← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

(٢٢٨) باب التغليظ في تفويت صلاة العصر ١٢١٣ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله". ١٢١٤ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال "من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله". -[المعنى العام]- يحذر رسول اللَّه ﷺ من تفويت صلاة العصر عن وقتها، فيشبه من فاتته صلاة العصر بمن ضاع أهله وماله وأصبح وترًا فريدًا بلا أهل ولا مال، وأصبح موترًا مصابًا آسفًا مغتمًا، فعلى المسلمين أن لا تشغلهم أموالهم ولا أولادهم ولا مزارعهم ولا تجاراتهم ولا صناعاتهم عن ذكر اللَّه في كل الصلوات وبخاصة صلاة العصر، ففضل صلاتها كبير، ومن كبر فضله كبر إثم تركه. هدانا اللَّه لما فيه رضاه. -[المباحث العربية]- (الذي تفوته صلاة العصر) في الرواية الثانية "من فاتته العصر" أي صلاة العصر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وظاهر التعبير يشمل من تعمد التفويت كسلاً، ومن سها عنها حتى فاتت، ومن فاتته بعذر. لكن الجزاء يصلح لمن فاتته كسلاً مع العمد، أما الساهي ومن له عذر شرعي فلا يستحق هذا الجزاء. وقد بوب الترمذي على هذا الحديث [ما جاء في السهو عن وقت العصر] فحمله على الساهي لا وجه له بل لا وجه لمن حمله على العموم. (كأنما وتر أهله وماله) "وتر" بمعنى نقص يتعدى إلى مفعولين، قوله تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥] فأصل الحديث: كأنما وتره اللَّه أهله وماله، بمعنى نقصه اللَّه كل أهله وكل ماله، أو نقصه اللَّه في أهله وماله، حذف الفاعل، وأقيم المفعول الأول مقامه لبناء الفعل للمجهول، "أهله وماله" منصوبان على المفعولية. هذا في رواية الأكثرين. قال النووي: وروي برفع اللامين، ووجهه أنه لا يضمر شيء في "وتر" و"أهله وماله" نائب فاعل.

стр. 1577

وقال الجوهري الموتر الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. اهـ. فالحديث يشبه من فاتته العصر، بمن ضاع أهله وماله، وهدفه: فليحذر من تفويتها بالحذر من ذهاب الأهل والمال، وقال الداودي: هدفه أن يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم والأسف. اهـ. والأولى مراعاة الأمرين. أي ليحذر، فإن وقع فليأسف وليعمل. -[فقه الحديث]- يتناول الحديث مسألتين أساسيتين: الأولى: المراد من تفويت العصر. الثانية: لم خص العصر بالتحذير؟ وهل غيره مثله؟ . أما الأولى فقد قال القاضي عياض المالكي: واختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن وهب وغيره: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقال سحنون: هو أن تفوته بغروب الشمس، وقيل: أن يفوتها إلى أن تصفر الشمس، كذا ورد مفسرًا في رواية الأوزاعي. قال: وفواتها أن تدخل الشمس صفرة، قال الحافظ ابن حجر: ولعله مبني على مذهبه في خروج وقت العصر. والظاهر أن المراد من تفويتها إخراجها عن وقتها، يؤيد ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع فذكر نحو هذا الحديث، وزاد: قلت لنافع: حين تغيب الشمس؟ قال: نعم. قال الحافظ ابن حجر: وتفسير الراوي إذا كان فقيهًا أولى من غيره. اهـ. وقال المهلب ومن تبعه من الشراح: إنما أراد فواتها في الجماعة، لا فواتها باصفرار الشمس أو بمغيبها، قال: ولو كان لفوات وقتها كله لبطل اختصاص العصر، لأن ذهاب الوقت موجود في كل صلاة، قال الحافظ: ونوقض بعين ما ادعاه، لأن فوات الجماعة موجود في كل صلاة. اهـ. وحمله الترمذي على السهو عن وقت العصر، ووجهه الحافظ ابن حجر بأن معناه التنبيه على أن أسف العامد أشد. والحق أن الحديث في المتعمد تكاسلاً ولا عذر، يؤيده شدة الوعيد والتحذير، وحديث البخاري "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله". أما الثانية فقد قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابًا لسائل سأل عن صلاة العصر فأجيب، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات بها. اهـ. وتعقبه النووي بأنه إنما يلحق غير المنصوص بالمنصوص إذا عرفت العلة واشتركا فيها، قال: والعلة في هذا الحكم لم تتحقق، فلا يلتحق غير العصر بها. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وهذا لا يدفع الاحتمال، وقد احتج ابن عبد البر بما رواه ابن أبي شيبة "من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته" وروى ابن حبان "من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله" وأخرج عبد الرزاق "لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة".

стр. 1578

واعترض الحافظ ابن حجر على هذه الأحاديث بالضعف وقال: الظاهر اختصاص العصر بذلك، وفي تعليل اختصاص العصر بذلك قيل: لاجتماع المتعاقبين من الملائكة، ورد بأن الفجر أيضًا فيه اجتماع المتعاقبين، فلا يختص العصر بذلك. وقيل: لأنه وقت اشتغال الناس بالبيع والشراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره، ورد بأن الظهر كذلك وأن الفجر وقت النوم فيعادله. قال ابن المنير: والحق أن اللَّه تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة. اهـ. وفي الحديث إشارة إلى تحقير الدنيا، وأن قليل العمل الأخروي خير من كثير منها، وفي الحديث توضيح واف عن المراد بالمحافظة على الصلاة حتى قال ابن بطال: لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث، لأن اللَّه تعالى قال: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقال: ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث. واللَّه أعلم

стр. 1579

(٢٢٩) باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ١٢١٥ - عن علي ﵁ قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". ١٢١٦ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب "شغلونا عن صلاة الوسطى حتى آبت الشمس ملأ الله قبورهم نارًا أو بيوتهم أو بطونهم". (شك شعبة في البيوت والبطون). ١٢١٧ - عن قتادة بهذا الإسناد وقال: بيوتهم وقبورهم (ولم يشك). ١٢١٨ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب وهو قاعد على فرضة من فرض الخندق "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم وبيوتهم (أو قال قبورهم وبطونهم) نارًا". ١٢١٩ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا" ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء. ١٢٢٠ - عن عبد الله ﵁ قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت؛ فقال رسول الله ﷺ "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا" أو قال "حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا".

стр. 1580

١٢٢١ - عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا. وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلما بلغتها آذنتها. فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر. وقوموا لله قانتين. قالت عائشة سمعتها من رسول الله ﷺ . ١٢٢٢ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر. فقرأناها ما شاء الله. ثم نسخها الله. فنزلت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل كان جالسًا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر. فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت. وكيف نسخها الله. والله أعلم. قال مسلم: ورواه الأشجعي عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال قرأناها مع النبي ﷺ زمانا بمثل حديث فضيل بن مرزوق. ١٢٢٣ - عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب يوم الخندق جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس. فقال رسول الله ﷺ "فوالله إن صليتها" فنزلنا إلى بطحان، فتوضأ رسول الله ﷺ وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ العصر بعد ما غربت الشمس. ثم صلى بعدها المغرب. -[المعنى العام]- يتجلى من هذه الأحاديث مدى حرص الرسول ﷺ وصحابته على أداء الصلاة في أول وقتها، وعند العذر في وقتها، حتى في ساحة الحرب والوقوف أمام الأعداء، لقد كادت تغرب الشمس في غزوة الخندق ورسول الله ﷺ وأصحابه يراقبون المشركين وتحركاتهم، وكان عمر متوضئًا فخطف صلاة العصر والشمس تكاد تغرب، ولم يدرك الرسول ﷺ وكثير من أصحابه صلاة العصر وقد غربت الشمس. فأعلن أمام أصحابه أسفه وحزنه على فوات وقت الصلاة، ليحرص أصحابه من بعده على الصلوات في وقتها، ودعا على من كان سببًا في هذا التأخير. دعا على المشركين بأن يملأ اللَّه بيوتهم

стр. 1581

وقلوبهم بنار الفتنة والفرقة والاختلاف، وجاءه عمر يشكو أنه أدرك صلاة العصر بصعوبة قبل الغروب، فقال له ﷺ أنت أدركت، ولكني والله ما صليتها بعد، وقد غربت الشمس، وقام ﷺ فتوضأ وصلى العصر قضاء ثم المغرب، ولما ورد في مساق هذه القصة لفظ "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" ولفظ "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" استدل به العلماء على أن المراد من الصلاة الوسطى في الآية الكريمة ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ هي صلاة العصر، وساق مسلم دليلاً آخر على ذلك، هو إملاء عائشة لمولاها الآية الكريمة قبل النسخ، كما ساق حديث البراء وأن التصريح بأنها صلاة العصر كان فيما نزل ثم نسخ، واللَّه أعلم. -[المباحث العربية]- (لما كان يوم الأحزاب) "كان" تامة، و"يوم الأحزاب" فاعل، والمراد الغزوة المعروفة بغزوة الأحزاب أو الخندق وكانت سنة أربع من الهجرة، وقيل سنة خمس. (ملأ اللَّه قبورهم وبيوتهم نارًا) دعاء على المشركين الذين تحزبوا ضد المسلمين. (كما حبسونا) الكلام على التعليل أي لأنهم حبسونا عن الصلاة الوسطى، أي منعونا وحالوا بيننا وبينها بانشغالنا بهم. (عن صلاة الوسطى) قال النووي: هكذا هو في النسخ وأصول السماع "صلاة الوسطى" وهو من باب قوله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربي﴾ [القصص: ٤٤] وهو على مذهب الكوفيين من إضافة الشيء إلى صفته، ولا يجيزه البصريون ويقدرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا عن صلاة الصلاة الوسطى أي عن فعل الصلاة الوسطى. اهـ. (حتى آبت الشمس) الإياب الرجوع، والمعنى حتى رجعت الشمس إلى مكانها بالليل، أي غربت. (قبورهم أو بيوتهم أو بطونهم) ذكر القبور في جميع الروايات، والبيوت في أكثرها، والبطون والأجواف في بعضها، وقد يكون الرسول ﷺ ذكر الجميع، فاقتصر بعض الرواة على البعض، أو ذكر بعضها وشك الراوي فيما ذكر، والمقصود بالدعاء عليهم بملء القبور نارًا تعذيبهم في قبورهم، والمقصود بملء البيوت نارًا احتراقهم في الدنيا، أو اشتعال الفتن في بيوتهم، والمقصود بملء البطون والأحشاء نارًا كثرة مصائبهم واحتراق قلوبهم بالكوارث والبلوى في أموالهم وأولادهم وصحتهم ونحو ذلك. (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) قال النووي: هكذا هو في الروايات "وصلاة العصر" بالواو، واستدل به بعض أصحابنا على أن الوسطى ليست العصر، لأن العطف يقتضي المغايرة.

стр. 1582

واعتبر بعضهم الواو زائدة للتطابق بين الروايات لكن زيادة الواو في مثله غير معروف. ﴿وقوموا لله قانتين﴾ القنوت قيل هو الطاعة، أي قوموا للَّه مطيعين، وقيل القنوت السكوت، لقول زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. (أن عمر بن الخطاب يوم الخندق جعل يسب كفار قريش) لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إذ تأخر عمر بصلاته عن وقتها المختار كما في الحديث، وتأخر غيره عنها مطلقًا. (واللَّه ما كدت أن أصلي حتى كادت أن تغرب الشمس) لفظ "كاد" من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كدت أقع فمعناه قاربت الوقوع ولم أقع. فقول عمر: ما كدت أصلي العصر معناه أنه صلى العصر، وقوله: حتى كادت أن تغرب الشمس معناه قرب الغروب ولم تغرب، فالمعنى أنه صلى قرب غروب الشمس، لأن نفي الصلاة مع كاد يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة مع نفي الغروب أما قول الكرماني: حاصله عرفًا: ما صليت حتى غربت الشمس فغير مسلم، فإنه كان يصح لو قال عمر: ما كدت أصلي حتى غربت الشمس بدون كاد. (فواللَّه إن صليتها) "إن" نافية بمعنى ما، والمعنى "واللَّه ما صليتها" وهي رواية البخاري، أي ما صليت العصر. (فنزلنا إلى بطحان) بضم الباء وسكون الطاء واد بالمدينة، وقيل هو بضم أوله وكسر ثانيه. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى المذكورة في القرآن، في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وهي في الآية من ذكر الخاص بعد العام لمزيد عناية بالخاص، والثالثة من كل خمس هي الوسطى كيفما بدأت العد، وكان سبب الاختلاف ملاحظة كل منهم لأهمية خاصة للصلاة التي أرادها، فقال جماعة هي العصر، إذ هي الواقعة بين صلاتي نهار وصلاتي ليل، وتأتي في وقت انشغال الناس بمعايشهم وأعمالهم، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضلها والتحذير من تفويتها، ويكفي الحديث الوارد في الباب السابق "من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله" وأحاديث هذا الباب صريحة وواضحة في أنها العصر. وممن قال بذلك علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم. قال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، وقالت طائفة: هي

стр. 1583

الصبح واحتجوا بأنها تأتي وقت مشقة بسبب برد الشتاء، وطيب النوم في الصيف وفتور الأعضاء، وغفلة الناس. وهي أثقل صلاة على المنافقين، فخصت بالمحافظة لأنها معرضة للضياع، بخلاف غيرها، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ والقنوت طول القيام وهو مختص بالصبح، وهي أولى إحدى صلاتين كثر الحض على المحافظة عليهما، يقول تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾ [ق: ٣٩] وقال ﷺ "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ... " الحديث متفق عليه. وممن نقل عنهم القول بذلك عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد ومالك بن أنس والشافعي وجمهور أصحابه، واعتذر الماوردي من الشافعية عن الشافعي في قوله: إنها الصبح، أنه لم يبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر، ومذهبه اتباع الحديث، فالعصر مذهب الشافعي ﵀ لصحة الأحاديث. ولست أرى كبير فائدة من هذا الخلاف، فقد ورد الكثير في فضل الصبح والعصر والتحذير من تضييعهما فليحافظ عليهما أكثر مما يحافظ على غيرهما. وإن كانت المحافظة واجبة للجميع. والله أعلم. وقالت طائفة: هي الظهر، إذ هي كالعصر تأتي وقت اشتغال الناس بمعايشهم وأعمالهم، نقلوه عن زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبي سعيد الخدري وعائشة ورواية عن أبي حنيفة. وقيل: هي المغرب، لأنها وسطى في عدد الركعات، لأن عدد ركعاتها ثلاث، فهي وسطى بين الأربع والاثنتين، ووقتها في آخر النهار وأول الليل وخصت من بين الصلاة بأنها وتر، والله يحب الوتر. وقيل: هي العشاء، لأنها إحدى صلاتين هما أثقل الصلاة على المنافقين لقوله ﷺ "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الغداة والعشاء الآخرة، ولو يعلمون ما فيهما لآتوهما ولو حبوًا" متفق عليه. وقيل: الصلاة الوسطى إحدى الخمس مبهمة. وقيل: الوسطى جميع الخمس، حكاه القاضي عياض. وقيل: هي الجمعة. قال النووي: والصحيح من هذه الأقوال قولان: العصر والصبح، وأصحهما العصر، وأما من قال: هي الجمعة فمذهب ضعيف جدًا، لأن المفهوم من الإيصاء بالمحافظة عليها إنما كان لأنها معرضة للضياع، وهذا لا يليق بالجمعة، فإن الناس يحافظون عليها في العادة أكثر من غيرها، لأنها تأتي في الأسبوع مرة، ومن قال: هي جميع الخمس فضعيف أو غلط، لأن العرب لا تذكر الشيء مفصلا ثم تجمله، وإنما تذكره مجملاً ثم تفصله، أو تفصل بعضه تنبيهًا على فضيلته. اهـ.

стр. 1584

-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - قال النووي: أخذ من الأحاديث أن الصلاة الفائتة على رسول الله ﷺ كانت صلاة العصر، وظاهرها أنه لم يفت غيرها، وفي الموطأ أنها الظهر والعصر، وفي غيره أنه أخر أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها. ٢ - يؤخذ من الأحاديث أن تأخير هذه الصلاة كان بسبب الاشتغال بالعدو، وهل كان نسيانًا؟ أو عمدًا لعذر، قيل بالأول، واستدل له بما رواه أحمد "أن رسول الله ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: لا. يا رسول الله، ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر ثم أعاد المغرب" ويمكن الجمع بتعدد التأخير كما جمع النووي ويمكن بهذا الحديث الذي رواه أحمد أن تجمع بين الرواية الرابعة، وفيها "ثم صلاها بين العشاءين" وبين الرواية الثامنة، وفيها "فصلى العصر بعد ما غربت الشمس" ثم صلى بعدها المغرب" فإذا افترضنا اتحاد الواقعة قلنا: صلى المغرب، ثم صلى العصر، ثم أعاد المغرب، فهو في هذه الحالة صلى العصر بين العشاءين، وصلاها بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: ويستبعد أن يقع النسيان مع الجميع، إذ التأخير كان من الجميع كما هو الظاهر، ثم إن قوله ﷺ لعمر: والله ما صليتها يبعد النسيان. وقيل: كان تأخير العصر عمدًا لكونهم شغلوه وحبسوه عنها ولم يمكنوه منها، وظاهر الأحاديث تشهد له، فإن قيل: هل يجوز اليوم تأخير الصلاة بسبب الاشتغال بالعدو والقتال؟ قلنا: لا. لا يجوز اليوم تأخيرها عمدًا عن وقتها، بل يصلي صلاة الخوف، أما ما حصل فكان قبل صلاة الخوف. ٣ - ويؤخذ من حلف الرسول ﷺ في الرواية الثامنة جواز الحلف من غير استحلاف، قال النووي: وهي مستحبة إذ كان فيه مصلحة من توكيد الأمر، أو زيادة الطمأنينة، أو نفي توهم نسيان أو غير ذلك من المقاصد السائغة، وقد كثرت اليمين في الأحاديث. قال: وإنما حلف النبي ﷺ تطييبًا لقلب عمر ﵁، فإنه شق عليه تأخير العصر إلى قريب من المغرب، فأخبره النبي ﷺ أنه لم يصلها بعد، ليكون لعمر به أسوة، ولا يشق عليه ما جرى، وتطيب نفسه، وأكد ذلك الخبر باليمين. اهـ ٤ - يؤخذ من الرواية الثامنة أن من فاتته صلاة، وذكرها في وقت أخرى ينبغي له أن يبدأ بقضاء الفائتة، ثم يصلي الحاضرة، وهذا مجمع عليه، لكنه عند الشافعي وطائفة على الاستحباب، فلو صلى الحاضرة ثم الفائتة جاز، وعند مالك وأبي حنيفة وآخرين على الإيجاب، فلو قدم الحاضرة لم يصح، ويؤيده ما رواه أحمد عما قريب من أنه ﷺ لما صلى العصر بعد المغرب أعاد المغرب.

стр. 1585

٥ - واستدل بالحديث على عدم مشروعية الأذان للفائتة، وأجاب من اعتبره بأنه يحتمل أن الراوي لم يذكره مع وقوعه، بدليل أن المغرب كانت حاضرة ولم يذكر الراوي الأذان لها. ٦ - وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم وينبغي الاقتداء به في ذلك. ٧ - وفيه جواز سب المشركين، ولكن المراد ما ليس بفاحش، إذ هو اللائق بمنصب عمر ﵁. ٨ - وفيه جواز الدعاء على المشركين بالحرق. واللَّه أعلم

стр. 1586

(٢٣٠) باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما ١٢٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون". ١٢٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "والملائكة يتعاقبون فيكم" بمثل حديث أبي الزناد؟ ١٢٢٦ - عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال "أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" يعني العصر والفجر. ثم قرأ جرير ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ [طه: ١٣٠]. ١٢٢٧ - عن عبد الله بن نمير وأبي أسامة ووكيع بهذا الإسناد وقال "أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر" وقال: ثم قرأ. ولم يقل: جرير. ١٢٢٨ - عن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" يعني الفجر والعصر. فقال له رجل من أهل البصرة: آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله ﷺ . سمعته أذناي ووعاه قلبي. ١٢٢٩ - عن ابن عمارة بن رؤيبة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ "لا يلج النار

стр. 1587

من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" وعنده رجل من أهل البصرة فقال: آنت سمعت هذا من النبي ﷺ قال: نعم. أشهد به عليه. قال: وأنا أشهد. لقد سمعت النبي ﷺ يقوله بالمكان الذي سمعته منه. ١٢٣٠ - عن أبي بكر عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى البردين دخل الجنة". -[المعنى العام]- كما فضل الله بعض الناس على بعض وفضل بعض الأماكن على بعض فضل بعض الأوقات على بعض، وتفضيل الأماكن والأوقات تفضيل للعبادة فيهما على العبادة في غيرهما، وقد فضل الله وقتي العصر والفجر على بقية الأوقات، لأن الفجر وقت النوم ووقت الخلود إلى الراحة، ووقت الخوف من البرد في الشتاء، ولأن العصر وقت انشغال الناس بالكسب والأعمال، فكان الترغب في المحافظة على الصلاة في هذين الوقتين، وكان فضل الله في الإثابة على صلاتهما عظيمًا، فأنزل الله ملائكة من السماء في كل من العصر والفجر، تنزل ملائكة الفجر فتشهد الصلاة مع المصلين وتستمر حتى صلاة العصر فتنزل طائفة أخرى تجتمع مع الأولى في صلاة العصر مع المصلين ثم تصعد طائفة النهار إلى ربها، وتبقى ملائكة الليل فتبيت حتى الفجر، فتنزل الملائكة فتجتمع مع ملائكة الليل في صلاة الفجر، ثم تصعد ملائكة الليل فيسألهم ربهم سؤال استنطاق: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون، وكثيرًا ما رغب رسول الله ﷺ في المحافظة على هاتين الصلاتين، وحذر من تضييعهما، فقال لأصحابه يومًا وقد رأوا البدر: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تزاحم بينكم في رؤيته، يساعدكم على الفور برؤيته جل شأنه المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر، فإن رأيتم واستطعتم ألا يغلبكم الشيطان عليهما فافعلوا وحافظوا، فإنه لا يلج النار من حافظ على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وإنه من حافظ على صلاة البردين اللذين يصليان في برد النهار وانكسار حرارته وهما الصبح والعصر، من حافظ على هاتين الصلاتين دخل الجنة. -[المباحث العربية]- (يتعاقبون فيكم ملائكة) مذهب الأخفش ومن تابعه من النحويين في هذا وفي أمثاله أن الواو في "يتعاقبون" علامة جمع المذكر، وليست الفاعل، وإنما الفاعل "ملائكة" قالوا: يجوز إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل مع وجود الفاعل، وحكوا فيه قولهم: أكلوني البراغيث، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ [الأنبياء: ٣].

стр. 1588

وقال سيبويه وأكثر النحويين: لا يجوز إظهار الضمير مع وجود الفاعل الظاهر، ويتأولون هذا وأمثاله، ولا يرفعون الاسم الظاهر "ملائكة" على أنه فاعل الفعل المذكور، ويجعلون الضمير هو الفاعل، ويقدرون له ما يعود عليه، نحو: "لله ملائكة يتعاقبون فيكم" و"ملائكة" المذكورة بعد الفعل إما بدل من الضمير وإما خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان، كأن قيل: من هم؟ فقيل: هم ملائكة بالليل، إلخ. ولكل من المذهبين وجهة نظر سليمة، فالأولون على لغة للحارث، وهي لغة فاشية، قال القرطبي: ولها وجه في القياس صحيح، والآخرون تؤيدهم روايتنا الثانية "والملائكة يتعاقبون فيكم" ... إلخ ورواية النسائي "إن الملائكة يتعاقبون فيكم"، ورواية البخاري في بدء الخلق "الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" ... إلخ. ومعنى "يتعاقبون" تأتي طائفة عقيب طائفة ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين، ومنه تعقيب الجيوش بأن يجهز الأمير بعثًا إلى مدة ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين. والخطاب في "فيكم" للمصلين، وقيل: مطلق المؤمنين، والأول أوضح وأقرب، والتنكير في "ملائكة" للدلالة على أن الثانية غير الأولى، فإن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، بخلاف ما إذا أعيدت المعرفة معرفة كانت عين الأولى غالبًا - ولذا ورد في قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] قوله ﷺ .. "لن يغلب عسر يسرين". ﴿ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر﴾ قال الزين بن المنير: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك منزل على حالين، فالتعاقب وحلول جماعة مكان جماعة يكون بعد اجتماعهم. (ثم يعرج الذين يأتون فيكم) يقال: عرج من باب نصر، والعروج الصعود، ويقال: عرج يعرج عرجانًا إذا عجز عن شيء أصابه، وعرج تعريجًا إذا قام. (فيسألهم ربهم) سؤال استنطاق وإقرار. (تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) جملة "وهم يصلون" حال، وكان الترتيب الطبيعي أن يخبروا عن حالة الإتيان ثم عن حالة الترك لكنهم لم يراعوا الترتيب الوقوعي لأنهم طابقوا السؤال: كيف تركتم عبادي؟ فقدموا الجواب المطلوب ثم زادوا عليه، قال الحافظ ابن حجر: ولأن المخبر به صلاة العباد، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله. اهـ وحاصل الجواب أن حالة الترك قدمت للاهتمام بها. (كنا جلوسًا ... إذ نظر إلى القمر ليلة البدر) يحتمل أن "ليلة البدر" تنازعها كل من "كنا جلوسًا" و"إذ نظر" أي: كنا جلوسًا ليلة البدر إذ نظر إلى القمر ليلة البدر. (كما ترون هذا القمر) أي: ترونه رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة، كما ترون هذا القمر رؤية محققة بلا مشقة، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي. (لا تضامون في رؤيته) "تضامون" روى بتشديد الميم مع فتح التاء، وأصله "تتضامون"

стр. 1589

بتاءين حذفت إحداهما، من الضم، أي لا تتزاحمون عند رؤيته، بل كل واحد منكم وادع مكانه لا ينازعه في رؤيته أحد، وروى بتخفيف الميم مع ضم التاء، من الضيم وهو الغلبة على الحق والاستبداد به، والمعنى لا يضيم بعضكم بعضًا في رؤيته، ولا يلحقكم ضيم ولا مشقة ولا تعب. (فإن استطعتم أن لا تغلبوا) بلفظ المبني للمجهول، و"أن" مصدرية والتقدير: فإن استطعتم عدم غلبة النوم والمشاغل لكم، وجواب "إن" محذوف للعلم به، وقد ذكر في رواية البخاري بلفظ "فافعلوا" أي: الصلاة في هذين الوقتين. (ثم قرأ جرير) الصحابي - فهو مدرج - وفي جميع روايات البخاري "ثم قرأ" بإبهام الفاعل، فحمله بعض الشراح على أنه النبي ﷺ ، والأولى ما ذكر فيها الفاعل. (من صلى البردين) بفتح الباء وسكون الراء تثنية "برد" بفتح الباء وسكون الراء، والمراد بهما صلاة الفجر والعصر، وسميًا بذلك لأنهما يصليان في بردي النهار، أي طرفاه، قاله الخطابي. -[فقه الحديث]- ذهب أكثر العلماء إلى أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الذين يكتبون أعمال العباد فسؤاله لهم عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم، وقال القاضي عياض: وقيل يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، فسؤاله لهم إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة: ٣٠]؟ وأنه ظهر لهم ما سبق في علمه بقوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ وقال القرطبي: وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين، أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم لهم، ولذلك قالوا: "تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" قال: وهذا من خفي لطفه وجميل ستره، إذ لم يطلعهم إلا على حال عباداتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها، اهـ. وهذا القول يصح مع من قال: إنهم غير الحفظة، لأن الحفظة يطلعون على أحوالهم كلها، اللهم إلا أن تكون الحفظة غير الكاتبين. وقد فهم بعضهم من الرواية الأولى من قوله: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم" أن العروج خاص بملائكة الليل، دون ملائكة النهار، وحاول بعضهم أن يجعل المبيت للفرقتين وأن العروج في صلاة الفجر، وأن النزول في الصلاتين، قال: وفيه التعاقب. قال: وصورته أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فيجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى، فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثم تعرج إحدى الطائفتين ويستمر ذلك فتصبح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خص السؤال بالذين باتوا، قاله في الفتح. وهو غير مستقيم لأن:

стр. 1590

١ - قوله: "وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا" يتناقض مع قوله: "مع اختصاص النزول بالعصر والعروج بالفجر". ٢ - ولأن الصورة التي صورها تجعل الفرقتين يبيتون، فيصدق عليهم جميعًا "ثم يعرج الذين باتوا فيكم" وليس على إحداهما. ٣ - ولأن الصورة التي صورها لا يصدق عليها قوله: "ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر" لأنهم والحالة هذه يجتمعون في صلاة العصر ويستمر اجتماعهم إلى صلاة الفجر. ٤ - ولأن الصورة التي صورها لا يصدق عليها قوله: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" بل يصدق على الجميع ملائكة الليل، أو ملائكة النهار أو ملائكة الليل والنهار، لأن كل فرقة ستنزل العصر وتصعد فجر اليوم الثاني. وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه التخصيص بالذين باتوا وترك الذين ظلوا؟ قلت: إما للاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر كقوله: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] وإما لأن الليل مظنة المعصية ومظنة الاستراحة، فلما لم يعصوا واشتغلوا بالطاعة فالنهار أولى بذلك. اهـ ومعنى كلام الكرماني أن العروج يحصل من الفرقتين على الرأي الأول، وأنه يحصل من الذين باتوا دون الذين ظلوا على الرأي الثاني للعلة التي ذكرها وهي أن العروج والسؤال عن الحالة الأصعب، ومنها يعلم أمر الحالة الأسهل، ويمكن أن يكون ما ذكره الكرماني على أنه رأي ثان يمكن أن يكون تتميمًا للرأي الأول، ففي الحديث اكتفاء، وخص في الاكتفاء هذا الجانب بالذكر دون الآخر للعلة التي ذكرها، وهي القياس بالأولى وقد جاء مصرحًا بعروج كل من ملائكة الليل والنهار وسؤالهم في رواية ابن خزيمة، ولفظها عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد ملائكة النهار، وتثبت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ " الحديث. فلا حاجة إلى التكلف في تصوير الصورة التي صورت في الفتح. والله أعلم. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - أن الصلاة أعلى العبادات، لأنه عليها وقع السؤال والجواب، قال الحافظ ابن حجر: قوله "تركناهم وهم يصلون" ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر، سواء تمت أو منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا، لأن المنتظر في حكم المصلي. وقال ابن التين: لا يلزم أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم، إذ هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسبابها. اهـ وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة. اهـ وما قاله غير ظاهر فإن اللفظ محتمل للجماعة وغيرها، وإن كان فضل الجماعة معلومًا، بل ظاهر الحديث يتناول من صلاهما ولو مفردًا إذ مقتضاه التحريض على فعلهما أعم من كونه جماعة أو لا. قاله في الفتح. ٢ - استدل بعض الحنفية بقوله: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم" على استحباب تأخير صلاة العصر، وبيان ذلك أن الذين باتوا "هم الذين نزلوا عصرًا وأدركوا صلاة العصر، وإطلاق المبيت عليهم

стр. 1591

يقتضي نزولهم قرب المبيت، ورد بأن اسم المبيت يصدق عليهم ولو تقدمت إقامتهم قطعة من النهار قبل إقامتهم بالليل، وقالوا: إن صعود ملائكة النهار عند صلاة العصر يقتضي أنهم قضوا النهار قبل الصعود، وذلك يتحقق بتأخير صلاة العصر إلى آخر النهار، ورد بأن الحديث ليس فيه ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق، ويطلق عليهم ملائكة النهار لأنهم أقاموا أكثر النهار وأغلبه. والله أعلم. ٣ - وفي الحديث إشارة إلى عظم هاتين الصلاتين، لما فيهما من المشاق ومن التكاسل والتشاغل، ومن حافظ عليهما حافظ على غيرهما بالأولى غالبًا. ٤ - وفيه إشارة إلى فضل هذين الوقتين، لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان وفي غيرهما طائفة واحدة. ٥ - وفيه إشارة إلى تشريف هذه الأمة على غيرها، ويلزم من ذلك تشريف نبينا على غيره من الأنبياء ﵈. ٦ - وفيه الإيذان بأن الملائكة تحب هذه الأمة لتزداد حبًا لهم، ولتزداد تقربًا إلى الله ليزدادوا حبًا لنا. ٧ - وفيه الدلالة على أن الله تعالى يتكلم مع ملائكته. ٨ - وفيه الإخبار بالغيب، ويترتب عليه زيادة الإيمان. ٩ - وفيه الإخبار بأن الملائكة تضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي. ١٠ - ويؤخذ من الرواية الثالثة إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة قال العيني: استدل بهذا الحديث وأمثاله وبالقرآن وإجماع الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيًا، ومنع من ذلك المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة. اهـ. وقد بسطنا القول في هذا الموضوع في الجزء الثاني من هذا الكتاب. ١١ - ظاهر الرواية الرابعة والخامسة تحريم النار على من حافظ على صلاة الفجر والعصر، وإن ارتكب المحرمات، وظاهر الرواية السادسة أن من حافظ عليهما دخل الجنة وإن عصى ولم يفعل غيرهما. وهذا الظاهر غير مراد، لأن الكلام خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن من صلاهما وراعاهما انتهى عما ينافيهما من فحشاء ومنكر، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. واللَّه أعلم

стр. 1592

(٢٣١) باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس ١٢٣١ - عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. ١٢٣٢ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله. ١٢٣٣ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: "كنا نصلي المغرب" بنحوه. -[المعنى العام]- لا خلاف بين العلماء في استحباب تعجيل صلاة المغرب بحيث تقع عقيب غروب الشمس وتوارى جميع جسمها في الأفق، وذلك حيث لا غيم يعمى على المرء غروبها، وبالأحرى يسن التعجيل بصلاة المغرب بمجرد تيقن غياب قرص الشمس جميعه، وهو الوقت الذي يباح فيه الفطر للصائم، ولا يقال إن الصائم يسن له التعجيل بالفطر فيتعارض مع استحباب التعجيل بصلاة المغرب، لأنا نقول أن بالإمكان الجمع بين التعجيلين، فيأخذ عجالة من فطره ثم يصلي ثم يعود لفطوره، وبذلك يأتي بالسنة في كل منهما. والله أعلم. -[المباحث العربية]- (إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب) قال النووي: اللفظان بمعنى، وأحدهما تفسير للآخر. اهـ. أي توارت بما يحجبها، وهو الأفق، وهذا اللفظ أصرح في المراد من رواية عبد بن حميد بلفظ "كان يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس، حين يغيب حاجبها"، والمراد قطعًا حاجبها الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها، وحاجب الشمس وإن كان يطلق على نواحيها إلا أنه أظهر في طرفها الأعلى لأنه أول ما يبدو كحاجب الإنسان. (ليبصر مواقع نبله) النبل هو السهم يخرج عن القوس، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه،

стр. 1593

وقيل: واحده نبلة كتمر وتمرة، أي يرمي أحدنا النبل عن القوس فيندفع النبل مسافة ثم يسقط، فيراه صاحبه بعد سقوطه، ولا يكون ذلك إلا مع بقاء الضوء، وفي رواية أحمد "فما يخفى علينا مواقع سهامنا". -[فقه الحديث]- قال النووي: في هذين الحديثين أن صلاة المغرب تعجل عقب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه، ولا أصل له، وأما الأحاديث السابقة في تأخير المغرب إلى قريب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير كما سبق إيضاحه، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت، وهذان الحديثان إخبار عن عادة رسول الله ﷺ المتكررة التي واظب عليها إلا لعذر، فالاعتماد عليها، اهـ. وفي معنى الحديثين وردت أحاديث كثيرة منها ما رواه أبو داود عن كعب بن مالك "كان النبي ﷺ يصلي المغرب ثم يرجع الناس إلى أهليهم ببني سلمة وهم يبصرون موقع النبل حين يرمي بها". وعند الشافعي عن إبراهيم "ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بني سلمة فننظر مواقع النبل من إسفار" أي من الضوء، ومساكن بني سلمة في عوالي المدينة على نحو ميلين من المسجد النبوي. وعند النسائي عن رجل من أسلم "أنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ المغرب ثم يرجعون إلى أهليهم إلى أقصى المدينة، ثم يرمون فيبصرون مواقع نبلهم". وعند الطبراني من حديث زيد بن خالد "كنا نصلي مع النبي ﷺ المغرب، ثم ننصرف حتى نأتي السوق وإنا لنرى مواضع النبل". واللَّه أعلم

стр. 1594

(٢٣٢) باب وقت العشاء وتأخيرها ١٢٣٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: أعتم رسول الله ﷺ ليلة من الليالي بصلاة العشاء. وهي التي تدعى العتمة. فلم يخرج رسول الله ﷺ حتى قال عمر بن الخطاب نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ﷺ ، فقال: لأهل المسجد حين خرج عليهم "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس. زاد حرملة في روايته: قال ابن شهاب: وذكر لي أن رسول الله ﷺ قال "وما كان لكم أن تنزروا رسول الله ﷺ على الصلاة" وذاك حين صاح عمر بن الخطاب. ١٢٣٥ - عن عائشة ﵂ قالت: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال "إنه لوقتها. لولا أن أشق على أمتي" وفي حديث عبد الرزاق "لولا أن يشق على أمتي". ١٢٣٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك فقال حين خرج "إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة" ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى. ١٢٣٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا رسول الله ﷺ ثم قال "ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم".

стр. 1595

١٢٣٨ - عن ثابت ﵁ أنهم سألوا أنسًا عن خاتم رسول الله ﷺ فقال أخر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل. أو كاد يذهب شطر الليل. ثم جاء فقال "إن الناس قد صلوا وناموا. وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة". قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة. ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر. ١٢٣٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: نظرنا رسول الله ﷺ ليلة حتى كان قريب من نصف الليل، ثم جاء فصلى ثم أقبل علينا بوجهه، فكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة. ١٢٤٠ - عن قرة بهذا الإسناد ولم يذكر: ثم أقبل علينا بوجهه. ١٢٤١ - عن أبي موسى ﵁ قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولاً في بقيع بطحان ورسول الله ﷺ بالمدينة، فكان يتناوب رسول الله ﷺ عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم، قال أبو موسى فوافقنا رسول الله ﷺ أنا وأصحابي وله بعض الشغل في أمره حتى أعتم بالصلاة حتى ابهار الليل، ثم خرج رسول الله ﷺ فصلى بهم فلما قضى صلاته قال لمن حضره "على رسلكم. أعلمكم وأبشروا أن من نعمة الله عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم" أو قال "ما صلى هذه الساعة أحد غيركم" (لا ندري أي الكلمتين قال) قال أبو موسى: فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله ﷺ . ١٢٤٢ - عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أي حين أحب إليك أن أصلي العشاء التي يقولها الناس العتمة إمامًا وخلوًا؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: أعتم نبي الله ﷺ ذات ليلة العشاء. قال حتى رقد ناس واستيقظوا. ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال: الصلاة. فقال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه الآن. يقطر رأسه ماء. واضعًا يده على شق رأسه. قال "لولا أن يشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك".

стр. 1596

قال فاستثبت عطاء كيف وضع النبي ﷺ يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس. فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئًا من تبديد. ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس. ثم صبها. يمرها كذلك على الرأس، حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه، ثم على الصدغ وناحية اللحية لا يقصر ولا يبطش بشيء إلا كذلك. قلت لعطاء: كم ذكر لك أخرها النبي ﷺ ليلتئذ؟ قال: لا أدري. قال عطاء: أحب إلي أن أصليها إمامًا وخلوًا مؤخرة. كما صلاها النبي ﷺ ليلتئذ. فإن شق عليك ذلك خلوًا أو على الناس في الجماعة وأنت إمامهم. فصلها وسطًا، لا معجلة ولا مؤخرة. ١٢٤٣ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يؤخر صلاة العشاء الآخرة. ١٢٤٤ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات نحوًا من صلاتكم وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئًا وكان يخف الصلاة. وفي رواية أبي كامل: يخفف. ١٢٤٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل". ١٢٤٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل". -[المعنى العام]- اعتاد العرب النوم مبكرًا في أوائل الليل، وجاء الإسلام فأقر هذه العادة وحرص على النوم بعد صلاة العشاء ونهى عن السهر والسمر بعد العشاء، ذلك لأن الليل مظنة الانحراف، والسمر فيه عادة أهل اللهو واللعب، وكل سهر فيه قد يكون على حساب النشاط والجهد والإنتاج في النهار، بل قد يكون على حساب صلاة الفجر في وقته، فلما أمن الإسلام على أهله من الانحراف، ولما أشربت

стр. 1597

قلوب الصحابة حب قيام الليل والتطوع بالصلاة فيه بدأ التشجيع على السهر في الطاعة، وبدأ الحض على تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها، وبدأ هذا الأمر عمليًا عن طريق توجيه رسول الله ﷺ ، فكان يقدم صلاة العشاء أحيانًا. ويؤخرها عن أول وقتها أحيانًا أخرى، كان إذا رآهم اجتمعوا صلى بهم ولم ينتظرها، لأن فيهم المريض والسقيم وذا الحاجة، والأم ينام صبيانها، والأب تنتظره زوجه وأولاده، وإذا رآهم أبطئوا ولم يتجمعوا [لاسترخاء بعضهم اعتمادًا على موافقة رسول الله ﷺ على التأخير وحبه له] أخر ﷺ صلاة العشاء حتى يتجمعوا، وشجع على التأخير بنفسه في ليلة من الليالي، إذ تجمع الصحابة وانتظروا خروجه ﷺ للصلاة وقد مضى من وقتها ساعة وأكثر فلم يخرج، حتى ذهب ثلث الليل أو يقرب من الثلث، حتى نام النساء والصبيان الموجودون بالمسجد، وحتى نام بعض الرجال وتيقظوا وناموا وتيقظوا، وحتى قام عمر قريبًا من باب بيته ﷺ ونادى الصلاة. نام النساء والصبيان، وخرج ﷺ وعليه آثار الغسل وشعره يقطر ماء، فقال لأصحابه: هذا الوقت المفضل لصلاة العشاء، ولولا المشقة على بعضكم لصليت بكم كل ليلة في هذا الموعد، لأنكم طالما تنتظرون الصلاة فأنتم في صلاة، وأنتم بانتظاركم صلاة العشاء إلى ثلث الليل تكونون الأمة الوحيدة التي تعبد ربها في هذا الوقت من الليل، فتكونون الأمة الوحيدة المستحقة للأجر الكبير والدرجات العلى، ففرح الصحابة بهذه البشرى وانتظروا وأخروا العشاء حين يؤخرونها راضين مسرورين. -[المباحث العربية]- (أعتم رسول اللَّه ﷺ ليلة من الليالي بصلاة العشاء) ذكر ابن سيده: العتمة ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: العتمة الإبطاء، يقال أعتم الشيء إذا أخره، والأول أظهر. يقال: أعتم دخل في وقت العتمة، والمعنى هنا أخر صلاة العشاء حتى اشتدت عتمة الليل، وهي ظلمته، و"ليلة" ظرف زمان أي أعتم في ليلة من الليالي. (وهي التي تدعى العتمة) تدعى كذلك من العرب والأعراب. (نام النساء والصبيان) أي الذين ينتظرون منهم الصلاة بالمسجد، وليس المراد من بالبيوت، وإنما خصهم بذلك لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم ومحل الشفقة والرحمة، بخلاف الرجال. (وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس) أي قبل أن يظهر وينتشر في غير المدينة، وإنما انتشر في غير المدينة بعد فتح مكة. (وما كان لكم أن تنزروا رسول اللَّه) "تنزروا" بالتاء المفتوحة، ثم النون الساكنة، ثم زاي مضمومة، ثم راء، أي تلحوا عليه، ونقل القاضي عن بعض الرواة أنه ضبطه تبرزوا بضم التاء بعدها باء ساكنة فراء مكسورة فزاي من الإبراز، أي تخرجوا. قال النووي: والرواية الأولى هي الصحيحة المشهورة التي عليها الجمهور.

стр. 1598

(حتى ذهب عامة الليل) قال النووي: أي كثير منه، وليس المراد أكثره ولا بد من هذا التأويل لقوله ﷺ : "إنه لوقتها" ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل، لأنه لم يقل أحد من العلماء: إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. اهـ. وهو كلام حسن، لكنه يحتاج إلى توجيه عبارة "عامة الليل" ويمكن أن يقال: إن "أل" في الليل للعهد، أي الليل الصالح للوقت المختار للعشاء. (وحتى نام أهل المسجد) يجوز أن يراد بأهل المسجد النساء والصبيان على الرواية الأولى، أو ما هو أعم منهما على الرواية الرابعة. (إنه لوقتها) الضمير المنصوب للوقت الذي خرج فيه، والمراد من الوقت الوقت المفضل، أي إن هذا الوقت هو الوقت المختار لصلاة العشاء لولا أن أشق على أمتي. (لولا أن يشق على أمتي) أي لولا أن يشق الوقت وانتظاره على أمتي. (ما ينتظرها أهل دين غيركم) أي ما ينتظر الصلاة في هذه الساعة غيركم، إما لأنه لا يصلي حينئذ إلا بالمدينة، وإما لأن سائر الأقوام ليس في أديانهم صلاة في هذا الوقت. (لولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة) أي لداومت على الصلاة بهم في مثل هذه الساعة من كل ليلة. (شغل عنها ليلة) أي شغل عن صلاة العشاء، فمرجع الضمير معلوم للمخاطبين بمقتضى الحال، أو في الكلام حذف من الراوي للعلم به، وقوله: "شغل عنها" ظاهر في أن تأخير النبي ﷺ إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا، وقوله: "ليلة" ظاهر في أن ذلك لم يكن من شأنه. (حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا) هو محمول على أن الذي رقد بعضهم لا كلهم، ونسب الرقاد إلى الكل مجازًا، من تنزيل الأكثر منزلة الجميع. (أنهم سألوا أنسًا عن خاتم رسول اللَّه ﷺ صيغة السؤال - كما ورد في بعض الروايات - "هل اتخذ النبي ﷺ خاتمًا؟ " الخاتم بكسر التاء وفتحها. (كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة) وبيص الخاتم بريقه ولمعانه والجار والمجرور "من فضة" متعلق بمحذوف حال من "خاتمه". (ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر) المعنى رفع الإصبع الخنصر من يده اليسرى. قال النووي: هكذا هو في الأصول "بالخنصر" وفيه محذوف تقديره مشيرًا بالخنصر، أي إن الخاتم كان في خنصر اليد اليسرى، وهذا الذي رفع إصبعه هو أنس ﵁، وفي الإصبع عشر لغات، كسر الهمزة وفتحها وضمها، مع كسر الباء وفتحها وضمها، والعاشر أصبوع، وأفصحهن كسر الهمزة مع فتح الباء، اهـ.

стр. 1599

(نظرنا ... حتى كان قريب من نصف الليل) قال النووي: هكذا هو في بعض الأصول "قريب" وفي بعضها "قريبًا" وكلاهما صحيح، وتقدير المنصوب حتى كان الزمان قريبًا، وقوله: "نظرنا" أي انتظرنا، يقال: نظرته وانتظرته بمعنى. (كنت أنا وأصحابي ... نزولاً) جمع نازل، كشهود جمع شاهد أي كنا نازلين. (في بقيع بطحان) "البقيع" بفتح الباء، وهو من الأرض المكان المتسع، ولا يقال بقيع إلا وفيه شجر، و"بطحان" بضم الباء وسكون الطاء. هكذا يرويه المحدثون أجمعون، وحكى أهل اللغة فيه فتح الباء وكسر الطاء، وهو علم على واد بالمدينة، ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. (حتى ابهار الليل) بإسكان الباء وتشديد الراء، قال أبو سعيد الضرير: أي طلعت نجومه واشتبكت، والباهر الممتلئ نورًا، وعن سيبويه: ابهار الليل كثرت ظلمته، وابهار القمر كثر ضوؤه، وقال الأصمعي: ابهار انتصف، مأخوذة من بهرة الشيء وهو وسطه، ويؤيده ما جاء في بعض الروايات "حتى إذا كان قريبًا من نصف الليل". (على رسلكم) بكسر الراء وفتحها، لغتان، والكسر أفصح وأشهر، أي ابقوا واستمروا على هيئتكم، أي تأنوا وانتظروا. (أعلمكم وأبشروا) "أعلمكم" بضم الهمزة وسكون العين وكسر اللام مخففة، والجملة كالتعليل للأمر بالانتظار، و"أبشروا" فعل أمر، يقال: بشرت الرجل بتخفيف فتحة الشين، وبتشديدها وأبشرته، ثلاث لغات، أي ليؤثر الخبر على بشرتكم سرورًا. (أن من نعمة اللَّه عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم) ليس واسمها وخبرها خبر "أنه" بفتح الهمزة، و"أنه" وخبرها مسبوك بمصدر اسم "أن" الأولى بفتح الهمزة أيضًا، و"من نعمة الله، خبرها، والتقدير: أن عدم صلاة أحد غيركم في هذه الساعة من نعمة الله عليكم. و"أن" واسمها وخبرها معمول لأعلمكم وأبشروا على التنازع. أي أعلمكم بهذا وأبشروا به. (قلت لعطاء) قال الحافظ ابن حجر: هو ابن أبي رباح، ووهم من زعم أنه ابن يسار. (إمامًا وخلوًا) بكسر الخاء، أي منفردًا؟ . (قام عمر ... فقال: الصلاة) قال الحافظ ابن حجر: "الصلاة" بالنصب بفعل مضمر، تقديره مثلاً: صل الصلاة، وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه. (يقطر رأسه ماء) "ماء" تمييز محول عن الفاعل، أي يقطر ماء رأسه والجملة حال من "نبي الله" أو من الضمير في "كأني أنظر إليه الآن". وفي رواية "كأنه كان اغتسل قبل أن يخرج". (كما أنبأه ابن عباس) أي كما أخبر ابن عباس.

стр. 1600

(فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئًا من تبديد) أي فرق أصابعه بعض التفريق. (ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس) قرن الرأس بسكون الراء جانبها. (ثم صبها) قال النووي: هكذا هو في أصول روايتنا. قال القاضي: وضبطه بعضهم "قلبها" وفي البخاري "ضمها" والأول هو الصواب قال عياض: لأنه يصف عصر الماء من الشعر باليد. اهـ. وهذا المعنى يتأتى في رواية ضم الأصابع وبينها الشعر. (لا يقصر ولا يبطش بشيء إلا كذلك) "لا يقصر" من التقصير، أي لا يبطئ، وفي بعض نسخ البخاري "لا يعصر" بالعين، أي لا يعصر عصرًا خفيفًا ولا يبطش أي ولا يسرع ولا يعصر عصرًا شديدًا. أي برفق ولين غير متعجل وغير متراخ. (كم - ذكر لك - أخرها النبي ﷺ ليلتئذ)؟ جملة "ذكر لك" مؤخرة من تقديم لأن الاستفهام له الصدارة، وتمييز "كم" محذوف. أي (ذكر لك) كم ساعة أخرها النبي ﷺ ؟ والتنوين في "ليلتئذ" عوض عن المضاف إليه، أي ليلة إذ أخرها النبي ﷺ . (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم) قال الطيبي: يقال غلبه على كذا إذا غصبه وأخذه منه قهرًا، والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عاداتهم من تسمية العشاء بالعتمة، فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها اللَّه تعالى بها فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم. اهـ والأعراب أهل البادية. (وهم يعتمون بالإبل) أي يؤخرون حلب الإبل إلى شدة الظلام، فمن أجل ذلك يسمون العشاء العتمة. (فإنها في كتاب اللَّه العشاء) في قوله تعالى: ﴿ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم﴾ [النور: ٥٨]. -[فقه الحديث]- في تفضيل تعجيل صلاة العشاء أو تأخيرها ثلاثة آراء: الأول: أن تعجيلها أفضل مطلقًا، وهو قول الشافعي في القديم، ودليله عموم قوله ﷺ في أفضل الأعمال: "الصلاة لوقتها" أي الصلاة لأول وقتها، وفي رواية "أحب الأعمال إلى اللَّه الصلاة لأول وقتها" ولأن النبي ﷺ لم يؤخرها، وإنما أخرها ليلة واحدة أو ليلتين، ولو كان التأخير أفضل لواظب عليه ﷺ ولو كان فيه مشقة، لأنه ﷺ لا يواظب إلا على الأفضل، ثم إن ظاهر أحاديث التأخير أنه كان لشغل شغله ﷺ . الثاني: أن المستحب تأخير صلاة العشاء إلى ما قبل الثلث، وقيل: إلى الثلث وبه قال مالك

стр. 1601

وأحمد، وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد ودليلهم أن الرسول ﷺ قد نبه على تفضيل التأخير بالألفاظ الواردة في أحاديث الباب، وصرح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، قال النووي: ومعناه - واللَّه أعلم - أنه خشي أن يواظبوا عليه فيفرض عليهم، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح، وعلق تركها بخشية افتراضها والعجز بها، وأجمع العلماء على استحبابها لزوال العلة التي خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء. اهـ وقد علل الخطابي استحباب التأخير بأنه يؤدي إلى طول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاة. اهـ. وهذه العلة مردودة، إذ لو صحت لاستحب تأخير كل صلاة عن أول وقتها. هذا، ومذهب أبي حنيفة أن التأخير أفضل إلا في ليالي الصيف. الثالث: أنه يستحب تأخيرها إلى الثلث للمنفرد والجماعة الراضين بالتأخير فأما مع المشقة على المأمومين أو بعضهم فلا يستحب، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم. وظاهر الأحاديث يؤيده، ويقويه حديث "والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يعجل. كان إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر" رواه البخاري ومسلم. فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير إلى الثلث في حقه أفضل. ولا يخفى أن الكلام في التأخير لا يشمل التأخير إلى ما بعد الثلث الأول (عند مالك والشافعي) أو إلى ما بعد النصف عند أصحاب الرأي وأهل الحديث لأن الكلام في تعجيل الصلاة أي تأخيرها إلى نهاية وقت الاختيار، أما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر فهو وقت جواز، خلافًا للاصطخري الذي يعد ما بعد نصف الليل قضاء. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - يؤخذ من الرواية العاشرة والحادية عشرة النهي عن تسمية العشاء بالعتمة. قال النووي: وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة كحديث "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا" رواه البخاري وغيره، والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهي عن العتمة للتنزيه لا للتحريم. والثاني: يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء. فخوطب بما يعرفه واستعمل لفظ العتمة لأنه أشهر عند العرب، وكانوا يطلقون العشاء على المغرب. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: اختلف السلف في ذلك، فمنهم من كرهه، ومنهم من أطلق جوازه، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وكذلك نقله ابن المنذر عن مالك والشافعي. ثم قال: وقيل إن النهي عن تسمية العشاء عتمة نسخ الجواز، ولا بعد في أن ذلك كان جائزًا، فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية. اهـ فالنهي أيضًا للتنزيه لثبوت ورود

стр. 1602

التسميتين شرعًا. والنهي موجه لتسمية الصلاة عتمة، وأما "أعتم رسول الله ﷺ " فهو من قبيل إطلاق الفعل، ولا شيء فيه. ٢ - يؤخذ من قوله في الرواية الثالثة: "العشاء الآخرة" جواز وصفها بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه خلافًا لما حكي عن الأصمعي من كراهة هذا. ٣ - ويؤخذ منه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم. ٤ - ومن قوله: "رقدنا ثم استيقظنا" استدل على أن النوم لا ينقض الوضوء. قال النووي: وهو محمول على نوم لا ينقض الوضوء وهو نوم الجالس ممكنًا مقعده من الأرض. ٥ - وفيه جواز لبس خاتم الفضة، قال النووي: وهو إجماع المسلمين. ٦ - وفيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء إذا كان في خير، وإنما نهي عن الكلام في غير الخير. ٧ - وفيه جواز النوم قبل العشاء لمن غلب، والكراهة مختصة بمن تعاطى ذلك مختارًا. ٨ - وفيه فضل انتظار الصلاة. ٩ - وفي قوله عمر: الصلاة. دليل على جواز الإعلام للإمام أن يخرج إلى الصلاة إذا كان في بيته. ١٠ - ومن الرواية السابقة يؤخذ أن التبشير لأحد بما يسره محبوب، لأن فيه إدخال السرور في قلب المؤمن. واللَّه أعلم

стр. 1603

(٢٣٣) باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس، وبيان قدر القراءة فيها ١٢٤٧ - عن عائشة ﵂ أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد. ١٢٤٨ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: لقد كان نساء من المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن وما يعرفن من تغليس رسول الله ﷺ بالصلاة. ١٢٤٩ - عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس. وقال الأنصاري في روايته: متلففات. ١٢٥٠ - عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال: لما قدم الحجاج المدينة فسألنا جابر بن عبد الله فقال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة. والعصر والشمس نقية. والمغرب إذا وجبت. والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يعجل. كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل. وإذا رآهم قد أبطئوا أخر. والصبح كانوا أو (قال) كان النبي ﷺ يصليها بغلس. ١٢٥١ - عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال: كان الحجاج يؤخر الصلوات فسألنا جابر بن عبد الله بمثل حديث غندر. ١٢٥٢ - عن سيار بن سلامة قال: سمعت أبي يسأل أبا برزة عن صلاة رسول

стр. 1604

الله ﷺ قال: قلت: آنت سمعته؟ قال فقال: كأنما أسمعك الساعة. قال: سمعت أبي يسأله عن صلاة رسول الله ﷺ . فقال: كان لا يبالي بعض تأخيرها (قال يعني العشاء) إلى نصف الليل، ولا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها. قال شعبة: ثم لقيته بعد فسألته فقال: وكان يصلي الظهر حين تزول الشمس. والعصر يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية. قال: والمغرب لا أدري أي حين ذكر. قال: ثم لقيته بعد فسألته. فقال: وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه. قال: وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة. ١٢٥٣ - عن أبي برزة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل. وكان لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها. قال شعبة: ثم لقيته مرة أخرى فقال: أو ثلث الليل. ١٢٥٤ - عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها. وكان يقرأ في صلاة الفجر من المائة إلى الستين. وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض. -[المعنى العام]- يستدل الإمام مسلم على استحباب التبكير بصلاة الصبح في أول وقتها، وعلى مقدار القراءة فيها بمجموعتين من الأحاديث. المجموعة الأولى: عن عائشة تحكي ما كان عليه النساء المؤمنات من شهود صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ في المسجد، وبعد انتهائهن من الصلاة يرجعن إلى بيوتهن مع بقايا الظلمة التي لا يعرفهن الرائي بسببها مما يدل على أن رسول الله ﷺ كان يصلي الصبح بغلس أي في أول وقتها وفي بقايا الظلمة التي تسبق الإسفار. المجموعة الثانية يثيرها تأخير الأمويين وولاتهم للصلاة بالناس عن أول وقتها، مما دفع الغيورين إلى اللجوء إلى أئمة الصحابة يسألونهم عن حال رسول الله ﷺ في التبكير بالصلوات في أول وقتها، فحين قدم الحجاج المدينة والياً عليها من قبل عبد الملك أخر الصلاة، فقام محمد بن عمرو بن

стр. 1605

الحسن بن علي يسأل جابر بن عبد الله فحكى ما كان عليه رسول الله ﷺ من التبكير بالصلوات عدا العشاء، وصرح بأنه ﷺ كان يصلي الصبح بغلس أي بالظلمة التي قبل الإسفار. ثم سيار بن سلامة يروي أنه سمع أباه يسأل أبا برزة الأسلمي عن صلاة رسول الله ﷺ فيخبره أبو برزة بأنه ﷺ كان يصلي الصلوات في أول وقتها إلا العشاء، فكان أحيانًا يؤخرها إلى ثلث الليل، لكنه كان يكره النوم قبل صلاتها، ويكره الكلام في غير خير بعد صلاتها. وكان مما صرح به أبو برزة بخصوص الفجر قوله: وكان يقرأ في صلاة الفجر بعد الفاتحة من الستين إلى المائة آية، فيكون تسليمه وانصرافه من الصلاة عند بداية الإسفار وعند تمكن الجار من معرفة وجه جاره الذي يعرفه، فصلى الله وسلم على رسول الله ورضي عن الصحابة والتابعين ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (أن نساء المؤمنات) قال النووي: صورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه واختلف في تأويله وتقديره، فقيل: تقديره نساء الأنفس المؤمنات، وقيل: نساء الجماعات المؤمنات، وقيل: إن "نساء" هنا بمعنى الفاضلات، أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي فضلاؤهم ومقدموهم. (يصلين الصبح) "الصبح" مفعول به. (ثم يرجعن متلفعات بمروطهن) "متلفعات" بالعين بعد الفاء، أي متلحفات ومتلففات، من التلحف، وهو شد اللفاع، وهو ما يغطي الوجه ويلتحف به، والمروط جمع مرط بكسر الميم، وهو كساء من صوف أو خز يؤتزر به. (لا يعرفهن أحد) قال الداودي: ما يعرفهن أحد أنساء أم رجال؟ وقيل: ما يعرف أعيانهن. قال النووي: وهذا ضعيف، لأن المتلفعة في النهار أيضًا لا يعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وفي كلام النووي نظر، لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مغطى. اهـ. وقال بعضهم: هذا يدل على أنهن كن سافرات، إذ لو كن منتقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن، لا الغلس. اهـ. والظاهر ما قاله الحافظ ابن حجر. (ثم ينقلبن إلى بيوتهن) أي يرجعن إلى بيوتهن. (وما يعرفن من تغليس رسول اللَّه ﷺ بالصلاة) الغلس هو بقايا ظلام الليل. (إن كان رسول الله ﷺ ليصلي) "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة "كان" واسمها وخبرها خبر إن، والتقدير إن الحال والشأن كان رسول الله ﷺ ليصلي.

стр. 1606

(لما قدم الحجاج المدينة) جواب "لما" محذوف تقديره: أخر الصلوات عن أول وقتها، وقد صرح بهذا الجواب في الرواية الخامسة. وكان قدوم الحجاج للمدينة سنة أربع وسبعين من الهجرة، بعد قتل ابن الزبير حيث ولاه عبد الملك على الحرمين. (فسألنا جابر بن عبد الله) "فسألنا" معطوف على جواب "لما" المحذوف ولم يبين المسئول عنه، وهو معلوم من الجواب، والأصل: سألناه عن مواقيت الصلاة وكيف كان النبي ﷺ يصلي؟ وفي أي وقت كان يصلي كل صلاة؟ . (يصلي الظهر بالهاجرة) الهاجرة شدة الحر نصف النهار عقب الزوال قيل: سميت هاجرة من الهجرة وهو الترك، لأن الناس يتركون التصرف والأعمال بسبب شدة الحر، ويقيلون. (والعصر والشمس نقية) "والعصر" بالنصب عطفًا على الظهر، وجملة "والشمس نقية" حال، والمعنى صافية لم تتغير بصفرة آخر النهار. (والمغرب إذا وجبت) "والمغرب" بالنصب عطفًا على الظهر، ومعنى "وجبت" سقطت والضمير للشمس، أي إذا سقط قرص الشمس عن الأفق. (والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يعجل) أي يعجلها، أي يعجل صلاة العشاء، و"أحيانًا" منصوب على الظرفية. (كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل) بيان لقوله: "وأحيانًا يعجل". (وإذا رآهم قد أبطئوا أخر) بيان لقوله: "أحيانًا يؤخرها" ففي الكلام لف ونشر مشوش. (والصبح كانوا ... أو كان ... ) قال الكرماني: الشك من الراوي عن جابر (محمد بن عمرو بن الحسن بن علي). (قال: قلت: آنت سمعته) أي قال شعبة: قلت لسيار بن سلامة مستوثقًا من السماع: أأنت يا سيار سمعت أباك بأذنك يسأل أبا برزة؟ . (فقال: كأنما أسمعك الساعة) أي فقال: نعم سمعته سماعًا مؤكدًا مشبهًا سماعي لك الآن في اليقين والتأكد. (كان لا يبالي بعض تأخيرها) أصل الكلام: كان لا يبالي بتأخير العشاء بعض تأخير. (ثم لقيته بعد فسألته) أي عن وقت الظهر الذي كان يصلي فيه رسول الله ﷺ وكأن شعبة اكتفى بوقت العشاء في اللقاء الأول، وكأنه كان سؤال الساعة المطلوب وفي اللقاء الثاني سأل عن وقت الظهر.

стр. 1607

(يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية) هي في معنى "نقية" السابق تفسيرها، وحياة الشمس عبارة عن بقاء حرها وبقاء لونها. (فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه) في الرواية الثامنة "وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض" والمعنى واحد، وهو أنه ينصرف، أي يسلم في أول ما يمكن أن يعرف بعضنا وجه من يعرفه، ولا يعارض هذا الإخبار بعدم معرفة النساء، لأن معرفة وجه الجليس بناء عن رؤية من قرب، وعدم معرفة النساء بناء عن رؤية من بعد، والوقت واحد. (وكان يقرأ بالستين إلى المائة) أي يقرأ بسورة بعد الفاتحة يتراوح عدد آياتها بين الستين آية وبين المائة آية. -[فقه الحديث]- التغليس بصلاة الفجر بمعنى صلاتها في أول وقتها مع بقايا ظلمة الليل أفضل من تأخيرها عند مالك والشافعي وأحمد، والإسفار بمعنى تأخيرها إلى بداية ضوء النهار أفضل من تعجيلها عند الحنفية. والرواية الرابعة وفيها: "كان النبي ﷺ يغلس" والأولى والثانية والثالثة، وفيها "أن النساء كن يصلين مع النبي ﷺ ثم يرجعن إلى بيوتهن بعد الصلاة ولا يعرفن من تغليس النبي ﷺ بالصلاة" دليل للجمهور في أفضلية التعجيل والمبادرة بصلاة الصبح في أول الوقت، وأصرح من هذا دلالة للجمهور ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود "أنه ﷺ أسفر بالصبح مرة، ثم كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر". واستدل الحنفية بما رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي من حديث رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر بل ذهب بعض الحنفية أن هذا الحديث ناسخ للصلاة في الغلس، والقول بالنسخ بعيد جدًا كما يقول المحققون، فقد حافظ على التغليس أبو بكر وعمر وعثمان ﵃. وقد حمل الشافعي وغيره هذا الحديث على أن المراد بالإسفار المطلوب التحقق من طلوع الفجر، وحمله الطحاوي على أن المراد به الأمر بتطويل القراءة في صلاة الصبح حتى يخرج من الصلاة مسفرًا، أي يشرع في الغلس ويمد الصلاة إلى وقت الإسفار، فليس فيه دليل للحنفية على البدء في الصلاة عند الإسفار، كما استدلوا من روايات الباب بقوله في الرواية السادسة "فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه" وفي الرواية الثامنة "وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض" والحق أن هاتين الروايتين دليل للجمهور لا للحنفية، لأنهما تصرحان بأن انتهاء الصلاة كان عند بداية الإسفار وتصرحان بأنه ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح من الآيات بما بين الستين إلى المائة" مما يؤكد أنه كان يبتدئ صلاة الصبح بغلس.

стр. 1608

ومن هنا قال ابن عبد البر: صح عن رسول الله ﷺ وعن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون، ومحال أن يتركوا الأفضل، ويأتوا الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل. اهـ. هذا وقد روي عن أحمد ﵀ أن الاعتبار بحال المأمومين، فإن أسفروا فالأفضل الإسفار، لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في العشاء، فكذلك في الفجر وهذه الرواية غير المعتمد في المذهب، وقياس الفجر على العشاء قياس مع الفارق الكبير. واللَّه أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى والثانية والثالثة جواز حضور النساء صلاة الجماعة في المسجد بالليل، قال النووي: وهو إذا لم يخش فتنة عليهن وبهن. ٢ - ويؤخذ منها أيضاً لزوم تستر النساء حتى مع استبعاد رؤية الرجال لهن فإنهن كن يتلفعن بمروطهن مع أن الغلس مانع من معرفتهن. ٣ - أنه يستحب للنساء إذا حضرن الجماعة في المسجد أن يسرعن عقب الصلاة بالانصراف إلى بيوتهن قبل أن ينصرف الرجال. ٤ - ومن الرواية الرابعة استحباب المبادرة بالصلاة في أول الوقت إلا ما نص الشارع على تأخيره كالإبراد بالظهر، وتأخير العشاء، وقد مر قريبًا الكلام فيهما. ٥ - مدى حرص التابعين على الحفاظ على السنة والشريعة، وذلك حين أخر ولاة بني أمية الصلاة عن أول وقتها قام التابعون بالسؤال والتنبيه. ٦ - ومن قوله في الرواية السادسة "آنت سمعته"؟ حرصهم على الاستيثاق من الرواية، ويؤخذ من الرد التوثيق والتأكيد. ٧ - ويؤخذ من الرواية السادسة والثامنة مقدار القراءة المستحب في صلاة الفجر (ما بين الستين والمائة). ٨ - ومن الرواية السادسة والسابعة والثامنة كراهة النوم قبل صلاة العشاء. قال النووي: وسبب الكراهة أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضل، ولئلا يتساهل الناس في ذاك فيناموا عن صلاتها جماعة. اهـ. وممن قال بالكراهة عمر ﵁ "فقد روي أنه كتب: لا ينام قبل أن يصلي العشاء فمن نام فلا نامت عيناه. وكره ذلك أبو هريرة وابن عباس وكثير من السلف، ومالك والشافعية ورخص فيه علي وابن مسعود والكوفيون، وقال الطحاوي: يرخص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه. وقال الترمذي: كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص بعضهم فيه في رمضان خاصة.

стр. 1609

قال الحافظ ابن حجر: ومن نقلت عنهم الرخصة قيدت عنهم في أكثر الروايات بما إذا كان له من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم، وهذا جيد حيث قلنا: إن علة النهي خشية خروج الوقت. اهـ ٩ - ويؤخذ من الروايات نفسها كراهة الحديث بعد صلاة العشاء، قال النووي: سبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو في وقتها المختار، أو الأفضل، لأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا. قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة، ونحو ذلك، فكل هذا لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقي في معناه، والمراد بكراهة الحديث بعد العشاء كراهته بعد صلاتها، لا بعد دخول وقتها. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: يفرق بين الليالي الطوال والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على الإطلاق حسماً للمادة، لأن الشيء إذا شرع لكونه مظنة قد يستمر. واللَّه أعلم

стр. 1610

(٢٣٤) باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام ١٢٥٥ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ " قال قلت: فما تأمرني؟ قال "صل الصلاة لوقتها. فإن أدركتها معهم فصل. فإنها لك نافلة" ولم يذكر خلف: عن وقتها. ١٢٥٦ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا أبا ذر إنه سيكون بعدي أمراء يميتون الصلاة فصل الصلاة لوقتها فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة وإلا كنت قد أحرزت صلاتك". ١٢٥٧ - عن أبي ذر ﵁ قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع. وإن كان عبدًا مجدع الأطراف. وأن أصلي الصلاة لوقتها. "فإن أدركت القوم وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك وإلا كانت لك نافلة". ١٢٥٨ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وضرب فخذي "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قال: ما تأمر؟ قال "صل الصلاة لوقتها. ثم اذهب لحاجتك. فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل". ١٢٥٩ - عن أبي العالية البراء قال: أخر ابن زياد الصلاة. فجاءني عبد الله بن الصامت، فألقيت له كرسيًا، فجلس عليه. فذكرت له صنيع ابن زياد؛ فعض على شفته وضرب فخذي، وقال: إني سألت أبا ذر كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك. وقال إني سألت رسول الله ﷺ كما سألتني. فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال "صل الصلاة لوقتها فإن أدركتك الصلاة معهم فصل. ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي".

стр. 1611

١٢٦٠ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال: "كيف أنتم" أو قال "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصل الصلاة لوقتها. ثم إن أقيمت الصلاة فصل معهم، فإنها زيادة خير". ١٢٦١ - عن أبي العالية البراء قال: قلت لعبد الله بن الصامت نصلي يوم الجمعة خلف أمراء فيؤخرون الصلاة. قال فضرب فخذي ضربة أوجعتني. وقال: سألت أبا ذر عن ذلك. فضرب فخذي. وقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: "صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة". قال وقال عبد الله: ذكر لي أن نبي الله ﷺ ضرب فخذ أبي ذر. -[المعنى العام]- حرص الرسول الكريم ﷺ على أن يحث أمته على المبادرة بالصلاة في أول وقتها بالأسوة الحسنة ومواظبته ﷺ على ذلك. وبالقول بأن أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها، ولم يكتف بذلك وبالتزام الصحابة بإشارته بغاية الدقة والاتباع، فحذرهم من زمن يأتي، تغلب الدنيا على أمرائهم، ويخلف من بعدهم خلف يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات، ولقد حمل هذا التحذير من رسول الله ﷺ الصحابي الجليل أبو ذر، إذ بينما هو جالس مع رسول الله ﷺ إذ ضرب الرسول ﷺ على فخذه، فانتبه واشرأبت نفسه لسماع ما يلقي عليه، فقال له: كيف حالك وماذا تفعل يا أبا ذر لو أدركك زمن يضيع فيه الأمراء وقت الصلاة فيؤخرونها؟ قال: بماذا تأمرني أن أفعل يا رسول الله إذا أدركت هذا الابتلاء؟ قال: تصلي الصلاة في أول وقتها منفردًا، فإذا أقاموا الصلاة فلا تعرض نفسك لأذاهم ولا تعلن مغاضبتك لهم، ولا تقل لهم: لا أصلي لأني صليت، بل صل معهم مرة ثانية، تحسب لك نافلة ولها أجرها، وإن لم تحضرهم وخرجت من المسجد قبل أن يجتمعوا ويصلون أديت فرضك وأدركت الصلاة في أول وقتها ولك أجرك. -[المباحث العربية]- (كيف أنت إذا كانت عليك أمراء) "كيف أنت" خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، و"إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه و"أمراء" اسم "كان" وأنث الفعل لأن اسمه جمع تكسير يجوز معه تأنيث الفعل والجار والمجرور "عليك" خبر كان، وجواب "إذا" محذوف، دل عليه ما قبله والتقدير: "إذا كان عليك أمراء فكيف أنت وماذا ستفعل"؟ .

стр. 1612

(يؤخرون الصلاة عن وقتها) في الكلام مضاف محذوف، والتقدير عن أول وقتها. كذا قيل، وسيأتي توضيحه في فقه الحديث، والجملة صفة "أمراء". (أو يميتون الصلاة عن وقتها) قال النووي: معنى يميتون الصلاة يؤخرونها. فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه. اهـ. ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية، بأن شبه تأخير الصلاة بالموت بجامع فقدان الأثر المرجو من كل واستعيروأواو ببب الموت للتأخير، واشتق منه يميتون بمعنى يؤخرون على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. (فما تأمرني)؟ الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا حصل ذلك وأدركت هذا الأمر فما تأمرني أن أفعل؟ . (صل الصلاة لوقتها) في الكلام مضاف محذوف، أي لأول وقتها. (فإن أدركتها معهم فصل) أي فصلها، والأصل، فإن بقيت في المسجد وأدركت صلاتهم لها فصلها. (فإنها لك نافلة) ضمير "فإنها" يصح أن يعود على الصلاة منفردًا، وعلى صلاة الجماعة، وبكل قيل كما سيأتي في فقه الحديث، والأولى جعله لصلاة الجماعة لأنها أقرب مذكور. (إن خليلي) يعني رسول الله ﷺ ، والخليل الحبيب. (وإن كان عبدًا مجدع الأطراف) أي أسمع للأمير وأطيع وإن كان من أمر علينا عبدًا، و"مجدع الأطراف" بضم الميم وفتح الجيم والدال المشددة، أي مقطع الأطراف، والجدع القطع، قال النووي: والمجدع أردأ العبيد لخسته، ولقلة قيمته ومنفعته، ونفرة الناس منه. اهـ. (فإن أدركت القوم) في الكلام التفات وانتقال من التكلم إلى الخطاب والكلام على تقدير قول محذوف مفسر ومبين للوصية، أي قال لي: صل الصلاة لوقتها فإن أدركت القوم ... إلخ. (وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك) أي أجزأتك صلاتك، والمعنى: صل منفردًا، ثم اذهب لحاجتك، وتصرف في شغلك، فإن أدركتهم وقد صلوا جماعة بدونها فقد أجزأتك صلاتك التي صليتها منفردًا. (وإلا كانت لك نافلة) أي وإن لم تفتك جماعتهم بأن صليت معهم كانت صلاتك الأولى أو الثانية نافلة وزيادة أجر. (عن أبي العالية البراء) قال النووي: هو بتشديد الراء، وبالمد، كان يبري النبل، واسمه زياد بن فيروز البصري، وقيل: اسمه كلثوم، توفي يوم الإثنين في شوال سنة تسعين. اهـ.

стр. 1613

-[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على الصلاة في أول وقتها. ٢ - قال النووي: وفيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفردًا، ثم يصليها مع الإمام فيجمع فضيلتي أول الوقت والجماعة، فلو أراد الاقتصار على إحداهما فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفردًا في أول الوقت؟ أو الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت؟ فيه خلاف مشهور، والمختار استحباب الانتظار إن لم يفحش التأخير. اهـ. ٣ - يؤخذ من قوله "كنت قد أحرزت صلاتك" أن الصلاة الأولى لمن صلى مرتين تكون هي الفريضة، والثانية تكون نافلة، والمسألة فيها خلاف بين العلماء على أربعة أقوال: الأول: الفرض هو الأولى للحديث، المذكور، ولقوله ﷺ للرجلين اللذين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" أخرجه أصحاب السنن، ولأن الخطاب سقط بها، بدليل أنها لا تجب ثانيًا، وإذا برئت الذمة بالأولى استحال كون الثانية فريضة وجعل الأولى نافلة. قال بعضهم: إذا نوى الرجل الفريضة وصلاها وكتبتها الملائكة، فمن أين يستطيع أن يحولها نافلة؟ . وبهذا قال النووي وأبو حنيفة وإسحاق والشافعي في الجديد وأحمد، وهو الصحيح في مذهب الشافعية. الثاني: أن الفرض أكملهما، وهي الثانية في الجماعة، وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وهو قول عند الشافعية. الثالث: كلاهما فرض، وهو قول لبعض الشافعية، وهو ضعيف. الرابع: الفرض إحداهما على الإبهام، يحتسب الله تعالى بأيتهما شاء. وهو ضعيف أيضًا، وهو قول عند الشافعية. ٤ - قال النووي: وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب، كباقي الصلوات، لأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة، ولم يفرق بين صلاة وصلاة، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، ولنا وجه ضعيف أنه لا يعيد الصبح والعصر، لأن الثانية نفل، ولا تنفل بعدهما ولا يعيد المغرب لئلا تصير شفعًا. اهـ. وعند الحنابلة: إذا أعاد المغرب شفعها برابعة، نص عليه أحمد، قالوا: إن هذه الصلاة نافلة، ولا يشرع التنفل بوتر غير الوتر فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها، ولئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته. وقال الحنابلة أيضًا: إن أقيمت الصلاة في وقت نهي لم يستحب له الدخول في الصلاة معهم، فإن دخل وصلى معهم فلا بأس.

стр. 1614

٥ - على القول بأن الثانية تقع نافلة يؤخذ من الحديث جواز صلاة التنفل خلف المفترض. ٦ - ويؤخذ من الحديث جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلي فيه بالجماعة إذا كان بعذر. ٧ - وفيه حرص الصحابة والتابعين على إقامة السنة ومحاربة البدعة قدر الطاقة. ٨ - وفيه علم من أعلام النبوة، فإن الذي أخبر به ﷺ من تأخير الأمراء للصلاة قد وقع في عهد بني أمية، قال النووي: إن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: هذا مخالف للواقع، فقد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة منها ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس ثم صليت العصر وأنا جالس إيماء وهو يخطب. قال: وإنما فعل ذلك عطاء خوفًا على نفسه من القتل، ومنها ما رواه ابن نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة من طريق أبي بكر بن عتبة قال: صليت إلى جنب أبي جحيفة، فمسي الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة فصلى، ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه، ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل قال: كنت بمنى وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إيماء وهما قاعدان. ٩ - ويؤخذ من الأمر بالصلاة خلف هؤلاء الأمراء جواز الصلاة خلف البر والفاجر. ١٠ - وفيه الحث على موافقة الأمراء في غير معصية لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، والحث على الطاعة، والمنع من الخروج على السلاطين وإن جاروا لأن القيام عليهم يفضي غالبًا إلى أشد مما ينكر عليهم، قال الحافظ ابن حجر: ووجه الدلالة من الحديث أنه أمر بطاعة العبد والإمامة العظمى إنما تكون بالاستحقاق في قريش، فيكون غيرهم متغلبًا، فإذا أمر بطاعته استلزم عدم مخالفته والخروج عليه. ١١ - ويؤخذ من الرواية الخامسة، من ضرب الفخذ حرص الصحابة والتابعين ومن بعدهم على المحافظة على الهيئات في الرواية زيادة في التأسي ورمزًا للتوثيق، وإنما ضرب رسول الله ﷺ على فخذ أبي ذر لتنبيهه وجمع ذهنه لاستيعاب ما يقول. واللَّه أعلم

стр. 1615

(٢٣٥) باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها وأنها فرض كفاية ١٢٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا". ١٢٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين درجة قال وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر" قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ [الإسراء/ الآية ٧٨]. ١٢٦٤ - - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول. بمثل حديث عبد الأعلى عن معمر. إلا أنه قال "بخمس وعشرين جزءًا". ١٢٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ". ١٢٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده". ١٢٦٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة".
следующие страницы →