Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
أحاديث، كحديث جابر عند مسلم "إن بكل خطوة درجة"، ولأبي داود "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يوضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة. فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى وقد صلوا بعضًا وبقي بعض، فصلى ما أدرك، وأتم ما بقي، كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك". وفي مسند ابن حميد عن زيد بن ثابت قال: "أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله ﷺ يمشي وأنا معه، فقارب في الخطا، ثم قال: أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر خطانا في طلب الصلاة".
ويستحب أن يقول ما رواه ابن عباس وأخرجه الإمام مسلم "أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وأعطني نورًا".
واختلف الفقهاء فيما يدركه المسبوق مع الإمام، هل هو أول صلاته؟ أو آخرها على ثلاثة أقوال: الأول: أن ما أدركه هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف، ورواية عن مالك ورواية عن أحمد، ودليله روايات "وما فاتكم فأتموا والإتمام لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وروايات "أتموا" هي الصحيحة، ورواية "فاقضوا" فيها كلام، وهي قليلة بالنسبة لروايات "أتموا" ثم القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا لكنه يطلق على الأداء أيضًا، فحمله على الأداء يوافق الرواية الأخرى، ولما كان مخرج الحديث واحدًا، والاختلاف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى يتم به الاتفاق كان ذلك أولى، ويؤيد هذا المذهب ما رواه البيهقي عن علي ﵁ "ما أدركت فهو أول صلاتك" فلو أدرك المأموم الإمام في الركعتين الأخيرتين من العشاء مثلاً كانتا بالنسبة له الأوليين فإذا سلم الإمام أتم المأموم صلاته بركعتين لا يجهر فيهما ولا يقرأ سورة بعد الفاتحة، وأوضح دليل يؤيد هذا المذهب أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرا له لما احتاج إلى إعادة التشهد. ويؤيده أيضًا أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الإحرام لا تكون إلا في الركعة الأولى، فما أدركه المأموم إنما هو أول صلاته.
المذهب الثاني: أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، وعليه بعد تسليم الإمام أن يقضي أول صلاته بما ينبغي له من أقوال وأفعال على الهيئة اللازمة للأول وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد ورواية عن مالك، بل هو قول كبار المالكية، واستدلوا بقوله ﷺ في الرواية الرابعة "صل ما أدركت واقض ما سبقك" وبما رواه ابن أبي شيبة "وما فاتكم فاقضوا" وقد سبق رد هذا الدليل.
المذهب الثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فلا يجهر في الإتمام بعد تسليم الإمام، وآخر صلاته بالنسبة إلى الأقوال فيقضي الأوليين بالفاتحة والسورة، وهو قول مالك في المشهور، قال ابن
стр. 1542
بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا إنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، وقال سحنون عنه: هذا الذي لم يعرف خلافه، ودليله ما رواه البيهقي عن علي "ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك" واقض ما سبقك من القرآن".
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - يؤخذ من قوله ﷺ "وما فاتكم فأتموا" جواز قول: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة فيه، وبهذا قال جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين وقال: إنما يقال: لم ندركها فالكراهة من جهة اللفظ، لأن قوله: لم ندركها فيه نسبة عدم الإدراك إلينا، بخلاف فاتتنا. وكلام ابن سيرين غير صحيح لثبوت النص بخلافه.
٢ - قال النووي: في قوله "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" دليل على أنه يستحب للذاهب إلى الصلاة أن لا يعبث بيده، ولا يتكلم بقبح، ولا ينظر نظرًا قبيحًا، ويجتنب ما أمكنه مما يجتنبه المصلي، فإذا وصل المسجد وقعد ينتظر الصلاة كان الاعتناء بما ذكرناه آكد.
٣ - قال الحافظ ابن حجر: استدل بقوله "فسمع جلبة" على أن التفات خاطر المصلي إلى الأمر الحادث لا يفسد صلاته.
٤ - واستدل بالحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله "فما أدركتم فصلوا" ولم يفصل بين القليل والكثير.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة، لحديث "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك" قال: وقياسًا على الجمعة. اهـ وسيأتي الكلام عليه بعد باب.
٥ - واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها وفيه حديث صريح عند ابن أبي شيبة "من وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها".
٦ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على أن من أدرك الإمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته وقد فاته الوقوف والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة وجماعة، بل حكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحجة الجمهور حديث أبي بكرة، حيث ركع دون الصف، فقال له النبي ﷺ "زادك الله حرصًا ولا تعد" ولم يأمره بإعادة تلك الركعة.
واللَّه أعلم
стр. 1543
(٢٢٢) باب متى يقوم الناس للصلاة
١١٦٥ - عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني". وقال ابن حاتم "إذا أقيمت أو نودي".
١١٦٦ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ وزاد إسحق في روايته حديث معمر وشيبان "حتى تروني قد خرجت".
١١٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف. وقال لنا "مكانكم" فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج إلينا. وقد اغتسل. ينطف رأسه ماء. فكبر فصلى بنا.
١١٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم وخرج رسول الله ﷺ فقام مقامه فأومأ إليهم بيده أن مكانكم فخرج وقد اغتسل ورأسه ينطف الماء فصلى بهم.
١١٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ . فيأخذ الناس مصافهم. قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه.
١١٧٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه.
стр. 1544
-[المعنى العام]-
إن الدقة الإسلامية، وتبحر العلماء المسلمين في دقائق الشريعة وفروعها، وكيفية استنباط الأحكام الدقيقة من نصوصها تتجلى في هذا الباب: متى يقوم المصلون لصلاة الجماعة؟ أعند بداية إقامة الصلاة؟ أم في نهايتها؟ أم عند قوله: حي على الصلاة؟ أم عند قوله: قد قامت الصلاة؟ ثم. هل تقام الصلاة قبل أن يصل الإمام؟ وهل يصطف المصلون قبل وصوله؟ .
دقائق فقهية، وكلها في الاستحباب أو عدم الاستحباب، ولا بطلان على أي وجه، ولا إثم على أي اتجاه، لقد كان بلال يؤذن للصلاة أحيانًا ورسول الله ﷺ في بيته - وبيوت أزواجه ﷺ كانت محيطة بالمسجد تفتح فيه - وكانت تقام الصلاة أحيانًا ويصطف الناس قبل أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، وفي ذلك مشقة عليهم قد تطول لعذر، فنهاهم رسول الله ﷺ . نهى بلالاً أن يقيم الصلاة حتى يراه، ونهى أصحابه أن يقوموا - ولو بعد الإقامة - حتى يروه، فإن وقفوا ووقف إمامهم، ثم بدا له عذر يضطره للخروج والعودة السريعة انتظروه قيامًا حتى يعود، ففي ذلك أجر لهم كما لو كانوا في الصلاة وقد شاء الله لنبيه ﷺ أن ينسى أنه جنب فيحضر للصلاة ثم يتذكر، فيخرج، ثم يغتسل، ويعود، ليعلمهم أن النسيان طبيعة البشر وهو بشر مثلهم، وأنه لا حياء في الدين، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(إذا أقيمت الصلاة) إذا ذكرت ألفاظ الإقامة.
(حتى تروني) أي حتى تروني قد خرجت إليكم، فإذا رأيتموني خرجت فقوموا واصطفوا للصلاة.
(قبل أن يكبر ذكر) أي قبل أن يدخل في الصلاة، وقبل أن ينطق بتكبيرة الإحرام تذكر أنه جنب، ففي رواية البخاري في باب الغسل "فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب" وفي رواية أبي نعيم "ذكر أنه لم يغتسل" وفي رواية البخاري "وانتظرنا تكبيره، وكل ذلك صريح في أنه لم يكبر ولم يدخل في الصلاة، فتحمل رواية أبي داود أنه كان دخل في الصلاة على أن المراد بقوله "دخل في الصلاة" أن قام في مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها، قال النووي: ويحتمل أنهما قضيتان، وهو الأظهر. اهـ.
(فانصرف) من المسجد إلى حجرته ﷺ .
(مكانكم) أي الزموا مكانكم، وفي رواية البخاري "على مكانكم" أي كونوا على مكانكم.
(فلم نزل قيامًا ننتظره) "قيامًا" حال، وجملة "ننتظره" خبر "نزل" أو العكس، أو هما خبران.
стр. 1545
(حتى خرج إلينا وقد اغتسل) جملة "وقد اغتسل" حالية.
(ينطف رأسه ماء) "ينطف" بكسر الطاء وضمها، أي يقطر، كما جاء في رواية للبخاري. و"ماء" تمييز، والجملة حال مترادفة من فاعل "خرج" أو متداخلة من فاعل "اغتسل" والأول أوضح.
(فأومأ إليهم بيده أن مكانكم) "أن" هنا تفسيرية بمعنى أي، مفسرة لمعنى "أومأ" وهي مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وفي الرواية السابقة "وقال: مكانكم" فيجمع بين الروايتين بأن المراد من القول الإشارة والإيماء، أو أنه تكلم وأشار، فوضع كل منهما في رواية.
(فخرج وقد اغتسل) الظاهر أن الخروج هنا من الحجرة إلى المسجد ليتفق مع الرواية السابقة في اللفظ، فهو معطوف على محذوف، أي فانصرف إلى حجرته فخرج منها إلينا وقد اغتسل.
(كان بلال يؤذن) أي للظهر.
(إذا دحضت) بفتح الدال والحاء والضاء، أي زالت، والضمير للشمس وإن لم يسبق لها ذكر للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢].
-[فقه الحديث]-
اختلف العلماء في: متى يقوم المأمومون للصلاة؟ .
فقال مالك في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف.
ومذهب الشافعي وطائفة أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو قول أبي يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: حي على الصلاة.
وعند أحمد يستحب القيام إلى الصلاة عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة وبهذا قال مالك في رواية، وهو قول زفر. قال ابن المنذر: على هذا أهل الحرمين.
ووجهه أن قوله: قد قامت الصلاة، خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا، فيستحب المبادرة إلى القيام امتثالاً للأمر.
وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم وأبو قلابة والزهري وعطاء يقومون عند أول كلمة من الإقامة.
وعن سعيد بن المسيب قال: إذا قال المؤذن: الله أكبر وجب القيام، وإذا قال: حي على الصلاة عدلت الصفوف.
стр. 1546
هذا إذا كان الإمام في المسجد أو قريبًا منه، أما إذا لم يكن الإمام في المسجد فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون، ولا يقام للصلاة حتى يروه، وعن أحمد: ينبغي أن تقام الصفوف قبل أن يدخل الإمام فلا يحتاج أن يقف. أما عن: متى يفتتح الإمام الصلاة؟ فقد قال أبو حنيفة ومحمد وزفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة كبر الإمام، لأنه أمين الشرع، وقد أخبر بقيامها، فيجب تصديقه.
وعامة العلماء على أنه لا يكبر الإمام إلا بعد فراغ المؤذن من الإقامة، لأن النبي ﷺ إنما كان يكبر بعد فراغه، دل على ذلك ما روي أنه كان يعدل الصفوف بعد إقامة الصلاة، ويقول في الإقامة مثل قول المؤذن، وروى أنس قال: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري" رواه البخاري. وعنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال هكذا وهكذا عن يمينه وشماله: "استووا وتعادلوا".
وعلى هذا فروايات الباب ظاهرة التعارض، فالرواية الثانية والثالثة والرابعة أن الصلاة كانت تقام، ويصطف المصلون، وتعدل الصفوف قبل أن يخرج رسول الله ﷺ من حجرته، وقبل أن يراه الناس، والرواية الخامسة أن الصلاة لم تكن تقام حتى يخرج ويراه الناس.
وقد جمع الحافظ ابن حجر بأن روايات أبي هريرة [الثانية والثالثة والرابعة] وقعت لبيان الجواز، وبأن صنيعهم فيها كان سبب النهي الوارد في الرواية الأولى، وأنه نهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره.
وهناك تعارض آخر في الظاهر بين الرواية الأولى والرواية الخامسة، فالرواية الأولى "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" ظاهرها أن الصلاة قد تقام قبل أن يروا النبي ﷺ ، والرواية الخامسة، وفيها "فإذا خرج الإمام أقام [بلال] الصلاة حين يراه" واضحة في أنه لم يكن يقيم حتى يراه، وقد جمع الحافظ ابن حجر بينهما نقلاً عن القرطبي بأن بلالاً كان يراقب خروج النبي ﷺ ، فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - استحباب تعديل الصفوف والتراص فيها.
٢ - أنه لا يضر الفصل القليل بين الإقامة والصلاة، حيث لم يجددوا إقامة الصلاة لما اغتسل وخرج. قال الحافظ ابن حجر، الظاهر أنه مقيد بالضرورة وبأمن خروج الوقت، وعن مالك: إذا بعدت الإقامة عن الإحرام تعاد، وينبغي أن يحمل على ما إذا لم يكن عذر.
٣ - جواز النسيان في العبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقد سبق بيان ذلك في سجود السهو.
٤ - استدل بقطر الماء من رأسه ﷺ على طهارة الماء المستعمل.
стр. 1547
٥ - وفيه جواز الإقامة والإمام في منزله إذا كان يسمعها وقد أذن بذلك.
٦ - وفيه جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا عند الضرورة، وقد قيل للبخاري: إذا وقع هذا لأحدنا يفعل مثل هذا؟ قال: نعم. قيل: فينتظرون الإمام قيامًا أو قعودًا؟ قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعدوا، وإن كان بعد التكبير انتظروه قيامًا.
٧ - وفيه أنه لا حياء في أمر الدين، ويمكن لمن يغلبه الحياء أن يأتي بعذر موهم، كأن يمسك بأنفه ليوهم أنه راعف، ذكره الحافظ ابن حجر.
٨ - وأنه لا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم خلافًا لبعضهم.
٩ - وفيه جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.
١٠ - وفيه رد على الحنفية في قولهم بأن الإمام يكبر إذا قال المؤذن في الإقامة، قد قامت الصلاة.
١١ - وفيه أنه يجوز الخروج من المسجد بعد إقامة الصلاة لعلة وضرورة وفي ذلك تخصيص لما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة "أنه رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم" فيخص نحو هذا بمن ليس له ضرورة، ويلحق بالجنب المحدث والراعف والحاقن ونحوهم.
والله أعلم
стр. 1548
(٢٢٣) باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة
١١٧١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
١١٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة".
١١٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثل حديث يحيى عن مالك. وليس في حديث أحد منهم "مع الإمام" وفي حديث عبيد الله قال "فقد أدرك الصلاة كلها".
١١٧٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
١١٧٥ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها" والسجدة إنما هي الركعة.
١١٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك. ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك".
стр. 1549
-[المعنى العام]-
فضل من اللَّه ورحمة أن يسر الصلاة إن ضاق وقتها. كما تفضل بقبولها قضاء إذا خرج وقتها. نعم مع المسئولية عن التأخير، ومع نقص الأجر والثواب إن لم يكن بعذر شرعي.
قد يدرك المأموم الإمام في ركعة، فهل يكتب له ثواب صلاة الجماعة؟ وقد يبلغ الصبي، ويسلم الكافر، ويدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها فهل تقبل منه صلاته كاملة؟ وقد يضيق الوقت على المصلي فلا يدرك من الصلاة إلا ركعة فهل يتم وتقبل صلاته أداء؟
لقد تفضل الكريم الحليم الرحيم فشرع أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك فضيلة الجماعة ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته بعد طلوع الشمس وقد أدرك وقت الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته وقد أدرك وقت العصر.
هذا الفضل والكرم ينبغي أن لا يقابل بالاستهتار والإهمال لأوقات الصلوات، بل لا يقابل بالإهمال للصلاة في أول وقتها، لأن الفضل إنما يكون لمن هو أهله الحريص على اتباع الأوامر الذي يغفل عن غير قصد وعن غير إهمال.
-[المباحث العربية]-
(من أدرك ركعة) الإدراك هنا الوصول إلى الشيء.
(فقد أدرك الصلاة) ظاهره أنه يكتفي بالركعة عن الصلاة، وليس مرادًا إجماعًا، ففي الكلام مضاف محذوف، أي أدرك وقت الصلاة، وقوله في ملحق الرواية الثانية "فقد أدرك الصلاة كلها" أي فليتم وتقع كلها كما لو كانت في الوقت. وقيل في المضاف المحذوف: فقد أدرك وجوب الصلاة، وذلك في الصبي يبلغ، والكافر يسلم، والمجنون يفيق، والحائض تطهر ... إلخ، وقيل: فقد أدرك فضيلة جماعتها مع الإمام، كما تصرح الرواية الثانية.
(والسجدة إنما هي الركعة) هذا تفسير من حرملة الراوي، وأصل السند عن حرملة عن ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه عن عائشة قالت ... الحديث، ويعبر بالسجدة عن الركعة، قال الخطابي: السجدة هنا معناها الركعة، بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة. اهـ.
وقيل: المراد بالركعة والسجدة جزء الصلاة، ولو تكبيرة الإحرام، وسيأتي التفصيل في فقه الحديث.
стр. 1550
-[فقه الحديث]-
الرواية الثانية ظاهرة في فضل صلاة الجماعة، فلفظها "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام" والثالثة والرابعة والخامسة صالحة لإدراك الوقت، أو إدراك الوجوب، والرواية الأولى مطلقة تصلح للحالات الثلاث.
ومن هنا قال النووي: قال أصحابنا: يدخل فيه ثلاث مسائل:
إحداها: إذا أدرك من لا يجب عليه الصلاة ركعة من وقتها لزمته تلك الصلاة، وذلك في الصبي يبلغ؛ والمجنون والمغمى عليه يفيقان، والحائض والنفساء تطهران، والكافر يسلم فمن أدرك من هؤلاء ركعة قبل خروج وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وإن أدرك دون الركعة كتكبيرة ففيه قولان للشافعي، أحدهما لا تلزمه لمفهوم هذا الحديث، وأصحهما عند أصحابنا تلزمه لأنه أدرك جزءًا من الوقت، فاستوى قليله وكثيره، وأجابوا عن الحديث بأن التقييد بركعة خرج مخرج الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة فلا يكاد يحس بها [قال الحافظ ابن حجر: وهذه الصلاة في حق أصحاب الأعذار أداء].
المسألة الثانية: إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها، فصلى ركعة، ثم خرج الوقت كان مدركًا لأدائها، ويكون كلها أداء، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا يكون كلها قضاء، وقال بعضهم: ما وقع في الوقت أداء. وما بعده قضاء. وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى القصر وصلى ركعة في الوقت، وباقيها بعده، فإن قلنا: الجميع أداء فله قصرها، وإن قلنا: كلها قضاء أو بعضها وجب إتمامها أربعًا على القول بأن فائتة السفر إذا قضيت في السفر يجب إتمامها.
هذا كله إذا أدرك ركعة في الوقت، فإن كان دون ركعة فقال بعض أصحابنا: هو كالركعة، وقال الجمهور يكون كلها قضاء، واتفقوا على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت.
المسألة الثالثة: إذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة كان مدركًا لفضيلة الجماعة بلا خلاف، وإن لم يدرك ركعة، بل أدركه قبل السلام ففيه وجهان كالوجهين في المسألة الأولى. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في إدراك الركوع مع الإمام: مفهوم التقييد بالركعة أن من أدرك دون الركعة لا يكون مدركًا لها وهو الذي استقر عليه الاتفاق، وكان فيه شذوذ قديم، فقد قيل: إدراك الإمام راكعًا يجزئ ولو لم يدرك معه الركوع، وقيل يدرك الركعة ولو رفع الإمام رأسه ما لم يرفع بقية من ائتم به رءوسهم ولو بقي واحد، وقيل: من أدرك تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع أدرك الركعة وإن لم يشارك الإمام الركوع والهوي.
وما ذكره النووي تفصيل لمذهب الشافعية، ومذهب مالك أنه لا يكون مدركًا للحكم أو الفضل أو الوقت إذا أدرك أقل من ركعة، ومذهب أبي حنيفة أنه يكون مدركًا لحكم الصلاة، واختلف الفقهاء في الجمعة، فمذهب مالك وزفر ومحمد والشافعي وأحمد أن من أدرك منها ركعة أضاف إليها أخرى، ومن لم يدرك صلى ظهرًا، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين.
стр. 1551
وفي هذا الحديث دليل صريح على أن من صلى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت لا تبطل صلاته بل يتمها، وهذا بالإجماع، وفي الصبح كذلك عند الشافعي ومالك وأحمد، وعند أبي حنيفة تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها، لأنه دخل في وقت النهي عن الصلاة.
وفي الرواية الثالثة والرابعة والخامسة رد على أبي حنيفة، ففيها "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" ومعناها لا تبطل صلاته، بل يتمها وهي صحيحة.
وأصرح من هذا رواية البخاري "وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته".
وقد حاول الطحاوي الدفاع عن الحنفية بحمل الإدراك على إدراك الصبيان والحيض والكافرين ونحوهم من أصحاب الأعذار، ورواية البخاري السابقة ترد عليه، لأنه يقول: يجب عليهم قضاؤها لا إتمامها. وادعى بعض الحنفية أن هذه الأحاديث منسوخة بأحاديث النهي عن الصلاة حين طلوع الشمس. قال: وإذا اجتمع المحرم والمبيح يكون العمل للمحرم ويكون المبيح منسوخًا.
قال الحافظ ابن حجر: وهي دعوى تحتاج إلى دليل، فإنه لا يصار إلى النسخ بالاجتماع، والجمع بين الحديثين ممكن، بأن تحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ. اهـ.
واللَّه أعلم
стр. 1552
(٢٢٤) باب أوقات الصلوات الخمس
١١٧٧ - عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئًا فقال له عروة أما إن جبريل قد نزل فصلى إمام رسول الله ﷺ فقال له عمر: اعلم ما تقول يا عروة. فقال سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول "نزل جبريل فأمني. فصليت معه. ثم صليت معه. ثم صليت معه. ثم صليت معه. ثم صليت معه". يحسب بأصابعه خمس صلوات.
١١٧٨ - عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا وهو بالكوفة فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال: ما هذا؟ يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى؛ فصلى رسول الله ﷺ ثم صلى؛ فصلى رسول الله ﷺ . ثم صلى؛ فصلى رسول الله ﷺ . ثم صلى فصلى رسول الله ﷺ ثم صلى فصلى رسول الله ﷺ ثم قال: بهذا أمرت. فقال عمر لعروة: انظر ما تحدث يا عروة أو إن جبريل ﵇ هو أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة؟ فقال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه.
١١٧٩ - قال عروة: ولقد حدثتني عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها. قبل أن تظهر.
١١٨٠ - عن عائشة ﵂ كان النبي ﷺ يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي. لم يفئ الفيء بعد. وقال أبو بكر: لم يظهر الفيء بعد.
١١٨١ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها. لم يظهر الفيء في حجرتها.
стр. 1553
١١٨٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس واقعة في حجرتي.
١١٨٣ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن نبي الله ﷺ قال "إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول. ثم إذا صليتم الظهر فإنه وقت إلى أن يحضر العصر. فإذا صليتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس. فإذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق. فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل".
١١٨٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال "وقت الظهر ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق. ووقت العشاء إلى نصف الليل. ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس".
١١٨٥ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "وقت الظهر إذا زالت الشمس. وكان ظل الرجل كطوله. ما لم يحضر العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق. ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط. ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس. فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان".
١١٨٦ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات؟ فقال "وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول. ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يحضر العصر. ووقت صلاة
стр. 1554
العصر ما لم تصفر الشمس، ويسقط قرنها الأول. ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس، ما لم يسقط الشفق. ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل".
١١٨٧ - عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير قال: سمعت أبي يقول: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
١١٨٨ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة؟ فقال له "صل معنا هذين" (يعني اليومين) فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن. ثم أمره فأقام الظهر. ثم أمره فأقام العصر، والشمس مرتفعة بيضاء نقية. ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس. ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر؛ فأبرد بها. فأنعم أن يبرد بها. وصلى العصر والشمس مرتفعة، أخرها فوق الذي كان. وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق. وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل. وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال "أين السائل عن وقت الصلاة؟ " فقال الرجل: أنا. يا رسول الله قال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم".
١١٨٩ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلاً أتى النبي ﷺ . فسأله عن مواقيت الصلاة؟ فقال "اشهد معنا الصلاة" فأمر بلالاً فأذن بغلس. فصلى الصبح، حين طلع الفجر. ثم أمره بالظهر، حين زالت الشمس عن بطن السماء. ثم أمره بالعصر، والشمس مرتفعة. ثم أمره بالمغرب، حين وجبت الشمس، ثم أمره بالعشاء، حين وقع الشفق. ثم أمره الغد فنور بالصبح. ثم أمره بالظهر فأبرد. ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة. ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق. ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه (شك حرمي). فلما أصبح قال "أين السائل؟ ما بين ما رأيت وقت".
١١٩٠ - عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة؟ فلم يرد عليه شيئًا. قال فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا
стр. 1555
يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ، حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ انْتَصَفَ النهَارُ، وَهُوَ كَان أَعْلَمَ مِنْهُمْ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتْ الشَّمْسُ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ. ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنْ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ. ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَمْسِ. ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ. ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ. ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ "الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ".
١١٩١ - عَنِ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ سَائِلا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ . فَسَأَلَهُ عَنِ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ؟ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.
-[المعنى العام]-
فرض الله تعالى على المسلمين خمس صلوات في اليوم والليلة، وحدد لكل صلاة وقتا معينا له بداية ونهاية، وجعل الفضل الأكبر للصلاة في أول وقتها وتيسيرا على الأمة، ورفعا للحرج والمشقة فسح لها في الوقت ليؤدي المعذور والمشغول ما عليه. حدد الشارع مواقيت الصلاة بأسلوبين: أسلوب الوحي إلى محمد ﷺ بالقول، والوحي إليه بالعمل، حيث نزل جبريل ﵇ في يومين، يصلي إماما بالنبي ﷺ في أول وقت كل صلاة يومًا، وفى آخر وقت كل صلاة يومًا، واستخدم الرسول ﷺ ، الأسلوب نفسه في التبليغ للأمة، يحدد الوقت بالقول أحيانًا، ويقول للسائل: صل معنا يومين أحيانًا أخرى، فإذا صلى معه صلى الصلوات الخمس في أول وقتها يومًا، وفى آخر وقتها يومًا، ثم قال للسائل: الوقت الصالح للصلاة ما بين الوقتين اللذين صلينا فيهما أمس واليوم.
وحرص الصحابة والتابعون على التمسك بالشريعة، وحرص الأئمة على أول الوقت حيث لا ضرورة، فإذا رأوا إماما أخر الصلاة عن أول وقتها نهوه وطلبوا إليه مراعاة السنة، وكان تحديد الأوقات بالوسيلة الميسورة آنذاك، بل الميسورة في كل العصور للمسافرين والبعيدين عن الحضر، كانت بتحركات الشمس وآثارها، فالفجر من ظهور الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، والظهر من زوالها حتى يصير ظل كل شئ مثله، والعصر من انتهاء وقت الظهر إلى غروب الشمس، والمغرب من الغروب حتى غياب الشفق، والعشاء من غياب الشفق حتى الفجر. أعاننا الله على ذكره وشكره وحسن عبادته.
стр. 1556
المباحث العريية
(أخر العصر شيئا) أي قدرا عن أول وقته، يوما ما، وكان أميرا على المدينة زمن الوليد بن عبد الملك. قال ابن عبد البر: المراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب.
(أما إن جبريل قد نزل) " أما" بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح.
(فصلى إمام رسول الله) "إمام" بكسرالهمزة، يوضحه قوله ﷺ في الرواية نفسها "نزل جبريل فأمني".
(أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما، وهو بالكوفة) أميرًا عليها من قبل معاوية، والصلاة المذكورة صلاة العصر أيضًا.
(نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ ) كرر هكذا خمس مرات، ومعناه أنه كلما فعل جزءًا من أجزاء الصلاة فعله النبي ﷺ بعده حتى تكاملت صلاته وهذا معنى "أمني" في الرواية السابقة، لا كما توهمه العبارة من أن جبريل يصلي الفريضة وينتهي منها ثم يصليها رسول الله ﷺ وحده.
(ثم قال: بهذا أمرت) أي قال جبريل: بهذا أمرت يا محمد، فالتاء للمخاطب، أو بهذا أمرت أن أعلمك يا محمد، فالتاء للمتكلم، والإشارة إلى تعدد الصلوات إلى خمس في أوقاتها.
(انظر ما تحدث يا عروة) أي تأكد وتثبت مما تحدث يا عروة، ولم يكن هذا الحديث قد بلغ عمر بن عبد العزيز فطلب التأكد.
(أو إن جبريل ﵇ هو أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة)؟ الهمزة للاستفهام، الواو مفتوحة عاطفة على محذوف، "وأقام" بمعنى حدد وعدل، والمعنى أصلى جبريل بالرسول وإن جبريل هو الذي حدد أوقات الصلاة لرسول الله ﷺ ؟ .
(قال عروة: كذلك كان بشير يحدث) أي نعم هكذا سمعت من بشير عن أبيه.
(قال عروة: ولقد حدثتني عائشة) استدلال آخر من عروة على عدم تأخير العصر.
(والشمس في حجرتها قبل أن تظهر) في الرواية الثالثة "والشمس طالعة في حجرتي" وفى الرواية الرابعة "والشمس في حجرتها" وفي الرواية الخامسة "والشمس واقعة في حجرتي" فمعنى "والشمس في حجرتها قبل أن تظهر" أي قبل أن ترتفع، قال الحافظ ابن حجر: فالمراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة، وأما ظهور الفئ فالمراد انبساطه في الحجرات.
(والشمس طالعة في حجرتي لم يفئ الفئ) أي والشمس ظاهرة في حجرتي لم يغطها الظل تغطية كاملة، بأن غطى معظمها وبقي في الحجرة جزء به شمس.
стр. 1557
قال النووي: والمعنى على هذه الروايات التبكير بصلاة العصر في أول وقتها، وهو حين يصير ظل كل شيء مثله، وكانت الحجرة ضيقة العرصة [الفراغ] قصيرة الجدار، بحيث يكون طول جدارها أقل من مساحة العرصة [أي أقل من ضلع الفراغ] بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله دخل وقت العصر وتكون الشمس ما زالت في أواخر العرصة، لم يقع الفيء في الجدار الشرقي. وكل الروايات محمولة على ما ذكرناه. اهـ.
(إلى أن يطلع قرن الشمس الأول) أي قوسها الأعلى.
(إلى أن يسقط الشفق) أي يغيب الشفق من الأفق. وهو لفظ الرواية الثامنة، وفى الرواية الحادية عشرة "حين وقع الشفق". وفى الرواية السابعة "ما لم يسقط ثور الشفق" أي ثورته وانتشاره، وهل المراد الشفق الأحمر أو الأبيض؟ خلاف بين الفقهاء.
(فإنها تطلع بين قرني شيطان) قال النووي: قيل: المراد بقرنه أمته وشيعته، وقيل: قرنه جانب رأسه، وهذا ظاهر الحديث، فهو أولى، ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذا الوقت ليكون الساجدون للشمس من الكفار في هذا الوقت كالساجدين له. وحينئذ يكون له ولشيعته تسلط وتمكن من أن يلبسوا على المصلي صلاته، فكرهت الصلاة في هذا الوقت لهذا المعنى، اهـ.
(والشمس مرتفعة بيضاء نقية) أي لا صفرة فيها.
(فأبرد بالظهر) أي أخر صلاته إلى أن يبرد الوقت وينكسر وهج الشمس وحرارتها.
(فأنعم أن يبرد بها) "أنعم" بفتح العين والميم، أي فأحسن الإبراد بها.
(أخرها فوق الذي كان) أي بالأمس.
(وصلى الفجر فأسفر بها) في الرواية الحادية عشرة "فنور بالصبح، أي أسفر، من النور وهو الإضاءة، أي صلى الفجر والضوء منتشر قبل طلوع الشمس.
(فأذن بغلس) بفتح الغين واللام، وهو ظلمة آخر الليل.
(ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس) أي حين غابت.
(فلم يرد عليه شيئًا) أي لم يرد جوابا ببيان الأوقات باللفظ، بل قال له: صل معنا لتعرف ذلك ويحصل لك البيان بالفعل. قاله النووي، وقال: وإنما تأولناه لنجمع بينه وبين بريدة [الرواية العاشرة والحادية عشرة] ولأن المعلوم من أحوال النبي ﷺ أنه كان يجيب إذا سئل عما يحتاج إليه. اهـ.
(والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا) من الظلمة.
стр. 1558
فقه الحديث
يمكن أن نجمع ألفاظ الروايات المختلفة عن كل وقت على حدة، تم نتبين منها وقت كل صلاة على الوجه التالي:
١ - وقت الصبح: [إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول] الرواية السادسة. [ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس] الرواية السابعة [ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس] الرواية الثامنة [ووقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول] الرواية التاسعة [فأقام الفجر حين طلع الفجر] [وصلى الفجر فأسفر بها] الرواية العاشرة [فأذن بغلس فصلى الصبح حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا] [ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت] الرواية الثانية عشرة.
قال الفقهاء: يبدأ وقت صلاة الصبح بطلوع الفجر الصادق بالإجماع والفجر الصادق هو البياض المستطير المنتشر في الأفق، أما الفجر الكاذب -وهو البياض المستدق الصاعد من غير اعتراض- فلا يتعلق به حكم.
وأما نهاية وقت صلاة الصبح فالجمهورعلى أنه عند طلوع أول جزء من الشمس، فإذا طلع أول جزء من الشمس خرج وقت الأداء وصارت قضاء ودليله الرواية السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة، وفى الكل تصريح بطلوع الشمس كغاية لوقت صلاة الصبح. قال النووي: قال أبو سعيد الاصطخري من الشافعية: إذا أسفر الفجر صارت قضاء بعد الإسفار لأن جبريل ﵇ صلى في اليوم الثاني حين أسفر الفجر، وقال: الوقت ما بين هذين [وحديث جبريل الذي يشير إليه النووي رواه أبو داود وابن خزيمة والطبراني بمثل روايتنا الثانية، وزاد أن جبريل أم النبي ﷺ في يومين لوقتين مختلفين لكل صلاة، فصلى في اليوم الثاني في آخر الوقت] قال النووي: ودليل الجمهور هذا الحديث [أي الروايات التي ذكرناها] قالوا: وحديث جبريل ﵇ لبيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الجواز، للجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة في امتداد الوقت إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى إلا الصبح، وهذا التأويل أولى من قول من يقول أن هذه الأحاديث ناسخة لحديث جبريل ﵇، لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل، ولم نعجز في هذه المسألة. والله أعلم. اهـ.
والرواية العاشرة "وصلى الفجر فأسفر بها" والحادية عشرة "فنور بالصبح" تشهدان للأصطخري، حيث قصد بالصلاة بيان نهاية وقتها وكان في الإسفار ونور الصبح، ولكن الجمهرة على خلافه وعلى اعتبار النهاية القولية "ما لم يطلع قرن الشمس الأول".
وقد سبق القول في الحديث السابق أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، وليتم صلاته خلافا للحنفية القائلين ببطلان صلاته، لأنه صلى في وقت النهي عن الصلاة. وقد يشهد لهم الرواية الثامنة، وفيها "فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة".
стр. 1559
٢ - ووقت الظهر جاء في رواياته "إذا صليتم الظهر فإنه وقت إلى أن يحضر العصر" الرواية السادسة "ووقت الظهر ما لم يحضر العصر" الرواية السابعة "ووقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر" الرواية الثامنة "ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر" الرواية التاسعة "فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن" "فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر" الرواية العاشرة "ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء" "ثم أمره بالظهر فأبرد" الرواية الحادية عشرة "ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار" "ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس".
قال الفقهاء: أول وقت الظهر إذا زالت الشمس. أجمع على ذلك أهل العلم، والروايات المذكورة واضحة في ذلك، ومعنى زوال الشمس ميلها عن كبد السماء، ويعرف ذلك بطول ظل الشيء بعد تناهي قصره، فإذا أردت أن تضبط وقت الزوال فانظر ظل عود مثبت على الأرض المستوية، فكلما رأيت الظل ينقص فأنت قبل الزوال، وإذا رأيت الظل يزيد فأنت بعد الزوال واللحظة التي بين النقصان والزيادة هي لحظة الزوال، ويختلف طول الظل لحظة الزوال من بلد إلى آخر ومن فصل إلى آخر.
وآخر وقت الظهر عندما يصير ظل كل شيء مثله زيادة على ظل الزوال على معنى أن تضبط طول الظل لحظة الزوال ثم تضيف إليه طول الشيء فعندما يصير ظل الشيء مثله انتهى وقت الظهر وبدأ وقت العصر وأحاديث الباب لم تحدد وقت انتهاء الظهر إلا بحضور وقت العصر بل هي لم تحدد ابتداء وقت العصر كما سيأتي، وقال إسحاق: آخر وقت الظهر أول وقت العصر يشتركان في قدر الصلاة، فلو أن رجلين يصليان معا، أحدهما يصلي الظهر والآخر يصلي العصر حين صار ظل كل شيء مثله كان كل واحد منهما مصليا لها في وقتها، وحكى ذلك عن ابن المبارك، لكن الجمهور على خلافه وأن أول الوقت يكون بانتهاء وقت السابق إلا في الظهر مع الصبح، ولا يشترك صلاتان في وقت واحد إلا في الجمع بينهما في السفر أو في الحضر للحاجة أو الضرورة على ما سيأتي:
٣ - ووقت العصر جاء في رواياته "عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر" الرواية الثانية "وعنها: كان يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يفيء الفيء بعد" الرواية الثالثة "كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء في حجرتها" الرواية الرابعة وقريب منها الرواية الخامسة "فإذا صليتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس" الرواية السادسة ومثلها السابعة والثامنة "ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول" الرواية التاسعة "ثم أمره أن يقيم العصر والشمس بيضاء نقية" "وصلى العصر والشمس مرتفعة" الرواية العاشرة وقريب منها الحادية عشرة "ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول قد احمرت الشمس" الرواية الثانية عشرة.
ومن الواضح أن روايات الباب لم تتعرض إلى أول وقت العصر، وقد ذكرنا أنه يحين بانتهاء وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال.
قال الحافظ ابن حجر ولم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك إلا عن أبي حنيفة
стр. 1560
فالمشهور عنه أنه قال: أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثليه -بالتثنية- قال القرطبي: خالفه الناس كلهم في ذلك حتى أصحابه -يعني الآخذين عنه- وقد انتصر له جماعة من الحنفية، فقالوا ثبت الأمر بالإبراد، ولا يحصل الإبراد إلا بعد ذهاب اشتداد الحر، ولا يذهب في تلك البلاد إلا بعد أن يصير ظل الشيء مثليه، فيكون أول وقت العصر مصير الظل مثليه. قال الحافظ ابن حجر: وحكاية مثل هذا تغني عن رده.
أما آخر وقت العصر فظاهر روايات الباب أنه اصفرار الشمس أو احمرارها، وفي الرواية التاسعة تصريح بأنه ينتهي عند بداية غروب الشمس فلفظها "ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول" وفي الباب السابق ذكرنا أن "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
ومن هنا قال جمهور العلماء: إن للعصر وقت اختيار ووقت ضرورة وعذر أما الثاني فهو إلى غروب الشمس وسقوط قرنها الأول، وأما وقت الاختيار فقد اختلفوا في التعبير عنه، فعن أحمد في بعض الروايات أنه حين يصير ظل كل شيء مثليه، وهو قول مالك والشافعي؛ وأصح الروايات عن أحمد أنه حين تصفر الشمس، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وهو الموافق لروايات الباب. والتحقيق أن التعبيرين قريبان في مؤداهما.
هذا. وقد روى البخاري عن ابن عباس "أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعا وثمانيا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء" أي جمع في الحضر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. ورواه مالك وقال بدل "بالمدينة": "من غير خوف ولا سفر" ورواه مسلم وأصحاب السنن بلفظ "من غير خوف ولا مطر" قال الحافظ ابن حجر: فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض، وقواه النووي. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه لو كان جمعه ﷺ بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من كان به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه ﷺ جمع بأصحابه. صرح بذلك ابن عباس في روايته. قال النووي: ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر ثم انكشف الغيم مثلا فبان أن وقت العصر دخل فصلاها. قال النووي: وهو باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء، قال: ومنهم من تأوله على أن الجمع المذكور صوري، بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العصر في أول وقتها، قال. وهو احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل.
قال الحافظ ابن حجر وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا، لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته. وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعا فيما أخرجه الطبراني، ولفظه "جمع
стр. 1561
رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فقيل له في ذلك، فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي".
والذي تستريح إليه النفس أن الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في الحضر لا يرخص به إلا عند مشقة عارضة تورث حرجًا على المصلي لكل منهما في وقته، على أن لا تتخذ قاعدة وعادة له مهما كانت المشقة عادة. والله أعلم.
٤ - ووقت المغرب جاء في رواياته "فإذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق" الرواية السادسة "ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق" الرواية السابعة "ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق" الرواية الثامنة "ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق" الرواية التاسعة "فأقام المغرب حين غابت الشمس" "وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق" الرواية العاشرة "ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس" "ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق" الرواية الحادية عشرة "فأقام بالمغرب حيث وقعت الشمس" "ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق" الرواية الثانية عشرة، وواضح من الروايات أن أول وقت المغرب من غروب الشمس، أي من انتهاء سقوط جميع قرص الشمس، وأن نهاية وقت المغرب نهاية سقوط وغياب الشفق، ومن المعروف أن الشفق شفقان: الشفق الأحمر والشفق الأبيض، والأحمر يغيب أولا. وفي المراد منهما كعلامة لنهاية وقت المغرب وبداية وقت العشاء خلاف، فمذهب الإمام أحمد ومالك والشافعي وصاحبي أبي حنيفة أن المعتمد هو الشفق الأحمر. وعند أبي حنيفة أن المعتمد هو الشفق الأبيض. نعم قال قوم باعتماد الشفق الأحمر في السفر، لأن الأفق يكون ظاهرًا، واعتماد الشفق الأبيض في الحضر لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فتختفي في الجدار فيظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقن سقوط الشفق. وامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق أحد قولين في مذهب الشافعية. والقول الآخر أنها ليس لها إلا وقت واحد وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارت قضاء، وحجتهم أن جبريل صلى المغرب في اليومين في وقت واحد، والقول الأول هو الراجح وهو الموافق لأحاديث الباب. والله أعلم.
٥ - ووقت العشاء جاء في رواياته "فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل" الرواية السادسة، وقريب منها الرواية السابعة والتاسعة "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط"
"فأقام العشاء حين غاب الشفق" "وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل" الرواية العاشرة، وقريب منها الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة.
ولا خلاف في أول وقت العشاء وأنه غياب الشفق، والخلاف في نهاية وقت العشاء وظاهر الروايات أن آخر وقت صلاة العشاء نصف الليل والروايات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة التي تفيد أن صلاة العشاء وقعت بعد الثلث الأول لا تخالف أن نهاية الوقت نصف الليل، وهذا وقت الاختيار وهذا مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأحد قولي أحمد، ويؤيده ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال "وقت العشاء إلى نصف الليل". وهؤلاء يقولون: إن الأولى أن لا
стр. 1562
يؤخرها عن ثلث الليل وإن أخرها إلى نصف الليل جاز للاختيار. وذهب مالك إلى أن نهاية وقت الاختيار ثلث الليل، وهو أحد قولي الإمام أحمد وأحد قولي الشافعي، قالوا: إن ثلث الليل يجمع الروايات، والزيادة تعارضت الأخبار فيها، فكان ثلث الليل أولى. فإذا ذهب ثلث الليل على الرأي الثاني، أو نصفه على الرأي الأول بقي وقت الضرورة والأعذار حتى يطلع الفجر الثاني، وهو البياض الذي يرى من قبل المشرق وينتشر ولا ظلمة بعده. والله أعلم.
هذا وما ذكر عن أوقات الصلاة في هذا الباب بيان لبداية الوقت ونهايته، وسيأتي في أبواب لاحقة ما كان عليه ﷺ في صلاته، وما كان يقدمه أو يؤخره على أنه الأولى والأفضل في إقامة الصلاة.
ويؤخذ من أحاديث الباب غير ما تقدم
١ - فيها دليل على أن وقت الصلاة من فرائضها، وأنها لا تجزى قبل وقتها. قال الحافظ ابن حجر وهذا لا خلاف فيه.
٢ - وفيها المبادرة بالصلاة في أول وقتها، وهذا هو الأصل وإن روى الإبراد بالظهر والإسفار بالفجر وتأخير العشاء بالأحاديث الصحيحة.
٣ - في الحديث الأول دخول العلماء على الأمراء، وإنكارهم عليهم ما يخالف السنة.
٤ - ومن مراجعة عمر بن عبد العزيز يؤخذ جواز مراجعة العالم لطلب البيان والرجوع إلى السنة.
٥ - ومن حديث صلاة جبريل بالنبي ﷺ أخذ ابن العربي جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس، وهذا الاستدلال غير سليم، لأن جبريل والحالة هذه كان مكلفا وليس متنفلا.
٦ - وفي الأحاديث أن للصلاة وقت فضيلة، ووقت اختيار ووقت ضرورة.
٧ - وفي الأحاديث أن وقت المغرب ممتد إلى سقوط الشفق.
٨ - وفي حديث جبريل وحديث بريدة البيان بالفعل، وهو أبلغ في الإيضاح، وتعم فائدته السائل وغيره.
٩ - وفيه تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهو مذهب جمهور الأصوليين.
١٠ - وفيه جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها، وترك فضيلة أول الوقت لمصلحة راجحة.
والله أعلم
стр. 1563
(٢٢٥) باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى الجماعة ويناله الحر في طريقه
١١٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال إن رسول الله ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة. فإن شدة الحر من فيح جهنم".
١١٩٣ - ، ٣ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا كان اليوم الحار فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم". قال عمرو: وحدثني أبو يونس عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال "أبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم".
١١٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن هذا الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة".
١١٩٥ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ "أبردوا عن الحر في الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم".
١١٩٦ - عن أبي ذر ﵁ قال أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالظهر فقال النبي ﷺ "أبرد أبرد". أو قال "انتظر انتظر" وقال "إن شدة الحر من فيح جهنم. فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة". قال أبو ذر حتى رأينا فيء التلول.
١١٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ "اشتكت النار إلى ربها.
стр. 1564
فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف. فهو أشد ما تجدون من الحر. وأشد ما تجدون من الزمهرير".
١١٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم". وذكر "أن النار اشتكت إلى ربها. فأذن لها في كل عام بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف".
١١٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "قالت النار: رب أكل بعضي بعضًا. فأذن لي أتنفس فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف. فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم. وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم".
-[المعنى العام]-
تشتد الحرارة في الجزيرة العربية، ويقل فيها الزرع كما يقل فيها الظل الذي يخفف شدة الحرارة ويتيح للمصلين الذهاب إلى الجماعة بالمساجد في صلاة الظهر. أمام هذه المشقة أذن الشارع بتأخير صلاة الظهر عن أول وقتها حتى تخف الحرارة، فطلب ﷺ من المؤذن أن يؤخر أذان الظهر وقال للمسلمين إذا اشتد الحر فأخروا صلاة الظهر حتى يبرد الحر أي إلى قبيل انتهاء وقت الظهر، وذكرهم رسول الله ﷺ بشدة حر جهنم ليحذروها ويعملوا على اتقائها فقال لهم: إن ما لا تحتملون من حر الدنيا ما هو إلا نفس من أنفاس جهنم، أما نارها فنعوذ بالله منها، فقد أكل بعضها بعضاً من شدة استعارها.
فاللهم قنا عذاب النار، ونعوذ بك من كل عمل يقرب من النار.
-[المباحث العربية]-
(فأبردوا الصلاة) كذا في بعض النسخ، و"أبردوا" بهمزة قطع وكسر الراء، أي أخروا الصلاة إلى أن يبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد، والمراد بالصلاة صلاة الظهر، إذ هي التي تكون في شدة الحر غالباً، والمعنى أدخلوا صلاة الظهر في البرد فأبردوا ضمن معنى أدخلوا.
стр. 1565
وفي الرواية الثانية "فأبردوا بالصلاة" فالباء زائدة. وفي الرواية الثالثة والثامنة "أبردوا عن الصلاة" فعن بمعنى الباء، وقيل هي للمجاورة أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر.
وفي الرواية الخامسة "أبردوا عن الحر في الصلاة" أي ادخلوا في البرد متجاوزين الحر في صلاة الظهر.
(فإن شدة الحر من فيح جهنم) "فيح جهنم" بفتح الفاء وسكون الياء بعدها حاء، سطوع حرها. وانتشاره، يقال: فاحت القدر تفوح إذا غلت، وفاح الحر يفيح فيحاً إذا سطع وهاج، وظاهر التعبير أن شدة الحر على سطح الأرض من وهج جهنم حقيقة، واختاره بعض الشراح، والأولى جعل هذا من قبيل التشبيه والتمثيل، لما علم أن الحرارة على الأرض من تسلط أشعة الشمس والشمس في غليانها ونارها مثل جهنم، كأنه قال: إن شدة الحر من ثوران وغليان مثل جهنم.
(أذن مؤذن رسول الله ﷺ الظهر) المؤذن هو بلال، ومعنى "أذن" أراد أن يؤذن، ففيه مجاز المشارفة، كقولهم: توضأ فغسل وجهه ويديه، إلخ.
(فقال النبي ﷺ : أبرد، أبرد) ظاهره أن الأمر بالإبراد وقع بعد تقدم الأذان. وليس كذلك، بل أنه أراد أن يؤذن وتهيأ له، فقيل له: أبرد. أبرد.
يؤكد هذا رواية أبي داود "فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال: أبرد. ثم أبرد. ثم أراد أن يؤذن فقال: أبرد مرتين أو ثلاثاً" ورواية البخاري في باب الأذان للمسافرين "فأراد المؤذن أن يؤذن، فقال له: أبرد. ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى ساوى الظل التلول".
(حتى رأينا فيء التلول) الفيء رجوع الظل من جانب المشرق إلى صائب المغرب، وقال أهل اللغة: كل ما كانت عليه الشمس فزالت فهو فيء، وقيل: الفيء لا يكون إلا بعد الزوال، والظل يطلق على ما قبل الزوال وما بعده و"التلول" بضم التاء جمع "تل" وهو ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير عالية، فلا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر.
والغاية في "حتى رأينا" قيل: متعلقة بقوله "أبرد" أي حتى ترى، أو متعلقة بمحذوف أي قال له: أبرد فأبرد حتى رأينا. وهذا هو الأوضح.
(اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب. أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين) رجح البيضاوي حمل هذا على المجاز، فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضاً بعضاً مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها.
وعامة المحدثين يرجحون الحقيقة. وأن الشكوى بلسان المقال. قال القرطبي: لا إحالة -أي لا استحالة- في حمل اللفظ على حقيقته، وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى.
стр. 1566
وقال النووي بعد أن حكى القولين قلت: والصواب الأولى، لأنه ظاهر الحديث، ولا مانع من حمله على حقيقته، فوجب الحكم بأنه على ظاهره.
وقال التوربشتي: قدرة الله أعظم من ذلك، فقد يخلق فيها آلة الكلام، كما خلق لهدهد سليمان ما خلق من العلم والإدراك، وقد حكى عن النار أن تقول ﴿هل من مزيد﴾ [ق: ٣٠].
وقال ابن المنير: حمله على الحقيقة هو المختار لصلاحية القدرة لذلك والشكوى والإذن والقول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد عن المجاز خارج عما ألف من استعماله. اهـ
ونحن نرجح المجاز مع إيماننا بأن قدرة الله فوق كل ذلك، وفرق بين صلاحية القدرة والتسليم بأنها أنجزت، وقد ثبت بالحس والإدراك والعلم الجازم أن شدة الحر من الشمس، وأن شدة البرد من بعدها وكيف نفهم حقيقة التنفس الحار في الصيف؟ أيكون نهاراً لا ليلاً؟ وفي أيام دون أيام؟ وهل يكون في بلاد دون بلاد؟ وهل تتنفس زمهريراً طول العام في القطبين؟ وحروراً طول العام عند خط الاستواء؟ وهل يمكن حمل أكل بعضها بعضاً على الحقيقة مما يؤدي إلى فنائها أو انضغاطها؟ وهل يمكن حمل تنفسها على الحقيقة والتنفس خروج الهواء من مخرج من مخارج الحيوان؟ أظن كل ذلك قرائن مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، وما ذكره ابن المنير من قرائن يبعد المجاز في نظره هي ترشيحات للمجاز تقرب المعنى المراد، وهي كثيرة في استعمالات العرب، قال عنترة يصف فرسه في حالة البأس:
فشكا إلي بعبرة وتحمحم
(نفس في الشتاء ونفس في الصيف) بالجر فيهما على البدل أو البيان ويجوز الرفع فيهما على أنهما خبر مبتدأ محذوف، أي أحدهما نفس في الشتاء وثانيهما نفس في الصيف. ويجوز النصب على تقدير أعني.
(فهو أشد ما تجدون من الحر، وهو أشد ما تجدون من الزمهرير) في الكلام لف ونشر مشوش، ولو رتب لقدم الزمهرير لتقدم نفس الشتاء والزمهرير شدة البرد.
(وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم) الحرور شدة الحر قال العلماء. و"أو" في قوله "فما وجدتم من برد أو زمهرير" وقوله "وما وجدتم من حر أو حرور" يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن يكون للتقسيم. والله أعلم.
فقه الحديث
اختلف الفقهاء في الأمر بالإبراد في الأحاديث. هل هو أمر استحباب؟ أو أمر إرشاد، أي الترخيص بالإبراد مع أن التعجيل أفضل؟ أو الأمر للوجوب؟ .
стр. 1567
والإبراد -كما قلنا- تأخير صلاة الظهر عن أول وقتها إلى أن يبرد الوقت وينكسر الحر، بشرط أن لا يؤخرها إلى آخر وقتها، بل يصليها في وقت إذا فرغ يكون بينه وبين آخر الوقت فضل. فمذهب الشافعي استحباب الإبراد بثلاثة شروط: (أ) شدة الحر (ب) أن يكون في البلدان الحارة (جـ) أن تكون الصلاة في مساجد الجماعات، أما من صلاها في بيته، أو في مسجد بفناء بيته فالأفضل تعجيلها، لأن التأخير إنما يستحب لينكسر الحر، ويتسع الظل بجوار الحيطان، ويكثر السعي إلى الجماعات، ومن لا يصلي في جماعة لا حاجة به إلى التأخير.
فالشافعي استنبط من النص العام -وهو الأمر بالإبراد- معنى يخصه، وليس في سياق الحديث ما يخالفه، بل فيه ما يؤيده فقوله في الرواية الأولى "إذا اشتد الحر" مفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، ثم ظاهر التعليل "فإن شدة الحر من فيح جهنم" تؤيد أن الإبراد لرفع المشقة، فإذا لم تحصل فلا حاجة للرخصة.
واشترط أكثر المالكية شرطاً واحداً، وهو أن تكون صلاة الظهر في جماعة أما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل.
والمشهور عن أحمد والحنفية أنه يستحب تعجيل صلاة الظهر في الشتاء والإبراد بها في الحر، لا فرق بين البلدان الحارة وغيرها، ولا بين كون المسجد ينتابه الناس أو لا. وحجتهم الأخذ بظاهر الخبر، وحديث أبي ذر عند البخاري والترمذي قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد. حتى رأينا فيء التلول" قالوا: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد. لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد، ورد الكرماني أن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب الرعي، فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة قال الحافظ ابن حجر: وأيضاً لم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، وليس هناك من يمشون فيه، فليس في سياق حديث أبي ذر ما يخالف ما قاله الشافعي. اهـ
وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقاً، وقالوا: معنى "أبردوا" صلوا في أول الوقت. أخذا من برد النهار، وهو أوله، قال الحافظ ابن حجر: وهو تأويل بعيد، ويرده قوله "فإن شدة الحر من فيح جهنم" إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير وحديث أبي ذر -روايتنا السادسة- صريح في ذلك، حيث قال "انتظر. انتظر".
كما قالوا: إن الصلاة حينئذ تكون أكثر مشقة، فتكون أولى، قال الحافظ: والحامل لهم على ذلك حديث خباب -الآتي في الباب التالي- "شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا" أي فلم يزل شكوانا وتمسكوا أيضاً بعموم الأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت. قال: والجواب عن حديث خباب أنه محمول على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً عن وقت الإبراد وهو زوال حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت فلم يجبهم، أو منسوخ بأحاديث الإبراد، فإنها متأخرة عنه.
стр. 1568
والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة أو مطلقة، والأمر خاص، فهو مقدم، قال: ولا التفات إلى قولهم: التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل، لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل، كما في قصر الصلاة في السفر. اهـ
ثم قال: وقضية التعليل المذكور قد يتوهم منها مشروعية تأخير الصلاة في وقت شدة البرد، ولم يقل به أحد، لأنها تكون غالباً في وقت الصبح، فلا تزول إلا بطلوع الشمس، فلو أخرت لخرج الوقت. اهـ
وقد يحتج بمشروعية الإبراد بالجمعة، وبه قال بعض الشافعية، والجمهور على خلافه لأنه لم يبلغنا أنه ﷺ أخرها، بل كان يعجلها، حتى قال سهل بن سعد: ما كنا نقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة، أخرجه البخاري وقد ثبت في الصحيح أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل يستظلون به من شدة التبكير لها أول الوقت، ولأن السنة التبكير بالسعي إليها، فلو أخرها لتأذى الناس بتأخير الجمعة.
هذا وفي الحديث رد على من زعم من المعتزلة وغيرهم أن النار لا تخلق إلا يوم القيامة، قاله الحافظ ابن حجر، وقد سبق القول باحتمال المجاز فلا رد فيه.
والله أعلم
стр. 1569
(٢٢٦) باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر
١٢٠٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا دحضت الشمس.
١٢٠١ - عن خباب ﵁ قال شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في الرمضاء. فلم يشكنا.
١٢٠٢ - عن خباب ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء. فلم يشكنا. قال زهير قلت لأبي إسحق: أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم.
١٢٠٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر. فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
-[المعنى العام]-
ومع أن الشريعة رفعت الحرج عن تأخير صلاة الظهر في شدة الحر وطلبت الإبراد بالظهر فإنها دعت إلى تحمل شيء من المشقة في سبيل أداء صلاة الظهر في أول وقتها، فقد كانت المساجد غير مسقوفة وكان فراشها الرمل لا فرش فوقه، فإذا ما تسلطت أشعة الشمس على الرمل في شدة الحر وصلت حرارته إلى درجة لا تحتمل الملامسة بالجبهة، بل بالأكف، ولهذا شكا بعض الصحابة من هذه المشقة لعله يسمح لهم بتأخير الظهر أو جمعه مع العصر، ولما كانت هذه المشقة يمكن أن تعالج بوضع ثياب فوق الرمال وتحت أعضاء السجود لم يستجب رسول الله ﷺ للشكوى، وقال لهم، بل صلوا الظهر إذا زالت الشمس، وتحايلوا على حرارة الرمال، ولو بقلب أسفلها أعلاها حرصًا على فضل الصلاة في أول وقتها، فذلك من أفضل أعمال الإسلام.
-[المباحث العربية]-
(يصلي الظهر إذا دحضت الشمس) "دحضت" بفتح الدال والحاء، أي زالت.
стр. 1570
(الصلاة في الرمضاء) أي الرمل الذي اشتدت حرارته.
(فلم يشكنا) بضم الياء وسكون الشين، أي لم يزل شكوانا.
-[فقه الحديث]-
ذكرنا في الباب السابق طريق الجمع بين أحاديث الإبراد بالظهر وبين حديث خباب، وقد ساق مسلم هذا الحديث وحديث أنس بعد باب الإبراد بالظهر ليعلم أن الأمر بالإبراد لا ينافي تعجيل صلاة الظهر في أول وقتها فهذا جائز وهذا جائز والخلاف في الأولى، فبعضهم قال: الإبراد أفضل وحديث خباب للجواز، وبعضهم قال عكس ذلك، وقيل: إن معنى قول خباب "فلم يشكنا" أي فلم يحوجنا إلى شكوى، بل أذن لنا في الإبراد، ويرده ما جاء في الحديث نفسه في رواية المنذر من زيادة "وقال: إذا زالت الشمس فصلوا" وإنما لم يستجب رسول الله ﷺ لهذه الشكوى لأن الرمضاء لا تبرد إلا بعد فترة طويلة قد يضيع معها وقت الظهر، وفي الحديث دليل على استحباب تقديم الظهر في أول وقتها، وفي حديث أنس دليل لمن أجاز السجود على طرف ثوبه المتصل به المتحرك بحركته، وبه قال مالك، وأبو حنيفة والجمهور، ولم يجوزه الشافعي، وتأول الحديث وشبهه على السجود على ثوب منفصل.
واللَّه أعلم
стр. 1571
(٢٢٧) باب استحباب التبكير بالعصر
١٢٠٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه أخبره أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتي العوالي والشمس مرتفعة ولم يذكر قتيبة فيأتي العوالي.
١٢٠٥ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر بمثله سواء.
١٢٠٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة.
١٢٠٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر.
١٢٠٨ - عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة، حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد. فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا. فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعًا. لا يذكر الله فيها إلا قليلاً".
١٢٠٩ - عن أبي أمامة بن سهل قال: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر. ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك. فوجدناه يصلي العصر. فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر. وهذه صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التي كنا نصلي معه.
١٢١٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ العصر. فلما
стр. 1572
انصرف أتاه رجل من بني سلمة. فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا. ونحن نحب أن تحضرها. قال "نعم" فانطلق وانطلقنا معه. فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت. ثم قطعت. ثم طبخ منها. ثم أكلنا. قبل أن تغيب الشمس. وقال المرادي: حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث في هذا الحديث.
١٢١١ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ . ثم تنحر الجزور، فتقسم عشر قسم، ثم تطبخ، فنأكل لحمًا نضيجًا، قبل مغيب الشمس.
١٢١٢ - عن الأوزاعي بهذا الإسناد غير أنه قال: كنا ننحر الجزور على عهد رسول الله ﷺ بعد العصر. ولم يقل كنا نصلي معه.
-[المعنى العام]-
سئل رسول اللَّه ﷺ عن أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، ولما ذكر في الأحاديث السابقة مشروعية الإبراد بالظهر وتأخير وقت صلاته في شدة الحر ناسب أن ينص هنا على عدم شمول الحكم صلاة العصر، وأنها بقيت على استحباب التعجيل في أول الوقت، واستدل على ذلك بأن الرسول ﷺ كان يصلي العصر، ثم يذهب بعض المصلين إلى عوالي المدينة نحو ثلاثة أميال مشيًا على الأقدام فيصلها والشمس مرتفعة لم تنخفض انخفاضًا يقرب من الغروب واستدل على ذلك أيضًا أنه بمجرد رجوع المصلين من صلاة الظهر مع عمر بن عبد العزيز إلى دار أنس بن مالك المجاورة كان أنس قد صلى العصر، وطلب من زائريه سرعة الصلاة، وحذرهم من التأخير بأن الرسول ﷺ وصف تأخير صلاة العصر بدون عذر بأنه فعل المنافقين، كما استدل على ذلك أيضًا بأن النبي ﷺ صلى العصر ثم دعي إلى جزور فذبح أمامه، ثم قسم ثم طبخ حتى نضج اللحم فأكل وأكلوا من الجزور قبل أن تغرب الشمس. وهكذا يثبت بلا خلاف إلا من الحنفية - استحباب صلاة العصر في أول وقتها، واللَّه أعلم.
المباحث العربية
(كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية) قال الخطابي: حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير، فهو مثل قوله قبل بابين "بيضاء نقية" وفي أبي داود عن خيثمة التابعي قال: حياتها أن تجد حرها.
стр. 1573
وهذا المعنى هو الظاهر، وجملة "والشمس مرتفعة حية" في محل النصب على الحال.
(فيذهب الذاهب إلى العوالي) العوالي هي القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجد، وأما ما كان من جهة تهامة فيقال لها: السافلة، وأقرب العوالي من جهة المدينة على ميلين، وأبعدها على ثمانية أميال، وبهذا فالتفسيرات بالثلاثة وبالأربعة وبالستة الواردة لا تخالف بينها من حيث تحديد العوالي. وما يعنينا هو المسافة التي يقصدها الراوي، إذ بها يحدد الزمن ففي رواية البخاري بعد قوله "والشمس مرتفعة" "وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه" وقد قال المحققون: إن هذا الإدراج من الزهري الراوي عن أنس، وفي رواية عبد الرزاق: قال الزهري: والعوالي من المدينة على ميلين أو ثلاثة، فالذي يبدو قريبًا أو مقبولاً كحد وسط ثلاثة أميال، ويقطعه الراجل تقريبًا في ساعة من الزمن - ستين دقيقة.
(والشمس مرتفعة) هذا الارتفاع غير الارتفاع السابق، أدنى منه، لكنها لم تصل إلى الحد الذي توصف بأنها منخفضة.
(ثم يذهب الذاهب إلى قباء) كأن أنسًا أراد بالذاهب نفسه، وقباء من العوالي، وفي قوله "إلى قباء" مضاف محذوف، أي إلى أهل قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة.
(ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر) كانت منازلهم على ميلين من المدينة بقباء، والمراد بالعصر عصر ذلك اليوم ولعلهم كانوا يؤخرون صلاة العصر عن أول الوقت لانشغالهم بأراضيهم وحروثهم، فكانوا يصلون العصر في وسط وقته.
(عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك) أي دخل مع بعض المسلمين.
(حين انصرف من الظهر) أي حين انصرف العلاء من صلاة الظهر.
(وداره بجنب المسجد) يشير بهذا إلى قرب الوقت الذي صلى فيه الظهر وأنه لم يفصل فاصل زمني له شأن.
(فلما انصرفنا) أي من الصلاة وسلمنا وانتهينا منها.
(تلك صلاة المنافق) الإشارة إلى صلاة العصر آخر وقته.
(حتى إذا كانت بين قرني الشيطان) قال النووي: اختلفوا فيه، فقيل: هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها وكذا عند طلوعها، لأن الكفار يسجدون لها حينئذ، فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له، وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنه وقرنيه علوه وارتفاعه وسلطانه وتسلطه وغلبته
стр. 1574
وأعوانه، قال الخطابي: هو تمثيل، ومعناه أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها مدافعة ذوات القرون لما تدفعه. اهـ قال النووي: والصحيح الأول.
(قام فنقرها أربعًا) كناية عن الإسراع بها بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار، فالمراد سرعة الحركات كنقر الطائر.
(صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر) قال النووي: وهذا كان حين ولي عمر بن عبد العزيز المدينة، لا في خلافته، لأن أنسًا ﵁ توفي قبل خلافة عمر بن عبد العزيز بنحو تسع سنين، قال الحافظ ابن حجر وفي القصة دليل على أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الصلاة في آخر وقتها تبعًا لسلفه. اهـ.
(فقلت: يا عم) بكسر الميم، وأصله: يا عمي، حذفت الياء تخفيفًا، وقال: يا عم، على سبيل التوقير، لكونه أكبر سنًا منه، لكنه ليس عمه على الحقيقة.
(ما هذه الصلاة التي صليت)؟ عائد الصلة مفعول "صليت" محذوف والتقدير صليتها.
(وهذه صلاة رسول الله) أي وهذه الصلاة في ساعتها ووقتها صلاة رسول الله ﷺ .
(رجل من بني سلمة) بفتح السين وكسر اللام.
(إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا) الجزور بفتح الجيم لا يكون إلا من الإبل.
(فنأكل لحمًا نضيجًا) أي تام الطبخ، وتام النضج دون عجلة.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: المراد بهذه الأحاديث المبادرة لصلاة العصر أول وقتها لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشمس بعد لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشيء مثله، ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة، ثم قال: قال العلماء: ومنازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وهذا يدل على المبالغة في تعجيل صلاة رسول الله ﷺ وكانت صلاة بني عمرو بن عوف في وسط الوقت، ولولا هذا لم يكن فيه حجة، ولعل تأخير بني عمرو لكونهم كانوا أهل أعمال، فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها، فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى.
ثم قال: وفي هذه الأحاديث دليل لمذهب الشافعي ومالك وأحمد، وجمهور العلماء أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه، وهذه الأحاديث حجة للجماعة عليه مع حديث ابن عباس ﵁ في بيان المواقيت وحديث جابر وغير ذلك.
стр. 1575
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - في قوله "تلك صلاة المنافق" تصريح بذم تأخير العصر بلا عذر. وقولنا بلا عذر مأخوذ من قوله ﷺ "يجلس يرقب الشمس".
٢ - ويؤخذ من الرواية السادسة إجابة الدعوة.
٣ - وأن الدعوة للطعام مستحبة في كل وقت سواء أول النهار أو آخره.
والله أعلم
стр. 1576
(٢٢٨) باب التغليظ في تفويت صلاة العصر
١٢١٣ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله".
١٢١٤ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال "من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله".
-[المعنى العام]-
يحذر رسول اللَّه ﷺ من تفويت صلاة العصر عن وقتها، فيشبه من فاتته صلاة العصر بمن ضاع أهله وماله وأصبح وترًا فريدًا بلا أهل ولا مال، وأصبح موترًا مصابًا آسفًا مغتمًا، فعلى المسلمين أن لا تشغلهم أموالهم ولا أولادهم ولا مزارعهم ولا تجاراتهم ولا صناعاتهم عن ذكر اللَّه في كل الصلوات وبخاصة صلاة العصر، ففضل صلاتها كبير، ومن كبر فضله كبر إثم تركه. هدانا اللَّه لما فيه رضاه.
-[المباحث العربية]-
(الذي تفوته صلاة العصر) في الرواية الثانية "من فاتته العصر" أي صلاة العصر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وظاهر التعبير يشمل من تعمد التفويت كسلاً، ومن سها عنها حتى فاتت، ومن فاتته بعذر. لكن الجزاء يصلح لمن فاتته كسلاً مع العمد، أما الساهي ومن له عذر شرعي فلا يستحق هذا الجزاء. وقد بوب الترمذي على هذا الحديث [ما جاء في السهو عن وقت العصر] فحمله على الساهي لا وجه له بل لا وجه لمن حمله على العموم.
(كأنما وتر أهله وماله) "وتر" بمعنى نقص يتعدى إلى مفعولين، قوله تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥] فأصل الحديث: كأنما وتره اللَّه أهله وماله، بمعنى نقصه اللَّه كل أهله وكل ماله، أو نقصه اللَّه في أهله وماله، حذف الفاعل، وأقيم المفعول الأول مقامه لبناء الفعل للمجهول، "أهله وماله" منصوبان على المفعولية. هذا في رواية الأكثرين.
قال النووي: وروي برفع اللامين، ووجهه أنه لا يضمر شيء في "وتر" و"أهله وماله" نائب فاعل.
стр. 1577
وقال الجوهري الموتر الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. اهـ. فالحديث يشبه من فاتته العصر، بمن ضاع أهله وماله، وهدفه: فليحذر من تفويتها بالحذر من ذهاب الأهل والمال، وقال الداودي: هدفه أن يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم والأسف. اهـ. والأولى مراعاة الأمرين. أي ليحذر، فإن وقع فليأسف وليعمل.
-[فقه الحديث]-
يتناول الحديث مسألتين أساسيتين: الأولى: المراد من تفويت العصر. الثانية: لم خص العصر بالتحذير؟ وهل غيره مثله؟ .
أما الأولى فقد قال القاضي عياض المالكي: واختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن وهب وغيره: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقال سحنون: هو أن تفوته بغروب الشمس، وقيل: أن يفوتها إلى أن تصفر الشمس، كذا ورد مفسرًا في رواية الأوزاعي. قال: وفواتها أن تدخل الشمس صفرة، قال الحافظ ابن حجر: ولعله مبني على مذهبه في خروج وقت العصر.
والظاهر أن المراد من تفويتها إخراجها عن وقتها، يؤيد ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع فذكر نحو هذا الحديث، وزاد: قلت لنافع: حين تغيب الشمس؟ قال: نعم. قال الحافظ ابن حجر: وتفسير الراوي إذا كان فقيهًا أولى من غيره. اهـ.
وقال المهلب ومن تبعه من الشراح: إنما أراد فواتها في الجماعة، لا فواتها باصفرار الشمس أو بمغيبها، قال: ولو كان لفوات وقتها كله لبطل اختصاص العصر، لأن ذهاب الوقت موجود في كل صلاة، قال الحافظ: ونوقض بعين ما ادعاه، لأن فوات الجماعة موجود في كل صلاة. اهـ.
وحمله الترمذي على السهو عن وقت العصر، ووجهه الحافظ ابن حجر بأن معناه التنبيه على أن أسف العامد أشد.
والحق أن الحديث في المتعمد تكاسلاً ولا عذر، يؤيده شدة الوعيد والتحذير، وحديث البخاري "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله".
أما الثانية فقد قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابًا لسائل سأل عن صلاة العصر فأجيب، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات بها. اهـ.
وتعقبه النووي بأنه إنما يلحق غير المنصوص بالمنصوص إذا عرفت العلة واشتركا فيها، قال: والعلة في هذا الحكم لم تتحقق، فلا يلتحق غير العصر بها. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا لا يدفع الاحتمال، وقد احتج ابن عبد البر بما رواه ابن أبي شيبة "من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته" وروى ابن حبان "من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله" وأخرج عبد الرزاق "لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة".
стр. 1578
واعترض الحافظ ابن حجر على هذه الأحاديث بالضعف وقال: الظاهر اختصاص العصر بذلك، وفي تعليل اختصاص العصر بذلك قيل: لاجتماع المتعاقبين من الملائكة، ورد بأن الفجر أيضًا فيه اجتماع المتعاقبين، فلا يختص العصر بذلك. وقيل: لأنه وقت اشتغال الناس بالبيع والشراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره، ورد بأن الظهر كذلك وأن الفجر وقت النوم فيعادله. قال ابن المنير: والحق أن اللَّه تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة. اهـ. وفي الحديث إشارة إلى تحقير الدنيا، وأن قليل العمل الأخروي خير من كثير منها، وفي الحديث توضيح واف عن المراد بالمحافظة على الصلاة حتى قال ابن بطال: لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث، لأن اللَّه تعالى قال: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقال: ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث.
واللَّه أعلم
стр. 1579
(٢٢٩) باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر
١٢١٥ - عن علي ﵁ قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس".
١٢١٦ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب "شغلونا عن صلاة الوسطى حتى آبت الشمس ملأ الله قبورهم نارًا أو بيوتهم أو بطونهم". (شك شعبة في البيوت والبطون).
١٢١٧ - عن قتادة بهذا الإسناد وقال: بيوتهم وقبورهم (ولم يشك).
١٢١٨ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب وهو قاعد على فرضة من فرض الخندق "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم وبيوتهم (أو قال قبورهم وبطونهم) نارًا".
١٢١٩ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا" ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء.
١٢٢٠ - عن عبد الله ﵁ قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت؛ فقال رسول الله ﷺ "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا" أو قال "حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا".
стр. 1580
١٢٢١ - عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا. وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلما بلغتها آذنتها. فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر. وقوموا لله قانتين. قالت عائشة سمعتها من رسول الله ﷺ .
١٢٢٢ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر. فقرأناها ما شاء الله. ثم نسخها الله. فنزلت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل كان جالسًا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر. فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت. وكيف نسخها الله. والله أعلم. قال مسلم: ورواه الأشجعي عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال قرأناها مع النبي ﷺ زمانا بمثل حديث فضيل بن مرزوق.
١٢٢٣ - عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب يوم الخندق جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس. فقال رسول الله ﷺ "فوالله إن صليتها" فنزلنا إلى بطحان، فتوضأ رسول الله ﷺ وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ العصر بعد ما غربت الشمس. ثم صلى بعدها المغرب.
-[المعنى العام]-
يتجلى من هذه الأحاديث مدى حرص الرسول ﷺ وصحابته على أداء الصلاة في أول وقتها، وعند العذر في وقتها، حتى في ساحة الحرب والوقوف أمام الأعداء، لقد كادت تغرب الشمس في غزوة الخندق ورسول الله ﷺ وأصحابه يراقبون المشركين وتحركاتهم، وكان عمر متوضئًا فخطف صلاة العصر والشمس تكاد تغرب، ولم يدرك الرسول ﷺ وكثير من أصحابه صلاة العصر وقد غربت الشمس.
فأعلن أمام أصحابه أسفه وحزنه على فوات وقت الصلاة، ليحرص أصحابه من بعده على الصلوات في وقتها، ودعا على من كان سببًا في هذا التأخير. دعا على المشركين بأن يملأ اللَّه بيوتهم
следующие страницы →