جاز للضرورة. قال القرطبي: روى أشهب وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك للضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها. اهـ وزاد بعض أصحابه، فقالوا لأنه لو تركها لبكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها، وزاد بعض أصحابه أيضًا، فقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. اهـ وهذا مردود برواية
стр. 1409
خروجه بها من البيت، وأمها في الأغلب فيه، وبجوار بيتها بيت عائشة وسودة. فالضرورة مستبعدة، ولا دليل عليها.
٤ - وقال بعضهم: إن هذا منسوخ، قال القرطبي: روى عبد الله بن يوسف التنبسي عن مالك أن الحديث منسوخ، ولفظه: قال التنبسي قال مالك عندما سئل: من حديث النبي ﷺ ناسخ ومنسوخ وليس العمل على هذا. اهـ ووجهه ابن عبد البر بقوله: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله ﷺ "إن في الصلاة لشغلاً" لأن ذلك كان قبل الهجرة [انظر حديث ابن مسعود في الباب قبل السابق ففيه أنه كان قبل الهجرة بثلاث سنين] وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة [راجع المعنى العام لهذا الحديث لترى أن زينب وبنتها جاءتا المدينة بعد بدر بمدة].
٥ - وبعضهم يرى أن ذلك كان من خصوصياته ﷺ وقال: كان من خصائصه ﷺ [لكونه كان معصومًا من أن تبول وهو حاملها]، ورد بأن الأصل عدم الاختصاص وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في أمر غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في ذلك. ذكره القاضي عياض.
٦ - ومن هذا العرض يتبين أن الذي تولى حملة الرد هم المالكية وجمهور العلماء على أن مثل هذا العمل المتفرق لا يضر الصلاة. قال النووي: كل هذه الدعاوى باطلة ومردودة، فإنه لا دليل عليها، ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، فالأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبي ﷺ هذا بيانًا للجواز. اهـ
وقال أيضًا في المجموع: أما حكم المسألة فمختصر ما قال أصحابنا أن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إن كان كثيرًا متواليًا أبطل الصلاة بلا خلاف، ثم قال: واختلفوا في حد الكثير والتوالي. والصحيح المشهور وبه قطع الجمهور أن الرجوع في الكثرة والقلة إلى العادة والعرف. فلا يضر ما يعده الناس قليلاً كالإشارة برد السلام، ورفع العمامة ووضعها، ولبس ثوب خفيف ونزعه، وحمل صغير ووضعه. وخطوة واحدة أو خطوتان، وأشباه هذا. ثم قال: واتفق الأصحاب على أن الكثير إنما يبطل إذا توالى، فإن تفرق بأن خطا خطوة ثم سكت زمنًا، ثم خطا أخرى، أو خطوتين ثم خطوتين بينهما زمن، وتكرر ذلك مرات كثيرة حتى بلغ مائة خطوة فأكثر لم يضر بلا خلاف، وحد التفريق أن يجد الفعل الثاني منقطعًا عن الأول. انتهى بتصرف.
وظاهر الحديث أن الآدمي وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته. قال النووي: ودلائل الشرع متظاهرة على هذا.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - قال ابن بطال: أراد البخاري أن حمل المصلي الجارية إذا كان لا يضر الصلاة فمرورها بين يديه لا يضر، لأن حملها أشد من مرورها، وأشار إلى نحو هذا الاستنباط الشافعي.
стр. 1410
٢ - وفي الحديث دليل واضح على حسن معاملة الإسلام للإناث، قال الفكهاني: وكأن السر في حمله ﷺ أمامة في الصلاة أن يدفع ما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم.
٣ - واستدل به على جواز إدخال الصبيان في المساجد.
٤ - وأن لمس الصغار الصبايا غير مؤثر في الطهارة. قاله الحافظ ابن حجر. وفيه نظر لأن الصبية هنا ليست أجنبية فهي بنت بنته واللمس الضار بالوضوء لمس الأجنبية.
٥ - وأن الصلاة لا تبطل بحمل آدمي وكذا بحمل حيوان طاهر، وللشافعية تفصيل بين المستجمر وغيره.
٦ - واستدل به على ترجيح العمل بالأصل على الغالب.
٧ - وفيه تواضعه ﷺ وشفقته على الأطفال وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.
واللَّه أعلم
стр. 1411
(٢٠٤) باب الخطوة والخطوتين في الصلاة، وأنه لا كراهة في ذلك إذا كان لحاجة وجواز صلاة الإمام على موضع أرفع من المأمومين للحاجة كتعليمهم الصلاة أو غير ذلك
١٠٣٣ - عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أن نفراً جاءوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر. من أي عود هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو ومن عمله ورأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس عليه قال فقلت له: يا أبا عباس فحدثنا. قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة (قال أبو حازم: إنه ليسميها يومئذ) "انظري غلامك النجار. يعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها". فعمل هذه الثلاث درجات. ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع. فهي من طرفاء الغابة. ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر. ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر. ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته. ثم أقبل على الناس فقال "يا أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي. ولتعلموا صلاتي".
١٠٣٤ - عن أبي حازم قال: أتوا سهل بن سعد فسألوه من أي شيء منبر النبي ﷺ ؟ وساقوا الحديث نحو حديث ابن أبي حازم.
-[المعنى العام]-
عجب جماعة من متانة خشب منبر مسجد الرسول ﷺ ، وتجادلوا في نوعه، ومن أي الأشجار هو، فذهبوا إلى الصحابي الجليل سهل بن سعد الساعدي يرفعون إليه الأمر ليحكم في جدلهم واختلافهم في نوع الخشب الذي صنع منه المنبر، فقال لهم سهل: على خبير وقعتم، فوالله إني أعلم الأحياء بهذا الأمر. لقد عايشته ورأيته وسمعته. إني أعرف نوع عوده، وأعرف من قام بصنعه، ولقد رأيت رسول الله ﷺ أول مرة يجلس عليه. وكان أبو حازم حاضرًا المجلس، فقال لسهل: إذا كان الأمر
стр. 1412
كذلك، فحدثنا يا أبا العباس. قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة من الأنصار. لها غلام نجار. يقول لها: مري غلامك النجار يصنع لي خشبات وأعوادًا درجًا أصعد عليه وأخطب الناس عليه. فأمرت غلامها وكان النجار الوحيد في المدينة واسمه ميمون فصنع المنبر من ثلاث درجات من خشب طرفاء الغابة، أو أثل الغابة الشجر المعروف في الغابة التي تبعد عن المدينة أربعة أميال، وأمر به رسول الله ﷺ فوضع في المكان الذي ترونه، بجوار القبلة لا يفصله عن الحائط إلا قدر مرور العنز. ثم قال: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يصعد المنبر مستقبل القبلة وظهره للقوم، فنوى الصلاة وكبر، فكبر الناس خلفه وقام فقرأ ثم ركع ثم رفع وهو على المنبر، ثم رجع بظهره ونزل خطوتين درجتي المنبر، فوصل أصل المنبر فسجد على أرض المسجد بجوار المنبر ثم جلس بين السجدتين، ثم سجد الثانية ثم نهض، فصعد المنبر فقرأ ثم ركع ثم رفع ثم نزل راجعًا القهقرى حتى وصل إلى أصل المنبر فسجد ثم جلس ثم نهض فصعد حتى أتم الصلاة، فأقبل على الناس، فخطبهم فقال: أيها الناس إنما صليت في أعلى المنبر لتروا صلاتي فتتعلموها ولتقتدوا بي [ ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين].
هذا وقد كان ﷺ يخطب القوم بدون منبر مدة طويلة وكان يسند ظهره إلى جذع من جذوع النخل التي رصت في الجدار الذي جهة القبلة، ويروى أنه بعد فترة وضعت له مصطبة كدرجة واحدة من اللبن، ولعلها وضعت أمام الجذع الذي يستند إليه عند الخطبة، لأنه من الثابت أن الجذع الذي كان يخطب عليه قد تأثر حتى روى البخاري عن جابر قال "كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه".
وفي سنة صنع المنبر خلاف بين العلماء، فقد جزم ابن سعد بأنه كان في السنة السابعة، وجزم ابن النجار بأنه كان في السنة الثامنة، وبقي المنبر على حاله ثلاث درجات في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وفي خلافة معاوية زاده مروان عامله في المدينة ست درجات من أسفله، وبقي على هذا الوضع إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق، ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين وستمائة منبرًا ثم أرسل الظاهر بيبرس منبرًا، فأزيل منبر المظفر ووضع. وتوالت عليه بعد ذلك التعديلات والتغييرات. والله أعلم.
-[المباحث العربية]-
(أن نفرًا جاءوا) النفر من ثلاثة إلى عشرة، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهم.
(قد تماروا في المنبر) معناه تجادلوا وتنازعوا واختلفوا، ومنه قوله تعالى: ﴿فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا﴾ [الكهف: ٢٢] والمنبر كما قال أهل اللغة مشتق من النبر وهو الارتفاع، واللام في المنبر للعهد: أي منبره ﵊.
(من أي عود هو)؟ في الرواية الثانية "من أي شيء منبر النبي ﷺ " أي من أي نوع من الخشب؟ .
стр. 1413
(أما والله إني لأعرف من أي عود هو)؟ "أما" أداة استفتاح، وقصد بهذه الجملة وبالقسم التوثيق مما يقول، وفي رواية للبخاري "ما بقي بالناس أعلم مني" ومعنى روايتنا: إني لأعرف جواب: من أي عود هو؟ .
(ومن عمله) أي والله إني لأعرف من عمله، فالموصول معطوف على مفعول "أعرف".
(قال: فقلت يا أبا عباس فحدثنا) أي قال أبو حازم لسهل: يا أبا عباس كنية سهل بن سعد الساعدي، وكان أبو حازم موجودًا عند إتيان النفر المتجادلين، والظاهر أنه لم يكن منهم وإلا لقال: تمارينا. والفاء في "فحدثنا" فصيحة في جواب شرط مقدر، أي إذا كنت أعلم الناس به فحدثنا.
(أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة - قال أبو حازم: إنه ليسميها يومئذ) يعني أن سهلاً ذكر اسم المرأة ونسيه أبو حازم، وفي رواية للبخاري "أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل -" وقد أجهد العلماء أنفسهم في محاولة الوصول إلى اسم هذه المرأة واختلفوا اختلافات كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر والعيني وغيرهما، ولم يصلوا إلى قرار في اسمها.
(انظري غلامك النجار) أي انظريه نظرة طلب وأمر، وفي رواية للبخاري "مري غلامك النجار" وقد وصل الخلاف في اسم الغلام النجار صانع المنبر إلى سبعة آراء. قال الحافظ ابن حجر بعد أن سردها بأسانيدها وليس في جميع هذه الروايات التي سمي فيها النجار شيء قوي السند إلا حديث ابن عمر وليس فيه التصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم الداري، بل تبين من رواية ابن سعد أن تميمًا لم يعمله [وحديث ابن عمر ورواية ابن سعد اللذان أشار إليهما ابن حجر نصها: روى أبو داود والبيهقي بطرقهما عن نافع عن ابن عمر أن تميمًا الداري قال لرسول الله ﷺ لما كثر لحمه: "ألا نتخذ منبرًا يحمل عظامك؟ قال: بلى. فاتخذ له منبرًا" فضمير "فاتخذ له منبرًا" يمكن أن يعود لرسول الله ﷺ فليس في الحديث تصريح بأن الذي صنع المنبر تميم، أما رواية ابن سعد التي تبعد أن يكون تميم الصانع للمنبر فنصها: روى ابن سعد في الطبقات من حديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ كان يخطب وهو مستند إلى جذع، فقال: إن القيام قد شق علي، فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور النبي ﷺ المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلامًا يقال له "كلاب" أعمل الناس.
فقال: مره أن يعمل"] وأشبه الأقوال بالصواب قول من قال: هو ميمون، لكون الإسناد عن طريق سهل بن سعد أيضًا [والرواية التي يقصدها ابن حجر أخرجها قاسم بن أصبغ وأبو سعد في "شرف المصطفى" جميعًا عن طريق يحيى بن بكير عن ابن لهيعة حدثني عمارة بن غزية عن عباس بن سهل عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى خشبة، فلما كثر الناس قيل له: لو كنت جعلت منبرًا؟ قال: وكان بالمدينة نجار واحد، يقال له ميمون، فذكر الحديث] وأما الأقوال الأخرى فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جدًا أن يجمع بينها بأن النجار كانت له أسماء متعددة وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله فيمنع منه قوله
стр. 1414
في كثير من الروايات "لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، إلا إن كان يحمل على أن المراد بالواحد الماهر في صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن. اهـ
قال الإمام النووي: والرواية التي معنا "انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا" مخالفة في ظاهرها لرواية جابر في صحيح البخاري "أن المرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجارًا؟ قال: إن شئت. فعملت المنبر" قال: والجمع بينهما أن المرأة عرضت هذا أولاً على رسول الله ﷺ ، ثم بعث إليها النبي ﷺ يطلب تنجيز ذلك.
(يعمل لي أعوادًا) "يعمل" مضارع مجزوم في جواب الأمر، أي يعمل لي أعوادًا منبرًا.
(أكلم الناس عليها) "أكلم" بالرفع، أي أكلم الناس وأخطبهم عليها، وفي رواية البخاري "أجلس عليهن". (فعمل هذه الثلاث درجات) قال النووي: هذا مما ينكره أهل العربية والمعروف عندهم أن يقول: ثلاث الدرجات، أو الدرجات الثلاث، وهذا الحديث دليل لكونه لغة قليلة. اهـ.
وفي أبي داود "فاتخذ له منبرًا مرقاتين" وجمع بينهما بأن من قال مرقاتين لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها رسول الله ﷺ .
(فوضعت هذا الموضع) أي فوضعت الأعواد التي صارت منبرًا هذا الموضع، ووضع تجاه حائط القبلة بينه وبين حائط القبلة قدر ما تمر العنزة، وكان ﷺ يقوم في الصلاة بجنب المنبر، ولم يكن لمسجده محراب.
(فهي من طرفاء الغابة) وفي رواية للبخاري "من أثل الغابة، و"من أثلة الغابة" ولا تناقض، فقد فسر الخطابي الأثل بالطرفاء، وقال ابن سيده: الأثل يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه، وهو نبت مستقيم الخشبة، وخشبه جيد يحمل إلى القرى، فيبنى عليه بيوت المدن، وليس له شوك، وتصنع منه القصاع والأواني الصغار والكبار والمكاييل والأبواب، وهو معروف في قرى مصر بالأتل بالتاء، والغابة في الأصل كل شجر ملتف، والمراد بها هنا أرض كانت معروفة بهذا الشجر تقع على بعد تسعة أميال وقيل أربعة أميال من المدينة من طريق الشام. قال البكري: هما غابتان عليا وسفلى.
(ورأيت النبي ﷺ قام عليه) أي وقف عليه للصلاة على مرتفع للتعليم.
(ثم رفع) أي قرأ، ثم ركع، ثم رفع وهو على المنبر.
(فنزل القهقرى) "القهقرى" بالقصر المشي إلى الخلف، وقد رجع بظهره ﷺ ونزل من أعلى المنبر إلى أصله وهو مستقبل القبلة قال العيني: يقال: رجع القهقرى ولا يقال: نزل القهقرى، لأنه نوع من الرجوع لا من النزول، وصح باعتبار النزول رجوعًا من فوق إلى تحت.
стр. 1415
(حتى سجد في أصل المنبر) أي على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى.
(حتى فرغ من آخر صلاته) أي صلى هكذا. ينزل للسجود في كل ركعة السجدتين والجلوس بينهما ثم يصعد.
(ولتعلموا صلاتي) بكسر اللام الأولى وبفتح العين واللام المشددة، أي تتعلموا صلاتي بالمشاهدة، فإن الصلاة على المنبر يراها كل المصلين بخلاف الصلاة على الأرض فإنه لا يراها إلا بعضهم ممن قرب منه.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث أحكام نذكرها فيما يلي
١ - أن الفعل الكثير في الصلاة إذا تفرق لا يبطلها، لأن النبي ﷺ وكان ينزل خطوتين إلى أصل المنبر، ثم يصعدها، وتكرر ذلك في الركعات كلها وجملته كثيرة، لكن أفراده المتفرقة كل واحد منها قليل. قاله النووي.
٢ - وجواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع المأمومين، ولكنه يكره ارتفاع الإمام على المأموم وارتفاع المأموم على الإمام لغير حاجة، فإن كان لحاجة بأن أراد تعليمهم أفعال الصلاة لم يكره، بل يستحب لهذا الحديث، وكذا إن أراد المأموم إعلام المأمومين بصلاة الإمام واحتاج إلى الارتفاع. قاله النووي. وقال ابن دقيق العيد: من أراد أن يستدل بالحديث على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستتم، لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة اعتباره، فلا بد منه.
وعلى ما ذكره النووي قول أحمد والليث والشافعي في قول، وعن مالك والشافعي، المنع وحكي المنع أيضًا عن أبي حنيفة إلا أن العيني يقول: وهو غير الصحيح، بل مذهبه الجواز مع الكراهة، وعن بعض الحنفية جوازه إذا كان الإمام مرتفعًا مقدار قامة، وعن مالك تجوز في الارتفاع اليسير. اهـ. والتحقيق أنه يجوز إذا كان لعذر أو مصلحة كما إذا كان المسجد الذي في مستوى الإمام يسع المأمومين، أو كان بجزء منه أذى من مطر أو حر أو برد يحول دون خشوع المصلي. والله أعلم.
٣ - وفيه مشروعية اتخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه.
٤ - ومشروعية الخطبة على المنبر لكل خطيب خليفة كان أو غيره، وقال ابن بطال: إن كان الخطيب هو الخليفة فسنته أن يخطب على المنبر.
وإن كان غيره يخير بين أن يقوم على المنبر أو على الأرض، وتعقبه الزين بن المنبر بأن هذا
стр. 1416
إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء، قال الحافظ ابن حجر: وهذا التفصيل غير مستحب، ولعل مراد من استحبه أن الأصل ألا يرتفع الإمام عن المأمومين، ولا يلزم من مشروعية ذلك للنبي ﷺ ، ثم لمن ولي الخلافة أن يشرع لمن جاء بعدهم، وحجة الجمهور وجود الاشتراك في وعظ السامعين وتعليمهم أمور دينهم، والله الموفق. والحق مشروعية الخطبة على المنبر لكل خطيب وجرى عليه العمل منذ عهد النبوة حتى اليوم فأصبح إجماعًا، والله أعلم.
٥ - وفي الحديث استحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد، إما شكرًا وإما تبركًا، قاله الحافظ ابن حجر. اهـ وفي هذا الاستنباط بعد ونظر فإن الصلاة في الحديث فرض وللتعليم.
٦ - ويستفاد من الحديث أن من فعل شيئًا يخالف العادة عليه أن يبين حكمته لأصحابه.
٧ - وقيد قصد التعليم بالفعل بعد القول، فقد قصد رسول الله ﷺ تعليم المأمومين الصلاة بالفعل.
٨ - وجواز الحلف من غير استحلاف لتأكيد الخبر وتوثيقه.
والله أعلم
стр. 1417
(٢٠٥) باب كراهة الاختصار في الصلاة
١٠٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى أن يصلي الرجل مختصرًا. وفي رواية أبي بكر قال نهى رسول الله ﷺ .
-[المعنى العام]-
لما كانت الصلاة مناجاة بين العبد وربه، ولما كان الخشوع ومظاهر الخضوع والتسليم صورتها وحقيقتها وجب أن تكون أعضاء المسلم على هيئة تنطق بتلك الحقيقة، ومن هنا نهي عن الالتفات فيها، وعن كثرة التحرك، وتحريك الأيدي ورفع الرأس والبصر إلى أعلى إلى آخره.
ومن الصور المنهي عنها وضع اليد في الخاصرة، سواء أكانت يدًا واحدة أو اليدين معًا، وهي هيئة ذميمة تعد في عرف المخاطبين قلة أدب خصوصًا إذا حصلت أمام كبير، فما بالنا بالوقوف بين يدي الخالق البارئ المصور العزيز الجبار المتكبر؟ الذي تذل لعظمته الجباه، وتسكن في ذلة وخشوع جميع الجوارح في مناجاته.
-[المباحث العربية]-
(أن يصلي الرجل مختصرًا) في رواية البخاري "نهي عن الخصر في الصلاة" قال النووي: اختلف العلماء في معناه، فالصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته، وقال الهروي قيل: هو أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها والعصا تسمى مخصرة، وقيل: أن يختصر السورة، فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل: هو أن يحذف فلا يؤدي قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، والصحيح الأول. قيل لأنه فعل اليهود، وقيل لأنه فعل المتكبرين. اهـ.
-[فقه الحديث]-
قال الشوكاني بعد أن ذكر المعاني للاختصار: وقد اختلف في المعنى الذي نهى عن الاختصار في الصلاة لأجله على أقوال: الأول التشبه بالشيطان قاله الترمذي في سننه، والثاني أنه تشبه
стр. 1418
باليهود، قالته عائشة فيما رواه البخاري عنها في صحيحه، والثالث: أنه راحة أهل النار، روى ذلك ابن أبي شيبة عن مجاهد ورواه أيضًا عن عائشة، وروى البيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "الاختصار في الصلاة راحة أهل النار" قال العراقي: وظاهر إسناده الصحة ورواه أيضًا الطبراني. الرابع: أنه فعل المتكبرين والمختالين. قاله المهلب بن أبي صفرة. والخامس: أنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المأتم. قاله الخطابي. اهـ
وهذه العلل كلها يمكن أن تكون حكمة وسببًا مجتمعة وهي قاصرة على المعنى الأول في الاختصار. وحكمه بهذا المعنى مكروه متفق على كراهته للرجال والنساء كما يقول النووي، وقال الشوكاني: والحديث يدل على تحريم الاختصار، وقد ذهب إلى ذلك أهل الظاهر، وذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة ومالك والشافعي وأهل الكوفة وآخرون إلى أنه مكروه، والظاهر ما قاله أهل الظاهر لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم الذي هو معناه الحقيقي كما هو الحق. اهـ. والحق مع الجمهور لأن العلل التي استنبطت لهذا الحكم رغم عدم ثبوتها لا تعطي الحرمة.
والله أعلم
стр. 1419
(٢٠٦) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة
١٠٣٦ - عن معيقيب ﵁ قال ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد يعني الحصى قال "إن كنت لا بد فاعلاً فواحدة".
١٠٣٧ - عن معيقيب ﵁ أنهم سألوا النبي ﷺ عن المسح في الصلاة؟ فقال "واحدة".
١٠٣٨ - عن معيقيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال "إن كنت فاعلاً فواحدة".
-[المعنى العام]-
من تمام الخشوع في الصلاة الاستغراق في العبادة والانشغال بها عن بعض ما يقع للمصلي من أذى محتمل، أو مشقة يسيرة، فالحصى الذي يفرش به المسجد في الزمن الأول كان ذا نتوء، ارتفاع وانخفاض مما لو ضغط عليه أثر في الجبهة غالبًا، وقد يفكر المصلي أن يهيئ عند سجوده تسوية مكان جبهته بمسح الحصى بيده أو الضغط عليه باليد ليقرب من التسوية، وهذا العمل بحركاته يتنافى والخشوع، فنهى عنه ﷺ ، لكنه أباح عند الحاجة تسوية واحدة بإمرار اليد مرة واحدة، لأن تكرار المسح يخرج عن الخشوع ويضعف الانشغال بالصلاة، والأمر كذلك إذا كانت الأرض رملية أو ترابية، قد يجد المصلي مكان سجوده غير مستو مما يجعل بعض الجبهة ملاقية للأرض دون بعض فيسوي التراب أو الرمل مرة واحدة، وهكذا كل أذى يجده المصلي عند سجوده من ورق أو خرق أو قش فله أن يمهده بحركة واحدة لا بكثير من الحركات. أما مسح الجبهة من التراب بعد الصلاة فقد كرهه كثير من العلماء مادام المصلي في المسجد، فإن هو خرج فلا كراهة في مسحه جبهته، بل يسن له إن خاف من ذلك السمعة. واللَّه أعلم.
-[المباحث العربية]-
(عن معيقيب) بن أبي فاطمة الدويسي، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد بدرًا، واستعمله أبو بكر وعمر ﵄ على بيت المال، توفى آخر خلافة عثمان ﵁.
стр. 1420
(المسح في المسجد) "أل" في المسح للعهد، ولما أحس الراوي أن العهد بعيد فسره بقوله: يعني. أي مسح الحصى وتسويته في المسجد في موضع السجود.
(إن كنت -لا بد- فاعلاً فواحدة) "لا بد" اعتراضية بمعنى لا مفر.
روي "واحدة" بالنصب والرفع، أما النصب فهو صفة لمصدر محذوف مع فعل أمره، والتقدير: فامسح مسحة واحدة، وأما الرفع فعلى الابتداء، وخبره محذوف تقديره: فواحدة تكفيك.
-[فقه الحديث]-
المسح في الصلاة يحتمل مسح الجبهة مما علق بها أثناء السجود، ويحتمل مسح الأرض وتسويتها وتمهيدها لمكان الجبهة في السجود، والظاهر أن المراد من الأحاديث الثاني، لأن الرواية الأولى تفسر الممسوح بالحصى، وقلما يعلق بالجبهة، كما أن الرواية الثالثة صريحة في أن المقصود بالمسح التسوية وهي لا تقال على مسح الجبهة.
قال النووي: ومعنى "إن كنت لا بد فاعلاً فواحدة" أي لا تفعل، وإن فعلت فافعل واحدة، فهو نهي عن المسح. وهو نهي كراهة تنزيه. قال: واتفق العلماء على كراهة المسح. اهـ. ومراده جمهور العلماء وليس الإجماع. وقد حكى الشوكاني أن مالكًا لم ير به بأسًا، وكان يفعله في الصلاة، قال العراقي: وكان ابن مسعود وابن عمر يفعلانه في الصلاة، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على الواحدة. اهـ.
وعندي أن يفرق بين المسح لحاجة ولمصلحة الصلاة، وبين ما كان للتنعم وكمال الارتياح، فإذا كانت الأرض مليئة بحصى مدبب كالشوك، أو بتراب به عيدان وقش يحول دون التمكن من السجود كان المسح الموصل إلى التسوية مسحة أو مسحتين لا كراهة فيها، لأنها لصالح الصلاة، وعلى هذه الحالة يحمل عمل الإمام مالك وابن مسعود وابن عمر وغيرهم. واللَّه أعلم. والعلة في النهي أنه ينافي التواضع ولأنه يشغل المصلي. قاله النووي. وعن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى" ومعناه أن المسح في الصلاة يشغل خاطر المصلي ويلهيه عن مواجهة رحمة اللَّه في الصلاة. وظاهره أن النهي موجه للمصلي في حال صلاته، أما من يسوي مكانًا قبل الصلاة استعدادًا لها فلا شيء فيه، نعم قيل: بدخوله في النهي لئلا يشتغل بغير الصلاة عند إرادتها. ولكن هذا القول لا يعتد به، ولا يحتج له برواية الترمذي "إذ قام أحدكم إلى الصلاة" فإن رواية معيقيب وهي أولى بالقبول عن المسح في الصلاة. وقيل: إن الحكمة في النهي عن مسح الحصى أن لا يغطي شيئًا من الحصى المكشوف، فيفوت بمسحه السجود عليه، واستند لهذه الحكمة بما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي صالح قال: "إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإن كل حصاة تحب أن تسجد عليها" وهذا قول بعيد. والتقييد بالحصى في كثير من الروايات خروج على الغالب حيث كان الغالب على مساجدهم فرشها بالحصى. ولا فرق بينه وبين التراب والرمل، يؤكد هذا الرواية الثالثة وفيها تسوية التراب.
قال النووي: وكره السلف مسح الجبهة مما يعلق بها من غبار ونحوه في الصلاة وقبل الانصراف من المسجد.
стр. 1421
(٢٠٧) باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها والنهي عن بصاق المصلي بين يديه وعن يمينه
١٠٣٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكه ثم أقبل على الناس فقال "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى".
١٠٤٠ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه رأى نخامة في قبلة المسجد إلا الضحاك فإن في حديثه نخامة في القبلة بمعنى حديث مالك.
١٠٤١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة ثم نهى أن يبزق الرجل عن يمينه أو أمامه ولكن يبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى.
١٠٤٢ - عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة وأبا سعيد أخبراه أن رسول الله ﷺ رأى نخامة بمثل حديث ابن عيينة.
١٠٤٣ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ رأى بصاقًا في جدار القبلة أو مخاطًا أو نخامة فحكه.
١٠٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال "ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يستقبل
стр. 1422
فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره. تحت قدمه. فإن لم يجد فليقل هكذا" ووصف القاسم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض.
١٠٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحو حديث ابن علية وزاد في حديث هشيم قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يرد ثوبه بعضه على بعض.
١٠٤٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه".
١٠٤٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها".
١٠٤٨ - عن شعبة قال: سألت قتادة عن التفل في المسجد؟ فقال: سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التفل في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها".
١٠٤٩ - عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق. ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن".
١٠٥٠ - عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال صليت مع رسول الله ﷺ فرأيته تنخع فدلكها بنعله.
١٠٥١ - عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ قال فتنخع فدلكها بنعله اليسرى.
стр. 1423
-[المعنى العام]-
يضرب الإسلام المثل الأعلى في المحافظة على النظافة، والمثل الأعلى في مراعاة شعور الآخرين، والمثل الأعلى في التواضع.
أما الأول فيتمثل في صيانة المساجد ووقايتها من الأوساخ مهما كانت دوافع هذه الأوساخ.
إن العرب في بداوتهم لم تكن لديهم مناديل، وكانت أطعمتهم وحياتهم وبيئتهم يكثر معها التنخم والبصاق وكانت عادتهم - وأرضهم رملية وشاسعة يغوص فيها البصاق ولا يظهر له أثر - كانت عادتهم إذا رغبوا في البصق أو النخامة قذفوها على أي جهة وقعت، يمينًا أو شمالاً أو أمامًا. فلما بنيت المساجد وأقيم حائط القبلة كان بعض منهم في الصف الأول يبصقون على الجدار المواجه لهم أحيانًا. ورأى رسول الله ﷺ نخامة على جدار القبلة - ومن حكمته كمعلم للإنسانية أن ينتهز الفرص، ويختار الظرف المناسب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - رأى نخامة، فقام في الناس فقال: إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة ناجى ربه، ومن شأن المناجي والمناجى أن يواجه كل منهما الآخر، إن ربكم في مواجهتكم، فلا يبصق أحد في وجهه؟ إذا تنخع أحدكم واحتاج إلى دفع البصاق فليدفعه عن يساره وتحت قدمه، فإن لم يستطع فليأخذ بطرف ثوبه وليبصق فيه وليطبق طياته بعضها على بعض يمسح بها بصاقه ويزيل جرمه.
بقي أن يظنوا أن النهي خاص بحائط القبلة، وأنه لا نهي عن البصاق على أرض المسجد، فقال ﷺ البصاق في المسجد في أي مكان فيه خطيئة وذنب لا يمحوها إلا إزالة البصاق، وإزالته بدفنه في التراب، وعلى المسلم أن يجتنب الخطيئة أصلاً ويبتعد عنها فلا يبصق، فإن وقع في الخطيئة وبصق فليسرع بالتكفير عن خطيئته ويدفن نخامته في التراب.
إن البصاق قبيح المنظر تشمئز منه النفس، ويجب على كل مسلم أن يراعي شعور أخيه المسلم ولا يؤذيه. إن الإسلام حريص على التجاوب والتقارب بين أبنائه، ويحارب كل ما يورث الكراهية أو تأذي المسلم من المسلم، فنهى عن البصق وأمر بإزالته إذا وقع.
الأمر الواضح في هذه الأحاديث أن يتنازل الرسول ﷺ ، وهو الإمام والقائد، ويضرب المثل لكل فرد من أفراد أمته أن يقتدوا به، فيتقدم بنفسه ويأخذ حصاة من الأرض ويتجه إلى البصاقة في جدار المسجد فيحكها حكًا مستمرًا حتى يزيل جرمها وأثرها. فما أعظم التشريع السماوي في نظافته وحرصه على شعور الآخرين. وعلى كل ما يحبب المسلم للمسلم ويباعد بينه وبين ما يورث الكراهية والبغضاء.
وما أعظمك وأجلك يا صفوة خلق الله، وما أحلمك وما أشد تواضعك حين تضرب لنا المثل الأعلى لما ينبغي أن يكون عليه الحاكم والقائد.
فصلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك أجمعين.
стр. 1424
-[المباحث العربية]-
(رأى بصاقًا) وفي ملحق الرواية الأولى "رأى نخامة" وهي كذلك في الرواية الثانية والرابعة والثامنة "نخامة" وفي الرواية الثالثة، "رأى بصاقًا أو مخاطًا أو نخامة" وفي الرواية الرابعة والتاسعة والعاشرة "فيتنخع" أي النخاعة، وفي الرواية الخامسة "فلا يبزقن" أي البزاق، وهو في الرواية السادسة، وفي الرواية السابعة "التفل" ويمكن التفرقة بينها بأن ما يتجمع في الفم من اللعاب العادي إن أخرج رذاذًا لا يكاد يرى يسمى بالنفث. ولم يرد في الحديث لأنه خفيف لا يتجمع ولا يرى له جرم على سطح خارجي اللهم إلا الزجاج وأمثاله، وإن أخرج قليلاً متجمعًا فوق الرذاذ يسمى بالتفل: ولما كان التفل عادة لا يبقى أثره كثيرًا على السطح الخارجي أريد منه في الرواية السابعة البصق، لأن الذي يحتاج إلى الدفن البصق لا التفل، وإن كان التفل في المسجد في حد ذاته مكروهًا وجد أثره خارجًا أو لم يوجد، وإن أخرج كثيرًا متجمعًا سمي بالبصاق ويقال له: البزاق بالزاي كما ورد في الرواية الخامسة، قال النووي: ولغة قليلة بالسين "بساق" وعدها جماعة غلطًا اهـ فالنفث ثم التفل ثم البصاق كلها من السائل الرقيق العادي في الفم الذي هو اللعاب. أما الغليظ اللزج الذي ينزل من الرأس فيخرج عن طريق الأنف فهو مخاط وإن أخرج عن طريق الفم فهو النخامة. والذي يصعد من الصدر مع الكحة غالبًا هو النخاعة بالعين وبعضهم يطلق النخامة والنخاعة على شيء واحد وكثيرًا ما يطلق واحد من المذكورات على الآخر إذا وجد خارجًا من غير أن يرى الفعل لاشتباه أوصافها أحيانًا، وقد يشك الراوي في حقيقة المرئي خصوصًا اللزج منه فيطلق عليه إطلاقات مختلفة كما في الرواية الثالثة.
(في جدار القبلة) وهو كذلك في الرواية الثالثة، وفي الرواية الثانية "في قبلة المسجد" وهو كذلك في الرواية الرابعة، وفي ملحق الرواية الأولى "في القبلة" وفي رواية للبخاري "في جدار المسجد" والمراد واحد في الجميع وهو جدار قبلة المسجد.
(فحكه) وفي الرواية الثانية "فحكها بحصاة" وفي رواية للبخاري "فحكه بيده" قال الشراي: أي تولى ذلك بنفسه، لا أنه باشر النخامة بيده الشريفة والوارد أنه قلعها مرة بحصاة، ومرة بعرجون، رواه أبو داود. والعرجون بضم العين هو العود الأصفر الذي فيه الشماريخ إذا يبس واعوج.
(فلا يبصق قبل وجهه) "قبل" بكسر القاف وفتح الباء، أي جهة ما يواجهه، أي جهة القبلة، وفي رواية للبخاري "قبل قبلته" أي جهة قبلته.
(فإن اللَّه قبل وجهه إذا صلى) وفي الرواية الرابعة "يقوم مستقبل ربه" وفي رواية للبخاري "أو أن ربه بينه وبين القبلة" قال النووي، قيل معناه: إن قبلة الله قبل وجهه، وقيل: ثواب الله قبل وجهه، أو عظمة الله قبل وجهه، وقال الخطابي في شرح رواية "إن ربه بينه وبين القبلة" معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: فإن مقصوده بينه وبين
стр. 1425
قبلته. اهـ وقد نفهم معنى آخر، وهو أن المصلي يناجي ربه في صلاته كما هو صريح الرواية الخامسة، والمناجي والمناجى لا فاصل بينهما في الشأن والعادة فكأن الله أمامه وبين القبلة، فإن الله بينه وبين القبلة تقديرًا واعتبارًا وتصورًا. والله أعلم.
(فإن لم يجد فليقل هكذا) أي فإن لم يجد صلاحية عن يساره تحت قدمه كأن كان على يساره رجل أو كان تحت قدمه ثياب تتلوث، ولفظ القول مستعمل هنا في الفعل، أي فإن لم يجد متسعًا فليفعل هكذا [أي الهيئة التي وصفها الراوي].
(ووصف القاسم) أصل السند: حدثنا ابن علية عن القاسم بن مهران عن أبي رافع عن أبي هريرة، فالقائل: ووصف القاسم هو ابن علية، والقاسم نقل هذا الوصف عن أبي رافع، وأبو رافع نقل الوصف نفسه عن أبي هريرة فالمعنى: ووصف القاسم الهيئة المطلوبة.
(فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض) في رواية البخاري يصف أنس فعل النبي ﷺ فيقول: "ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض".
(فإنه يناجي ربه) قال العيني: المناجاة والنجوى هو السر بين الاثنين ومناجاة الرب مجاز، لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة، إذ لا كلام محسوس إلا من طرف واحد هو العبد، فيكون المراد لازم المناجاة، وهو إرادة الخير.
(ولكن عن شماله تحت قدمه) أي اليسرى، وفي الرواية الثانية "ولكن يبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، بأو وهي تبيح له أن يبزق عن يساره بعيدًا عن قدمه إذا كان في خلاء مثلاً. وسيأتي توضيح الحكم الشرعي.
-[فقه الحديث]-
يمكن ضبط نقاط الحديث وآداب البصاق وحكمه في ست نقاط.
الأولى: آداب البصاق وحكمه خارج المسجد وخارج الصلاة.
الثانية: آداب وحكم البصاق داخل المسجد في غير صلاة وبعيدًا عن حائط القبلة.
الثالثة: آداب وحكم البصاق داخل المسجد في صلاة وبعيدًا عن حائط القبلة.
الرابعة: آداب وحكم البصاق داخل المسجد في صلاة وفي حائط القبلة.
الخامسة: واجب من رأى بصاقًا في المسجد.
السادسة: ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام والحكم.
أولاً: أما عن النقطة الأولى فإن الإسلام - ولا ريب - دين النظافة، ودين منع الأذى ودين مراعاة شعور
стр. 1426
المسلمين، ودين تكريم اليمين، ودين التقديس لأماكن العبادة، ولا شك أن ما يخرج من الفم بأنواعه، ابتداء من النفث وانتهاء بالنخاعة أمر مستقذر، لكنه قد يضطر إليه المسلم، أو يحتاجه، أو يعتاده عادة تغلب عليه، وحينئذ يجب عليه أن يستخدم وسائل تحقق أهداف الإسلام ومقاصده التي ذكرناها.
ففي خارج المسجد وخارج الصلاة ونعني بالمسجد أماكن الصلاة المعتادة ولو مصلى، كما لو كان في البيت أو في المكتب أو في الطريق أو في صحراء فإن كان معه أحد، أو يحتمل أن يراه أحد فليحذر من إيذائه بذلك ولو بالرؤية، وإن لم يكن معه أحد ولا يحتمل أن يراه أحد فليحذر القذف إلى الأمام أو إلى اليمين، وليحذر الإساءة إلى المكان بالقذر، ولو كان المكان بيت الخلاء.
وإذا كانت أحاديث الباب قد تعرضت للتفل والنخامة في حائط المسجد أو في الصلاة فإن أحاديث أخرى جاءت مطلقة، ففي البخاري، "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن يمينه وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى" وفيه "لا يتفلن أحدكم بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت رجله".
ولسنا مع الذين يحملون المطلق على المقيد فيخصون النهي بالمسجد وبالصلاة مراعاة لخصوص السبب، ولا مع الذين يحصرون العلة في تقديس المسجد وحمايته من القاذورات، فإن عمل الصحابة بعد صدور النهي يوحي بأنهم اعتمدوا التعميم والإطلاق، فعن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة، وعن معاذ بن جبل قال: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقًا، وهذه كلها تشهد المنع المطلق ويعجبنا في هذا المقام ما جزم به النووي من المنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها وسواء أكان في المسجد أم في غيره.
إن الأذى بالنخامة لا يقتصر على المسجد، كما هو معروف ومشاهد، بل إن بعض النخامات تحمل "ميكروبًا" وجراثيم تعدي السليم إذا لاقاها، بل قد تنتقل منها الجراثيم محمولة على الهواء القريب، أضف إلى ذلك التقزز والاشمئزاز الذي يصيب الرائي فيؤثر على غدده وأمعائه.
وإذا كانت الأحاديث قد عالجت النخامة بدلكها بالقدم اليسرى أو بتغييبها في الأرض، فإنما كان ذلك اقتصارًا على الوسيلة المقدورة آنذاك، مع وضعها في بعض أجزاء الثوب إن خيف من تلك الوسيلة أو لم تتيسر. وفي هذه الأزمان. وقد أصبحت الأرض في أكثر أماكن إقامتنا مفروشة أو صلبة مبلطة ونظيفة لا يغيب معها أثر النخامة، بل قد تزيدها القدم سوءًا وقذرًا. وجب أن لا يستخدم المسلم قدمه اليسرى، ووجب أن يتخذ لنفسه منديلاً أو قطعة من القماش أو الورق، فإن لم يجد فجزء ثوبه، وبحيث لا يراه أحد ولا يتأذى به ما أمكن، ولو أدى ذلك إلى كتمان نفسه بعض الشيء ومغالبة النازل.
وإذا كان بعض العلماء قد ذهب إلى أن النهي لكراهة التنزيه، فإننا نرى أن الأمر ليس على
стр. 1427
إطلاقه، فليس التفل في درجة النخاعة، وليس الأثر هنا كالأثر هناك، فالأولى أن يختلف الحكم باختلاف آثاره، أحيانًا للتنزيه وأحيانًا للحرمة. والله أعلم.
ثانيًا: وما قيل في البصاق خارج المسجد وخارج الصلاة يقال في البصاق داخل المسجد في غير صلاة، وفي غير جدار القبلة، ويزيد الإثم بحرمة المسجد والرواية السادسة والسابعة والثامنة ظاهرة في إنكار هذا الفعل واعتباره خطيئة وسيئة، وإذا كانت الروايتان السادسة والسابعة حكمتا بذلك على التفل والبصاق فإن الخطيئة في المخاط والنخامة والنخاعة أشد وأعظم. وقد أثار العلماء جدلاً حول هاتين الروايتين، وهل التفل في المسجد في حد ذاته خطيئة؟ أو هو خطيئة إذا لم تدفن؟ على معنى: هل تكتب سيئة ثم تمحى هذه السيئة بالدفن، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]؟ أو إذا دفنت فلا كتابة ولا محو، وإذا لم تدفن كتبت سيئة؟ المآل واحد وهو أنه لا إثم إذا دفنت، والإثم ثابت إذا لم تدفن، ولكن الجدل حول الكتابة وعدمها في حالة الدفن، وللفائدة نسوق ما قيل في ذلك. قال الحافظ ابن حجر في الفتى: قال القاضي عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا. ورد النووي فقال: هو خلاف صريح الحديث.
قال الحافظ قلت: وحاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضًا، وهما قوله "البزاق في المسجد خطيئة" وقوله "وليبصق عن يساره أو تحت قدمه" فالنووي يجعل الأول عامًا، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد: والقاضي بخلافه، يجعل الثاني عامًا، ويخص الأول بما لم يرد دفنها، وقد وافق القاضي جماعة منهم ابن مكي في "التنقيب" والقرطبي في "المفهم" وغيرهما، ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا قال "من تنخم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه"، وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضًا والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعًا قال" من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة" فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعًا قال "وجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن". قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل به وبتركها غير مدفونه. اهـ وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب علي خطيئة الليلة. فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها، وعلة النهي ترشد إليه، وهي تأذي المؤمن بها، ومما يدل على أن عمومه مخصوص جواز ذلك في الثوب ولو كان في المسجد بلا خلاف. اهـ
وليس غريبًا على القاضي عياض والقرطبي هذا الاتجاه المالكي، فقد نقل عن الإمام مالك ﵁ أنه قال: لا بأس بالبصق خارج الصلاة، ولكن ميل الحافظ ابن حجر لهذا الرأي يحتاج إلى وقيفة. وما ذكره من أنه يشهد لهم ما روي عن سعد بن أبي وقاص لا يشهد لهم، فإنه أمر بتغييب النخامة، وهو يصلح أن يكون لرفع ما كتب من سيئة، وأن يكون لعدم كتابتها، وحديث أبي أمامة فإن المراد منه أنه إذا لم يدفنها بقيت سيئة فلم تمح. نعم كان يصلح دليلاً لو أنه قال: من تنخع في
стр. 1428
المسجد فليس بسيئة إلا إذا لم يدفنها، ثم إن في حديث أبي أمامة إشكالاً في قوله "وإن دفنه فحسنة" إذ لو حملت هذه الحسنة على ما يمحو سيئة النخع لتنخع الناس عمدًا ودفنوا ليحصلوا حسنات. فهو دليل عليهم لا لهم. كذلك حديث "مساوئ أعمال الأمة النخاعة التي لا تدفن" أي فيبقى حكم السيئة ويثبت مادامت لم تدفن. أما أبو عبيدة فمراده أنه يحمد الله أن لم تبق عليه سيئة لا أنها لم تكتب أصلاً. وإلا لو فرضنا أن مسلمًا أوذي بهذه النخامة في الفترة التي وصل فيها بيته ألا يكون قد أساء وكتبت عليه سيئة؟ الحق مع الإمام النووي في أن الفعل نفسه خطيئة يكفر بالدفن. والله أعلم.
ثالثًا: وما قيل في البصاق خارج المسجد وخارج الصلاة، وما قيل في البصاق داخل المسجد في غير صلاة يقال هو وأشد منه في البصاق في المسجد في الصلاة، بل الدفن صعب في الصلاة، ويزيد الحكم حرمة كون المصلي مستقبل ربه يناجيه، ومن ألفاظ التقبيح والوعيد قوله ﷺ في الرواية الرابعة "وما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يُسَتْقبل فَيتُنخَعَ في وَجْهِهِ"؟ .
رابعًا: أما البصاق في حائط القبلة ممن كان في صلاة أو ممن لم يكن في صلاة فهو أشد الأنواع سوءًا، إذ العلل السابقة متوفرة فيه بالإضافة إلى وجوب احترام القبلة، ثم التأذي به أشد من التأذي بالحالات الأخرى. قال الحافظ ابن حجر: والتعليل بأن ربه بينه وبين القبلة يدل على أن البزاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد أم لا ولا سيما من المصلي.
خامسًا: ويؤخذ من حك الرسول ﷺ بنفسه البصاق من حائط القبلة كما جاء في الرواية الأولى وجوب الإزالة على كل من رآه وأن يتخذ لذلك الوسائل سواء احتاج إلى آلة أو لم يحتج، فإن كان يابسًا أزالته الحصاة والعرجون ونحوها وإن كان رطبًا لم تفد الحصاة، بل قد تنشره وتزيد التلوث، وقد روي عن ابن عباس "إن كان رطبًا فاغسله" ذكره البخاري.
-[سادسًا: ويؤخذ من الأحاديث الواردة في الباب]-
١ - طلب إزالة الأقذار من المسجد وتنزيهه عنها.
٢ - ومن الرواية التاسعة والعاشرة جواز الفعل في الصلاة، وأن المصلي قد يبصق في الصلاة ولا تفسد صلاته.
٣ - وأن البزاق والمخاط والنخاع. طاهرات. قال النووي: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين إلا ما حكاه الخطابي عن إبراهيم النخعي أنه قال: البزاق نجس. قال النووي: ولا أظنه يصح عنه.
٤ - قال النووي: ويؤخذ من قوله "ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن" في الرواية الثامنة أن هذا القبح والذم لا يختص بصاحب النخاعة، بل يدخل فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو حك أو نحوه.
٥ - يؤخذ من الرواية الرابعة البيان بالفعل بعد القول، وهو أوقع في نفس السامع.
стр. 1429
٦ - وفي الحديث تفقد الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها.
٧ - وأن المصلي إذا نفخ أو تنحنح جاز لأن النخامة لا بد أن يقع معها شيء من نفخ أو تنحنح. كما قالوا. ولكن هذا إذا كان التنحنح بغير اختياره أما إذا كان باختياره فإن ظهر منه حرفان فأكثر فسدت صلاته، وعن أبي حنيفة أن النفخ. إذا كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة.
٨ - وأن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع لكون اليمين مفضلة على اليسار، واليد مفضلة على القدم.
٩ - والحث على الاستكثار من الحسنات وإن كان صاحبها مليًا، لكونه ﷺ باشر الحك بنفسه وهو دال على عظم تواضعه. زاده الله تشريفًا وتعظيمًا ﷺ .
واللَّه أعلم
стр. 1430
(٢٠٨) باب جواز الصلاة في النعلين
١٠٥٢ - عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: قلت لأنس بن مالك أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم.
-[المعنى العام]-
كانت المساجد مفروشة بالرمل، وكانت الطرق رملية غالبًا، وكانت النعال تزيل قذارتها بالمشي فيها على هذه الرمال، فأباح ﷺ الصلاة في النعال، وصلى متنعلاً وحافيًا لبيان الجواز. وكل ما طلبه في النعال أن يدلكها صاحبها بالتراب قبل دخوله المسجد لإزالة ما بها من قاذورات.
لكن لما كان من مظاهر الأدب خلع النعلين، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى﴾ [طه: ١٢] كان الأفضل خلع النعلين عند دخول المسجد وعند الصلاة خصوصًا في هذا العصر الذي لو دخلنا فيه المسجد بنعالنا لوقعت فتنة كبرى. صان اللَّه مساجد اللَّه. ووفقنا لما يحبه ويرضاه.
-[المباحث العربية]-
(يصلي في النعلين) أي على النعلين، أو بالنعلين قال العيني: لأن الظرفية غير صحيحة والنعل الحذاء، مؤنثة.
-[فقه الحديث]-
لا خلاف بين العلماء في جواز الصلاة بالنعال إذا لم نتحقق من نجاستها، والخلاف بينهم حينئذ في كونها من الرخص أو المستحبات. قال ابن دقيق العيد: هي من الرخص لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسته الأرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه المرتبة. وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية، لأنها من باب دفع المفاسد والأخرى من باب جلب المصالح. قال: إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما يتجمل به فيرجع إليه ويترك هذا النظر. اهـ.
стр. 1431
قال الحافظ ابن حجر: وقد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعًا "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة. اهـ.
وحكى الغزالي في الإحياء عن بعضهم أن الصلاة في النعال أفضل. فإن كان في النعلين نجاسة فهل يكفي دلكهما وإباحة الصلاة فيهما أو يجب غسلهما وإزالة النجاسة؟ وإلا ما صحت الصلاة فيهما؟ بالقول الثاني قال الشافعية سواء أكانت النجاسة رطبة أم جافة، ولا يجزئ الدلك لأنه لا يزيل جميع أجزاء النجاسة، ويحملون حديث الصلاة في النعلين على حالة طهارتهما وعدم تحقق نجاستهما. وقال مالك وأبو حنيفة: إن القذر الرطب لا يطهر إلا بالماء، والجاف يجزيه الدلك، وذهب جماعة منهم الأوزاعي وإسحق أن القذر في النعال يجزئ دلكه في الأرض وتصح الصلاة فيه سواء كان رطبًا أو يابسًا، لما روى أبو داود عن النبي ﷺ قال "إذا وطئ بنعليه أحدكم الأذى فإن التراب له طهور" فالحديث لم يفرق بين الرطب والجاف، وعند الحنابلة أقوال ثلاثة.
قال العيني: ويستنبط من الحديث جواز المشي في المسجد بالنعل. اهـ. وينبغي أن يقيد بما إذا أمن تلويث المسجد.
واللَّه أعلم
стр. 1432
(٢٠٩) باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام
١٠٥٣ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام وقال "شغلتني أعلام هذه فاذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيه".
١٠٥٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله ﷺ يصلي في خميصة ذات أعلام فنظر إلى علمها فلما قضى صلاته قال "اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة وأتوني بأنبجانيه فإنها ألهتني آنفًا في صلاتي".
١٠٥٥ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كانت له خميصة لها علم فكان يتشاغل بها في الصلاة فأعطاها أبا جهم وأخذ كساء له أنبجانيًا.
-[المعنى العام]-
الصلاة مناجاة من العبد للرب، حمد وشكر، ودعاء. وتقديس واستغفار وخضوع وتذلل، وشأن من هذا موقفه أن يخشع وأن يستجمع كل حواسه ومشاعره لما هو فيه، وإذا كان حال البشر إذا وقف المرءوس أمام رئيسه جمع أفكاره ومشاعره لمخاطبته وفهم كلامه كان حال العبد إذا وقف بين يدي ربه أدعى إلى عدم الاشتغال بغير مناجاته. وكانت هذه حالة النبي ﷺ في صلاته حيث يقول ﷺ "وجعلت قرة عيني في الصلاة".
ورسول الله ﷺ بشر، يشغله ما يشغل البشر لكنه يبادر بفطم النفس عن نزعاتها وسد الذرائع، وإغلاق أبواب الشر ومسارب الشيطان.
لقد أهدى أبو جهم إلى رسول الله ﷺ خميصة، أهدى له ثوبًا أسود فيه أعلام وخطوط، فقبل الرسول ﷺ الهدية، ولبسه ثم قام يصلي، فوقعت عينه على خطوط وأعلام الثوب، فشغل بها لحظات عن الخشوع، فلما انتهى من الصلاة خلع هذا الكساء وقال ردوه إلى أبي جهم، لأن أعلامه كادت تفتنني وتؤثر على خشوعي.
إن أبا جهم كان عنده كساء آخر لا أعلام فيه، وهو أقل قيمة من الخميصة التي أهداها لي، ردوا
стр. 1433
الخميصة وهاتوا لي الكساء الآخر الذي احتفظ به لنفسه وآثرني بهذا الكساء. وردوه وجاءوا بالكساء الثاني الذي لا أعلام ولا خطوط فيه.
وهكذا ينبه ﷺ أمته أن يزيلوا كل ما من شأنه أن يلهي المصلي في صلاته، وألا يضعوا أمام المصلي ما يحول بينه وبين الخشوع والخضوع، فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. إنك سميع مجيب.
-[المباحث العربية]-
(صلى في خميصة لها أعلام) "الخميصة" بفتح الخاء وكسر الميم كساء أسود له علمان أو أعلام ويكون من خز أو صوف، ولا يسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، سميت بذلك للينها، ورقتها وصغر حجمها إذا طويت مأخوذ من الخمص وهو ضمور البطن.
وجملة "لها أعلام" صفة لخميصة، صفة كاشفة، لأن الخميصة كما قلنا لا تكون إلا معلمة، وهذا الوصف الملازم ذكر لبيان أنه السبب في المنع، وليس الجمع شرطًا، ففي الرواية الثالثة "لها علم".
(شغلتني أعلام هذه) في الرواية الثانية "ألهتني" وفي رواية للبخاري "فأخاف أن تفتنني" قال النووي: معنى هذه الألفاظ متقارب، وهو اشتغال القلب بها عن كمال الحضور في الصلاة. و"ألهى" رباعي "لهى" يقال: لهى الرجل عن الشيء يلهى إذا غفل، وهو من باب علم، وأما "لها" يلهو إذا لعب فهو من باب نصر.
(فاذهبوا بها إلى أبي جهم) بفتح الجيم وسكون الهاء، واسمه عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني الصحابي، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش، وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين مات في آخر خلافة معاوية.
(وائتوني بأنبجانية) قال الحافظ ابن حجر: "الأنبجانية" بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الباء وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسب كساء غليظ لا علم له، وقال ثعلب: يجوز فتح همزته وكسرها، وكذا الباء وقال بعض أهل اللغة: وهذه النسبة إلى موضع يقال له: أنبجان. وقال ابن حبيب في شرح الموطأ: هي كساء غليظ، يشبه الشملة، يكون سداه قطنًا غليظًا أو كتانًا غليظًا ولحمته صوف ليس بالمبرم في فتله لين غليظ، يلتحف به في الفراش، وقد يشتمل بها في شدة البرد. اهـ و"أنبجانية" في الأصل صفة لمؤنث "أي كسوة أنبجانية".
(آنفًا) أي ابتداء، وكذلك الاستئناف، ومنه أنف كل شيء، وهو أوله، وانتصابه على الظرفية. قال ابن الأثير: قلت الشيء آنفًا أي في أول وقت يقرب مني.
(وأخذ كساء له أنبجانيا) "له" أي لأبي جهم، أي أخذ ﷺ من أبي جهم كساء له من هذا النوع الذي لا علم فيه.
стр. 1434
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر نقاط الحديث على الوجه الآتي:
١ - الصلاة في ثوب له أعلام أو فيه صور ورسوم.
٢ - الرسوم والصور والكتابات في القبلة وحوائط المسجد وفرشه.
٣ - اتخاذ الرسوم والصور بعيدًا عن أماكن الصلاة.
٤ - ما ورد على الحديث من إشكال وجوابه.
٥ - ما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
١ - قال النووي: تصح الصلاة في ثوب له أعلام وإن كان غيره أولى. اهـ وقال ابن بطال: من صلى في ثوب به تصاوير فصلاته مجزئه، لأنه ﷺ لم يعد الصلاة، ولأنه ﷺ قال: "ألهتني في صلاتي" ولم يقل: قطعت صلاتي وقال المهلب: وإنما أمر باجتناب هذا لإحضار الخشوع في الصلاة وقطع دواعي الشغل.
٢ - قال النووي: ويؤخذ من الحديث كراهة تزويق محراب المسجد وحائطه ونقشه وغير ذلك من الشاغلات، لأن النبي ﷺ جعل العلة في إزالة الخميصة هذا المعنى. اهـ وقد روى البخاري عن أنس: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ "أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي" وكانت ﵂ قد اشترت سترًا رقيقًا من صوف ذا ألوان فيه رسوم خيل ذات أجنحة ورسول الله ﷺ في سفر، وقد سترت به فتحة في بيتها، فلما قدم ﷺ وقام إلى الصلاة كان في مواجهة هذه السترة فأمر بنزعها.
٣ - وفي لفظ البخاري ومسلم عن عائشة في الستر السابق قالت: فقطعته وسادتين فكان يرتفق عليهما، أي يتكئ على مرفق يده على الوسادتين، وعلى هذا ذهب الحنفية إلى أن الصور التي تكون في بسط ويفرش ويمتهن خارجة عن النهي الوارد في هذا الباب، وبه قال الثوري والنخعي ومالك وأحمد في رواية. وقال أبو عمر ذكر أبو القاسم قال: كان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب، أما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به، وقال الثوري: لا بأس بالصور في الوسائد، لأنها توطأ ويجلس عليها، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة. وأما الشافعية فإنهم كرهوا الصور مطلقًا، سواء أكانت على الثياب أم على الفرش والبسط ونحوها واحتجوا بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك ولم يفرقوا.
قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر، لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه لما يمتهن أو
стр. 1435
لغيره فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير غير الحيوان من الشجر والجبال والأرض وغير ذلك فليس بحرام. اهـ وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل. وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره، قال القاضي عياض: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك.
٤ - وقد يقال: كيف يرضى ﷺ لأبي جهم ما لم يرضه لنفسه حيث أرسل إليه الخميصة؟ وأجيب بأنه لم يقصد أن يصلي فيها أبو جهم بل لينتفع بها في غير الصلاة، ومثله قوله ﷺ في خلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها".
وقيل: إن أبا جهم كان أعمى، فالإلهاء مفقود عنه، وقيل: إن مقام الرسول العالي جعله يرسل بها إلى أبي جهم، وكأن هذا الصفاء المطلوب في الصلاة هو المناسب لمقام النبوة، فهو من قبيل قوله ﷺ "كل فإني أناجي من لا تناجي" وهذا القول بعيد، فالحكم عام.
فإن قيل: ما وجه تعيين أبي جهم في الإرسال إليه؟ أجيب بأن أبا جهم هو الذي أهداها له ﷺ ، فلذلك ردها عليه، فقد روى الطحاوي عن عائشة قالت: "أهدى أبو جهم إلى النبي ﷺ خميصة شامية لها أعلام، فشهد فيها النبي ﷺ الصلاة، فلما انصرف قال: ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإنها كادت تفتنني".
فإن قيل: كيف خاف ﷺ على نفسه الافتتان وهو لا يلتفت إلى الأكوان، بل إن مراقبة الله شملت خلقًا من أتباعه حتى قيل: إن السقف وقع إلى جانب مسلم بن يسار فلم يعلم به؟ أجيب بأن للنبي ﷺ حالتين. حالة يقول فيها "لست كأحدكم" أو يقول "وأيكم مثلي" وحالة يقول فيها "إنما أنا بشر مثلكم" فكانت الخميصة من الحالة الثانية.
-[٥ - ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - الحث على حضور القلب في الصلاة وتذكر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها.
٢ - منع النظر من الامتداد إلى ما يشغل، قال النووي: قال أصحابنا: يستحب له النظر إلى موضع سجوده، ولا يتجاوزه، وقال بعضهم: يكره تغميض العينين، قال النووي: وعندي لا يكره إلا أن يخاف ضررًا.
٣ - إزالة ما يشغل القلب ويلهي عن الصلاة.
٤ - أن اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها، وأن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر في شاغل ونحوه مما ليس متعلقًا بالصلاة، قال النووي: وهذا بإجماع الفقهاء، وحكي عن بعض السلف والزهاد أنه يضر، وهذا القول غير معتد به في الإجماع.
стр. 1436
٥ - وفيه تكنية العالم لمن دونه، وكذلك الإمام، لقوله "أبي جهم".
٦ - وفيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم والطلب منهم، قال الطيبي: إنما أرسل إليه لأنه كان أهداها إياه، واستبدل بها أنبجانية كيلا يتأذى قلبه بردها إليه.
٧ - وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة.
٨ - وفيه مبادرة الرسول ﷺ إلى مصالح الصلاة.
٩ - وفيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية فضلاً عمن دونها.
والله أعلم
стр. 1437
(٢١٠) باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الحدث ونحوه
١٠٥٦ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء".
١٠٥٧ - حدثني أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم".
بمثله.
١٠٥٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ولا يعجلن حتى يفرغ منه".
١٠٥٩ - عن ابن أبي عتيق قال تحدثت أنا والقاسم عند عائشة ﵂ حديثًا وكان القاسم رجلاً لحانة وكان لأم ولد، فقالت له عائشة ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا، أما إني قد علمت من أين أتيت، هذا أدبته أمه وأنت أدبتك أمك. قال فغضب القاسم وأضب عليها فلما رأى مائدة عائشة قد أتي بها قام، قالت أين؟ قال أصلي، قالت اجلس، قال إني أصلي قالت اجلس غدر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان".
стр. 1438
١٠٦٠ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بمثله ولم يذكر في الحديث قصة القاسم.
-[المعنى العام]-
الصلاة مناجاة من العبد للرب، والتلذذ بالمناجاة يقتضي التفرغ لها من كل الشواغل النفسية المقدور عليها، وكلما صفت المناجاة من هذه الشوائب كلما كان تجلي الرب على عبده أعظم، وكان القبول أسرع، وكان الجزاء أجزل.
ومن الشواغل التي يستطيع المسلم التخلص منها بسهولة شهوة البطن إذا قدم الطعام عند إقامة الصلاة، إن الجائع ومن يشتهي ما قدم يسيل لعابه وتنفتح للطعام أو الشراب شهواته، وتتعلق به نفسه. فإذا قام يصلي والحالة هذه صلى بلسانه وجوارحه دون قلبه، صلى صلاة جسد لا روح فيه، صلى وقلبه معلق بالطعام، وفكره شارد وراءه، ولما كان الهدف الأول من هذه المناجاة الخشوع والتوجه كانت الأحاديث الشريفة تأمر بتقديم العشاء والأكل على الصلاة، ولما كانت الرغبة في البول، والغائط وضغطهما على حواس المسلم عائقًا عن خلوص المناجاة ومانعًا من الصفاء لها والاستغراق فيها، بل كثيرًا ما يكون مؤثرًا على أداء أركانها، وواجباتها حائلاً دون الطمأنينة فيها مما قد يبطلها نهي الحديث عن الصلاة مع موافقة الأخبثين.
وكان الله بعباده رءوفًا رحيمًا. جعل أوقات الصلوات ممتدة بما يسمح بقضاء الشواغل الدنيوية للتفرغ لعبادته بقلب سليم.
وقد استخدمت أم المؤمنين عائشة ﵂ قوله ﷺ "لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" في رد ابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر إلى كظم غيظه، حين أغلظت له في النصح فغضب واغتاظ وأراد مقاطعة طعامها الذي قدم آنئذٍ بحجة رغبته في الصلاة، فلم يجد بدًا من كظم غيظه والأكل من الطعام الذي حضر، محترمًا أم المؤمنين وأمرها، قابلاً النصح مهما كان مرًا.
-[المباحث العربية]-
(إذا حضر العشاء) في الرواية الثانية "إذا قرب العشاء" وفي الثالثة "إذا وضع العشاء أحدكم" والحضور أعم من الوضع ومن التقريب، إذ يصدق بالحضور بعيدًا عن الآكلين وعدم وضعه
стр. 1439
وتقريبه لهم للأكل. قال الحافظ ابن حجر: يحمل قوله "حضر" أي بين يدي الآكل لتأتلف الروايات لاتحاد المخرج فلا يناط الحكم بحضور الطعام بعيدًا دون تقريب كما إذا لم يفرغ من جمعه. و"العشاء" بفتح العين طعام الليل، وليس الحكم قاصرًا عليه بدليل الرواية الرابعة وفيها "لا صلاة بحضرة طعام".
(وأقيمت الصلاة) قال ابن دقيق العيد: الألف واللام في "الصلاة" لا ينبغي أن تحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تحمل على "المغرب" لقوله "فابدءوا بالعشاء" ويترجح حمله على المغرب لقوله في الرواية الأخرى [للبخاري وفي روايتنا الثانية] "فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب" والحديث يفسر بعضه بعضًا، وفي رواية صحيحة [عند ابن حبان والطبراني] "إذا وضع العشاء وأحدكم صائم" اهـ. والجمهور على خلافه، وأن الألف واللام فيه للاستغراق، وسيأتي توضيح الحكم في فقه الحديث. والتعبير في الرواية الثانية بقوله "وحضرت الصلاة" مراد به الإقامة، فيكون الحكم عند حضور الوقت دون الإقامة من باب أولى.
(ولا تعجلوا عن عشائكم) "تعجلوا" بفتح التاء وضمها والجيم مفتوحة فيهما، ويروى بضم التاء وكسر الجيم. [من أعجل] قاله الحافظ ابن حجر.
(إذ وضع عشاء أحدكم .. فابدءوا ... ولا يعجلن) قال الطيبي: "أحد" إذا كان في سياق النفي يستوي فيه الواحد والجمع وهو في هذا الحديث في سياق الإثبات، فكيف وجه الأمر إليه تارة بالجمع "فابدءوا" وأخرى بالإفراد "ولا يعجلن"؟ وأجاب بأنه جمع نظرا إلى لفظ "كم" في "أحدكم" وأفرد نظرًا إلى لفظ "أحد" والمعنى: إذا وضع عشاء أحدكم فابدءوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه.
(عن ابن أبي عتيق) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁.
(حدثت أنا والقاسم عند عائشة) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر فعائشة جدة ابن أبي عتيق وعمه القاسم.
(وكان القاسم رجلاً لحانة) بفتح اللام وتشديد الحاء، أي كثير اللحن في كلامه وفي إعرابه. قال القاضي: ورواه بعضهم "لحنة" بضم اللام وإسكان الحاء، وهو بمعنى لحانة.
(وكان لأم ولد) أي كانت أمه جارية لأبيه، وليست زوجة حرة.
(أما إني قد علمت من أين أتيت) أي من أين ولدت، وعلمت مصدر لحنك، وهو من قبل أمك.
(هذا أدبته أمه) الإشارة لابن أبي عتيق، أي علمته أمه الأدب البلاغي والنطق العربي السليم.
(وأنت أدبتك أمك) أي علمتك من الأدب اللغوي ما أنت عليه من اللحن.
стр. 1440
(فغضب القاسم وأضب عليها) "أضب" بفتح الهمزة والضاد وتشديد الباء، حقد عليها واغتاظ من كلامها.
(اجلس غدر) بضم الغين وفتح الدال، منادى بحذف حرف النداء، أي بإغادر. قال أهل اللغة: الغدر بفتح الغين وسكون الدال ترك الوفاء، ويقال لمن غدر: غادر وغدر، وأكثر ما يستعمل في النداء بالشتم، وإنما قالت له "غدر" لأنه مأمور باحترامها، لأنها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحة له ومؤدبة فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب عليها. قاله النووي.
(ولا وهو يدافعه الأخبثان) يقال: دافع الأخبثين، ويدافعه الأخبثان وهما البول والغائط، فبينه وبينهما مدافعة، والمراد هما أو أحدهما أو ما يلحق بهما من الريح ونحوه.
-[فقه الحديث]-
سواء قصد من "الصلاة" في الحديث صلاة المغرب أو أي صلاة فالحكم يعم كل صلاة، فرضًا أو نفلاً، مغربًا أو غير مغرب، لأنه إن طلب تقديم الطعام على الصلاة في المغرب وهو مضيق الوقت كان طلب ذلك في موسع الوقت من باب أولى، وإذا طلب ذلك في صلاة الفرض طلب في النفل من باب أولى.
وظاهر الروايات أن تقديم الطعام على الصلاة إذا وضع الطعام وأقيمت الصلاة قبل البدء فيه، أما إذا كان قد بدأ في الطعام قبل أن تقام الصلاة فأقيمت فالحكم فيه يجري مجرى الحكم في: هل يظل يأكل حتى يقضي حاجته منه؟ أو يكتفي بلقيمات؟ استدل بعض الشافعية بقوله ﷺ "فابدءوا" على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من شرع ثم أقيمت فلا يتمادى، بل يقوم إلى الصلاة، قال النووي: وصنيع ابن عمر يبطل ذلك وهو الصواب. اهـ وصنيع ابن عمر ساقه البخاري عقب روايتنا الثالثة مقولاً لنافع، إذ الرواية عن نافع عن ابن عمر، قال نافع: "وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام" والتعبير في روايتنا الثالثة بقوله "ولا يعجلن حتى يفرغ منه" ورواية البخاري "فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة، يؤيد صنيع ابن عمر، ويمكن به أن نرد على من عقب على كلام النووي بأن صنيع ابن عمر اختيار له، وأن النظر إلى المعنى اقتضى عدم الاكتفاء بلقيمات يكسر بها الجوع. كما يمكن أن نؤكد تصويب النووي بما رواه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس "أنهما كانا يأكلان طعامًا وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال له ابن عباس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء" وفي رواية ابن أبي شيبة "لئلا يعرض لنا في صلاتنا".
والأولى في المسألة ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر حيث قال: إن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا ولا يتقيد بكل الأكل أو بعضه، ويستثنى من
следующие страницы →