← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

مطلوبًا في الصلاة لكنه ليس بواجب، نعم حكى المحب الطبري قولاً منسوبًا إلى القاضي أبي زيد أن الخشوع شرط في صحة الصلاة. ثم قال: وهو محمول على أن يحصل في الصلاة في الجملة لا في جميعها. والخواطر التي تعرض في الصلاة لا قبل للإنسان بها، ولا يؤاخذ عليها وإن كان مطالبًا بمدافعتها، قال ابن بطال: بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته، يريد بذلك وجه الله تعالى، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر. اهـ وقال المهلب: التفكير أمر غالب لا يمكن الاحتراز عنه في الصلاة ولا في غيرها، لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن إن كان في أمر أخروي ديني فهو أخف مما يكون في أمر دنيوي. اهـ. وقد روى البخاري عن عمر أنه قال "إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة" وأحاديث الباب تدل على أن الرسول ﷺ شغل بالخواطر في الصلاة، حتى نسي أصلى ثنتين أم أربعًا؟ ثم لم تطلب أحاديث الباب أن يتخلص المصلي من خواطر الشيطان، وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق، وإنما طلبت جبر هذه الخواطر إذا أحدثت شكا، وذلك بإرغام الشيطان وإحباط سعيه بسجدتي السهو. نعم كلما قلت سيطرة الخواطر على المصلي كثر ثوابه على صلاته، فقد روى النسائي بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: "منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف، والثلث والربع والخمس" حتى بلغ العشر. ٢ - والمواضع التي سجد من أجلها رسول الله ﷺ سجود السهو والتي نصت عليها أحاديث الباب أربعة: أحدها: قام من ثنتين ناسيًا التشهد الأوسط وجلوسه، سند ذلك الروايات الرابعة والخامسة والسادسة من أحاديث الباب. ثانيها: سلم من ثنتين والصلاة رباعية، سند ذلك الروايات الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة من أحاديث الباب. ثالثها: صلى الرباعية خمسًا، سند ذلك الروايات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة من أحاديث الباب. رابعها: سلم من ثلاث والصلاة رباعية، سند ذلك روايتا عمران بن حصين [التاسعة عشرة والعشرون] إن لم نجمع بينهما وبين روايات أبي هريرة في التسليم من ثنتين. أما المواضع الأخرى التي يشرع فيها للمصلي سجود السهو فقد قال النووي في المجموع: إن ترك فرضًا ساهيًا، أو شك في تركه وهو في الصلاة لم يعتد مما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه، ثم قال أصحابنا: إذا ترك المصلي سنة وتلبس بغيرها لم يعد إليها، سواء تلبس بفرض أم بسنة أخرى، كمن ترك دعاء الاستفتاح وتلبس بقراءة الفاتحة أو بالاستعاذة، وسواء كان الترك عمدًا أم سهوًا، فإن عاد إلى السنة القولية بعد أن تلبس بقولي لم تبطل صلاته، أما إن عاد إلى التشهد الوسط بعد أن تلبس بالقيام بطلت صلاته إن كان عامدًا عالمًا بالتحريم، فإن كان ناسيًا أو

стр. 1472

جاهلاً لم تبطل، ويسجد للسهو، ولو ترك بعضًا من الأبعاض (وهي التشهد الأول والجلوس له والقنوت والقيام له، والصلاة على رسول الله ﷺ وعلى آله في التشهد الأول، وكذا الآل في التشهد الأخير) جبر بسجود السهو إذا تركه سهوًا، وإن تركه عمدًا فوجهان: أحدهما لا يسجد لأن السجود مشروع للسهو، وبه قال أبو حنيفة، وقيل يسجد. أما غير الأبعاض من السنن كالتعوذ ودعاء الاستفتاح، ورفع اليدين والتكبيرات والتسبيحات والجهر والإسرار والتورك والافتراش والسورة بعد الفاتحة ووضع اليدين على الركبتين وسائر السنن القولية غير الأبعاض فلا يسجد لها، سواء تركها عمدًا أم سهوًا، لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ السجود لشيء منها والسجود زيادة في الصلاة فلا يجوز إلا بتوقيف، ويخالف الأبعاض، فإنه قد ورد التوقيف في التشهد الأول وجلوسه، وقسنا عليه باقيها، وحكى جماعة من أصحابنا قولاً قديمًا أنه يسجد لترك كل مسنون ذكرًا كان أو فعلاً، وهو ضعيف. أما إذا فعل منهيًا عنه مما لا تبطل الصلاة بعمده كالالتفات والخطوة ووضع اليد على الفم وكف الثوب والشعر ومسح الحصى والتثاؤب وأشباه ذلك فلا يسجد للسهو لعمده ولا لسهوه، فإن النبي ﷺ حمل أمامة ووضعها وخلع نعليه في الصلاة ولم يسجد لشيء من ذلك. فإن فعل ساهيًا منهيًا عنه تبطل الصلاة بعمده كالكلام والركوع والسجود الزائدين فهذا يسجد لسهوه إذا لم تبطل به الصلاة، وقال أبو حنيفة: يسجد للجهر والإسرار، وقال مالك: يسجد لترك جميع الهيئات. والله أعلم. ٣ - وفي موضع سجود السهو من الصلاة نقول: إن الرواية الأولى والثانية من روايات الباب فيمن لم يدر كم صلى، وفيهما "فليسجد سجدتين وهو جالس" ولم يذكر فيهما السلام. والروايات الرابعة والخامسة والسادسة فيمن قام من ثنتين في صلاة رباعية (ومثلها الثلاثية) ولم يجلس للتشهد الوسط، وفيها كلها أنه سجد للسهو قبل أن يسلم. والرواية السابعة فيمن شك فبنى على اليقين، وأتم صلاته، وفيها "يسجد سجدتين قبل أن يسلم" والرواية الثامنة حتى الرابعة عشرة فيمن صلى الرباعية خمسًا (أي فيمن زاد ركعة) بعضها سكت عن السلام بعد السجدتين كالتاسعة والحادية عشرة والثانية عشرة والرابعة عشرة، وبعضها صرح بالسلام بعد السجدتين كالثامنة والعاشرة، وبما أن الراوي واحد، والواقعة واحدة فيحمل ما لم يصرح فيه بالسلام على ما صرح فيه به. أما الرواية الثالثة عشرة، وهي عن الراوي نفسه وعن الواقعة نفسها، وفيها "سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام" فهي كالتي أغفل فيها ذكر السلام لأنها تحكي عن السلام الذي حدث عقب صلاة الخمس، لا عن السلام بعد سجود السهو، بدليل ذكر الكلام في قوله "بعد السلام والكلام" فالسلام المذكور فيها لا يدخل في موضوع النزاع. أما الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة فهما فيمن سلم من ثنتين في رباعية [ومثلها الثلاثية] وفيهما أنه أكمل الصلاة ثم سلم، ثم سجد للسهو.

стр. 1473

أما التاسعة عشرة والعشرون فهما فيمن سلم من ثلاث في رباعية، وفيهما أنه أكمل الصلاة ثم سلم، ثم سجد للسهو، ثم سلم. وإذا تجاوزنا روايات الإمام مسلم التي استعرضناها في هذا الباب وجدنا الأحاديث الصحيحة في الكتب الأخرى لا تخرج عما ذكرنا، وما روي مخالفًا لذلك لا يقاوم الصحيح كما سيأتي. وقد كثر خلاف الفقهاء في مشروعية السلام قبل سجود السهو وبعده. (أ) فذهب داود الظاهري إلى أنه لا يسجد للسهو إلا في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ للسهو، وبالأوضاع الواردة نفسها، فيقتصر على ما ورد، وغير ذلك إن كان فرضًا أتى به، وإن كان ندبًا فليس عليه شيء. (ب) وذهب الإمام أحمد والحنابلة إلى أنه يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ قبل السلام، وبعد السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ بعد السلام، وما كان من السجود في غير تلك المواضع يسجد له أبدًا قبل السلام، قال ابن قدامه في المغني: السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام، وما عداهما يسجد له قبل السلام. (جـ) وذهب الإمام مالك والشافعي في قول له إلى التفرقة بين السهو بالزيادة والسهو بالنقص، فيسجد للزيادة بعد السلام وللنقص قبله. قال ابن عبد البر: وبهذا القول يصح استعمال الخبرين جميعًا، قال: واستعمال الأخبار على وجهها أولى من ادعاء النسخ، ومن جهة النظر والفكر الفرق بين الزيادة والنقص بين في ذلك، لأن السجود في النقصان إصلاح وجبر، ومحال أن يكون الإصلاح والجبر بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود في الزيادة فإنما هو ترغيم للشيطان، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ. قال ابن العربي: مالك أسد قيلاً وأهدى سبيلاً. اهـ، وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة، وكان الحكم على وفقها كانت علة، فيعم الحكم جميع محالها، فلا تخصص إلا بنص اهـ وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوع، بل جبر أيضًا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة فهو نقض وقصر في المعنى، وإنما سمى النبي ﷺ سجود السهو ترغيمًا للشيطان في حالة الشك وليس في حالة الزيادة كما ذهب إليه المالكية. وقال الخطابي: لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح، وأيضًا فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان، اهـ[يشير إلى روايتنا الخامسة عشرة]. (د) وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري -وحكى قولاً للشافعي: إن سجود السهو كله بعد السلام، واستدلوا بحديث ذي اليدين، روايتنا الخامسة عشرة وفيها "فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع، وروايتنا السادسة عشرة، وفيها "فأتم ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم" كما استدلوا بحديث عمران بن حصين، روايتنا التاسعة عشرة، وفيها "فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين ... " وروايتنا المتممة للعشرين، وفيها "فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو ... "

стр. 1474

كما احتجوا بما رواه الترمذي من حديث الشعبي قال: "صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين، فسبح به القوم وسبح بهم، فلما صلى بقية صلاته سلم، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ فعل بهم مثل الذي فعل" وبما رواه الطبراني من حديث محمد بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قال: "صليت خلف أنس بن مالك صلاة، فسها فيها، فسجد بعد السلام، ثم التفت إلينا وقال: أما إني لم أصنع إلا كما رأيت رسول الله ﷺ يصنع" وبأحاديث أخرى في ابن خزيمة وأبي داود وابن ماجه وأحمد وعبد الرزاق والطبراني، وكلها أحاديث لا تقاوم الصحيح. كما استدلوا بحديث ابن مسعود - روايتنا التاسعة - وفيها أنه ﷺ سجد بعد ما صلى خمسًا وسلم، وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام، حين سألوه، هل زيد في الصلاة؟ وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام، لتعذره قبله، لعدم علمه بالسهو وإنما تابعه الصحابة -ولم يسجدوا للسهو قبل السلام - لتجويزهم الزيادة في الصلاة، لأنه كان في زمن توقع النسخ. وقال ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود، لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلي في الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسة، ثم سلم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصح صلاته، ولم ينقل في حديث ابن مسعود إضافة سادسة ولا إعادة، ولا بد من أحدهما عندهم. اهـ كما استدلوا بالزيادة الواردة في حديث ابن مسعود. وهي "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين" ورد بأن هذا معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم - روايتنا السابعة، وفيها "فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم". (هـ) وذهب الشافعي في الجديد إلى أن سجود السهو كله قبل السلام واستدلوا بالأحاديث التي ذكر فيها السجود قبل السلام كالروايات الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والعاشرة، وبما جاء في الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ "إذا سها أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين قبل أن يسلم" وقال الترمذي. حسن صحيح. وما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة المروي في مسلم في الرواية الثانية من زيادة "فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم ليسلم" وما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ "إذا شك أحدكم في صلاته ... فإذا فرغ فلم يبق إلا التسليم فليسجد سجدتين وهو جالس ثم ليسلم". (و) وذهب إسحق بن راهويه إلى أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فما كان نقصًا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد السلام، قال الحافظ ابن حجر: فحرر إسحق مذهبه من قولي أحمد ومالك، وهو أعدل المذاهب فيما يظهر، اهـ هذه أهم المذاهب في موضع سجود السهو من الصلاة، ولو ذهبنا نرجح ونختار لطال بنا المقام، وتعرض قولنا للرد، ويكفي أن نرى بعض الشافعية يؤيدون المالكية، فنرى النووي يقول: أقوى المذاهب فيها قول مالك ثم أحمد وغيره، ويقول: بل طريق أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام. وقال: ولولا ما روي عن النبي ﷺ في

стр. 1475

ذلك لرأيته كله قبل السلام، ولأنه من شأن الصلاة فيفعله قبل السلام، اهـ ورأينا الخطابي يرد قول المالكية. وأخيرًا رجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ولو عرفنا حكم تقديم السجدتين على السلام أو تأخيرهما عنه لهان الأمر ووجدناها معركة في غير ميدان، أو زوبعة في فنجان، فقد نقل الماوردي وغيره الإجماع على جواز هذا أو ذاك، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا قال ابن عبد البر: إنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل السلام أو بعده أن لا شيء عليه، وصرح صاحب الهداية بأن الخلاف عند الحنفية في الأولوية، نعم حكى إمام الحرمين في النهاية خلافًا في الإجزاء على المذهب الشافعي، وحكى القرطبي خلافًا في الإجزاء في مذهب المالكية، وحكى القدوري خلافًا في الإجزاء في مذهب الحنفية، قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال: إن الإجماع الذي نقله الماوردي وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة، اهـ ويمكن أن يقال على هذا: إن المعتمد في المسألة أن الخلاف في الأولى والأفضل، والله أعلم. ٤ - وسجود السهو مسنون كله عند الشافعية، وعند المالكية هو واجب للنقص دون الزيادة، وعند الحنابلة التفصيل بين الواجبات غير الأركان، فيجب السجود لتركها سهوًا، وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده، وعند الحنفية واجب كله، وحجتهم قوله في حديث ابن مسعود "ثم ليسجد سجدتين" والأمر للوجوب وقد ثبت من فعله ﷺ ، وأفعاله ﷺ محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، لا سيما مع قوله "صلوا كما رأيتموني أصلي". أما كيفيته فقد وصفتها روايتنا الخامسة عشرة، وفيها "ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع" فهو سجدتان، فلو اقتصر على واحدة ساهيًا لم يلزمه شيء، أو عامدًا بطلت صلاته، لأنه تعمد الإتيان بسجدة زائدة ليست مشروعة. كذا عند الشافعية، وعند الحنفية لا شيء عليه لو اقتصر على سجدة واحدة ساهيًا أو عامدًا، قال العيني: كيف تبطل الصلاة إذا زاد فيها شيئًا من جنسها؟ اهـ. ونسأله ماذا يرى لو زاد ركعة عامدًا في أي صلاة؟ لو لم نقل بالبطلان لصلى المسلمون الثنائية ثلاثية، والثلاثية رباعية والرباعية خماسية عامدين، وانتهى التشريع الإلهي. والتكبير في سجدتي السهو مشروع بالإجماع كما هو في سجود الصلاة والجهر به كما في الجهر به في سجود الصلاة، وتكبير الصلوات كله سنة غير تكبيرة الإحرام، فهي ركن، وهو قول الجمهور، وعند أحمد والظاهرية أن تكبير الصلوات كله واجب. ولا خلاف أن سجود السهو الواقع قبل السلام لا يحتاج إلى تكبيرة إحرام إنما الخلاف في السجود الذي يقع بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام، أو يكتفى بتكبيرة السجود؟ قال الحافظ ابن حجر: الجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبي أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بالسلام لا بد له من تكبيرة الإحرام. اهـ والجلوس بين سجدتي السهو مشروع، ولا خلاف فيه. ومن مجموع الأحاديث في هذا الباب يستفاد أنه لا تشهد بعد سجود السهو وهذا ما عليه الجمهور

стр. 1476

إذا كان سجود السهو قبل السلام، فلا يعيد التشهد وحكى ابن عبد البر عن الليث أنه يعيده، وعن عطاء يتخير، واختلف فيه عند المالكية. أما من سجد بعد السلام فعند الحنفية يتشهد، وكذا عند أحمد وإسحق وبعض المالكية. ومستندهم إحدى الروايات في حديث عمران، وفيها "أن النبي ﷺ سها فسجد سجدتين ثم تشهد، ثم سلم" لكن الترمذي قال عن هذا الحديث: حسن غريب، وقال الحاكم عنه: صحيح على شرط الشيخين، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد [روايتنا التاسعة عشرة، والعشرين] وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة في هذه القصة: قلت لابن سيرين: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة، وفي رواية قال: لم أسمع في التشهد شيئًا، لهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت، لكن قد ورد التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف. قاله الحافظ ابن حجر: أما السلام فلا شك في مشروعيته إذا كان سجود السهو قبل سلام الصلاة، أما إذا وقع سجود السهو بعد سلام الصلاة فالقائلون بمشروعية التشهد يقولون بالسلام غير النخعي، فإنه قال يتشهد ولا يسلم. والصحيح عند الشافعية أنه يسلم ولا يتشهد، وهكذا في سجود التلاوة كصلاة الجنازة، وقد ثبت السلام بسجدتي السهو إذا فعلتا بعد السلام في حديث ابن مسعود وحديث ذي اليدين. وعن أنس والشعبي والحسن وعطاء: ليس فيهما تشهد ولا تسليم. وجمهور من قال بالتسليم قال: يسلم ثنتين عن يمينه وشماله، وفي المحيط: يسلم واحدة عن يمينه كالجنازة، وقيل: يسلم تلقاء وجهه، فهما روايتان عن مالك. واستدل الشافعية بالروايات الرابعة والخامسة والسادسة على الاكتفاء بسجدتين للسهو في الصلاة، ولو تكرر السهو، من حيث إن الذي فات في هذه القصة الجلوس والتشهد الوسط، وكل منهما لو سها المصلي عنه على انفراده سجد لأجله، ولم ينقل أنه ﷺ سجد في هذه الحالة غير سجدتين. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب هذا الاستدلال بأنه مبني على ثبوت مشروعية السجود لترك أي من التشهد الوسط والجلوس له، ولم يستدلوا على مشروعية ذلك بغير هذا الحديث، فيستلزم إثبات الشيء بنفسه. وفيه ما فيه وقد صرح في بقية الحديث بأن السجود مكان ما نسي من الجلوس. نعم حديث ذي اليدين دال لذلك. اهـ وروى ابن أبي شيبة عن النخعي والشعبي أن لكل سهو سجدتين قال الحافظ ابن حجر: وورد على وفقه حديث ثوبان عند أحمد وإسناده منقطع وروى البيهقي من حديث عائشة "سجدتا السهو تجزئان من كل زيادة ونقصان". ٥ - (أ) وظاهر قوله ﷺ في الرواية الثانية "فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس" يفيد أن ليس عليه إلا سجدتا السهو، وهذا يتعارض مع قوله ﷺ في الرواية السابعة "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان" ومع قوله في الرواية

стр. 1477

الثامنة "وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين" فإن ظاهر الروايتين أن يبنى على اليقين ويكمل، حتى ولو صلى الرباعية خمسًا. وقد اختلف العلماء في فهم هذه الأحاديث وفي الأخذ ببعضها أو الجمع بينها، فنقل الطبري عن بعض أهل العلم أن للمصلي أن يأخذ بأيهما شاء، وقال الحسن البصري وطائفة من السلف بظاهر الرواية الثانية، وقالوا: إذا شك المصلي فلم يدر زاد أو نقص فليس عليه إلا سجدتان وهو جالس، عملاً بظاهر هذا الحديث، وقالوا: إن حديث أبي سعيد مختلف في وصله وإرساله، فيرجح حديث أبي هريرة. ورد هذا القول بأن حديث أبي سعيد وصله مسلم وصححه. والأخذ بالحديثين أولى من الترجيح. وقال مالك والشافعي وأحمد والجمهور: متى شك في صلاته، هل صلى ثلاثًا أو أربعًا لزمه البناء على اليقين فيجب أن يأتي برابعة ويسجد للسهو، عملاً بحديث أبي سعيد - روايتنا السابعة - عند أبي داود "إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك، وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة [التي زادها] نافلة والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا لصلاته وكانت السجدتان مرغمتين للشيطان" أي مغيظتين له. قالت الشافعية: فحديث أبي سعيد هذا مفسر لحديث أبي هريرة -روايتنا الثانية - غير معارض له، إذ حديث أبي هريرة يذكر حكم كل ساه - بعد أن يرجع في حكم ما سها عنه إلى سائر الأحاديث الموضحة للحكم - فحكم كل ساه في نهاية أمره أن يسجد سجدتين. وقال بعضهم: إن حديث أبي هريرة فيما إذا طرأ عليه الشك وقد فرغ قبل أن يسلم. فإنه لا يلتفت إلى ذلك الشك، ويسجد للسهو، كمن طرأ عليه الشك بعد أن سلم، وحديث أبي سعيد فيمن طرأ عليه الشك قبل ذلك فيبنى على اليقين. قاله الحافظ ابن حجر: وقال: وعلى هذا فقوله في حديث أبي هريرة "وهو جالس" يتعلق بقوله "لم يدر" لا بقوله "فليسجد" انتهى بتصرف. وقال الحنفية: إن كان الشك عرض له أول مرة بطلت صلاته وأعاد لتقع صلاته على وصف الصحة بيقين [في إسناد هذا القول لأبي حنيفة نظر والظاهر أن كثيرًا من الحنفية لم يصرحوا بالبطلان، وطلبوا الإعادة على أنها الأفضل] وإن صار الشك عادة له اجتهد وعمل بغالب ظنه، وإن لم يظن شيئًا عمل بالأقل. وقد خالف الحنفية الجمهور في قولهم بالعمل على أكبر ظنه، وبه فسروا الأمر بطلب تحري الصواب في الرواية الثامنة وملحقاتها لكن مجموع الروايات في المسألة ضدهم، ففي الترمذي "إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين فليجعلها واحدة، وإذا شك في الثنتين والثلاث فليجعلها ثنتين وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا ثم ليتم ما بقي من صلاته، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم"، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وفيه "فإن الزيادة خير من النقصان" وقال: صحيح الإسناد، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: حسن صحيح. ولم يعمل جماعة بالحديثين، فقد قال الشعبي والأوزاعي وجماعة من السلف: إذا لم يدر كم

стр. 1478

صلى لزمه أن يعيد مرة بعد أخرى أبدًا حتى يستيقن، وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه، وبعضهم فرق بين المبتلى بالشك فيعمل بالتحري، وبين المبتدئ غير المبتلى فيعيد، وهذه أقوال لا يلتفت إليها وإن استندت إلى روايات ضعيفة. (ب) وظاهر حديث أبي هريرة عن ذي اليدين، في رواياته الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة يتعارض مع حديث عمران بن حصين، في روايته التاسعة عشرة والمتممة للعشرين، إذ في روايات أبي هريرة أن التسليم كان من ركعتين، وفي روايتي عمران أن التسليم كان من ثلاث وفي الرواية الخامسة عشرة، وهي لأبي هريرة أنه ﷺ بعد الصلاة أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليها، وفي رواية عمران أنه ﷺ بعد الصلاة دخل منزله ثم خرج يجر رداءه. من هذا التعارض جنح ابن خزيمة ومن تبعه إلى القول بتعدد الواقعة، لكن المحققين من المحدثين جنحوا إلى الجمع، فمن جهة الركعتين والثلاث فقد نقل الحافظ ابن حجر عن العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة، واستبعده. قال: ولكن طريق الجمع يكتفى فيه بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى التعدد، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ﷺ عن ذلك، واستفهم النبي ﷺ الصحابة عن صحة قوله. اهـ ولا يبعد عندي للجمع بين الحديثين أن نقول: إن عمران ربما كان قد سها في صلاته فلم يدر، فحسب أن الرسول ﷺ سلم من ثلاث ثم أكملها بواحدة والحقيقة أنه سلم من ثنتين وأكملهما بثنتين. والله أعلم. وأما عن استناده ﷺ إلى الجذع أو دخوله منزله عقب الصلاة فقد قال الحافظ ابن حجر في الجمع بينهما: لعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت في جهة منزله. اهـ ولا يبعد عندي أن يكون الرسول ﷺ قد استند إلى الجذع، ثم دخل منزله فأخبر بالنقص فجاء فأتم وسجد، وكل من أبي هريرة وعمران ذكر واقعة لم يتعرض لها الآخر، والقصة واحدة. والله أعلم. ٦ - وفي سهو الأنبياء يقول النووي: في قوله ﷺ "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" دليل على جواز النسيان عليه ﷺ في أحكام الشرع، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو ظاهر القرآن والحديث، واتفقوا على أنه ﷺ لا يقر عليه، بل يعلمه الله تعالى به، ثم قال الأكثرون: شرطه تنبهه ﷺ على الفور متصلاً بالحادثة ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته ﷺ واختاره إمام الحرمين، وجوزت طائفة من العلماء السهو عليه ﷺ في الأفعال البلاغية والعبادات، كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه ﷺ في الأقوال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني،

стр. 1479

والصحيح الأول، فإن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه لم يحصل منه مفسدة، بل تحصل فيه فائدة، وهو بيان أحكام الناسي، وتقرير الأحكام. قال القاضي: واختلفوا في جواز السهو عليه ﷺ في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه، فجوزه الجمهور. ثم قال القاضي رحمه الله تعالى: والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من منع السهو على الأنبياء في خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدًا ولا سهوًا، لا في صحة ولا في مرض، ولا رضاء ولا غضب، وحسبك في ذلك أن سيرة نبينا ﷺ وكلامه وأفعاله مجموعة معتني بها على مر الزمان، يتداولها الموافق والمخالف والمؤمن والمرتاب، فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول، ولا اعتراف بوهم في كلمة، ولو كان لنقل كما نقل سهوه في الصلاة، ونومه عنها، واستدراكه رأيه في تلقيح النخل، وفي نزوله بأدنى مياه بدر، وقوله ﷺ "والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وغير ذلك، وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: والحديث حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، أما من منع السهو فأجابوا عن الحديث: بأن ما حصل منه ﷺ كان متعمدًا، ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول، فقوله "لم أنس ولم تقصر" كلام على ظاهره وحقيقته، ورد بما ورد في الرواية الثامنة من قوله ﷺ "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" فأثبت العلة وقيد الحكم بقوله "إنما أنا بشر" ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا، دفع ذلك بقوله "كما تنسون". وقالوا: إن قوله ﷺ "إني لا أنسى، ولكن أنسى لأسن" يدل على عدم النسيان منه، مما يؤكد أن ما حصل منه في سهو الصلاة كان متعمدًا. ورد بأن حديث "إني لا أنسى" لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد. قاله الحافظ ابن حجر. وقالوا: إن حديث "بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا" ينكر أن ينسب إليه ﷺ النسيان، لأنه إذا نهى غيره عن أن ينسب النسيان إلى نفسه كان بالنسبة له أولى. ورد بأنه لا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدًا. قاله الحافظ ابن حجر. والحق جواز السهو، والحديث دليل لا يسهل رده. والله أعلم. -[٧ - ويؤخذ من مجموعة أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - استدل بهرب الشيطان عند الأذان على فضل الأذان، حيث إن هذا الفضل لا ينال بغير الأذان، واعتبره أبو عوانة دليلاً على أن المؤذن في أذانه وإقامته منفي عنه الوسوسة والرياء لتباعد الشيطان منه. ٢ - أن الوسوسة في الصلاة لا تبطلها، ولا طاقة للعبد في منعها، وإن أدت إلى نقصان الثواب.

стр. 1480

٣ - استدل بقيامه ﷺ في الرواية الرابعة، وعدم عودته للتشهد الوسط أن التشهد الوسط ليس واجبًا، لأن سجود السهو لا ينوب عن الواجب، وقد ناب عنه. فليس بواجب. وممن قال بوجوبه الليث وإسحق وأحمد في المشهور، وهو قول للشافعي ورواية عند الحنفية. واحتج بعضهم لوجوبه بأن الصلاة فرضت أولاً ركعتين، وكان التشهد فيها واجبًا، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب، وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الركعتين الأخيرتين، بل يحتمل أن يكون هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما، ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان: قاله الحافظ ابن حجر. وجمهور الفقهاء على أن من نسي التشهد الوسط وقام لا يرجع إلى الجلوس إن استتم قائمًا، وقالت طائفة: إذا فارقت إليته الأرض لا يرجع، فإن رجع قيل: بطلت صلاته، وقيل: لا تبطل. ٤ - استدل بقيام الناس معه ﷺ تاركين التشهد الوسط على أن متابعة الإمام عند القيام من هذا الجلوس واجبة. ٥ - استدل أبو حنيفة بقوله في الرواية الرابعة "فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه" على أن السلام ليس من الصلاة، حتى لو أحدث بعد أن جلس وقبل أن يسلم صحت صلاته، وتعقب بأن السلام لما كان للتحليل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته، ويدل على ذلك رواية ابن ماجه "حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم" فدل أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه، والزيادة من الحافظ مقبولة. ٦ - يؤخذ من قوله في الرواية الخامسة "وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس" أن المؤتم يسجد مع إمامه لسهو الإمام، وقد ذهب الحنفية والشافعية إلى أن المؤتم يسجد لسهو الإمام ولا يسجد لسهو نفسه. ٧ - كما يؤخذ منه أن السجود خاص بالسهو، فلو تعمد ترك شيء مما يجبر بالسجود لا يسجد، وهو قول الجمهور، ورجحه الغزالي وجماعة من الشافعية. ٨ - يؤخذ من الرواية الثانية أن الإمام يرجع لقول المأمومين في أفعال الصلاة ولو لم يتذكر، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما، ومنهم من قيده بما إذا كان الإمام مجوزًا لوقوع السهو منه، بخلاف ما إذا كان متحققًا لخلاف ذلك ومن حجتهم قوله في حديث ابن مسعود "فإذا نسيت فذكروني" وذهب الشافعية إلى أنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره، إمامًا كان أو مأمومًا، ولا يعمل إلا على يقين نفسه، ويجيبون عن الحديث بأن النبي ﷺ في حديث ذي اليدين سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر فعلم السهو، فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو اليدين حين قال النبي ﷺ "لم تقصر ولم أنس". وفرق بعضهم بين ما إذا كان المخبرون ممن يحصل العلم بخبرهم فيقبل ويقدم على ظن الإمام أنه كمل الصلاة، بخلاف غيرهم. ٩ - يؤخذ من قوله في الرواية الثامنة "إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به" أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة.

стр. 1481

١٠ - ومن قوله "فإذا نسيت فذكروني" يؤخذ أمر التابع بتذكير المتبوع بما ينساه. ١١ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به أن من صلى خمسًا ساهيًا ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد خلافًا للكوفيين، وقولهم يحمل على أنه قعد في الرابعة يحتاج إلى دليل، بل السياق يرشد إلى خلافه، وأن الزيادة في الصلاة على سبيل السهو لا تبطلها، خلافًا لبعض المالكية إذا كثرت، وقيد بعضهم الزيادة بما يزيد على نصف الصلاة. ١٢ - وأن من لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام يسجد للسهو، فإن طال الفصل فالأصح عند الشافعية أنه يفوت محله، واحتج له بعضهم من هذا الحديث بتعقيب إعلامهم لذلك بالفاء، وتعقيبه السجود أيضًا بالفاء. ١٣ - وأن الكلام العمد فيما يصلح به الصلاة لا يفسدها، وفيه نظر، لأن النبي ﷺ لم يتكلم إلا ناسيًا وأما كلام ذي اليدين والصحابة فجوابه في المأخذ الثامن عشر، وقد مر تفصيل الكلام في هذه المسألة قبل أبواب. ١٤ - وأن من تحول عن القبلة ساهيًا لا إعادة عليه. ١٥ - وفيه إقبال الإمام على الجماعة بعد الصلاة. ١٦ - ومن توشوش القوم يؤخذ ما كان عليه الصحابة من عظيم الأدب مع رسول الله ﷺ . ١٧ - ومن قوله "فهابا أن يكلماه" زيادة التوقير والاحترام والتقدير والهيبة من أبي بكر وعمر ﵄ لمقام رسول الله ﷺ . ١٨ - وأن العمل الكثير والخطوات إذا كانت سهوًا في الصلاة لا تبطلها كما لا يبطلها الكلام سهوًا، خلافًا للحنفية، وأما قول بعضهم: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة فبعيدة، فقد ثبت شهود أبي هريرة وعمران بن حصين للقصة، وإسلامهما متأخر. وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم "ونهينا عن الكلام" أي إلا إذا وقع سهوًا، أو عمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي اليدين، اهـ قاله النووي: فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين والقوم، وهم بعد في الصلاة؟ فجوابه من وجهين: أحدهما أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في الصلاة، لأنهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ والثاني أن هذا كان خطابًا للنبي ﷺ وجوابًا، وذلك لا يبطل الصلاة عندنا وغند غيرنا، والمسألة مشهورة بذلك، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح "أن الجماعة أومئوا - أي نعم" فعلى هذه الرواية لم يتكلموا. اهـ ١٩ - وفيه جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا، قال سحنون: إنما يبني من سلم من ركعتين، كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر فيه على مورد النص، وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشى، فيمنعه مثلاً في الصبح، والذين قالوا: يجوز البناء مطلقًا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل، واختلفوا في قدر الطول، فحده الشافعي في الأم بالعرف، وفي البويطي بقدر ركعة، وعن أبي هريرة قدر الصلاة التي يقع فيها السهو. ٢٠ - وفيه أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام.

стр. 1482

٢١ - وأن السلام ونية الخروج من الصلاة سهوًا لا يقطع الصلاة. ٢٢ - وفي قوله "أقصرت الصلاة أم نسيت" دليل على ورع الصحابة، إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم. ٢٣ - وفيه جواز التعريف باللقب "ذي اليدين". ٢٤ - وفيه العمل بالاستصحاب، وأن الأصل بقاء الأحكام على ما قررت عليه، لأن ذا اليدين استصحب حكم الإتمام، فسأل، مع كون أفعال النبي ﷺ للتشريع، والأصل عدم السهو، والوقت قابل للنسخ، وبقية الصحابة ترددوا بين الاستصحاب وتجويز النسخ فسكتوا، والسرعان هم الذين بنوا على النسخ فجزموا بأن الصلاة قصرت، وخرجوا يرددون ذلك. ٢٥ - وفيه أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر، وكان المجلس متحدًا، أو منعت العادة غفلتهم عن ذلك أن لا يقبل خبره، قاله الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، لأن سبب عدم القطع به كونه عارض اعتقاد المسئول، فأحدث شكا دفع إلى سؤال الصحابة، وليس في ذلك رد خبر الثقة إذا انفرد بحضرة جمع لا يخفى عليهم الحال، بل يقبل ما داموا لم يكذبوه. ٢٦ - واستدل به بعضهم على الترجيح بكثرة الرواة، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المقصود كان تقوية الأمر المسئول عنه، لا ترجيح خبر على خبر. ٢٧ - واستدل به الحنفية على أن الهلال لا يقبل بشهادة الآحاد إذا كانت السماء مصحية بل لا بد فيه من عدد الاستفاضة، وتعقب بأن سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النبي ﷺ ، بخلاف رؤية الهلال. ٢٨ - ويؤخذ من الحديث أن المرفوع في حديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" إنما هو إثم الخطأ والنسيان وحكمهما، خلافًا لمن قصره على الإثم. ٢٩ - استدل بالرواية الأولى، وفيها "إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس" استدل به على أن سجود السهو في الفرض والتطوع لا يفترق حكمه، وهو مذهب الجمهور، إذ المراد من الصلاة الصلاة الشرعية وهي أعم من الفرض والتطوع. قال الحافظ ابن حجر: فإن قيل: إن قوله في الرواية الثانية "إذا نودي بالأذان أدبر .... فإذا ثوب بها أدبر" قرينة على أن المراد الفريضة، وأجيب بأن ذلك لا يمنع من تناول النافلة، لأن الإتيان بها حينئذ مطلوب، لقوله ﷺ "بين كل أذانين صلاة". والله أعلم

стр. 1483

(٢١٤) باب سجود التلاوة ١١٠٥ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته. ١١٠٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: ربما قرأ رسول الله ﷺ القرآن فيمر بالسجدة فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده حتى ما يجد أحدنا مكانًا ليسجد فيه في غير صلاة. ١١٠٧ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قرأ: والنجم. فسجد فيها. وسجد من كان معه. غير أن شيخًا أخذ كفًا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا. قال عبد الله: لقد رأيته بعد قتل كافرًا. ١١٠٨ - عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء وزعم أنه قرأ على رسول الله ﷺ والنجم إذا هوى فلم يسجد. ١١٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قرأ لهم ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد فيها فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها. ١١١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع النبي ﷺ في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك.

стр. 1484

١١١١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سجد رسول الله ﷺ في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك. ١١١٢ - عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة صلاة العتمة فقرأ: إذا السماء انشقت فسجد فيها. فقلت له ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. وقال ابن عبد الأعلى فلا أزال أسجدها. ١١١٣ - عن التيمي بهذا الإسناد غير أنهم لم يقولوا خلف أبي القاسم ﷺ . ١١١٤ - عن أبي رافع قال: رأيت أبا هريرة يسجد في إذا السماء انشقت فقلت تسجد فيها؟ فقال: نعم. رأيت خليلي ﷺ يسجد فيها فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. قال شعبة قلت: النبي ﷺ ؟ قال: نعم. -[المعنى العام]- السجود رمز للعبودية والخضوع، رمز للطاعة للخالق جل شأنه، آية على الاعتراف بألوهيته، والاستجابة لأمره، كان الاستنكاف عنه سببًا في طرد إبليس من الجنة، وحرمانه من الرحمة، والغضب عليه ولعنته إلى يوم الدين، وكان أداؤه من المسلم غيظًا للشيطان وإذلالاً له، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلاه. أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار". وكان السجود لله والصلاة له دعوة الأنبياء والمرسلين، وكان الركن الوحيد المكرر مرتين في كل ركعة من صلاتنا، وكان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وكان موطن الدعاء وأمل الإجابة، وكان أن طلبه الله من قارئي القرآن ومستمعيه في خمسة عشر موضعًا من القرآن، وكان أن شرع الله السجود عند التلاوة والسماع، ليزداد القارئ والسامع تقربًا إلى بارئهم ومن من المسلمين يدعى إلى التقرب من المنعم وفضله ثم لا يستجيب؟ .

стр. 1485

لقد علم رسول الله ﷺ أمته سجود التلاوة، فكان يقرأ آية السجدة أمامهم فيسجد ويسجدون معه، بل دعا المشركين إلى السجود حين تلا عليهم سورة النجم فسجدوا مع المسلمين، حتى لم يجد أحدهم مكانًا لوضع جبهته على الأرض من كثرة الزحام، وحتى لم يمتنع أحد من المشركين من السجود إلا شيخًا من كبار كفارهم استكبر أن يضع جبهته على الأرض، فأخذ منها كفًا من حصى وتراب ووضع عليه جبهته، وقال: يكفيني هذا علامة على استجابتي، فلم يقبل الله منه، وظل على ضلاله وشركه حتى مات كافرًا، وكان رسول الله ﷺ يترك المواظبة على فعل المستحب بيانًا للفرق بينه وبين الواجب، وخشية أن تؤدي المواظبة إلى أن يفرض المستحب فتعجز الأمة عن الوفاء ويكون فيه حرج عليها. من هنا خفي على بعض الصحابة بعض مواطن السجود، فظن الموطن غير موطن، وعلم الملازمون حكمة أفعاله ﷺ وغالب أموره، فتمسكوا بها ودعوا إليها، ومنهم أبو هريرة ﵁، حيث التزم السجود في سجدات المفصل، وفي الانشقاق والعلق اقتداء برسول الله ﷺ . فرضي الله عن أبي هريرة وعن الصحابة أجمعين، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته) لعل هذه القراءة كانت في حالات الدرس، حينما تكون الحلقة قائمة أمام الرسول ﷺ ، وهم جلوس متضامون للقرب منه ﷺ . (ربما قرأ رسول الله ﷺ قال ابن هشام في مغني اللبيب: رب حرف جر خلافًا للكوفيين في دعوى أسميته، وإذا زيدت "ما" بعدها فالغالب أن تكفها عن العمل وأن تهيئها للدخول على الجمل الفعلية، وليس معناها التقليل دائمًا خلافًا للأكثرين، ولا التكثير دائمًا خلافًا لجماعة. اهـ والظاهر أنها هنا للتكثير. (فيمر بالسجدة) أي بآية السجدة. (فيسجد بنا) قال النووي: معناه يسجد ونسجد معه، كما في الرواية الأولى. (حتى ازدحمنا عنده) أي لضيق المكان وكثرة الساجدين. (أنه قرأ "والنجم") أي سورة ﴿والنجم إذا هوى﴾ (فسجد فيها) أي بعد ما قرأ قوله تعالى في آخر السورة: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢]. (غير أن شيخًا أخذ كفًا من حصا) سماه البخاري في تفسير سورة النجم أمية بن خلف، ووقع في سير ابن إسحاق أنه الوليد بن المغيرة، وفيه نظر، لأنه لم يقتل، وقيل: عتبة بن ربيعة، وفي المصنف بسند صحيح "عن أبي هريرة قال: سجد النبي ﷺ والمسلمون في النجم إلا رجلين، أرادا

стр. 1486

بذلك الشهرة" ويمكن أن يجمع بأن عبد الله بن مسعود يحكي عما رأى، وقد رأى أمية بن خلف، ولكثرة الزحام لم ير غيره، ورأى آخرون من ورد ذكرهم. فلا تنافي. (فرأيته بعد قتل كافرًا) "بعد" بضم الدال، أي بعد ذلك في بدر، والرائي عبد الله بن مسعود. (عن القراءة مع الإمام) أي قراءة المأموم في الجماعة في وقت قراءة الإمام أو بعده، وهل المراد الفاتحة أو السورة؟ سيأتي الحكم في فقه الحديث. (وزعم أنه قرأ على رسول الله ﷺ ﴿والنجم إذا هوى﴾ فلم يسجد) أي قرأ السورة حتى آخرها وفيها آية السجدة، والمراد من الزعم الإخبار، والمقصود وأخبر أنه قرأ. والزعم يطلق على المحقق قليلاً، وعلى المشكوك فيه كثيرًا، ويطلق على الكذب، وينزل في كل موضع على ما يليق به. (صليت مع أبي هريرة صلاة العتمة) أي صلاة العشاء، لأنها تكون في العتمة وظلمة الليل. (ما هذه السجدة) التي سجدت بها في الصلاة؟ . (فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه) بالقاف، أي حتى أموت. -[فقه الحديث]- في حكم سجود التلاوة يقول الإمام النووي: وقد أجمع العلماء على مشروعية سجود التلاوة، وهو عندنا وعند الجمهور سنة، ليس بواجب، وعند أبي حنيفة ﵁ واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض، وهو سنة للقارئ والمستمع له، ويستحب أيضًا للسامع الذي لا يسمع [أي للسامع عرضًا الذي لا يتسمع ولا يقصد السماع] لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي. اهـ. وحاصل المذاهب في حكم سجود التلاوة وأدلتهم أن مذهب الشافعي ومالك في أحد قوليه، وأحمد وداود أنه سنة، وعند المالكية خلاف في كونه سنة أو فضيلة. وقد احتج أصحاب هذا المذهب: (١) بما رواه البخاري عن ربيعة بن عبد الله التيمي أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس. إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁. وفي رواية "فمن سجد فقد أصاب السنة" والسنة إذا أطلقت يراد بها سنة رسول الله ﷺ .

стр. 1487

وفي رواية الترمذي "ثم قرأها في الجمعة الثانية، فتهيأ الناس للسجود فقال: إنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء فلم يسجد، ولم يسجدوا". وفي رواية البيهقي "ثم قرأ يوم الجمعة الأخرى، فتهيئوا للسجود، فقال عمر: على رسلكم. إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، وقرأها ولم يسجد ومنعهم". فقوله "ومن لم يسجد فلا إثم عليه" دليل على عدم الوجوب، وقوله "إلا أن نشاء" دليل على أن المرء مخير في السجود، فيكون ليس بواجب. ثم قالوا: إن عمر قال هذا القول والصحابة حاضرون، ولم ينكر عليه أحد والإجماع السكوتي حجة عند الجمهور. (٢) كما احتجوا بحديث زيد بن ثابت [روايتنا الرابعة] وفيها أنه قرأ على رسول الله ﷺ ﴿والنجم إذا هوى﴾ فلم يسجد" ولفظ البخاري عن زيد قال: "قرأت على النبي ﷺ "والنجم" فلم يسجد فيها". (٣) وبحديث الأعرابي "هل على غيرها؟ قال: لا: إلا أن تطوع" متفق عليه. (٤) وبما رواه البخاري معلقًا، وقال: قال سلمان: ما لهذا غدونا، ووصله ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن قال: دخل سلمان الفارسي المسجد وفيه قوم يقومون، فقرءوا سجدة فسجدوا، فقال له صاحبه: يا أبا عبد الله لو أتينا هؤلاء؟ فقال: ما لهذا غدونا. وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها على التالي والسامع سواء قصد السماع أو لم يقصد، واستدل له صاحب الهداية بما روي "السجدة على من سمعها، السجدة على من تلاها" ثم قال: "على" للإيجاب، ورد بأن هذا الحديث لم يثبت. واستدل أيضًا بالآيات ﴿فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١] ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢]. ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩] وقالوا: الذم لا يتعلق إلا بترك واجب، والأمر في الآيتين للوجوب. والأمر هين في هذا الخلاف، فبعد أن عرفنا أن النبي ﷺ سجد في مواضع السجود عرفنا أن السجود مشروع مؤكد وما يطلق عليه الحنفية لفظ الواجب قريب من السنة المؤكدة، والكل مجمع على أنه ليس بفرض، فقد روى البخاري "زاد نافع عن ابن عمر ﵄: إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء"، وما كان الصحابة يفرقون بين الواجب والفرض، والتفرقة هنا اصطلاح للحنفية، فيمكن حمل قولهم بالوجوب على السنة المؤكدة. والله أعلم. أما مواضع السجود في القرآن فخمسة عشر موضعًا على خلاف في بعضها سيأتي: ١ - بعد آخر آية في سورة الأعراف، بعد قوله تعالى: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾

стр. 1488

٢ - بعد الآية (١٥) الخامسة عشرة من سورة الرعد، بعد قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا وظلالهم بالغدو والآصال﴾ ٣ - بعد الآية (٥٠) الخمسين من سورة النحل، بعد قوله تعالى: ﴿ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ ٤ - بعد الآية (١٠٩) التاسعة بعد المائة من سورة الإسراء (بني إسرائيل) بعد قوله تعالى: ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا).﴾ ٥ - بعد الآية (٥٨) الثامنة والخمسين من سورة مريم بعد قوله تعالى: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا).﴾ ٦ - بعد الآية (١٨) الثامنة عشرة من سورة الحج، بعد قوله تعالى: ﴿ألم ترى أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾ ٧ - بعد الآية (٧٧) السابعة والسبعين من سورة الحج أيضًا، بعد قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ وفيها خلاف سيأتي. ٨ - بعد الآية (٦٠) الستين من سورة الفرقان، بعد قوله تعالى ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورًا﴾ ٩ - بعد الآية (٢٦) السادسة والعشرين من سورة النمل، بعد قوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون * الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ هذا هو الصواب عند الشافعية، وبه قال مالك. وقيل بعد الآية الخامسة والعشرين، بعد قوله تعالى: ﴿ويعلم ما تخفون وما تعلنون﴾ ١٠ - بعد الآية (١٥) الخامسة عشرة من سورة السجدة "الم تنزيل" بعد قوله تعالى: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ ١١ - بعد الآية (٢٤) الرابعة والعشرين من سورة (ص) بعد قوله تعالى: ﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب﴾ وفي هذه السجدة خلاف سيأتي. ١٢ - بعد الآية (٣٨) الثامنة والثلاثين من سورة فصلت "حم تنزيل" بعد قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه

стр. 1489

تعبدون فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون﴾ بهذا قطع أكثر الشافعية وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، ومذهب مالك وأكثر الشافعية أن السجدة بعد الآية (٣٧) السابعة والثلاثين، بعد قوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ ١٣ - وثلاث سجدات في المفصل على خلاف سيأتي: إحداها: بعد آخر آية من سورة النجم، بعد قوله تعالى: ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا﴾ ١٤ - ثانيتها: بعد الآية (٢١) الحادية والعشرين من سورة الانشقاق، بعد قوله تعالى: ﴿فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ ١٥ - ثالثتها: بعد الآية الأخيرة من سورة العلق "اقرأ" بعد قوله تعالى: ﴿كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾ وقد اتفق العلماء من هذه المواضع على عشرة، واختلفوا في خمسة على النحو التالي: ١ - ثانية الحج، المرقمة عندنا برقم (٧) بعد قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ... ﴾ أثبتها الشافعية ومالك وأحمد وداود، قال ابن المنذر: قال أبو إسحق [يعني السبيعي التابعي الكبير] أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين" قال ابن المنذر: وبإثباتها أقول. اهـ. قال النووي في المجموع: والعمدة في السجدة الثانية في الحج حديث عمرو بن العاص ﵁ قال "أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن" منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان، رواه أبو داود والحاكم بإسناد حسن وأما حديث عقبة بن عامر قال: قلت لرسول الله ﷺ : في الحج سجدتان" قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما" فرواه أبو داود والترمذي وقالا: ليس إسناده بالقوي وفيه ابن لهيعة وهو متفق على ضعف روايته. اهـ. وأسقط هذا الموضع من السجدات أبو حنيفة ﵁، وحكى ابن المنذر هذا الرأي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي. ولعلهم يحملون السجود المأمور به في الآية على سجود الصلاة لقرنه بالركوع. والله أعلم. ٢ - سجدة "ص" المرقمة عندنا برقم (١١) بعد قوله تعالى: ﴿وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب﴾ والمنصوص عند الشافعية وبه قطع جمهورهم أن سجدة "ص" سجدة شكر، وليست سجدة تلاوة، وجمهور العلماء على أنها سجدة تلاوة لحديث عمرو بن العاص السابق، والذي عد في القرآن خمس عشرة سجدة، فقرنها بسجدات التلاوة، فهي منها ويحتج جمهور الشافعية بما رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ يومًا، فقرأ "ص" فلما مر بالسجدة تهيأنا للسجود فلما رآنا قال: إنما هي توبة نبي. ولكن قد

стр. 1490

استعددتم للسجود، فنزل وسجد" وبما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال "سجدها نبي الله داود توبة، وسجدناها شكرًا" رواه النسائي والبيهقي وضعفه. وأثبتها سجدة تلاوة أبو حنيفة، وعن مالك روايتان أشهرهما إسقاطها، وعن أحمد روايتان أشهرهما إثباتها. ٣ - سجدة النجم المرقمة عندنا برقم (١٣) بعد قوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ وقد احتج مالك في المشهور عنه بحديث زيد بن ثابت [روايتنا الرابعة] وفيه "أنه قرأ على النبي ﷺ " ﴿والنجم إذا هوى﴾ فلم يسجد" على أنه لا سجود في النجم، كما احتج بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة" على أن لا سجود في المفصل، ومنها النجم. قال النووي: وهذا مذهب ضعيف. اهـ والجمهور على إثبات سجدة النجم، وقالوا في حديث زيد بن ثابت: إنه محمول على بيان جواز ترك السجود، وأنه سنة ليس بواجب. يؤيد هذا حديث عبد الله بن مسعود [روايتنا الثالثة] وفيه "أن النبي ﷺ قرأ "والنجم" فسجد فيها وسجد من كان معه" قال الحافظ ابن حجر ويحتمل "أن يكون المنفي في حديث ابن عباس المواظبة على ذلك، لأن المفصل تكثر قراءته في الصلاة، فترك السجود فيه كثيرًا لئلا تختلط الصلاة على من لم يفقه، وقال ابن القصار: الأمر بالسجود في النجم ينصرف إلى الصلاة، ورد بفعله ﷺ كما ثبت في الرواية الثانية، وزعم بعضهم أن عمل أهل المدينة استمر بعد النبي ﷺ على ترك السجود فيها، وفيه نظر لما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن عمر أنه قرأ والنجم في الصلاة فسجد فيها، ثم قام فقرأ. اهـ ٤ - ، ٥ - سجدة ﴿إذا السماء انشقت﴾ المرقمة عندنا برقم (١٤) وسجدة العلق المرقمة برقم (١٥) وقد أسقطهما الإمام مالك في المشهور عنه، كما أسقط سجدة النجم بدعوى أن سجدات المفصل منسوخة بحديث زيد بن ثابت سابق الذكر، أو بحديث ابن عباس سابق الذكر أيضًا. قال النووي: وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة ﵁ [روايتنا الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة] وفيه السجود في "إذا السماء انشقت" و"أقرأ" قال: وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة ﵁ كان سنة سبع من الهجرة فدل على السجود في المفصل بعد الهجرة، وأما حديث ابن عباس فضعيف الإسناد، لا يصح الاحتجاج به. اهـ وقد سبق تأويل حديث زيد بن ثابت للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة. وتلخص من هذا العرض أن الصحيح من مذهب الشافعية أن سجدات التلاوة في القرآن أربع عشرة، فأسقطوا سجدة "ص". وعند الحنفية هي أربع عشرة. لكنهم أسقطوا ثانية الحج، وأثبتوا "ص". وعن مالك روايتان. إحداهما أربع عشرة بإسقاط "ص" كالشافعية وأشهرهما أنها إحدى عشرة فأسقط كذلك سجدات المفصل الثلاث.

стр. 1491

وعن أحمد روايتان. إحداهما أربع عشرة بإسقاط "ص" كالشافعية، والثانية خمس عشرة فأثبت "ص" وثانية الحج والمفصل. وفي سبب سجود التلاوة وموجبه قال النووي في المجموع: سجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع بلا خلاف [عند الشافعية] وسواء كان القارئ في صلاة أم لا، وفي وجه شاذ ضعيف لا يسجد المستمع لقراءة مصل غير إمامه وسواء سجد القارئ أم لم يسجد، هذا هو الصحيح، وقيل: لا يسن له السجود إذا لم يسجد القارئ، ولو استمع إلى قراءة محدث أو كافر أو صبي فالصحيح استحباب السجود، وهذا قول أبي حنيفة، وأما السامع بدون استماع ولا إصغاء ففيه ثلاثة أوجه، الصحيح أنه يستحب له، ولا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع، والثاني أنه كالمستمع، والثالث لا يسن له السجود. ثم قال: ويكره للمصلي الإصغاء إلى قراءة غير إمامه، فإن سمع لم يجز له السجود، فإن سجد بطلت صلاته، وإذا سجد الإمام لزم المأمور السجود معه، فإن لم يسجد بطلت صلاته، ولو لم يسجد الإمام لم يسجد المأموم، فإن خالف وسجد بطلت صلاته، ويستحب أن يسجد بعد سلامه، ولا يتأكد، ولو سجد الإمام ولم يعلم المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجود لا تبطل صلاة المأموم، لأنه تخلف بعذر، ولكن لا يسجد، فلو علم والإمام في السجود لزمه السجود، ولو هوى المأموم ليسجد مع الإمام، فرفع الإمام والمأموم في الهوي رفع معه ولم يسجد بخلاف سجود الصلاة فإنه لا بد أن يأتي به وإن رفع الإمام، لأنه فرض. ثم قال: ويكره للمأموم قراءة السجدة فلو سجد لقراءة نفسه بطلت صلاته. اهـ وقال العيني: قال بعض أصحابنا: لا خلاف في كون التلاوة سببًا، وإنما الاختلاف في سببية السماع، فقال بعضهم: هو سبب، وقال بعضهم ليس السماع بسبب. اهـ وفي كيفية وشروط سجود التلاوة قال النووي: قال أصحابنا: حكم سجود التلاوة في الشرط حكم صلاة النفل، فيشترط فيه الطهارة عن الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة ودخول وقت السجود، بأن يكون قد قرأ الآية أو سمعها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر آية السجدة ولو بحرف واحد لم يجز. وهذا كله لا خلاف فيه عندنا. اهـ قال البخاري: "وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء" قال الحافظ ابن حجر: لم يوافق ابن عمر على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي. اهـ وقال البخاري: قال الزهري: "لا تسجد إلا أن تكون طاهرًا فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة، وإن كنت راكبًا فلا عليك حيث كان وجهك". ثم قال النووي: وينبغي أن يسجد عقب قراءة السجدة أو استماعها، فإن أخر وقصر الفصل سجد، وإن طال فاتت. وهل يقضي؟ قولان. أظهرهما لا يقضي. ثم قال: فإن سجد للتلاوة في الصلاة لم يكبر للافتتاح، لأنه متحرم بالصلاة لكن يستحب أن يكبر في الهوي إلى السجود، ولا يرفع يديه، لأن اليد لا ترفع في الهوي إلى السجود، ويكبر عند رفعه رأسه من السجود، كما يفعل في سجدات الصلاة، وهذا التكبير سنة ليس بشرط، وقيل: لا يستحب التكبير

стр. 1492

للهوي ولا للرفع، وهو ضعيف شاذ، وإذا رفع رأسه من السجود قام ولا يجلس للاستراحة، فإذا قام استحب أن يقرأ شيئًا ثم يركع، فإن انتصب قائمًا، ثم ركع بلا قراءة جاز، ولا خلاف في وجوب الانتصاب قائمًا، فإن قام من السجود إلى وضع الركوع ولم ينتصب لم يجز، لأن الهوي إلى الركوع من القيام واجب. وإن كان في غير صلاة كبر للإحرام، ويرفع يديه في هذه التكبيرة حذو منكبيه كما يفعل في تكبيرة الإحرام في الصلاة، ثم يكبر تكبيرة أخرى للهوي من غير رفع يديه، وتكبيرة الهوي مستحبة، وتكبيرة الإحرام شرط على الصحيح، وقيل: مستحبة، وهل يستحب لمن أراد سجود التلاوة وهو جالس أن يستوي قائمًا فينوي ويكبر؟ الأصح أنه لا يستحب. ويستحب أن يقول في سجوده ما مدحه القرآن ﴿سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته. اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذكرًا، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود. ويراعى في صفات السجود ما يراعى في سجود الصلاة من كشف الجبهة ووضع اليدين والركبتين والقدمين والأنف ومجافاة المرفقين عن الجنبين ورفع أسافله على أعاليه، وتوجيه أصابعه إلى القبلة وغير ذلك. والطمأنينة ركن والذكر مستحب. ثم يرفع رأسه مكبرًا. وهذا التكبير مستحب، وهل السلام شرط لصحة السجود؟ قولان مشهوران. نص الشافعي على أنه لا يسلم. ولا يكره للإمام قراءة السجدة، كما لا يكره للمنفرد سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، ويسجد متى قرأها، وقال مالك: يكره مطلقًا، والرواية الثامنة ترد عليه، وقال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر به، ويقرؤها فيما يجهر به. وقال أبو حنيفة: يكره في السرية دون الجهرية قال العيني: قال شيخنا زين الدين: هذا مشكل مع قول الحنفية بوجوب سجود التلاوة، فإن كان يقول: إنه لا يسجد لقراءتها كما حكاه البيهقي عنه. فهو مشكل، وإن قال: إنه لا يقرأ آية للسجدة - كما حكاه ابن العربي عنه فهو أقرب، إلا أن الحنفية قالوا: إنه يكره أن يقرأ السورة التي فيها السجدة ولا يسجد فيها في صلاة كان أو في غيرها لأنه كالاستنكاف عن السجود، فالاحتياط أن لا يقرأ في الصلاة السرية سورة فيها سجدة، وقال صاحب البحر: وعلى مذهبنا يستحب تأخير السجود في السرية حتى يسلم، لئلا يشوش على المأمومين. ولا يكره سجود التلاوة في أوقات النهي عن الصلاة، وبه قال أبو حنيفة وأصحاب الرأي ومالك في رواية عنه، وقالت طائفة يكره. ولا يقوم الركوع مقام السجود في حال الاختيار عند الجمهور، وقال أبو حنيفة يقوم مقامه مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾ [ص: ٢٤] وقد حمله المفسرون والجمهور على السجود، اهـ وهل يشرع السجود لمن كتب آية سجدة، أو وقعت عينه عليها مكتوبة؟ لم أر فيها نصًا، والظاهر أنه يشرع، قياسًا على من سمع دون تسمع، والله أعلم.

стр. 1493

ولا فرق في الصلاة بين الفريضة والنافلة من حيث مشروعية سجود التلاوة، وبه قال الشافعي وأحمد. وظاهر الرواية الأولى يفيد تعذر السجود عند الزحام، فإن حمل على أنه في غير صلاة - كما قيد في الرواية الثانية فواضح وإن شمل الصلاة توقف حكمه على حكم "سجود الصلاة عند الزحام، وقد قال ابن بطال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من لا يقدر على السجود على الأرض من الزحام في صلاة الفريضة يسجد على ظهر أخيه، وقال الكوفيون وأحمد: يومئ إيماء، وقال عطاء والزهري: يمسك عن السجود فإذا رفعوا سجد هو، وهو قول مالك وجميع أصحابه، وقال مالك: إن سجد على ظهر أخيه يعيد الصلاة، فعلى قول من أجاز السجود في صلاة الفريضة على ظهر أخيه فسجود التلاوة أولى بذلك، لأن السجود في الصلاة فرض بخلافه. والذي تستريح إليه النفس أن سجود التلاوة له حكم صلاة النافلة فيؤدي بقدر المستطاع سجودًا على الأرض أو على ظهر أخيه أو إيماء والله أعلم. والرواية الثالثة تشير إلى أن المسلمين والكافرين سجدوا مع النبي ﷺ ورواية البخاري أصرح من روايتنا، ولفظها "عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" كما روى البخاري عن الأسود عن عبد الله "أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم فسجد بها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفًا من حصى أو تراب، فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني هذا. فلقد رأيته بعد قتل كافرًا. وهذه الحادثة كانت بمكة حين قرأ الرسول ﷺ على المسلمين والمشركين سورة النجم، ولعل المشركين أو بعضهم ظنوه يمدح آلهتهم ويذكرها بخير حين قرأ ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] فسجدوا، وظلوا ساجدين حتى سمع المسلمون ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ فسجدوا. وقد ملئت كتب التفاسير بروايات فاسدة عن هذه القصة، منها ما رواه البزار في مسنده عن ابن عباس قال: فيما أحسب أشك في الحديث أن النبي ﷺ كان بمكة فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى. الشفاعة منهم ترتجى" قال: فسمع ذلك مشركو مكة، فسروا بذلك، فلما بلغ آخرها سجد وسجد معه المسلمون والمشركون. فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ [الحج: ٥٢] قال البزار: ولا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره. اهـ. وقال المحققون من المحدثين: إن هذه القصة رويت من ثلاث طرق، ولا يحتج بطريق منها. أما الإسناد الأول عن ابن عباس [وهو الذي ذكرناه آنفًا] فإن الراوي شك فيه كما أخبر بذلك عن نفسه، فإما شك في رفعه فيكون موقوفًا أو في وصله فيكون مرسلاً، وكلاهما ليس بحجة، خصوصًا فيما فيه قدح في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل لو جزم الثقة برفعه ووصله حملناه على الغلط والوهم.

стр. 1494

وأما الإسناد الثاني ففيه محمد بن السائب الكلبي وهو ضعيف متفق على ضعفه ونسبته إلى الكذب، وأما الإسناد الثالث - وقد رواه ابن مردويه في تفسيره - فإسناده وسلسلته كلها ضعفاء. قال القاضي عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المتلقنون من الصحف كل صحيح وسقيم. اهـ وقال العيني: والأمر كذلك، فإن غالب هؤلاء مثل الطرقية والقصاص وليس عندهم تمييز، يخبطون خبط عشواء، ويمشون في ظلمة ظلماء، وكيف يقال مثل هذا والإجماع منعقد على عصمة النبي، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ولو وقعت هذه لوجدت قريش على المسلمين بها الصولة، ولأقامت عليهم اليهود بها الحجة، كما علم من عادة المنافقين وعناد المشركين. اهـ. وقال: وأما قول من قال: إن إبليس لعنه الله هو الذي قال: تلك الغرانيق العلى، الشفاعة منهم ترتجى، فظنوا أنه ﷺ هو الذي قال ذلك، فهذا باطل باطل. وإذا كان لا يستطيع أن يتشبه به في النوم - كما أخبر النبي ﷺ بذلك في الحديث الصحيح، وهو قوله "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتشبه بي، ولا يتمثل بي فإذا كان لا يقدر على التشبه به في المنام من الرائي له، والنائم ليس في محل التكليف والضبط، فكيف يتشبه به في حالة استيقاظ من يسمع قراءته؟ هذا من المحال الذي لا يقبله قلب مؤمن، وأما قول من قال: إن إبليس أجرى ذلك على لسانه ﷺ ؛ وأنه اشتبه عليه ما ألقاه الشيطان بوحي الملك إليه فهذا ممتنع قطعًا في حقه ﷺ خصوصًا فيما حقه البلاغ، وكيف يشتبه عليه مزج الذم بالمدح فقوله تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ [النجم: ٢١]؟ ذم اللات والعزى ومناة. وادعاء الغرانيق العلى والشفاعة ترتجى مدح لها، فكيف يشتبه هذا المزج على أدنى العقلاء؟ . اهـ وقد تطرق المحدثون إلى بحث جانبي لهذه القصة: فأثاروا: كيف سجد الكفار وسمي فعلهم سجودًا وهم ليسوا أهلاً للطاعة، لأن الطاعة موقوفة على الإيمان؟ ثم كيف وهم غير متطهرين ولا متوضئين وشرط السجود الطهارة؟ وأجيب بأن فعلهم كان صورة سجود، ولم يكن سجودًا شرعيًا. كما أثاروا أن ظاهر الروايات أن سورة النجم أول سجدة نزلت، حتى أفاد البخاري في رواية أن النجم أول سورة أنزلت فيها سجدة، كيف مع أن سورة "اقرأ" نزلت قبلها؟ وأجيب بأن الذي نزل قبلها صدر سورة اقرأ، وليس آخرها، أو أن النجم أول سورة فيها سجدة استعلن بها رسول الله ﷺ ، أو أول سجدة تلاها جهرًا على المشركين. والله أعلم. وبالرواية الرابعة استدل أبو حنيفة وغيره ممن يقول: لا قراءة على المأموم في الصلاة، سواء كانت سرية أو جهرية، ومذهب الشافعية أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في الصلاة السرية، وكذا في الجهرية على أصح القولين، والجواب عن قول زيد بن ثابت هذا من وجهين: أحدهما أنه قد ثبت قول رسول الله ﷺ "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" وقوله ﷺ "إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا القرآن"، وغير ذلك من الأحاديث، وهي مقدمة على قول زيد وغيره، والثاني أن قول زيد

стр. 1495

محمول على قراءة السورة التي بعد الفاتحة في الصلاة الجهرية، فإن المأموم لا يشرع له قراءتها، وهذا التأويل متعين، ليحمل قوله على موافقة الأحاديث الصحيحة، ويؤيد هذا أنه يستحب عندنا وعند جماعة للإمام أن يسكت في الجهرية بعد الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، وجاء فيه حديث حسن في سنن أبي داود وغيره، وفي تلك السكتة يقرأ المأموم الفاتحة، فلا يحصل قراءته مع قراءة الإمام، بل في سكتته. ذكره النووي، وتقدم تفصيل المسألة. والله أعلم

стр. 1496

-[سجود الشكر]- وبمناسبة سجود التلاوة ذكر النووي في المجموع حكم سجود الشكر فقال: سجود الشكر عند الشافعية سنة عند تجدد نعمة ظاهرة، أو اندفاع نقمة ظاهرة، سواء خصته النعمة أو النقمة، أو عمت المسلمين، وكذا إذا رأى مبتلى ببلية في بدنة أو بنيه. في كل هذا يستحب أن يسجد شكرًا لله تعالى، ولا يشرع السجود لاستمرار النعم، لأنها لا تنقطع ويفتقر سجود الشكر إلى شروط الصلاة، وحكمه في الصفات وغيرها حكم سجود التلاوة خارج الصلاة، واتفق الشافعية على تحريم سجود الشكر في الصلاة، ولو تصدق من تجددت له النعمة أو اندفعت عنه النقمة، أو صلى شكرًا لله تعالى مع فعله سجدة الشكر كان حسنًا. هذا مذهب الشافعية، وبه قال أكثر العلماء، وهو مذهب الليث وأحمد. وسنده ما رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، عن أبي بكرة ﵁ قال "كان رسول الله ﷺ إذا جاء الشيء يسر به خر ساجدًا شكرًا لله تعالى". وقال أبو حنيفة: يكره، وعن مالك روايتان، أشهرهما الكراهة، والثانية ليس بسنة، واحتج لمن كرهه بأن النبي ﷺ "شكا إليه رجل القحط وهو يخطب، فرفع يديه ودعا، فسقط المطر في الحال، ودام المطر إلى الجمعة الأخرى، فقال رجل: يا رسول الله، تهدمت البيوت، وتقطعت السبل فادع الله يرفعه عنا، فدعا، فرفع في الحال" والحديث في الصحيحين، وموضع الدلالة أنه لم يسجد لتجدد نعمة المطر ولا لدفع نقمته، وقالوا: إن الإنسان لا يخلو من نعمة، فإن كلفه لزم الحرج. قال النووي: والجواب عن ذلك أنه ترك السجود في بعض الأحوال بيانًا للجواز، أو لأنه كان على المنبر وفي السجود حينئذ مشقة، أو اكتفى بسجود الصلاة، والجواب بأحد هذه الأوجه أو غيرها متعين، للجمع بين الأدلة، ففي الصحيحين عن كعب بن مالك في حديث توبته قال: "فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء الفرج". وروى البيهقي وغيره سجود الشكر من فعل أبي بكر الصديق وعمر وعلي ﵃. والله أعلم

стр. 1497

(٢١٥) باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين ١١١٥ - عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه. ١١١٦ - عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بإصبعه السبابة ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته. ١١١٧ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها. ١١١٨ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة. ١١١٩ - عن علي بن عبد الرحمن المعاوي أنه قال رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة فلما انصرف نهاني فقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع فقلت وكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قال: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى.

стр. 1498

١١٢٠ - عن علي بن عبد الرحمن المعاوي قال: صليت إلى جنب بن عمر فذكر نحو حديث مالك وزاد قال سفيان فكان يحيى بن سعيد حدثنا به عن مسلم ثم حدثنيه مسلم. -[المعنى العام]- تحرص الشريعة الإسلامية على أن تكون هيئة المصلي في الصلاة الهيئة التي هي أقرب إلى الخشوع وعدم الحركة، والتي ترمز إلى الأدب والاستسلام والتفويض والخضوع، ففي الوقوف وضعت اليد اليمنى على اليسرى، وفي السجود وضعت الأكف ملتصقة بالأرض كالجبهة، وفي الجلوس بين السجدتين أو للتشهد تتحدث هذه الأحاديث عن وضع اليدين وأصابع الكفين، بعد حديثها عن وضع الرجلين والفخذين والقدمين، ونصب القدم اليمنى وتوجيه أصابعها نحو القبلة، وهو أمر متفق عليه، والمختلف فيه اليسرى، هل تفرش القدم ثم يجلس عليها، أو توضع بين ساق اليمنى وفخذها ويجلس المصلي بإليته اليسرى على الأرض، كما تشير الرواية الأولى، خلاف بين الفقهاء، بعضهم استحب الهيئة الأولى في جميع الجلسات، وبعضهم استحب الهيئة الثانية في جميع الجلسات، وبعضهم استحب الهيئة الأولى في جميع الجلسات ما عدا الأخيرة فاستحب لها الهيئة الثانية. أما الذراعان فيستحب وضع اليمنى على الفخذ اليمنى، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى، لا خلاف في ذلك. وأما الكف اليسرى فالمستحب وضعها على الركبة اليسرى، مبسوطة الأصابع في اتجاه القبلة، أو معطوفة الأصابع على الركبة كالقابضة عليها، وفي ذلك يتحقق لها السكون وعدم العبث في الصلاة. وأما الكف اليمنى فتوضع على الركبة اليمنى مقبوضة الخنصر والبنصر مشيرة بالسبابة، وفي الوسطى والإبهام أوضاع مستحبة نوضحها في فقه الحديث. وكل وضع من ذلك أو هيئة من هذه الهيئات استند إلى حديث أو أثر وكان هدفه الأول تحقيق الوضع الأمثل للخشوع والخضوع المقصود الأول من الصلاة وهيئاتها. فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. واهدنا الصراط المستقيم. -[المباحث العربية]- (إذا قعد يدعو) أي في التشهد في الصلاة، كما هو موضح في الرواية الأولى، وجملة "يدعو" في محل النصب على الحال من فاعل "قعد".

стр. 1499

(ويلقم كفه اليسرى ركبته) أي يجوف كفه اليسرى قابضة على ركبته اليسرى، كما لو كانت فما يلتقم الركبة. (وضع يديه على ركبتيه) أي وضع كفي يديه على ركبتيه، وأما الساعدان فعلى أعلى الفخذين. (ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام) أي السبابة. (فدعا بها) أي نصبها وحركها إلى أعلى وأسفل. (باسطها عليها) "باسطها" بالرفع خبر بعد خبر، وبالنصب على الحال وروي بهما، والمعنى أن كف اليسرى مبسوط مفتوح الأصابع لا مقبوضها وليس كما هو الحال في كف اليمنى. (وعقد ثلاثة وخمسين) أي يضع الإبهام بجنب المسبحة على حرف راحته أسفل من المسبحة، فيكون الخنصر والبنصر والوسطى وهي ممتدة الرقم الحسابي المعروف بثلاثة ويكون الإبهام مع السبابة خلفه يشبه رقم الخمسة. وقال النووي: مراده أن يضع الخنصر على الراحة كما يضع البنصر والوسطى عليها - أي قابضًا الأصابع الثلاث - ويرسل الإبهام مع المسبحة. (وأشار بالسبابة) قال النووي: سميت سبابة لأنها يشار بها عند المخاصمة والسب، وتسمى مسبحة، لإشارتها إلى التوحيد والتنزيه، وهو التسبيح. اهـ. -[فقه الحديث]- الافتراش أن يضع ظهر قدمه اليسرى على الأرض ويجلس واضعًا وركه الأيسر على كعبها وينصب قدمه اليمنى، ويضع أطراف أصابعها على الأرض موجهة إلى القبلة. والتورك أن يخرج قدمه اليسرى من جهة يمينه، ويمكن وركه الأيسر من الأرض، مع انتصاب قدمه اليمنى كهيئتها عند الافتراش. وهاتان الهيئتان هما المشروعتان في الصلاة، أما انتصاب القدمين والجلوس عليهما فمنهي عنه. ولما كان الأمر كذلك كان قوله في الرواية الأولى "وفرش قدمه اليمنى" مشكلاً إذ لم يقل به أحد في جلسات الصلاة. قال الإمام النووي: هذا الذي ذكره من صفة القعود هو التورك، لكن قوله "وفرش قدمه اليمنى" مشكل، لأن السنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق العلماء، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على ذلك في صحيح البخاري وغيره، قال القاضي عياض: قال الفقيه أبو محمد الخشني صوابه "وفرش قدمه اليسرى" ثم أنكر القاضي قوله، لأنه قد ذكر في هذه الرواية ما يفعل باليسرى،

стр. 1500

وأنه جعلها بين فخذه وساقه. قال: ولعل الصواب "ونصب قدمه اليمنى" قال: وقد تكون الرواية صحيحة في اليمنى، ويكون معنى فرشها أنه لم ينصبها على أطراف أصابعه في هذه المرة، ولا فتح أصابعها كما يفعل في غالب الأحوال. هذا كلام القاضي، وهذا التأويل الأخير الذي ذكره هو المختار، ويكون فعل هذا لبيان الجواز، وأن وضع أطراف الأصابع على الأرض وإن كان مستحبًا يجوز تركه، وهو أولى من تغليط رواية ثابتة في الصحيح واتفق عليها جميع نسخ مسلم. اهـ. والجلوس في جلسات الصلاة لا تتعين له هيئة بحيث تبطل الصلاة بدونها، بل كيف وجد جلوس أجزأ، سواء تورك، أو افترش، أو مد رجليه، وفي التربع خلاف، والصحيح عدم جواز التربع في الفريضة كما قال ابن عبد البر لكن الحافظ ابن حجر يقول: المشهور عن أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة، فلعل ابن عبد البر أراد بنفي الجواز إثبات الكراهة. واختلف العلماء في السنة، والأفضل بين التورك والافتراش، وقد وردت أحاديث بالتورك مطلقًا في الجلوس، وأحاديث بالافتراش مطلقًا، وأحاديث بالافتراش في بعض الجلسات والتورك في البعض الآخر، فاختار المالكية التورك في جميع الجلسات، وعملوا بحديثها، وظاهر الرواية الأولى معهم، فوضع القدم اليسرى بين الفخذ والساق تورك، وقوله "إذا قعد في الصلاة" مطلق، فحملوه على جميع الجلسات. كما احتجوا بما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ "سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى"، والحديث لم يبين ماذا يفعل بعد ثني اليسرى. هل يجلس عليها أو يتورك؟ لكن الإمام مالك روى في الموطأ أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. فبينت هذه الرواية المراد من ثني اليسرى. وقال أبو حنيفة وأهل الرأي: إن السنة أن يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى نصبًا في جلستي التشهد، واحتجوا بحديث عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى". ومذهب الشافعي أن جميع الجلسات في الصلاة يسن لها الافتراش إلا الجلسة الأخيرة فيسن لها التورك، فلو كان مسبوقًا وجلس إمامه في آخر الصلاة متوركًا جلس المسبوق مفترشًا، واستدلوا بما رواه البخاري عن أبي حميد في عشرة من أصحاب النبي ﷺ وقد وصف صلاة النبي ﷺ فقال: "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته"، قال الشافعي والأصحاب: فحديث أبي حميد صريح في الفرق بين التشهدين، وباقي الأحاديث مطلقة، فيجب موافقته، فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير، ومن روى الافتراش أراد الأول، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة لا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة ﵃. اهـ قال الشافعية: والحكمة في الافتراش في التشهد الأول والتورك في الثاني أنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات ولأن السنة تخفيف التشهد الأول، فيجلس مفترشًا ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل

стр. 1501

التشهد الثاني، ولا قيام بعده، فيجلس متوركًا، ليكون أعون له وأمكن ليتوفر الدعاء، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين. والله أعلم. وقال الإمام أحمد: إن كانت الصلاة ركعتين افترش في التشهد، وإن كانت غير ذلك افترش في الأول وتورك في الأخير. وقال الطبري: إن فعل هذا فحسن، وإن فعل هذا فحسن، لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي ﷺ . هذا ما يتعلق بهيئة الجلوس في الصلاة، أما ما يتعلق بوضع اليدين حالة الجلوس فالروايات مجمعة على وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى. واليد اليسرى على الفخذ اليسرى، أما الأصابع فقد قال النووي: وقد أجمع العلماء على استحباب وضع الكف اليسرى عند الركبة أو على الركبة وبعضهم يقول: بعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله في الرواية الثانية "ويلقم كفه اليسرى ركبته" وبعضهم يقول: ينشر أصابعه اليسرى جهة القبلة ويجعلها قريبة من طرف الركبة، بحيث تساوي رءوسها الركبة، وهل يستحب أن يفرج الأصابع أو يضمها؟ وجهان. أما كف اليمنى فيضعها على طرف الركبة اليمنى، ويقبض خنصرها وبنصرها، ويرسل المسبحة، أما الإبهام والوسطى ففي وضعهما أقوال: قيل: يقبض الوسطى مع الخنصر والبنصر، ويضع الإبهام بجنب المسبحة على حرف راحته أسفل من المسبحة، كأنه عاقد ثلاثًا وخمسين، لحديث ابن عمر [روايتنا الرابعة] وقيل: يقبض الوسطى مع الخنصر والبنصر، ويضع الإبهام على حرف إصبعه الوسطى، لحديث عبد الله بن الزبير [روايتنا الثانية، وفيها "ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى"] وقيل: يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويبسط المسبحة والإبهام، لحديث أبي حميد، وقيل: يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، لما روى وائل بن حجر "أن النبي ﷺ وضع مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن، ثم عقد أصابعه الخنصر والتي تليها، وحلق حلقة بإصبعه الوسطى على الإبهام، ورفع السبابة، ورأيته يشير بها، وفي كيفية تحليق الإبهام مع الوسطى قيل: يحلقها برأسهما، وقيل: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام. وكيف فعل من هذه الهيئات فقد أتى بالسنة أما المسبحة فعلى جميع الأقوال السابقة يسن أن يشير بها، فيرفعها إذا أتى الهمزة من قوله "لا إله إلا الله"، قال الشافعية: ولا يشير بها إلا مرة واحدة وهل يحركها عند الرفع بالإشارة؟ أقوال: أحدها: يكره تحريكها، والثاني يحرم تحريكها، وهذا القول ضعيف وشاذ الثالث: يستحب تحريكها، ويحتج له بحديث وائل بن حجر، وفيه "ثم رفع أصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها" رواه البيهقي بإسناد صحيح. قال البيهقي: ويحتمل أن يراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها، فيكون موافقاً لرواية ابن الزبير، وذكر عن ابن الزبير "أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها" رواه أبو داود بإسناد صحيح. قال البيهقي: وأما الحديث المروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "تحريك الأصابع في الصلاة مذعرة للشيطان" فليس بصحيح. تفرد به الواقدي، وهو ضعيف. اهـ وتكون الإشارة بها إلى جهة القبلة هذا ويستحب أن ينوي بالإشارة

стр. 1502

الإخلاص والتوحيد وأن لا يجاوز بصره إشارته والمستحب أن تجلس المرأة في التشهد كما يجلس الرجل، قال به أبو حنيفة ومالك، وعن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر، وتضع فخذها الأيمن على الأيسر، وتضم بعضها إلى بعض قدر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس بخلاف الرجل، وقال قوم تجلس كيف شاءت وكيف تيسر لها التجمع ولو تربعت. وهذا قول حسن. والله أعلم

стр. 1503

(٢١٦) باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته ١١٢١ - عن أبي معمر أن أميرًا كان بمكة يسلم تسليمتين فقال عبد الله: أنى علقها؟ قال الحكم في حديثه إن رسول الله ﷺ كان يفعله. ١١٢٢ - عن عبد الله قال شعبة رفعه مرة أن أميرًا أو رجلاً سلم تسليمتين فقال عبد الله أنى علقها؟ . ١١٢٣ - عن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده. -[المعنى العام]- للصلاة بداية ونهاية، بدايتها تكبيرة الإحرام، ونهايتها السلام، بدايتها لفظ وقصد ونية الدخول فيها، ونهايتها لفظ وقصد ونية الخروج منها. هكذا يرى الجمهور من العلماء، وهكذا تشهد صلاة الرسول ﷺ ولنا فيه أسوة حسنة وهكذا تشهد صلاة الصحابة والتابعين، فأمير مكة يصلي بالناس ويسلم تسليمتين في نهاية الصلاة، ويمدحه ابن مسعود لاتباعه السنة: ويحكي ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده" لكن أبا حنيفة اعتبر تكبيرة الإحرام خارج الصلاة ليست منها، وهو هنا يعتبر السلام ليس ركنًا من الصلاة، ويكتفي بقصد الخروج من الصلاة وفعل ما يتنافى معها بعد الانتهاء منها. وفي اختلافهم رحمة، وكلهم من رسول الله ﷺ ملتمس والله أعلم. -[المباحث العربية]- (قال عبد الله) أي ابن مسعود. (أنى علقها) "أنى" بفتح الهمزة، والنون المشددة المفتوحة. و"علق" بفتح العين وكسر اللام أي متى حصل هذه السنة وظفر بها؟ وهو استفهام تعجب ويبدو أن هذه السنة كانت تخفى على كثيرين كما سنوضحه في فقه الحديث.

стр. 1504

-[فقه الحديث]- في الحديث مشروعية التسليم تسليمتين في آخر الصلاة، أما حكمهما وكيفيتهما ففي ذلك يقول النووي: مذهبنا أن التسليم فرض وركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا به، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم [وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، وقالوا: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة]. وقال أبو حنيفة: لا يجب السلام، ولا هو من الصلاة، بل إذا قعد قدر التشهد، ثم خرج من الصلاة بما ينافيها من سلام أو كلام أو حدث أو قيام أو فعل أو غير ذلك أجزأه وتمت صلاته. واحتج الجمهور بحديث "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" أخرجه الترمذي وابن ماجه، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وقالوا: السلام أحد طرفي الصلاة، فوجب فيه نطق كالطرف الأول، كما استدلوا بمواظبة فعله ﷺ ، كما تدل عليه روايتنا الثانية، وقوله "صلوا كما رأيتموني أصلي" وعند أبي داود والترمذي عن ابن مسعود "أن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده: السلام عليكم ورحمة الله". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي مسلم عن جابر بن سمرة قال: "كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : "علام تؤمنون بأيديكم كأنهم أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذيه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله"، واحتج لأبي حنيفة بحديث المسيء صلاته، وبحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ علمه التشهد، وقال: "إذا قضيت هذا فقد تمت صلاته، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وعن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أحدث وقد قعد في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته" وعن علي ﵁ قال: "إذا جلس قدر التشهد، ثم أحدث فقد تمت صلاته". قال النووي: وأجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإن سلم واحدة استحب له أن يسلمها تلقاء وجهه، وإن سلم تسليمتين جعل الأولى عن يمينه والثانية عن يساره، ويلتفت في كل تسليمة حتى يرى من عن جانبه خده. هذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: حتى يرى خده من على جانبه، وينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة والسلام على من على يمينه وعلى الحفظة، وينوي بالثانية السلام على من على يساره وعلى الحفظة، ولو سلم التسليمتين عن يمينه، أو عن يساره أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن يساره، والثانية عن يمينه صحت صلاته وحصلت تسليمتان، ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما. اهـ والتسليمة الثانية سنة عند الجمهور، وقال مالك وطائفة يسلم تسليمة واحدة، قال ابن المنذر: وقال ابن عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون فيه تسليمتين، ومسجد المهاجرين يسلمون فيه تسليمة، وقال ابن المنذر: وبالأول أقول. واحتج القائلون بتسليمة واحدة بحديث عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة

стр. 1505

واحدة تلقاء وجهه" رواه الترمذي وابن ماجه وآخرون. قال الحاكم في المستدرك على الصحيحين: هو حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقال آخرون هو ضعيف. وهناك متابعات يضعفها الشافعية. أو يقولون: إنها لبيان الجواز. وعند الشافعي في القديم تسليمة واحدة، وفيه أيضًا عنه: إن كان منفردًا أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة، وإلا فثنتان. والله أعلم. وينبغي للمأموم أن يسلم بعد سلام الإمام، قال البغوي: ويستحب أن لا يبتدئ السلام حتى يفرغ الإمام من التسليمتين، وقال المتولي: يستحب أن يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى. ولا يستحب للمسبوق أن يقوم ليأتي بما بقي عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين. واللَّه أعلم

стр. 1506

(٢١٧) باب الذكر بعد الصلاة ١١٢٤ - عن عمرو قال: أخبرني بذا أبو معبد (ثم أنكره بعد) عن ابن عباس قال: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير. ١١٢٥ - عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس أنه سمعه يخبر عن ابن عباس قال: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره. وقال: لم أحدثك بهذا. قال عمرو وقد أخبرنيه قبل ذلك. ١١٢٦ - عن أبي معبد مولى ابن عباس أن ابن عباس أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ وأنه قال: قال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. (ملحوظة) سنشرح أحاديث هذا الباب مع أحاديث الباب الذي يلي أحاديث الباب الآتى، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته.

стр. 1507

(٢١٨) باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم ١١٢٧ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ وقال "إنما تفتن يهود" قالت عائشة: فلبثنا ليالي. ثم قال رسول الله ﷺ "هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ " قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر. ١١٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر. ١١٢٩ - عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم. قالت: فكذبتهما. ولم أنعم أن أصدقهما. فخرجتا. ودخل علي رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا علي. فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم. فقال: "صدقتا. إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم" قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر. ١١٣٠ - عن عائشة ﵂ بهذا الحديث وفيه قالت: وما صلى صلاة بعد ذلك إلا سمعته يتعوذ من عذاب القبر. ١١٣١ - عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال.

стр. 1508

١١٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع. يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم. ومن عذاب القبر. ومن فتنة المحيا والممات. ومن شر فتنة المسيح الدجال". ١١٣٣ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال. وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم" قالت: فقال. له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله. فقال "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب. ووعد فأخلف". ١١٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر. فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم. ومن عذاب القبر. ومن فتنة المحيا والممات. ومن شر المسيح الدجال". ١١٣٥ - عن الأوزاعي بهذا الإسناد وقال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد" ولم يذكر "الآخر". ١١٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. وعذاب النار. وفتنة المحيا والممات. وشر المسيح الدجال". ١١٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "عوذوا بالله من عذاب

стр. 1509

الله. عوذوا بالله من عذاب القبر. عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال. عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات". ١١٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يتعوذ من عذاب القبر. وعذاب جهنم. وفتنة الدجال. ١١٣٩ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء. كما يعلمهم السورة من القرآن. يقول: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم. وأعوذ بك من عذاب القبر. وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال. وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات". قال مسلم بن الحجاج بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا. قال: أعد صلاتك. لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة. أو كما قال. -[المعنى العام]- كانت عجوز من يهود المدينة تقوم بخدمة السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، وكانت كلما أحسنت إليها عائشة تدعو لها العجوز بقولها: وقاك الله عذاب القبر. ولما تكرر منها هذا الدعاء قالت عائشة: أفي القبر عذاب؟ قالت العجوز: نعم، أو ما بلغك أنكم ونحن والناس تفتنون وتعذبون في قبوركم؟ ودخل رسول الله ﷺ ، قالت عائشة: يا رسول الله، أسمعت ما تزعم العجوز؟ تزعم أننا نفتن في قبورنا، ولم يكن الوحي قد نزل بعذاب القبر، فقال ﷺ : كذبت يهود. ليس هناك عذاب بعد الموت قبل يوم القيامة، إنما المستحق للعذاب اليهود. ومضت أيام وليال. ونزل الوحي يخبر رسول الله ﷺ بأن عذاب القبر حق نزل الوحي ورسول الله ﷺ بين أصحابه، فلما انفصل عنه الوحي نادى بأعلى صوته. أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، إن عذاب القبر حق. ورجع رسول الله ﷺ إلى بيت عائشة وإذا بعجوزين تناقشان عائشة في عذاب القبر، وعائشة تكذبهما كما كذبت وكذب رسول الله ﷺ العجوز الأولى. قالت عائشة: أو ما سمعت يا رسول الله، هاتان العجوزان تزعمان أننا نعذب في قبورنا؟ قال ﷺ : نعم. صدقتا. لقد أوحي إلي يا عائشة أن عذاب القبر حق. تقول عائشة. فما رأيته ﷺ بعد ذلك يصلي إلا ويستعيذ في صلاته من عذاب القبر وكان ﷺ يعلم أصحابه أن يستعيذوا في صلاتهم بعد نهاية التشهد الأخير وقبل السلام من أربع. عذاب القبر، ومن فتنة وامتحان نزول المسيح الدجال

стр. 1510

الذي سينزل في آخر الزمان ومعه مغريات وجنة ونار ونعيم وعذاب يخدع الناس لينصرفوا عن عبادة الله وحده وعن الطاعات إلى الإشراك وإلى المعاصي فمن أطاعه ليدخل جنته كان من أهل النار، ومن عصاه ولم ينخدع به كان من أهل الجنة ومن فتنة الحياة وزخارف الدنيا وملذاتها وشهواتها، ومن فتنة الممات والخاتمة. نسأل الله حسن الختام حين يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ومن عذاب جهنم، وعذاب النار في الآخرة. وكان ﷺ يكثر أمام أصحابه من الاستعاذة من المأثم والمغرم، أي من الإثم والعصيان، ومن غلبة الدين والغرامة التي لا قدرة على تحملها وأدائها، فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فما خطره الذي أزعجك حتى أكثرت من الاستعاذة منه؟ قال ﷺ : إن المغرم باب شر كبير، لأن الرجل إذا غرم ولم يستطع الأداء اختلق لصاحب الدين الأكاذيب، ووعد أن يوفي الدين يوم كذا ثم لا يوفي، فيورث المغرم شعبتين من شعب المنافقين، الكذب وخلف الوعد، وما أقبح هاتين الرذيلتين وما أقبح من يتصف بهما. هكذا علم رسول الله ﷺ أمته دعاء يقيهم الشرور في الدنيا والآخرة وصدق الله العظيم إذ يقول فيه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (هل شعرت أنكم ... ) أي هل علمت علمًا مبدئيًا عاجلاً؟ أو هل بلغك قريبًا؟ يقال: شعر بكذا إذا بدأه الشعور، وعرض له الخبر أول وهلة، والخطاب في "أنكم" لعائشة والمسلمين ولذلك كان جواب النبي ﷺ برده على اليهود ومقصودها: أنكم معشر المسلمين وعامة الناس. (تفتنون في القبور) قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار، قال عياض: استعمالها في العرف لكشف الحال المكروه. اهـ وتطلق على القتل والإحراق والنميمة والتعذيب. وأضيفت الفتنة والعذاب إلى القبر لكون معظمه فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالعذاب يقع على من شاء الله تعذيبه بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق. (فارتاع النبي ﷺ أي ففزع ﷺ من قول اليهود مجوزًا صدق الخبر مع عدم علمه به، وخشي أن يكون صحيحًا فيكون الأمر عسيرًا. (وقال: إنما تفتن يهود) لا نحن معشر المسلمين، أي إن كان عندكم علم فلعله خاص بكم. (فسمعت رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر) أي بعد أن أوحى إليه بفتنة القبر. و"يستعيذ" أي يطلب الحصانة والحماية منه.
следующие страницы →