← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فذهب الشافعي ﵁ إلى أنها عليهما على السواء، وقال مالك: إنما هي على أهل البوادي، لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق، ومواضع النزول، وما يشترى من المأكل في الأسواق. اهـ. والذي تستريح إليه النفس في مواضع الخلاف الثلاثة أن الأمر يختلف باختلاف حال الضيف، وباختلاف حال المنزول عليه، وباختلاف ظروف الضيافة. ففي الموضع الأول قد يكون الضيف فقير الحال، والمنزول عليه ميسورها، فيكون فيما يقدم للضيف إتحاف وإكرام له، وإن كان على عادة أهل البيت أو أقل من عادتهم. وقد يكون العكس فيحسن التكلف، وقد يكون الضيف من الأصدقاء الذين يحبون البساطة، ويكرهون التكلف، ليشعروا برفع الحرج، فيحسن تقديم ما حضر. لكن طلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن المقام وحسن التوديع مطلوب في جميع الأحوال. وفي الموضع الثاني: قد يكون الضيف مضطرا فتكون الضيافة واجبة بقدر الضرورة وإلا فهي من مكارم الأخلاق. وفي الموضع الثالث: قد يكون الضيف النازل على أهل الحضر لا يملك ما يشتري به قوته، ولا ما ينزل به في الفنادق، وقد يكون الضيف النازل على أهل البادية يحمل معه زادا يكفيه، وبيتا يقيمه ويرسيه، في مثل هاتين الصورتين تكون الضيافة مشروعة على أهل الحضر، دون أهل البادية. فإطلاق الخلاف في المواضع الثلاثة لا يستقيم، وللشرع أهدافه وللتشريع حكمته، والمراد تحقيق حكمة التشريع من التواد والألفة والمواساة. ولا يفوتنا - وقد بسطنا حق الضيف والواجب له- أن نبين الواجب عليه، فعلى الضيف أن يكون خفيف الظل، خفيف السؤال، لطيف الطلب، محافظا على آداب الضيافة مراعيا حرمة المنزل الذي يضيفه. فلا يحل له أن يطيل الإقامة حتى يحرج صاحب البيت ويوقعه في الضيق والإثم، فقد جعل ﷺ ما يقدم للضيف بعد الثلاث في حكم الصدقة، وأطلق عليه لفظ الصدقة تنفيرا، لأن كثيرا من الناس خصوصا الأغنياء يتأففون غالبا من أكل الصدقة. ولا يتأفف مما يقدم له مهما قل، فالله يقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة: ٩١] وروى أحمد والحاكم عن سلمان قوله: نهانا رسول الله ﷺ أن نكلف للضيف وساق قصته مع ضيفه، وفيها أن ضيفه طمع في الإتحاف والزيادة، فرهن سلمان مطهرته واشترى له ما يتحفه به، فلما أكل الضيف، قال: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال له سلمان: لو قنعت ما كانت مطهرتي مرهونة. وحكى ذلك للنبي ﷺ ، فقال: صدق سلمان.

стр. 177

٣ - وأما النطق بخير أو الصمت فيمكن تقسيم الكلام والصمت من حيث الأحكام الشرعية إلى ستة أنواع: أ - كلام واجب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان حيث أمكن، وكشهادة الحق، وكالعبادات القولية الواجبة، فهذا لا شك في خيريته، والنطق به واجب، يثاب عليه. ب - كلام مندوب كالوعظ ونشر العلم والأذكار المستحبة، والكلام الذي يؤدي إلى خير دنيوي مشروع، وهو كذلك خير محقق، والنطق به مستحب يثاب عليه. جـ - كلام محرم تحريما ظاهرا، كالكذب والغيبة والنميمة والسخرية والاستهزاء والسب والفحش، والخوض في الباطل (كالغزل وذكر محاسن النساء والخمور والمحرمات). فهذا لا خير فيه، والإمساك عنه واجب. د - كلام غير محرم في حد ذاته، لكنه يجر إلى محرم تحقيقا أو غالبا كالتقعر في الكلام، فإنه يجر إلى المقت والبغض، وكالوعد مع نية الخلف، وكمجادلة من يغضب، وكممازحة من لا يحب المزاح، وهذا أيضا لا خير فيه، والإمساك عنه واجب. هـ - كلام لا خير فيه: مشكوك في أنه يجر إلى ضرر أو مكروه، كالكلام فيما لا يعنيك، والزيادة عن قدر الحاجة فيما يعنيك، وهذا هو المعروف بفضول الكلام، فالإمساك عنه مندوب والصمت عنه مستحب. و- كلام مباح يستوي طرفاه. فالنوعان الأولان داخلان في الأمر الأول "فليقل خيرا". والثالث والرابع والخامس داخلة في الأمر الثاني "ليصمت". والأمر على هذا لمطلق الطلب واجبا كان المطلوب أو مستحبا. وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في النوع السادس ككلام الناس ومسامرتهم فيما لا يضر، هل يدخل في الأمر الثاني؟ أو لا يدخل في الأمرين؟ . جمهور العلماء على أنه يدخل في الأمر الثاني، لأن الأمر الأول موجه للقول الذي تحقق أو ترجح خيره "فليقل خيرا" وهذه المسامرة مفروض أنه لا خير فيها ولا شر، والأمر بالصمت توجه لما لا خير فيه. قال النووي في شرحه للحديث: معناه أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا يثاب عليه واجبا أو مندوبا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين، فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه، مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه وهذا يقع في العادة كثيرا أو غالبا، وقد قال الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] واختلف السلف

стр. 178

والعلماء في أنه: هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد، وإن كان مباحا لا ثواب فيه ولا عقاب لعموم الآية؟ أم لا يثبت إلا ما فيه جزاء من ثواب أو عقاب؟ . إلى الثاني ذهب ابن عباس ﵁ وغيره من العلماء، وعلى هذا تكون الآية مخصوصة، أي ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء اهـ. والذي أميل إليه أن الكلام المباح غير مأمور بتركه، وغير مندوب الإمساك عنه، بشرط أن يكون بمقدار لا يصل إلى النوع الخامس، لأن تسميته مباحا يتنافى مع الأمر بتركه والندب للإمساك عنه، وكلام الإمام النووي يشبه قولنا: مباح مأمور بتركه، أو مباح مندوب تركه، وهو كلام ظاهره الخلط بين الأحكام الشرعية التي تفرق بين المندوب والمباح. كما أن احتمال جر المباح إلى المحرم أو المكروه كاحتمال جره إلى الواجب أو المندوب، فلا يمنع المباح لهذا الاحتمال. يؤيدني في هذا الميل ما نقله النووي عن الإمام الشافعي، إذ قال: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه تكلم، وإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه أمسك. اهـ. وهنا ينبغي أن نلاحظ أننا لسنا في مقام التفضيل بين الصمت وبين الكلام المباح، حتى نقول: إذا كان الكلام من فضة كان السكوت من ذهب. وإنما الذي حرصت على بيانه هو أن الكلام المباح غير مأمور بتركه، أما أن السكوت خير منه، أو هو خير من السكوت فليست الخيرية بينهما مطلقة، فإن أدى السكوت إلى التفكر في آلاء الله والعظة والتدبر كان خيرا منه، وحينئذ تكون المقارنة بين مندوب إليه وبين مباح. وإن أدى السكوت إلى حديث النفس الأمارة بالسوء، وإلى التخطيط في الشر كان الكلام المباح خيرا منه، وتكون المقارنة بين مكروه وبين مباح. وإن لم يؤد السكوت إلى خير ولا إلى شر، ولم يؤد الكلام المباح إلى خير ولا إلى شر. كانا مباحين غير مأمور بترك أحدهما، وإن كانت السلامة في السكوت أكثر. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - تعظيم حق الجار. ٢ - الحث على إكرام الضيف. ٣ - الأمر بقول الخير. ٤ - إمساك اللسان عن الشر. ٥ - أن إكرام الضيف والجار وحفظ اللسان من صفات المؤمن، وليس معنى ذلك انتفاء الإيمان عمن فقد هذه الصفات، فإن عبارة "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" أريد بها المبالغة والحث على

стр. 179

الالتزام، كما نقول: من كان ابني فليطعني، إذ المقصود منه التهييج على الطاعة بذكر الباعث عليها وهو البنوة. والباعث هنا على الانصياع للأوامر الثلاثة هو الإيمان بالله وبجزائه، وهو لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجرا عظيما. والله أعلم

стр. 180

(٢٩) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإيمان ٨١ - عن طارق بن شهاب. وهذا حديث أبي بكر. قال: أول من بدأ بالخطبة، يوم العيد قبل الصلاة، مروان. فقام إليه رجل. فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك، فقال: أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان. ٨٢ - وبمثله. -[المعنى العام]- كان النبي ﷺ يخرج يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به صلاة العيد، ثم يقوم فيتوجه إلى الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيخطبهم ويعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يخرج طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات أخرج، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف. واستمر العمل على هذه السنة في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلما كان معاوية، وكان مروان أمير المدينة من جهته، بدأ بالخطبة قبل صلاة العيد، ورأى الغيورون على الإسلام أن عليهم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن فعل النبي ﷺ واجب الاتباع، وأن عليهم أن ينبهوا الأمير ليعود إلى السنة. من هؤلاء الغيورين أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، قام إلى مروان وهو يتهيأ للصعود على المنبر، فقال له: عليك بالصلاة قبل الخطبة. سنة رسول الله ﷺ ، فلم يعبأ به مروان، وقال له: قد ترك هذا الوضع، فجذب أبو سعيد الخدري مروان من ثوبه ليمنعه من ارتقاء المنبر، فجذبه مروان، فارتقى، فقال أبو سعيد: غيرتم والله سنة رسول الله ﷺ ، فقال له مروان: قد ذهب ما تعلم، قال أبو سعيد: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، وخطب مروان، ثم صلى، ثم قال لأبي سعيد: إن الناس لم يعودوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلت الخطبة قبل الصلاة للحفاظ على سماعها. قال أبو سعيد: أما أبو مسعود فقد أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أديت ما علي، وقد

стр. 181

سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأى أو علم منكم منكرا فليغيره ويزيله بيده، فإن لم يستطع الإزالة باليد فليطلب إزالته، وليهاجمه بلسانه، فإن لم يستطع استخدام لسانه فلينكره بقلبه، ومن لم يكره المنكر ويغضب له في نفسه، ويمقته في دخيلته، ويغار على أمور إيمانه، من لم يفعل ذلك فليس بمؤمن. لأن ذلك أضعف الإيمان. -[المباحث العربية]- (أول من بدأ بالخطبة) "أل" في الخطبة للعهد أي خطبة العيد، وكذلك "أل" في الصلاة. (مروان) خبر "أول" وكان أمير المدينة من قبل معاوية. (فقام إليه رجل) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون هو أبو مسعود الذي ذكر اسمه في بعض الروايات، ويحتمل أنه غيره، وأن قصة الإنكار قد تعددت. (الصلاة قبل الخطبة) مبتدأ وخبر، أي الصلاة حقها أن تكون قبل الخطبة. (قد ترك ما هنالك) "ترك" بالبناء للمجهول، و"ما" موصول في محل رفع نائب فاعل، واسم الإشارة ظرف متعلق بمحذوف صلة "ما" والتقدير: ترك الذي تشير إليه، أي تركنا العمل بتقديم الصلاة على الخطبة الذي كان هنالك في الزمن الماضي. (أما هذا فقد قضى ما عليه) المشار إليه هو الرجل الذي نبه مروان إلى جعل الصلاة قبل الخطبة، و"أما" حرف شرط وتفصيل، والمعنى مهما يكن من شيء فهذا الرجل قد أدى واجبه وما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ترك تكرار "أما" استغناء بالكلام الذي ذكر بعدها وهو موضع القسم الثاني، والتقدير: وأما أنا فأنكر كما أنكر، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرا) إلخ، "من" اسم شرط جازم مبتدأ، والمراد من الرؤية العلم عن طريق أي حاسة من الحواس، فقد يشم الخمر، ويلمس الأعمى آلات اللهو، ويسمع الغيبة والنميمة إلخ. (فليغيره بيده) جواب الشرط، دخلت عليه الفاء لأنه طلب، والمراد من تغيير المنكر إبطاله ومنعه، والمراد من اليد الجوارح، ويعبر عن الجوارح باليد كثيرا، لأنها أكثر الجوارح استعمالا وأشدها أثرا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ [الحج: ١٠]. (فإن لم يستطع فبلسانه) مفعول "يستطع" محذوف، والفاء داخلة على المتعلق بالجواب المحذوف، والتقدير: فإن لم يستطع تغيير المنكر بيده فليغيره بلسانه، والمراد من اللسان النطق والكلام. (فإن لم يستطع فبقلبه) أي فليغيره بقلبه، وفي إطلاق التغيير على إنكار القلب توسع، لأن كراهية المنكر بالقلب لا يغير من الواقع، ولا يمنع صاحبه منه.

стр. 182

(وذلك أضعف الإيمان) الإشارة إلى التغيير بالقلب، والمراد من ضعف الإيمان ضعف أثره. -[فقه الحديث]- مذهب العلماء كافة أن خطبة العيد بعد الصلاة. قال القاضي عياض: هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده. اهـ. والجمهور على أن مروان أول من قدم الخطبة على صلاة العيد، والحديث الذي معنا نص في هذا. وقيل: إن عثمان في شطر خلافته الأخير قدم الخطبة، لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة، فحرصا منه ﵁ على إدراك الناس الصلاة قدم الخطبة. وقيل: إن عمر ﵁ قدم الخطبة، قال النووي بعد أن ساق القولين المذكورين: وليس ما روي عنهما بصحيح. فالمعتمد في أول من قدم الخطبة هو قول الجمهور، وأنه مروان حين كان أمير المدينة. والسر في عمله هذا أن الناس كانوا ينصرفون عن سماع خطبته، ولم يكن يجلس لها بعد الصلاة إلا عدد قليل، وكان الكثير منهم يتعمدون ترك سماع خطبته، لما فيها من سب من لا يستحق السب، والإفراط في مدح من لا يستحق، فقصد إسماع الناس خطبته بهذا الأسلوب. وهل كان دافعه إحراج الناس، وإلزامهم سماعه فحسب؟ أو كان يهدف إلى تحصيل ثواب أكثر لهم بسماعهم خطبة العيد، فسماع الخطبة سنة يثاب عليها؟ نميل إلى الثاني والله أعلم بالسرائر. هذا، وبعد أن اشترط العلماء تقديم صلاة العيد على خطبته، اختلفوا فيمن خالف ذلك وقدم الخطبة على الصلاة، فذهب الحنفية إلى أنه يسن تأخير الخطبة عن الصلاة، لكن يعتد بها إن قدمت وإن كانت على خلاف السنة، ولا يعيدها بعد الصلاة. وجمهور الفقهاء على أنه لا يعتد بالخطبة إذا قدمت، ويندب إعادتها بعد الصلاة، وقيد المالكية ندب إعادتها بقرب الزمن عرفا، فإن طال الزمن بعد الصلاة فلا تعاد. ومن هذا العرض يتضح أن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الحديث هو مخالفة سنة، ومنه ندرك مدى غيرة الصحابة على الدين ومدى قيامهم واهتمامهم بهذا الواجب حتى مع حكامهم، نعم أنكر الرجل بلسانه واكتفى منه أبو سعيد بهذا الإنكار، وقد أثار الإمام النووي هنا إشكالا وجوابه فقال: قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد ﵁ عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ وجوابه: أنه يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرا أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام، ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرا من الأول، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب إنكاره، فسقط عنده الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئا، لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا، بل مستحب، ويحتمل أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد. والله أعلم. اهـ.

стр. 183

وهذه الاحتمالات التي ساقها النووي جوابا عن الإشكال لا تتفق وما رواه مسلم في باب العيدين، فقد روي عن أبي سعيد "أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس، وهم جلوس في مصلاهم، فإن كانت له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها وكان يقول: تصدقوا. تصدقوا. تصدقوا. وكان أكثر من يتصدق النساء. ثم ينصرف، فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجت مخاصرا مروان [أي يده في يده] حتى أتينا المصلى، فإذا كثير بن الصامت قد بنى منبرا من طين ولبن، فإذا مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا. يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم. قلت: كلا. والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم. ثلاث مرار ثم انصرف". فهذا الحديث يبعد تأخر أبي سعيد في الإنكار عن الرجل، ويبعد أن يكون قد سكت خوفا على نفسه، في الوقت الذي لم يخف فيه الرجل أو خاف وخاطر، بل هذا الحديث يثبت أن أبا سعيد أنكر المنكر بيده ثم بلسانه بصورة أشد من صورة إنكار الرجل، والجمع بين الحديثين سهل دون حاجة إلى هذه الاحتمالات، فأبو سعيد حاول منع مروان بيده، كما أنكر بلسانه، فلما صعد مروان المنبر أنكر الرجل فأيده أبو سعيد، ولا إشكال، ولا حاجة إلى القول بأنهما قضيتان. وقد أفاد الكتاب والسنة وإجماع الأمة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فالقرآن يقول: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فهذه الآية صريحة في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، وهو محل اتفاق بين من يعتد بهم من العلماء، ولا يضر هذا الاتفاق ما ذهب إليه الشيخ أبو جعفر من الإمامية من أنه فرض عين، ولا ما ذهب إليه الرافضة من أنه لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بإذن الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم، وهو لم يخرج بعد حسب عقيدتهم. قال الغزالي: وهؤلاء أخس رتبة من أن يكلموا. بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاء طالبين لحقوقهم في دمائهم وأموالهم: إن نصرتكم أمر بالمعروف، واستخراج حقوقكم من أيدي من ظلمكم نهي عن المنكر، وطلبكم لحقكم من جملة المعروف، وما هذا زمان النهي عن الظلم وطلب الحقوق، لأن الإمام الحق لم يخرج بعد. اهـ. ولا يضر في هذا الاتفاق أيضا ما ذهب إليه المعتزلة من أن وجوبه بالعقل لا بالشرع. لكن هؤلاء المتفقين اختلفوا في الواجب على الكفاية، هل هو واجب على جميع المكلفين، ويسقط عنهم بفعل بعضهم؟ أم هو واجب على البعض؟ ذهب الإمام الرازي وأتباعه إلى أنه واجب على البعض، للاكتفاء بحصوله من البعض ولو وجب على الكل لم يكتف بفعل البعض، إذ يستبعد سقوط الواجب على المكلف بفعل غيره.

стр. 184

وذهب الجمهور إلى أنه واجب على جميع المكلفين، وهو ظاهر نص الإمام الشافعي في الأم، واستدلوا على ذلك بإثم الجميع بتركه، ولو لم يكن واجبا عليهم كلهم لما أثموا بالترك. وفي المسألة بحث طويل يطلب من محله. ومعنى كونه فرض كفاية أنه إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، وقد يكون الأمر بالمعروف فرض عين، كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، كمن يرى زوجته أو ابنه على منكر. وقد أوضح الحديث أن إنكار المنكر على درجات مرتبة، على معنى أنه تجب الدرجة الأولى وهي التغيير بالجوارح لمن قدر عليها، ولا يغني عنه الاكتفاء بالدرجة الثانية والاقتصار على اللسان الذي لا يغير المنكر مع القدرة على الدرجة الأولى. وليس معنى ذلك أن المكلفين مطالبون باستعمال جوارحهم قبل استعمال ألسنتهم، بل الواجب استعمال الأخف أولا، فإذا لم ينجح في تغيير المنكر استعمل ما فوقه شدة، فيبدأ مثلا بالتعريف وتنبيه المرتكب إلى أن ما يرتكبه منكر، فقد يقدم على المنكر الجاهل بأنه منكر، فإذا عرف أنه منكر تركه، كمن لا يحسن الصلاة. فإذا لم ينفع التعريف في تغيير المنكر انتقل إلى النهي والوعظ والنصح والتخويف، فإذا لم تنجح هذه الوسيلة في تغيير المنكر مع القدرة على منعه بالجوارح وجب استعمال الجوارح. فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي أن يكون كالطبيب مع المريض، كل همه العلاج من أسهل الطرق، فإذا كان لا بد من الكي والبتر من أجل صلاح باقي الجسم وجب الكي والبتر. وفي حد الاستطاعة التي يتعرض لها الحديث بقوله: "فإن لم يستطع" خلاف بين العلماء فمنهم من يذهب إلى وجوب تحمل الأذى في سبيل الأمر بالمعروف إلا أن يصل إلى الخوف على النفس، بل منهم من يرى الإنكار بكل حال وإن قتل ونيل منه كل أذى، وبعضهم يرى أن خوف المكروه يحقق عدم الاستطاعة. والتحقيق أن الأمر يختلف باختلاف نوع الأذى، ومدى احتماله، ونوع المنكر، ومدى خطورته، والأثر الحسن أو القبيح المترتب على هذا الإنكار. وللإمام الغزالي في هذا المقام كلام نفيس نلتقط منه بعضه، قال ﵀ واعلم أنه لا يقف سقوط الواجب على العجز الحسي، بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروها يناله فذلك في معنى العجز، وكذلك إذا علم أن إنكاره لا ينفع، فإن اجتمع المعنيان، بأن علم أن كلامه لا ينفع، وخاف أن يضرب إن تكلم فلا يجب عليه الأمر بالمعروف، فإن علم أن إنكاره لا يفيد لكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين، وذهب بعضهم إلى وجوبها بناء على أن الواجب الأمر بالمعروف لا القبول، قال تعالى: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ [المائدة: ٩٩].

стр. 185

فإن علم أنه يصاب بمكروه، ولكن يبطل المنكر بفعله، فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب. ثم قال: ويستحب له أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر، أو في كسر جاه الفاسق، أو في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إذا رأى فاسقا متغلبا وعنده سيف، وبيده قدح، وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح، وضرب رقبته، فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجها، وهو عين الهلاك، وتعريض النفس للهلاك من غير أثر لا وجه له، بل ينبغي أن يكون حراما، وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر، أو ظهر لفعله فائدة، وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه، فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه فلا تجوز له الحسبة، بل تحرم. ثم قال: والظن الغالب في هذه الأبواب في معنى العلم. اهـ بتصرف. والمقصود من تغيير المنكر بالقلب كراهيته ومقته وبغضه، إذ كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها، ومظاهر هذا الإنكار اكفهرار في الوجه أمامه، وعدم حضور موضعه، قال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ [الأنعام: ٦٨]. وظاهر الحديث أن إنكار المنكر باليد عام حيث قدر عليه الآمر، فيشمل إنكار الابن على أبيه، والزوجة على زوجها، والعبد على سيده، لكن هذا العموم يتعارض مع قوله في حق الولد مع والديه، ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان: ١٥]. وفي هذا يقول الغزالي: والذي نراه أن للولد الحسبة بالتعريف، ثم بالوعظ والنصح باللطف، وليس له الحسبة بالسب والتعنيف والتهديد ولا بمباشرة الضرب. ثم قال: وهذا ينبغي أن يجري في العبد مع سيده، وفي الزوجة مع زوجها. اهـ. وعموم الحديث في قوله "من رأى منكم منكرا" يشمل العالم والجاهل، فكل من يعلم أنه منكر يجب عليه أن ينكره، ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعلماء وأصحاب الولايات. كل ما في الأمر أن الذي يأمر وينهي هو العالم بما يأمر به وينهي عنه، وذلك يختلف باختلاف الآمر والمأمور به، فإن كان المأمور به من الواجبات الظاهرة كالصلاة والصيام، أو كان المنهي عنه من المحرمات الواضحة كالزنا والخمر، فكل المسلمين علماء بها، واجب على آحادهم كما هو واجب على علمائهم وإن كان وجوبه على العلماء بصفة أشد، إذ فيهم قوة الإنكار، ولهم تزيد الاستجابة، ومنهم تؤخذ أحكام الشريعة. وإن كان المأمور به أو المنهي عنه من دقائق الأفعال والأقوال، كان الأمر بالمعروف واجب العلماء.

стр. 186

ثم إنهم ينبغي لهم ألا ينكروا أمرا مختلفا فيه، وهو محل للاجتهاد، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله للضب مثلا، لأن كل مجتهد مصيب عند كثير من المحققين، وعلى الرأي الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، نعم إن ندبه على جهة النصيحة -إلى الخروج من الخلاف فهو حسن مندوب إليه برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع على خلاف آخر. ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، متمثلا لما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسا بما ينهى عنه، فإنه يجب على المسلم شيئان: ١ - أن يأمر نفسه وينهاها، أي يمتثل حكم الشرع. ٢ - وأن يأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما فإنه لا يباح له الإخلال بالآخر، وأما قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤] فهو توبيخ على نسيان النفس، لا على الأمر بالبر، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢]. فهو في قوم قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فالتوبيخ مداره في الحقيقة عدم فعلهم، لا قولهم، فالمعنى: لم لا تفعلون؟ وليس في الآيتين ما يمنع الأمر بالمعروف للمخل به. ولا يتعارض وجوب الأمر بالمعروف مع قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥] إذ الاهتداء لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن تركه مع القدرة عليه ضلال، فالمعنى: إذا استقمتم في أنفسكم وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر لا يضركم ضلال من يضل، فهو قريب من قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨]. وقد روي أن أبا بكر الصديق ﵁ صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدونها رخصة ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ الآية. والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله تعالى منه بعقاب". هذا. وليس من حق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتجسس للبحث عن المنكرات وتتبعها. فإن كل من ستر معصيته في داره، وأغلق عليه بابه لا يجوز أن يتجسس عليه، لأن الله نهى عن التجسس، وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ تسلق دار رجل، فرآه على حالة مكروهة، فأنكر عليه. فقال: يا أمير المؤمنين. إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه. فقال: وما هي؟ فقال: قد قال الله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾ [الحجرات: ١٢] وقد تجسست، وقال تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ [البقرة: ١٨٩] وقد تسورت من السطح. وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧] وما سلمت. فتركه عمر، وشرط عليه التوبة.

стр. 187

نعم إن علم منكرا يجب إدراك خطره وهو قادر على دفعه، جاز له التجسس ثم اقتحام الدار، وفي هذا يقول الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها، لأمارة وآثار ظهرت، فذلك ضربان: أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث، حذرا من فوات ما لا يستدرك. الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن. وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أمور منها: ١ - أن يكون رفيقا في دعوته ليكون أدعى إلى القبول، فقد قيل: إن المأمون وعظه واعظ، فعنف في القول، فقال له: يا رجل. ارفق، فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمر بالرفق فقال: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]. ٢ - وأن يكون مسرا بإنكاره، فقد قال الشافعي: من وعظ أخاه سرا نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. ٣ - وألا يسرف في الكلام والوعظ لئلا ينفر المرتكب. ٤ - وأن يكون حليما صبورا يتحمل جهل الجاهل وسفهه، ولذلك قرن الله الصبر بالأمر بالمعروف، فقال حاكيا عن لقمان: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ [لقمان: ١٧]. ٥ - وأن يكون على جانب طيب من حسن الخلق، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وهداية الغير فرع هداية النفس، ولا يستقيم الظل والعود أعوج. هذا وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم القدر، جليل الشأن، بالغ النفع، شديد الخطر، به كانت الأمة الإسلامية خير أمة، قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠] وبسبب التقصير غضب الله على اليهود وجعل منهم القردة والخنازير قال تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]. وقد قلت عناية المسلمين به في هذا العصر، حتى ندر منهم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، جبنا من السطوة حينا، وحرصا على الدنيا أحيانا، تركوه خوفا على الصداقة والمودة، ونسوا أن المودة توجب حقا وحرمة، وحقها النصح والهداية إلى سواء السبيل، وحرمتها الإنقاذ من النار.

стр. 188

تركوه مداهنة للرؤساء، وطلبا للمنزلة عندهم، وابتغاء رضاهم، للوصول إلى عرض زائل حقير، ونسوا أن الأمر كله لله، وأنه لو اجتمع أهل السماء والأرض على أن ينفعوا لم ينفعوا إلا بشيء قد كتبه الله. نرى في المساجد المسيئين في صلاتهم ثم لا نكترث بنصحهم، ونسمع الغيبة والنميمة عشرات المرات في اليوم الواحد ونبتسم لقائلها، ونرى المتسكعين في الطرقات من الشباب يعاكسون الفتيات، فنهز أكتافنا ثم نمضي كأنه لا يعنينا، وأصبح عري النساء، وكشفهن العورات ومواطن إثارة الغرائز وضعا مألوفا، والاحتشام والتستر أمرا غريبا، بل أصبحت القوانين المدنية تدعو إلى عدم التعرض للمنكر الذي حصل بتراضي الطرفين، ولا شك أن عدم التعرض للمنكر منكر، فهي صراحة تأمرنا بالمنكر وتنهانا عن المعروف. وتلك سمة اختلال الزمان وتغير الحال، وقرب الانتقام من الحليم المتعال. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ بما نحن عليه اليوم، إذ قال لأصحابه: "كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ " قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: "نعم. والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون". قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: "كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ "قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون". قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: "كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟ " قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم. والذي نفسي بيده. وأشد منه سيكون". قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: "كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ " قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم". وقد تحققت كل هذه المساوئ في زماننا فاستنصرنا ولم ينصرنا الله، ودعا خيارنا فلم يستجب لهم، وسلط الله علينا من لا يوقر كبيرنا، ولا يرحم صغيرنا، ولا يصون أعراضنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا سلامة إلا بالرجوع إلى دين الله، وكلنا راع وكلنا مسئول. فاللهم اكشف عنا الغمة، واهدنا سواء السبيل، إنك رءوف رحيم. والله أعلم

стр. 189

(٣٠) باب ضعف الإيمان بتطاول الأزمان والحاجة إلى الأمر بالمعروف ٨٣ - عن أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب. يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف. يقولون ما لا يفعلون. ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". قال أبو رافع: فحدثت عبد الله بن عمر فأنكره علي. فقدم ابن مسعود فنزل بقناة. فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده. فانطلقت معه. فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابن عمر. قال صالح: وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع. ٨٤ - وعن أبي رافع مولى النبي ﷺ ، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: "ما كان من نبي إلا وقد كان له حواريون يهتدون بهديه ويستنون بسنته" مثل حديث صالح. ولم يذكر قدوم ابن مسعود واجتماع ابن عمر معه. -[المعنى العام]- سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا، يبعث الله الرسول في قومه، فينتشر نوره بينهم، وتسري حرارة الدعوة في دمائهم، وتستقر تعاليمه في عقائدهم، فيتمسكون بها ويحافظون عليها، ثم يمضي الرسول ويمضي عصره فيضعف النور، وتهدأ الحرارة، وتتزعزع التعاليم في النفوس، ويقل التمسك بها، وتختل المحافظة عليها، وكلما مضى عصر زاد الضعف، وكثر التهاون، فخير القرون قرن النبي ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهكذا حتى يأتي آخر الزمان، بقوم غير القوم، يأتي بقوم بعيدين عن التعاليم بقدر بعد الزمان، صورهم غير حقائقهم، وأسماؤهم لا تتفق ومسمياتهم، في صور العقلاء وحقائقهم كالأنعام، يدعون بالمسلمين ولا إسلام. يقولون ما لا يفعلون ولا يفعلون ما يقولون، بل يفعلون نقيض أوامر الشريعة، فيأتون بالمنكرات، ويتركون الواجبات.

стр. 190

تلك سنة الله في خلقه، كلما بعد المؤثر قل الأثر حتى ينمحي أو يكاد، ما لم يتعهد بالتغذية والتقوية، تماما كأي تيار مندفع من قوة، يقل اندفاعه كلما بعد عن مصدر الدفع، ما لم يساعد بين الحين والحين بقوة دافعة أخرى، وتلك القوة الدافعة الأخرى في أديان الله تتمثل في العلماء والصالحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. والحديث الشريف بعد أن صور أثر الزمان في انحلال الناس وظلماتهم ركز على من يأخذ بيدهم، وعلى المصابيح الجانبية التي تضيء لهم، وعلى الدفعات الإضافية التي تدفعهم، من جاهد المنكرات وغيرها بيده فهو مؤمن إيمانا كاملا، ومن جاهدها وأنكرها بلسانه فهو مؤمن دون الأول، ومن جاهدها وأنكرها بقلبه فهو مؤمن دون الثاني، ومن لم يفعل شيئا من ذلك، ووقف من المنكرات موقف المتفرج غير العابئ فليس بمؤمن، وليس في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ففاعل المنكر والراضي به سواء. وفقنا الله لاتباع أمره، والأخذ بسنة نبيه ﷺ . -[المباحث العربية]- (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي) "ما" نافية "من" زائدة "نبي" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد "في أمة" جار ومجرور متعلق ببعث، وكذا الظرف "قبلي" وجملة "بعثه الله" في محل جر صفة "نبي". (إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب) الاستثناء مفرغ من عموم الأخبار، أي ما من نبي مخبر عنه بخبر من الأخبار إلا بخبر كذا، وجملة "كان له من أمته حواريون وأصحاب" خبر "نبي" و"حواريون" اسم "كان" و"له" متعلق بخبرها، و"من أمته" جار ومجرور في محل نصب حال من "حواريون" وأصله صفة له قدمت عليه. والحواريون جمع حواري، يقال: فلان حواري فلان، أي خاصته من أصحابه وناصره، ولفظ "حواري" مفرد منصرف، وياؤه مشددة وتخفيفها شاذ، وأصله من التحوير، وهو التبييض، وقيل: سمي الناصر بذلك لنقاء قلبه، وطهارة خلقه، وإخلاصه في محبته، وقيل: أصله من الحور، وهو الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ [الانشقاق: ١٤] وكأن الصاحب الناصر للنبي راجع في أموره إلى الله ورسوله، وعطف "أصحاب" على "حواريون" عطف عام على خاص. (يأخذون بسنته) ضمن "يأخذون" معنى "يتمسكون" فعدي بالباء يقال: أخذ بتلابيبه بمعنى أمسك بها، والجملة صفة "حواريون". (ويقتدون بأمره) الأمر واحد الأمور، أي يقتدون بحاله وأموره فإن أريد من الأمر واحد الأوامر -وهو بعيد- فالمراد من الاقتداء الصدع والتنفيذ.

стр. 191

(ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف) ضمير "إنها" للحال والقصة والخلوف بضم الخاء واللام: جمع خلف بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الخالف بشر، أي بدل السوء، ومنه: سكت ألفا ونطق خلفا، أما الخلف بفتح الخاء واللام فهو الخالف بخير، وهل هذه التفرقة مبناها الشيوع وكثرة الاستعمال؟ أو مبناها الوضع؟ خلاف بين اللغويين. وظاهر قوله "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف" أن هذه الخلوف تعقب الحواريين والأصحاب، ولكن هذا الظاهر غير مراد، فإن خلوف الشر إنما كانت بعد أجيال من الأصحاب، والتعبير بثم يرشح لهذا المراد. (يقولون ما لا يفعلون) "ما" موصولة، وعائد الصلة مفعول "يفعلون" محذوف، وجملة يقولون صفة "خلوف". (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن) أي من جد واجتهد، وبلغ جهده في منعهم بجوارحه فهو مؤمن إيمانا قويا. (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) الخردل نبات له حب صغير جدا أسود اللون مقرح، ويضرب المثل بحبة الخردل للمتناهي في الصغر. والمعنى وليس بعد ذلك إيمان يزن حبة خردل، أي إن إيمان المنكر بقلبه متناه في الصغر، ومن لا ينكر بقلبه لا شيء عنده من الإيمان، والمقصود المبالغة في ضعف الإيمان. (فحدثته عبد الله بن عمر) أي حدث أبو رافع عبد الله بن عمر بهذا الحديث، فهاء المفعول الأول في "حدثته" للحديث السابق. (فقدم ابن مسعود) من العراق إلى المدينة. (فنزل بقناة) بقاف مفتوحة، آخره تاء تأنيث، غير مصروف للعلمية والتأنيث، إذ هو علم على واد من أودية المدينة، ويرويه بعضهم "بفنائه" بالفاء بدل القاف وبالمد، والفناء ما بين أيدي المنازل والدور. قال القاضي عياض: رواية "بفنائه" خطأ وتصحيف. (فاستتبعني عبد الله بن عمر) أي طلب مني أن أتبعه. (يعوده) أي يزوره مكررا، وليس من عيادة المريض. -[فقه الحديث]- ما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان، إنما هو حيث لا يؤدي ذلك إلى إثارة الفتن وإشهار السلاح.

стр. 192

وما يتعلق بالحديث من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تقدم في الحديث السابق. ومع أن الشيخ أبا عمرو يرى أن هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، ويرى أنه ليس في لفظه ذكر لهذه الأمة، فإننا نرى أنه دعوة للأمة الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن فيه تقريرا لما كان، والتقرير تشريع. بل نرى أن قوله ﷺ "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن" كلام موجه للصحابة، مبني على مفهوم مطوي في الكلام، تقديره، وستكون أمتي كذلك، وسيخلفكم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ... إلخ. ولو أن الكلام في الأمم السابقة خاصة لكان الأولى بالأسلوب أن يكون: ثم إنها خلفت من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، فمن كان يجاهدهم بيده كان مؤمنا ... إلخ. ويؤيدنا في هذا الفهم صنيع الإمام مسلم والإمام النووي، فقد استدلا بالحديث على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - مدى حيطة الصحابة في أخذ الأحاديث وإنكارهم ما لا يقبلون، والتثبت والاستشهاد على صحة ما يرون. ٢ - أن سنة الله في خلقه ضعف الإيمان كلما تقدمت القرون. ٣ - أن الإيمان يزيد ويتكامل، ويضعف حتى حبة الخردل. ٤ - عيادة الأفاضل، وزيارة القادمين من السفر. والله أعلم

стр. 193

(٣١) باب تفاضل أهل الإيمان ٨٥ - عن أبي مسعود ﵁ قال: أشار النبي ﷺ بيده نحو اليمن، فقال "ألا إن الإيمان ههنا. وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين. عند أصول أذناب الإبل. حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر" ٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "جاء أهل اليمن. هم أرق أفئدة. الإيمان يمان. والفقه يمان. والحكمة يمانية". وبمثله. ٨٧ - عن الأعرج قال: قال أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ "أتاكم أهل اليمن. هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة. الفقه يمان والحكمة يمانية". ٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رأس الكفر نحو المشرق. والفخر والخيلاء، في أهل الخيل والإبل، الفدادين أهل الوبر. والسكينة في أهل الغنم". ٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الإيمان يمان. والكفر قبل المشرق. والسكينة في أهل الغنم. والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر". ٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر. والسكينة في أهل الغنم".

стр. 194

٩١ - عن الزهري بهذا الإسناد مثله وزاد الإيمان يمان والحكمة يمانية ٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "جاء أهل اليمن. هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا. الإيمان يمان والحكمة يمانية. السكينة في أهل الغنم. والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر. قبل مطلع الشمس". ٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أتاكم أهل اليمن. هم ألين قلوبا وأرق أفئدة. الإيمان يمان والحكمة يمانية. رأس الكفر قبل المشرق". ٩٤ - عن الأعمش بهذا الإسناد ولم يذكر "رأس الكفر قبل المشرق". ٩٥ - عن الأعمش بهذا الإسناد مثل حديث جرير "وزاد والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أصحاب الشاء". ٩٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ "غلظ القلوب، والجفاء في المشرق. والإيمان في أهل الحجاز". -[المعنى العام]- القلوب كالمعادن، تصفو وترق وتشع وتجلو، وتؤدي رسالتها، وتصل إلى غايتها إن حوفظ عليها من الفساد، وتعهدت بما يحفظ لها الحسن والجمال. ثم هي تصدأ وتغلظ، وتجمد وتسود، وتعجز عن أداء مهمتها، وتقعد عن غايتها وتنعدم فائدتها، بل قد ينتشر ضررها إن هي أهملت، وتركت لعوامل البوار والخسران. نعم. وللقلوب طلاء كطلاء المعادن، وإرهاف كإرهاف الذهب ورنينه. ذلك الطلاء هو التدبر في كتاب الله، والنظر في مخلوقات الله، واتخاذ أسباب التواضع والرفق والحلم والرحمة والخوف والوجل.

стр. 195

نعم. وللقلوب صدأ كصدأ الحديد، وسواد ودخان يتكاثف عليها كتكاثفه على النحاس بفعل النار، يجلبه الغرور وكثرة المال، والتكالب على الدنيا، والاشتغال بالماديات، وقد وصف القرآن الكريم الصنف الأول فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ [الأنفال: ٢]. ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ [المؤمنون: ٦٠]. ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣]. ووصفه رسول الله ﷺ في هذا الحديث بقوله "جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة، وأضعف قلوبا، الإيمان يمان. والحكمة يمانية". "السكينة والوقار في أصحاب الشاء". كما وصف القرآن الكريم الصنف الثاني من القلوب فقال ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ [الكهف: ٢٨]. ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٤٦]. ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤]. ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ [البقرة: ٧٤]. ووصفه رسول الله ﷺ في هذا الحديث بقوله "غلظ القلوب والجفاء في المشرق". "الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الخيل والإبل والوبر". ويهدف الرسول ﷺ بعد بيان اختلاف القلوب إلى إعطاء كل ذي حق حقه من المدح أو الذم، إلى إعطاء اليمنيين الذين سارعوا إلى قبول الإيمان، والتخلق بأخلاق الإسلام حقهم من الثناء عليهم. أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية، السكينة والوقار في أهل الغنم [أي أهل اليمن] وقال فيهم في حديث آخر "إن الأشعريين [وهم يمنيون] كانوا إذا أرملوا في الغزو جمعوا ما عندهم ثم اقتسموا بينهم فهم مني وأنا منهم". وإلى إعطاء ربيعة ومضر والفدادين الذين قست قلوبهم، وأعرضوا عن الإيمان، حقهم من الذم وأنهم رأس الكفر، ومصدر الفتن، وأهل الفخر والخيلاء، والصفات الذميمة التي لا يقبلها الدين الحنيف. فاللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا. وثبت قلوبنا على الإسلام. -[المباحث العربية]- (ألا إن الإيمان ههنا) "ألا" أداة استفتاح وتنبيه، تدل على تحقق ما بعدها، وهي في الأصل مركبة من الهمزة و"لا" وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق، قال الزمخشري: ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.

стр. 196

(وإن القسوة وغلظ القلوب) وفي رواية البخاري "والجفاء وغلظ القلوب" قال القرطبي: الجفاء وغلظ القلوب شيئان لمسمى واحد، كقوله تعالى ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦] والبث هو الحزن. اهـ. ويبدو لي أن الجفاء والقسوة كالبلادة والفظاظة، أثر من آثار غلظ القلوب إذا استعملنا غلظ القلوب في معناه الأصلي، أما إذا استعملنا السبب في المسبب عنه فإنه يتأتى أن يكون الجفاء وغلظ القلوب لمسمى واحد، كما يقول القرطبي، والأولى أن يراد بالجفاء والقسوة سوء الخلق في الظاهر من الأقوال والأفعال وبغلظ القلوب سوء الخلق في الأمور الباطنة. (في الفدادين عند أصول أذناب الإبل) "الفدادين" بتشديد الدال الأولى، جمع فداد، وهو شديد الصوت، من الفديد، وهو الصوت الشديد، و"أصول أذناب الإبل" طرفها الملاصق للجسم، والمعنى: أن القسوة وغلظ القلوب في المكثرين من الإبل، الذين تعلو أصواتهم خلفها عند سوقهم لها. وزعم أبو عمرو الشيباني أن "الفدادين" بتخفيف الدال جمع فداد بتشديدها، ومعناه البقر الذي يحرث عليها، والمراد أصحابها، وأنكر اللغويون هذا المعنى، والصواب الأول. (حيث يطلع قرنا الشيطان) "قرنا الشيطان" جانبا رأسه، وهو كناية عن المشرق كأنه قال: حيث تطلع الشمس، فقد عبر في الحديث بأن الشمس تطلع بين قرني الشيطان، لأن أهل المشرق كانوا يعبدون الشمس وعبادة الشمس من الشيطان، ولهذا قيل في المعنى: قرنا الشيطان جمعاه اللذان يغري بهما الناس ويضلهم، أو شيعتاه من الكفار، فليس المقصود القرن والشيطان وإنما المقصود حيث يكثر تسلط الشيطان، كما قال في الرواية الرابعة "رأس الكفر نحو المشرق" وفي الرواية الخامسة "والكفر قبل المشرق" وفي الرواية السادسة "قبل مطلع الشمس". (في ربيعة ومضر) بدل من "الفدادين" بإعادة الجار، أي القسوة في الفدادين من ربيعة ومضر، وربيعة ومضر كانوا يمثلون أغلبية سكان أهل المشرق. (جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة) المفضل عليه محذوف، أي هم أرق أفئدة ممن سواهم، أو من أهل المشرق، وهو الأولى، والمشهور أن الفؤاد هو القلب، وعليه تكون الرواية الثالثة "هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة" تكريرا لمراد واحد بلفظين، وهو أولى من تكريره بلفظ واحد، وقيل: الفؤاد غير القلب، فإنه عين القلب، أو باطن القلب، أو غشاء القلب، والأحسن أن يراد بالفؤاد القوة العاقلة وهي في الرأس، وأما الوصف باللين والرقة والضعف فالمراد منه أنها ذات خشية واستكانة، وأنها سريعة الاستجابة والتأثر، لأن الغشاء إذا رق سهل نفوذ الشيء إلى ما وراءه. (الإيمان يمان) أصله "يمني" بياء النسب المشددة، فخففت الياء وزيدت الألف عوضا عن ياء النسب، فقيل اليماني، و"يمانية" بتخفيف الياء إذ لا يجمع بين العوض والمعوض، هذا عند جمهور أهل العربية، وحكى بعضهم أن تشديد الياء مع زيادة الألف لغة.

стр. 197

ومعنى "الإيمان يمان" أن الإيمان في أهل اليمن، أي أنهم لصفات فيهم أسرع قبولا له. وسيأتي تتمة هذا الكلام في فقه الحديث. (والفقه يمان) الفقه في اللغة الفهم والفطنة، وغلب على الفهم في الدين، واصطلح بعد ذلك الفقهاء وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشرعية العملية. والمراد من الفقه في الحديث الفهم في الدين. (والحكمة يمانية) في القاموس: الحكمة العدل والعلم والحلم. اهـ. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة، ومنه قول النبي ﷺ إن من الشعر حكمة، وفي بعض الروايات "حكما". والمراد من الحكمة في الحديث العلم المشتمل على معرفة الله. (رأس الكفر نحو المشرق) أي شدته وصلابته وأعلاه في أهل المشرق، ففي القاموس: رأس كل شيء أعلاه. (والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل) "الفخر" هو الافتخار وعد المآثر القديمة تعظيما. ومنه الإعجاب بالنفس، و"الخيلاء" الكبر واحتقار الناس، وفي الرواية الخامسة "الفخر والرياء" والرياء إظهار حسن على خلاف الحقيقة. (الفدادين أهل الوبر) بدل من "أهل الخيل والإبل" والبدل هو المقصود بالحكم، فكأنه قال: الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الخيل والإبل و"الوبر" صوف الإبل، وليس في ذكر أهل الوبر مع ذكر أهل الإبل تكرار، فقد يكون أهل الإبل أشحاء على أنفسهم، فلا تظهر عليهم نعمتها، ولا يلبسون وبرها، وهو لبأس الأثرياء بخلاف صوف الغنم، والمقصود وصفهم بكونهم جامعين لكثرة الخيل وكثرة الإبل وكثرة الوبر. (والسكينة في أهل الغنم) "السكينة" الطمأنينة والسكون والوقار والتواضع، وهي في مقابلة الفخر والخيلاء، فالمراد منها الوقار والتواضع. (قبل مطلع الشمس) "قبل" بكسر القاف وفتح الباء، و"مطلع" بكسر اللام مكان الطلوع، أي جهة مكان طلوع الشمس، وهي بمعنى رواية "حيث يطلع قرنا الشيطان" ورواية "نحو المشرق" ورواية "قبل المشرق". (والسكينة والوقار في أصحاب الشاء) عطف "الوقار" على السكينة عطف تفسير للمراد، وأصحاب الشاء هم أهل الغنم.

стр. 198

-[فقه الحديث]- حاول بعض العلماء صرف نسبة الإيمان إلى أهل اليمن عن ظاهرها، حيث إن مبدأ الإيمان من مكة، ثم من المدينة - حرسهما الله تعالى- وقد تكلفوا لهذا الصرف تكلفات بعيدة منها: أن المراد من اليمن مكة، فإنه يقال: إن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن. ومنها: أن المراد من اليمن مكة والمدينة، فإنه يروى في الحديث أن النبي ﷺ قال هذا الكلام وهو بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكة والمدينة، فقال: الإيمان يمان، ونسب مكة والمدينة إلى اليمن لكونهما حينئذ من ناحية اليمن، كما قالوا: الركن اليماني -وهو بمكة- لكونه ناحية اليمن. ومنها أن المراد بذلك الأنصار، لأنهم يمانيون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم، لكونهم أنصاره. والحق أن هذا التكلف بعيد عن الصواب، وبعيد عن ألفاظ الحديث في مجموع طرقه ورواياته، إذ من ألفاظه "آتاكم أهل اليمن" و"جاء أهل اليمن" والكلام لأهل مكة المهاجرين ولأهل المدينة الأنصار، فالآتي إذن غيرهم، ثم إن إشاراته ﷺ إلى جهة اليمن تدل على أن المراد أهل اليمن حينئذ، لا الذين كان أصلهم منها. ثم إنه ﷺ وصفهم بأوصاف تفضي إلى الإيمان [ألين وأضعف قلوبا وأرق أفئدة] ورتب على هذه الأوصاف "الإيمان يمان". ثم إنه ليس هناك مانع أصلا من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على أهل اليمن حقيقة، فأهل اليمن سارعوا إلى قبول الإيمان، وقبلوا البشرى التي لم يقبلها بنو تميم. فقد روى البخاري في أول كتاب بدء الخلق أن عمران بن حصين ﵁ قال: جاء نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال: يا بني تميم أبشروا [أي بالجنة إذا أسلمتم] فقالوا: بشرتنا فأعطنا (آثروا الدنيا وطلبوا عطيته من الغنائم) فتغير وجهه، فجاء أهل اليمن فقال: يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله [جئناك لنسألك ونتفقه في الدين]. كان هذا حال الوافدين من اليمن في حياة الرسول ﷺ : سلامة قلب، وقوة إيمان، فكانت نسبة الإيمان إليهم إشعارا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله ﷺ في الرواية الثامنة "والإيمان في أهل الحجاز". ثم إن هذا الحكم لا ينسحب على أهل اليمن في جميع العصور، فإن اللفظ لا يقتضيه، بل المراد به الموجودون منهم حين الخطاب. وفي الحديث إشارة إلى شدة كفر المجوس، لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القوة والتكبر والتجبر، وبلغ بملكهم الغرور أن مزق كتاب النبي ﷺ .

стр. 199

-[ويؤخذ من الحديث]- ١ - منقبة للمؤمنين من أهل اليمن. ٢ - تفاضل أهل الإيمان، وأن المؤمنين كالقبائل، بعضهم أرفع إيمانا من بعض. ٣ - مدح السكينة والوقار، ولين القلوب ورقة الأفئدة. ٤ - التنفير من الفخر والخيلاء والكبر والغرور. ٥ - أن من اتصف بشيء، وقوي قيامه به نسب إليه إشعارا بكمال حاله فيه. ٦ - ذم أهل الخيل والإبل الذين يشتغلون بها عن أمور دينهم، وتصل بهم إلى غلظة القلب والخيلاء. ٧ - فضل وسيلة الرزق التي تؤدي إلى السكينة والوقار ورقة القلب، فقد روى البخاري قول النبي ﷺ : يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن. والله أعلم.

стр. 200

(٣٢) باب محبة المؤمنين من الإيمان ٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". ٩٨ - عن الأعمش بهذا الإسناد قال: قال رسول الله ﷺ "والذي نفسي بيده! لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا" بمثل حديث أبي معاوية ووكيع. -[المعنى العام]- إفشاء السلام لغير المعرفة من المؤمنين مفتاح التآلف، وباب المودة، وإفشاؤه بين المتعارفين يمكن الألفة، ويوثق المحبة، وإفشاؤه بين المتباعدين المتنافرين يرفع الوحشة، ويزيل الصدود ويجلب الرضا، ويخلق التقارب والتفاهم، ويقرب الوفاق والالتئام. وفي هذا يقول ﷺ : أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ تحاببتم إذا لم ينعقد بينكم حب من قبل، ويزداد حبكم إذا كنتم متحابين، ويرتفع البغض والشحناء، ويحل محلهما الود والصفاء إذا كنتم متدابرين؟ . وهذا الشيء الذي يعمل عمل السحر في النفوس، وعمل الطب والدواء في الأجسام هو إفشاء السلام، ونشره بين المؤمنين، فأفشوا السلام بينكم. وإذا كان مفتاح المحبة هو السلام فإن أبرز ثمرات الإيمان هي المحبة فدخول الجنة موقوف على الإيمان، ولا يتحقق الإيمان الكامل إلا بالتحاب بين المؤمنين، ولا تتحقق المحبة بدون إفشاء السلام، فإفشاء السلام باب الجنة ومفتاحها. وقد أخرج البخاري عن النبي ﷺ قوله: "اعبدوا الرحمن وأفشوا السلام، تدخلوا الجنان" وقوله: أطعموا الطعام، وأفشوا السلام تدخلوا الجنة بسلام". -[المباحث العربية]- (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا) "حتى" هنا بمعنى "إلا" أي: لا تدخلون الجنة إلا أن

стр. 201

تؤمنوا، لأن ما بعدها وهو الإيمان ليس غاية لما قبلها وهو دخول الجنة، ولا مسببا عنه، حتى تكون للغاية أو للتعليل، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة. (ولا تؤمنوا حتى تحابوا) هكذا هو في جميع الأصول والروايات "ولا تؤمنوا" بحذف النون من آخره، قال النووي: وهي لغة معروفة صحيحة، وفي حاشية الصبان على الأشموني: أن نون الأفعال الخمسة قد تحذف في حالة الرفع بقلة كقول الشاعر: أبيت أسرى وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي (أولا أدلكم على شيء) أصل الكلام: وألا أدلكم، وأصل "ألا" همزة الاستفهام و"لا" التي للنفي، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد التحقيق فقدمت الهمزة على الواو لأن لها الصدارة. (إذا فعلتموه تحاببتم) "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، والتقدير: تتحابون حين فعلكم له، وجملة الشرط والجواب صفة "شيء". (أفشوا السلام بينكم) الإفشاء هو الإظهار، ومنه إفشاء السر، والمراد هنا نشر السلام بين الناس. -[فقه الحديث]- قال النووي: قوله ﷺ "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا" محمول على ظاهره وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنا، وإن لم يكن كامل الإيمان، وقوله ﷺ "ولا تؤمنوا حتى تحابوا" معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب. اهـ. فحمل النووي لفظ الإيمان مرة على حقيقته وأصله، ومرة على مجازه وكماله، ليساير مذهب أهل السنة في المسألتين. وحمل ابن الصلاح لفظ الإيمان على مجازه وكماله في المرتين، فقال: لا يكمل إيمانكم إلا بالتحاب، ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها [أي ابتداء من غير عقاب] إذا لم تكونوا كذلك. اهـ. وإفشاء السلام قيل: واجب عيني على كلا المتلاقين، بمعنى أنه يجب على كل أحد أن يسلم على كل من لقيه، وقال الحافظ ابن حجر: لا سبيل إلى القول بأنه فرض عين على التعميم من الجانبين، لما في ذلك من الحرج والمشقة فإذا سقط من جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين، إذ لا قائل: يجب على واحد دون الباقين، ولا يجب السلام على واحد دون الباقين، وإذا سقط الوجوب على هذه الصورة لم يسقط الاستحباب. اهـ. أي لا قائل: يجب ابتداء السلام من واحد معين دون فريقه، ولا قائل: يجب ابتداء السلام من فريق على واحد معين من فريق. وإذا سقط الوجوب على هذه الصورة من الخصوص بقي الاستحباب على العموم. فالكل يستحب له أن يسلم على الكل.

стр. 202

فالابتداء بالسلام سنة كفاية، وقيل فرض كفاية وهو بعيد. والمقصود من إفشاء السلام نشره، ويستحب أن يرفع به صوته، وأقله أن يرفع صوته بقدر ما يتحقق سماع المسلم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسنة، ونقل النووي أنه يكره لمن لقي جماعة أن يخص بعضهم بالسلام [كما يحدث هذه الأيام من التسليم على من يجلس بجواره عند الدخول على جماعة جالسة] قال: لأن القصد بمشروعية السلام تحصيل الألفة وفي التخصيص إيحاش لغير من خص بالسلام. وقد ورد في بعض الروايات "ورد السلام" بدل "إفشاء السلام" قال الحافظ ابن حجر: ولا مغايرة في المعنى، لأن ابتداء السلام ورده متلازمان وإفشاء السلام ابتداء يستلزم إفشاءه جوابا. اهـ. ومن الأحاديث في إفشاء السلام ما أخرجه النسائي "إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم، فليست الأولى أحق من الآخرة". -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أنه لا يكفي السلام سرا، بل يشترط الجهر. ٢ - أن الإشارة باليد والرأس لا تكفي، لأنها ليست سلاما شرعيا. وقد أخرج النسائي بسند جيد "لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرءوس والأكف" ويستثنى من ذلك من كان بعيدا بحيث لا يسمع التسليم، ويتلفظ مع ذلك بالسلام. ٤ - أن السلام يورث المحبة بين المتسالمين. ٥ - أن الكافر لا يسلم عليه، لأن المسلم مأمور بمعاداته، فلا يشرع له فعل يستدعي محبته ومودته. ٦ - مشروعية السلام على النفس لمن دخل مكانا ليس فيه أحد، قال تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ [النور: ٦١] ويستحب أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ٧ - أن السلام مشروع للمعرفة ولغير المعرفة، ولمن يتحقق رده، ولمن يظن أنه لا يرد. ٨ - الحث على التحاب ورفع التقاطع والتهاجر. هذا وقد سبق لموضوع إفشاء السلام بحث في هذا الكتاب وسيأتي له تمام بحث في كتاب السلام بعد كتاب الآداب. والله أعلم

стр. 203

(٣٣) باب الدين النصيحة ٩٩ - عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وبمثله. -[المعنى العام]- نحو مجتمع سليم يرسي الإسلام قواعده، ولبناء الإنسانية الشامخ يقيم أركانه، وللحياة الفاضلة بين أفراده ينشر دعوته، ولتماسك أعضائه وترابطها كالجسد الواحد يشرع أحكامه، فالإسلام للفرد والجماعة، ولا خير في الفرد إن هو أحب نفسه دون غيره، وقديما قالوا: "ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط". من أجل هذا حرص الشرع الحكيم على غرس المحبة بين الناس، وبذل المعروف لهم باليد واللسان فقال ﷺ : "الدين النصيحة". فالنصيحة مع الدين الإسلامي كالروح مع الجسد، ولا حياة للجسد بدون الروح، ويسأل الصحابة الحاضرون: من ننصح يا رسول الله؟ فيقول: انصحوا رسول الله وأخلصوا له، وأطيعوه، وعزروه، وانصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، لتكونوا مخلصين لله ولكتابه، عاملين بأوامره وتشريعه، فتكونوا من المفلحين، انصحوا أئمة المسلمين وولاتهم، وأرشدوهم إلى العدل والحق، وساعدوهم على نشر الأمن، وساندوهم ليساندوا الإسلام والمسلمين. انصحوا عامة المسلمين، وأخلصوا لهم، وتمنوا الخير لكل منهم، وأحبوا لهم ما تحبون لأنفسكم، واعملوا على توصيل المعروف حيث قدرتم، وتجنبوا غشهم والحقد عليهم وعاملوهم بما تحبون أن يعاملوكم به، تكونوا مسلمين حقا، فالدين المعاملة الحسنة، والدين النصيحة، ومن غشنا فليس منا.

стр. 204

-[المباحث العربية]- (الدين النصيحة) قال المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته، يقال: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له، وظاهر العبارة القصر بطريق تعريف الطرفين، وليس هذا القصر على ظاهره، بل على طريق المبالغة، وإقامة الأكثر مقام الكل، واعتبار الأقل في حكم العدم، والمعنى: معظم الدين وعماده وقوامه النصيحة، كما قيل في حديث "الحج عرفة". وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يحمل على ظاهره، لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين، اهـ. وهذا الذي قاله ابن حجر يرجع إلى الأول، إذ معناه أن الدين عمل وإخلاص فيه، ولا عبرة بالعمل من غير إخلاص، فإذا قيل: الدين الإخلاص فهو على سبيل المبالغة، واعتبار المهم في مقام الكل. (لمن؟ ) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الخبر المحذوف مع مبتدئه والتقدير: الدين النصيحة مسداة لمن؟ . (لله) إعرابه كإعراب سابقه والتقدير الدين النصيحة كائنة لله ولكتابه ولرسوله. إلخ. -[فقه الحديث]- قال النووي: هذا الحديث وحده محصل لغرض الدين كله لأن الدين في الأمور التي ذكرها، فالنصيحة لله معناها الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه من جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه، والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته، وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، قال الخطابي: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه لنفسه، فالله تعالى غني عن نصح الناصح. وأما النصيحة لكتابه فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيهه، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها، والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأويل المحرفين، وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه، والتسليم بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته. وأما النصيحة لرسول الله ﷺ فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته

стр. 205

وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها. والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه، ونحو ذلك. وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، أولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم. قال الخطابي ﵀: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح. وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات. وهذا هو المشهور. وأما نصيحة عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة الأمور، فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط هممهم إلى الطاعات. انتهى كلام النووي، وقد لخصه من كلام من سبقه من العلماء. وكله يدور حول المحافظة على أمور الشريعة قولا وعملا واعتقادا، وكثير منه في حكم المكرر للوعظ والتذكير والتوضيح. ولو أخذنا النصيحة بهذا المعنى الذي ذكروه لكانت هي الدين على الحقيقة، بل لكانت الدين الكامل في أبرز صورة، ولم يكن المعنى على المبالغة التي ذكرناها في المباحث العربية بل يصبح المعنى أن الدين الكامل حقيقة هو القول والعمل والاعتقاد لكل ما ذكر من أمور الشريعة. وهذا المعنى غير المتبادر من الحديث، إذ النصح هو إرادة الخير للمنصوح له، فقوام الدين وعماده وأكثره مبني على إرادة الخير لكتاب الله ولرسوله ولجميع المسلمين، وهو ظاهر في التوجيه الحسن، وعدم الغش، كما قيل في "الدين المعاملة". ويؤيد هذا المعنى الحديث الآتي، وفيه "بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" فظاهر عطف النصح على الصلاة والزكاة دليل على أنه غيرهما، وكأن المبايعة تمت على إصلاح النفس ومحاولة إصلاح الغير.

стр. 206

والغريب أن الإمام النووي بعد أن فسر النصيحة بما فسرها قال نقلا عن ابن بطال: والنصيحة فرض يجزى فيه من قام به، ويسقط عن الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة. اهـ. وهذا الحكم لا يتأتى مع تفسير النصيحة بما فسرها به، إذ هي بهذا التفسير فرض عين، وليست فرض كفاية، حيث أدخل فيها الإيمان بالله ورسوله وكتابه. بل هذا الحكم لا يتأتى مع تفسيرنا لها بأنها إرادة الخير للمنصوح له، فإنها فرض عين أيضا، وإنما يتأتى في بعض صور النصيحة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن النصيحة تسمى دينا. ٢ - وأن الدين يطلق على العمل كما يطلق على القول. ٣ - وأنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب، لأن الرسول ﷺ لم يبين المنصوح له حتى سئل "لمن"؟ ٤ - أن النصيحة لأئمة المسلمين أهم وآكد من النصيحة لعامتهم، إذ ذكرهم أولا، وبرشدهم يستقيم كثير من الرعية، وبضلالهم يضل الكثير. والله أعلم

стр. 207

(٣٤) باب المبايعة على النصح لكل مسلم ١٠٠ - عن جرير ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. ١٠١ - عن جرير بن عبد الله ﵄ يقول: بايعت النبي ﷺ على النصح لكل مسلم. ١٠٢ - عن جرير ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة. فلقنني "فيما استطعت" والنصح لكل مسلم. -[المعنى العام]- كثيرا ما كان الصحابة يأتون إلى رسول الله ﷺ جماعات ووحدانا يعاهدونه على القيام بواجبات الإسلام، ليكون في ذلك العهد بين يديه قيد ورباط يمنعهم من الانحراف، ويساعدهم على القيام بالطاعة، فالعرب من أبرز صفاتهم الوفاء بالعهد، فإذا أكد الإيمان بالعهد، وأكد الإسلام بالتعهد والالتزام بالقيام بأركانه، كان الدافع دافعين، وأصبح الحرص حرصين: حرص الطاعة والإيمان، وحرص الوفاء بالعهد. وما زالت هذه المبايعات وسيلة لطاعة كثير من العاصين، وما زالت عهود الصوفية مشايخ الطرق تزجر كثيرا من المريدين عن المعاصي، وتبعث روح الطاعة والمثابرة على العبادة والأوراد. وكان رسول الله ﷺ يراعي حال المبايع وظروفه، فيبايعه على ما يصلح شأنه وما فيه خيره، ففي بيعة النساء يطلب منهن أن لا يشركن بالله شيئا، لأنهن كثيرا ما يكفرن، ولا يسرقن لأنهن أمينات على أموال الرجال، ولا يزنين، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين في معروف. وهنا يبايعه جرير على السمع والطاعة لرسول الله ﷺ ولأولي الأمر من المسلمين وعلى أن يقيم الصلاة ويؤدي الزكاة. ولقنه رسول الله ﷺ أن يضم إلى عهده هذا عهدا بأن يحب الخير لكل مسلم، وأن ينصحه بما ينفعه، وأن يحب له ما يحب لنفسه.

стр. 208

وكم وفى جرير بما عاهد عليه الله ورسوله، وكم بالغ في الوفاء، فقد روي أنه كان إذا اشترى شيئا أو باعه يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه، فاختر. وروى الطبراني أن جريرا أرسل غلامه فاشترى له فرسا بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال الرجل: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فقال جرير: فرسك خير من أربعمائة درهم، أتبيعه بخمسمائة درهم، قال الرجل: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فلم يزل يزيده مائة فمائة، وصاحبه يرضى، وجرير يقول: فرسك خير، إلى أن بلغ ثمانمائة درهم، فاشتراه بها، فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم. وهكذا كانت عهود المسلمين، وهكذا كان وفاؤهم بها ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ [الفتح: ١٠]. -[المباحث العربية]- (بايعت رسول الله ﷺ المبايعة عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبها بالمعاوضة المالية، كأن المعاهد على الطاعة يبذلها في مقابلة الأجر الأخروي، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١]. فالمعنى: عاهدت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. (على السمع والطاعة) لله ولرسوله ولأولي الأمر، عملا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]. (فلقنني فيما استطعت) أي لقنني عبارة "فيما استطعت" لأقولها بعد عبارة "بايعتك على السمع والطاعة" أي: أسمع وأطيع فيما أستطيع: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وتاء "استطعت" رويت بالضم على أنها للمتكلم جرير، ورويت بالفتح على أنها من كلام النبي ﷺ خطابا لجرير، وكلاهما صحيح. وعائد الصلة مفعول "استطعت" محذوف. (والنصح لكل مسلم) معطوف على "السمع والطاعة" وجملة "فلقنني: فيما استطعت" معترضة.

стр. 209

-[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - أن الصلاة والزكاة أهم أركان الإسلام، بعد الشهادتين لاقتصاره عليهما من بين أركان الإسلام، ولم تذكر الشهادتان في رواية مسلم اعتمادا على أنه مفروغ منهما، وأنه حصل اعتقادهما والنطق بهما، فلا يحتاج الأمر إلى المبايعة عليهما، وقد ذكرتا في رواية البخاري في كتاب البيوع، ولفظها "بايعت رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم". قال النووي: ولم يذكر الصوم وغيره لدخولها في السمع والطاعة، اهـ. ويمكن أن يقال: إنه ﷺ أشار إلى العبادات البدنية بالصلاة لتكرارها في كل يوم، وإلى العبادات المالية بالزكاة، فيكون المقصود من ذكرهما أركان الإسلام. ٢ - مدى اهتمام الشارع بالنصح لكل مسلم: إذ جعله ﷺ قرينا للصلاة والزكاة. ٣ - كمال شفقته ﷺ بأمته، إذ لقن جريرا "فيما استطعت" حرصا عليه، فقد يعجز جرير في بعض الأحوال، فيكون مخلا بما التزم. ٤ - وفي الحديث منقبة ومكرمة لجرير ﵁ وأرضاه. والله أعلم

стр. 210

(٣٥) باب نقصان الإيمان بالمعاصي ١٠٣ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب قالا: قال أبو هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن. ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، أن أبا بكر كان يحدثهم هؤلاء عن أبي هريرة. ثم يقول: وكان أبو هريرة يلحق معهن "ولا ينتهب نهبة ذات شرف، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها، وهو مؤمن". ١٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني" واقتص الحديث بمثله. يذكر مع ذكر "النهبة". ولم يذكر "ذات شرف". قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب بمثل حديث أبي بكر هذا "إلا النهبة". ١٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ بمثله وذكر النهبة ولم يقل: ذات شرف. ١٠٦ - وبمثله عن أبي هريرة عن النبي ﷺ كل هؤلاء بمثل حديث الزهري غير أن العلاء وصفوان بن سليم ليس في حديثهما "يرفع الناس إليه فيها أبصارهم" وفي حديث همام "يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها وهو حين ينتهبها مؤمن" وزاد "ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن فإياكم إياكم".

стр. 211

١٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد". ١٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ رفعه قال "لا يزني الزاني" ثم ذكر بمثل حديث شعبة. -[المعنى العام]- تعرضت أحاديث كثيرة لجانب الرجاء في الله، حتى كاد يطمع في دخول الجنة من لا عمل له، فروي "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" و"من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار" و"حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" و"من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق". كادت هذه الأحاديث تبعث الطمأنينة في نفوس العصاة، لولا أن قابلتها أحاديث الخوف التي تكاد تيئس مرتكب الكبيرة من دخول الجنة. من ذلك قوله ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب أي يغتصب "نهبة" وأموالا "ذات شرف" وذات قيمة "يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها" مشدوهين من تصرفه، عاجزين عن دفعه "وهو مؤمن ولا يغل" أي يسرق "أحدكم حين يغل" ويسرق وهو مؤمن فإياكم "وهذه الكبائر" وإياكم "وتعريض الإيمان للضعف والانهيار". فهذا الحديث يحذر مرتكب الكبيرة، ويخوفه من عاقبة فعله، يهدده بسحب الإيمان عنه حالة ارتكاب المنكر، فيضعف إيمانه، ولا يزال الإيمان يضعف ويتناقص بالمعاصي حتى يخشى على صاحبه من الكفر والعياذ بالله، فإن الاستهانة بارتكاب المعصية تؤدي إلى الاستهانة بالآمر الناهي، ولا تزال المعصية تترك نكتة سوداء في قلب صاحبها حتى يطبع الله عليه، ويختم على صدره، فيكون من أهل النار. وهكذا نجد أن الشرع الحكيم بنصوصه يضع المؤمن بين الرجاء والخوف، لئلا يقنط من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ولئلا يغتر فيهمل شعب الإيمان وأموره، فما أكثر الوعيد، وما أكثر النذر والتهديد ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ [النساء: ١٤] نجد الرسول الكريم ﷺ يضع المؤمن في الإطار الذي وضعه فيه القرآن

стр. 212

بقوله: ﴿يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الزمر: ٩]. -[المباحث العربية]- (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الجملة خبرية، تنفي إيمان الزاني حين زناه، إذ النفي داخل على مقيد بقيد (زنا الزاني حالة إيمانه) ولا جائز أن يتوجه النفي إلى المقيد، لأنه حاصل واقع، والواقع لا ينفى، فكان لزاما أن يتوجه إلى القيد محط الفائدة، كقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦] فالمنفي اللعب، لا خلق السموات والأرض وما بينهما فيكون حاصل المعنى: بل خلقناهما وما بينهما جادين لحكمة. والمنفي في الحديث إيمان الزاني، فيكون حاصل المعنى، لا يكون الزاني مؤمنا حين يزني. والظرف "حين يزني" متعلق بـ "مؤمن" وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر: قيد نفي الإيمان بحالة ارتكابه للزنى. وقيل: إن الجملة خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يزنين مؤمن، ولا يسرقن مؤمن أي لا ينبغي له أن يفعل ذلك. (ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) لم يذكر الفاعل هنا كما ذكر في الزنا والسرقة، قال ابن مالك: فيه جواز حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، والتقدير: ولا يشرب الشارب الخمر. إلخ، ولا يرجع الضمير إلى الزاني، لئلا يختص به، بل هو عام في حق كل من شرب. (وكان أبو هريرة يلحق معهن) أي مع الثلاث المذكورات: الزنا والسرقة والشرب، وكان حقه أن يقول: يلحق بهن، فمع بمعنى الباء، وحروف الجر يتناوب بعضها بعضا، أو ضمن "يلحق" معنى "يذكر" فعدى بـ "مع" و"يلحق" بضم الياء من "ألحق" الرباعي، يستعمل لازما ومتعديا وهنا متعد، والجملة بعده مقصود لفظها في محل المفعول به. (ولا ينتهب نهبة) الفاعل محذوف أيضا، والتقدير: ولا ينتهب الناهب نهبة وفي القاموس: نهب النهب، كجعل وسمع وكتب، أخذه كانتهبه، والاسم النهبة بضم النون، وهو المال المنهوب، والمراد به المأخوذ جهرا وقهرا. (ذات شرف) "ذات" بمعنى صاحبة، صفة "نهبة" ومعنى "ذات شرف" أي ذات قدر، حيث يشرف الناس لها ناظرين إليها، وفي رواية: "ذات سرف" بالسين المهملة، أي ذات إسراف ومجاوزة الحد. (يرفع الناس إليه فيها أبصارهم) هذه إشارة إلى حالة المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى من

стр. 213

ينهبهم، ولا يقدرون على دفعه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك, فيكون صفة لازمة للنهب، بخلاف السرقة والاختلاس، فإنه يكون في خفية، والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة. (ولا يغل أحدكم) بفتح الياء وضم الغين وتشديد اللام المرفوعة، وهو من الغلول وهو الخيانة، وقيل: هو خاص بالخيانة من الغنيمة. (فإياكم إياكم) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر، أي إذا كان الإيمان ينتفى بارتكاب هذه القبائح فإياكم، أي فاحذروها. وأصل "إياكم" احذروا تلاقي أنفسكم والقبائح، ثم حذف الفعل وفاعله، ثم المضاف الأول "تلاقي" ثم المضاف الثاني، وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل الضمير، وانتصب بعامل محذوف وجوبا لكثرة الاستعمال "وإياكم" الثانية تكرير للتأكيد، والمحذر منه محذوف للعلم به من الكلام السابق. -[فقه الحديث]- قبل الكلام عن فقه الحديث نورد مذاهب المتكلمين باختصار في الإيمان مع ارتكاب الكبيرة، حتى يتجلى موقف كل فريق من هذا الحديث. ١ - فالخوارج: يقولون إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، فمرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار. ٢ - والمعتزلة: يقولون كالخوارج بأن العمل من الإيمان، فمرتكب الكبيرة ليس بمؤمن وليس بكافر لكنه مخلد في النار. ٣ - والمرجئة: يقولون: هو اعتقاد ونطق فقط فيتحقق الإيمان بهما، ولا تتأثر حقيقته بارتكاب الكبائر. ٤ - والكرامية: يقولون: هو نطق فقط فيتحقق الإيمان به، ولا تتأثر حقيقته بارتكاب الكبائر. ٥ - وأهل السنة: يقولون: الإيمان بالنظر لما عندنا يحصل بالإقرار، فمن أقر أجريت عليه الأحكام الدنيوية، ولم يحكم عليه بالكفر، إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم. وبالنظر لما عند الله هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان والعمل بالأركان على أن العمل شرط في كماله، فمرتكب الكبيرة [غير الشرك] مؤمن غير كامل الإيمان - أو مؤمن فاسق. وظاهر الحديث الذي معنا يؤيد الخوارج والمعتزلة، وبه استدلوا على مذهبهم، فهو ينفي الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، وحيث انتفى الإيمان ثبت الكفر [عند الخوارج]، لأنه لا واسطة عندهم بين الإيمان والكفر. أما المعتزلة فينفون عنه الإيمان بالحديث، وينفون عنه الكفر، لأنه

стр. 214

يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويثبتون له منزلة بين المنزلتين، ويحكمون عليه بالخلود في النار لآيات الخلود الواردة في القاتل والعاصي. والحديث واضح في الرد على المرجئة والكرامية، وربما انتفعوا ببعض توجيهات أهل السنة الآتية: ولما كان أهل السنة لا ينفون الإيمان عن مرتكب الكبيرة احتاجوا إلى تأويل هذا الحديث. فقال النووي: إنما تأولنا هذا الحديث لحديث أبي ذر وغيره "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق"، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه ﷺ على "أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا ... " إلى آخره، ثم قال ﷺ : "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه". فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح، مع قول الله ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة. وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: ومن أقوى ما يحمل على صرف هذا الحديث عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة في حق المحصن الحر، والحر البكر، وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة، لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفا دل على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة. اهـ. ولا وجه لمن رد الحديث وأنكر صدوره عن النبي ﷺ لمعارضته النصوص الصحيحة. لا وجه له لأن الحديث ثابت في الصحيحين متفق على صحته، والظاهر المخالف قابل للتأويل، تأويلات سائغة حسنة كثيرة منها: ١ - ما روي عن ابن عباس من أن المراد بنفي الإيمان عن الزاني أن الله ينزع منه نور الإيمان، وقريب منه قول المهلب: تنزع منه بصيرته في طاعة الله. ٢ - وقال الحسن البصري وابن جرير الطبري: ما معناه ينزع منه اسم المدح الذي سمي به أولياءه فلا يقال في حقه مؤمن، وإنما يستحق اسم الذم، فيقال: سارق وزان وفاجر وفاسق. وصوب هذا الرأي ابن بطال، ثم قال: ولا خلاف أنه يسمى بذلك ما لم تظهر منه التوبة، فالزائل عنه حينئذ اسم الإيمان بالإطلاق، والثابت له اسم الإيمان بالتقييد، فيقال: هو مصدق بالله ورسوله لفظا واعتقادا لا عملا. اهـ.

стр. 215

٣ - وقال الزهري: إنه من المشكل الذي نؤمن به، ونمر كلما جاء، ولا نتعرض لتأويله. ٤ - وقيل: إنه خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يزنين مؤمن، ولا يسرقن مؤمن، وليس فيه نفي الإيمان. ٥ - وقيل: إن معنى نفي كونه مؤمنا أنه شابه الكافر في عمله، وموقع التشبيه أنه مثله في جواز قتاله في تلك الحالة، ليكف عن المعصية، ولو أدى إلى قتله فانتفت فائدة الإيمان في حقه بالنسبة إلى زوال عصمته في تلك الحالة. ٦ - وقيل معنى قوله: "ليس بمؤمن" أي ليس بمستحضر في حال تلبسه بالكبيرة جلال من آمن، فهو كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة، وعبر عن هذا ابن الجوزي بقوله: فإن المعصية تذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب، فكأنه نسي ما صدق به. ٧ - وقيل: إن المراد من نفي الإيمان نفي الأمان من عذاب الله، لأن الإيمان مشتق من الأمن. ٨ - وقال الطيبي: المراد من نفي الإيمان نفي الحياء, وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير: لا يزني الزاني حين يزني وهو يستحي من الله، لأنه لو استحيا منه - وهو يعرف أنه مشاهد حاله - لم يرتكب ذلك، ويعضده حديث "من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى". ٩ - وتأوله بعضهم على من فعل ذلك مستحلا، ولا خلاف في أن من استحل محرما علم تحريمه بالضرورة فهو كافر منفي عنه الإيمان على الحقيقة. ١٠ - وقيل: إن المراد بالحديث الزجر والتنفير، وليس المراد ظاهره، وهو رأي الطيبي إذ قال: ويجوز أن يكون من باب التغليظ والتهديد، كقوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]. ١١ - وقيل: إن نفي الإيمان محمول على الإنذار بزواله ممن اعتاد ذلك، لأنه خشي عليه أن يفضي به إلى الكفر، فمن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، وهذا أحد التأويلات في قوله ﷺ "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" أي يسرق غير النصاب، فيعتاد فيسرق النصاب، فتقطع يده. ١٢ - وقيل معناه: أنه يسلب منه الإيمان حال تلبسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه، ويقوي هذا الرأي تقييد نفي الإيمان في الحديث بحالة ارتكابه لها "حين يزني" "حين يسرق" "حين يشربها" "حين ينتهبها". كما يقويه ما أخرجه الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، رفعه "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان". ١٣ - قال الإمام النووي: القول الصحيح، والذي قاله المحققون: أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، ويراد نفي
следующие страницы →