Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
١٢٦٠ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال: "كيف أنتم" أو قال "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصل الصلاة لوقتها. ثم إن أقيمت الصلاة فصل معهم، فإنها زيادة خير".
١٢٦١ - عن أبي العالية البراء قال: قلت لعبد الله بن الصامت نصلي يوم الجمعة خلف أمراء فيؤخرون الصلاة. قال فضرب فخذي ضربة أوجعتني. وقال: سألت أبا ذر عن ذلك. فضرب فخذي. وقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: "صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة". قال وقال عبد الله: ذكر لي أن نبي الله ﷺ ضرب فخذ أبي ذر.
-[المعنى العام]-
حرص الرسول الكريم ﷺ على أن يحث أمته على المبادرة بالصلاة في أول وقتها بالأسوة الحسنة ومواظبته ﷺ على ذلك. وبالقول بأن أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها، ولم يكتف بذلك وبالتزام الصحابة بإشارته بغاية الدقة والاتباع، فحذرهم من زمن يأتي، تغلب الدنيا على أمرائهم، ويخلف من بعدهم خلف يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات، ولقد حمل هذا التحذير من رسول الله ﷺ الصحابي الجليل أبو ذر، إذ بينما هو جالس مع رسول الله ﷺ إذ ضرب الرسول ﷺ على فخذه، فانتبه واشرأبت نفسه لسماع ما يلقي عليه، فقال له: كيف حالك وماذا تفعل يا أبا ذر لو أدركك زمن يضيع فيه الأمراء وقت الصلاة فيؤخرونها؟ قال: بماذا تأمرني أن أفعل يا رسول الله إذا أدركت هذا الابتلاء؟ قال: تصلي الصلاة في أول وقتها منفردًا، فإذا أقاموا الصلاة فلا تعرض نفسك لأذاهم ولا تعلن مغاضبتك لهم، ولا تقل لهم: لا أصلي لأني صليت، بل صل معهم مرة ثانية، تحسب لك نافلة ولها أجرها، وإن لم تحضرهم وخرجت من المسجد قبل أن يجتمعوا ويصلون أديت فرضك وأدركت الصلاة في أول وقتها ولك أجرك.
-[المباحث العربية]-
(كيف أنت إذا كانت عليك أمراء) "كيف أنت" خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، و"إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه و"أمراء" اسم "كان" وأنث الفعل لأن اسمه جمع تكسير يجوز معه تأنيث الفعل والجار والمجرور "عليك" خبر كان، وجواب "إذا" محذوف، دل عليه ما قبله والتقدير: "إذا كان عليك أمراء فكيف أنت وماذا ستفعل"؟ .
стр. 1612
(يؤخرون الصلاة عن وقتها) في الكلام مضاف محذوف، والتقدير عن أول وقتها. كذا قيل، وسيأتي توضيحه في فقه الحديث، والجملة صفة "أمراء".
(أو يميتون الصلاة عن وقتها) قال النووي: معنى يميتون الصلاة يؤخرونها. فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه. اهـ. ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية، بأن شبه تأخير الصلاة بالموت بجامع فقدان الأثر المرجو من كل واستعيروأواو ببب الموت للتأخير، واشتق منه يميتون بمعنى يؤخرون على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
(فما تأمرني)؟ الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا حصل ذلك وأدركت هذا الأمر فما تأمرني أن أفعل؟ .
(صل الصلاة لوقتها) في الكلام مضاف محذوف، أي لأول وقتها.
(فإن أدركتها معهم فصل) أي فصلها، والأصل، فإن بقيت في المسجد وأدركت صلاتهم لها فصلها.
(فإنها لك نافلة) ضمير "فإنها" يصح أن يعود على الصلاة منفردًا، وعلى صلاة الجماعة، وبكل قيل كما سيأتي في فقه الحديث، والأولى جعله لصلاة الجماعة لأنها أقرب مذكور.
(إن خليلي) يعني رسول الله ﷺ ، والخليل الحبيب.
(وإن كان عبدًا مجدع الأطراف) أي أسمع للأمير وأطيع وإن كان من أمر علينا عبدًا، و"مجدع الأطراف" بضم الميم وفتح الجيم والدال المشددة، أي مقطع الأطراف، والجدع القطع، قال النووي: والمجدع أردأ العبيد لخسته، ولقلة قيمته ومنفعته، ونفرة الناس منه. اهـ.
(فإن أدركت القوم) في الكلام التفات وانتقال من التكلم إلى الخطاب والكلام على تقدير قول محذوف مفسر ومبين للوصية، أي قال لي: صل الصلاة لوقتها فإن أدركت القوم ... إلخ.
(وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك) أي أجزأتك صلاتك، والمعنى: صل منفردًا، ثم اذهب لحاجتك، وتصرف في شغلك، فإن أدركتهم وقد صلوا جماعة بدونها فقد أجزأتك صلاتك التي صليتها منفردًا.
(وإلا كانت لك نافلة) أي وإن لم تفتك جماعتهم بأن صليت معهم كانت صلاتك الأولى أو الثانية نافلة وزيادة أجر.
(عن أبي العالية البراء) قال النووي: هو بتشديد الراء، وبالمد، كان يبري النبل، واسمه زياد بن فيروز البصري، وقيل: اسمه كلثوم، توفي يوم الإثنين في شوال سنة تسعين. اهـ.
стр. 1613
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - الحث على الصلاة في أول وقتها.
٢ - قال النووي: وفيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفردًا، ثم يصليها مع الإمام فيجمع فضيلتي أول الوقت والجماعة، فلو أراد الاقتصار على إحداهما فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفردًا في أول الوقت؟ أو الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت؟ فيه خلاف مشهور، والمختار استحباب الانتظار إن لم يفحش التأخير. اهـ.
٣ - يؤخذ من قوله "كنت قد أحرزت صلاتك" أن الصلاة الأولى لمن صلى مرتين تكون هي الفريضة، والثانية تكون نافلة، والمسألة فيها خلاف بين العلماء على أربعة أقوال:
الأول: الفرض هو الأولى للحديث، المذكور، ولقوله ﷺ للرجلين اللذين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" أخرجه أصحاب السنن، ولأن الخطاب سقط بها، بدليل أنها لا تجب ثانيًا، وإذا برئت الذمة بالأولى استحال كون الثانية فريضة وجعل الأولى نافلة. قال بعضهم: إذا نوى الرجل الفريضة وصلاها وكتبتها الملائكة، فمن أين يستطيع أن يحولها نافلة؟ .
وبهذا قال النووي وأبو حنيفة وإسحاق والشافعي في الجديد وأحمد، وهو الصحيح في مذهب الشافعية.
الثاني: أن الفرض أكملهما، وهي الثانية في الجماعة، وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وهو قول عند الشافعية.
الثالث: كلاهما فرض، وهو قول لبعض الشافعية، وهو ضعيف.
الرابع: الفرض إحداهما على الإبهام، يحتسب الله تعالى بأيتهما شاء. وهو ضعيف أيضًا، وهو قول عند الشافعية.
٤ - قال النووي: وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب، كباقي الصلوات، لأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة، ولم يفرق بين صلاة وصلاة، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، ولنا وجه ضعيف أنه لا يعيد الصبح والعصر، لأن الثانية نفل، ولا تنفل بعدهما ولا يعيد المغرب لئلا تصير شفعًا. اهـ.
وعند الحنابلة: إذا أعاد المغرب شفعها برابعة، نص عليه أحمد، قالوا: إن هذه الصلاة نافلة، ولا يشرع التنفل بوتر غير الوتر فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها، ولئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته. وقال الحنابلة أيضًا: إن أقيمت الصلاة في وقت نهي لم يستحب له الدخول في الصلاة معهم، فإن دخل وصلى معهم فلا بأس.
стр. 1614
٥ - على القول بأن الثانية تقع نافلة يؤخذ من الحديث جواز صلاة التنفل خلف المفترض.
٦ - ويؤخذ من الحديث جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلي فيه بالجماعة إذا كان بعذر.
٧ - وفيه حرص الصحابة والتابعين على إقامة السنة ومحاربة البدعة قدر الطاقة.
٨ - وفيه علم من أعلام النبوة، فإن الذي أخبر به ﷺ من تأخير الأمراء للصلاة قد وقع في عهد بني أمية، قال النووي: إن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: هذا مخالف للواقع، فقد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة منها ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس ثم صليت العصر وأنا جالس إيماء وهو يخطب. قال: وإنما فعل ذلك عطاء خوفًا على نفسه من القتل، ومنها ما رواه ابن نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة من طريق أبي بكر بن عتبة قال: صليت إلى جنب أبي جحيفة، فمسي الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة فصلى، ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه، ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل قال: كنت بمنى وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إيماء وهما قاعدان.
٩ - ويؤخذ من الأمر بالصلاة خلف هؤلاء الأمراء جواز الصلاة خلف البر والفاجر.
١٠ - وفيه الحث على موافقة الأمراء في غير معصية لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، والحث على الطاعة، والمنع من الخروج على السلاطين وإن جاروا لأن القيام عليهم يفضي غالبًا إلى أشد مما ينكر عليهم، قال الحافظ ابن حجر: ووجه الدلالة من الحديث أنه أمر بطاعة العبد والإمامة العظمى إنما تكون بالاستحقاق في قريش، فيكون غيرهم متغلبًا، فإذا أمر بطاعته استلزم عدم مخالفته والخروج عليه.
١١ - ويؤخذ من الرواية الخامسة، من ضرب الفخذ حرص الصحابة والتابعين ومن بعدهم على المحافظة على الهيئات في الرواية زيادة في التأسي ورمزًا للتوثيق، وإنما ضرب رسول الله ﷺ على فخذ أبي ذر لتنبيهه وجمع ذهنه لاستيعاب ما يقول.
واللَّه أعلم
стр. 1615
(٢٣٥) باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها وأنها فرض كفاية
١٢٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا".
١٢٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين درجة قال وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر" قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ [الإسراء/ الآية ٧٨].
١٢٦٤ - - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول. بمثل حديث عبد الأعلى عن معمر. إلا أنه قال "بخمس وعشرين جزءًا".
١٢٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ".
١٢٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده".
١٢٦٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة".
стр. 1616
١٢٦٨ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعًا وعشرين".
١٢٦٩ - - قال ابن نمير عن أبيه: "بضعًا وعشرين" وقال أبو بكر في روايته "سبعًا وعشرين درجة".
١٢٧٠ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "بضعًا وعشرين".
١٢٧١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ فقد ناسًا في بعض الصلوات فقال "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها. فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم. ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها" يعني صلاة العشاء.
١٢٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار".
١٢٧٣ - عن همام بن منبه ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ "لقد هممت أن آمر فتياني أن يستعدوا لي بحزم من حطب، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم تحرق بيوت على من فيها".
١٢٧٤ - عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".
стр. 1617
١٢٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته. فرخص له. فلما ولى دعاه فقال "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم. قال "فأجب".
١٢٧٦ - عن عبد الله ﵁ قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة، وقال إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه.
١٢٧٧ - عن عبد الله ﵁ قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.
١٢٧٨ - عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد؛ فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
١٢٧٩ - عن أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي عن أبيه قال سمعت أبا هريرة ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجًا بعد الأذان فقال أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
١٢٨٠ - عن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: دخل عثمان بن عفان المسجد بعد
стр. 1618
صلاة المغرب، فقعد وحده فقعدت إليه، فقال يا ابن أخي سمعت رسول الله ﷺ يقول "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله".
١٢٨١ - عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه فيكبه في نار جهنم".
١٢٨٢ - عن جندب القسري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم".
١٢٨٣ - - عن جندب بن سفيان عن النبي ﷺ بهذا ولم يذكر "فيكبه في نار جهنم".
-[المعنى العام]-
من أبرز أهداف الإسلام ترابط المجتمع، وغرس المودة والمحبة بين أبنائه، حتى يصبح كالجسد الواحد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، لقد ولد الإسلام في مجتمع متفرق لا يضمه هدف ولا تجمعه غاية؛ يغير بعضه على بعض، وتترفع قبيلة على الأخرى، فحارب الإسلام هذه العصبية وسوى بين الناس كأسنان المشط، ونادى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات: ١٣]. "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى".
وكان لا بد من وسائل تقود إلى غرس هذا المبدأ، وكان لا بد من تدريبات عملية تطبع المسلمين على الإحساس بهذه المساواة، فكانت صلاة الجماعة إمامها رسول الله محمد بن عبد الله، خيار من خيار، ومناديها بلال بن أبي رباح العبد الحبشي، ويقف المسلمون فيها صفوفًا كصفوف الملائكة مستقيمة متراصة، المناكب ملاصقة للمناكب، والأقدام مساوية للأقدام، الغني بجوار الفقير والعظيم بجوار الضعيف، الكل يتحرك حركة واحدة، ويسكن سكونًا واحدًا فإذا ما قضيت التقى الناس بعضهم ببعض، فعرفوا ودرسوا مصالحهم، وساعد بعضهم بعضًا، وسأل بعضهم عن أحوال بعض، وعرفوا
стр. 1619
غائبهم فحفظوه وأعانوه، لقاءات في مسجد واحد خمس مرات في اليوم والليلة يدعو إليها الإسلام، ويرغب فيها بقوله ﷺ "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، وتسابق المسلمون إلى الجماعات بل تسابق نساء المسلمين، وصبيانهم إليها، حتى في الفجر في شدة إغراء النوم، وحتى في العشاء في ظلمة الليل، وكثر المسلمون، ودخل في الإسلام منافقون، ثقلت عليهم صلاة الفجر والعشاء، وثقلت عليهم الجماعات، فكانوا يتخلفون، وكرر الرسول ﷺ على مسامعهم الترغيب في الجماعة "ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة"، "من صلى الصبح في جماعة فهو في عهد الله ورعايته طول يومه، ومن لم يصلها طالبه الله بحقه ومن طالبه الله بحقه كبه على وجهه في نار جهنم" لكن بعض المنافقين دأب على التخلف عن الجماعة، والمنافقون جبناء، يخافون ولا يستحون، فكان المناسب لهم التهديد والوعيد، فقال رسول الله ﷺ "لقد فكرت وهممت أن يؤذن المؤذن للصلاة ويقيم، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس بدلاً مني، ثم آخذ بعض الفتية ومعهم حزم من الحطب فتحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة وهم فيها" وبلغ ذلك
المنافقين فحافظوا على الجماعة، وازداد المسلمون حرصًا عليها، حتى الأعمى والمريض والمعذور لم يكن يستهين بها أو يتخلف عنها، لقد كان المريض الذي لا يستطيع المشي وحده يسنده رجلان، يمشي بينهما يترنح ويتهادى حتى يوقفانه في الصف، ولقد جاء ابن أم مكتوم الأعمى يشكو تعثره في الطريق في الظلماء وفي السيل، يطلب الرخصة له أن يصلي في بيته إذا لم يجد قائدًا وتعرض للأخطار، فقال له رسول الله ﷺ : هل تسمع الأذان وأنت في بيتك؟ قال: نعم. قال: أجب النداء واحضر الجماعة فلا رخصة لك.
وهكذا كانت صلاة الجماعة في المسجد لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، معرض نفسه لغضب الله وغضب الناس، بل صار من يخرج من المسجد قبل صلاة الجماعة مغاضبًا لله ورسوله ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا﴾ [مريم: ٥٩].
-[المباحث العربية]-
(أفضل من صلاة أحدكم وحده) حال جامدة مؤولة بمشتق، أي منفردًا.
(تفضل صلاة في الجميع) أي في الجماعة.
(قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار) هذا هو الموجب لتفضيل صلاة الفجر مع الجماعة.
(وقرآن الفجر) كناية عن صلاة الفجر، لأن الصلاة مستلزمة للقرآن.
(كان مشهودًا) أي محضورًا فيه، تحضره الملائكة بطائفتيها.
стр. 1620
(بخمس وعشرين جزءًا) قال النووي: هكذا هو في الأصول، ورواه بعضهم "خمسًا وعشرين درجة" و"خمسة وعشرين جزءًا" هذا هو الجاري على اللغة، والأول مؤول عليه، وأنه أراد بالجزء الدرجة.
(من صلاة الفذ) بالفاء والذال، أي المنفرد، يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي منفردًا وحده، فهي في معنى الرواية الأولى.
(فقد ناسا في بعض الصلوات) الظاهر أنها العشاء كما تشير إلى ذلك الرواية السابعة، أو الجمعة كما تصرح الرواية العاشرة، وهل كان الناس المتخلفون عن الجماعة منافقين أو أعم؟ تشير إلى الأول الرواية الثامنة، والظاهر العموم، ففي سند السراج "أخر النبي ﷺ صلاة العشاء حتى تهور الليل وذهب ثلثه أو نحوه ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس عزون، [متفرقون] وإذا هم قليلون، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: لقد هممت ... إلخ.
(لقد هممت) اللام جواب القسم، ومعنى هممت قصدت، والهم العزم وقيل دون العزم.
(ثم أخالف إلى رجال) أي آتيهم من خلفهم، وقيل: أتخلف عن الجماعة وأذهب إليهم، والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان.
(يتخلفون عنها) أي عن العشاء، كما سيفسر الراوي آخر الحديث.
(فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم) أي فيحرق الرجال أو الفتية الذين أصحبهم على المتخلفين بيوتهم بحزم الحطب و"أحرق" بضم الهمزة وبفتح الحاء وتشديد الراء المكسورة، والصيغة تفيد التكثير.
(ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها) أي عظمًا عليه قليل من اللحم أو الشحم، والمقصود به الخسيس الحقير من متاع الدنيا.
(إن أثقل صلاة على المنافقين) فيه إثبات أن بقية الصلوات ثقيلة على المنافقين.
(لأتوهما ولو حبوًا) حبو الصبي الصغير مشيه على يديه ورجليه، أي لو يعلمون ما فيهما من الفضل والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حبوا لأتوهما، والضمير في "يعلمون" للمنافقين أو المتخلفين عنهما.
(ثم أنطلق معي برجال) "معي" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من "رجال" والتقدير أنطلق برجال مصاحبين لي.
(إلى قوم لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون الجماعة.
(أتى النبي ﷺ رجل أعمى) قال النووي: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم جاء مفسرًا في سنن أبي داود وغيره. اهـ.
стр. 1621
(إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد) زاد أحمد "وإن بيني وبين المسجد شجرًا ونخلاً، ولا أقدر على قائد كل ساعة".
(هل تسمع النداء بالصلاة)؟ المراد بالنداء الأذان، فعند ابن حبان "أتسمع الأذان "؟ وقيل الإقامة أخذًا من رواية أحمد "أتسمع الإقامة"؟ والأول هو الظاهر.
(قال: فأجب) في رواية أحمد "قال: فاحضرها، ولم يرخص له" وفي رواية ابن حبان "فأتها ولو حبوا".
(لقد رأيتنا) يعني نفسه والصحابة في عهد الرسول ﷺ .
(وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق) أي عن صلاة الجماعة، والجملة حالية.
(إن كان المريض ليمشي) "إن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، أي إن الحال والشأن كان المريض يأتي الصلاة بين الرجلين.
(علمنا سنن الهدى) "سنن" روي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى وأوجه الصواب.
(لقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين) أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما، وهو مراده بقوله في الرواية الثانية عشرة "إن كان المريض ليمشي بين رجلين".
(من صلى الصبح فهو في ذمة الله) قال النووي: قيل: الذمة هنا الضمان، وقيل الأمان. اهـ
(فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه) من معاني الذمة العهد والحق وهو المناسب هنا، والجار والمجرور "من ذمته" متعلق بمحذوف حال من "شيء" والتقدير فلا يطالبكم الله بشيء من حقه فيدركه، والمعنى فحافظوا على صلاة الصبح، ولا تعرضوا أنفسكم لمطالبة الله لكم بحقه، فمن طالبه بحقه أدركه.
(فيكبه) أي فيكب صاحبه المقصر في الحق.
-[فقه الحديث]-
الكلام عن أحاديث الباب يتناول فضل صلاة الجماعة، وآراء الفقهاء وأدلتهم في حكمها، ومسائل أخرى تؤخذ من الروايات.
أما فضل صلاة الجماعة فالأحاديث صريحة في أنها تفضل صلاة الفرد ببضع وعشرين درجة ولا خلاف في ذلك، وكل ما في الموضوع الجمع بين ألفاظ الأحاديث، فالرواية الأولى والثانية والثالثة
стр. 1622
والرابعة أن الأفضلية بخمس وعشرين درجة، والرواية الخامسة والسادسة أن الأفضلية بسبع وعشرين درجة. قال النووي: والجمع بينها من ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا منافاة بينها، فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين بمعنى: أن إثبات أفضلية سبع وعشرين درجة تتضمن أفضلية خمس وعشرين درجة ولا تنافيها، وإنما يحصل التنافي لو قلنا بمفهوم العدد، بمعنى أن إثبات الأفضلية بخمس وعشرين مفهومه ليس بغير خمس وعشرين، ومفهوم العدد معطل عند جمهور الأصوليين.
والثاني: أنه أخبر أولاً بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بها - ومعنى هذا أن رواية سبع وعشرين ناسخة لرواية خمس وعشرين، وهذا الرأي ضعيف، لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، وعند معرفة المتقدم والمتأخر.
والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيآتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك.
فهذه هي الأجوبة المعتمدة، وقد قيل: إن الدرجة غير الجزء، وهذا غفلة من قائله، فإن في الصحيحين سبعًا وعشرين درجة وخمسًا وعشرين درجة، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر بعض وجوه الجمع غير المعتمدة: السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة. قال: وهذا الوجه عندي أوجهها. اهـ
وحاول بعض العلماء أن يربطوا العدد المذكور بفضائل في صلاة الجماعة كقول الكرماني: المكتوبات خمس، فضربت في مثلها، فصارت خمسًا وعشرين وقول غيره: الحسنة بعشر أمثالها للمصلي المنفرد فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين، ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس، وقول الحافظ ابن حجر في الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة.
أولها: إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله. كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة. فهذه خمس.
سادسها: انتظار الجماعة.
سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.
ثامنها: شهادتها له.
تاسعها: إجابة الإقامة.
عاشرها: السلامة من الشيطان حين يفر من الإقامة.
стр. 1623
حادي عشرها: الوقوف منتظر إحرام الإمام.
ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام.
ثالث عشرها: تسوية الصفوف وسد الفرج.
رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده.
خامس عشرها: الأمن من السهو غالبًا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه.
سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا.
سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا.
ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به.
تاسع عشرها: التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض.
العشرون: إظهار شعائر الإسلام.
الحادي والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل.
الثاني والعشرون: السلامة من صفات النفاق ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسًا.
الثالث والعشرون: رد السلام على الإمام.
الرابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص.
الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران وتعاهدهم في أوقات الصلاة. ثم قال: فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه. اهـ والمحقق يجد تداخلاً فيما ذكر كما يجد بعض الفضائل لم تذكر، والتحقيق أن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى، لأن ذلك لا يدرك بالرأي، بل مرجعه إلى علم النبوة. وكل من خاض في تعيين الأسباب المقتضية للدرجة المذكورة أجهد نفسه ولم يأت بطائل.
والرواية الأولى والرابعة والخامسة والسادسة تفيد أن صلاة الجماعة أفضل من خمس وعشرين أو سبع وعشرين من صلاة المنفرد، والرواية الثالثة تفيد أنها تعدلها وتساويها ولا تفضل عليها ولا تزيد، وظاهر هذا التعارض بين الروايات وقد اختار الحافظ ابن حجر أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون للمصلي في جماعة ثواب ست وعشرين، أو ثمان وعشرين من صلاة المنفرد، ومعنى هذا تقييد الرواية الثالثة ليصح، تقديرها: صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ زيادة عن صلاته وحده وهذا الاتجاه حسن يتسق مع فضل الله وجوده.
ولما كانت الروايات الست الأولى تربط الفضل بصلاة الجماعة بقطع النظر عن كونها في
стр. 1624
المسجد أو في البيت أو في المتجر أو في المصنع أو في المدرسة ولما كانت الروايات الثمان التي بعدها تربط صلاة الجماعة بالمسجد قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا. اهـ
وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد الذي يصلي فيه الجمعة، مع تقرير نوع من الفضل للجماعة في غيره، وجاء عن بعضهم قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في أي مسجد، دون البيت والسوق، أخذًا بظاهر حديث البخاري "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا" مع تقرير نوع من الفضل للجماعة في البيت والسوق ونحوهما.
والذي تستريح إليه النفس أن التضعيف إلى خمس وعشرين عام في الجماعات في أي مكان، مع تقرير نوع زائد من الفضل للجماعة في المسجد ونوع أكثر زيادة من الفضل للجماعة في مسجد الجماعة. وهذا الرأي يعم كل الأحاديث مطلقها ومقيدها، خصوصًا ورواية البخاري التي قارنت بين المسجد وبين البيت والسوق جاءت بلفظ المضاعفة، وقد تطلق المضاعفة على المثلين كما تطلق على المثل.
أما حكم صلاة الجماعة ففيه أربعة مذاهب:
الأول: أنها فرض عين وشرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة بدونها إلا لعذر، وهو مذهب داود الظاهري، ورواية عن أحمد، ودليلهم ظاهر التهديد بالتحريق. وهي عقوبة لا يعاقب بها إلا الكفار، وهو مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالاً على لازمه وهو الحضور ووجوب الحضور دالاً على لازمه وهو الاشتراط ثبت الاشتراط، وهذا المذهب أضعف المذاهب وأبعدها عن الصواب لما سيتضح من مناقشات الأدلة.
المذهب الثاني: أنها فرض عين، وليست شرطًا لصحة الصلاة، فتصح الصلاة بدونها مع الإثم واستحقاق العقوبة، وهو مذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان ودليلهم كأصحاب المذهب الأول أحاديث الهم بالتحريق، لكنهم لا يقولون: بأن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وإنما الغالب أن يكون شرطًا، وقد ينفك عن الشرطية.
وقالوا: لو كانت فرض كفاية لكان قيام النبي ﷺ وأصحابه بها كافيًا، ولو كانت سنة فتارك السنة لا يحرق عليه بيته، ورسول الله ﷺ لا يهم إلا بحق، كما استدلوا على فرضيتها ووجوبها بصلاة الخوف، إذ فيها أعمال منافية للصلاة ارتكبت من أجل الجماعة، ولم يرخص بترك الجماعة في هذه الشدة، ولا يعمل ذلك لأجل فرض الكفاية، ولا للسنة، ثم إن النبي ﷺ لم يرخص لابن أم مكتوم الأعمى في ترك الجماعة، ولو كانت فرض كفاية أو سنة لرخص له.
стр. 1625
وسيرد الرد على هذا المذهب وعلى أدلته عند استعراضنا للمذهبين الآتيين.
المذهب الثالث: أنها فرض كفاية، وهو مذهب جمهور المتقدمين من الشافعية، وهو ظاهر نص الشافعي، وبه قال كثير من الحنفية والمالكية.
المذهب الرابع: أنها سنة مؤكدة، وهو المشهور عن الآخرين.
ولما كان هذان المذهبان متقاربين، وكان القائلون بفرض الكفاية يقولون بأنها سنة مؤكدة في حق الباقين إذا أقامها البعض، وكان الفرق هو ما إذا تركها أهل محلة هل يأثمون جميعًا ويقاتلون بالسلاح، كتاركي فرض الكفاية؟ أو لا يأثمون كتاركي السنن؟ .
لما كان الأمر كذلك كان هدف المذهبين الرد على أدلة المذهبين الأولين بحيث ينتفى أنها فرض عين، وقد أطنب العلماء في ذلك، وحق علينا أن نوفي المسألة حقها لرفع ظاهر التعارض بين الأحاديث.
قال الحافظ ابن حجر: وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب [حديث الهم بالتحريق] بأجوبة. منها:
١ - أن الحديث نفسه يدل على عدم الوجوب، لكونه ﷺ هم ولم يفعل، ولو كانت فرض عين لنفذ ما هم به، فتركه ﷺ التحريق بعد التهديد دليل على عدم الفرضية.
٢ - لو كانت فرض عين لقال حين توعد بالإحراق: من تخلف عن الجماعة لم تجزه صلاته، ولقال للذين صليا في رحالهما من غير جماعة أعيدا صلاتكما أو أنتما آثمان، ولكنه قال "إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما المسجد، فصليا فإنها لكما نافلة".
٣ - قال الباجي وغيره: إن الحديث ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة وإنما المراد المبالغة، يرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقبها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.
٤ - أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة.
٥ - أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل.
٦ - أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل، والرواية الثامنة، ولفظها "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت ... " إلخ تؤيد أن الحديث في المنافقين، قال الحافظ ابن حجر: لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: "لا يشهدون العشاء في الجميع"، وقوله في حديث أسامة: "لا يشهد الجماعة، وأصرح منه رواية أبي هريرة عند أبي داود "ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة" فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق
стр. 1626
معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء. وأيضًا فقوله في رواية المقبري: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية "يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا، لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته.
٧ - حكى القاضي عياض قول بعضهم: فرضية الجماعة كان في أول الإسلام، لأجل سد باب التخلف عن الصلوات على المنافقين، ثم نسخ، قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور، وهو التحريق بالنار وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه الحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديث في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.
٨ - أن المراد بالصلاة صلاة الجمعة، لا باقي الصلوات - والرواية العاشرة تؤيد هذا القول - ونصره القرطبي، وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء. انتهى بتصرف.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - قال النووي: قال بعضهم: في الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. وقال بعضهم: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال من الغنيمة واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما.
٢ - وفيه أن الإمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس.
٣ - وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر.
٤ - قال بعضهم: ويؤخذ من الرواية الحادية عشرة وظاهرها عدم قبول العذر أن الجماعة فرض عين، قال النووي: وأجاب الجمهور بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره؟ فقيل: لا. ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة حديث عتبان الآتي في الباب التالي. وأما ترخيص النبي ﷺ له ثم رده؛ وقوله "فأجب" فيحتمل أنه بوحي نزل في الحال، ويحتمل أنه تغير اجتهاده ﷺ إذا قلنا بالصحيح وقول الأكثرين أنه يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أولاً، وأراد أنه لا يجب عليه الحضور، إما لعذر وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر، فأجب.
٥ - ويؤخذ من الرواية الرابعة عشرة والخامسة عشرة كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر.
٦ - وفي حديث الهم بالتحريق تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة.
стр. 1627
٧ - وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة، لأنه ﷺ هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون فيه أنه لا يطرقهم فيه أحد.
٨ - ترجم عليه البخاري في كتاب الأحكام: باب إخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة، يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو امتنع في بيته إنكارًا ومماطلة أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها، كما أراد ﷺ إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء بالنار عليهم في بيوتهم.
٩ - استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها، ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي تفيد أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تعكر عليه، قال الحافظ ابن حجر: ولا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل لا دائمًا ولا غالبًا.
١٠ - وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ومن الأعذار في تخلفه خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم.
١١ - استدل به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة.
١٢ - استدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب الإمام مالك، وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال.
والله أعلم
стр. 1628
(٢٣٦) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر
١٢٨٤ - عن عتبان بن مالك ﵁ وهو من أصحاب النبي ﷺ ممن شهد بدرًا من الأنصار أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي. وإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطع أن آتي مسجدهم، فأصلي لهم. وددت أنك يا رسول الله تأتي فتصلي في مصلى، فأتخذه مصلى. قال فقال رسول الله ﷺ "سأفعل، إن شاء الله" قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق حين ارتفع النهار. فاستأذن رسول الله ﷺ . فأذنت له. فلم يجلس حتى دخل البيت. ثم قال "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " قال فأشرت إلى ناحية من البيت. فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقمنا وراءه. فصلى ركعتين ثم سلم. قال وحبسناه على خزير صنعناه له. قال فثاب رجال من أهل الدار حولنا. حتى اجتمع في البيت رجال ذوو عدد. فقال قائل منهم: أين مالك بن الدخشن؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ "لا تقل له ذلك. ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟ " قال قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين. قال فقال رسول الله ﷺ "فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" قال ابن شهاب: ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري وهو أحد بني سالم وهو من سراتهم عن حديث محمود بن الربيع فصدقه بذلك.
١٢٨٥ - عن عتبان بن مالك ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ . وساق الحديث بمعنى حديث يونس. غير أنه قال: فقال رجل: أين مالك بن الدخشن أو الدخيشن؟ وزاد في الحديث: قال محمود: فحدثت بهذا الحديث نفرًا فيهم أبو أيوب الأنصاري. فقال: ما أظن رسول الله ﷺ قال ما قلت. قال فحلفت إن رجعت إلى عتبان أن أسأله. قال فرجعت إليه فوجدته شيخًا كبيرًا قد ذهب بصره، وهو إمام قومه. فجلست إلى جنبه، فسألته عن هذا
стр. 1629
الحديث. فحدثنيه كما حدثنيه أول مرة. قال الزهري. ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نرى أن الأمر انتهى إليها. فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغتر.
١٢٨٦ - عن محمود بن الربيع قال: إني لأعقل مجة مجها رسول الله ﷺ من دلو في دارنا قال محمود: فحدثني عتبان بن مالك قال: قلت: يا رسول الله إن بصري قد ساء. وساق الحديث إلى قوله: فصلى بنا ركعتين. وحبسنا رسول الله ﷺ على جشيشة صنعناها له. ولم يذكر ما بعده من زيادة يونس ومعمر.
-[المعنى العام]-
يحدث عتبان بن مالك الصحابي الجليل الأنصاري الخزرجي الذي شهد بدرًا عن ظروف زيارة الرسول ﷺ له في بيته فيقول: كنت إمام قومي، أنتقل عند كل فريضة إلى مسجد محلتهم فأصلي بهم، فرأيت أن بصري جعل يكل ويضعف، ويسوء شيئًا فشيئًا حتى أصبحت أتعثر في طريق المسجد، وحتى أصبح من العسير على أن أجتاز الوادي الذي بيني وبين المسجد إذا جاء المطر وسال الوادي، ولم يكن مفر من أن أصلي في بيتي بعض الأوقات، فأردت أن أعوض ما يفوتني من الصلاة في المسجد بالصلاة في مكان صلى فيه رسول الله ﷺ ، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت يا رسول الله: قد أنكرت بصري، إذ أصابني فيه ضعف شديد وأنا إمام قومي، فإذا كانت الأمطار وسال الوادي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتخط لي مكانًا في بيتي، فتصلي فيه، فأتخذه مصلى، فقال رسول الله ﷺ : سأفعل إن شاء الله.
ولشدة لهفة عتبان ترقب قدوم رسول الله في اليوم نفسه، فلما لم يأت أصبح فأعد طعامًا له ﷺ ولمن عساه يأتي معه، وبعث إليه رسولاً يقول له: يا رسول الله، إن عتبان يحب أن تأتيه فتصلي في منزله فيتخذه مصلى، فقام رسول الله ﷺ حين ارتفع النهار بالتوجه إلى بيت عتبان ومعه بعض أصحابه على رأسهم أبو بكر الصديق، فلما وصلوا المنزل استأذن رسول الله ﷺ فأذن عتبان له بالدخول، فدخل فلم يجلس رسول الله ﷺ ، بل قال لعتبان: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ قال عتبان: هنا. وأشار إلى ناحية من الحجرة، فقام رسول الله ﷺ وقام من حضر فصفوا خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم جلسوا، وقام ﷺ يصلي ركعتين أخريين، فتناولوا بحديثهم مالك بن الدخشن، وهو من قوم عتبان، قال قائل منهم: أين مالك بن الدخشن؟ لماذا لم يحضر الصلاة هنا مع رسول الله ﷺ ؟ وقال الآخر: إنه منافق لا يحب الله ورسوله. وقال آخر: إنه يجالس المنافقين ويصغي إليهم، وقال الرابع: ليت رسول الله ﷺ يدعو عليه فيهلك، وقال الخامس: ليته يصاب بمكروه يحول بينه وبين المنافقين.
стр. 1630
كل ذلك ورسول الله ﷺ يسمع فلما قضى صلاته قال: لا تقولوا هذا القول في مالك بن الدخشن. أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: إنه يشهد بلسانه دون قلبه، فإنا نراه يتجه بوجهه ونصيحته للمنافقين قال: ألا ترونه قد قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ﷺ : لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه النار.
فصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(عتبان بن مالك) قال النووي: بكسر العين على المشهور، وحكى ضمها.
(إني قد أنكرت بصري) في الرواية الثالثة "إن بصري قد ساء" وفي رواية مسلم في كتاب الإيمان "أصابني في بصري بعض الشيء" وفي بعض الروايات "جعل بصري يكل" وفي رواية "لما ساء بصري" وهذه الروايات تدل على أنه لم يكن قد عمي كلية، لكن رواية لمسلم في كتاب الإيمان تقول "حدثني عتبان بن مالك أنه عمي" ورواية للبخاري في باب الرخصة في المطر تقول" قال محمود: إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، ففي هاتين الروايتين تصريح بأنه عمي بالفعل.
وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايات بأن قول محمود: "إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى" أي حين لقيه محمود وسمع منه الحديث - كما هو ظاهر روايتنا الثانية - لا حين سؤاله النبي ﷺ ، ومعنى هذا أن عتبان حين طلب الرسول ﷺ لم يكن قد تم عماه.
ويعكر على هذا الجمع رواية البخاري، وفيها أنه قال لرسول الله ﷺ : "إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير البصر" إذ ظاهرها أنه حين طلب رسول الله ﷺ كان أعمى، وجمع بعضهم بحمل الروايات الدالة على ضعف البصر على المجاز، وأنه أراد بضعف البصر العمى الكلي من إطلاق الجزء وإرادة الكل. أو يحمل رواية البخاري الأخيرة "وأنا رجل ضرير" على المجاز وإرادة ضعف البصر وذهاب معظمه، ويطلق على ذلك العمى لقربه منه، ومشاركته له في فوت بعض ما كان حاصلاً في حال السلامة، وهذا الجمع هو الجدير بالقبول.
(فلم يجلس حتى دخل البيت) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم "فلم يجلس حتى دخل" وزعم بعضهم أن صوابه "حين دخل" قال القاضي عياض: هذا غلط، بل الصواب "حتى دخل" كما ثبتت الروايات ومعناه لم يجلس في الدار ولا في غيرها حتى دخل البيت، مبادرًا إلى قضاء حاجته التي طلبها وجاء بسببها وهي الصلاة في بيته، وهذا الذي قاله القاضي واضح متعين، ووقع في بعض نسخ البخاري "حين دخل" وفي بعضها "حتى" وكلاهما صحيح. اهـ.
وكلام النووي غير متسق، لأن قوله: "وكلاهما صحيح" لا يتفق مع قوله: "والذي قاله القاضي واضح متعين" مع أن الذي قاله القاضي: إن رواية "حين" غلط، والصواب "حتى".
стр. 1631
وعندي أنه إذا أريد من البيت حجرة داخل الدار صحت رواية "حتى" واتجه كلام القاضي عياض، وإلا فرواية "حين" أوضح وأصح.
(وحبسناه على خزير صنعناه له) هو بالخاء وبالزاي، آخره راء، ويقال: خزيرة بالهاء، قال ابن قتيبة: الخزيرة لحم يقطع صغارًا، ثم يصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه دقيق فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة قال النووي: وفي صحيح البخاري: قال: قال النضر: الخزيرة من النخالة، والحريرة بالحاء وراءين من اللبن، وقال أبو الهيثم: إذا كانت من نخالة فهي خزيرة، وإذا كانت من دقيق فهي حريرة، والمراد نخالة فيها غليظ الدقيق. اهـ.
والجشيشة الواردة في الرواية الثالثة هي الخزيرة، فلا تعارض، قال شمر: الجشيشة أن تطحن الحنطة طحنًا جليلاً، ثم يلقي فيها لحم أو تمر فتطبخ به.
(فثاب رجال من أهل الدار حولنا) أي اجتمع رجال من أهل الديار التي حولنا. قال النووي: والمراد من الدار المحلة.
(مالك بن الدخشن) بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين آخره نون وفي الرواية الثانية "أو الدخيشن" تصغير الدخشن، وفي روايات مسلم في كتاب الإيمان "الدخشم" بالميم بدل النون.
(ذلك منافق) أي ذلك الرجل منافق، وفي روايات مسلم في كتاب الإيمان "ودوا أنه دعا عليه فهلك"، "وودوا أنه أصابه شر".
(لا تقل له ذلك) أي لا تقل في حقه ذلك، قال النووي: وقد جاءت اللام بمعنى "في" في مواضع كثيرة نحو هذا.
(قال: قالوا: اللَّه ورسوله أعلم) أي قال عتبان: قال هذا البعض: الله ورسوله أعلم، ردًا على قول رسول الله ﷺ : إنه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله.
(قال: فإنما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين) قائل ذلك هو البعض المتهم لمالك بن الدخشن.
(ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور) أي نزل بعد هذا الرجاء الواسع فرائض وواجبات ووعيد وتخويف، فلم يبق على إطلاقه.
(نرى أن الأمر انتهى إليها) قال النووي: ضبطناه "نرى" بفتح النون وضمها، أي أن الأمر الشرعي انتهى إلى الخوف والرجاء، وليس إلى الرجاء وحده.
(إني لأعقل مجة مجها رسول اللَّه ﷺ المج طرح الماء من الفم بالتزريق وكان الكبار يفعلونه مع الصبيان ملاطفة لهم وتأنيسًا ومزاحًا، وكان من رسول الله ﷺ بركة للصبيان وإكرامًا لآبائهم، وكان سن محمود بن الربيع حين هذه المجة أربع سنين. أو خمسًا. قال النووي.
стр. 1632
-[فقه الحديث]-
تدل روايات الباب على أن عتبان أتى النبي ﷺ ، وشكا إليه ما أصابه وطلب منه الحضور إلى بيته، وتدل روايات مسلم في كتاب الإيمان على أن عتبان أرسل إلى النبي ﷺ ، ولم يذهب بنفسه، إذ لفظها "أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله ﷺ إني أحب أن تأتيني، فتصلى في منزلي، فأتخذه مصلى" وقد جمع بين الروايات باحتمال أنه أسند إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا وهو لم يذهب بنفسه للطلب، وجمع الحافظ ابن حجر بقوله: ويحتمل أنه أتاه مرة وبعث إليه أخرى.
ولا تعارض بين ما هنا من قوله: "فغدا رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر الصديق" وبين ما سبق في كتاب الإيمان من قوله: "فأتى النبي ﷺ ومن شاء من أصحابه" إذ الأولى لا قصر فيها، وإنما اقتصر الراوي على ذكر أبي بكر من بين المصاحبين للرسول ﷺ لفضله، وبذلك يرتفع ما توهم من تعارض بين ما هنا وبين ما ورد في بعض الروايات "ومعه أبو بكر وعمر" وبعضها "في نفر من أصحابه" وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه أولاً في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة فدخلوا معه. اهـ
وهذا الجمع لا داعي إليه بعد وضوح الجمع الأول. والله أعلم.
وظاهر رواية مسلم في كتاب الإيمان أن تحدث الصحابة في مالك بن الدخشن كان أثناء صلاته ﷺ ، ولفظها "فدخل فهو يصلي في منزلي وأصحابه يتحدثون بينهم، ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم" وحمله بعضهم أنه صلى بهم، ثم صلى وحده، فحصل الحديث وهو يصلي، واستدل به على جواز الكلام والتحدث بحضرة المصلين ما لم يشغلهم ويدخل عليهم الفساد في صلاتهم، وقال: وهذا في غير المسجد، وما لم يكن أحد المتحدثين عن يمين المصلي والآخر عن شماله.
وقد يرى الباحث أن تمادى الصحابة في تناول مالك لم يكن ينبغي بعد تنبيه الرسول ﷺ لهم ورده عليهم، ولكن لعلهم فهموا من كلامه ﷺ أنه لا يجزم بذلك، خصوصًا وقد ورد بأسلوب الاستفهام "ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله"؟ .
ومستندهم في ذلك تخلفه عن هذا المجلس، وهذا المشهد الكثير البركة وعدم ظهور فرحه بمجيء رسول الله ﷺ إلى ديارهم: وعدم المبادرة إلى لقائه، بالإضافة إلى ما لاحظوه عنه من تردده على المنافقين وإصغائه إلى حديثهم.
ولم يوافقهم ﷺ ، فقد يكون له عذر فيما رأوا، خصوصًا وهو من أهل بدر. وقد علمت شهادة الرسول ﷺ لأهل بدر عامة بأن الله قد غفر لهم.
قال النووي: وقد نص النبي ﷺ على إيمانه باطنًا، وبراءته من النفاق في الرواية الأولى بقوله: "ألا تراه قال لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله"؟ وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه بالنفاق، ففي البخاري أن النبي ﷺ بعثه ومعن بن عدي، فجرفا مسجد الضرار، وما كان الرسول ﷺ يختاره لهذه المهمة وهو من المنافقين.
стр. 1633
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - من الرواية الثانية مدى حرص الصحابة على التثبت من الأحاديث.
٢ - إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون ذلك من الشكوى.
٣ - التبرك بآثار الصالحين، ويمكن أن تكون خاصة برسول الله ﷺ .
٤ - جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة تعرض.
٥ - إجابة الفاضل دعوة المفضول.
٦ - زيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم، وأنه من دعي منهم أجاب إذا أمن الفتنة.
٧ - استصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن المستدعي لا يكره ذلك.
٨ - اجتماع أهل الجهة لملاقاة الإمام أو العالم إذا ورد منزل بعضهم ليستفيدوا منه.
٩ - افتقاد من غاب عن الجماعة.
١٠ - ذكر من يتهم بريبة أو نحوها للأئمة وغيرهم ليتحرز منه، ولا يعد ذلك غيبة.
١١ - أن على الإمام أن يتثبت من ذلك ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل.
١٢ - أن من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده لا يكفر بذلك ولا يفسق، بل يعذر بالتأويل.
١٣ - الذب عمن ذكر بسوء وهو بريء منه.
١٤ - جواز اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي عن إيطان موضع معين من المسجد فمحمول على إذا استلزم رياء ونحوه.
١٥ - فيه الصلاة في الدور، وأنه لا بأس أن يجعل الرجل محرابًا في بيته وهل له حرمة المسجد أو لا؟ خلاف.
١٦ - أن المسجد المتخذ في البيوت لا يخرج عن ملك صاحبه، بخلاف المسجد المتخذ في المحلة.
١٧ - حسن خلقه ﷺ وتواضعه مع جلالة قدره وعظم منزلته.
١٨ - البدء بالأهم، فقد بدأ ﷺ في هذه القصة بالصلاة لأنها أصل الدعوة، وبدأ بالطعام في قصة مليكة لأنه كان أصل الدعوة، كما سيأتي في الباب التالي.
١٩ - أنه لا يدخل النار من شهد أن لا إله إلا الله، وقد سبق تفصيله وبيان توجيهه في أول كتاب الإيمان في الجزء الأول من فتح المنعم.
٢٠ - يؤخذ من قوله في الرواية الأولى "قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي" جواز إمامة الأعمى.
стр. 1634
٢١ - وأنه كان في المدينة مساجد للجماعة سوى مسجد رسول الله ﷺ .
٢٢ - وأن التخلف عن الجماعة جائز للعذر، وهو أصل الباب.
٢٣ - ويؤخذ من صلاة الرسول ﷺ بهم صلاة النافلة في جماعة.
٢٤ - وصلاة الجماعة في البيوت.
٢٥ - وأن السنة في نوافل النهار ركعتان كالليل.
٢٦ - وأن الإمام إذا زار قومًا أمهم، وأما قوله ﷺ : "من زار قومًا فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم" فإنه مقيد بما إذا لم يكن الزائر هو الإمام الأعظم، وكذا من أذن له صاحب المنزل، وقال إسحق: لا يصلي أحد لصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل، وكأنه يجعل صلاة الرسول ﷺ من خصوصياته، وقال مالك: يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه للصلاة، ليجمع بين الحقين، حق الإمام في التقدم، وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه.
٢٧ - ويؤخذ من قوله: "وحبسناه على خزيرة صنعناها له" إكرام العلماء والفضلاء إذا دعوا.
والله أعلم
стр. 1635
(٢٣٧) باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات [وأين يقف الصبي والمرأة من الإمام]
١٢٨٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته فأكل منه ثم قال "قوموا فأصلي لكم" قال أنس بن مالك: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس. فنضحته بماء. فقام عليه رسول الله ﷺ . وصففت أنا واليتيم وراءه. والعجوز من ورائنا. فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين. ثم انصرف.
١٢٨٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا. فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا. فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح. ثم يؤم رسول الله ﷺ . ونقوم خلفه فيصلي بنا. وكان بساطهم من جريد النخل.
١٢٨٩ - عن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ علينا. وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي. فقال "قوموا فلأصلي بكم" (في غير وقت صلاة) فصلى بنا. فقال رجل لثابت: أين جعل أنسًا منه؟ قال: جعله على يمينه. ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة فقالت أمي: يا رسول الله خويدمك. ادع الله له. قال فدعا لي بكل خير. وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه".
١٢٩٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه أو خالته. قال: فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا.
١٢٩١ - عن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه وربما أصابني ثوبه إذا سجد وكان يصلي على خمرة.
стр. 1636
١٢٩٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه دخل على رسول الله ﷺ فوجده يصلي على حصير يسجد عليه.
-[المعنى العام]-
ما أعظم تواضع رسول الله ﷺ ، خادمته أو أمها تصنع طعامًا في بيتها؛ وتدعو إليه رسول الله ﷺ ويجيب بالترحيب، ويذهب فيأكل ثم يقول لأنس خادمه ولأمه وليتيم في الدار: قوموا معي أصلي لكم في بيتكم، وأصلي بكم أعلمكم ما لم يتيسر لكم تعلمه من سنن الصلاة، وأعلمكم وأعلم الأمة عن طريقكم أين يقف المأموم الواحد من الإمام وأين تقف المرأة من الرجال ولو كان الصف صبيًا، بل ولو كان هذا الصبي ابنًا لها. فيصف مرة أنسًا واليتيم صفا وراءه والمرأة وحدها صفًا وراءهما، ومرة أخرى حيث لا يتيم يصف أنسًا عن يمينه والمرأة خلفهما، ويصلي بهم في البيت ركعتين نافلة، قيل كانتا سنة الضحى، وتظهر البساطة التي كان عليها القوم والتواضع الجم الذي كان عليه الرسول ﷺ حين يقوم أنس إلى حصير قد أسود من طول الاستعمال، لا يملكون فراشًا غيره، فيرش عليه بعض الماء ليلين وليسكن أو يزول ترابه فتقام عليه الصلاة، وبكل أمل وطمع في كرم الرسول الكريم تطلب أم أنس منه ﷺ أن يدعو لابنها خادمه، فيدعو له بكثرة المال والولد، والبركة فيهما فيفيض الله على أنس من المال والولد ما يتحقق به دعاء الرسول ﷺ .
نفعنا الله بحديثه ورضي عن أصحابه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس) قال ابن سعد في الطبقات: أم سليم تزوجها مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة، فولدت له والد إسحق، فهو يروي هذا الحديث عن عمه أخى أبيه لأمه، فأم سليم التي هي أم أنس جدة إسحق، والدة أبيه.
(أن جدته مليكة) بنت مالك بن عدي، وهي أم أم سليم، فهي الجدة القربى لأنس، والجدة البعدى لإسحاق، واختلف المحدثون في مرجع الضمير في "أن جدته" هل قائل ذلك أنس؟ أو إسحاق؟ جزم ابن سعد وابن الحصار بأن القائل أنس، وجزم ابن عبد البر وعبد الحق وعياض بأن قائل ذلك إسحق.
стр. 1637
قال الحافظ ابن حجر: ومقتضى كلام من أعاد الضمير في "جدته" إلى إسحق أن يكون اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة عن إسحق بن أبي طلحة عن أنس قال: صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي أم سليم خلفنا. اهـ.
ولست أرى في هذا مستندًا، فقد تكون الداعية الصانعة للطعام مليكة جدة أنس وإسحق، ولم تصل معهم لعذر، والتي صلت معهم أم سليم، وقد تكون مليكة خارج البيت ساعة دخول النبي ﷺ بعد أن صنعت الطعام ودعت إليه، فتصدق الرواية الثالثة "دخل النبي ﷺ وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي"، على أن تعدد الواقعة قريب ووجيه، يشير إليه قول أنس في الرواية الثانية "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، فربما يحضر الصلاة وهو في بيتنا ... إلخ، وهو يرفع التعارض بين الرواية الأولى والرابعة. ففي الرواية الأولى "وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا" وفي الرواية الرابعة "فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا".
(فقمت إلى حصير لنا) قال ابن بطال: إن كان ما يصلي عليه كبيرًا قدر طول الرجل فأكثر فإنه يقال له حصير، ولا يقال له: خمرة، وكل ذلك يصنع من سعف النخل وما أشبهه.
(قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء) قال العلماء: اسوداده لطول زمنه وكثرة استعماله، وإنما نضحه ليلين - فإنه كان من جريد النخل، كما صرح به في الرواية الثانية - ويذهب عنه الغبار ونحوه.
(وصففت أنا واليتيم وراءه) قال النووي: اسمه ضمير بن سعد الحميري.
(ثم انصرف) أي إلى بيته، أو من الصلاة.
(قوموا فلأصلي بكم) "فلأصلي" بكسر اللام وفتح الياء، وأجاز ابن مالك في مثلها حذف الياء، وثبوتها مفتوحة وساكنة، فعند ثبوت الياء مفتوحة اللام لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هنا: قوموا فقيامكم لأصلي بكم ويجيز الأخفش في هذه الحالة أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا، وعند سكون الياء يحتمل أن تكون اللام أيضًا لام كي، والفعل بعدها منصوبًا، وسكنت الياء تخفيفًا، أو اللام لأم الأمر وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قنبل ﴿إنه من يتق ويصبر﴾ [يوسف: ٩٠].
وعند حذف الياء اللام لام الأمر، وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح، قليل في الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢] وأما قوله في الرواية الأولى: "قوموا فأصلي لكم" فالفعل منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بأمر.
﴿في غير وقت صلاة﴾ يعني في غير وقت فريضة.
(صلى بأمه أو خالته) الشك من الراوي، والأصح "بأمه" ففي رواية البخاري في باب المرأة
стр. 1638
وحدها تكون صفًا "صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي أم سليم خلفنا" وربما تكررت الواقعة، مرة معه أمه، ومرة معه خالته.
(وكان يصلي على خمرة) بضم الخاء وسكون الميم، قال الطبري: هو مصلى صغير، يعمل من سعف النخل، سميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، وزاد في النهاية: ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار. وقال الخطابي: هي السجادة يسجد عليها المصلي. اهـ. ويقصد السجادة الصغيرة التي تكفي الوجه واليدين، وليس المعنى المعروف لنا اليوم مما يقف عليه المصلي.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - إجابة الدعوة وإن لم تكن وليمة عرس، قال النووي: ولا خلاف في أن إجابتها مشروعة، لكن هل إجابتها واجبة؟ أو فرض كفاية؟ أو سنة؟ خلاف مشهور، وظاهر الأحاديث الإيجاب، قال الحافظ ابن حجر: ولو كان الداعي امرأة، لكن حيث تؤمن الفتنة.
٢ - ومن الرواية الأولى من أكله ﷺ قبل الصلاة على عكس ما فعل مع عتبان في الباب السابق يؤخذ مشروعية البدء بالأهم، إذ بدأ ﷺ في كل منهما بأصل ما دعي لأجله.
٣ - وتبريك الرجل الصالح والعالم أهل المنزل بالصلاة في منزلهم. قال بعضهم: لعل النبي ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصلاة مشاهدة مع تبريكهم، فإن المرأة قلما تشاهد أفعاله ﷺ في المسجد، فأراد أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها.
٤ - ومن الرواية الثانية جواز النافلة جماعة في البيوت.
٥ - وأن الأفضل في نافلة النهار كونها مثنى كنافلة الليل، خلافًا لمن اشترط في نافلة النهار أن تكون أربعًا.
٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن الافتراش يسمى لبسًا، وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير. قال: ولا يرد عليه أن من حلف لا يلبس حريرًا فإنه لا يحنث بالافتراش، لأن الأيمان مبناها على العرف.
٧ - عن قول أنس "فنضحته بماء" قال القاضي عياض: الأظهر أن نضحه بالماء كان للشك في نجاسته، قال النووي: وهذا على مذهبه [المالكي] في أن النجاسة المشكوك فيها تطهر بنضحها من غير غسل، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن الطهارة لا تحصل إلا بالغسل، فالمختار أن النضح كان ليلين ويذهب عنه التراب ونحوه.
٨ - استحباب تنظيف مكان المصلى.
стр. 1639
٩ - وصحة صلاة الصبي المميز ووضوئه.
١٠ - ومن إقامة أنس عن يمين رسول الله ﷺ في الروايتين الثالثة والرابعة قيام الصبي مع الرجل صفًا: أما أنه يكون بحذائه أو متأخرًا عنه قليلاً فسيأتي قريبًا في باب من أحق بالإمامة.
١١ - ومن الرواية الأولى أن السنة في موقف الاثنين أن يصفا خلف الإمام خلافًا لمن قال من الحنفية: إن أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن يساره، فقد قال أبو يوسف: الإمام يقف بينهما. قال الحافظ ابن حجر: وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود الذي أخرجه أبو داود وغيره أنه ﷺ أقام علقمة عن يمينه والأسود عن شماله، وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان.
١٢ - وتأخير النساء عن صفوف الرجال.
١٣ - وأن المرأة تقوم صفًا وحدها إذا لم يكن معها امرأة أخرى، قال الحافظ ابن حجر: وأصله ما يخشى من الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور. وعند الحنفية: تفسد صلاة الرجل دون المرأة قال: وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف. اهـ. ثم ساق توجيههم ورده ورد عليه البدر العيني في كتابه عمدة القارئ فمن أراده فليطلبه.
١٤ - استدل به بعضهم على صحة صلاة المنفرد خلف الصف خلافًا لأحمد قال: لأنه لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى، قال الحافظ ابن حجر: ولا حجة فيه لذلك فلمخالفه أن يقول: إنما ساغ ذلك لامتناع أن تصف مع الرجال، بخلاف الرجل فإن له أن يصف معهم، وأن يزاحمهم، وأن يجذب رجلاً من حاشية الصف فيقوم معه، فافترقا. اهـ
واستدل أحمد بما رواه ابن حبان في صحيحه أن رجلاً صلى خلف الصف فقال له النبي ﷺ : "أعد صلاتك فإنه لا صلاة لك" وأجاب الجمهور عن الحديث بأن الأمر بالإعادة على الاستحباب دون الإيجاب.
١٥ - جواز الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض. قال النووي: وهذا مجمع عليه، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من أنه كان يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليه فمحمول على المبالغة في التواضع والخشوع. اهـ وكذا ما رواه أبو داود بلفظ "ترب وجهك" فإنه محمول على استحباب التواضع بوضع الجبهة على التراب مباشرة. اهـ
وأما الطنافس والفراء والمسوح فقد أخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي عن الأسود وأصحابه أنهم كانوا يكرهون الصلاة عليها، وأخرج عن جمع من الصحابة والتابعين جواز ذلك، وقال مالك: لا أرى بأسًا بالقيام عليها إذا كان يضع جبهته ويديه على الأرض. والله أعلم.
١٦ - أن الأصل في الثياب والبسط والحصر ونحوها الطهارة، وأن حكم الطهارة مستمر حتى تتحقق النجاسة.
стр. 1640
١٧ - ومن الرواية الخامسة جواز الصلاة على الخمرة.
١٨ - وصحة الصلاة إذا أصاب ثوب المصلي المرأة وهي حائض، ففي رواية البخاري أنها كانت حائضًا.
١٩ - ومن الرواية الثالثة جواز الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة فيهما.
٢٠ - وما أكرم الله تعالى به نبيه ﷺ من استجابة دعائه لأنس في تكثير ماله وولده.
٢١ - وفيه طلب الدعاء من أهل الخير.
واللَّه أعلم
стр. 1641
(٢٣٨) باب فضل الصلاة المكتوبة في جماعة، وفضل انتظار الصلاة، وكثرة الخطا إلى المساجد، وفضل المشي إليها، وفضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد
١٢٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه".
١٢٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مجلسه، تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث، وأحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه".
١٢٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ "قال لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة وتقول الملائكة اللهم اغفر له اللهم ارحمه حتى ينصرف أو يحدث" قلت: ما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط.
١٢٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يزال أحدكم في صلاة مادامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة".
стр. 1642
١٢٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة في صلاة ما لم يحدث تدعو له الملائكة اللهم اغفر له اللهم ارحمه".
١٢٩٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام" وفي رواية أبي كريب "حتى يصليها مع الإمام في جماعة".
١٢٩٩ - عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء قال ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد. إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد. ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فقال رسول الله ﷺ "قد جمع الله لك ذلك كله".
١٣٠٠ - عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ﷺ قال فتوجعنا له. فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حمارًا يقيك من الرمضاء ويقيك من هوام الأرض، قال: أم والله ما أحب أن بيتي مطنب ببيت محمد ﷺ . قال فحملت به حملاً حتى أتيت نبي الله ﷺ . فأخبرته قال فدعاه فقال له مثل ذلك. وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر. فقال له النبي ﷺ "إن لك ما احتسبت".
١٣٠١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانت ديارنا نائية عن
стр. 1643
المسجد. فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد. فنهانا رسول الله ﷺ . فقال "إن لكم بكل خطوة درجة".
١٣٠٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ . فقال لهم "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" قالوا: نعم. يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال "يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم".
١٣٠٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد. قال والبقاع خالية فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال "يا بني سلمة دياركم. تكتب آثاركم". فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا.
١٣٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة".
١٣٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال. وفي حديث بكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات. هل يبقى من درنه شيء؟ " قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا".
١٣٠٦ - عن جابر ﵁ (وهو ابن عبد الله) قال: قال رسول الله ﷺ "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" قال: قال الحسن: وما يبقي ذلك من الدرن؟ .
стр. 1644
١٣٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ "من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح".
١٣٠٨ - عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. كثيرًا. كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس. فإذا طلعت الشمس قام. وكانوا يتحدثون. فيأخذون في أمر الجاهلية. فيضحكون ويتبسم.
١٣٠٩ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنًا.
١٣١٠ - - عن سماك بهذا الإسناد ولم يقولا: حسنًا.
١٣١١ - عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا. وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا".
-[المعنى العام]-
وإذا كانت صلاة الجماعة تفضل صلاة الرجل منفردًا بخمس وعشرين درجة كان على المسلمين أن يحرصوا عليها، وأن يتحملوا في سبيل تحصيلها ما يقابلهم من صعاب، الوضوء بالماء البارد في شدة البرد، والمشي طويلاً لبعيد الدار عن المسجد، وانتظار الصلاة حتى تقام، ولكل من ذلك أجر، فمن توضأ فأحسن الوضوء. ثم خرج إلى المسجد لا يشغله ولا يحركه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا كان له بها حسنة، ومحى عنه بها سيئة، فإذا ما دخل المسجد وجلس ينتظر الصلاة حسب انتظاره للصلاة صلاة في الأجر والثواب، لأن الله سخر ملائكته أن تحضر جماعات المسلمين تدعو لهم بالرحمة والتوبة والمغفرة.
стр. 1645
ولقد خفي على بعض المسلمين ما في كثرة الخطا إلى المسجد من الأجر، وكانوا يسكنون في أقصى المدينة على بعد ميل من المسجد، فدفعهم حرصهم على الجماعة أن يبيعوا بيوتهم ويشتروا بدلها بجوار المسجد، وعلم رسول الله ﷺ ، فقال لهم: لا يا بني سلمة، الزموا بيوتكم لا تبيعوها، وتحملوا مشاق الوصول إلى المسجد، فإن الله يكتب لكم بعدد خطواتكم حسنات، أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم ممشى إلى المسجد، ثم أبعدهم ممشى. قالوا: سمعنا وأطعنا يا رسول الله، ونحمد الله أن قد علمنا قبل أن نبيع. لو كنا فعلنا لأسفنا وندمنا. فالحمد للَّه الذي هدانا.
وخفي هذا الحكم أيضًا على أبي بن كعب، إذ رأى رجلاً من الأنصار لا يتخلف عن صلاة الجماعة في المسجد مع رسول الله ﷺ مع أن بيته أبعد بيوت المسلمين عن المسجد، فأشفق على الرجل وتألم من أجله، فقال له يومًا: لو أنك اشتريت حمارًا تركبه في مجيئك إلى المسجد ورجوعك إلى بيتك كان خيرًا لك، يحميك من حر الرمال، ويحفظك من حشرات الأرض، ويحفظك من التعثر في الظلماء. قال الرجل: أنا قادر على شراء الحمار، لكني أريد زيادة الأجر بكثرة الخطا إلى المسجد، وإني لمسرور ببعد داري، وما كان يسرني لو كانت ملاصقة للمسجد، إني أحتسب خطواتي عند ربي وأرجو منه الثواب، فلما علم الرسول ﷺ بمقالة الرجل قال له: إن لك ما احتسبت. إن الله أعد لك ثواب كل ذلك.
-[المباحث العربية]-
(تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة) قال النووي: المراد صلاته في بيته وسوقه منفردًا. وهذا هو الصواب، وقيل فيه غير ذلك - وسيأتي في فقه الحديث - والبضع بكسر الباء وفتحها، وهو من الثلاثة إلى العشرة على الصحيح، والمراد به هنا خمس وعشرون، أو سبع وعشرون درجة، كما مر قريبًا في باب فضل صلاة الجماعة.
(ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة) "لا ينهزه" بفتح الياء، والهاء بعدها زاي، أي لا يقيمه ولا يحركه ولا يجعله ينهض إلا الصلاة، فقوله بعد: "لا يريد إلا الصلاة" تفسير له وبيان. ورواية البخاري "ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة" أي إلا قصد الصلاة في جماعة.
(لم يخط خطوة) "لم يخط" بفتح الياء وضم الطاء، و"خطوة" يجوز فيها ضم الخاء وفتحها، قال الجوهري: الخطوة بالضم ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة.
(فإذا دخل المسجد كان في الصلاة) أي في ثواب الصلاة، لا في حكمها إذ يحل له الكلام وغيره مما يمنع في الصلاة.
(ما كانت الصلاة هي تحبسه) "هي تحبسه" مبتدأ وخبر، والجملة، خبر "كانت" وفائدة ذكر الضمير "هي" القصر عند بعض البلاغيين وتأكيد الإسناد وتقويته عند البعض الآخر.
و"ما" مصدرية دوامية، أي مدة كون الصلاة هي الحابسة له.
стр. 1646
(والملائكة يصلون على أحدكم) الصلاة من الملائكة الدعاء.
(مادام في مجلسه الذي صلى فيه) قال الحافظ ابن حجر: كأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نيته كان كذلك.
(ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث) أمران مطلوبان، وليس الثاني بيانًا للأول، فالمطلوب عدم الإيذاء باليد واللسان وغيرهما من الجوارح في مصلاه، وكذا أن يظل على طهارته من غير حدث أو نقض وضوء في مصلاه حتى يتحقق دوام استغفار الملائكة.
(أو يضرط) ضبطه النووي بكسر الراء مع فتح الياء، من باب ضرب.
(أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة في صلاة ما لم يحدث) توضيح هذا التركيب: أحدكم في صلاة ما قعد ينتظر الصلاة ما لم يحدث، أي يعتبر أحدكم في ثواب الصلاة مدة قعوده ينتظر الصلاة متطهرًا.
(إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة) "أجرًا" تمييز.
(أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم) أي أكثرهم بعدًا عن المسجد، ثم من هو دونه، فالفاء للترتيب التنازلي في عظم الأجر، و"ممشى" اسم مكان، منصوب على التمييز.
(والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام) أي جماعة، كما في الرواية الثانية.
(أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام) قال الحافظ ابن حجر: أي سواء صلى وحده، أو في جماعة. اهـ قال الكرماني: وفائدة ذكر "ثم ينام" هنا الإشارة إلى الاستراحة المقابلة للمشقة التي في ضمن الانتظار. اهـ أي فليست قيدًا، بل انتظار الصلاة أفضل سواء نام من صلى أم لم ينم.
(كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد منه) جملة "لا أعلم" ومفعولاها صفة لرجل، و"رجل" فاعل "كان" التامة. والمعنى كان رجل موصوف ببعد الدار عن المسجد بعدًا لا أعلم مثله لأحد.
(وكان لا تخطئه صلاة) أي لا تفوته صلاة في المسجد مع رسول اللَّه ﷺ .
(في الظلماء وفي الرمضاء) الرمضاء شدة الحر التي تحمي بها الرمال.
(أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد) أي مشيى وخطواتي من منزلي إلى المسجد.
(ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي) "إلى أهلي" تنازعه "رجوعي" و"رجعت" والتقدير: وخطوات رجوعي من المسجد إلى أهلي إذا رجعت إلى أهلي، وفائدة ذكر هذا الشرط التسليم للمشيئة، أي إذا شاء الله لي الرجوع.
стр. 1647
(قد جمع اللَّه لك ذلك كله) الإشارة إلى خطوات ذهابه إلى المسجد وخطوات عودته منه.
(فتوجعنا له) أي فأشفقنا عليه، وآلمنا ما يعاني من مشقة.
(ما أحب أن بيتي مطنب ببيت محمد ﷺ بيوت أزواج رسول اللَّه ﷺ كانت ملاصقة للمسجد، يفتح بعضها فيه، والأطناب الحبال، المطنب بضم الميم وفتح الطاء وتشديد النون المفتوحة المشدود بالأطناب، أي ما أحب أن يكون بيتي ملاصقًا المسجد مشدودًا لبيت رسول اللَّه ﷺ فهو ينفي حبه القرب من المسجد، لا حب قربه من بيت رسول اللَّه ﷺ رجاء زيادة الأجر بتكثير الخطا إلى المسجد، كما هو واضح.
(فحملت به حملاً) بكسر الحاء وسكون الميم، أي ثقلاً، وليس المراد الحمل على الظهر، بل الثقل النفسي، والمعنى عظم على هذا القول واستثقلته حتى أخبرت به رسول اللَّه ﷺ ، وهل استعظام هذا القول لما يفيده من حكم يجهله أبي بن كعب من أن البعد عن المسجد خير من القرب منه؟ أو لبشاعة ألفاظ الرجل الموهمة لعدم حبه لجوار الرسول ﷺ ؟ يحتمل ويحتمل.
(فقال له مثل ذلك) أي قال الرجل للرسول ﷺ قولاً مشبهًا ما قال لي.
(وذكر له أنه يرجو في إثره الأجر) لعله رفع بهذه العبارة الإبهام غير المقصود من العبارة السابقة، وبين الهدف من حبه للبعد عن المسجد، والإثر بكسر الهمزة وسكون الثاء، وبفتح الهمزة والثاء جمعه آثار، والمراد بها الخطا والأصل فيها أنها كانت تؤثر في الأرض، ثم أطلقت على المشي، أثر وعلم في الأرض أم لم يعلم. قال تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ [يس: ١٢] قال المفسرون: آثارهم خطاهم.
(إن لك ما احتسبت) أصل الحساب والاحتساب العد، ثم استعمل الاحتساب شرعًا في إيداع المحسوب عند اللَّه وابتغاء الأجر عليه، والمعنى إن لك عند اللَّه أجر خطواتك التي عددتها وأكثرت من عددها.
(يا بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم) "دياركم" منصوب على الإغراء بفعل محذوف، أي الزموا دياركم، و"تكتب" مضارع مجزوم في جواب فعل الأمر المحذوف. وكررت هذه الجملة لتأكيد هذا الأمر والاهتمام به، لأنه أمر غريب عند المخاطب، وبنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار، من الخزرج.
(ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا) أي بعد أن استقروا في ديارهم وعلموا أن خطاهم محسوبة لهم سروا بذلك، وندموا أن فكروا في التحول، وقالوا في أنفسهم أو للناس: لو أنا تحولنا ما كنا مسرورين بهذا التحول.
(أرأيتم) أي أخبروني، ودلالة هذا اللفظ على المراد عن طريق مجازين:
стр. 1648
الأول: في الرؤية بإرادة الإخبار، لما أنها سبب الإخبار غالبًا، فالعلاقة السببية.
والثاني: في الاستفهام بإرادة مطلق الطلب بدلاً من طلب الفهم، فالعلاقة الإطلاق بعد التقييد، فآل الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ أخبروني.
(لو أن نهرًا) "لو" حرف يختص بالدخول على الأفعال، وأن يكون له جواب، لهذا قدروا فعلاً محذوفًا بعده، أي لو ثبت نهر، واعتبرت جملة الاستفهام "هل يبقى من درنه شيء" قائمة مقام الجواب، أي لو ثبت وجود نهر صفته كذا وكذا ما بقي من الدرن شيء، والنهر بفتح الهاء وسكونها ما بين جنبتي الوادي، سمي بذلك لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه.
(بباب أحدكم يغتسل منه) الجار والمجرور خبر "أن" وجملة "يغتسل" خبر ثان، والغرض من التعبير بباب أحدكم إفادة القرب والسهولة واليسر.
(هل يبقى من درنه شيء)؟ "يبقى" بفتح الياء، و"شيء" فاعل و"من درنه" جار ومجرور حال من "شيء" وأصله صفة له، فلما قدم صار حالاً، و"الدرن" الوسخ، وقد يطلق الدرن على الحب الصغير الذي يحصل في بعض الأجسام، لكن الأول هو الظاهر، لأنه هو الذي يناسبه الاغتسال والتنظف.
قال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير. فكذلك الصلوات تطهر العبد عن أقذار الذنوب. اهـ. فالكلام على تشبيه التمثيل. بأن شبهت هيئة الصلوات الخمس ويسرها وتأثيرها في محو الذنوب بهيئة المستقذر في بدنه يغتسل من نهر جار أمام بيته خمس مرات في اليوم.
(كمثل نهر جار غمر) بفتح الغين وسكون الميم، أي كثير المياه.
(من غدا إلى المسجد أو راح) الغدو الذهاب أول النهار، والرواح الرجوع آخره، ولكن المراد بالغدو والرواح هنا الدوام، كالبكرة والعشي في قوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ٦٢].
(أعد اللَّه له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح) النزل بضم النون وضم الزاي وسكونها، وهو ما يهيأ للقادم من أنواع ومظاهر التكريم والمعنى هيأ اللَّه له في الجنة نعيمًا خاصًا يستقبل بقدر غدوه إلى المسجد ورواحه منه، وبقدر وعدد ما يبذل في ذلك من خطوات ومشاق.
(قال: نعم كثيرًا) "كثيرًا" صفة لمصدر محذوف، تقديره: نعم أجالسه جلوسًا كثيرًا.
(وكانوا يتحدثون) أي في مجلسه ﷺ بعد صلاة الصبح.
(فيأخذون في أمر الجاهلية) ويذكرون ما كانت عليه من مضحكات وعادات أبطلها الإسلام، كالطيرة والتقرب إلى الأصنام.
стр. 1649
(حتى تطلع الشمس حسنًا) بفتح الحاء والسين وبالتنوين، أي طلوعًا حسنًا، أي مرتفعة، ورواه ابن شاهين بلفظ "حسناء" بسكون السين والهمزة في آخره، وحسنها ارتفاعها.
-[فقه الحديث]-
يستفاد من الحديث الأول برواياته الخمس الأولى:
١ - فضل صلاة الجماعة وزيادتها على صلاة الفرد بخمس وعشرين أو سبع وعشرين درجة، وقد سبق تفصيل القول فيه قبل بابين.
٢ - أخذ بعضهم من قوله في الرواية الأولى: "تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة" أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت، في جماعة أو فرادى بضعًا وعشرين" ولا يلزم من هذه التسوية بين الجماعة والانفراد في البيت أو السوق، ولا التسوية بين الصلاة في البيت وفي السوق، فالصلاة في البيت مطلقًا أولى منها في السوق، لما سيأتي في الرواية الثامنة عشرة: نقول: لا يلزم التسوية المذكورة، لأنه يلزم من اندراج أمرين تحت المفضولية بالنسبة لأمر ثالث أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر.
وقد حكينا هذا القول قبل بابين عند الكلام على فضل صلاة الجماعة، ويؤيده ما جاء في الرواية الأولى، إذا حملنا قوله: "وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا تنهزه إلا الصلاة. لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون ... " إلخ إذا حملنا هذا على أنه بيان لسبب زيادة الخمس والعشرين، وأن هذه الأمور المذكورة علة للزيادة المذكورة وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا أو ليس مقصودًا لذاته، وهذه الأسباب معقولة المعنى، والروايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل المطلق على المقيد "وهذا قول حسن، وإن اخترنا خلافه قبل بابين اعتمادًا وطمعًا في فضل الله أن يزيد على هذه الأمور أجرًا وثوابًا جديدًا. واللَّه أعلم.
٣ - ويؤخذ منها كذلك فضل إحسان الوضوء، والحث عليه.
٤ - والحث على الصلاة في المساجد.
٥ - وإخلاص النية في الذهاب إليها، وتمحيضها للصلاة.
٦ - وكثرة الأجر بكثرة الخطا في المشي إلى المسجد، واختلف فيمن كان بجوار المسجد، هل يجاوزه للصلاة في المسجد الأبعد؟ كرهه بعضهم مطلقًا، واستحسنه بعضهم مطلقًا، واستحسنه بعضهم إذا كان الأبعد المسجد الجامع للفضل في كثرة الناس، واشترط بعضهم أن لا يكون في المسجد
стр. 1650
البعيد مانع من الكمال، كأن يكون إمامه مبتدعًا أو لحانًا في القراءة، أو مكروهًا من قومه، وأن لا يكون في ذهابه إلى البعيد هجرًا للقريب، وإلا فإحياؤه بالذكر أولى.
كما اختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد، وقارب الخطا بحيث يساوي عدد خطاه عدد من داره بعيدة، هل يساويه في الفضل أو لا؟ مال الطبري إلى المساواة، ويستأنس له بما رواه ابن أبي شيبة من طريق أنس قال: "مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخطا، وقال: أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد".
والحق أن هذا وإن دل على فضل تكثير الخطا فإنه لا يدل على المساواة، لأن ثواب الخطا الشاقة ليست كثواب الخطا السهلة.
٧ - ويؤخذ من الروايات الست الأولى فضل انتظار الصلاة بالمسجد. وظاهر قوله: "مادامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة" يفيد أنه إذا صرف نيته عن ذلك انقطع عنه الثواب المذكور، وكذا إذا شارك نية الانتظار أمر آخر. وظاهر قوله: "فإذا دخل المسجد كان في الصلاة" يفيد أن من كانت نيته إيقاع الصلاة في المسجد وانتظر الصلاة خارج المسجد لا يحصل له هذا الثواب، لأنه رتب الثواب المذكور على المجموع من النية وشغل البقعة بالعبادة. ذكره الحافظ ابن حجر، وهل قوله: "في مصلاه" يفيد أن الثواب المذكور خاص بمن صلى ثم انتظر صلاة أخرى؟ أو هو عام يشمل من جاء من الخارج فانتظر. الظاهر والصحيح الثاني، لأنه المستفاد من عموم الروايات. والله أعلم.
٨ - ويؤخذ من عموم قوله في الرواية السادسة: "أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام" أي سواء صلى وحده أو في جماعة أن صلوات الجماعة تتفاوت في الأجر.
٩ - ويؤخذ من الروايات الثلاث الأولى أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال، لأن فيها صلاة الملائكة على فاعلها، ودعاءهم له.
١٠ - واستدل بها على أفضلية صالحي المؤمنين على الملائكة، لأنهم يكونون مشتغلين بتحصيل الدرجات بعبادتهم، والملائكة يشتغلون بالاستغفار والدعاء. وقال بعضهم: إن خواص بني آدم، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة، وعوامهم أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم. قاله العيني.
١١ - ومن رغبة بني سلمة في الانتقال قرب المسجد، ورد النبي ﷺ عليهم، أخذ بعضهم استحباب السكنى بقرب المسجد إلا لمن حصلت منه منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي، ما لم يكلف نفسه، قال الحافظ ابن حجر: ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي علموه منه، فما أنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، بل رجح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد أو يزيد عليه.
следующие страницы →