← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٥ - وفيه تكنية العالم لمن دونه، وكذلك الإمام، لقوله "أبي جهم". ٦ - وفيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم والطلب منهم، قال الطيبي: إنما أرسل إليه لأنه كان أهداها إياه، واستبدل بها أنبجانية كيلا يتأذى قلبه بردها إليه. ٧ - وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. ٨ - وفيه مبادرة الرسول ﷺ إلى مصالح الصلاة. ٩ - وفيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية فضلاً عمن دونها. والله أعلم

стр. 1437

(٢١٠) باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الحدث ونحوه ١٠٥٦ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء". ١٠٥٧ - حدثني أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم". بمثله. ١٠٥٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ولا يعجلن حتى يفرغ منه". ١٠٥٩ - عن ابن أبي عتيق قال تحدثت أنا والقاسم عند عائشة ﵂ حديثًا وكان القاسم رجلاً لحانة وكان لأم ولد، فقالت له عائشة ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا، أما إني قد علمت من أين أتيت، هذا أدبته أمه وأنت أدبتك أمك. قال فغضب القاسم وأضب عليها فلما رأى مائدة عائشة قد أتي بها قام، قالت أين؟ قال أصلي، قالت اجلس، قال إني أصلي قالت اجلس غدر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان".

стр. 1438

١٠٦٠ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بمثله ولم يذكر في الحديث قصة القاسم. -[المعنى العام]- الصلاة مناجاة من العبد للرب، والتلذذ بالمناجاة يقتضي التفرغ لها من كل الشواغل النفسية المقدور عليها، وكلما صفت المناجاة من هذه الشوائب كلما كان تجلي الرب على عبده أعظم، وكان القبول أسرع، وكان الجزاء أجزل. ومن الشواغل التي يستطيع المسلم التخلص منها بسهولة شهوة البطن إذا قدم الطعام عند إقامة الصلاة، إن الجائع ومن يشتهي ما قدم يسيل لعابه وتنفتح للطعام أو الشراب شهواته، وتتعلق به نفسه. فإذا قام يصلي والحالة هذه صلى بلسانه وجوارحه دون قلبه، صلى صلاة جسد لا روح فيه، صلى وقلبه معلق بالطعام، وفكره شارد وراءه، ولما كان الهدف الأول من هذه المناجاة الخشوع والتوجه كانت الأحاديث الشريفة تأمر بتقديم العشاء والأكل على الصلاة، ولما كانت الرغبة في البول، والغائط وضغطهما على حواس المسلم عائقًا عن خلوص المناجاة ومانعًا من الصفاء لها والاستغراق فيها، بل كثيرًا ما يكون مؤثرًا على أداء أركانها، وواجباتها حائلاً دون الطمأنينة فيها مما قد يبطلها نهي الحديث عن الصلاة مع موافقة الأخبثين. وكان الله بعباده رءوفًا رحيمًا. جعل أوقات الصلوات ممتدة بما يسمح بقضاء الشواغل الدنيوية للتفرغ لعبادته بقلب سليم. وقد استخدمت أم المؤمنين عائشة ﵂ قوله ﷺ "لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" في رد ابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر إلى كظم غيظه، حين أغلظت له في النصح فغضب واغتاظ وأراد مقاطعة طعامها الذي قدم آنئذٍ بحجة رغبته في الصلاة، فلم يجد بدًا من كظم غيظه والأكل من الطعام الذي حضر، محترمًا أم المؤمنين وأمرها، قابلاً النصح مهما كان مرًا. -[المباحث العربية]- (إذا حضر العشاء) في الرواية الثانية "إذا قرب العشاء" وفي الثالثة "إذا وضع العشاء أحدكم" والحضور أعم من الوضع ومن التقريب، إذ يصدق بالحضور بعيدًا عن الآكلين وعدم وضعه

стр. 1439

وتقريبه لهم للأكل. قال الحافظ ابن حجر: يحمل قوله "حضر" أي بين يدي الآكل لتأتلف الروايات لاتحاد المخرج فلا يناط الحكم بحضور الطعام بعيدًا دون تقريب كما إذا لم يفرغ من جمعه. و"العشاء" بفتح العين طعام الليل، وليس الحكم قاصرًا عليه بدليل الرواية الرابعة وفيها "لا صلاة بحضرة طعام". (وأقيمت الصلاة) قال ابن دقيق العيد: الألف واللام في "الصلاة" لا ينبغي أن تحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تحمل على "المغرب" لقوله "فابدءوا بالعشاء" ويترجح حمله على المغرب لقوله في الرواية الأخرى [للبخاري وفي روايتنا الثانية] "فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب" والحديث يفسر بعضه بعضًا، وفي رواية صحيحة [عند ابن حبان والطبراني] "إذا وضع العشاء وأحدكم صائم" اهـ. والجمهور على خلافه، وأن الألف واللام فيه للاستغراق، وسيأتي توضيح الحكم في فقه الحديث. والتعبير في الرواية الثانية بقوله "وحضرت الصلاة" مراد به الإقامة، فيكون الحكم عند حضور الوقت دون الإقامة من باب أولى. (ولا تعجلوا عن عشائكم) "تعجلوا" بفتح التاء وضمها والجيم مفتوحة فيهما، ويروى بضم التاء وكسر الجيم. [من أعجل] قاله الحافظ ابن حجر. (إذ وضع عشاء أحدكم .. فابدءوا ... ولا يعجلن) قال الطيبي: "أحد" إذا كان في سياق النفي يستوي فيه الواحد والجمع وهو في هذا الحديث في سياق الإثبات، فكيف وجه الأمر إليه تارة بالجمع "فابدءوا" وأخرى بالإفراد "ولا يعجلن"؟ وأجاب بأنه جمع نظرا إلى لفظ "كم" في "أحدكم" وأفرد نظرًا إلى لفظ "أحد" والمعنى: إذا وضع عشاء أحدكم فابدءوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه. (عن ابن أبي عتيق) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁. (حدثت أنا والقاسم عند عائشة) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر فعائشة جدة ابن أبي عتيق وعمه القاسم. (وكان القاسم رجلاً لحانة) بفتح اللام وتشديد الحاء، أي كثير اللحن في كلامه وفي إعرابه. قال القاضي: ورواه بعضهم "لحنة" بضم اللام وإسكان الحاء، وهو بمعنى لحانة. (وكان لأم ولد) أي كانت أمه جارية لأبيه، وليست زوجة حرة. (أما إني قد علمت من أين أتيت) أي من أين ولدت، وعلمت مصدر لحنك، وهو من قبل أمك. (هذا أدبته أمه) الإشارة لابن أبي عتيق، أي علمته أمه الأدب البلاغي والنطق العربي السليم. (وأنت أدبتك أمك) أي علمتك من الأدب اللغوي ما أنت عليه من اللحن.

стр. 1440

(فغضب القاسم وأضب عليها) "أضب" بفتح الهمزة والضاد وتشديد الباء، حقد عليها واغتاظ من كلامها. (اجلس غدر) بضم الغين وفتح الدال، منادى بحذف حرف النداء، أي بإغادر. قال أهل اللغة: الغدر بفتح الغين وسكون الدال ترك الوفاء، ويقال لمن غدر: غادر وغدر، وأكثر ما يستعمل في النداء بالشتم، وإنما قالت له "غدر" لأنه مأمور باحترامها، لأنها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحة له ومؤدبة فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب عليها. قاله النووي. (ولا وهو يدافعه الأخبثان) يقال: دافع الأخبثين، ويدافعه الأخبثان وهما البول والغائط، فبينه وبينهما مدافعة، والمراد هما أو أحدهما أو ما يلحق بهما من الريح ونحوه. -[فقه الحديث]- سواء قصد من "الصلاة" في الحديث صلاة المغرب أو أي صلاة فالحكم يعم كل صلاة، فرضًا أو نفلاً، مغربًا أو غير مغرب، لأنه إن طلب تقديم الطعام على الصلاة في المغرب وهو مضيق الوقت كان طلب ذلك في موسع الوقت من باب أولى، وإذا طلب ذلك في صلاة الفرض طلب في النفل من باب أولى. وظاهر الروايات أن تقديم الطعام على الصلاة إذا وضع الطعام وأقيمت الصلاة قبل البدء فيه، أما إذا كان قد بدأ في الطعام قبل أن تقام الصلاة فأقيمت فالحكم فيه يجري مجرى الحكم في: هل يظل يأكل حتى يقضي حاجته منه؟ أو يكتفي بلقيمات؟ استدل بعض الشافعية بقوله ﷺ "فابدءوا" على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من شرع ثم أقيمت فلا يتمادى، بل يقوم إلى الصلاة، قال النووي: وصنيع ابن عمر يبطل ذلك وهو الصواب. اهـ وصنيع ابن عمر ساقه البخاري عقب روايتنا الثالثة مقولاً لنافع، إذ الرواية عن نافع عن ابن عمر، قال نافع: "وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام" والتعبير في روايتنا الثالثة بقوله "ولا يعجلن حتى يفرغ منه" ورواية البخاري "فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة، يؤيد صنيع ابن عمر، ويمكن به أن نرد على من عقب على كلام النووي بأن صنيع ابن عمر اختيار له، وأن النظر إلى المعنى اقتضى عدم الاكتفاء بلقيمات يكسر بها الجوع. كما يمكن أن نؤكد تصويب النووي بما رواه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس "أنهما كانا يأكلان طعامًا وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال له ابن عباس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء" وفي رواية ابن أبي شيبة "لئلا يعرض لنا في صلاتنا". والأولى في المسألة ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر حيث قال: إن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا ولا يتقيد بكل الأكل أو بعضه، ويستثنى من

стр. 1441

ذلك الصائم، فلا تكره صلاته بحضرة الطعام، إذ الممتنع بالشرع لا يشغل نفسه به، لكن إذا غلب استحب له التحول من ذلك المكان. اهـ وحكم الصلاة بحضور الطعام مع الميل إليه الكراهة، وتصح الصلاة عند الجمهور. قال النووي: في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من اشتغال القلب به، وذهاب كمال الخشوع، وكراهيتها مع مدافعة الأخبثين، ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع، وهذه الكراهة عند جمهور الشافعية وغيرهم إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، فإذا ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها، وحكى المتولي عن بعض الشافعية أنه لا يصلي بحاله، بل يأكل وإن خرج الوقت. لأن مقصود الصلاة الخشوع، فلا يفوته. اهـ قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على الرأي الثاني: وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر، لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما. وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع، بدليل صلاة الخوف، وصلاة الغريق وغير ذلك. اهـ ثم قال النووي: وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عند الجمهور لكن يستحب إعادتها ولا يجب. اهـ وعلى هذا فالأمر بتقديم العشاء على الصلاة للندب عند الجمهور، لكن منهم من قيده بمن كان محتاجًا إلى الأكل، ومنهم من قيده بذلك وبما إذا خشى فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد، وأفرط ابن حزم الظاهري فجعل الأمر للوجوب، وقال: تبطل الصلاة. ومن الجمهور من اختار البداءة بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفًا، نقله ابن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل، قالوا: يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل، أو كان متعلقًا به لكن لا يعجله عن صلاته، فإن كان يعجله عن صلاته بدأ بالطعام واستحبت له الإعادة. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أخذ بعضهم من قوله في الرواية الثالثة "إذا وضع عشاء أحدكم" أن المراد عشاء من يريد الصلاة، فلا يتناول ما إذا وضع عشاء غير من يريد الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل بالنظر إلى المعنى أن يقال: لو كان جائعًا واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك، وسبيل خلاصه من ذلك أن ينتقل عن ذلك المكان، أو يتناول مأكولاً يزيل شغل باله ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ ويؤيد هذا عموم الروايات الأخرى [أي روايتنا الأولى والثانية والرابعة]. ٢ - قصر ابن دقيق العيد الحكم على الصائم، وحمل الروايات المطلقة على المقيدة بلفظ العشاء وبلفظ المغرب، وبما جاء في ابن حبان والطبراني في رواية صحيحة "إذا وضع العشاء وأحدكم صائم" والجمهور على العموم قال الحافظ ابن حجر نقلاً عن الفاكهاني: إن العلة التشويش المفضي إلى ترك الخشوع والجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم. ٣ - ادعى ابن حزم أن في الحديث دليلاً على امتداد الوقت في حق من وضع له الطعام ولو خرج

стр. 1442

الوقت المحدود، وقال مثل ذلك في حق النائم والناسي، وهو مردود، لأن قبول العذر وإعذار حاضر الطعام والنائم والناسي لا يغير الواقع، ولا يطيل الزمن المحدد. ٤ - قال النووي: وفي الرواية الثانية دليل على امتداد وقت المغرب، وفيه خلاف بين العلماء. اهـ واعترضه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر، وإن أريد به مطلق التوسعة فمسلم، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدرًا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع. ٥ - استدل القرطبي بالحديث على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب لأن ظاهره أن يشتغل بالأكل وإن فاتته صلاة الجماعة. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن بعض من ذهب إلى وجوب الجماعة كابن حبان جعل حضور الطعام عذرًا في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقًا. ٦ - استدل بالحديث على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت. ٧ - قال الحافظ ابن حجر: قال ابن الجوزي: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الله، ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة. ٨ - يؤخذ من الحديث الرابع حزم عائشة ﵂ وحرصها على أدب المسلمين. ٩ - وأن الإغلاظ في التأديب مقبول خصوصًا من الكبير الناصح. ١٠ - وأن الناصح إذا أحس غضب المنصوح هدأ من غضبه ولم يتركه لثورته. واللَّه أعلم

стр. 1443

(٢١١) باب نهي من أكل ثومًا أو بصلاً أو كراثًا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح، وإخراجه من المسجد ١٠٦١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في غزوة خيبر: "من أكل من هذه الشجرة (يعني الثوم) فلا يأتين المساجد" قال زهير في غزوة ولم يذكر خيبر. ١٠٦٢ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها (يعني الثوم) ". ١٠٦٣ - عن عبد العزيز (وهو ابن صهيب) قال سئل أنس عن الثوم فقال: قال رسول الله ﷺ "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا". ١٠٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا بريح الثوم". ١٠٦٥ - عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها فقال: "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس". ١٠٦٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال (وفي رواية حرملة وزعم) أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته".

стр. 1444

وإنه أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحاً فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه. فلما رآه كره أكلها قال: "كل فإني أناجي من لا تناجي". ١٠٦٧ - عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أكل من هذه البقلة الثوم (وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث) فلا يقربن مسجدنا. فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم". ١٠٦٨ - عن ابن جريج بهذا الإسناد "من أكل من هذه الشجرة (يريد الثوم) فلا يغشنا في مسجدنا" ولم يذكر البصل والكراث. ١٠٦٩ - عن أبي سعيد قال: لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول الله ﷺ في تلك البقلة. الثوم. والناس جياع. فأكلنا منها أكلاً شديدًا. ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الريح. فقال "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد" فقال الناس: حرمت. حرمت. فبلغ ذاك النبي ﷺ فقال "أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها". ١٠٧٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على زراعة بصل هو وأصحابه فنزل ناس منهم فأكلوا منه. ولم يأكل آخرون. فرحنا إليه. فدعا الذين لم يأكلوا البصل. وأخر الآخرين حتى ذهب ريحها. ١٠٧١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله ﷺ . وذكر أبا بكر. قال: إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات. وإني لا أراه إلا حضور أجلي. وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف. وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه ﷺ . فإن عجل بي أمر. فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة. الذين توفي رسول الله ﷺ وهو

стр. 1445

عنهم راض. وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر. أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري فقال "يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟ " وإني إن أعش أقض فيها بقضية. يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار. وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ﷺ ويقسموا فيهم فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخًا. في هذا الإسناد مثله. -[المعنى العام]- الإسلام دين المجتمعات، دين المحبة والتآلف والتواد، يرغب في كل ما يحقق ذلك، وينفر من كل ما يحول دون ذلك مهما قل العائق، ومهما كان مؤقتًا. لهذا دعا إلى الطيب والرائحة الجميلة والاغتسال، وغسل الأماكن الناعمة من البدن، ودعا إلى النظافة وإزالة الروائح الكريهة، ويتأكد طلب هذه الأمور عند كل اجتماع سواء كان بالمساجد أو بالمجتمعات العامة المشروعة. من هذه القاعدة حذر الشارع من أكل الثوم والبصل قبيل ملاقاة الآكل بغيره من المسلمين لئلا يؤذيه بريحه الخبيث. إن أكل الثوم والبصل نيئًا مباح في ذاته، ولكن المباح قد يمنع إذا أدى إلى محرم عملاً بقاعدة: للوسيلة حكم الغاية، ولا شك أن إيذاء المسلم حرام، فما أدى إلى الحرام حرام، أو على الأقل مكروه وقد عبر الرسول ﷺ عن إيذاء المسلم يريح أخيه بذكر الثوم والبصل والكراث كعنوان لكل ما يشبهها في آثارها، وعبر عن ذلك بعبارات مختلفة "من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يأتين المساجد" [وفي هذا التعبير إشارة إلى أن ذنوب آكل الثوم إذا حضر المسجد أكثر من حسناته عن صلاة الجماعة. وفيه كذلك العمل بقاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح] "من أكل من هذه

стр. 1446

البقلة فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها". "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا". "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم". "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس". "من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته". "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد". ولكثرة النهي بالأساليب المختلفة كاد الصحابة يعتقدون حرمة أكل الثوم والبصل والكرات النيئ لولا أن النبي ﷺ بين لهم أن أصل حل الكل قائم، وأن المنع إنما هو لمن أدى أكله إلى إيذاء الآخرين لكنهم مع ذلك ظل همهم الخوف من أكلها، لأن المسلم عرضة للقاء المسلم بين الحين والحين حتى لو قعد في بيته. ويتضح هذا الاهتمام جليًا أن هذا الأمر كان ضمن وصايا عمر الأساسية عند وفاته، فإنه بعد أن طعن ﵁ خطب يوم الجمعة كعادته، فذكر النبي ﷺ بالتجلة والإكبار والإعظام والثناء عليه، ثم ذكر أبا بكر فمدحه وأثنى على ما قام به من خدمات الإسلام، ثم قال للناس: إني رأيت في المنام كأن ديكًا نقرني بمنقاره ثلاث نقرات، وكان عمر ممن يعبر الرؤى، فعبر النقر بنهاية الأجل، وعبر الثلاث بتأكيده، فقال للناس: وإني لا أرى ولا أظن تفسير ذلك إلا أنه قد حان أجلي، وإن جماعة من المسلمين يطلبون مني أن أعين الخليفة بعدي، وإن آخرين يطلبون مني أن أترك الأمر شورى بين المسلمين. فإن أجبت الأولين واستخلفت فأبو بكر فعل ذلك، وإن أترك الأمر فإن رسول الله ﷺ فعل ذلك، وقد قررت أن أجمع بين الحسنيين، فأستخلف ستة من خيرة المسلمين وممن زكاهم رسول الله ﷺ [وهم عثمان بن عفان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف] لا ليحكموا سويًا، وإنما إذا عجل بي اجتمعوا واختاروا من بينهم خليفة للمسلمين، وقد علمت أن أقواماً يطمعون في الخلافة، أو لهم ميول الآخرين للخلافة، لا يقصدون بذلك وجه الله، فإن جهروا وتمردوا على ذلك، وأثاروا بين المسلمين فتناً فأولئك هم المنافقون الكفرة الضلال، الذين لا يقدرون على مواجهتي بما في أنفسهم لأن الله يكشفهم ويخزيهم على يدي إن فعلوا ذلك، إنهم منافقون خنسوا بحزمي وعزمي، ينتهزون فرصة غيابي ليبعثوا الفوضى بينكم وليحققوا أحلامًا ضد دينكم، فإن فعلوا فاضربوا على أيديهم. ثم إني لا أخشى عليكم في دينكم "وليس عندي ما أوصيكم به، وما يشغلني في أشد لحظاتي وأضيقها سوى أمرين. أمر الكلالة [أي من يرث الميت إذا لم يترك أصلاً ولا فرعًا وارثًا وترك زوجًا وإخوة لأم وإخوة لأم وأب] وقد راجعت في حكمها رسول الله ﷺ كثيراً راجيًا أن ينزل من السماء ما يشفي صدري في حكمها. وأمر الشجرة التي نهى رسول الله ﷺ من أكلها عند اجتماعات المسلمين، فمن أكلها منكم فليأكلها مطبوخة ميتة الرائحة. أما قاتلي فإن أعش حكمت فيه بحكم المسلمين من يقرأ القرآن ويفهم أحكامه ومن لا يقرؤه، وأما من وليتهم أمور المسلمين فقد بذلت جهدي في اختيارهم وفي توصيتهم بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله.

стр. 1447

-[المباحث العربية]- (قال في غزوة خيبر) في الرواية الثامنة قال أبو سعيد: لم نعد أن فتحت خيبر، أي لم نتعد الوقت الذي فتحت فيه خيبر حتى أكلنا الثوم، فقال رسول الله ﷺ إلخ، فالمراد من قوله "في غزوة خيبر" عقب فتح خيبر، وعلى هذا فقوله "المسجد" يراد به المكان الذي أعد ليصلى فيه مدة إقامته في الطريق أو المراد بالمسجد الجنس، ويؤيده قوله في الرواية الأولى "فلا يأتين المساجد" وقوله في الرواية الثانية "مساجدنا" أي مساجد المسلمين، وهذا يدفع قول من قال: خص النهي بمسجد النبي ﷺ أخذاً من قوله في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة "مسجدنا". وكان فتح خيبر في السنة السادسة أو السابعة. (من أكل) أي من وجد منه الأكل، وهو أعم من كونه مباحاً أو غير مباح وسيأتي في فقه الحديث. (من هذه الشجرة - يعني الثوم) "الثوم" بالثاء المشددة المضمومة، قال الحافظ ابن حجر: وفي قوله عن الثوم شجرة مجاز، لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له كالبقول يقال له: نجم، وبهذا فسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦]. ومن أهل اللغة من قال: كل ما ثبتت له أرومة - أي أصل - في الأرض يخلف ما قطع منه فهو شجر، وإلا فنجم. وقال الخطابي. في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق. اهـ. ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوص، فكل نجم شجر من غير عكس. اهـ. (من أكل من هذه البقلة) قال أهل اللغة: البقل كل نبات اخضرت به الأرض. (سئل أنس عن الثوم) في رواية البخاري "سأل رجل أنسًا: ما سمعت نبي الله ﷺ يقول في الثوم"؟ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية السائل. (فلا يقربنا ولا يصلي معنا) قال النووي: وقع في أكثر الأصول "ولا يصلي" بإثبات الياء على الخبر الذي يراد به النهي، وضبطناه "ولا يصل" على النهي. وكلاهما صحيح. اهـ. (فلا يقربن مسجدنا: ولا يؤذينا بريح الثوم) "يقربن" بفتح الراء والباء وتشديد النون، "ولا يؤذينا" قال النووي: هو بتشديد النون، وإنما نبهت عليه لأني رأيت من خففه، ثم استشكل عليه إثبات الياء، مع أن إثبات الياء المخففة جائز على إرادة الخبر. (عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث) في مسند الحميدي بإسناد على شرط الصحيح "سئل جابر عن الثوم فقال: ما كان بأرضنا يومئذ ثوم، إنما الذي نهى

стр. 1448

رسول الله ﷺ عنه البصل والكراث" وهذا الحديث يعطي سر اقتصار جابر في الرواية الخامسة على البصل والكراث وكأنهم سألوا عنهما فأجيبا، ثم علم جابر أنه نهى عن أكل الثوم وإن لم يكن في بلاده، إذ لا مانع أنه جلب إلى بلاده، فأخبر عن حكمه في الرواية السادسة والسابعة. فمراد الحديث في الرواية الخامسة من لفظ "من أكل من هذه الشجرة المنتنة" شجرة البصل والكراث. (فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس) قال النووي: هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما، وهو ظاهر، ووقع في أكثر الأصول "تأذى مما يأذى منه الإنس" بتخفيف الذال فيهما، وهي لغة، يقال. أذى يأذى مثل عمى يعمى ومعناه تأذى وليس المراد من الملائكة الحفظة. كذا قال القاضي عياض. (وزعم أن رسول اللَّه ﷺ قال) قال الخطابي: لم يقل "زعم" على وجه التهمة. لكنه لما كان أمرًا مختلفًا فيه أتى بلفظ الزعم، لأن هذا اللفظ لا يكاد يستعمل إلا في أمر يرتاب به أو يختلف فيه انتهى، ولست أدري أين الأمر المختلف فيه هنا أو المرتاب فيه؟ فقول رسول اللَّه ﷺ ثابت لم يشك فيه الراوي. والأولى ما قاله الكرماني من أن "زعم" هنا بمعنى "قال" والزعم قد يستعمل للقول المحقق، ففي الحديث "زعم جبريل". (فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا) قال الحافظ ابن حجر: هذا شك من الراوي، وهو الزهري، وأصل السند: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عطاء بن أبي رباح أن جابر بن عبد الله قال ... الحديث. (وليقعد في بيته) في رواية للبخاري "أو ليقعد في بيته" بالشك، والقعود في البيت أخص من الاعتزال لأن الاعتزال أعم من أن يكون في البيت أو غيره. (وإنه أتى ... إلخ) قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث آخر، وهو معطوف على الإسناد المذكور، وهذا الحديث الثاني كان متقدماً على الحديث الأول بست سنين، لأن الأول وقع منه ﷺ في غزوة خيبر، وكانت في سنة سبع، وهذا وقع في السنة الأولى عند قدومه ﷺ ونزوله في بيت أبي أيوب الأنصاري كما جاء في الصحيح. (أتى بقدر فيه خضرات من بقول) قال النووي: هكذا هو في نسخ صحيح مسلم كلها "بقدر" اهـ قال الحافظ ابن حجر: والقدر بكسر القاف هو ما يطبخ فيه، ويجوز فيه التأنيث والتذكير، والتأنيث أشهر، لكن الضمير في قوله "فيه خضرات" يعود على الطعام الذي في القدر، فالتقدير: أتى بقدر من طعام فيه خضرات، ولهذا لما أعاد الضمير على القدر أعاده بالتأنيث حيث قال "فأخبرني بما فيها" وحيث قال "قربوها" اهـ قال النووي: ووقع في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة "أتى ببدر" والبدر الطبق قال: سمي بدراً لاستدارته كاستدارة البدر. قال النووي: قال العلماء: إن لفظ "ببدر" هو الصواب. اهـ

стр. 1449

قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر البخاري الروايتين؛ زعم بعضهم أن لفظة "بقدر" تصحيف لأنها تشعر بالطبخ، وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة، بخلاف الطبق، فظاهره أن البقول كانت فيه نيئة. والذي يظهر لي أن رواية القدر أصح ما جاء في حديث أبي أيوب، إذ فيه التصريح بالطعام ولا تعارض بين امتناعه ﷺ من أكل الثوم وغيره مطبوخاً وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخاً، فقد علل ذلك في حديث أبي أيوب عند مسلم في قصة نزول النبي ﷺ بقوله "إني لست كأحد منكم" وقد جمع القرطبي بين الروايتين بأن الذي في القدر لم ينضج حتى تضمحل رائحته فبقي في حكم النيئ. انتهى كلام الحافظ. والذي يظهر لي أن كلام القرطبي ليس جمعاً بين الروايتين، وإنما هو جمع بين امتناعه ﷺ عن أكل هذا الطعام وفيه الثوم مطبوخاً وبين إذنه لهم في أكله مطبوخاً وطريق الجمع بين روايتي "بقدر" و"ببدر" أن يقال: إن القوم كانوا لبداوتهم وضيق حالهم يستخدمون قدورهم الصغيرة كأطباق: ومازال هذا الوضع قائماً في ريف مصر، فيصح أن يطلق عليه "قدر" باعتبار الحقيقة، و"بدر" باعتبار الاستعمال، ولا يتوقف الإطلاق على ما فيه من طعام، سواء كان مطبوخاً أم نيئاً، والله أعلم. وقوله "فيه خضرات" بضم الخاء وفتح الضاد، كذا ضبط في بعض الروايات، وضبط في بعضها بفتح الخاء وكسر الضاد، وهو جمع خضرة، ويجوز مع ضم أوله ضم الضاد وتسكينها أيضاً. ذكره الحافظ ابن حجر. وقوله "من بقول" كلمة "من" فيه بيانية، والمعنى فيه خضرات أي بقول، ويجوز أن تكون تبعيضية. (فقال: قربوها ... إلى بعض أصحابه) قال الكرماني: ففي هذا جواز النقل بالمعنى، إذ الرسول ﷺ لم يقله بهذا اللفظ، بل قال: قربوها إلى فلان مثلاً أو فيه حذف، أي قال: قربوها مشيرًا أو أشار إلى بعض أصحابه. (فإني أناجي من لا تناجي) أي الملائكة. (من أكل من هذه البقلة الثوم) "الثوم" بدل من هذه البقلة. (فلا يغشنا في مسجدنا) "يغشنا" بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين: مضارع مجزوم بحذف حرف العلة، والغشيان الإتيان، وفي رواية البخاري "فلا يغشانا في مساجدنا" بصيغة النفي التي يراد بها النهي، قال الكرماني: أو على لغة من يجري المعتل مجرى الصحيح، أو أشبع الراوي الفتحة، فظن أنها ألف. (فوقعنا -أصحاب رسول اللَّه ﷺ في تلك البقلة) أي فوجدنا أنفسنا في مزرعة ثوم أو أمامها. وقوله "أصحاب رسول اللَّه" منصوب على الاختصاص. (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة) سماها خبيثة لقبح رائحتها قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه من قول أو فعل أو مال أو طعام أو شراب أو شخص. قاله النووي.

стр. 1450

(مر على زراعة بصل) قال النووي: هي بفتح الزاي وتشديد الراء، وهي الأرض المزروعة. (عن معدان بن أبي طلحة) أصل السند: حدثنا محمد المثنى حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر إلخ. قال النووي: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثة حفاظ. وهم منصور بن المعتبر وحصين بن عبد الرحمن وعمر بن مرة، فرووه عن سالم عن عمر منقطعاً، لم يذكروا فيه معدان. قال الدارقطني: وقتادة وإن كان ثقة. وزيادة الثقة مقبولة عندنا فإنه مولى، ولم يذكر فيه سماعه من سالم، فأشبه أن يكون بلغه عن سالم فرواه عنه. اهـ قال النووي: وهذا الاستدراك مردود، لأن قتادة وإن كان مدلساً فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاري ومسلم عن المدلسين وعنعنوه فهو محمول على أنه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلس هذا الحديث ممن عنعنه عنه، وأكثر هذا أو كثير منه يذكر مسلم وغيره سماعه من طريق آخر متصلاً به، وقد اتفقوا على أن المدلس لا يحتج بعنعنته كما سبق بيانه، ولا شك عندنا في أن مسلماً رحمه الله تعالى يعلم هذه القاعدة، ويعلم تدليس قتادة، فلولا ثبوت سماعه عنده لم يحتج به، ومع هذا كله فتدليسه لا يلزم منه أن يذكر معدان من غير أن يكون له ذكر، والذي يخاف من المدلس أن يحذف بعض الرواة، أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلس، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه، وإنما ذكر معدان زيادة ثقة، فيجب قبولها، والعجب من الدارقطني رحمه الله تعالى في كونه جعل التدليس موجباً لاختراع ذكر رجل لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محله من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية. وبالله التوفيق. اهـ. (فذكر نبي الله ﷺ وذكر أبا بكر. قال ... ) أي ذكرهما بخير وأثنى عليهما ودعا لهما، ثم قال: (إني رأيت ديكًا) أي في المنام. (وإني لا أراه إلا حضور أجلي) "أراه" بضم الهمزة، أي أظنه، والمعنى: وإني لا أظن تفسير الرؤيا إلا أنها إشارة إلى حضور أجلي وقربه. (أن أستخلف، وإن اللَّه لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته) "يضيع" هو في الأصل بضم الياء وفتح الضاد وتشديد الياء المكسورة، مضارع ضيع بالتشديد. ويجوز يضيع بكسر الضاد الممدودة من أضاع وبها جاء القرآن ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] والمعنى: يطلب مني أقوام أن أعين خليفة بعدي، وأنا واثق من أن الله لن يضيع الإسلام ولا المسلمين، سواء استخلفت أم لم أستخلف فإن أستخلف فحسن لأن أبا بكر قد استخلف، وإن أترك الاستخلاف فحسن فقد تركه رسول الله ﷺ . (فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة) أي يتشاورون فيما بينهم بشأنها،

стр. 1451

ويتفقون على واحد منهم، وليس المراد أنهم يحكمون معاً وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف. (وإني علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر) "يطعنون" بضم العين وفتحها وهو الأصح هنا. قاله النووي: والمراد بالأمر جعل الخلافة في أحد الستة. (أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام) أي إن حزمي وقوتي أرغمتهم على الاستسلام وعدم الخروج وعدم إثارة الفتن. (فإن فعلوا ذلك) أي طعنوا في استخلافي وأثاروا الفتن. (فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال) "الضلال" بضم الضاد وتشديد اللام الممدودة، أي المغرقون في الضلال، قال النووي: معناه إن استحلوا ذلك فهم كفرة ضلال، وإن لم يستحلوا ذلك ففعلهم فعل الكفرة، أي فخذوا على أيديهم. (لا أدع شيئًا أهم عندي من الكلالة) الكلالة الميت يكون له إخوة وزوج، ولا يترك أصلاً ولا فرعًا وارثًا، ومشكلتها فيمن مات عن إخوة أشقاء وإخوة لأم، وزوج، وقد أشرك عمر الأشقاء مع الإخوة لأم. لأن تطبيق الأنصباء، النصف للزوج، والثلث للإخوة لأم، لا يبقى للأشقاء سوى السدس. فقال الأشقاء لعمر: اجعل أبانا حجرًا في اليم، فنحن نشاركهم في الأم التي يرثون بسببها، فأشركهم، وهذه المسألة تسمى الحجرية أو المشتركة أو العمرية. (ألا تكفيك آية الصيف) أي الآية التي نزلت في الصيف. (التي في آخر سورة النساء)؟ وهي قوله تعالى ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]. (فأخرج إلى البقيع) مدافن أهل المدينة. (فمن أكلهما) أي فمن أراد أكلهما. (فليمتهما طبخًا) أي فليمت رائحتهما بالطبخ. وإماتة كل شيء كسر قوته وحدته، ومنه قولهم: قتلت الخمر، إذا مزجها بالماء وكسر حدتها. -[فقه الحديث]- قال النووي هذه الأحاديث تصرح بنهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص في مسجد النبي ﷺ ، لقوله في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة "مسجدنا" وحجة الجمهور "فلا يأتين

стр. 1452

المساجد" لفظ الرواية الأولى، و"فلا يقربن مساجدنا" لفظ الرواية الثانية، ثم قال: وقال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد كمصلى العيد والجنائز ونحوهما من مجامع العبادات وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها، اهـ وقال الحافظ ابن حجر: قد ألحق بعضهم هذه الأماكن بالمسجد عن طريق القياس لكن دخولها بطريق العموم أولى، ويؤكد هذا ما جاء في الرواية السادسة بلفظ "وليقعد في بيته" وقال: وحكم رحبة المسجد وما قرب منه حكمه، ولذلك كان النبي ﷺ إذا وجد ريحها في شخص في المسجد أمر بإخراجه إلى البقيع كما في الرواية العاشرة. اهـ وهل يعم الحظر جميع أحوال المسجد حتى ولو لم يكن به أحد؟ أو كان به جماعة كلهم أكلوا فلا يتأذون؟ وهل تدخل الأسواق في المجتمعات المنهي عن دخولها لآكل الثوم؟ . يقول الحافظ ابن حجر: علل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهي بالمساجد وما في معناها، ولا تدخل الأسواق، وهذا هو الأظهر، ويؤيده قوله في روايتنا الثامنة "فلا يقربنا في المسجد" قال القاضي ابن العربي: ذكر الصفة في الحكم "في المسجد" يدل على التعليل بها، اهـ أقول: والأظهر عندي أن كلاً منهما علة كافية في المنع، فمن أذى ملائكة الرحمة التي تتجمع في مجامع العبادة والذكر والعلم ونحوها منع من إيذائها ولو لم يؤذ غيرها، كمن دخل المسجد برائحة الثوم ولا أحد فيه، أو فيه جماعة كلهم أكلوا الثوم، ومن آذى المسلمين برائحة الثوم في أي اجتماع لهم ولو كان لا يجتمع فيه ملائكة الرحمة كالأسواق منع أيضاً. يؤكد ذلك عبارة "فلا يأتين المساجد" في الرواية الأولى، وعبارة "فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها" في الرواية الثانية، وعبارة "فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس" في الرواية الخامسة والسابعة، كل ذلك ظاهره النهي ولو لم يكن بالمسجد أحد من الإنس وعبارة "فلا يقربنا" في الرواية الثالثة، وعبارة "فليعتزلنا وليقعد في بيته" في الرواية السادسة تؤكد منع قدوم آكل الثوم على الجماعة وإن لم تكن في أماكن العبادة والله أعلم. أما أكل الثوم ونحوه فلا يتعلق به النهي. قال النووي: فهذه البقول حلال بإجماع من يعتد به، وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها، لأنها تمنع عن حضور الجماعة، وهي عندهم فرض عين، وحجة الجمهور قوله ﷺ في أحاديث الباب "كل فإني أناجي من لا تناجي" وقوله ﷺ "أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي" قال العلماء: ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها قال القاضي: ويلحق به من أكل فجلاً وكان يتجشى، قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من به بخر فيه، أو به جرح له رائحة، اهـ وألحق بعضهم بذلك أصحاب الصنائع كالسماك والدباغ والقصاب ونحوهم. وقال ابن المنير: ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بآكل الثوم في المنع من المسجد. قال: وفيه نظر، لأن أكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع، والمجذوم علته سماوية. قال النووي: وقد اختلف أصحابنا في الثوم. هل كان حراماً على رسول الله ﷺ أو كان يتركه

стр. 1453

تنزهاً؟ وظاهر الحديث أنه ليس بمحرم عليه ﷺ ، ومن قال بالتحريم يقول: المراد: ليس لي أن أحرم على أمتي ما أحل الله لها. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - استدل بها على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين، قال ابن دقيق العيد: لأن اللازم من منعه أحد أمرين. إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا فتكون صلاة الجماعة لست فرض عين، أو حرامًا فتكون صلاة الجماعة فرضًا. وجمهور الأمة على إباحة أكلها، فيلزم ألا تكون الجماعة فرض عين، وتقريره بالدليل المنطقي أن يقال: أكل هذه الأمور جائز ومن لوازمه ترك الصلاة الجماعة وترك الجماعة في حق آكلها جائز، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب ويمكن رد هذا الاستدلال بأن الجماعة فرض عين بشروطها، ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح. ٢ - قال ابن دقيق العيد: قد يستدل بهذه الأحاديث على أن أكل هذه الأمور من الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة، وقد يقال: إن هذا الكلام خرج مخرج الزجر: فلا يقتضي ذلك أن يكون عذرًا في تركها إلا أن تدعو إلى أكلها ضرورة. قال: ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه، فإن ذلك ينفي الزجر، اهـ. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن حمله على حالتين، والفرق بينهما أن الزجر وقع في حق من أراد إتيان المسجد، والإذن في التقريب وقع في حالة لم يكن فيها ذلك، بل لم يكن المسجد النبوي إذ ذاك بني حيث كان المقدم له أبا أيوب الأنصاري عند قدوم النبي ﷺ المدينة، قال الخطابي: توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله إذ حرم فضل الجماعة. اهـ. هذا، وبما أن الأحاديث صريحة في أن نهي آكل الثوم عن دخول المسجد إنما هو بسبب الريح الكريه فإنه يمكن أن يقال: إن الحكم منوط بالرائحة، فلو أكل وأزال الرائحة بمزيل أو استبدل بها رائحة طيبة زال المنع، وقد جاء ذلك صريحًا في الرواية الثانية ولفظها "فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها". ٣ - استدل المهلب من قوله "فإني أناجي من لا تناجي" على أن الملائكة أفضل من الآدميين، وتعقب بأنه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس على الجنس. ٤ - استدل بالحديث العاشر على إخراج من وجد منه ريح الثوم والبصل ونحوهما من المسجد. ٥ - واستدل به أيضًا على إزالة المنكر باليد لمن أمكنه ذلك. ٦ - ومن الرواية العاشرة جواز استخلاف الحاكم وعدم جوازه، وسيأتي في المناقب. ٧ - وفيها موقف عمر ﵁ من مسألة الكلالة، وبسطها في كتب المواريث. واللَّه أعلم

стр. 1454

(٢١٢) باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد ١٠٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا". ١٠٧٣ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ أن رجلاً نشد في المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي ﷺ "لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له". ١٠٧٤ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ لما صلى قام رجل فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي ﷺ "لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له". ١٠٧٥ - عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاء أعرابي بعد ما صلى النبي ﷺ صلاة الفجر فأدخل رأسه من باب المسجد فذكر بمثل حديثهما قال مسلم: هو شيبة بن نعامة أبو نعامة روى عنه مسعر وهشيم وجرير وغيرهم من الكوفيين. -[المعنى العام]- جعلت المساجد في الأرض للصلاة والذكر ومدارسة العلم والوعظ وما يؤدى إلى تقوى الله وعبادته، وما بعد ذلك إما أمور دنيوية لها جانب أخروي، فتلك يحسن إبعادها عن المساجد، وإما أمور دنيوية ذات مصلحة فردية كنشد الدابة والبيع والشراء، فهذه يجب صيانة المساجد عنها، ومن هنا جاء الحديث يهدد من يفعل ذلك بخسارة ما يبتغيه، وبعدم الوصول إلى ما ينشده، وذلك بحث المسلمين المصلين والقائمين والذاكرين بالمسجد أن يدعوا عليه، ولا شك أن دعاء الصالحين أهل المساجد قريب من الله قريب من الإجابة، وخصوصًا إذا كان هذا الدعاء مأمورًا به من الشرع مثابًا عليه من الله. يحدث الحديث أن أعرابيًا يجهل قدسية المساجد أدخل رأسه بعد صلاة الفجر من

стр. 1455

باب المسجد ورفع صوته للمصلين يقول: من وجد أو يعلم شيئًا عن جمل أحمر فليخبرني، فقد ضاع جملي الأحمر، فدعا عليه النبي ﷺ تأديبًا له وزجرًا لغيره، وقال: لا رده الله عليك. أسأل الله أن لا تجده. إن المساجد لا تصلح لمثل هذا. إنما بنيت المساجد لغير هذا، ثم قال ﷺ للمصلين: من سمع منكم رجلاً يسأل عن ضالته وما ضاع منه في المسجد فعاقبوه بالدعاء عليه أن لا يجد ما ضاع منه. إنما بنيت المساجد لعبادة الله تعالى. -[المباحث العربية]- (من سمع رجلاً ينشد ضالة) قال أهل اللغة: يقال: نشدت الدابة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرفتها قال النووي: ورواية هذا الحديث "ينشد ضالة" بفتح الياء وضم الشين، من نشدت إذا طلبت، ومثله قوله في الرواية الثانية "أن رجلاً نشد في المسجد" أي ضالة. (من دعا إلى الجمل الأحمر) أي من وجد الجمل الأحمر؟ فدعا إليه ونادى عليه؟ . (لا وجدت) مفعوله محذوف، والكلام على الدعاء عليه. أي لا وجدت ضالتك، وهي في معنى "لا ردها الله عليك". (إنما بنيت المساجد لما بنيت له) أي لذكر الله تعالى والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير، ونحوها. -[فقه الحديث]- قال النووي: في الحديث النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد. قال القاضي: وفيه دليل على منع عمل الصانع في المسجد، كالخياطة وشبهها. قال: قال بعض شيوخنا: إنما يمنع في المسجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب به، فلا يتخذ المسجد متجرًا، أما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة وإصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به. ورفع الصوت في المسجد كرهه مالك مطلقًا سواء بالعلم أم غيره، وفي رواية عنه التفريق بين رفع الصوت بالعلم ونحوه من الأغراض الدينية وبين رفع الصوت بنفع فردي دنيوي أو ما لا فائدة فيه. وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما: فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟

стр. 1456

وفي الشعر في المسجد روى ابن خزيمة في صحيحه والترمذي وحسنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد. والتحقيق حمل هذا النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، وما سلم من ذلك مأذون فيه، بل الشعر المشتمل على الحق، وما كان حقًا جاز في المسجد كسائر الكلام الحق، وإنما يمنع ما كان غير الحق كما يمنع من الكلام الخبيث واللغو الساقط. هذا والدعاء على من ينشد الضالة إنما هو عقوبة له على مخالفته وعصيانه، قال النووي: وينبغي لسامعه أن يقول: لا وجدت. فإن المساجد لم تبن لهذا، أو يقول: لا وجدت. إنما بنيت المساجد لما بنيت له، كما قاله رسول الله ﷺ . والله أعلم

стр. 1457

(٢١٣) باب السهو في الصلاة والسجود له ١٠٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس". ١٠٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي الأذان أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس". ١٠٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان إذا ثوب بالصلاة ولى وله ضراط". فذكر نحوه وزاد "فهناه ومناه". وذكره من حاجاته ما لم يكن يذكر. ١٠٧٩ - عن عبد الله ابن بحينة ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلم. ١٠٨٠ - عن عبد الله ابن بحينة الأسدي حليف بني عبد المطلب ﵁ أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. ١٠٨١ - عن عبد الله بن مالك ابن بحينة الأزدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قام في

стр. 1458

الشفع الذي يريد أن يجلس في صلاته فمضى في صلاته فلما كان في آخر الصلاة سجد قبل أن يسلم ثم سلم. ١٠٨٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته. وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان". ١٠٨٣ - عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد وفي معناه قال "يسجد سجدتين قبل السلام" كما قال سليمان بن بلال. ١٠٨٤ - عن عبد الله ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ (قال إبراهيم: زاد أو نقص) فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال "وما ذاك؟ " قالوا: صليت كذا وكذا. قال فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم. ثم أقبل علينا بوجهه فقال "إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. فإذا نسيت فذكروني. وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب. فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين". ١٠٨٥ - عن منصور بهذا الإسناد وفي رواية ابن بشر "فلينظر أحرى ذلك للصواب" وفي رواية وكيع "فليتحر الصواب". ١٠٨٦ - عن منصور بهذا الإسناد وقال منصور "فلينظر أحرى ذلك للصواب". ١٠٨٧ - عن منصور بهذا الإسناد وقال "فليتحر الصواب"

стр. 1459

١٠٨٨ - عن منصور بهذا الإسناد وقال "فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب". ١٠٨٩ - عن منصور بهذا الإسناد وقال "فليتحر الذي يرى أنه الصواب". ١٠٩١ - عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا فلما سلم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسًا. فسجد سجدتين. ١٠٩٢ - عن علقمة أنه صلى بهم خمسًا. ١٠٩٣ - عن إبراهيم بن سويد قال: صلى بنا علقمة الظهر خمسًا. فلما سلم قال القوم: يا أبا شبل قد صليت خمسًا. قال: كلا ما فعلت. قالوا: بلى. قال وكنت في ناحية القوم. وأنا غلام فقلت: بلى. قد صليت خمسًا. قال لي: وأنت أيضًا يا أعور تقول ذاك؟ قال قلت: نعم. قال: فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم. ثم قال: قال عبد الله: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا. فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال "ما شأنكم؟ " قالوا: يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال "لا" قالوا: فإنك قد صليت خمسًا. فانفتل ثم سجد سجدتين. ثم سلم ثم قال "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون" وزاد ابن نمير في حديثه "فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين". ١٠٩٤ - عن عبد الله ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا. فقلنا يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسًا. قال: "إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون" ثم سجد سجدتي السهو. ١٠٩٥ - عن عبد الله ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ فزاد أو نقص (قال إبراهيم:

стр. 1460

والوهم مني) فقيل: يا رسول الله أزيد في الصلاة شيء؟ فقال "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس". ثم تحول رسول الله ﷺ فسجد سجدتين. ١٠٩٦ - عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام. ١٠٩٧ - عن عبد الله ﵁ قال: صلينا مع رسول الله ﷺ فإما زاد أو نقص (قال إبراهيم: وايم الله ما جاء ذاك إلا من قبلي) قال: فقلنا يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ فقال "لا" قال فقلنا له الذي صنع فقال "إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين" قال ثم سجد سجدتين. ١٠٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبًا وفي القوم أبو بكر وعمر. فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالاً. فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم. ثم كبر ثم سجد. ثم كبر. فرفع. ثم كبر وسجد. ثم كبر ورفع. قال وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم. ١٠٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي بمعنى حديث سفيان. ١١٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1461

"كل ذلك لم يكن" فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال "أصدق ذو اليدين؟ " فقالوا: نعم: يا رسول الله فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة. ثم سجد سجدتين. وهو جالس. بعد التسليم. ١١٠١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين من صلاة الظهر ثم سلم فأتاه رجل من بني سليم فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ وساق الحديث. ١١٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع النبي ﷺ صلاة الظهر سلم رسول الله ﷺ من الركعتين فقام رجل من بني سليم واقتص الحديث. ١١٠٣ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان في يديه طول فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال "أصدق هذا؟ " قالوا: نعم. فصلى ركعة. ثم سلم. ثم سجد سجدتين. ثم سلم. ١١٠٤ - عن عمران بن الحصين ﵁ قال: سلم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة؟ يا رسول الله فخرج مغضبًا. فصلى الركعة التي كان ترك. ثم سلم. ثم سجد سجدتي السهو. ثم سلم. -[المعنى العام]- سبحان من أودع في كل قلب ما شغله، وسبحان من أرسل رسلاً من البشر مبشرين ومنذرين، يعلمون الناس الكتاب والحكمة، اصطفاهم الله فلم يترفعوا على أممهم، ولم يدعوا لأنفسهم ما ليس

стр. 1462

لهم، فأعلنوا مرارًا بألسنتهم أنهم بشر. وشاء الله أن تشهد حياتهم وتصرفاتهم بأنهم بشر، بشر يحبون ويكرهون يصومون ويفطرون، ويقومون وينامون، ويفكرون وينشغلون، وينسون ويذكرون. ومن مثل صفوة الخلق محمد ﷺ فيما كلف به؟ ومن حمله مثل حمل محمد ﷺ في رسالته. إنه رسول البشر عامة أبيضهم وأحمرهم، وغيره من إخوانه رسول قومه خاصة، إنه يحارب من هم أهله ووطنه، فيهاجر إلى وطن آخر يغرس فيه شجر الإيمان، ويرسل منه إلى الآفاق أشعة نور الإسلام، استخدم كل وسائل السلم بالحكمة والموعظة الحسنة، واضطر إلى استخدام السيف لحماية نفسه ودعوته وكانت حروبًا ضارية غير متكافئة العدد والعدة، ولكن النصر كان لمحمد وأصحابه من عند الله وبقوة الإيمان، وطئت قدمه ﷺ أرض وطنه الثاني بدأ يبني أمته من الداخل، ويذب عنها سهام الأعداء من الخارج بنى مسجده مدرسة تعليمية لشريعة الله، وما إن بدأت الغزوات حتى كانت الواحدة تلو الأخرى، وكلما عاد من غزوة وري بغيرها، وما وضع سلاحه حتى لبسه، وقد تهون حروب السيف أمام حروب المنافقين ومكايدهم، حتى وصل بهم الكيد أن تناولوا عرضه ﷺ في زوجته، حشود من الأفكار يشحن بها قلبه نتيجة لما نيط به من أمور جسام، وكلما عظمت عظمت معها مشاكله، ومشاغله، فهل نعجب إذا نسي ﷺ في صلاته كم صلى؟ وهل نعجب إذا قال ﷺ لأصحابه: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني"؟ إن هما واحدًا من المهام الكثيرة التي حملها ﷺ لو حمل على أحد أمته لنسي نفسه معظم وقته، ولكنها الرسالة والاصطفاء والإعداد الإلهي مع البشرية والإنسانية. لقد نسي، وقام ﷺ في صلاة رباعية بعد ثنتين ولم يجلس للتشهد، فسبح القوم ليذكروه، وما كان له ﷺ حسب وحي الله له أن يعود إلى الجلوس بعد ما تلبس بالوقوف، وما كان لأصحابه ﵃ إلا أن يتابعوه بعد ما نبهوه، فمضي في صلاته، فلما أتم الركعات الأربع وجلس وتشهد، وانتظر الناس سلامه، رأوه يسجد سجدتي السهو، فسجدوا معه، فسلم فسلموا مثله. ثم علمهم حكم الله بالقول بعد أن حكاه لهم بالفعل. ومرة أخرى بعد أن رفع من السجدة الثانية من ركعة رابعة في صلاة رباعية وجده أصحابه، يقوم لركعة خامسة ولم يجلس للتشهد الأخير كما علمهم فسبحوا، فلم يلتفت إلى تنبيههم، فقاموا مثله، وتابعوه، حتى قضى صلاته وسلم، فسلموا. وتحول عن القبلة فاستقبلهم. وكانت الأحكام الشرعية تنزل من الله تباعًا، وظنوا أنه قد يكون الوضع المعلوم قد تغير، فسأل سائلهم: أحدث في الصلاة شيء يا رسول الله؟ قال: لا. فماذا لاحظتم من تغيير؟ قالوا: صليت خمسًا بدل أربع، فنظر ﷺ في وجوه المصلين، فإذا هي تعبر عن تصديق السائل، وتذكر ﷺ ما نسي، وتأكد من صدقهم، فانفتل عنهم، وتحول من استقبالهم إلى استقبال القبلة، وثني رجليه إلى جلسة السجود، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل على القوم بوجهه يعلمهم، يقول: لو حدث في الصلاة زيادة أو نقص لأخبرتكم به ولم أفجأكم، وإنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون. أصبتم بتنبيهي وأحسنتم،

стр. 1463

فإذا نسيت فذكروني وكأني شككت فبنيت على اليقين، واعتقدت أني صليت ثلاثًا فجئت برابعة في حسباني، وعليكم إذا شككتم، اثنتين صليتم أم ثلاثًا فاجعلوها ثنتين، وإذا شككتم في الثلاث والأربع فاجعلوها ثلاثًا: ثم أتموا صلاتكم، حتى يكون الوهم في الزيادة خيرًا من النقصان، ثم اسجدوا سجدتين، فإن كانت صلاتكم تمامًا كانت السجدتان إذلالاً للشيطان الذي وسوس لكم في صلاتكم، وإن كانت صلاتكم قد زيدت ركعة تجعل الفرد زوجًا مثابًا عليها عند الله إن شاء الله. ومرة ثالثة سلم من ثنتين في صلاة رباعية، وخرج المتسرعون من المسجد فرحين، يقولون: قصرت الصلاة وأصبح الفرض ثنتين، وجلس المتقون ينظر بعضهم إلى النبي ﷺ ، وبعضهم ينظر إلى بعض في تعجب وترقب، وكان الغضب والانشغال باديًا على وجهه الشريف ﷺ ، فهابه القوم وكأن على رءوسهم الطير، ولم يطل ﷺ الجلوس عقب الصلاة كعادته، ولكنه قام إلى جذع نخل يعترض جهة القبلة، فشبك كفيه، ووضع إحداهما على الجذع، وأسند خده على الأخرى، هيئة مزعجة جدًا، يرتجف لها قلوب المقربين منه ﷺ ، ويهابه تلك الحظة بدرجة كبيرة من يهابه في عامة أحواله، ومن أقرب منه من أبي بكر وعمر؟ لقد أطرقا في وجوم. وفي القوم رجل عهد من رسول الله ﷺ معه ملاطفة ومداعبة وأنسًا، حتى كان يدعوه بذي اليدين لطول في يديه عن المعتاد، فجمع شجاعته، وتقدم من رسول الله ﷺ وقال: أقصرت الصلاة فصارت ثنتين أم نسيت يا رسول الله؟ قال: لم أنس ولم تقصر. قال: بل نسيت يا رسول الله مادامت لم تقصر. فاتجه ﷺ إلى أصحابه قائلاً. أحقًا ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم، وتيقن ﷺ ما قد نسي، فصلى ركعتين، ثم تشهد، ثم سجد سجدتين، ثم سلم. -[المباحث العربية]- (إذا قام يصلي) جملة "يصلي" في محل النصب على الحال من فاعل "قام" والمراد من القيام بدء المباشرة، وليس المراد منه الوقوف، حيث يحصل ذلك أيضًا لمن صلى قاعدًا. (فلبس عليه) "لبس" بتخفيف فتحة الباء، أي خلط عليه صلاته وشككه فيها، وجعل الحقيقة ملتبسة عليه بغير الحقيقة. (حتى لا يدري كم صلى)؟ غاية للتلبيس، وجملة الاستفهام [المكونة من مفعول به مقدم وفعل وفاعل] علقت "يدري" عن العمل في اللفظ، وهي في محل نصب سدت مسد مفعولي "يدري". (فإذا وجد ذلك) التلبيس في صدره. (إذا نودي بالأذان) في رواية البخاري "إذا نودي للصلاة" وفي رواية أبي داود "إذا نودي بالصلاة" وكلها محمولة على معنى واحد. (أدبر الشيطان له ضراط) الإدبار ضد الإقبال، يقال: دبر وأدبر إذا ولى والألف واللام في "الشيطان" للعهد، والمراد الشيطان المعهود بالوسوسة والإغراء. وجملة "له ضراط" وقعت حالاً،

стр. 1464

بدون الواو، وفي بعض الروايات "وله ضراط" بالواو على أصل الجملة الإسمية إذا وقعت حالاً. والضراط الريح الذي يخرج من الدبر مع الصوت، قال عياض: يمكن حمله على ظاهره لأن الشيطان جسم وله منفذ يصح خروج الريح منه. والحق أن هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من اعتراه خطب جسيم فاسترخت مفاصله من الخوف والانزعاج حتى لم يعد يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط، وقد شاع قولهم: بال على نفسه من الخوف. فشبه حال الشيطان بهذه الحال وأثبت للشيطان الضراط على وجه الادعاء، وفي الحقيقة ما حصل ضراط. وقال الطيبي: شبه شغل الشيطان نفسه عند سماع الأذان بالصوت الذي يحدثه ليملأ به سمعه ليحول دون سماع غيره بالضراط تقبيحًا له، وكان الأصل: أدبر وله صوت كالضراط. (حتى لا يسمع الأذان) غاية لإدباره، أي أدبر وولى حتى لا يسمع ويحتمل أن تكون غاية لضراطه على قول من يقول بضراط حقيقي، أو غاية للصوت الذي يخرجه على رأي من يقول به. والتحقيق أن هذه الغاية لأجل إدباره، فقد وقع بيان ذلك في رواية لمسلم جاء فيها "حتى يكون مكان الروحاء" والروحاء تبعد عن المدينة نحو ستة وثلاثين ميلاً. (فإذا قضي الأذان أقبل) "قضي" بالبناء للمجهول، وروي بالبناء للمعلوم، ويكون الفاعل ضميرًا للمؤذن، والقضاء هنا بمعنى الفراغ والانتهاء كما تقول: قضيت حاجتي إذا فرغت منها. (فإذا ثوب بها أدبر) في رواية البخاري "حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر" أي حتى إذا أقيم للصلاة أدبر حتى لا يسمع التثويب، والتثويب في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وأصله أن يلوح الرجل لصاحبه بثوبه عند طلب النجدة، ثم كثر استعماله في كل إعلام يجهر به صوت، ثم استعمل في تكرار الإعلام، وسميت الإقامة تثويبًا لأنها عود إلى ما يشبه الأذان، قال القرطبي، وكل مردد صوتًا فهو مثوب، وقيل، من ثاب إلى كذا إذا عاد إليه، والإقامة عود إلى الأذان. ولم يقل هنا "وله ضراط" كما قال في سماع الأذان لأنها تتم بصوت أقل ارتفاعًا منه. وقيل: لأن الشدة في الأول تلحقه في سبيل الغفلة فيكون أعظم، وقيل: اكتفى بذكره في الأول عن ذكره في الثاني. والله أعلم. (يخطر بين المرء ونفسه) بضم الطاء وكسرها، قال القاضي عياض: والكسر هو الوجه، ومعناه يوسوس، من قولهم: خطر الفحل بذنبه إذا حركه يضرب به فخذيه، وأما الضم فمن المرور، أي يدنو منه فيما بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه، قال الباجي: فيحول بين المرء وما يريد من محاولة إقباله على صلاته، اهـ. والمراد من النفس القلب، وكذا وقع للبخاري في بدء الخلق، قال العيني: وبهذا التفسير يحصل الجواب عما قيل: كيف يتصور خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ اهـ. والأولى أن يكون التعبير تمثيلاً لغاية القرب منه. (اذكر كذا. اذكر كذا) هكذا هو بدون واو العطف في رواية الأكثرين ووقع في رواية بواو العطف. (لما لم يكن يذكر) أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله الصلاة، وفي رواية "لما لم يكن

стр. 1465

يذكر من قبل" قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه يذكره بما سبق له به علم، ليشغل باله به، وبما لم يسبق له به علم ليوقعه في التفكير فيه، وهذا أعم من أن يكون من أمور الدنيا أو في أمور الدين كالعلم، لكن هل يشمل ذلك التفكير في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك، لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان، اهـ. وهذا الذي ذكره الحافظ بعيد لأن الشيطان لا يرضيه أن يفكر المصلي في معاني الآيات، ولا يسره أن يتدبر المصلي ما يقرأ، بل القراءة في الصلاة وخارجها تدبر معانيها وإلا كانت جسدًا بلا روح والله أعلم. (حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى)؟ "يظل" بفتح الظاء، أي حتى يصير الرجل لا يدري كم صلى من الركعات؟ ووقع في رواية الأصيلي "يضل" بالضاد المكسورة، أي ينسى ويذهب وهمه ويسهو، و"إن" في قوله "إن يدري" بكسر الهمزة حرف نفي، بمعنى ما يدري، وحكى ابن عبد البر عن الأكثر في الموطأ فتح همزة "إن" وتعقبه جماعة والصحيح الكسر، وإنما يتوجه الفتح على رواية "يضل" ويكون المعنى حتى يضل الرجل عن درايته عدد الركعات. (عن عبد الله بن مالك ابن بحينة) قال النووي: الصواب في هذا أن ينون "مالك" ويكتب "ابن بحينة" بالألف، لأن عبد الله هو ابن مالك فإذا قرئ كما ذكرناه انتظم على الصواب، ولو قرئ بإضافة "مالك" إلى "ابن" فسد المعنى، واقتضى أن يكون "مالك" ابنًا لـ"بحينة" وهذا غلط. اهـ أي إن عبد الله هو ابن مالك وابن بحينة، فمالك أبوه وبحينة أمه، وهي زوجة مالك، فيكتب "ابن بحينة" بالألف، لأن ما بعد "ابن" ليس أبًا لما قبلها. (الأسدي) بسكون السين، ويقال فيه: الأزدي كما في الرواية السادسة والأزد والأسد بإسكان السين قبيلة واحدة، وهما اسمان مترادفان لها، وهم أزد شنوءة. ذكره النووي. (حليف بني عبد المطلب) قال النووي: كذا هو في نسخ صحيح البخاري ومسلم، والذي ذكره ابن سعد وغيره من أهل السير والتواريخ أنه حليف بني المطلب، وكان جده حالف المطلب بن عبد مناف. (صلى لنا) أي بنا، أو لأجلنا. (ركعتين من بعض الصلوات) أي الرباعية، وقد فسرت بالظهر في الرواية الخامسة. (ثم قام فلم يجلس) للتشهد الوسط. (فقام الناس معه) زاد الضحاك بن عثمان عن الأعرج في رواية عند ابن خزيمة "فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته". (فلما قضى صلاته) أي فرغ منها. (ونظرنا تسليمه) أي انتظرنا تسليمه، وفي رواية "وانتظر الناس تسليمه .... ".

стр. 1466

(وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس) أي مقابل ما نسي وجبرًا لما نسي من الجلوس. (قام في الشفع) أي بعد الشفع، أي بعد ركعتين. (الذي يريد أن يجلس في صلاته) أي الذي كان يريد ويقصد - قبل بلوغ وقته - أن يجلس بعد صلاة هذا الشفع. لكنه لما جاء وقته نسي. (فمضى في صلاته) معطوف على محذوف، أي فسبح الناس ليعود إلى الجلوس المنسي فلم يعد فمضى. (فليطرح الشك وليبن على ما استيقن) إذا شك هل الركعة التي أداها رابعة أو ثالثة كانت الثلاث يقينية الأداء، والشك في الرابعة، وطرح الشك يكون بطرح المشكوك فيه وهو الرابعة والبناء على ما عليه اليقين وهي الثلاث وليصل ركعة، ثم يسجد سجدتين. (فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته) يعني أن السجدتين بمنزلة الركعة، لأنهما ركناها، فكأنه بفعلهما قد فعل ركعة سادسة، فصارت الصلاة شفعًا. (وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان) أي وإن كانت الركعة التي صلاها هي متممة للأربع كانت السجدتان إغاظة للشيطان، وإذلالاً له، مأخوذ من الرغام وهو التراب، ومنه أرغم الله أنفه، والقصد أن الشيطان لبس عليه صلاته وتعرض لإفسادها ونقصها، فجعل الله تعالى للمصلي طريقًا إلى جبر صلاته وإرغام الشيطان ورده خاسئًا مبعدًا عن مراده وكملت صلاة ابن آدم، وامتثل أمر الله تعالى الذي عصى به إبليس من امتناعه من السجود. قاله النووي. (قال إبراهيم: زاد أو نقص) هذا الشك من إبراهيم النخعي الراوي عن علقمة الراوي عن عبد الله بن مسعود. فرواية ابن مسعود لا شك فيها، ولفظها في الرواية الحادية عشرة "صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا" ثم رواية علقمة عن عبد الله لا شك فيها، ويعترف إبراهيم بأن الشك من جهته هو في الرواية الثانية عشرة، إذ يقول: والوهم مني، وفي الرابعة عشرة يقصر الشك على نفسه إذ يقول: "وايم الله ما جاء ذاك إلا من قبلي" أي من جهتي، ولو أنه تدبر في الرواية لطرح الشك، إذ يروى في الرواية الثانية عشرة "فقيل: يا رسول الله، أزيد في الصلاة شيء"؟ فالنسيان إذن كان بالزيادة صراحة. (إنما أنا بشر) قصر نفسه ﷺ على البشرية، فهو من قصر الموصوف على الصفة، فليس قصرًا حقيقيًا، إذ قصر الموصوف على صفة حقيقية لا يكاد يوجد، لأن لكل إنسان صفات متعددة فلا يقصر على واحدة، فلا أقل من أنه حي موجود مميز متحرك، ومثل هذا التعبير يكون قصرًا إضافيًا، أي إنما أنا بشر لا ملك. (أنسى كما تنسون) وجه الشبه مطلق النسيان لا كميته ولا نوعيته.

стр. 1467

(فليتحر الصواب) "فلينظر أحرى ذلك للصواب". "فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب". "فليتحر الذي يرى أنه الصواب" هذه الروايات توضح معنى التحري، إذ التحري للصواب في اللغة طلب ومحاولة الوصول إلى الصواب، أو إلى ما يقرب من الصواب، والتحري في الأصل هو القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فأولئك تحروا رشدًا﴾ [الجن: ١٤] والشك في اللغة التردد بين وجود الشيء وعدمه - سواء مستوى الطرفين أو الراجح والمرجوح، وفي اصطلاح الأصوليين هو ما استوى طرفاه، وقد أمر الحديث بالتحري، وأمر بطرح الشك والبناء على اليقين والتحري مقدم على البناء على اليقين، فإذا عرض الشك وجب التحري ومحاولة الوصول، فإن أمكن الخروج بالتحري عن دائرة الشك والوصول إلى الاستيقان بأنه صلى ثلاثًا أو أربعًا عمل بهذا التحري، ولا يطلب منه أن يبني على الأقل لأن الحديث قد شرط للبناء على الأقل عدم الدراية، إذ قال "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى"؟ الرواية السابعة، وإن لم يصل به تحريه إلى اليقين وبقي الشك وعدم الدراية بنى على الأقل وطرح الشك. وهذا طريق جيد للجمع بين الأحاديث. وسيأتي البحث في فقه الحديث. (فانفتل) أي تحول بجسمه إلى جهة القبلة، حيث كان مستقبل القوم بعد انتهاء الصلاة. (توشوش القوم بينهم) قال النووي: ضبطناه بالشين المعجمة، وقال القاضي: روي بالمعجمة وبالمهملة، وكلاهما صحيح، ومعناه تحركوا، ومنه وسواس الحلي، وهو تحركه، ووسوسة الشيطان، قال أهل اللغة: الوشوشة بالمعجمة صوت في اختلاط، قال الأصمعي: ويقال: رجل وشواش أي خفيف. (ثم سجد سجدتي السهو) السهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، قال الحافظ ابن حجر: وفرق بعضهم بين السهو والنسيان، وليس بشيء اهـ قال العيني: بل بينهما فرق دقيق وهو أن السهو أن ينعدم له شعور والنسيان له فيه شعور، اهـ والحق مع الحافظ ابن حجر فإن السجود سمى سجود السهو، والذي حصل من النقص أو الزيادة عبر عن سببه بالنسيان، فكل منهما مستعمل هنا بمعنى الآخر دون تفرقة. (وهو جالس) جملة حالية متعلقة بقوله "فليسجد" أي فلينشئ السجود جالسًا. وإنما شرحنا هذا الشرح لأن حالة السجود غير حالة الجلوس. (ثم تحول رسول اللَّه ﷺ أي من مواجهة المصلين إلى استقبال القبلة فهو بمعنى "انفتل". (إحدى صلاتي العشى إما الظهر وإما العصر) قال الأزهري: العشى عند العرب ما بين زوال الشمس وغروبها. وفي الرواية السادسة عشرة "صلاة العصر" وفي السابعة عشرة "صلى ركعتين من صلاة الظهر" وكذا في الرواية الثامنة عشرة صلاة الظهر، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن الاختلاف من الرواة، وأبعد من حمل الاختلاف على تعدد القصة وأنها وقعت مرتين. بل روى النسائي أن الشك من أبي هريرة، ولفظه صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشى. قال أبو هريرة: ولكني

стр. 1468

نسيت، فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها، اهـ (ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبًا) قال النووي: هكذا هو في كل الأصول "فاستند إليها" والجذع مذكر، ولكن أنثه على إرادة الخشبة، اهـ. وفي رواية البخاري "ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد" أي في جهة القبلة، وفي رواية "فقام إلى خشبة معروضة في المسجد" أي موضوعة بالعرض، قال الحافظ ابن حجر: ولا تنافي بين هذه الروايات، لأنها تحمل على أن الجذع كان قبل اتخاذ المنبر ممتدًا بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان ﷺ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشراح، اهـ وفي رواية البخاري "فوضع يده عليها" أي استند إلى الخشبة بواسطة يده ﷺ ، ووقع في بعض الروايات الصحيحة "فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خذه الأيمن على ظهر كفه اليسرى" و"مغضبًا" بفتح الضاد، ولم أقف على سر غضبه ﷺ ، لكن هذه العبارة تبين سبب السهو وأنه ﷺ ما سها في صلاته إلا لأمر جلل. (وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما) في رواية البخاري "فهابا أن يكلماه" وفي رواية "فهاباه" والمعنى أنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه، أما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. (وخرج سرعان الناس) قال النووي: والسرعان بفتح السين والراء، هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وهكذا ضبطه المتقنون، والسرعان المسرعون إلى الخروج من المسجد، وهم أهل الحاجات غالبًا، ونقل القاضي عياض عن بعضهم إسكان الراء، قال: وضبطه الأصيلي في البخاري بضم السين وإسكان الراء، ويكون جمع سريع مثل كثيب وكثبان. (قصرت الصلاة) بضم القاف وكسر الصاد على البناء للمجهول "أي الله قصرها، وبفتح ثم ضم، على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة. قال النووي: هذا أكثر وأرجح، والمعنى أن السرعان خرجوا من المسجد يقولون ذلك. (فقام ذو اليدين) في رواية البخاري "ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين فقال: وفي رواية "وفي القوم رجل في يده طول، يقال له: ذو اليدين" قال الحافظ ابن حجر: وهو محمول على الحقيقة، ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل أو البذل. قال القرطبي: وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا وذهب الأكثرون إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق بكسر الخاء وسكون الراء بعدها باء ممدودة آخره قاف، اعتمادًا على روايتنا التاسعة عشرة والرواية العشرين، قال الحافظ ابن حجر: وهذا صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران، وهو الراجح في نظري، اهـ وذو اليدين عاش بعد النبي ﷺ وهو سلمي، وعبر عنه في الرواية السابعة عشرة بقوله، فأتاه رجل من بني سليم". ولما وقع الحديث عند الزهري بلفظ "فقام ذو الشمالين" وذو الشمالين [واسمه عمير بن عمرو بن

стр. 1469

نضلة وهو خزاعي - قتل ببدر قال: إن القصة وقعت قبل بدر، وتسبب هذا في أن الطحاوي حمل قول أبي هريرة في الرواية الخامسة عشرة "صلى بنا رسول الله ﷺ " على المجاز، لأن أبا هريرة لم يكن أسلم أيام بدر وقال: إن المراد به صلى بالمسلمين، ويدفع هذا المجاز ويرد قول الطحاوي صريح روايتنا الثامنة عشرة، ولفظها "بينما أنا أصلي مع النبي ﷺ " وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونص على ذلك الشافعي ﵀ في اختلاف الحديث. وسيأتي في فقه الحديث طرق الجمع بين حديث أبي هريرة وحديث عمران بن حصين. (وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم) لفظ أبي داود "فقيل لمحمد بن سيرين: سلم في السجود؟ فقال: لم أحفظه من أبي هريرة، ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم "فهم قد سألوا ابن سيرين الراوي عن أبي هريرة الذي وصف سجدتي السهو بهيئاتهما: هل رويت أن رسول الله ﷺ سلم بعد سجدتي السهو؟ إلخ. (كل ذلك لم يكن) قال النووي: فيه تأويلان. أحدهما قاله جماعة من أصحابنا في كتب المذهب أن معناه لم يكن المجموع، فلا ينفي وجود أحدهما. والثاني - وهو الصواب - معناه لم يكن هذا ولا ذاك في ظني، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعًا، ويدل على صحة هذا التأويل، وأنه لا يجوز غيره أنه جاء في رواية البخاري في هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: "لم تقصر ولم أنس" فنفى الأمرين، اهـ. ويؤيد ما قاله النووي ما قاله أصحاب المعاني من أن لفظ "كل" إذا تقدم وعقبها النفي كان نفيًا لكل فرد، لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت. كأن يقول: لم يكن كل ذلك. ولهذا أجاب ذو اليدين "قد كان بعض ذلك، وفي بعض الروايات قال ذو اليدين "بلى قد نسيت". (سلم رسول الله ﷺ من الركعتين) قال النووي: هكذا هو في بعض الأصول المعتمدة "من الركعتين" وهو الظاهر الموافق لباقي الروايات، وفي بعضها "بين الركعتين" وهو صحيح أيضًا، ويكون المراد بين الركعتين الثانية والثالثة. اهـ. (وخرج غضبان يجر رداءه) يعني لكثرة اشتغاله بشأن الصلاة خرج يجر رداءه ولم يتمهل ليلبسه. (ثم قام فدخل الحجرة) أي حجرة إحدى أزواجه، فقد كانت بيوت أزواجه ﷺ محيطة بالمسجد تفتح فيه. -[فقه الحديث]- يمكن حصر الكلام عن هذه الأحاديث في سبع نقاط: ١ - الشيطان ووسوسته وحكم الصلاة مع الانشغال. ٢ - المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ للسهو، والمواضع الأخرى التي تقع للمصلي.

стр. 1470

٣ - مكان السجدتين من الصلاة، قبل السلام أو بعده وتحرير الخلافات المذهبية وأدلتها. ٤ - حكم السجدتين وأركانهما وهيئاتهما. ٥ - الجمع بين ما ظاهره التعارض من الروايات. ٦ - نسيان الأنبياء. ٧ - ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام والحكم الأخرى. وهذا هو التفصيل: ١ - قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، وعليه يدل كلام كثير من الشراح، ويحتمل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة، ثم قال: وقد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له، وقيل: يهرب نفورًا عن سماع الأذان، ثم يرجع موسوسًا ليفسد على المصلي صلاته، فصار رجوعه من جنس فراره، والجامع بينهما الاستخفاف، وقيل لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصى بسببه، واعترض بأنه يعود قبل السجود، فلو كان هربه لأجله لم يعد إلا عند فراغه، وأجيب بأنه يهرب عند سماع الدعاء بذلك ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرًا، ثم يرجع ليفسد على المصلي سجوده الذي أباه، وقيل: إنما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق وإقامة الشريعة، واعترض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي، وأجيب بأن الإعلان أخص من الاتفاق، فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة مثلاً. وقال ابن الجوزي: على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة فإن النفس تحضر فيها فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة. اهـ وكل ما ذكر لا يسلم من الاعتراض، وتلمس الحكمة إنما هو لتقريب فهم الحكم، لا لبيان علته، ويمكن اعتبار هذه الحكم مجتمعة، كما يمكن أن يقال: إن غايته في إضلال المؤذن ضعيفة، أما غايته في إفساد الصلاة أو فقدها روحها وأثرها - وهي التي قال الله تعالى في شأنها ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] فهي غاية كبرى، فكأنه عند الأذان يهرب استخفافًا واستهتارًا وكأنه يقول للمؤذن. ناد ما شئت. وارفع صوتك ما شئت، واجمع من شئت فوربك لأغوينهم أجمعين. إلا القليل المخلصين، فوربك لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين، فالصلاة ميدان إبليس وليس الأذان. والخشوع في الصلاة وخشية الله فيها، واتجاه قلب المصلي ووجدانه إلى مناجاة الرب يدفع الأعضاء إلى السكون وعدم الحركة، حتى ولو وجد ما يدعو إلى الحركة من العوامل الجسيمة أو الخارجية، كمعاكسة الذباب أو وخز الحصى، فخشوع الجوارح عنوان خشوع القلب. ومن هنا كرهت الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة الأخبثين، كما مر قبل بابين، والخشوع وإن كان

стр. 1471

مطلوبًا في الصلاة لكنه ليس بواجب، نعم حكى المحب الطبري قولاً منسوبًا إلى القاضي أبي زيد أن الخشوع شرط في صحة الصلاة. ثم قال: وهو محمول على أن يحصل في الصلاة في الجملة لا في جميعها. والخواطر التي تعرض في الصلاة لا قبل للإنسان بها، ولا يؤاخذ عليها وإن كان مطالبًا بمدافعتها، قال ابن بطال: بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته، يريد بذلك وجه الله تعالى، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر. اهـ وقال المهلب: التفكير أمر غالب لا يمكن الاحتراز عنه في الصلاة ولا في غيرها، لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن إن كان في أمر أخروي ديني فهو أخف مما يكون في أمر دنيوي. اهـ. وقد روى البخاري عن عمر أنه قال "إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة" وأحاديث الباب تدل على أن الرسول ﷺ شغل بالخواطر في الصلاة، حتى نسي أصلى ثنتين أم أربعًا؟ ثم لم تطلب أحاديث الباب أن يتخلص المصلي من خواطر الشيطان، وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق، وإنما طلبت جبر هذه الخواطر إذا أحدثت شكا، وذلك بإرغام الشيطان وإحباط سعيه بسجدتي السهو. نعم كلما قلت سيطرة الخواطر على المصلي كثر ثوابه على صلاته، فقد روى النسائي بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: "منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف، والثلث والربع والخمس" حتى بلغ العشر. ٢ - والمواضع التي سجد من أجلها رسول الله ﷺ سجود السهو والتي نصت عليها أحاديث الباب أربعة: أحدها: قام من ثنتين ناسيًا التشهد الأوسط وجلوسه، سند ذلك الروايات الرابعة والخامسة والسادسة من أحاديث الباب. ثانيها: سلم من ثنتين والصلاة رباعية، سند ذلك الروايات الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة من أحاديث الباب. ثالثها: صلى الرباعية خمسًا، سند ذلك الروايات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة من أحاديث الباب. رابعها: سلم من ثلاث والصلاة رباعية، سند ذلك روايتا عمران بن حصين [التاسعة عشرة والعشرون] إن لم نجمع بينهما وبين روايات أبي هريرة في التسليم من ثنتين. أما المواضع الأخرى التي يشرع فيها للمصلي سجود السهو فقد قال النووي في المجموع: إن ترك فرضًا ساهيًا، أو شك في تركه وهو في الصلاة لم يعتد مما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه، ثم قال أصحابنا: إذا ترك المصلي سنة وتلبس بغيرها لم يعد إليها، سواء تلبس بفرض أم بسنة أخرى، كمن ترك دعاء الاستفتاح وتلبس بقراءة الفاتحة أو بالاستعاذة، وسواء كان الترك عمدًا أم سهوًا، فإن عاد إلى السنة القولية بعد أن تلبس بقولي لم تبطل صلاته، أما إن عاد إلى التشهد الوسط بعد أن تلبس بالقيام بطلت صلاته إن كان عامدًا عالمًا بالتحريم، فإن كان ناسيًا أو

стр. 1472

جاهلاً لم تبطل، ويسجد للسهو، ولو ترك بعضًا من الأبعاض (وهي التشهد الأول والجلوس له والقنوت والقيام له، والصلاة على رسول الله ﷺ وعلى آله في التشهد الأول، وكذا الآل في التشهد الأخير) جبر بسجود السهو إذا تركه سهوًا، وإن تركه عمدًا فوجهان: أحدهما لا يسجد لأن السجود مشروع للسهو، وبه قال أبو حنيفة، وقيل يسجد. أما غير الأبعاض من السنن كالتعوذ ودعاء الاستفتاح، ورفع اليدين والتكبيرات والتسبيحات والجهر والإسرار والتورك والافتراش والسورة بعد الفاتحة ووضع اليدين على الركبتين وسائر السنن القولية غير الأبعاض فلا يسجد لها، سواء تركها عمدًا أم سهوًا، لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ السجود لشيء منها والسجود زيادة في الصلاة فلا يجوز إلا بتوقيف، ويخالف الأبعاض، فإنه قد ورد التوقيف في التشهد الأول وجلوسه، وقسنا عليه باقيها، وحكى جماعة من أصحابنا قولاً قديمًا أنه يسجد لترك كل مسنون ذكرًا كان أو فعلاً، وهو ضعيف. أما إذا فعل منهيًا عنه مما لا تبطل الصلاة بعمده كالالتفات والخطوة ووضع اليد على الفم وكف الثوب والشعر ومسح الحصى والتثاؤب وأشباه ذلك فلا يسجد للسهو لعمده ولا لسهوه، فإن النبي ﷺ حمل أمامة ووضعها وخلع نعليه في الصلاة ولم يسجد لشيء من ذلك. فإن فعل ساهيًا منهيًا عنه تبطل الصلاة بعمده كالكلام والركوع والسجود الزائدين فهذا يسجد لسهوه إذا لم تبطل به الصلاة، وقال أبو حنيفة: يسجد للجهر والإسرار، وقال مالك: يسجد لترك جميع الهيئات. والله أعلم. ٣ - وفي موضع سجود السهو من الصلاة نقول: إن الرواية الأولى والثانية من روايات الباب فيمن لم يدر كم صلى، وفيهما "فليسجد سجدتين وهو جالس" ولم يذكر فيهما السلام. والروايات الرابعة والخامسة والسادسة فيمن قام من ثنتين في صلاة رباعية (ومثلها الثلاثية) ولم يجلس للتشهد الوسط، وفيها كلها أنه سجد للسهو قبل أن يسلم. والرواية السابعة فيمن شك فبنى على اليقين، وأتم صلاته، وفيها "يسجد سجدتين قبل أن يسلم" والرواية الثامنة حتى الرابعة عشرة فيمن صلى الرباعية خمسًا (أي فيمن زاد ركعة) بعضها سكت عن السلام بعد السجدتين كالتاسعة والحادية عشرة والثانية عشرة والرابعة عشرة، وبعضها صرح بالسلام بعد السجدتين كالثامنة والعاشرة، وبما أن الراوي واحد، والواقعة واحدة فيحمل ما لم يصرح فيه بالسلام على ما صرح فيه به. أما الرواية الثالثة عشرة، وهي عن الراوي نفسه وعن الواقعة نفسها، وفيها "سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام" فهي كالتي أغفل فيها ذكر السلام لأنها تحكي عن السلام الذي حدث عقب صلاة الخمس، لا عن السلام بعد سجود السهو، بدليل ذكر الكلام في قوله "بعد السلام والكلام" فالسلام المذكور فيها لا يدخل في موضوع النزاع. أما الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة فهما فيمن سلم من ثنتين في رباعية [ومثلها الثلاثية] وفيهما أنه أكمل الصلاة ثم سلم، ثم سجد للسهو.

стр. 1473

أما التاسعة عشرة والعشرون فهما فيمن سلم من ثلاث في رباعية، وفيهما أنه أكمل الصلاة ثم سلم، ثم سجد للسهو، ثم سلم. وإذا تجاوزنا روايات الإمام مسلم التي استعرضناها في هذا الباب وجدنا الأحاديث الصحيحة في الكتب الأخرى لا تخرج عما ذكرنا، وما روي مخالفًا لذلك لا يقاوم الصحيح كما سيأتي. وقد كثر خلاف الفقهاء في مشروعية السلام قبل سجود السهو وبعده. (أ) فذهب داود الظاهري إلى أنه لا يسجد للسهو إلا في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ للسهو، وبالأوضاع الواردة نفسها، فيقتصر على ما ورد، وغير ذلك إن كان فرضًا أتى به، وإن كان ندبًا فليس عليه شيء. (ب) وذهب الإمام أحمد والحنابلة إلى أنه يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ قبل السلام، وبعد السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ بعد السلام، وما كان من السجود في غير تلك المواضع يسجد له أبدًا قبل السلام، قال ابن قدامه في المغني: السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام، وما عداهما يسجد له قبل السلام. (جـ) وذهب الإمام مالك والشافعي في قول له إلى التفرقة بين السهو بالزيادة والسهو بالنقص، فيسجد للزيادة بعد السلام وللنقص قبله. قال ابن عبد البر: وبهذا القول يصح استعمال الخبرين جميعًا، قال: واستعمال الأخبار على وجهها أولى من ادعاء النسخ، ومن جهة النظر والفكر الفرق بين الزيادة والنقص بين في ذلك، لأن السجود في النقصان إصلاح وجبر، ومحال أن يكون الإصلاح والجبر بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود في الزيادة فإنما هو ترغيم للشيطان، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ. قال ابن العربي: مالك أسد قيلاً وأهدى سبيلاً. اهـ، وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة، وكان الحكم على وفقها كانت علة، فيعم الحكم جميع محالها، فلا تخصص إلا بنص اهـ وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوع، بل جبر أيضًا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة فهو نقض وقصر في المعنى، وإنما سمى النبي ﷺ سجود السهو ترغيمًا للشيطان في حالة الشك وليس في حالة الزيادة كما ذهب إليه المالكية. وقال الخطابي: لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح، وأيضًا فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان، اهـ[يشير إلى روايتنا الخامسة عشرة]. (د) وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري -وحكى قولاً للشافعي: إن سجود السهو كله بعد السلام، واستدلوا بحديث ذي اليدين، روايتنا الخامسة عشرة وفيها "فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع، وروايتنا السادسة عشرة، وفيها "فأتم ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم" كما استدلوا بحديث عمران بن حصين، روايتنا التاسعة عشرة، وفيها "فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين ... " وروايتنا المتممة للعشرين، وفيها "فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو ... "

стр. 1474

كما احتجوا بما رواه الترمذي من حديث الشعبي قال: "صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين، فسبح به القوم وسبح بهم، فلما صلى بقية صلاته سلم، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ فعل بهم مثل الذي فعل" وبما رواه الطبراني من حديث محمد بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قال: "صليت خلف أنس بن مالك صلاة، فسها فيها، فسجد بعد السلام، ثم التفت إلينا وقال: أما إني لم أصنع إلا كما رأيت رسول الله ﷺ يصنع" وبأحاديث أخرى في ابن خزيمة وأبي داود وابن ماجه وأحمد وعبد الرزاق والطبراني، وكلها أحاديث لا تقاوم الصحيح. كما استدلوا بحديث ابن مسعود - روايتنا التاسعة - وفيها أنه ﷺ سجد بعد ما صلى خمسًا وسلم، وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام، حين سألوه، هل زيد في الصلاة؟ وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام، لتعذره قبله، لعدم علمه بالسهو وإنما تابعه الصحابة -ولم يسجدوا للسهو قبل السلام - لتجويزهم الزيادة في الصلاة، لأنه كان في زمن توقع النسخ. وقال ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود، لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلي في الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسة، ثم سلم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصح صلاته، ولم ينقل في حديث ابن مسعود إضافة سادسة ولا إعادة، ولا بد من أحدهما عندهم. اهـ كما استدلوا بالزيادة الواردة في حديث ابن مسعود. وهي "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين" ورد بأن هذا معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم - روايتنا السابعة، وفيها "فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم". (هـ) وذهب الشافعي في الجديد إلى أن سجود السهو كله قبل السلام واستدلوا بالأحاديث التي ذكر فيها السجود قبل السلام كالروايات الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والعاشرة، وبما جاء في الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ "إذا سها أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين قبل أن يسلم" وقال الترمذي. حسن صحيح. وما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة المروي في مسلم في الرواية الثانية من زيادة "فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم ليسلم" وما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ "إذا شك أحدكم في صلاته ... فإذا فرغ فلم يبق إلا التسليم فليسجد سجدتين وهو جالس ثم ليسلم". (و) وذهب إسحق بن راهويه إلى أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فما كان نقصًا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد السلام، قال الحافظ ابن حجر: فحرر إسحق مذهبه من قولي أحمد ومالك، وهو أعدل المذاهب فيما يظهر، اهـ هذه أهم المذاهب في موضع سجود السهو من الصلاة، ولو ذهبنا نرجح ونختار لطال بنا المقام، وتعرض قولنا للرد، ويكفي أن نرى بعض الشافعية يؤيدون المالكية، فنرى النووي يقول: أقوى المذاهب فيها قول مالك ثم أحمد وغيره، ويقول: بل طريق أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام. وقال: ولولا ما روي عن النبي ﷺ في

стр. 1475

ذلك لرأيته كله قبل السلام، ولأنه من شأن الصلاة فيفعله قبل السلام، اهـ ورأينا الخطابي يرد قول المالكية. وأخيرًا رجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ولو عرفنا حكم تقديم السجدتين على السلام أو تأخيرهما عنه لهان الأمر ووجدناها معركة في غير ميدان، أو زوبعة في فنجان، فقد نقل الماوردي وغيره الإجماع على جواز هذا أو ذاك، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا قال ابن عبد البر: إنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل السلام أو بعده أن لا شيء عليه، وصرح صاحب الهداية بأن الخلاف عند الحنفية في الأولوية، نعم حكى إمام الحرمين في النهاية خلافًا في الإجزاء على المذهب الشافعي، وحكى القرطبي خلافًا في الإجزاء في مذهب المالكية، وحكى القدوري خلافًا في الإجزاء في مذهب الحنفية، قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال: إن الإجماع الذي نقله الماوردي وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة، اهـ ويمكن أن يقال على هذا: إن المعتمد في المسألة أن الخلاف في الأولى والأفضل، والله أعلم. ٤ - وسجود السهو مسنون كله عند الشافعية، وعند المالكية هو واجب للنقص دون الزيادة، وعند الحنابلة التفصيل بين الواجبات غير الأركان، فيجب السجود لتركها سهوًا، وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده، وعند الحنفية واجب كله، وحجتهم قوله في حديث ابن مسعود "ثم ليسجد سجدتين" والأمر للوجوب وقد ثبت من فعله ﷺ ، وأفعاله ﷺ محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، لا سيما مع قوله "صلوا كما رأيتموني أصلي". أما كيفيته فقد وصفتها روايتنا الخامسة عشرة، وفيها "ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع" فهو سجدتان، فلو اقتصر على واحدة ساهيًا لم يلزمه شيء، أو عامدًا بطلت صلاته، لأنه تعمد الإتيان بسجدة زائدة ليست مشروعة. كذا عند الشافعية، وعند الحنفية لا شيء عليه لو اقتصر على سجدة واحدة ساهيًا أو عامدًا، قال العيني: كيف تبطل الصلاة إذا زاد فيها شيئًا من جنسها؟ اهـ. ونسأله ماذا يرى لو زاد ركعة عامدًا في أي صلاة؟ لو لم نقل بالبطلان لصلى المسلمون الثنائية ثلاثية، والثلاثية رباعية والرباعية خماسية عامدين، وانتهى التشريع الإلهي. والتكبير في سجدتي السهو مشروع بالإجماع كما هو في سجود الصلاة والجهر به كما في الجهر به في سجود الصلاة، وتكبير الصلوات كله سنة غير تكبيرة الإحرام، فهي ركن، وهو قول الجمهور، وعند أحمد والظاهرية أن تكبير الصلوات كله واجب. ولا خلاف أن سجود السهو الواقع قبل السلام لا يحتاج إلى تكبيرة إحرام إنما الخلاف في السجود الذي يقع بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام، أو يكتفى بتكبيرة السجود؟ قال الحافظ ابن حجر: الجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبي أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بالسلام لا بد له من تكبيرة الإحرام. اهـ والجلوس بين سجدتي السهو مشروع، ولا خلاف فيه. ومن مجموع الأحاديث في هذا الباب يستفاد أنه لا تشهد بعد سجود السهو وهذا ما عليه الجمهور
следующие страницы →