← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

(٢١٧) باب الذكر بعد الصلاة ١١٢٤ - عن عمرو قال: أخبرني بذا أبو معبد (ثم أنكره بعد) عن ابن عباس قال: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير. ١١٢٥ - عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس أنه سمعه يخبر عن ابن عباس قال: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره. وقال: لم أحدثك بهذا. قال عمرو وقد أخبرنيه قبل ذلك. ١١٢٦ - عن أبي معبد مولى ابن عباس أن ابن عباس أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ وأنه قال: قال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. (ملحوظة) سنشرح أحاديث هذا الباب مع أحاديث الباب الذي يلي أحاديث الباب الآتى، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته.

стр. 1507

(٢١٨) باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم ١١٢٧ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ وقال "إنما تفتن يهود" قالت عائشة: فلبثنا ليالي. ثم قال رسول الله ﷺ "هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ " قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر. ١١٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر. ١١٢٩ - عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم. قالت: فكذبتهما. ولم أنعم أن أصدقهما. فخرجتا. ودخل علي رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا علي. فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم. فقال: "صدقتا. إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم" قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر. ١١٣٠ - عن عائشة ﵂ بهذا الحديث وفيه قالت: وما صلى صلاة بعد ذلك إلا سمعته يتعوذ من عذاب القبر. ١١٣١ - عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال.

стр. 1508

١١٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع. يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم. ومن عذاب القبر. ومن فتنة المحيا والممات. ومن شر فتنة المسيح الدجال". ١١٣٣ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال. وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم" قالت: فقال. له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله. فقال "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب. ووعد فأخلف". ١١٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر. فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم. ومن عذاب القبر. ومن فتنة المحيا والممات. ومن شر المسيح الدجال". ١١٣٥ - عن الأوزاعي بهذا الإسناد وقال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد" ولم يذكر "الآخر". ١١٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. وعذاب النار. وفتنة المحيا والممات. وشر المسيح الدجال". ١١٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "عوذوا بالله من عذاب

стр. 1509

الله. عوذوا بالله من عذاب القبر. عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال. عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات". ١١٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يتعوذ من عذاب القبر. وعذاب جهنم. وفتنة الدجال. ١١٣٩ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء. كما يعلمهم السورة من القرآن. يقول: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم. وأعوذ بك من عذاب القبر. وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال. وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات". قال مسلم بن الحجاج بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا. قال: أعد صلاتك. لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة. أو كما قال. -[المعنى العام]- كانت عجوز من يهود المدينة تقوم بخدمة السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، وكانت كلما أحسنت إليها عائشة تدعو لها العجوز بقولها: وقاك الله عذاب القبر. ولما تكرر منها هذا الدعاء قالت عائشة: أفي القبر عذاب؟ قالت العجوز: نعم، أو ما بلغك أنكم ونحن والناس تفتنون وتعذبون في قبوركم؟ ودخل رسول الله ﷺ ، قالت عائشة: يا رسول الله، أسمعت ما تزعم العجوز؟ تزعم أننا نفتن في قبورنا، ولم يكن الوحي قد نزل بعذاب القبر، فقال ﷺ : كذبت يهود. ليس هناك عذاب بعد الموت قبل يوم القيامة، إنما المستحق للعذاب اليهود. ومضت أيام وليال. ونزل الوحي يخبر رسول الله ﷺ بأن عذاب القبر حق نزل الوحي ورسول الله ﷺ بين أصحابه، فلما انفصل عنه الوحي نادى بأعلى صوته. أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، إن عذاب القبر حق. ورجع رسول الله ﷺ إلى بيت عائشة وإذا بعجوزين تناقشان عائشة في عذاب القبر، وعائشة تكذبهما كما كذبت وكذب رسول الله ﷺ العجوز الأولى. قالت عائشة: أو ما سمعت يا رسول الله، هاتان العجوزان تزعمان أننا نعذب في قبورنا؟ قال ﷺ : نعم. صدقتا. لقد أوحي إلي يا عائشة أن عذاب القبر حق. تقول عائشة. فما رأيته ﷺ بعد ذلك يصلي إلا ويستعيذ في صلاته من عذاب القبر وكان ﷺ يعلم أصحابه أن يستعيذوا في صلاتهم بعد نهاية التشهد الأخير وقبل السلام من أربع. عذاب القبر، ومن فتنة وامتحان نزول المسيح الدجال

стр. 1510

الذي سينزل في آخر الزمان ومعه مغريات وجنة ونار ونعيم وعذاب يخدع الناس لينصرفوا عن عبادة الله وحده وعن الطاعات إلى الإشراك وإلى المعاصي فمن أطاعه ليدخل جنته كان من أهل النار، ومن عصاه ولم ينخدع به كان من أهل الجنة ومن فتنة الحياة وزخارف الدنيا وملذاتها وشهواتها، ومن فتنة الممات والخاتمة. نسأل الله حسن الختام حين يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ومن عذاب جهنم، وعذاب النار في الآخرة. وكان ﷺ يكثر أمام أصحابه من الاستعاذة من المأثم والمغرم، أي من الإثم والعصيان، ومن غلبة الدين والغرامة التي لا قدرة على تحملها وأدائها، فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فما خطره الذي أزعجك حتى أكثرت من الاستعاذة منه؟ قال ﷺ : إن المغرم باب شر كبير، لأن الرجل إذا غرم ولم يستطع الأداء اختلق لصاحب الدين الأكاذيب، ووعد أن يوفي الدين يوم كذا ثم لا يوفي، فيورث المغرم شعبتين من شعب المنافقين، الكذب وخلف الوعد، وما أقبح هاتين الرذيلتين وما أقبح من يتصف بهما. هكذا علم رسول الله ﷺ أمته دعاء يقيهم الشرور في الدنيا والآخرة وصدق الله العظيم إذ يقول فيه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (هل شعرت أنكم ... ) أي هل علمت علمًا مبدئيًا عاجلاً؟ أو هل بلغك قريبًا؟ يقال: شعر بكذا إذا بدأه الشعور، وعرض له الخبر أول وهلة، والخطاب في "أنكم" لعائشة والمسلمين ولذلك كان جواب النبي ﷺ برده على اليهود ومقصودها: أنكم معشر المسلمين وعامة الناس. (تفتنون في القبور) قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار، قال عياض: استعمالها في العرف لكشف الحال المكروه. اهـ وتطلق على القتل والإحراق والنميمة والتعذيب. وأضيفت الفتنة والعذاب إلى القبر لكون معظمه فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالعذاب يقع على من شاء الله تعذيبه بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق. (فارتاع النبي ﷺ أي ففزع ﷺ من قول اليهود مجوزًا صدق الخبر مع عدم علمه به، وخشي أن يكون صحيحًا فيكون الأمر عسيرًا. (وقال: إنما تفتن يهود) لا نحن معشر المسلمين، أي إن كان عندكم علم فلعله خاص بكم. (فسمعت رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر) أي بعد أن أوحى إليه بفتنة القبر. و"يستعيذ" أي يطلب الحصانة والحماية منه.

стр. 1511

(دخلت علي عجوزان ... فقالتا) هو محمول على أن إحداهما تكلمت والأخرى أقرتها على كلامها، ونسب القول إلى الثانية مجازًا. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم واحدة منهما. (إن أهل القبور يعذبون في قبورهم) أطلق التعذيب باعتبار الغالب والكثير، قال الكرماني: لعله سمى أحوال العباد في القبر تعذيبًا تغليبًا لفتنة العاصي على فتنة الطائع لأجل التخويف، ولأن القبر مقام الهول والوحشة ولأن ملاقاة الملائكة مما يهاب منه ابن آدم في العادة، اهـ. (ولم أنعم أن أصدقهما) أي لم تطب نفسي أن أصدقهما، ومنه قولهم في التصديق: نعم، وهو بضم الهمزة وإسكان النون وكسر العين. وسيأتي الجمع بين الحديثين في فقه الحديث. (يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال) لم تحدد هذه الرواية في أي موضع من الصلاة كانت الاستعاذة، ولكن الرواية الرابعة والسادسة صرحتا بأن موضعها بعد الفراغ من التشهد الآخر، وجاء في الرواية الرابعة "من شر فتنة المسيح الدجال" و"المسيح" بتخفيف السين المكسورة بعد الميم المفتوحة وآخره حاء مهملة يطلق على الدجال، وعلى عيسى ﵇، لكن إذا أريد الدجال قيد به، وقال أبو داود "المسيح" بتشديد السين المكسورة الدجال وبتخفيف السين عيسى، والمشهور الأول. قال الجوهري: من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين، وحكى بعضهم أنه قال بالخاء في الدجال واختلف في تلقيب الدجال بالمسيح فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا لا عين فيه ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج، وأما عيسى فقيل: سمي بذلك لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأن زكريا مسحه، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وقيل لأنه كان يمسح الأرض بسياحته. وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ماشيخا فعرب المسيح: ذكره في الفتح. (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) في رواية البخاري "من عذاب النار" كما هو في الرواية السابعة. قال أهل اللغة: العذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه، وأصله المنع، وسمي عذابًا لأنه يمنعه من المعاودة، ويمنع غيره من مثل ما فعله. ذكره النووي في المجموع. (ومن فتنة المحيا والممات) المحيا والممات مصدران ميميان، بمعنى الحياة والموت، ويحتمل زمان ذلك، لأن ما كان معتلاً من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد، أما فتنة الحياة فهي التي تعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأشدها وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت، وأما فتنة الممات، فاختلفوا فيها، فقيل: فتنة القبر وقيل: الفتنة عند الاحتضار،

стр. 1512

أضيفت إلى الموت لقربها منه، وإذا أردنا فتنة القبر أريد بها غير عذابه، بل سبب عذابه، وإذا أردنا بها عند الاحتضار كانت تالية لفتنة المحيا، والأولى إرادة ما قبل الموت من فتنة المحيا، وشدة الموت وسوء الخاتمة عنده من فتنة الممات. والله أعلم. (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) أي من الإثم الذي يجر إلى الذم والعقوبة، أي أعوذ بك من الوقوع في الذنب، أو من قبيل وضع المصدر موضع الاسم، أي أعوذ بك من الذنب نفسه. والمغرم الدين، يقال: غرم الرجل بكسر الراء إذا استدان فيما يجوز، وفيما لا يجوز، ثم يعجز عن الأداء، وقد استعاذ ﷺ من غلبة الدين، وقيل: الغرم والمغرم ما ينوب ويصيب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية منه، وكذا ما يلزمه أداؤه من غير جناية ومنه الغرامة والغريم. (ما أكثر ما تستعيذ من المغرم) "ما" الأولى تعجبية، و"ما" الثانية مصدرية أي ما أكثر استعاذتك من المغرم. (إذا غرم) بكسر الراء، يعني إذا لحقه غرم. (حدث فكذب) بأن يحتج بشيء غير صحيح لعدم الوفاء بما عليه. (ووعد فأخلف) بأن قال لصاحب الدين: أوفيك دينك يوم كذا، أو شهر كذا، ثم لا يفي بوعده، والكذب والخلف من صفات المنافقين. -[فقه الحديث]- بين روايتي عائشة في قصة اليهودية أو اليهوديتين مخالفة، ففي الرواية الأولى أنكر ﷺ قول اليهودية، وفي الرواية الثانية أقرها. قال النووي تبعًا للطحاوي وغيره: هما قصتان، فأنكر النبي ﷺ قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أعلم النبي ﷺ وأوحي له بذلك، ولم يعلم عائشة، فجاءت اليهوديتان، فذكرتا، فأنكرت عليهما، مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبي ﷺ بأن الوحي نزل بإثبات عذاب القبر. اهـ ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاري عن عائشة "أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلا قالت لها اليهودية، وقاك الله عذاب القبر. قالت: فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود. لا عذاب دون يوم القيامة، ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس. استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق". قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا كله أنه ﷺ إنما علم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر. اهـ.

стр. 1513

وهل عذاب القبر يقع على الروح فقط، أو عليها وعلى الجسد؟ خلاف مشهور عند المتكلمين؛ لكن قوله في الرواية الثانية "إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم، يرجح أنه يقع على الجسد والروح، فإن الشأن في عذاب الروح أن لا يسمع، وعذاب القبر ثابت بهذه الأحاديث وغيرها، واستدلوا له بقوله تعالى: ﴿فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ [محمد: ٢٧] وقوله تعالى عن آل فرعون ﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]. وأنكره بعض الخوارج وبعض المعتزلة، وذهب بعض المعتزلة إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وأحاديث الباب ترد عليهم، فهي صريحة في أنه يقع على المؤمنين والكفار من أمتنا ومن الأمم السابقة وحيث ثبت العذاب في القبر ثبت أن الأرواح باقية بعد فراق الأجساد، وأنها تتصل بها، إذ لا تعذيب بدون الروح. خلافًا لابن جرير وجماعة من الكرامية حيث ذهبوا إلى أن سؤال القبر يقع على البدن فقط، وأن الله يخلق فيه إدراكًا بحيث يسمع ويعلم ويلذ ويألم. وذهب ابن حزم وابن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد، حملهم على هذا أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة، ولا أثر فيه من إقعاد أو ضرب أو ضيق أو سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب. قال الحافظ ابن حجر، وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة، والغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله. والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم إبقاء عليهم، لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا ما شاء الله. وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور. كقوله "إنه ليسمع خفق نعالكم" وقوله "تختلف أضلاعه لضمة القبر" وقوله "يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق" وقوله "يضرب بين أذنيه" وقوله "فيقعدانه" وكل ذلك من صفات الأجساد. اهـ ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الجنائز وفي صفة أهل النار. والله أعلم. والاستعاذة الواردة في أحاديث الباب مستحبة بعد التشهد وقبل السلام وليست بواجبة، وإن كانت قد وردت بصيغة الأمر في كثير من الروايات، ففي الرواية الرابعة "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع ... " وفي السادسة "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع .... " وفي الثامنة "عوذوا بالله .... " وفي العاشرة "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك .... " وقد ادعى بعضهم الإجماع على عدم وجوب الدعاء بعد التشهد، ورد هذا الادعاء مما فهم من طاووس وابنه، وأنه أمره بالإعادة مما يدل على أنه كان يرى وجوب الاستعاذة، وبه قال أهل الظاهر، وأفرط ابن حزم فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضًا، والجمهور على خلافه.

стр. 1514

وقد استشكل دعاؤه ﷺ واستعاذته مما ذكر بما ذكر من أنه معصوم مغفور له ما تقدم وما تأخر، قال الحافظ ابن حجر: وأجيب بأجوبة. أحدها: أنه قصد التعليم لأمته. ثانيها: أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا أعوذ بك لأمتي، ثالثها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية وإلزام خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة، لأن ذلك يحصل الحسنات، ويرفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحقق أنه لا يدركه فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه، ويدل عليه قوله في حديث رواه مسلم "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه". اهـ. قال العيني: وفائدة استعاذته من المسيح الدجال أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة بأنه كذاب مبطل مفتر ساع على وجه الأرض بالفساد، مموه ساحر، حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه - عليه اللعنة - ويتحققوا أمره، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلة كما أخبر به رسول الله ﷺ . هذا وقد اختلف العلماء فيما يدعو به الإنسان في صلاته، فعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز الدعاء إلا بالأدعية المأثورة، أو الموافقة للقرآن الكريم، لقوله ﷺ فيما رواه مسلم قريبًا "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". وقال الشافعي ومالك: يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز الدعاء به خارج الصلاة من أمور الدنيا والدين، لقوله ﷺ فيما رواه البخاري بعد أن علمهم التشهد "ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو". وفي رواية "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب" واستثنى بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا، قال الحافظ ابن حجر: فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقًا لا يجوز. اهـ. ولا شك أن الدعاء بالمأثور وبأمور الآخرة أولى وأفضل، والخلاف في الجواز وعدم الجواز وبطلان الصلاة وعدم بطلانها. والله أعلم. وقد ورد فيما يقال بعد التشهد من أدعية أخبار من أحسنها ما رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود "اللهم إني أسألك من الخير كله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". وما رواه البخاري عن أبي بكر الصديق قال: قلت: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي.

стр. 1515

فقال "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم": وعن علي ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر. لا إله إلا أنت". واللَّه أعلم

стр. 1516

(٢١٩) باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته ١١٤٠ - عن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام" قال الوليد فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار؟ قال: تقول أستغفر الله أستغفر الله. ١١٤١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام". وفي رواية ابن نمير "يا ذا الجلال والإكرام". ١١٤٢ - عن عاصم بهذا الإسناد وقال "يا ذا الجلال والإكرام". ١١٤٣ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال بمثله غير أنه كان يقول "يا ذا الجلال والإكرام". ١١٤٤ - عن وراد مولى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". ١١٤٥ - عن وراد مولى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية (كتب ذلك الكتاب له وراد) إني سمعت رسول الله ﷺ يقول حين سلم بمثل حديثهما إلا قوله "وهو على كل شيء قدير" فإنه لم يذكر.

стр. 1517

بمثل حديث منصور والأعمش. ١١٤٦ - عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ﷺ . قال فكتب إليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا قضى الصلاة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد". ١١٤٧ - عن أبي الزبير قال: كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم "لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا بالله. لا إله إلا الله. ولا نعبد إلا إياه. له النعمة وله الفضل. وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". وقال: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة. ١١٤٨ - عن أبي الزبير مولى لهم أن عبد الله بن الزبير كان يهلل دبر كل صلاة بمثل حديث ابن نمير. وقال في آخره: ثم يقول ابن الزبير: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة. ١١٤٩ - حدثني أبو الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب على هذا المنبر. وهو يقول: كان رسول الله ﷺ يقول إذا سلم في دبر الصلاة أو الصلوات. فذكر بمثل حديث هشام بن عروة. ١١٥٠ - عن موسى بن عقبة أن أبا الزبير المكي حدثه أنه سمع عبد الله بن الزبير وهو يقول في إثر الصلاة إذا سلم بمثل حديثهما. وقال في آخره: وكان يذكر ذلك عن رسول الله ﷺ .

стр. 1518

١١٥١ - عن أبي هريرة ﵁ (وهذا حديث قتيبة) أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي. ويصومون كما نصوم. ويتصدقون ولا نتصدق. ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ "أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم؟ ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم" قالوا: بلى يا رسول الله قال "تسبحون وتكبرون وتحمدون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة". قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا. ففعلوا مثله. فقال رسول الله ﷺ "ذلك فضل الله يؤته من يشاء". وزاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث عن ابن عجلان: قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث. فقال: وهمت. إنما قال "تسبح الله ثلاثًا وثلاثين وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين" فرجعت إلى أبي صالح فقلت له ذلك. فأخذ بيدي فقال: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله. الله أكبر وسبحان الله والحمد لله. حتى تبلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين. قال ابن عجلان: فحدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة. فحدثني بمثله عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ . ١١٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. بمثل حديث قتيبة عن الليث. إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين: إلى آخر الحديث. وزاد في الحديث: يقول سهيل: إحدى عشرة. إحدى عشرة. فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون. ١١٥٣ - عن كعب بن عجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة". ١١٥٤ - عن كعب بن عجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "معقبات لا يخيب

стр. 1519

قائلهن أو فاعلهن ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة في دبر كل صلاة". ١١٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين. وحمد الله ثلاثًا وثلاثين. وكبر الله ثلاثًا وثلاثين. فتلك تسعة وتسعون. وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر". -[المعنى العام]- في الصلوات قرب من الله، وإذا تقرب العبد إلى ربه كان جديرًا بأن يجاب دعاؤه، ويحسن عمله، ويطيب صباحه ومساؤه، ومن وصل القرب أن يذكر المسلم ربه عقب الصلاة بما هو أهله من التنزيه والشكر والإجلال، وعلى هذه السنة الحميدة سار الصحابة بتعليم من قدوتهم رسول الله ﷺ ، فقد كان ﷺ إذا سلم من الصلاة كبر وذكر فيكبر معه الصحابة ويذكرون حتى تسمع أصواتهم خارج المسجد، فلما تعلموا ما ينبغي من ذكر، وقرءوا قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ [الإسراء: ١١٠] وسمعوا الحديث الشريف حين ارتفعت أصواتهم بالتهليل والتكبير: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه منكم سميع قريب" اتجهوا واتجه الرسول بهم إلى خفض الصوت بالذكر والدعاء. ولقد علمهم ﷺ كثيرًا من الذكر والثناء والتكبير، ليختار المقل منه ما يستطيع، وليستزيد من يريد الزيادة في الخير. فقد كان ﷺ عقب السلام من الصلاة يستغفر ثلاثًا بقوله: أستغفر اللَّه العظيم، ثم يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. وأحيانًا كان يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، [أي لا أحد يستطيع منع عطائك إذا أعطيت ولا أحد يستطيع العطاء إذا لم تعط أنت، ولا ينفع الغني غناه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم]. وأحيانًا كان يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا الله. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل [فكل نعمة في الوجود ملكه، وكل فضل في الوجود من عنده] وله الثناء الحسن [وهو المستحق

стр. 1520

للثناء الحسن] لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وجاء بعض فقراء المسلمين، يغبطون الأغنياء على غناهم وبذلهم أموالهم في سبيل الخير والمعروف، يقولون: يا رسول الله ذهب الأغنياء بكثرة الثواب دوننا، ذهبوا بالدرجات العلا في الجنة وبالنعيم المقيم دوننا، قال ﷺ : وما ذاك؟ ما هذا الأمر؟ ماذا تقصدون؟ قالوا: إن الأغنياء يصدقون كما نصدق، ويؤمنون كما نؤمن، ويصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويذكرون كما نذكر، ويجاهدون كما نجاهد، ولهم أموال يتصدقون منها، ويصلون منها الرحم، ويحجون بها ويعتقون منها الرقاب، وينفقونها في سبيل الله. ونحن مساكين لا نقدر على ذلك. فقال ﷺ : ألا أخبركم بشيء إذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل فضلهم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: تسبحون الله بعد السلام من الصلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون الله ثلاثًا وثلاثين وتكبرون الله ثلاثًا وثلاثين، ففعلوا. وأخبروا الأغنياء بما سمعوا من النبي ﷺ ، فقام الأغنياء بعمل ما يعمله الفقراء وذكروا الله وسبحوه وحمدوه وكبروه خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وعلم الفقراء ما فعله الأغنياء، وأحسوا أنهم شاركوهم ميزتهم، فذهبوا يشكون إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهم: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ [المائدة: ٥٤]. وهكذا وجب على المسلم أن يبذل جهده في الطاعة وفي ذكر الله، وما أسهل الذكر، وما أكثر أجره، فالذكر كلمات خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان، ورب عمل قليل يحصل الأجر الجزيل، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. -[المباحث العربية]- (عن عمرو قال: أخبرني بذا أبو معبد ثم أنكره) كذا في الرواية الأولى من الباب رقم (٢١٤) باب الذكر بعد الصلاة، والإشارة إلى الحديث التالي المروي عن ابن عباس، أي أخبرني بما سأرويه لكم أبو معبد، وظاهر من الرواية الثانية في الباب المذكور أن أبا معبد حدث عمرو بن دينار بهذا ثم أنكر أنه حدثه به، لا لعدم مشروعية ما روى، ولكن لتحقق التحديث وعدم تحققه، ولم يغير هذا الإنكار من ثقة عمرو في أبي معبد، فقد روى البخاري عن علي المديني عن سفيان عن عمرو بن دينار قال: كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس، ولا شك عند المحدثين أن عمرو بن دينار عدل، وأن أبا معبد عدل، ومن هنا قال الشافعي: كأنه نسيه بعد أن حدثه به. اهـ. وسيأتي حكم قبول مثل هذا في ما يؤخذ من الحديث من الأحكام. (كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير) "كنا" تعبير عنه وعن أمثاله من الصبية الذين لم يكونوا يصلون ويقفون خارج المسجد، أو ممن يصلون خلف الصفوف فلا يسمعون التسليم، وفي الرواية الثالثة "كنت أعلم" والمراد منها أيضًا المعرفة، وفيها أيضًا الذكر بدل التكبير، والذكر أعم من التكبير، فيطلق على التكبير وغيره، وما كان يحصل هو ذكر: تكبير وغير تكبير كما

стр. 1521

سيأتي في فقه الحديث. قال الكرماني: المراد بالتكبير الذكر. اهـ. ويمكن أن يراد بالتكبير ذاته، وبالذكر ما هو أعم، فتكون وسيلة المعرفة التكبير مرة وغيره من الذكر مرة أخرى، وقال الحافظ ابن حجر: وكأنهم كانوا يبدءون بالتكبير قبل التسبيح والتحميد. اهـ. (حين ينصرف الناس من المكتوبة) أي حين ينتهون منها. وليس المراد الانصراف من المسجد. (كان على عهد رسول الله ﷺ أي على زمانه، ومثل هذا يحكم له بالرفع عند الجمهور إلا من شذ. (كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته) الإشارة إلى رفع الصوت بالذكر، والتقدير: إذا سمعت ارتفاع صوتهم بالذكر كنت أعلم به وقت انتهائهم من الصلاة. (إذا انصرف من صلاته) كذا في الرواية الأولى من بابنا، استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته، قال النووي: المراد بالانصراف السلام. (استغفر ثلاثًا) قال الوليد الراوي عن الأوزاعي الراوي عن أبي عمار الراوي عن أبي أسماء الراوي عن ثوبان، قال الوليد: قلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله أستغفر الله. رواه مسلم. (تباركت ذا الجلال والإكرام) "ذا" منادى بحذف حرف الدعاء، وقد ثبت الحرف في الرواية الملحقة بالرواية الثانية، والمعنى تقدست وتنزهت عن النقائص يا صاحب العظمة والإكرام. (كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية) وفي الرواية الرابعة "كتب معاوية إلى المغيرة اكتب إلي" فكتابة المغيرة لمعاوية كانت بناء على طلب معاوية. والكاتب المباشر إلى معاوية "وراد" كاتب المغيرة، ففي البخاري "عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال: "أملي على المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية" وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قبل معاوية. (لا إله إلا اللَّه) كلمة توحيد بالإجماع، وهي مشتملة على نفي الألوهية عن غير الله، وإثباتها لله تعالى. و"لا" نافية للجنس، وخبرها محذوف، تقديره: لا إله موجود غير اللَّه. (وحده) منصوب على الحال بتأويله بمشتق، أي موحدًا منفردًا. (لا شريك له) تأكيد لقوله "وحده" لأن المتصف بالوحدانية لا شريك له. (له الملك) له امتلاك جميع المخلوقات والتصرف فيها. (وله الحمد) أي جميع أصناف المحامد تنتهي إليه.

стр. 1522

(وهو على كل شيء قدير) قال العيني: هو من باب التتميم والتكميل لأن الله تعالى لما كانت الوحدانية له، والملك له، والحمد له، فبالضرورة يكون قادرًا على كل شيء". اهـ. (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) قال الحافظ ابن حجر: الجد مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، ومعناه الغنى أو الحظ، و"منك" بمعنى "عندك" أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، وإنما ينفعه العمل الصالح، وهذا أقرب التقديرات وقيل: إن "منك" بمعنى البدل، وفي الكلام مضاف محذوف، أي بدل طاعتك، أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وقيل ضمن "ينفع" معنى "يمنع" أي لا يمنع ذا الغنى منك غناه، كقوله ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾ [الشعراء: ٨٨] وقريب من هذا من فسر "الجد" بأب الأب، وأب الأم، أي لا ينفع أحدًا نسبه. وحكي عن أبي عمرو الشيباني أنه روى "الجد" بالكسر، وقال معناه: لا ينفع صاحب الاجتهاد اجتهاده، واعترض بأن الاجتهاد في العمل نافع، لأن الله قد دعا إليه، وأجيب بأن المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة، أو لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، كما في حديث "لن يدخل أحدًا عمله بالجنة". (كتب معاوية إلى المغيرة اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ﷺ لفظ "بشيء" ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما جاء في رواية للبخاري "اكتب إلي ما سمعت النبي ﷺ يقول خلف الصلاة" وعند أبي داود "أي شيء كان رسول الله ﷺ يقول إذا سلم من الصلاة"؟ (سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا قضى الصلاة) أي المكتوبة، كما جاء في رواية البخاري، قال الحافظ ابن حجر: فكأن المغيرة فهم ذلك من قرينة في السؤال. (في دبر كل صلاة حين يسلم) بضم الدال، قال النووي: هذا هو المشهور في اللغة والمعروف في الروايات، وفي اليواقيت: دبر كل شيء - بفتح الدال - آخر أوقاته من الصلاة وغيرها. وعن ابن الأعرابي: دبر الشيء ودبره بالضم والفتح آخر أوقاته، والصحيح الضم، ولم يذكر الجوهري غيره. اهـ. وقال الأزهري: دبر الأمر بضمتين، ودبره بفتح ثم سكون، وفي رواية البخاري "خلف كل صلاة" وفي بعض الروايات "إثر كل صلاة" قال في الفتح، وهو تفسير الرواية "دبر كل صلاة". (فقراء المهاجرين أتوا ... ) سمي منهم في بعض الروايات أبو ذر الغفاري، وفي بعضها أبو الدرداء، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن أبا هريرة منهم، ويمكن أن يقال: إن زيد بن ثابت كان معهم، ولا يعارضه ما جاء عند مسلم (روايتنا السابعة) "فقراء المهاجرين" لكون زيد بن ثابت من الأنصار لاحتمال التغليب. (أهل الدثور) بضم الدال والثاء جمع دثر بفتح ثم سكون، وهو المال الكثير. قال ابن سيده: لا يثنى ولا يجمع، وقيل: يثنى ويجمع، ووقع عند الخطابي "ذهب أهل الدور من الأموال" قال الحافظ ابن حجر: والصواب "الدثور" اهـ.

стр. 1523

(بالدرجات العلى والنعيم المقيم) "العلى" بضم العين جمع العلياء، وهي تأنيث الأعلى، ويحتمل أن يراد بالدرجات العلى درجات الجنة الحسية، ويحتمل أن يراد الدرجات المعنوية بمعنى علو القدر عند الله. ووصف النعيم بالإقامة إشارة إلى ضده وهو النعيم العاجل، فإنه قل ما يصفو، وإن صفا فهو بصدد الزوال. (أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم)؟ أي من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصدقة والإعتاق، والأسبقية هنا يحتمل أن تكون معنوية وأن تكون حسية، والأول أقرب. (وتسبقون به من بعدكم) ممن لا يعمل بعملكم. (تسبحون وتكبرون وتحمدون) "تحمدون" بفتح التاء وسكون الحاء وفتح الميم وفي رواية البخاري "تسبحون وتحمدون وتكبرون" بتأخير التكبير على الحمد كما هو صريح الروايتين الثامنة والتاسعة، وفي بعض الروايات "تكبر وتحمد وتسبح" قال الحافظ ابن حجر: وهذا الاختلاف دال على أن لا ترتيب فيها، ويستأنس لذلك بقوله في حديث البخاري في حديث الباقيات الصالحات "لا يضرك بأيهن بدأت" لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح، لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري ، ثم التحميد، لأنه يتضمن إثبات الكمال، ثم التكبير، إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) الدال على انفراده بجميع ذلك. اهـ. (ثلاثًا وثلاثين) قال في الفتح: يحتمل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وزع كان لكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه الراوي سهيل (في ملحق روايتنا السابعة) لكن لم يتابع سهيل على ذلك، بل لم أر في شيء من طرق الحديث كلها التصريح بإحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وهو ضعيف والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد، فعلى هذا ففيه تنازع ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر، والتقدير: تسبحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون كذلك، وتكبرون كذلك. اهـ. (قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين) قال الحافظ ابن حجر: لم يصح بهذه الزيادة إسناد، نعم جاءت عند البزار موصولة وهي رواية ضعيفة، وعند الخطيب برواية ضعيفة، إلا أن هذين الطريقين يقوى بهما إرسال أبي صالح والله أعلم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ظاهره القريب من النص أنه فضل الغنى، أي زيادة الأغنياء بالصدقة والإعتاق مع عملهم مثل عمل الفقراء فضل الله يؤتيه من يشاء، وبعضهم يجعل الإشارة إلى الفضل المترتب على الذكر المذكور، فجعل الفضل لقائله كائنًا من كان، وبعضهم تأول فجعل الإشارة راجعة إلى الثواب المترتب على العمل الذي يحصل به التفضيل عند الله، فكأنه قال: ذلك الثواب الذي أخبرتكم به لا يستحقه أحد بحسب الذكر ولا بحسب الصدقة، وإنما هو بفضل الله. فقصد المؤول بذلك عدم الدلالة على تفضيل الغني، قال العلماء: وهذا تأويل بعيد. وسيأتي في فقه الحديث شرح المفاضلة بين الغني والفقير.

стр. 1524

(معقبات لا يخيب قائلهن) قال الهروي: قال سمرة: معناه تسبيحات تفعل أعقاب الصلاة، وقال أبو الهيثم: سميت معقبات لأنها تفعل مرة بعد أخرى وقوله تعالى: ﴿له معقبات﴾ [الرعد: ١١] أي ملائكة يعقب بعضهم بعضًا. (وأربع وثلاثون تكبيرة) قال الحافظ ابن حجر: ويخالف هذا الحديث أبي هريرة (روايتنا التاسعة) وفيها ختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره، وقال النووي: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين ويقول معها لا إله إلا الله. إلخ. وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرة بزيادة تكبيرة، ومرة بلا إله إلا الله ... إلخ. وسيأتي بقية الكلام على تحديد الأعداد في فقه الحديث. واللَّه أعلم. -[فقه الحديث]- أما عن الباب الأول [باب الذكر بعد الصلاة - باب ٢١٤] فقد استدل بعض السلف بحديث ابن عباس على استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر بعد الصلاة المكتوبة. قال ابن حبيب: كانوا يستحبون التكبير في العساكر والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء تكبيرًا عاليًا ثلاثًا. قال: وهو قديم من شأن الناس، وقال الطبري: في الحديث البيان على صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء والولاة، يكبر بعد صلاته، ويكبر من خلفه. وحمل الشافعي هذا الحديث على أنه ﷺ جهر ليعلمهم صفة الذكر، لا أنه كان دائمًا: قال: وأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك إلا أن يقصدا التعليم، فيعلما، ثم يسرا. اهـ والظاهر أن الأمر لم يستمر على ارتفاع الصوت بالذكر، لهذا قال ابن بطال: إن قول ابن عباس "كان على عهد النبي ﷺ " فيه دلالة على أنه لم يكن يفعل حين حدث به، لأنه لو كان يفعل لم يكن لقوله معنى، فكأن التكبير في أثر الصلوات بصوت مرتفع لم يواظب الرسول ﷺ عليه طول حياته، وفهم أصحابه أن ذلك ليس بلازم، فتركوه خشية أن يظن أنه مما لا تتم الصلاة إلا به. وقال ابن بطال أيضًا: أصحاب المذاهب المتبعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر حاشا ابن حزم. اهـ أما الأذكار الواردة دبر كل صلاة فكثيرة، منها ما رواه مسلم في هذا الباب، ومنها ما رواه البخاري في أول كتاب الجهاد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ "أن النبي ﷺ كان يتعوذ دبر كل صلاة بهؤلاء الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر". وما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من

стр. 1525

الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". وما رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن معاذ ﵁ "أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ، لا تدعهن دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر ﵁ قال "أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة" قال النووي: وينبغي أن يقرأ "قل هو الله أحد" مع المعوذتين، لرواية أبي داود "بالمعوذات". وروى الطبري في معجمه أحاديث في فضل آية الكرسي دبر الصلاة المكتوبة قال النووي: لكنها كلها ضعيفة. وقد جمع الإمام النووي أحاديث كثيرة في الذكر والدعاء في كتاب الأذكار، فمن شاء الزيادة رجع إليه. والأحاديث الصحيحة تجمع على استحباب ذكر الله تعالى بعد السلام للإمام والمأموم والمنفرد والرجل والمرأة والحاضر والمسافر وغيرهم، ولا خلاف في ذلك، فعن أبي أمامة ﵁ قال: "قيل لرسول الله ﷺ : أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات". رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وهذه الأذكار كلها مستحبة، لكن بأيها يبدأ؟ قال النووي: يستحب أن يبدأ من هذه الأذكار بحديث الاستغفار. اهـ يعني حديث ثوبان: يستغفر ثلاثًا، ثم يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام، ثم يتبع ذلك ما كتبه المغيرة لمعاوية: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. ثم زيادة ابن الزبير: لا حول ولا قوة إلا بالله. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله. مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، ثم يسبح ويحمد ويكبر ثلاثًا وثلاثين، ثم يدعو بما شاء من الأدعية المأثورة. واختلفت الروايات في العدد المطلوب من التسبيح والتحميد والتكبير، وقد رأينا في ملحق الرواية السابعة قول الراوي سهل: إحدى عشرة. إحدى عشرة. فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون. قال الحافظ ابن حجر: ووقع في رواية ورقاء عن سمي عند البخاري في الدعوات في هذا الحديث "تسبحون عشرًا، وتحمدون عشرًا" قال: ولم أقف في شيء من طرق حديث أبي هريرة على من تابع ورقاء على ذلك، لا عن سمي ولا عن غيره، ويحتمل أن يكون تأول ما تأول سهيل من التوزيع، ثم ألغى الكسر، ويعكر عليه أن السياق صريح في كونه كلام النبي ﷺ . ثم قال: وقد وجدت لرواية العشر شواهد، منها عن علي عند أحمد، وعن سعد بن أبي وقاص عند النسائي، وعن عبد الله بن عمرو عند

стр. 1526

النسائي وأبي داود والترمذي، وعن سلمة عند البزار، وعن أم مالك الأنصارية عند الطبراني. وجمع البغوي في شرح السنة بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدر في أوقات متعددة، أولها عشرًا. عشرًا، ثم إحدى عشرة، ثم ثلاثًا وثلاثين، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال، وقد جاء من حديث ابن ثابت وابن عمر "أنه ﷺ أمرهم أن يقولوا كل ذلك خمسًا وعشرين ويزيدوا فيها "لا إله إلا الله خمسًا وعشرين" ولفظ زيد بن ثابت "أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فأتى رجل في منامه، فقيل له: أمركم محمد أن تسبحوا ... ؟ قال: نعم. قال: اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل. فلما أصبح أتى النبي ﷺ فقال: فافعلوه" أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان، واستنبط النسائي أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال لهم: أضيفوا لهما التهليل ثلاثًا وثلاثين؛ وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية وتفوت بمجاوزة ذلك العدد. قال الحافظ أبو الفضل في شرح الترمذي: وفيه نظر. لأنه أتى بالمقدار الذي رتب الثواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه كيف تكون الزيادة مزيلة الثواب بعد حصوله؟ قال الحافظ ابن حجر: يمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة فالأمر كما قال شيخنا الحافظ أبو الفضل لا محالة، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب رتب على عشرة مثلاً. فرتبه هو على مائة فيتجه القول الماضي، وقد بالغ القرافي في القواعد، فقال: من البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحددة شرعًا، لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئًا أن يوقف عنده، ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وقد مثله بعض العلماء بالدواء، يكون مثلاً فيه أوقية سكر، فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء، ثم استعمل بعد ذلك من السكر ما شاء لم يتخلف الانتفاع، ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص لما في ذلك من قطع الموالاة، لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمة تفوت بفواتها. والله أعلم. انتهى. ولست مع هذا التزمت، وأنه لو زاد بغير نية فات الثواب، كل ما هو مطلوب أن لا يظن أن ما يفعله خير من التشريع، لكن إن جرى لسانه بزيادة ما دون قصد حصل له الثواب المذكور، وإذا كنا قد حكمنا لمن صلى الرباعية خمسًا بدون نية الزيادة بصحة صلاته، فكيف نحكم على من زاد في الذكر بدون نية بعدم الثواب؟ ثم التشبيه بالدواء وبالسكر تشبيه باطل فالزيادة في السكر مضرة نوى المريض أو لم ينو، والأمر هنا بخلافه، فهو قياس مع الفارق، نعم قصد الاقتداء واتباع الأوامر وعدم التنطع بالزيادة عمدًا أولى. والله أعلم. كما اختلف العلماء في كيفية التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين، هل يجمعها في كل مرة، ويعد ثلاثًا وثلاثين كما قال أبو صالح في ملحق روايتنا السابعة، أو يأتي بالتسبيح وحده ثلاثًا وثلاثين، ثم بالتحميد ثلاثًا وثلاثين، ثم بالتكبير ثلاثًا وثلاثين، كما فسره بعض أهل سمي في الرواية

стр. 1527

نفسها؟ وكما هو ظاهر الرواية الثامنة والرواية التاسعة. قال القاضي عياض: الإفراد أولى. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن كلا الأمرين حسن، إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر، وهو أن الذاكر يحتاج إلى العدد، وله على كل حركة توصل إلى ذلك - سواء كان بأصابعه أو بغيرها - ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من حديث ابن عباس [روايات عمرو بن دينار] أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد. ٢ - وفي إيراد مسلم لهذا الحديث دليل على أنه كان يرى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلاً، ولا شك أن عمرو بن دينار كان عدلاً. ولأهل الحديث فيه تفصيل: قالوا: إن أنكر الراوي روايته جاحدًا ومكذبًا للفرع، وجازمًا ومصرحًا بتكذيب الفرع، فالاتفاق على رده، إذ ليس قبول أحدهما بأولى من الآخر، وإن لم يجزم بالرد، كأن قال: لا أذكر فالجمهور على قبوله، وإن جزم بالرد، ولم يصرح بالتكذيب، كأن قال: لم أرو هذا، أو لم أحرفه فالراجح عند المحدثين قبوله، أما الفقهاء فاختلفوا، فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول، ونسيان الأصل لا يقدح فيه، كما لو جن أو مات، وعن بعض الحنفية ورواية عن أحمد لا يقبل. وللإمام فخر الدين في المحصول في هذه المسألة تقسيم جيد. قال: الراوي الفرع إما أن يكون جازمًا بالرواية أولاً، فإن كان جازمًا فالأصل إما أن يكون جازمًا بالإنكار أو لا. فإن كان كل منهما جازمًا فقد تعارضا، فلا يقبل الحديث، وإن كان الفرع جازمًا والأصل غير جازم قبل، وإن كان الفرع غير جازم والأصل جازمًا تعين الرد، وإن كان كل منهما غير جازم تعارضا، ولم يقبل. ومحصل كلامه أنهما إن تساويا فالرد، وإن رجح أحدهما عمل به. وهذا الحديث مما رجح فيه الفرع. والله أعلم. ٣ - ومن حديث عائشة [الرواية الثانية من الباب الثاني] من قولها "كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام" أخذ بعضهم كراهة مكث الإمام في مصلاه، وقال ابن بطال عن الجمهور: لا يمكث الإمام إذا كان إمامًا راتبًا إلا أن يكون مكثه لعلة كأن يشعر المأمومين بالانتظار حتى ينصرف النساء، قال: وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم، وحمل حديث عائشة على هذه الحالة، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير، وقال أبو محمد من المالكية: يتنفل في الصلوات كلها، ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه شيء من سجود السهو ولا غيره، وقال ابن مسعود "كان ﷺ إذا قضى صلاته انتقل سريعًا، إما أن يقوم وإما أن ينحرف"، وقال ابن عمر: الإمام إذا سلم قام، وقال عمر ﵁: جلوس الإمام بعد السلام بدعة، وعن ابن عباس

стр. 1528

"صليت مع النبي ﷺ فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت مع أبي بكر ﵁ فكان إذا سلم وثب من مكانه، وكأنه يقوم عن رضفة" أي عن قطعة حجر محماة قال النووي: قال الشافعي والأصحاب يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء. وقال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، قال: وتأخير ذلك حتى ينصرف بعد انصراف الإمام أو معه أحب إلي. اهـ ٤ - ومن كتابة المغيرة إلى معاوية استدل على العمل بالمكاتبة وإجرائها مجرى السماع في الرواية ولو لم تقترن بالإجازة. ٥ - واستدل به على الاعتماد على خبر الشخص الواحد. وتعقب من بعضهم بأنه يحتمل أن معاوية كان قد سمع الحديث المذكور، فأراد التثبت من المغيرة. ٦ - وفيه المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها، ففي البخاري عن وراد قال: ثم وفدت بعد على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك. ٧ - ومن قوله في روايتنا الثامنة "دبر كل صلاة مكتوبة" أخذ أكثر العلماء أن الذكر مستحب عقب الفرض دون النفل، وحملوا المطلق في "دبر كل صلاة" على هذا المقيد. ٨ - ويؤخذ من قوله "دبر كل صلاة" أن الذكر يعقب السلام، حتى ولو كانت الصلاة مما يتنفل بعدها. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي عليه عمل الأكثر، وعند الحنفية يبدأ بالتطوع، وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام، وهو احتمال بعيد، ففي الرواية السادسة "يقول إذا سلم في دبر الصلاة" فكذلك بقية الروايات. ٩ - ومن حديث أهل الدثور أخذ بعضهم أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل، لئلا يقع الخلاف. كذا قال ابن بطال، قال الحافظ ابن حجر: وكأنه أخذه من كونه ﷺ أجاب بقوله "ألا أدلكم على أمر تساوونهم فيه"، وعدل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك. ١٠ - وفيه التوسعة في الغبطة، وفرق بينها وبين الحسد المذموم. ١١ - وفيه المسابقة إلى الأعمال المحصلة للدرجات العالية، لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم، ولم ينكر عليهم ﷺ . ١٢ - وفيه أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق. ١٣ - واستدل به البخاري على فضل الدعاء عقيب الصلاة. ١٤ - وفيه أن العمل القاصر قد يساوي المتعدي نفعه إلى الغير، خلافًا لمن قال: المتعدي نفعه إلى الغير أفضل مطلقًا. ١٥ - قال ابن بطال: في هذا الحديث فضل الغنى نصًا لا تأويلاً، إذا استوت أعمال الغني والفقير فيما

стр. 1529

افترض الله عليهما، فللغني حينئذ فضل عمل البر من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه؛ قال: ورأيت بعض المتكلمين ذهب إلى أن الفضل المرتب على الذكر يخص الفقراء دون غيرهم. قال: وغفل هذا القائل عن قوله في الحديث "إلا من عمل مثله" فجعل الفضل لقائله غنيًا أو فقيرًا. وقال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث القريب من النص أنه فضل الغنى. قال: والذي يقتضيه النظر أنهما إن تساويا. وفضلت العبادة المالية أن يكون الغنى أفضل، وهذا لا شك فيه، وإنما النظر إذا تساويا وانفرد كل منهما بمصلحة ما هو فيه. أيهما أفضل؟ إن فسر الفضل بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، فيترجح الغنى، وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل لها من التطهير بحسب الفقر أشرف، فيترجح الفقر ومن ثمة ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر. اهـ وقال الكرماني: قضية الحديث أن شكوى الفقر تبقى بحالها، وأجاب بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العلا والنعيم المقيم لهم أيضًا، لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يعلم النبي ﷺ أن متمني الشيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر كما سبق في كتاب العلم، في الكلام على حديث "لا حسد إلا في اثنتين" فإن في رواية الترمذي التصريح بأن المنفق والمتمني إذا كان صادق النية في الأجر سواء، وكذا قوله "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء" فإن الفقراء في هذه القصة كانوا السبب في تعلم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله امتاز الفقراء بأجر السبب مضافًا إلى التمني، فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شظف العيش وشكر الغني على التنعم بالمال، ومن ثم وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر. اهـ. وقال القرطبي: إن في هذه المسألة خمسة أقوال: فمن قائل بتفضيل الغني ومن قائل بتفضيل الفقير، ومن قائل بتفضيل الكفاف، ومن قائل برد هذا إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك، ومن قائل بالتوقف، لأنها مسألة لها غور، وفيها أحاديث متعارضة. قال: والذي يظهر لي أن الأفضل ما اختاره الله لنبيه ﷺ ولجمهور صحابته ﵃، وهو الفقير غير المدقع، ويكفيك من هذا أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار، يسألون عن فضول أموالهم. اهـ. وبعد استعراض هذه الآراء نجد أنفسنا في حاجة إلى تحرير مواطن النزاع والمفروض عند المقارنة بين حالين أن نفترض المساواة التامة بين المقارنين في جميع الصفات ماعدا حالتي المقارنة، فالمقارنة بين فقير وغني أتى كل منهما بأعمال تساوي تمامًا ما أتى به الآخر، حتى في النية ودرجة الإخلاص، ولم تبق ميزة بينهما سوى صبر الفقير على حاله، وشكر الغني وصدقته وإعتاقه، وحينئذ إن كان المقصود أيهما أكثر ثوابًا عند الله؟ فليس لأحد أن يحكم إلا الله، فله

стр. 1530

جل جلاله أن يثيب على القليل كثيرًا، وإن كان المقصود أي الاختيارين أشق بحيث لو أدى كل منهما في ميدانه ما هو مطلوب منه شرعًا بدرجة واحدة، هل يكون أداء الفقير وعطاؤه أكثر؟ فيستحق عادة وقياسًا ثوابًا أكثر؟ أو يكون الغني وعطاؤه أكثر، فيستحق عادة وقياسًا ثوابًا أكثر؟ الظاهر أن الابتلاء بالمال أشق والقيام بحق الله فيه أصعب، لقوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦، ٧] وقصة قارون وقصة من "عاهد الله لئن آتاه من فضله ليصدقن وليكونن من الصالحين" خير شاهد، والحديث صريح في فضل الغنى فإن الفقراء حينما قارنوا ساووا بين الفريقين في الصلاة والصيام أي وبقية المتيسر للفقراء من الصالحات، وشكوا زيادة الأغنياء بالتصدق والإعتاق، فلم يقل لهم الحديث: إن صبركم على الفقر يعادل تصدقهم وإعتاقهم، بل أرشدهم إلى عمل لو لم يعمله الأغنياء يعدل تصدق الأغنياء وإعتاقهم، فلما عمله الأغنياء بقيت ميزتهم التي عللت بقوله "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" وأما استدلال القرطبي بدخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء فإن كان قصده كل الفقراء وكل الأغنياء فغير مسلم وإن كان قصده أن كثرة الأولين من الفقراء فمسلم، لأن الفقراء غالبا ليس أمامهم إلا الصبر، أما الأغنياء فقليل منهم الشكور، وليس هذه محل النزاع. وكذا كلام الحافظ ابن حجر: في غير موضوع النزاع، فهو في فقراء بعينهم تسببوا في أجر لهم ولغيرهم، وموضوع النزاع في الفقراء والأغنياء عامة، وبناء على هذا التحرير لو قلنا: هل يطلب المسلم من ربه أن يكون فقيرًا صابرًا؟ أو غنيًا شاكرًا؟ لقلنا: ليطلب أن يكون غنيًا شاكرًا، وليحذر فإن الغنى منزلق خطر والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين. واللَّه أعلم

стр. 1531

(٢٢٠) باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة ١١٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنية قبل أن يقرأ. فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد". ١١٥٧ - عن أبي زرعة قال: سمعت أبا هريرة يقول كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ولم يسكت. ١١٥٨ - عن أنس ﵁ أن رجلا جاء فدخل الصف وقد حفزه النفس. فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال "أيكم المتكلم بالكلمات؟ " فأرم القوم. فقال "أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا" فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها. فقال "لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها. أيهم يرفعها". ١١٥٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا. والحمد لله كثيرًا. وسبحان الله بكرة وأصيلاً. فقال رسول الله ﷺ "من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله قال "عجبت لها. فتحت لها أبواب السماء" قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. -[المعنى العام]- الصلاة مناجاة بين العبد وربه، يقبل عليه مستقبلاً القبلة متطهرًا بقوله: الله أكبر، ثم يناجيه

стр. 1532

بالحمد له والثناء عليه بكافة أنواع الحمد والثناء، وطهارة الظاهر لمناجاة الرب يستلزمها بل يتأكد معها تطهير الباطن، ولهذا حرص ﷺ على أن يعلم أمته هذه الطهارة المطلوبة، فسكت بين تكبيرة الإحرام وبين قراءة الفاتحة سكتة تقدر بلحظات، يحس من بجواره حركة فمه ولسانه، ولا يسمع صوتًا، نوع فريد من التعليم، يشعر المتعلمين الحريصين على الاقتداء بأنه يعمل، ولا يأمرهم بالعمل، حتى إذا سألوا عن العمل وأجيبوا فاقتدوا كانوا مختارين راغبين، والعمل برغبة وشوق وحب وطواعية أعظم أجرًا وقبولاً وإخلاصًا عند الله. وكان ما أراد، سأله أبو هريرة. أفديك بأمي وأبي يا رسول الله، وأراك تسكت بين التكبيرة وبين القراءة سكتة أحس أنك فيها تقول ذكرًا، فماذا تقول في سكوتك؟ قال ﷺ : أسأل الله أن يغفر لي ما قدمت، وأن يعصمني في مستقبل أيامي من الزلل، فأقول: اللهم باعد بيني وبين الخطايا والذنوب ولا تجمع بيني وبين الذنوب، بقدر ما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني ونظفني وطهرني من ذنوبي كما ينظف الثوب الأبيض من الوسخ فيعود أبيض صافيًا نقيًا، اللهم اغسلني من ذنوبي ونظفني منها كما ينظف الشيء بالماء مرة وبالثلج أخرى وبالبرد ثالثة. وتعلمها أبو هريرة وتعلمها الصحابة، وعملوا بها، وقالوها في صلاتهم. بل كان بعضهم يزيد في الذكر والثناء على ما سمع من رسول الله ﷺ وكان يرفع به صوته ليرى، أيقر على ما يفعل أو ينهى؟ فهذا أنس ﵁ يروي أن رجلاً جاء فدخل الصف خلف رسول الله ﷺ ، فاضطرب نفسه واشتد، فعطس فقال: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انتهى النبي ﷺ من الصلاة التفت إلى أصحابه فقال: أيكم الذي حمد الله بهذه الكلمات؟ وخاف المتكلم أن يقول: أنا. وظن أنه قد أخطأ، وخشي أن يساء إليه فيفضح ويعرفه من لم يعرفه ورجا أن يعفو الله ورسوله عنه دون افتضاح، وسكت الصحابة أدبًا ورحمة في انتظار أن يعلن عن نفسه، فلما لم يجيبوا أعاد ﷺ السؤال: من منكم تكلم بهذه الكلمات؟ وسكت للمرة الثانية وسكتوا، وعلم ﷺ أنهم ظنوا أن ما حصل خطأ، فقال للمرة الثالثة: من المتكلم بهذه الكلمات؟ إنه لم يأت خطأ، إنه محسن. فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قلتها ولا أريد بها إلا خيرًا قال ﷺ : لقد فتحت لها أبواب السماء ورأيت الملائكة يتسابقون في كتابتها ورفعها. وسمع المصلون وتعلموا أن يقولوا مثله. صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. -[المباحث العربية]- (كان إذا كبر) أي تكبيرة الإحرام. (سكت هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة، وهي تصغير هنة، أصلها هنوة، صغرت على هنيوة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، قال النووي: ومن همزها فقد أخطأ، ورواه بعضهم "هنيهة" وهو صحيح أيضًا. اهـ. أي بقلب الياء هاء، قال الحافظ ابن حجر: قال غير النووي: لا يمنع ذلك إجازة رواية الهمزة، فقد تقلب الياء همزة. اهـ والمراد بالهنية الزمن القصير. وفي رواية للبخاري "إسكاتة" أي يسيرة.

стр. 1533

(بأبي أنت وأمي) الجار والمجرور متعلق بمحذوف اسم أو فعل في محل الخبر، و"أنت" مبتدأ مؤخر، والتقدير: أنت مفدي بأبي وأمي، أو أنت أفديك بأبي وأمي. (أرأيت سكوتك) "سكوتك" مفعول "أرأيت". (ما تقول)؟ "ما" اسم استفهام مبتدأ، والجملة بعده خبره، والرابط محذوف أي ما تقول فيه؟ وجملة الاستفهام في محل المفعول الثاني لـ "أرأيت" والمعنى أخبرني عما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة، فإن قيل إن السكوت مناف للقول، فكيف يصح أن يقال: ما تقول في سكوتك؟ أجيب بأنه سكوت ظاهري وقول خفي، ولعل السائل استدل عليه بحركة الفم، كما استدل غيره على قراءة القرآن في الظهر والعصر باضطراب اللحية. (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) "باعد" بمعنى أبعد، والمفاعلة أفادت المبالغة والتكثير، و"ما" في "كما باعدت" مصدرية، والتقدير: كمباعدتك بين المشرق والمغرب، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد ألا يبقى للخطايا منه اقتراب بالكلية، فإن كان يراد بالخطايا الخطايا اللاحقة فمعناه إذا قدر لي ذنب واحتمل وقوعه فباعد بيني وبين وقوعه، وإن كان يراد بها السابقة فمعناه المحو والغفران، وهذا معنى قول الحافظ ابن حجر: المراد بالمباعدة محو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، وفي الكلام مجاز لأن حقيقة المباعدة في الزمان والمكان، وتكرير لفظ "بين" في قوله "بيني وبين خطاياي" لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض. قاله الكرماني. (اللهم نقني من خطاياي) التنقية مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها. (كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) الدنس الوسخ، واختار الثوب الأبيض لأن الدنس القليل يظهر فيه، وإذا نقي كان أظهر الألوان. (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) رواية البخاري "اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" والبرد حب صغير متجمد من البرودة قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد بعد ذكر الماء تأكيد، أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء وقال الكرماني: جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم، لأنها مستوجبة لها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا في الإطفاء، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثم إلى أبرد من الثلج وهو البرد. بدليل جموده، لأن ما هو أبرد فهو أجمد، وأما تثليث الدعوات [اللهم ... اللهم ... اللهم ... ] فيحتمل أن يكون نظرًا إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل والتنقية للحال والغسل الماضي. (استفتح القراءة بالحمد للَّه رب العالمين) الباء حرف جر "الحمد لله" برفع الحمد على الحكاية فهو مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية.

стр. 1534

(ولم يسكت) بين تكبيرة القيام والقراءة، لا كما يفعل بين تكبيرة الإحرام والقراءة. (وقد حفزه النفس) قال النووي: هو بفتح حروفه وتخفيفها، أي ضغطه لسرعته. ولعل هذه العبارة لبيان سر ظهور صوته بالحمد والثناء. (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا) أي خالصًا عن الرياء والسمعة. (مباركًا فيه) أي كثير الخير. (فأرم القوم) بفتح الراء وتشديد الميم، أي سكتوا. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم في غير صحيح مسلم "فأزم القوم" بالزاي المفتوحة وتخفيف الميم من الأزم، وهو الإمساك، وهو صحيح المعنى. (فإنه لم يقل بأسًا) أي لم يقل خطأ يؤلم أو يضر. (يبتدرونها) أي يسعون في المبادرة، يقال: ابتدروا السلاح أي سارعوا إلى أخذه. (أيهم يرفعها) في رواية البخاري "أيهم يكتبها أول" قال العيني: يحمل على أنهم يكتبونها ثم يصعدون بها. (الله أكبر كبيرًا) قال النووي: أي كبرت كبيرًا. -[فقه الحديث]- دعاء الاستفتاح من سنن الصلاة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وقال مالك: لا يستحب دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام، بل يقرأ الفاتحة عقب التكبيرة، واستدل بما في الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين قال الحافظ ابن حجر: وحديث أبي هريرة [وهو حديث الباب] يرد عليه، وقد تحرر أن حديث أنس بيان ما يفتتح به القراءة، فليس فيه تعرض لنفي دعاء الافتتاح. اهـ وقد دافع ابن بطال عن مذهب المالكية. فقال: لو كانت هذه السكتة فيما واظب عليه الشارع لنقلها أهل المدينة عياناً وعملاً، فيحتمل أنه ﷺ فعلها في وقت ثم تركها، ورد عليه بأن الحديث ورد بلفظ "كان إذا قام إلى الصلاة" وبلفظ "كان إذا قام يصلي تطوعاً" وبلفظ "كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة" وكان هنا يشعر بالمداومة عليه. ومع اتفاق الحنفية والشافعية والحنابلة على استحباب دعاء الاستفتاح اختلفوا في الصيغة المستحبة فمذهب أحمد والحنفية على صيغة رواها أبو داود وابن ماجه والترمذي عن عائشة قالت:

стр. 1535

"كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" ومثله عند النسائي والترمذي من رواية أنس وأبي سعيد، وعمل به عمر بين يدي أصحاب رسول الله ﷺ ، فلذلك اختاره أحمد، وجوز الاستفتاح بغيره لكونه قد صح وعند الحنفية لا يستفتح إلا بهذا الدعاء، قال العيني الحنفي: وأما الأدعية الأخرى الواردة في هذا الباب فيدعو بها بعد الفراغ من التشهد في الفرض أو يدعو بها في النفل، لأن باب النفل واسع، وكل ما جاء في هذه الأدعية فمحمول على صلاة الليل وذهب الشافعي إلى الاستفتاح بما رواه مسلم في باب التهجد عن علي بن أبي طالب" أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين" وبما رواه مسلم أيضاً في هذا الباب من "اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... إلخ" وقد رواه البخاري كذلك. وقال ابن الأثير في شرح المسند: الذي ذهب إليه الشافعي في الأم أنه يأتي بهذه الأذكار جميعاً من أولها إلى آخرها في الفريضة والنافلة. أي يجمع بين دعاء الحنفية وما روي هنا، وهل يستعيذ قبل القراءة أولاً؟ الشافعية والحنفية والحنابلة على استحباب الاستعاذة لقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] وقال مالك: لا يستعيذ لحديث أنس السابق "كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" وقد سبق توجيهه. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - أن دعاء الاستفتاح سنة في حق الإمام والمأموم والمنفرد، خلافًا للمزني الذي سنه في حق الإمام فقط. قال الحافظ ابن حجر: هذا الدعاء صدر منه ﷺ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار. ٢ - ما كان عليه الصحابة من المحافظة على تتبع أحوال النبي ﷺ في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتى حفظ الله بهم الدين. ٣ - وفيه تفدية الرسول ﷺ بالآباء والأمهات. وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين؟ الأصح نعم بلا كراهة، وقيل بالمنع مطلقًا وأن ذلك خاص به ﷺ ، وقيل: يجوز تفدية العلماء والصالحين الأخيار دون غيرهم. ٤ - استدل بالرواية الأولى بعض الشافعية على أن الثلج والبرد مطهران واستبعده ابن عبد السلام. ٥ - استدل به بعض الحنفية على نجاسة الماء المستعمل وهذا الاستدلال أشد بعدًا من سابقه. ٦ - استدل بالرواية الثالثة على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور. ٧ - وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه. وظاهر صنيع مسلم أن الذكر الوارد في الرواية الثالثة والرابعة يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة،

стр. 1536

وهو غير صحيح، فقد ساق البخاري هذا الحديث على أنه يقال عند الرفع من الركوع، وهو الظاهر. ٨ - ومن الرواية الثالثة يؤخذ ما كان عليه الصحابة من الهيبة من رسول الله ﷺ إذ سكتوا مع علمهم بالمتكلم حتى كرر الرسول ﷺ السؤال ثلاثاً كما في بعض الروايات. وإذ سكت الذاكر نفسه، وهو رفاعة بن رافع، إذ جاء في بعض الروايات "أنه قال في نفسه: وددت أني خرجت من مالي، وأني لم أشهد مع النبي ﷺ تلك الصلاة". واعتذر الحافظ ابن حجر عنهم بأنه لما لم يعين واحدًا بعينه في سؤاله لم تتعين المبادرة بالجواب، من المتكلم، ولا من واحد بعينه، فكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء، ظناً منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه، وكأنه ﷺ لما رأى سكوتهم فهم ذلك فعرفهم أنه لم يقل بأسًا. ٩ - واستدل بالرواية الثالثة على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر". والظاهر أن العدد [اثنى عشر ملكًا] غير مقصود لذاته ولا مفهوم له، والمراد كثرة المبتدرين، إذ رواية الطبراني "ثلاثة عشر ملكًا" ورواية البخاري "بضعة وثلاثين ملكًا". ١٠ - ويؤخذ من قول ابن عمر في الرواية الرابعة "فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك" ما كان عليه الصحابة من الحرص على السنن والمحافظة عليها. واللَّه أعلم

стр. 1537

(٢٢١) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًّا ١١٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". ١١٦١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة". ١١٦٢ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "إذا نودي بالصلاة فأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". ١١٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك". ١١٦٤ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ قال بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ فسمع جلبة فقال "ما شأنكم؟ " قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال "لا تفعلوا. إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة. فما أدركتم فصلوا وما سبقكم فأتموا".

стр. 1538

-[المعنى العام]- لصلاة الجماعة فضيلة يسعى إليها كل مسلم، وللمبادرة إلى أداء الصلاة في وقتها فضيلة يحرص عليها كل مصل، وهكذا كان الصحابة يحرصون على هذه الفضائل كل الحرص، وكانوا يتسابقون ويسارعون لدرجة الجري والقفز. ولما كان للصلاة قدسيتها لأنها مناجاة، وساحة المناجاة والتهيؤ لها يعطي حكمها من التقديس والوقار، ولما كان العامد إليها يعد فيها، إعطاء للوسيلة حكم الغاية كانت دعوة الشارع إلى إتيان الصلاة بالسكينة والخشوع والوقار منذ يخرج من بيته حتى يقف في الصف. لقد سمع رسول الله ﷺ أصوات وحركات أصحابه يسعون ويهرولون للحاق به وهو في الصلاة، فلما سلم قال لهم: ما هذه الجلبة؟ ولماذا تلك الحركات؟ قالوا: أسرعنا وتعجلنا اللحاق بك لإدراك أكبر قدر من الفضيلة. قال: لا تعودوا لمثلها، ولا تسعوا عند إتيانكم الصلاة، وائتوها مشيًا قريب الخطا، وعليكم بالسكينة في طريقكم، وعليكم بالخشوع والوقار في إتيانكم، فإن أحدكم في طريقه إلى الصلاة عامدًا إليها يعطي الثواب كما لو كان في صلاة، فما أدركتم مع الإمام فصلوا معه، وما سبقكم فيه فأتموه بعد تسليم الإمام، فإن لكم أجركم. وهكذا دعت الشريعة إلى التبكير إلى الصلاة وانتظارها كما دعت إلى الوقار والسكينة في الذهاب إليها، فالحريص عليها ينبغي أن يبكر لها، فإن لم يبكر فلا يسرع في مشيه رفقًا به وتكريمًا وتقديسًا لساحة الصلاة، وأدبًا في التوجه إلى الله، هدانا الله لما يحبه ويرضاه. -[المباحث العربية]- (إذا أقيمت الصلاة) في الرواية الثانية "إذا ثوب للصلاة" وفي رواية البخاري "إذا سمعتم الإقامة" والمراد من التثويب الإقامة، وسميت الإقامة تثويبًا لأنها دعاء إلى الصلاة بعد الدعاء بالأذان، من قولهم: ثاب إذا رجع. وفي الرواية الثالثة "إذا نودي بالصلاة" والمراد من النداء الثاني وهو الإقامة، وفي الرواية الخامسة "إذا أتيتم الصلاة" وهو أعم من الإقامة، لكن الأولى حمل الإتيان على الإتيان عند سماع الإقامة جمعًا بين الروايات، ولأنه إذا نهى عن الإسراع عند خوف فوات الفضيلة وإدراك تكبيرة الإحرام فقد نهى عن الإسراع عند عدم الخوف من باب أولى. (فلا تأتوها تسعون) "جملة تسعون" في محل النصب على الحال، والمراد من السعي هنا الجري، لمقابلته هنا بقوله "وأتوها تمشون" وجملة "تمشون" حال أيضًا. (وعليكم السكينة) "السكينة" بالرفع - كما ضبطها النووي - مبتدأ مؤخر، و"عليكم" خبر مقدم، والجملة في موضع النصب على الحال، وضبطها القرطبي شارح مسلم بالنصب على الإغراء،

стр. 1539

و"عليكم" اسم فعل بمعنى الزموا وفي رواية البخاري "وعليكم بالسكينة" بالباء الزائدة الداخلة على المفعول ومثلها كثير في الأحاديث الصحيحة كقوله "عليكم برخصة الله". "فعليه بالصوم". "وعليكم بقيام الليل" وفي الرواية الرابعة "وعليه السكينة والوقار" قال القاضي عياض والقرطبي: هما بمعنى واحد، وجمع بينهما للتأكيد، وقال: والظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك. (فما أدركتم فصلوا) الفاء الأولى في جواب شرط محذوف، أي إذا فعلتم ما أمرتكم به من السكينة والوقار فما أدركتم [أي فالقدر الذي أدركتموه في الصلاة مع الإمام] فصلوا معه. (وما فاتكم فأتموا) لفظ الإتمام يقع على باق من شيء قد تقدم أكثره أو بعضه، فظاهره أن ما أدركه هو أول الصلاة، وما فاته هو آخرها وتكملتها. لكن في الرواية الرابعة "صل ما أدركت واقض ما سبقك" ومعناها في المتبادر أن ما أدركه هو آخر الصلاة وما فاته هو أولها عليه قضاؤه، والحكم يختلف على المعنيين كما سيأتي في فقه الحديث. (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة) أي يقصدها ويتحرك لها. (فهو في صلاة) أي في ثواب صلاة وفي أجر صلاة، ولا بد من تقدير هذا المضاف لأنه لا يكون في صلاة فعلية. (بينما نحن نصلي ... ) "بينما" أصله "بين" زيدت عليه الميم والألف، وربما تزاد الألف فقط، فيقال "بينا" وهي ظرف الزمان بمعنى المفاجأة، ويضاف إلى جملة من فعل وفاعل، أو من مبتدأ وخبر، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى ويصدر بإذ، أو "إذا" أو الفاء، وبدون شيء من ذلك أكثر. (فسمع جلبة) جواب "بينما" وفي رواية البخاري "إذ سمع جلبة رجال" وفي رواية له "جلبة الرجال" أي أصواتًا لحركتهم وكلامهم واستعجالهم. (ما شأنكم)؟ خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والشأن بالهمزة وبالتخفيف الحال. (استعجلنا إلى الصلاة) السين والتاء للطلب أو للصيرورة، أي طلبنا من أنفسنا العجلة إلى الصلاة، أو صرنا عجلين إلى الصلاة. (قال: فلا تفعلوا) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا تأخرتم فلا تفعلوا العجلة والإسراع، والنهي عن الاستعجال بلفظ النهي عن الفعل فيه مبالغة، لأنه من العام الذي يدخل ضمنه الخاص. كذا قيل.

стр. 1540

-[فقه الحديث]- قال النووي: في الحديث الندب الأكيد إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهي عن إتيانها سعيًا، سواء فيه صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أم لا. ثم قال: وقوله ﷺ "إذا أقيمت الصلاة" إنما ذكر الإقامة للتنبيه بها على ما سواه، لأنه نهى عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة، مع خوفه فوت بعضها فقبل الإقامة أولى، وأكد ذلك ببيان العلة، فقال ﷺ "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكد ذلك تأكيدًا آخر، قال: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرح بالنهي، وإن فات من الصلاة ما فات، وبين ما يفعل فيما فات. اهـ وهذا التعميم الذي ذكره النووي هو ما عليه عامة العلماء، فالنهي عن الإسراع إلى الصلاة ولو لم يخف الفوات، ولو قبل الإقامة واضح بالقياس الأولى الذي ذكره، وواضح من الرواية الخامسة، ولفظها "إذا أتيتم الصلاة" والحكمة في ذلك أن الذاهب إلى الصلاة ينبغي أن يكون متأدبًا بآدابها، وعلى أكمل الأحوال، ومادام - والحالة هذه - في حكم المصلي فترة توصله إليها فعليه أن يلتزم الوجل والخشوع المطلوب لها، واعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه. وقد شذ بعضهم فجعل النهي خاصًا بمن سمع الإقامة أو خاف الفوات، ومعنى هذا أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة، وملحظه أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها وقد ضاق به النفس فيقرأ بغير ترتيل، ويقف في الصلاة مضطربًا من غير تمام الخشوع، بخلاف من جاء قبل ذلك فإن الصلاة قد لا تقام حتى يستريح. والنهي عن الإسراع بعد الإقامة وخوف الفوات واضح وصريح لكن الإمام أحمد يقول: ولا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئًا، ما لم يكن عجلة تقبح، فقد جاء الحديث عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا خافوا فوات التكبيرة الأولى. ذكره صاحب المغني. وحكى قبل ذلك عن إسحق بن راهويه، وأنه يرى أن الإسراع المنهي عنه هو الإسراع المفضي إلى عدم الوقار. والأصح ما ذكره النووي. ولا يقال: إن النهي عن السعي إلى الصلاة هنا يتعارض مع الأمر به في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] لأن المراد من السعي المنهي عنه في الحديث -كما قلنا في المباحث العربية - الجري والعجلة لمقابلته بالمشي. والمراد من السعي المأمور به في الآية المضي والذهاب لمقابلته بترك البيع، والاستعمالان لغويان. قال الحافظ ابن حجر: وعدم الإسراع يستلزم كثرة الخطا، وهو معنى مقصود لذاته، وردت فيه

стр. 1541

أحاديث، كحديث جابر عند مسلم "إن بكل خطوة درجة"، ولأبي داود "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يوضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة. فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى وقد صلوا بعضًا وبقي بعض، فصلى ما أدرك، وأتم ما بقي، كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك". وفي مسند ابن حميد عن زيد بن ثابت قال: "أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله ﷺ يمشي وأنا معه، فقارب في الخطا، ثم قال: أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر خطانا في طلب الصلاة". ويستحب أن يقول ما رواه ابن عباس وأخرجه الإمام مسلم "أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وأعطني نورًا". واختلف الفقهاء فيما يدركه المسبوق مع الإمام، هل هو أول صلاته؟ أو آخرها على ثلاثة أقوال: الأول: أن ما أدركه هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف، ورواية عن مالك ورواية عن أحمد، ودليله روايات "وما فاتكم فأتموا والإتمام لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وروايات "أتموا" هي الصحيحة، ورواية "فاقضوا" فيها كلام، وهي قليلة بالنسبة لروايات "أتموا" ثم القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا لكنه يطلق على الأداء أيضًا، فحمله على الأداء يوافق الرواية الأخرى، ولما كان مخرج الحديث واحدًا، والاختلاف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى يتم به الاتفاق كان ذلك أولى، ويؤيد هذا المذهب ما رواه البيهقي عن علي ﵁ "ما أدركت فهو أول صلاتك" فلو أدرك المأموم الإمام في الركعتين الأخيرتين من العشاء مثلاً كانتا بالنسبة له الأوليين فإذا سلم الإمام أتم المأموم صلاته بركعتين لا يجهر فيهما ولا يقرأ سورة بعد الفاتحة، وأوضح دليل يؤيد هذا المذهب أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرا له لما احتاج إلى إعادة التشهد. ويؤيده أيضًا أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الإحرام لا تكون إلا في الركعة الأولى، فما أدركه المأموم إنما هو أول صلاته. المذهب الثاني: أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، وعليه بعد تسليم الإمام أن يقضي أول صلاته بما ينبغي له من أقوال وأفعال على الهيئة اللازمة للأول وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد ورواية عن مالك، بل هو قول كبار المالكية، واستدلوا بقوله ﷺ في الرواية الرابعة "صل ما أدركت واقض ما سبقك" وبما رواه ابن أبي شيبة "وما فاتكم فاقضوا" وقد سبق رد هذا الدليل. المذهب الثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فلا يجهر في الإتمام بعد تسليم الإمام، وآخر صلاته بالنسبة إلى الأقوال فيقضي الأوليين بالفاتحة والسورة، وهو قول مالك في المشهور، قال ابن

стр. 1542

بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا إنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، وقال سحنون عنه: هذا الذي لم يعرف خلافه، ودليله ما رواه البيهقي عن علي "ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك" واقض ما سبقك من القرآن". -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - يؤخذ من قوله ﷺ "وما فاتكم فأتموا" جواز قول: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة فيه، وبهذا قال جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين وقال: إنما يقال: لم ندركها فالكراهة من جهة اللفظ، لأن قوله: لم ندركها فيه نسبة عدم الإدراك إلينا، بخلاف فاتتنا. وكلام ابن سيرين غير صحيح لثبوت النص بخلافه. ٢ - قال النووي: في قوله "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" دليل على أنه يستحب للذاهب إلى الصلاة أن لا يعبث بيده، ولا يتكلم بقبح، ولا ينظر نظرًا قبيحًا، ويجتنب ما أمكنه مما يجتنبه المصلي، فإذا وصل المسجد وقعد ينتظر الصلاة كان الاعتناء بما ذكرناه آكد. ٣ - قال الحافظ ابن حجر: استدل بقوله "فسمع جلبة" على أن التفات خاطر المصلي إلى الأمر الحادث لا يفسد صلاته. ٤ - واستدل بالحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله "فما أدركتم فصلوا" ولم يفصل بين القليل والكثير. قال الحافظ ابن حجر: وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة، لحديث "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك" قال: وقياسًا على الجمعة. اهـ وسيأتي الكلام عليه بعد باب. ٥ - واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها وفيه حديث صريح عند ابن أبي شيبة "من وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها". ٦ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على أن من أدرك الإمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته وقد فاته الوقوف والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة وجماعة، بل حكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحجة الجمهور حديث أبي بكرة، حيث ركع دون الصف، فقال له النبي ﷺ "زادك الله حرصًا ولا تعد" ولم يأمره بإعادة تلك الركعة. واللَّه أعلم

стр. 1543

(٢٢٢) باب متى يقوم الناس للصلاة ١١٦٥ - عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني". وقال ابن حاتم "إذا أقيمت أو نودي". ١١٦٦ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ وزاد إسحق في روايته حديث معمر وشيبان "حتى تروني قد خرجت". ١١٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف. وقال لنا "مكانكم" فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج إلينا. وقد اغتسل. ينطف رأسه ماء. فكبر فصلى بنا. ١١٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم وخرج رسول الله ﷺ فقام مقامه فأومأ إليهم بيده أن مكانكم فخرج وقد اغتسل ورأسه ينطف الماء فصلى بهم. ١١٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ . فيأخذ الناس مصافهم. قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه. ١١٧٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه.

стр. 1544

-[المعنى العام]- إن الدقة الإسلامية، وتبحر العلماء المسلمين في دقائق الشريعة وفروعها، وكيفية استنباط الأحكام الدقيقة من نصوصها تتجلى في هذا الباب: متى يقوم المصلون لصلاة الجماعة؟ أعند بداية إقامة الصلاة؟ أم في نهايتها؟ أم عند قوله: حي على الصلاة؟ أم عند قوله: قد قامت الصلاة؟ ثم. هل تقام الصلاة قبل أن يصل الإمام؟ وهل يصطف المصلون قبل وصوله؟ . دقائق فقهية، وكلها في الاستحباب أو عدم الاستحباب، ولا بطلان على أي وجه، ولا إثم على أي اتجاه، لقد كان بلال يؤذن للصلاة أحيانًا ورسول الله ﷺ في بيته - وبيوت أزواجه ﷺ كانت محيطة بالمسجد تفتح فيه - وكانت تقام الصلاة أحيانًا ويصطف الناس قبل أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، وفي ذلك مشقة عليهم قد تطول لعذر، فنهاهم رسول الله ﷺ . نهى بلالاً أن يقيم الصلاة حتى يراه، ونهى أصحابه أن يقوموا - ولو بعد الإقامة - حتى يروه، فإن وقفوا ووقف إمامهم، ثم بدا له عذر يضطره للخروج والعودة السريعة انتظروه قيامًا حتى يعود، ففي ذلك أجر لهم كما لو كانوا في الصلاة وقد شاء الله لنبيه ﷺ أن ينسى أنه جنب فيحضر للصلاة ثم يتذكر، فيخرج، ثم يغتسل، ويعود، ليعلمهم أن النسيان طبيعة البشر وهو بشر مثلهم، وأنه لا حياء في الدين، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (إذا أقيمت الصلاة) إذا ذكرت ألفاظ الإقامة. (حتى تروني) أي حتى تروني قد خرجت إليكم، فإذا رأيتموني خرجت فقوموا واصطفوا للصلاة. (قبل أن يكبر ذكر) أي قبل أن يدخل في الصلاة، وقبل أن ينطق بتكبيرة الإحرام تذكر أنه جنب، ففي رواية البخاري في باب الغسل "فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب" وفي رواية أبي نعيم "ذكر أنه لم يغتسل" وفي رواية البخاري "وانتظرنا تكبيره، وكل ذلك صريح في أنه لم يكبر ولم يدخل في الصلاة، فتحمل رواية أبي داود أنه كان دخل في الصلاة على أن المراد بقوله "دخل في الصلاة" أن قام في مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها، قال النووي: ويحتمل أنهما قضيتان، وهو الأظهر. اهـ. (فانصرف) من المسجد إلى حجرته ﷺ . (مكانكم) أي الزموا مكانكم، وفي رواية البخاري "على مكانكم" أي كونوا على مكانكم. (فلم نزل قيامًا ننتظره) "قيامًا" حال، وجملة "ننتظره" خبر "نزل" أو العكس، أو هما خبران.

стр. 1545

(حتى خرج إلينا وقد اغتسل) جملة "وقد اغتسل" حالية. (ينطف رأسه ماء) "ينطف" بكسر الطاء وضمها، أي يقطر، كما جاء في رواية للبخاري. و"ماء" تمييز، والجملة حال مترادفة من فاعل "خرج" أو متداخلة من فاعل "اغتسل" والأول أوضح. (فأومأ إليهم بيده أن مكانكم) "أن" هنا تفسيرية بمعنى أي، مفسرة لمعنى "أومأ" وهي مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وفي الرواية السابقة "وقال: مكانكم" فيجمع بين الروايتين بأن المراد من القول الإشارة والإيماء، أو أنه تكلم وأشار، فوضع كل منهما في رواية. (فخرج وقد اغتسل) الظاهر أن الخروج هنا من الحجرة إلى المسجد ليتفق مع الرواية السابقة في اللفظ، فهو معطوف على محذوف، أي فانصرف إلى حجرته فخرج منها إلينا وقد اغتسل. (كان بلال يؤذن) أي للظهر. (إذا دحضت) بفتح الدال والحاء والضاء، أي زالت، والضمير للشمس وإن لم يسبق لها ذكر للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في: متى يقوم المأمومون للصلاة؟ . فقال مالك في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف. ومذهب الشافعي وطائفة أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو قول أبي يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: حي على الصلاة. وعند أحمد يستحب القيام إلى الصلاة عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة وبهذا قال مالك في رواية، وهو قول زفر. قال ابن المنذر: على هذا أهل الحرمين. ووجهه أن قوله: قد قامت الصلاة، خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا، فيستحب المبادرة إلى القيام امتثالاً للأمر. وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم وأبو قلابة والزهري وعطاء يقومون عند أول كلمة من الإقامة. وعن سعيد بن المسيب قال: إذا قال المؤذن: الله أكبر وجب القيام، وإذا قال: حي على الصلاة عدلت الصفوف.
следующие страницы →