Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
(والملائكة يصلون على أحدكم) الصلاة من الملائكة الدعاء.
(مادام في مجلسه الذي صلى فيه) قال الحافظ ابن حجر: كأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نيته كان كذلك.
(ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث) أمران مطلوبان، وليس الثاني بيانًا للأول، فالمطلوب عدم الإيذاء باليد واللسان وغيرهما من الجوارح في مصلاه، وكذا أن يظل على طهارته من غير حدث أو نقض وضوء في مصلاه حتى يتحقق دوام استغفار الملائكة.
(أو يضرط) ضبطه النووي بكسر الراء مع فتح الياء، من باب ضرب.
(أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة في صلاة ما لم يحدث) توضيح هذا التركيب: أحدكم في صلاة ما قعد ينتظر الصلاة ما لم يحدث، أي يعتبر أحدكم في ثواب الصلاة مدة قعوده ينتظر الصلاة متطهرًا.
(إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة) "أجرًا" تمييز.
(أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم) أي أكثرهم بعدًا عن المسجد، ثم من هو دونه، فالفاء للترتيب التنازلي في عظم الأجر، و"ممشى" اسم مكان، منصوب على التمييز.
(والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام) أي جماعة، كما في الرواية الثانية.
(أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام) قال الحافظ ابن حجر: أي سواء صلى وحده، أو في جماعة. اهـ قال الكرماني: وفائدة ذكر "ثم ينام" هنا الإشارة إلى الاستراحة المقابلة للمشقة التي في ضمن الانتظار. اهـ أي فليست قيدًا، بل انتظار الصلاة أفضل سواء نام من صلى أم لم ينم.
(كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد منه) جملة "لا أعلم" ومفعولاها صفة لرجل، و"رجل" فاعل "كان" التامة. والمعنى كان رجل موصوف ببعد الدار عن المسجد بعدًا لا أعلم مثله لأحد.
(وكان لا تخطئه صلاة) أي لا تفوته صلاة في المسجد مع رسول اللَّه ﷺ .
(في الظلماء وفي الرمضاء) الرمضاء شدة الحر التي تحمي بها الرمال.
(أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد) أي مشيى وخطواتي من منزلي إلى المسجد.
(ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي) "إلى أهلي" تنازعه "رجوعي" و"رجعت" والتقدير: وخطوات رجوعي من المسجد إلى أهلي إذا رجعت إلى أهلي، وفائدة ذكر هذا الشرط التسليم للمشيئة، أي إذا شاء الله لي الرجوع.
стр. 1647
(قد جمع اللَّه لك ذلك كله) الإشارة إلى خطوات ذهابه إلى المسجد وخطوات عودته منه.
(فتوجعنا له) أي فأشفقنا عليه، وآلمنا ما يعاني من مشقة.
(ما أحب أن بيتي مطنب ببيت محمد ﷺ بيوت أزواج رسول اللَّه ﷺ كانت ملاصقة للمسجد، يفتح بعضها فيه، والأطناب الحبال، المطنب بضم الميم وفتح الطاء وتشديد النون المفتوحة المشدود بالأطناب، أي ما أحب أن يكون بيتي ملاصقًا المسجد مشدودًا لبيت رسول اللَّه ﷺ فهو ينفي حبه القرب من المسجد، لا حب قربه من بيت رسول اللَّه ﷺ رجاء زيادة الأجر بتكثير الخطا إلى المسجد، كما هو واضح.
(فحملت به حملاً) بكسر الحاء وسكون الميم، أي ثقلاً، وليس المراد الحمل على الظهر، بل الثقل النفسي، والمعنى عظم على هذا القول واستثقلته حتى أخبرت به رسول اللَّه ﷺ ، وهل استعظام هذا القول لما يفيده من حكم يجهله أبي بن كعب من أن البعد عن المسجد خير من القرب منه؟ أو لبشاعة ألفاظ الرجل الموهمة لعدم حبه لجوار الرسول ﷺ ؟ يحتمل ويحتمل.
(فقال له مثل ذلك) أي قال الرجل للرسول ﷺ قولاً مشبهًا ما قال لي.
(وذكر له أنه يرجو في إثره الأجر) لعله رفع بهذه العبارة الإبهام غير المقصود من العبارة السابقة، وبين الهدف من حبه للبعد عن المسجد، والإثر بكسر الهمزة وسكون الثاء، وبفتح الهمزة والثاء جمعه آثار، والمراد بها الخطا والأصل فيها أنها كانت تؤثر في الأرض، ثم أطلقت على المشي، أثر وعلم في الأرض أم لم يعلم. قال تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ [يس: ١٢] قال المفسرون: آثارهم خطاهم.
(إن لك ما احتسبت) أصل الحساب والاحتساب العد، ثم استعمل الاحتساب شرعًا في إيداع المحسوب عند اللَّه وابتغاء الأجر عليه، والمعنى إن لك عند اللَّه أجر خطواتك التي عددتها وأكثرت من عددها.
(يا بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم) "دياركم" منصوب على الإغراء بفعل محذوف، أي الزموا دياركم، و"تكتب" مضارع مجزوم في جواب فعل الأمر المحذوف. وكررت هذه الجملة لتأكيد هذا الأمر والاهتمام به، لأنه أمر غريب عند المخاطب، وبنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار، من الخزرج.
(ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا) أي بعد أن استقروا في ديارهم وعلموا أن خطاهم محسوبة لهم سروا بذلك، وندموا أن فكروا في التحول، وقالوا في أنفسهم أو للناس: لو أنا تحولنا ما كنا مسرورين بهذا التحول.
(أرأيتم) أي أخبروني، ودلالة هذا اللفظ على المراد عن طريق مجازين:
стр. 1648
الأول: في الرؤية بإرادة الإخبار، لما أنها سبب الإخبار غالبًا، فالعلاقة السببية.
والثاني: في الاستفهام بإرادة مطلق الطلب بدلاً من طلب الفهم، فالعلاقة الإطلاق بعد التقييد، فآل الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ أخبروني.
(لو أن نهرًا) "لو" حرف يختص بالدخول على الأفعال، وأن يكون له جواب، لهذا قدروا فعلاً محذوفًا بعده، أي لو ثبت نهر، واعتبرت جملة الاستفهام "هل يبقى من درنه شيء" قائمة مقام الجواب، أي لو ثبت وجود نهر صفته كذا وكذا ما بقي من الدرن شيء، والنهر بفتح الهاء وسكونها ما بين جنبتي الوادي، سمي بذلك لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه.
(بباب أحدكم يغتسل منه) الجار والمجرور خبر "أن" وجملة "يغتسل" خبر ثان، والغرض من التعبير بباب أحدكم إفادة القرب والسهولة واليسر.
(هل يبقى من درنه شيء)؟ "يبقى" بفتح الياء، و"شيء" فاعل و"من درنه" جار ومجرور حال من "شيء" وأصله صفة له، فلما قدم صار حالاً، و"الدرن" الوسخ، وقد يطلق الدرن على الحب الصغير الذي يحصل في بعض الأجسام، لكن الأول هو الظاهر، لأنه هو الذي يناسبه الاغتسال والتنظف.
قال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير. فكذلك الصلوات تطهر العبد عن أقذار الذنوب. اهـ. فالكلام على تشبيه التمثيل. بأن شبهت هيئة الصلوات الخمس ويسرها وتأثيرها في محو الذنوب بهيئة المستقذر في بدنه يغتسل من نهر جار أمام بيته خمس مرات في اليوم.
(كمثل نهر جار غمر) بفتح الغين وسكون الميم، أي كثير المياه.
(من غدا إلى المسجد أو راح) الغدو الذهاب أول النهار، والرواح الرجوع آخره، ولكن المراد بالغدو والرواح هنا الدوام، كالبكرة والعشي في قوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ٦٢].
(أعد اللَّه له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح) النزل بضم النون وضم الزاي وسكونها، وهو ما يهيأ للقادم من أنواع ومظاهر التكريم والمعنى هيأ اللَّه له في الجنة نعيمًا خاصًا يستقبل بقدر غدوه إلى المسجد ورواحه منه، وبقدر وعدد ما يبذل في ذلك من خطوات ومشاق.
(قال: نعم كثيرًا) "كثيرًا" صفة لمصدر محذوف، تقديره: نعم أجالسه جلوسًا كثيرًا.
(وكانوا يتحدثون) أي في مجلسه ﷺ بعد صلاة الصبح.
(فيأخذون في أمر الجاهلية) ويذكرون ما كانت عليه من مضحكات وعادات أبطلها الإسلام، كالطيرة والتقرب إلى الأصنام.
стр. 1649
(حتى تطلع الشمس حسنًا) بفتح الحاء والسين وبالتنوين، أي طلوعًا حسنًا، أي مرتفعة، ورواه ابن شاهين بلفظ "حسناء" بسكون السين والهمزة في آخره، وحسنها ارتفاعها.
-[فقه الحديث]-
يستفاد من الحديث الأول برواياته الخمس الأولى:
١ - فضل صلاة الجماعة وزيادتها على صلاة الفرد بخمس وعشرين أو سبع وعشرين درجة، وقد سبق تفصيل القول فيه قبل بابين.
٢ - أخذ بعضهم من قوله في الرواية الأولى: "تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة" أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت، في جماعة أو فرادى بضعًا وعشرين" ولا يلزم من هذه التسوية بين الجماعة والانفراد في البيت أو السوق، ولا التسوية بين الصلاة في البيت وفي السوق، فالصلاة في البيت مطلقًا أولى منها في السوق، لما سيأتي في الرواية الثامنة عشرة: نقول: لا يلزم التسوية المذكورة، لأنه يلزم من اندراج أمرين تحت المفضولية بالنسبة لأمر ثالث أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر.
وقد حكينا هذا القول قبل بابين عند الكلام على فضل صلاة الجماعة، ويؤيده ما جاء في الرواية الأولى، إذا حملنا قوله: "وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا تنهزه إلا الصلاة. لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون ... " إلخ إذا حملنا هذا على أنه بيان لسبب زيادة الخمس والعشرين، وأن هذه الأمور المذكورة علة للزيادة المذكورة وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا أو ليس مقصودًا لذاته، وهذه الأسباب معقولة المعنى، والروايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل المطلق على المقيد "وهذا قول حسن، وإن اخترنا خلافه قبل بابين اعتمادًا وطمعًا في فضل الله أن يزيد على هذه الأمور أجرًا وثوابًا جديدًا. واللَّه أعلم.
٣ - ويؤخذ منها كذلك فضل إحسان الوضوء، والحث عليه.
٤ - والحث على الصلاة في المساجد.
٥ - وإخلاص النية في الذهاب إليها، وتمحيضها للصلاة.
٦ - وكثرة الأجر بكثرة الخطا في المشي إلى المسجد، واختلف فيمن كان بجوار المسجد، هل يجاوزه للصلاة في المسجد الأبعد؟ كرهه بعضهم مطلقًا، واستحسنه بعضهم مطلقًا، واستحسنه بعضهم إذا كان الأبعد المسجد الجامع للفضل في كثرة الناس، واشترط بعضهم أن لا يكون في المسجد
стр. 1650
البعيد مانع من الكمال، كأن يكون إمامه مبتدعًا أو لحانًا في القراءة، أو مكروهًا من قومه، وأن لا يكون في ذهابه إلى البعيد هجرًا للقريب، وإلا فإحياؤه بالذكر أولى.
كما اختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد، وقارب الخطا بحيث يساوي عدد خطاه عدد من داره بعيدة، هل يساويه في الفضل أو لا؟ مال الطبري إلى المساواة، ويستأنس له بما رواه ابن أبي شيبة من طريق أنس قال: "مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخطا، وقال: أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد".
والحق أن هذا وإن دل على فضل تكثير الخطا فإنه لا يدل على المساواة، لأن ثواب الخطا الشاقة ليست كثواب الخطا السهلة.
٧ - ويؤخذ من الروايات الست الأولى فضل انتظار الصلاة بالمسجد. وظاهر قوله: "مادامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة" يفيد أنه إذا صرف نيته عن ذلك انقطع عنه الثواب المذكور، وكذا إذا شارك نية الانتظار أمر آخر. وظاهر قوله: "فإذا دخل المسجد كان في الصلاة" يفيد أن من كانت نيته إيقاع الصلاة في المسجد وانتظر الصلاة خارج المسجد لا يحصل له هذا الثواب، لأنه رتب الثواب المذكور على المجموع من النية وشغل البقعة بالعبادة. ذكره الحافظ ابن حجر، وهل قوله: "في مصلاه" يفيد أن الثواب المذكور خاص بمن صلى ثم انتظر صلاة أخرى؟ أو هو عام يشمل من جاء من الخارج فانتظر. الظاهر والصحيح الثاني، لأنه المستفاد من عموم الروايات. والله أعلم.
٨ - ويؤخذ من عموم قوله في الرواية السادسة: "أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام" أي سواء صلى وحده أو في جماعة أن صلوات الجماعة تتفاوت في الأجر.
٩ - ويؤخذ من الروايات الثلاث الأولى أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال، لأن فيها صلاة الملائكة على فاعلها، ودعاءهم له.
١٠ - واستدل بها على أفضلية صالحي المؤمنين على الملائكة، لأنهم يكونون مشتغلين بتحصيل الدرجات بعبادتهم، والملائكة يشتغلون بالاستغفار والدعاء. وقال بعضهم: إن خواص بني آدم، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة، وعوامهم أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم. قاله العيني.
١١ - ومن رغبة بني سلمة في الانتقال قرب المسجد، ورد النبي ﷺ عليهم، أخذ بعضهم استحباب السكنى بقرب المسجد إلا لمن حصلت منه منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي، ما لم يكلف نفسه، قال الحافظ ابن حجر: ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي علموه منه، فما أنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، بل رجح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد أو يزيد عليه.
стр. 1651
١٢ - واستدل بأحاديثهم على أن أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات.
١٣ - وعلى مدى استجابة الصحابة لإشارة الرسول ﷺ ، ورضاهم بها.
١٤ - ويؤخذ من الرواية الثالثة عشرة أن الصلاة تكفر الذنوب. قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير جميع الذنوب، ويشكل عليه ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا "الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر" فعلى هذا المقيد يحمل المطلق.
فإن قيل: إن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر بنص القرآن في قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] فإذا كان الأمر كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟ أجيب بأنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يعد مجتنبًا للكبائر، لأن تركها من الكبائر فوقف التكفير على فعلها.
١٥ - ويؤخذ من الرواية السادسة عشرة فضل الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح، وقد اختلف العلماء في هذا الباب، فأكثرهم - كما نقله ابن بطال عنهم - على كراهة مكث الإمام إذا كان إمامًا راتبًا إلا أن يكون مكثة لعلة. قال: وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة. كل صلاة يتنفل بعدها يقوم، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير، وقال بعض المالكية: يتنفل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه شيء من سجود السهو ولا غيره، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وعائشة ﵄ قالا: "كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ولعل هذا كان في غير صلاة الصبح جمعًا بينه وبين حديث الباب. والله أعلم.
١٦ - ويؤخذ منها جواز الضحك والتبسم.
١٧ - ومن الرواية الثامنة عشرة ذم الأسواق، لأنها محل الغش والخداع والربا والأيمان الكاذبة وإخلاف الوعد والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك.
واللَّه أعلم
стр. 1652
(٢٣٩) باب من أحق بالإمامة
١٣١٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم".
١٣١٣ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه" قال الأشج في روايته (مكان سلمًا) سنًا.
١٣١٤ - عن أبي مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً، ولا تؤمن الرجل في أهله ولا في سلطانه ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك أو بإذنه".
١٣١٥ - عن مالك بن الحويرث ﵁ قال أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون. فأقمنا عنده عشرين ليلة. وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رقيقًا. فظن أنا قد اشتقنا أهلنا؛ فسألنا عن من تركنا من أهلنا، فأخبرناه. فقال "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم".
стр. 1653
١٣١٦ - عن مالك بن الحويرث أبي سليمان ﵁ قال أتيت رسول الله في ناس ونحن شببة متقاربون واقتصا جميعاً الحديث بنحو حديث ابن علية.
١٣١٧ - عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي. فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا "إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما وليؤمكما أكبركما".
١٣١٨ - عن خالد الحذاء بهذا الإسناد وزاد: قال الحذاء: وكانا متقاربين في القراءة.
-[المعنى العام]-
شرع الله الصلاة خمسًا في كل يوم وليلة لتنقي المسلم، وتمحو عنه الدرن والذنوب، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وشرع الجماعة فيها تدريبًا على النظام والطاعة ودقة المتابعة للقيادة، فجعل الإمام ليؤتم به، وليقود المأمومين في حركاتهم وسكناتهم وقراءاتهم وأذكارهم، وهكذا جعل الشرع الإمامة للصلاة ولاية مؤقتة، وجعل لها ثوابًا عظيمًا، فكان لا بد من وضع قواعد وأحكام ومواصفات لمن يتولى هذه الإمامة، حتى لا يتزاحم عليها المتزاحمون، وحتى لا يفتات على المستحقين لها من لا يستحقها من الطامعين، فقال ﷺ : يؤم القوم أحسنهم قراءة لكتاب الله، فإذا كانوا اثنين فليكن أقرؤهما إمامًا، وإذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أقرؤهم، فإن كانوا في درجة القراءة سواء فالأحق بالإمامة أعلمهم بالسنة والأحكام الشرعية، فإن كانوا سواء في القراءة والفقه، فالأحق أقدمهم في الهجرة، السابق بها، فإن كانوا سواء في القراءة والفقه والهجرة فالأحق أقدمهم وأسبقهم إسلامًا، فإن كانوا سواء في القراءة والفقه والهجرة والإسلام فالأحق أكبرهم سنًا، ورتب العلماء من تساووا في كل ذلك فقالوا: ثم الأحسن لباسًا، ثم الأحسن خلقًا، ثم الأشرف نسبًا، ثم الأحسن صورة ووجهًا، ثم الأحسن صوتًا، هذا إذا كانت الجماعة في مسجد أو مكان عام فإن كانت في دار مملوكة أو مؤجرة فصاحب الدار أو المنتفع بها أحق بالإمامة مادام صالحًا لها ولو بالدرجة الأقل، إذ لا يقدم الزائر على الرجل في سلطانه إلا بإذنه، حيث لا حق للزائر أن يجلس على فراش المالك له إلا بإذنه، قال العلماء: اللهم إلا إذا كان الزائر السلطان أو نائبه، فإن لهما السلطة على المالك.
فهما أحق من المالك فليأذن لهما بالتقدم للإمامة، حيث أوجب الله الطاعة لهما في أوامرهما، وهكذا وضع الإسلام قواعد الإمامة، ورتب مستحقيها ترتيبًا يقطع المنازعات، وفي ذلك إشارة إلى ما ينبغي أن تكون عليه الأمة في اختيارها الرجل المناسب، وأن يكون أساس الاختيار درجة الصلاحية وليست القرابة أو الصحبة أو الأغراض المنحرفة. والله الهادي سواء السبيل.
стр. 1654
-[المباحث العربية]-
(وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) في الرواية الثانية، والثالثة "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" وحاول بعض العلماء حمل الأقرأ على الأفقه، أي العالم بأحكام كتاب الله، لكن الحديث ظاهر في أحسن القوم قراءة وتلاوة وأتقنهم نطقًا، والرواية الثانية تدفع القول بأن المراد بالأقرأ الأفقه، إذ لفظها: "فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" وأعلمهم بالسنة هو الأفقه.
(فأقدمهم سلمًا) أي إسلامًا.
(ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) الفعل مجزوم بلا الناهية، والضمير الأول لرجل، والثاني لرجل آخر، أي ولا يقعد الرجل في بيت رجل آخر إلا بإذنه، والتكرمة بفتح التاء وكسر الراء الفراش ونحوه مما يبسطه صاحب المنزل للضيف ونحوه.
(أتينا رسول اللَّه ﷺ في الرواية الخامسة "أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي" وفي رواية البخاري عن مالك بن الحويرث "أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي" والنفر من ثلاثة إلى عشرة، ويجمع بينها بأن الذين خرجوا من بني ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة كانوا عددًا أكثر من ثلاثة، ولعل مالك بن الحويرث سبقهم هو وصاحبه في لقاء النبي ﷺ كما سبقهم هو وصاحبه في الاستئذان بالعودة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في شيء من طرق الحديث تسمية صاحبه وكان قدومهم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز لتبوك.
(ونحن شببة متقاربون) "شببة" بفتح الشين وفتح الباءين، جمع شاب والمراد تقاربهم في السن، وليس المراد هنا تقاربهم في القراءة كما سيأتي، لأن هذا القول كان عن حالة قدومهم.
(فأقمنا عنده عشرين ليلة) وفي رواية البخاري "نحوًا من عشرين ليلة" والمراد بأيامها، كما وقع التصريح بذلك في رواية البخاري في باب الأذان للمسافر، ولفظها: "فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة".
(رحيمًا رقيقًا) قال النووي: هو بالقافين هكذا ضبطناه في مسلم وضبطناه في البخاري بوجهين، أحدهما هذا، والثاني "رفيقًا" بالفاء والقاف وكلاهما ظاهر.
-[فقه الحديث]-
صفات الأحق بالإمامة في أحاديث الباب خمس:
الأقرأ - الأعلم بالسنة - الأقدم هجرة - الأقدم في الإسلام - الأكبر سنًا.
زاد عليها الفقهاء اعتمادًا على أحاديث أخرى، أو على روح التشريع: الأورع - الأحسن خلقًا - الأشرف نسبًا - الأحسن صورة ووجهًا - الأحسن لباسًا - الأحسن صوتًا.
стр. 1655
وقبل الكلام على ترتيب هذه الصفات نقرر أن المقصود من ترتيبها هو بيان الأفضل، إذ يجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وأن المقصود من ترتيبها بيان الأحقية عند التنازع على الإمامة، فيحكم للأحق بأحقيته.
والرواية الثانية تقدم الأقرأ على العلم بالسنة، وهي دليل لمن يقول بتقديم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب أبي يوسف وأحمد وبعض الشافعية، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والجمهور: الأفقه مقدم على الأقرأ. قالوا: لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه. وقالوا: ولهذا قدم النبي ﷺ أبا بكر ﵁ في الصلاة على الباقين، مع أنه ﷺ نص على أن غيره أقرأ منه، ففي الحديث "أقرؤكم أبي".
وقد أجابوا عن الرواية الثانية من أحاديث الباب بعدة أجوبة. منها:
١ - أن الأقرأ في الصحابة كان هو الأعلم بالسنة والأحكام الشرعية لأنهم كانوا يتلقون القرآن بأحكامه، حتى روي عن ابن عمر أنه قال: ما كانت تنزل السورة على رسول الله ﷺ إلا ونعلم أمرها ونهيها وزجرها وحلالها وحرامها، وحتى روى عنه أنه حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة.
وحاصل هذا الجواب أن المراد بالأقرأ الجامع لحسن القراءة وفهم الأحكام. أي الأقرأ الأفقه. ويعكر عليه قوله "فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" لأن ظاهره أن الأقرأ شيء، وأن العالم بالسنة وهو الأفقه شيء آخر.
٢ - قال بعضهم: إن المراد بالأقرأ هنا من يجيد القراءة مع العلم بالأحكام الشرعية الواردة في القرآن لأنهم كما سبق كانوا يحفظون مع فهم الأحكام فإذا استويا في الفقه بهذا المعنى قدم الأفقه في السنة والأعلم بها. ويعكر عليه أنه بهذا المعنى لا يكون الأفقه مقدمًا على الأقرأ وهذا موطن النزاع.
٣ - قال بعضهم: إن تقديم الأقرأ على الأفقه في الحديث كان أول الإسلام، حين كان حفاظ الإسلام قليلاً، وقد قدم عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة لعدم الحفاظ حينئذ.
وحاصل هذا الجواب أن تقديم الأقرأ نسخ بتقديم أبي بكر للصلاة، وهو الأفقه غير الأقرأ، كما سبق بيانه.
ولا يخفى أن من يفضل الأفقه يشترط أن يكون محسنًا من القراءة ما تجوز به الصلاة، ومن يفضل الأقرأ يشترط أن يكون عالمًا بالأحكام المهمة الخاصة بالصلاة.
هذا وقد ذهب بعض الشافعية إلى تقديم الأورع على الأفقه والأقرأ، لأن مقصود الإمامة يحصل من الأورع أكثر من غيره، والله أعلم.
الصفة الثالثة: من صفات الأحق بالإمامة الأقدم هجرة، قال النووي: قال أصحابنا يدخل فيه طائفتان:
стр. 1656
إحداهما: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا وعند جمهور العلماء، وقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح" أي لا هجرة من مكة، لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح.
الثانية: أولاد المهاجرين إلى رسول الله ﷺ "فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قدم الأول. اهـ.
الصفة الرابعة: الأقدم سلمًا أي إسلامًا.
الصفة الخامسة: الأكبر، أي إذا كان إسلامهما في وقت واحد أو جهل السابق واللاحق منهما قدم الأكبر سنًا.
وأما قوله في الرواية الرابعة: "فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" وقوله في الرواية الخامسة: "وليؤمكما أكبركما" فليس معناه تقديم الأكبر سنًا على الأفقه والأقرأ والأقدم هجرة والأقدم إسلامًا، لأن الكلام مع جماعة أسلموا جميعًا، وهاجروا جميعًا وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما يقدم به إلا السن، قاله النووي.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - ظاهر قوله في الرواية الأولى "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم"، أن الجماعة أقلها ثلاثة وهذا الظاهر غير مراد بل ليس فيه ما يمنع الجماعة من اثنين، فهو بيان حال، كما تقول: إذا كانوا عشرة فليؤمهم أحدهم، والرواية الخامسة صريحة في أن الجماعة تنعقد باثنين إمام ومأموم، قال النووي: وهو إجماع المسلمين. قال الحافظ ابن حجر: إمام ومأموم أعم من أن يكون المأموم رجلاً أو صبيًا أو امرأة. اهـ. وموقف المأموم الرجل من الإمام أن يكون عن يمين الإمام باتفاق العلماء إلا النخعي، فيرى وقوفه خلف الإمام، وحمل قوله على حالة ظنه ظنًا قويًا مجيء ثان.
وهل يقف المأموم عن يمينه متساويًا معه؟ أو يتأخر عنه قليلاً، بالثاني قال الشافعية، والجمهور على الأول، فعن ابن جريج. قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل، أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحب أن يساويه حتى لا يكون بينهما فرجة؟ قال: نعم.
٢ - يؤخذ من قوله في الرواية الثانية: "ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه، وصاحب المكان أحق، فإن شاء تقدم، وإن شاء قدم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين لأنه سلطانه، فيتصرف فيه كيف شاء. قاله النووي. وقال العراقي: ويشترط أن يكون المزور أهلاً للإمامة، فإن لم يكن أهلاً كالمرأة مع الزائر الرجل، والأمي مع الزائر القارئ ونحوهما فلا حق له في
стр. 1657
الإمامة. اهـ. وقال النووي: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. اهـ. وقال إسحق: لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له. اهـ.
ثم قال النووي وقال الشافعية فإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب البيت وعلى إمام المسجد وغيرهما لأن ولايته وسلطنته عامة اهـ.
وظاهر كلام النووي أن السلطان أو نائبه لا يحتاج إلى إذن، ومعنى هذا مصادرة حق صاحب البيت في بيته، وهو يتنافى مع التعميم الوارد في الرواية الثانية والثالثة: "ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" وأصرح منه ما رواه أبو داود والترمذي وحسنه مرفوعًا "من زار قومًا فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم" وتقييد هذا بغير السلطان أو نائبه يحتاج إلى دليل، بل حديث عتبان المذكور قبل ثلاثة أبواب صريح في استئذان السلطان، إذ فيه "فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له".
وقد أحسن الزين بن المنير إذ قال: الإمام الأعظم ومن يجري مجراه إذا حضر بمكان مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار أو المنفعة، ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له، ليجمع بين الحقين، حق الإمام في التقدم، وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه. اهـ. وهو كلام حسن. بقي ما لو لم يأذن له صاحب البيت. هل يتقدم قهرًا عنه؟ عندي أنه يخرج فيصلي في مكان عام ويتقدم، لكنه لا يغتصب منفعة المكان ولو في عبادة رغم أنف صاحبه. واللَّه أعلم.
٣ - يؤخذ من قوله "ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه" حماية حقوق الملكية وحقوق الانتفاع، وينبغي أن تكون هذه الحماية عامة، لا من فرد دون فرد، وهل قوله "في بيته على تكرمته" قيد موحد مسلط عليه النهي؟ أو النهي موجه إلى كل منها على انفراد وعلى اجتماع، على معنى لا يقعد في بيته إلا بإذنه ولا يقعد على تكرمته ولو في غير بيته إلا بإذنه، الظاهر الثاني مادامت التكرمة قد وضعت في مكان مشروع، فلو وضع سجادة في مسجد مثلاً فلا يقعد عليها غيره بدون إذنه، لكن له أن يرفعها ويقعد مكانها مادام المكان عامًا. والله أعلم.
٤ - ويؤخذ من الرواية الرابعة الحث على الأذان.
٥ - ومن الرواية الخامسة أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافر.
٦ - ومن الرواية الرابعة من قوله "فليؤذن لكم أحدكم" أن يكون المؤذن واحدًا، ولا يؤذن جماعة في صوت واحد" كما يفعل في بعض البلاد. وقد قيل: إن أول من أحدث التأذين جميعًا بنو أمية. قال الشافعي: وأحب أن يؤذن مؤذن بعد مؤذن، ولا يؤذن جماعة معًا، وإن كان المسجد كبيرًا فلا بأس أن يؤذن في كل جهة منه مؤذن يسمع من يليه في وقت واحد.
وعلى هذا، فالمراد بقوله في الرواية الخامسة: "فإذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما" أن من أراد
стр. 1658
أو أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل، قاله الحافظ ابن حجر، وقال في موضع آخر: الأولى حمل الأمر "فأذنا" على أن أحدهما يؤذن، والآخر يجيب، والحامل على صرفه عن ظاهره قوله "فليؤذن لكم أحدكم".
٧ - ومن قوله: "فإذا حضرت الصلاة فأذنا" التعجيل بالصلاة في أول الوقت.
٨ - قال النووي: واستدل جماعة بهذا الحديث على تفضيل الإمامة عن الأذان، لأنه ﷺ قال "يؤذن أحدكم" وخص الإمامة بالأكبر. ومن قال بتفضيل الأذان - وهو الصحيح المختار - قال: إنما قال: "يؤذن أحدكم" وخص الإمامة بالأكبر لأن الأذان لا يحتاج إلى كبير علم، وإنما أعظم مقصوده الإعلام بالوقت والإسماع، بخلاف الإمام. اهـ
واللَّه أعلم
стр. 1659
(٢٤٠) باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة والعياذ بالله واستحبابه في الصبح دائمًا
١٣١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه "سمع الله لمن حمده. ربنا ولك الحمد" ثم يقول وهو قائم "اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف. اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان وعصية، عصت الله ورسوله" ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨].
١٣٢٠ - - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي إلى قوله "واجعلها عليهم كسني يوسف" ولم يذكر ما بعده.
١٣٢١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاة شهرًا إذا قال "سمع الله لمن حمده" يقول في قنوته "اللهم أنج الوليد بن الوليد. اللهم نج سلمة بن هشام. اللهم نج عياش بن أبي ربيعة. اللهم نج المستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر. اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف". قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد. فقلت: أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم. قال فقيل: وما تراهم قد قدموا؟ .
١٣٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ بينما هو يصلي العشاء إذ قال "سمع الله لمن حمده" ثم قال قبل أن يسجد "اللهم نج عياش بن أبي ربيعة" ثم ذكر بمثل حديث الأوزاعي إلى قوله "كسني يوسف" ولم يذكر ما بعده.
١٣٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: والله لأقربن بكم صلاة رسول الله
стр. 1660
صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة يقنت في الظهر، والعشاء الآخرة، وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار.
١٣٢٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل وذكوان ولحيان وعصية عصت الله ورسوله. قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه حتى نسخ بعد: أن بلغوا قومنا، أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه.
١٣٢٥ - عن محمد قال: قلت لأنس هل قنت رسول الله ﷺ في صلاة الصبح؟ قال: نعم، بعد الركوع يسيرًا.
١٣٢٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قنت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح، يدعو على رعل وذكوان، ويقول "عصية عصت الله ورسوله".
١٣٢٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا بعد الركوع في صلاة الفجر، يدعو على بني عصية.
١٣٢٨ - عن أنس ﵁ قال: سألته عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: قبل الركوع. قال قلت: فإن ناسًا يزعمون أن رسول الله ﷺ قنت بعد الركوع. فقال: إنما قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم القراء.
١٣٢٩ - عن أنس ﵁ قال: ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة، كانوا يدعون القراء. فمكث شهرًا يدعو على قتلتهم.
стр. 1661
١٣٣٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قنت شهرًا. يلعن رعلاً وذكوان، وعصية عصوا الله ورسوله.
١٣٣١ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا. يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه.
١٣٣٢ - عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقنت في الصبح والمغرب.
١٣٣٣ - عن البراء ﵁ قال: قنت رسول الله ﷺ في الفجر والمغرب.
١٣٣٤ - عن خفاف بن إيماء الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في صلاة "اللهم العن بني لحيان ورعلاً وذكوان، وعصية عصوا الله ورسوله، غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله.
١٣٣٥ - ٣٠٨
عن الحارث بن خفاف أنه قال: قال خفاف بن إيماء ركع رسول الله ﷺ ثم رفع رأسه فقال "غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله. وعصية عصت الله ورسوله. اللهم العن بني لحيان. والعن رعلاً وذكوان" ثم وقع ساجدًا. قال خفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك.
١٣٣٦ - عن خفاف بن إيماء بمثله إلا أنه لم يقل: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك.
стр. 1662
-[المعنى العام]-
الصلاة مناجاة بين العبد وربه، وطاعة وتذلل ورجاء ودعاء من المسلم خليق بالقبول من رب كريم سميع الدعاء، والمسلم دائمًا في حاجة إلى عفو ربه إن كان في نعمة فهو في رغبة للمزيد، وإن كان في ضائقة فذو دعاء عريض وقد أعلم الرسول ﷺ أمته أن يكون هدفهم في دعائهم في الصلاة المنفعة العامة ومصلحة الإسلام والمسلمين، وأن يكون غضبهم ودعاؤهم على أعدائهم أساسه الغضب لله، والدعاء على أعداء الله بغضًا في الله.
في السنة الرابعة من الهجرة أرسل رسول الله ﷺ سرية من سبعين قارئًا للقرآن الكريم ليعلموا المسلمين في نجد، فعدا عليهم قبائل لحيان ورعل وذكوان وعصية فقتلوهم جميعًا، فحزن عليهم رسول الله ﷺ أشد الحزن.
وعلم أن أناسًا من قريش أسلموا فحبسهم أهلهم عن الهجرة وعذبوهم ليرجعوا عن دينهم، وعرضوهم بالإيذاء إلى الموت فقنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو في الصلوات بعد الرفع من الركوع في الركعة الأخيرة، يدعو ويجهر، ويقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، نجهم من أعدائهم أعداء الإسلام كفار مكة. اللهم العن بني لحيان وبني ذكوان وبني رعل وبني عصية الذين عصوا الله ورسوله وقتلوا قراء المسلمين. وفي نهاية الشهر نزل قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨] فترك الأمر لله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وترك الدعاء، صلى الله وسلم وبارك عليه، ورضي عن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(القنوت) لفظ مشترك بين معان كثيرة منها الطاعة والقيام والخشوع قال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] أي طائعًا، وقال: ﴿أمن هو قانت آناء الليل﴾ [الزمر: ٩] أي قائم، وقال: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله﴾ [الأحزاب: ٣١] وقال: ﴿يا مريم اقنتي لربك﴾ [آل عمران: ٤٣] أي: اخشعي لربك، قال: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: صلوا ساكتين من غير كلام البشر، والمراد منه هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام.
(والمستضعفين من المؤمنين) من ذكر العام بعد الخاص، والمقصود بهم من كان مأسورًا في مكة ممنوعًا من الهجرة، معذبًا من قريش.
(اللهم اشدد وطأتك على مضر) الوطأة بفتح الواو، وإسكان الطاء وبعدها همزة، وهي البأس والشدة.
стр. 1663
(واجعلها عليهم كسني يوسف) أي واجعل وطأتك وبأسك وشدتك عليهم غلاء وقحطًا سنين طويلة كسني يوسف، و"سني" بكسر السين وتخفيف الياء. أصلها سنين، ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون الأخيرة للإضافة.
(اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان وعصية) المراد من اللعن هنا الدعاء بالقتل والطرد من رحمة الله، و"لحيان" بكسر اللام وسكون الحاء وياء مفتوحة و"رعل" بكسر الراء، وضبطه بعض أهل اللغة بفتحها، وسكون العين، آخره لام، و"ذكوان" بفتح الذال وسكون الكاف، وبعد الواو والألف نون، و"عصية" بضم العين وفتح الصاد وبالياء المشددة، و"لحيان" و"ذكوان" ممنوعان من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، و"عصية" ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث اللفظي، وكلها أسماء لأشخاص سميت بها قبائل من سليم.
(عصت اللَّه ورسوله) أي هذه القبائل عصت اللَّه ورسوله بقتلها القراء فاستحقت اللعن، فالجملة مستأنفة استئنافًا تعليليًا، كأن سائلاً سأل: لم تلعن هذه القبائل؟ فقيل: لأنها عصت اللَّه ورسوله.
(ثم بلغنا أنه ترك ذلك) قيل: الإشارة للقنوت عامة، أي ترك القنوت في الصلاة، وقيل الإشارة للدعاء على الكفار وللمأسورين من المؤمنين، أي ترك ذلك الدعاء، واعتمد في القنوت دعاء غيره، وعلى هذين التفسيرين يأتي الخلاف في حكم القنوت في فقه الحديث.
(ثم رأيت رسول اللَّه ﷺ ترك الدعاء بعد) أي ترك الدعاء للوليد وسلمة وعياش والمستضعفين من المؤمنين بمكة، فلما سأل أبو هريرة بعض الصحابة عن الترك قيل له: إنهم فك إسارهم وقدموا من مكة إلى المدينة مهاجرين فلم يعد حاجة للدعاء لهم بمثل ما كان يدعو به.
(لأقربن بكم صلاة رسول اللَّه ﷺ أي لآتينكم بما يشبهها ويقرب منها.
(دعا رسول اللَّه ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة) وهم قبائل حيان ورعل وذكوان وعصية، و"بئر معونة" - بفتح الميم وضم العين وبعد الواو نون - في نجد، وأصحاب بئر معونة هم أناس من أصحابه ﷺ يقال لهم: القراء - كما جاء في الرواية التاسعة - وهم الذين وجد وحزن عليهم رسول الله ﷺ أكثر من حزنه على أي سرية أخرى أصيبت - كما جاء في الرواية العاشرة.
وحاصل قصتهم أنهم كانوا جماعة من فقراء المسلمين، من المهاجرين والأنصار، وأقاموا في الصفة، وكانوا يحتطبون وينقلون الماء، ثم يشغلون ليلهم بقراءة القرآن والصلاة، حتى سموا القراء.
قال ابن سعد: قدم عامر بن جعفر الكلابي من نجد، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام فلم يسلم ولم يرفض، وقال: يا محمد. لو بعثت معي رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك. فقال ﷺ : إني أخشى عليهم أهل نجد. قال: أنا لهم جار إن تعرض لهم أحد، فبعث
стр. 1664
رسول الله ﷺ معه القراء كلهم، كان ذلك على رأس أربعة أشهر من أحد، وكانوا سبعين رجلاً، ساروا حتى نزلوا بئر معونة، فأرسلوا أحدهم - حرام بن ملحان - بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فما قرأ الكتاب حتى عدا على الرجل فقتله، ثم اجتمع معه قبائل من سليم [عصية وذكوان ورعل ولحيان] فهاجموا القراء وقاتلوهم فقتلوهم عن آخرهم إلا كعب بن زيد، تركوه وبه رمق، فعاش حتى استشهد يوم الخندق.
وكان بين هذه القبائل وبين رسول الله ﷺ عهد، فغدروا، وقتلوا القراء فدعا عليهم شهرًا حتى نزل عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ فترك الدعاء عليهم.
(بعد الركوع يسيرًا) بينت الرواية السابعة مقدار هذا اليسير، حيث قال فيها: "قنت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح" فمفهوم "بعد الركوع يسيرًا" يحتمل أن يكون: وقبل الركوع كثيرًا ويحتمل أن يكون لا قنوت قبله أصلاً، لكن ظاهر الرواية التاسعة أن الأصل في القنوت أن يكون قبل الركوع وأما ما حصل بعد الركوع فكان شهرًا.
(ويقول: عصية عصت اللَّه ورسوله) أي قبيلة عصية عصت الله ورسوله إذ اشتركت في قتل القراء في بئر معونه.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر نقاط الموضوع في أربع:
١ - القنوت عند النازلة، ومحله.
٢ - القنوت في غير النازلة، ومحله.
٣ - أحكام عامة تتعلق بالقنوت.
٤ - ما يؤخذ من الأحاديث غير ما تقدم.
أولاً: أما عن القنوت إذا نزل بالمسلمين نازلة والعياذ بالله فأحاديث الباب بجميع رواياتها صريحة في مشروعيته، والخلاف في أي صلاة يقنت؟ وقبل الركوع أبو بعده يقنت؟ .
قال النووي: الصحيح المشهور عند الشافعية أنه إذا نزلت نازلة كعدو وقحط، ووباء، وعطش، وضرر ظاهر في المسلمين ونحو ذلك قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة. اهـ
وروايات الباب تؤيد هذا الرأي، ففي صلاة الفجر صريح الرواية الأولى والسادسة والثامنة، وفي صلاة الظهر صريح الرواية الرابعة بعمل أبي هريرة معلقًا أنها أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ ، وفي صلاة المغرب صريح الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة، وفي صلاة العشاء صريح الرواية الرابعة.
أما العصر فيمكن قياسه على الظهر. وعليه يكون القنوت في جميع الصلوات المكتوبة مشروع
стр. 1665
عند النازلة، والمشهور عند الحنابلة إذا نزل بالمسلمين نازلة يقنت الإمام ويؤمن من خلفه ولا يقنت آحاد الناس، وذلك في صلاة الصبح فقط، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري. وقال عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه: كل شيء يثبت عن النبي ﷺ في القنوت إنما هو في الفجر، ولا يقنت في الصلاة إلا في الوتر والغداة إذا كان مستنصرًا يدعو للمسلمين. وقال أبو الخطاب: يقنت في الفجر والمغرب، لأنهما صلاتا جهر في طرفي النهار، وقد روى البخاري عن أنس قال: كان القنوت في المغرب والفجر. وقيل: يقنت في صلاة الجهر كلها قياسًا على الفجر. اهـ. ذكره في المغني.
أما محله من الصلاة فالجمهور وظاهر روايات الباب أنه بعد الرفع من الركوع وبعد قول سمع الله لمن حمده. قال الحافظ ابن حجر: وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود، مع أن السجود مظنة الإجابة، كما ثبت "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وثبوت الأمر بالدعاء فيه أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام في الدعاء ولو بالتأمين، ومن ثم اتفقوا على أنه يجهر به. بخلاف القنوت في الصبح فاختلف في محله وفي الجهر به. اهـ.
وقيل: القنوت كله قبل الركوع، ويفسر هؤلاء قول أنس في الرواية السادسة "بعد الركوع يسيرًا" أي وقبل الركوع كثيرًا، ومعنى هذا أن ما صرحت به الروايات من أنه بعد الركوع فمن القليل، ويتمسكون بظاهر الرواية التاسعة، وأن القنوت قبل الركوع.
ويقول في قنوته نحوا مما قال النبي ﷺ وأصحابه، وقد روي أن عمر ﵁ كان يقول في قنوته: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
ثانيًا: وأما القنوت في غير النازلة فقد قال مالك والشافعي: يسن القنوت في صلاة الصبح في جميع الأزمان، لأن أنسًا قال: "مازال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" رواه أحمد، وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم.
أما في الوتر في النصف الثاني من رمضان فالمشهور عند الشافعية استحباب القنوت فيه، وروي عن مالك أن القنوت في الوتر بدعة.
وقال أبو حنيفة وأحمد لا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر في جميع السنة، وفي رواية عن أحمد أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان قال النخعي: أول من قنت في صلاة الغداة علي، وذلك أنه كان رجلاً محاربًا يدعو على أعدائه، وروى سعيد عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ كان لا يقنت في صلاة الفجر إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم"، واستدلوا للوتر بما روي عن أبي "أن رسول الله ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع"، وعن علي "أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". قالوا: ولفظ "كان" للدوام قالوا: ولأنه وتر فيشرع فيه القنوت، لأن القنوت ذكر فيشرع في الوتر كسائر الأذكار.
стр. 1666
قال قتادة: يقنت في الوتر في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان وعن ابن عمر: لا يقنت السنة كلها إلا في النصف الأخير من رمضان، وعنه أيضًا: لا يقنت في صلاة بحال.
وخير ما يقال في هذا الخلاف أن القنوت دعاء وخير. والله أعلم.
أما محله فالشافعية على أنه بعد الركوع، وهو المشهور عن أحمد. وروى عنه أنه قال: أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع، فإن قنت قبله فلا بأس. وقال مالك وأبو حنيفة: يقنت قبل الركوع. قال الحافظ ابن حجر: ومجموع ما جاء عن أنس أن القنوت للحاجة بعد الركوع، لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك. فعن أنس "إن أول من جعل القنوت قبل الركوع - أي دائمًا - عثمان، لكي يدرك الناس الركعة" قال الحافظ: والظاهر أنه من الاختلاف المباح.
ويدعو في القنوت بكل خير الدنيا والآخرة، والأولى ما ورد، وقد أخرج أبو داود والترمذي عن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت" وعن عمر أنه قنت في صلاة الفجر فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق". اهـ[نحفد: نبادر، والجد بكسر الجيم الحق الذي لا لعب فيه، و"ملحق" بكسر الحاء أي لاحق].
ثالثًا: ويتعلق بالقنوت أحكام. منها: إذا قنت الإمام في جهرية استحب له الجهر، ويؤمن من خلفه، قال بعضهم: وإن دعوا معه فلا بأس وإذا لم يسمع المأموم قنوت الإمام دعا لنفسه.
ومنها ما قاله النووي في شرح مسلم: يستحب رفع اليدين فيه ولا يمسح الوجه، وقيل: يستحب مسحه، وقيل: ولا يرفع اليد واتفقوا على كراهة مسح الصدر، ولو ترك القنوت في الصبح سجد للسهو. اهـ
-[رابعًا: ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - رأفة الرسول ﷺ ورحمته وحرصه على أمته، بدعوته بنجاة المستضعفين وبوجده على قراء بئر معونة.
٢ - جواز الدعاء في الصلاة لأشخاص بعينهم.
٣ - جواز لعن الكافرين عمومًا وقبائل.
٤ - من قتل القراء يؤخذ مدى التضحيات والأرواح التي بذلت في سبيل الإسلام.
٥ - استعمال الرسول ﷺ للجناس في قوله: "عصية عصت" و"غفار غفر اللَّه لها" و"أسلم سالمها اللَّه".
стр. 1667
(٢٤١) باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها
١٣٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر. سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال "اكلأ لنا الليل" فصلى بلال ما قدر له. ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته. فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس. فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا. ففزع رسول الله ﷺ فقال "أي بلال" فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ (بأبي أنت وأمي يا رسول الله) بنفسك. قال: "اقتادوا" فاقتادوا رواحلهم شيئًا. ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها. فإن الله قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: للذكرى.
١٣٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: عرسنا مع نبي الله ﷺ . فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس. فقال النبي ﷺ "ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" قال ففعلنا. ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين. (وقال يعقوب: ثم صلى سجدتين). ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة.
١٣٣٩ - عن أبي قتادة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غدًا". فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد. قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﷺ يسير حتى ابهار الليل وأنا إلى جنبه. قال: فنعس رسول الله ﷺ . فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته، من غير أن أوقظه، حتى اعتدل على راحلته. قال ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته. قال فدعمته من غير أن أوقظه، حتى اعتدل على راحلته. قال ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة، هي أشد من الميلتين الأوليين، حتى كاد ينجفل؛ فأتيته فدعمته. فرفع رأسه فقال "من هذا؟ " قلت: أبو قتادة. قال "متى
стр. 1668
كان هذا مسيرك مني؟ " قلت: مازال هذا مسيري منذ الليلة. قال "حفظك الله بما حفظت به نبيه" ثم قال "هل ترانا نخفى على الناس؟ " ثم قال "هل ترى من أحد؟ " قلت: هذا راكب. ثم قلت: هذا راكب آخر، حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب. قال فمال رسول الله ﷺ عن الطريق، فوضع رأسه، ثم قال "احفظوا علينا صلاتنا". فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره. قال فقمنا فزعين. ثم قال "اركبوا" فركبنا، فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل. ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء. قال فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء. قال وبقي فيها شيء من ماء. ثم قال لأبي قتادة "احفظ علينا ميضأتك. فسيكون لها نبأ" ثم أذن بلال بالصلاة. فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم. قال وركب رسول الله ﷺ وركبنا معه. قال فجعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال "أما لكم في أسوة؟ " ثم قال "أما إنه ليس في النوم تفريط. إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى.
فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" ثم قال "ما ترون الناس صنعوا؟ " قال: ثم قال "أصبح الناس فقدوا نبيهم. فقال أبو بكر وعمر: رسول الله ﷺ بعدكم. لم يكن ليخلفكم. وقال الناس: إن رسول الله ﷺ بين أيديكم. فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا". قال فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شيء. وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا، عطشنا. فقال "لا هلك عليكم" ثم قال "أطلقوا لي غمري" قال ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله ﷺ يصب وأبو قتادة يسقيهم. فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها. فقال رسول الله ﷺ "أحسنوا الملأ. كلكم سيروى" قال ففعلوا. فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم. حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ قال ثم صب رسول الله ﷺ ، فقال لي "اشرب" فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله. قال "إن ساقي القوم آخرهم شربًا" قال فشربت وشرب رسول الله ﷺ . قال فأتى الناس الماء جامين رواء. قال فقال عبد الله بن رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع. إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث، فإني أحد الركب تلك الليلة. قال قلت: فأنت أعلم بالحديث. فقال: ممن أنت؟ قلت من الأنصار قال حدث فأنتم أعلم بحديثكم. قال فحدثت القوم. فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته.
стр. 1669
١٣٤٠ - عن عمران بن حصين ﵁ قال: كنت مع نبي الله ﷺ في مسير له. فأدلجنا ليلتنا، حتى إذا كان في وجه الصبح عرسنا، فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس. قال فكان أول من استيقظ منا أبو بكر. وكنا لا نوقظ نبي الله ﷺ من منامه إذا نام حتى يستيقظ. ثم استيقظ عمر، فقام عند نبي الله ﷺ ، فجعل يكبر ويرفع صوته بالتكبير؛ حتى استيقظ رسول الله ﷺ . فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال "ارتحلوا" فسار بنا، حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة. فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا. فلما انصرف قال له رسول الله ﷺ "يا فلان ما منعك أن تصلي معنا؟ " قال: يا نبي الله أصابتني جنابة. فأمره رسول الله ﷺ فتيمم بالصعيد، فصلى. ثم عجلني في ركب بين يديه نطلب الماء، وقد عطشنا عطشًا شديدًا. فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين. فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: أيهاه. أيهاه. لا ماء لكم. قلنا: فكم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: مسيرة يوم وليلة. قلنا: انطلقي إلى رسول الله ﷺ ، قالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها شيئًا حتى انطلقنا بها. فاستقبلنا بها رسول الله ﷺ . فسألها فأخبرته مثل الذي أخبرتنا، وأخبرته أنها موتمة، لها صبيان أيتام، فأمر براويتها. فأنيخت. فمج في العزلاوين العلياوين، ثم بعث براويتها، فشربنا، ونحن أربعون رجلاً عطاش، حتى روينا، وملأنا كل قربة معنا وإداوة، وغسلنا صاحبنا، غير أنا لم نسق بعيرًا. وهي تكاد تنضرج من الماء (يعني المزادتين) ثم قال "هاتوا ما كان عندكم" فجمعنا لها من كسر وتمر. وصر لها صرة. فقال لها "اذهبي فأطعمي هذا عيالك، واعلمي أنا لم نرزأ من مائك" فلما أتت أهلها قالت: لقد لقيت أسحر البشر، أو إنه لنبي كما زعم، كان من أمره ذيت وذيت.
فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا.
١٣٤١ - عن عمران بن الحصين ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر. فسرينا ليلة، حتى إذا كان من آخر الليل قبيل الصبح وقعنا تلك الوقعة التي لا وقعة عند المسافر أحلى منها. فما أيقظنا إلا حر الشمس. وساق الحديث بنحو حديث سلم ابن زرير. وزاد ونقص. وقال في الحديث: فلما استيقظ عمر بن الخطاب ورأى ما أصاب الناس. وكان أجوف جليدًا. فكبر ورفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ رسول الله ﷺ لشدة صوته
стр. 1670
بالتكبير. فلما استيقظ رسول الله ﷺ شكوا إليه الذي أصابهم، فقال رسول الله ﷺ "لا ضير، ارتحلوا" واقتص الحديث.
١٣٤٢ - عن أبي قتادة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه. وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه.
١٣٤٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك". قال قتادة: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾
١٣٤٤ - - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ولم يذكر "لا كفارة لها إلا ذلك".
١٣٤٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها".
١٣٤٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها"، فإن اللَّه يقول ﴿أقم الصلاة لذكري﴾
-[المعنى العام]-
يروي الإمام مسلم قصتين شاء اللَّه فيهما لنبيه ﷺ ولأصحابه أن يناموا عن صلاة الصبح في سفر، ليبين لهم حكم من نام عن صلاة أو غفل عنها، كما شاء اللَّه فيهما لنبيه ﷺ مكرمة ومعجزة زيادة الماء وتكثيره ليشرب الناس ويسقوا من هذه الزيادة.
القصة الأولى: حينما قفل رسول اللَّه ﷺ هو وأصحابه من غزوة خيبر، وفي الصحراء حيث لا ماء قال ﷺ لأصحابه: إنكم ستسيرون من أول ليلتكم هذه إلى آخرها دون أن تصلوا إلى الماء، وتأتون الماء غدًا إن شاء الله، وعلم الناس أن بينهم وبين الماء مسيرة ليلة وبعض يوم، فضربوا أكباد الإبل يتسابقون نحو الماء لا ينتظر أحد أحدًا، حتى لم يبق مع النبي ﷺ وحوله سوى سبعة نفر، وبدأ النعاس يداعب عيني رسول الله ﷺ وهو على راحلته، فيميل حتى يكاد يسقط، فيسنده أبو قتادة حتى يعتدل، وظل أبو قتادة يسير بجنبه يحرسه، فلما مال ميلة شديدة وعدله أبو قتادة رفع
стр. 1671
رأسه وقال: - والليل مظلم - من هذا الذي يساعدني؟ قال: أبو قتادة، قال ﷺ حفظك الله كما حفظت نبيه. قال: ترى الناس قد سبقوا هل ترى منهم أحدًا؟ قال أبو قتادة: هذا راكب، وهذا راكب آخر، وهذا راكب ثالث، يعدهم على بعد نظره في الليل حتى بلغ بهم سبعة، فقال رسول الله ﷺ : ننزل فنستريح وقال: من يحرسنا مستيقظًا حتى يوقظنا لصلاة الفجر؟ قال بلال: أنا يا رسول الله. قال: فاحفظنا لا تفوتنا صلاة الفجر، فصلى بلال ما قدر له، ثم أسند ظهره إلى بعيره فنام، فلم يستيقظ أحد إلا بعد أن طلعت الشمس، وكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ ، فقام فزعًا، وقام الناس فزعين. قال: يا بلال.
ألم أقل لك؟ قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخذني ما أخذ بنفسك من النوم الغالب لقوى البشر، قال ﷺ : اقتادوا رواحكم، ليأخذ كل منكم برأس راحلته، لنغادر هذه الأرض التي غلب فيها الشيطان، فساروا قليلاً ثم نزل بهم رسول الله ﷺ ، ثم سأل: هل من ماء؟ قال أبو قتادة: هذه ميضأتي - إناء معد لماء الوضوء - بها شيء من ماء، فتوضأ منها ﷺ وضوء المقتصد، وبقي فيها قليل من الماء، فقال لأبي قتادة: احفظ هذه الميضأة وما فيها من ماء فسيكون لها شأن عظيم غدًا، وصلى ركعتين، ثم أمر بلالاً فأذن وأقام وصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الصبح كما كان يصليها كل يوم وركب رسول الله ﷺ وركب من معه، وهم يقولون في همس: ما كفارة نومنا عن الصلاة؟ وسمعهم رسول الله ﷺ فقال لهم: أما لكم في رسول الله أسوة؟ ليس في النوم تفريط ولا إثم، إنما التفريط والإثم على من تكاسل وأهمل الصلاة حتى دخل وقت الثانية. فمن نام عن صلاة أو نسيها فليصل إذا ذكرها فورًا، لا كفارة لها إلا ذلك، قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] ثم قال ﷺ لمن معه: سار الناس وسبقونا، فماذا تظنون صنيعهم إذا أصبحوا ولم يجدوا نبيهم بينهم؟ سيقول أبو بكر وعمر: إن رسول الله ﷺ مازال بعدكم لم يصل بعد، لأنه لا يسبقكم ويترككم، وسيقول الناس: إن رسول الله سبقنا فإن يسمعوا لأبي بكر وعمر يكونوا راشدين فاهمين الحق والصدق.
وأسرع رسول الله ﷺ ومن معه في مشيهم حتى أدركوا الناس ضحوة وقد حميت الشمس، وهم يقولون: يا رسول الله عطشنا، يا رسول الله عطشنا. يا رسول الله، هلكنا من العطش، قال ﷺ : لا هلك إن شاء الله، هاتوا لي ميضأة أبي قتادة، فلما جاءت تفل فيها ودعا، ثم جاء بإناء فجعل رسول الله ﷺ يصب من الميضأة في الإناء، وأبو قتادة يسقي الناس من الإناء حتى شربوا جميعًا، فصب، وقال لأبي قتادة: اشرب. قال: ما كان لي أن أشرب حتى تشرب يا رسول الله، قال ﷺ : إني ساقي القوم، إني آخرهم شربًا.
فأتى الناس الماء بعد الظهيرة، وهم في ري وراحة غير مجهدين وغير عطاش.
القصة الثانية: في سفر آخر، وساروا معظم الليل، ونزلوا فناموا، فكان أول من استيقظ عمر ﵁، وقد طلعت الشمس، فقام عند النبي ﷺ وجعل يكبر ويرفع صوته بالتكبير ليوقظ النبي ﷺ فلما استيقظ ورفع رأسه، ورأى الشمس قد بزغت قال: ارتحلوا، فساروا قليلاً حتى ابيضت الشمس. ثم نزل، فصلى بالناس الصبح، واعتزل رجل من القوم فلم يصل معهم، فقال له رسول الله ﷺ : يا فلان. ما
стр. 1672
منعك أن تصلي معنا؟ قال: أصابتني جنابة يا رسول الله، فأمره رسول الله ﷺ فتيمم بالتراب، ثم صلى، ثم قال ﷺ لعمران بن حصين ولعلي بن أبي طالب: اذهبا فابحثا عن ماء، فقد عطش القوم عطشًا شديدًا، فسارا بعيدًا فوجدا امرأة تركب على ناقة فوقها قربتان كبيرتان وقد سدلت ودلت رجليها. فقالا لها: أين الماء الذي ملأت منه؟ قالت: هيهات هيهات. إنه بعيد جدًا لا تصلان إليه، قالا لها: كم سرت حتى وصلت إلى الماء؟ قالت: يوم وليلة، قالا لها: انطلقي معنا إلى رسول الله ﷺ ، قالت: ومن رسول الله؟ فلم يمهلاها ولم يتركا لها خيارًا أو رأيًا، بل اقتاداها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن أمرها: فأخبرته بمثل ما أخبرتهما به، وزادت في أن زوجها توفي، وأنها تربي أيتامًا صبية، وذلك لتستعطفه ﷺ أن لا يؤذيها أو يغتصب ماءها، فأمر بناقتها فأنيخت، فأنزلاها، ثم فتح فم القربتين الأعلى. ثم دعا بإناء ففرغ فيه من أفواه القربتين، فتمضمض في الماء، ثم أعاده، إلى القربتين، ثم ربط فمهما، ثم بعث الناقة فوقفت، ثم فك رباط القربتين من أسفل ممسكًا على فتحة كل قربة ليؤخذ منها ثم تضغط، ونادى في الناس: اسقوا واستقوا. فشرب الناس وكانوا أربعين رجلاً عطاشًا، وملئوا كل قربة معهم وكل إناء وغسلوا صاحبهم الجنب، ثم قال ﷺ لأصحابه: هاتوا فضل طعامكم.
فجمعوا كسرًا وتمرًا، وملئوا لها صرة، وقال لها رسول الله ﷺ : اذهبي فأطعمي هذا عيالك، واعلمي أننا لم نأخذ من مائك شيئًا، فانصرفت والقرب تكاد تنشق من امتلائها بالماء، فلما أتت أهلها قالت: لقد لقيت أكبر البشر سحرًا، أو هو النبي كما يزعمون، كان من أمره كيت وكيت، فأسلمت المرأة وأسلم أهلها وقبيلتها.
-[المباحث العربية]-
(حين قفل من غزوة خيبر) أي رجع من غزوة خيبر، والقفول الرجوع ويقال: غزوة وغزاة. قال النووي: وخيبر بالخاء هو الصواب، وكذا ضبطناه وكذا هو في أصول بلادنا من نسخ مسلم، قال الباجي وابن عبد البر وغيرهما هذا هو الصواب، قال القاضي عياض: هذا قول أهل السير، وهو الصحيح قال: وقال الأصيلي إنما هو حنين، بالحاء المهملة والنون. وهذا غريب ضعيف.
(سار ليله) أي سار معظم ليله، وإطلاق الشيء على أكثره شائع.
(حتى إذا أدركه الكرى) بفتح الكاف النعاس، وقيل: النوم. يقال منه: كرى الرجل - بفتح الكاف وكسر الراء - يكري، فهو كر، وامرأة كرية بتخفيف الياء.
(عرس) بتشديد الراء من التعريس، وهو نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة، لا للإقامة، قال بعض أهل اللغة: أصله النزول آخر الليل، وقيل: هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار، وفي الحديث "معرسون في نحر الظهيرة" ذكره النووي.
(اكلأ لنا الفجر) ارقب لنا الفجر واحفظه واحرسه أن يفوتنا، ومصدره الكلاء بكسر الكاف واللام ممدودة آخره همزة، ذكره الجوهري.
стр. 1673
وفي رواية البخاري قال ﷺ : "أخاف أن تناموا عن الصلاة قال بلال: أوقظكم" وفي رواية "فمن يوقظنا؟ قال بلال: أنا".
(استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر) بوجهه. أي قريبًا من وقت الفجر.
(حتى ضربتهم الشمس) أي حتى أصابتهم ومستهم.
(ففزع رسول اللَّه) أي انتبه وقام مندهشًا للنوم حتى طلوع الشمس دون صلاة.
(فقال: أي بلال) قال النووي: هكذا هو في رواياتنا ونسخ بلادنا وحكى القاضي عياض عن جماعة أنهم ضبطوه. أين بلال؟ على الاستفهام. اهـ وما قاله النووي أصح. ففي رواية البخاري "يا بلال أين قلت"؟ .
(فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي وأمي يا رسول اللَّه - بنفسك) فصل بين الجار والمجرور وبين متعلقه بجملة الدعاء "بأبي أنت وأمي يا رسول الله أفديك" والأصل: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، وفي رواية البخاري: قال بلال: ما ألقيت على نومة مثلها قط. قال رسول الله ﷺ "إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء".
(فاقتادوا رواحلهم شيئًا) أي مسافة قصيرة، ولعل التعبير بالاقتياد بدل الركوب للإشعار بقصر المسافة: وفي الرواية الثانية "ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته" وهو المراد بالاقتياد.
(أقم الصلاة لذكري) جزء الآية الرابعة عشرة من سورة طه، وكاملها ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ أي لتذكيري لك إياها، وهذا معنى قراءة "للذكرى" أي التذكر، وقيل: أقم الصلاة لذكر أمري بها، أي لتذكرك أمري بها، وقيل: المعنى: إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فكأن المعنى: أقم الصلاة لذكر الصلاة، وقيل: في الكلام مضاف محذوف والتقدير: أقم الصلاة لذكر صلاتي، وهذه التقديرات كلها تتمشى مع الاستدلال بالآية هنا.
(فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان) أي غلبنا فيه، وإلا فالشيطان يحضر كل المنازل.
(ثم سجد سجدتين) أي صلى ركعتين.
(فصلى الغداة) أي الصبح.
(إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم) العشية أول الليل، فكأنه قال: تسيرون أول الليل والليل كله.
(فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد) أي لا يعطف أحد على أحد ولا ينتظر أحد أحدًا.
(يسير حتى ابهار الليل) بالباء الموحدة وتشديد الراء، أي انتصف.
стр. 1674
(فنعس) بفتح العين، والنعاس مقدم النوم. قال النووي: وهو ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي العين، ولا تصل إلى القلب، فإذا وصلت إلى القلب كان نومًا.
(فدعمته) أي أسندته وأقمت ميله برفق، وصرت تحته كالدعامة للبناء.
(ثم سار حتى تهور الليل) أي ذهب أكثره، مأخوذ من تهور البناء وهو انهدامه، قال النووي: يقال تهور الليل وتوهر.
(حتى كاد ينجفل) أي حتى كاد يسقط عن راحلته.
(متى كان مسيرك مني)؟ أي منذ متى وأنت تسير مني هذا المسير؟ .
(هذا مسيري منذ الليلة) أي منذ أول الليلة.
(حفظك اللَّه بما حفظت به نبيه) قال النووي: أي بسبب حفظك نبيه. اهـ. فـ"ما" على هذا مصدرية، وهذا غير ظاهر، لأن "ما" المصدرية لا يعود عليها ضمير "به" والأولى جعل "ما" موصولة، مدلولها الحب والحرص، أي بسبب الحب والحرص الذي حفظت به نبيه.
(هل ترانا نخفي على الناس)؟ أي على بقية الركب، ومعنى هذا أنهما كانا وحدهما.
(هل ترى من أحد) من الركب غيرنا؟ .
(حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب) يحتمل أنه نادى، ويحتمل أنهما أسرعا إن كانا متأخرين، أو أبطأ إن كان متقدمين، ولفظ "ركب" جمع راكب كصاحب وصحب، فلهذا جعل تمييزًا لعدد "سبعة" الذي تمييزه جمع مجرور.
(احفظوا علينا صلاتنا) أي لا تضيعوا صلاة الفجر بالنوم عنها، ولعله قال ذلك أولاً للجماعة، فلما تعهد بلال بذلك قال له: أكلأ لنا الفجر، أو أنهما حادثتان، لما سيأتي في فقه الحديث.
(ثم دعا بميضأة) بكسر الميم، وبهمزة بعد الضاد، وهي الإناء الذي يتوضأ به.
(فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء) أي وضوءًا أقل في الماء من وضوئه العادي، قال النووي: معناه وضوءًا خفيفًا مع أنه أسبغ الأعضاء، قال: ونقل القاضي عياض عن بعض شيوخه أن المراد توضأ ولم يستنج بماء، بل استجمر بالأحجار، قال: وهذا الذي زعمه هذا القائل غلط ظاهر، والصواب ما سبق. اهـ
(فصنع كما كان يصنع كل يوم) أي صلى الفائتة بالحالة والهيئة التي كان يصلي بها الحاضرة.
(فجعل بعضنا يهمس إلى بعض) بفتح الياء وكسر الميم، أي يتكلم بخفاء وإسرار لا يسمعه غير من يقصد.
стр. 1675
(إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) متهاونًا أو متكاسلاً.
(فمن فعل ذلك) أي فمن نام حتى خرج وقتها.
(فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها) قال النووي: معناه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد، وليس معناه أن يقضي الفائتة مرتين، مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه، فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث، وقد اضطربت أقوال العلماء فيه، واختار المحققون ما ذكرته. اهـ.
(ثم قال: ما ترون الناس صنعوا)؟ أي ما تظنون الناس صانعين حين يصبحون فلا يجدون نبيهم بينهم؟ .
(فقال أبو بكر وعمر: رسول اللَّه ﷺ بعدكم، لم يكن ليخلفكم وقال الناس: إن رسول اللَّه ﷺ بين أيديكم، فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) قال النووي: معنى هذا الكلام أنه ﷺ لما صلى بهم الصبح بعد ارتفاع الشمس، وقد سبقهم الناس، وانقطع النبي ﷺ وهؤلاء الطائفة اليسيرة عنهم، قال: ما تظنون الناس يقولون فينا؟ فسكت القوم، فقال النبي ﷺ : أما أبو بكر وعمر فيقولان للناس: إن النبي ﷺ وراءكم، ولا تطيب نفسه أن يسبقكم ويخلفكم وراءه ويتقدم بين أيديكم، فينبغي لكم أن تنتظروه حتى يلحقكم، وقال باقي الناس: إنه سبقكم فالحقوه، فإن أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا وأصابوا، فإنهما على صواب. اهـ.
(لا هلك عليكم) هو بضم الهاء وسكون اللام، أي لا هلاك عليكم.
(أطلقوا لي غمرى) بضم الغين وفتح الميم. وهو القدح الصغير، ويقصد الميضأة، أي هاتوا لي الميضأة بمائها القليل ودعوني وإياها.
(فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها) قال النووي: ضبطنا قوله "ماء في الميضأة" هنا بالمد "ماء" والقصر "ما في الميضأة" وكلاهما صحيح.
ومعنى "تكابوا" بتشديد الباء تجمعوا وتزاحموا.
(أحسنوا الملأ. كلكم سيروى) الملأ بفتح الميم واللام آخره همزة: الخلق والعشرة، يقال: ما أحسن ملأ فلان، أي خلقه وعشرته، وما أحسن ملأ بني فلان، أي عشرتهم وأخلاقهم، و"الملأ" هنا مفعول "أحسنوا" أي أحسنوا الخلق والعشرة وعليكم بالوقار والسكينة. كلكم سيشرب ويرتوي.
(فجعل رسول اللَّه ﷺ يصب) من الميضأة في إناء بيد أبي قتادة وأبو قتادة يسقي القوم واحدًا واحدًا.
стр. 1676
(فأتى الناس الماء جامين رواء) بتشديد الميم، والاستجمام الاستراحة أي وصل الناس إلى الماء الطبيعي غير مجهدين وغير عطاش، بل وصلوا البئر مرتوين نشطين مستريحين.
(إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع) أصله في المسجد الجامع، فحذف "أل" من المسجد" وأضاف الموصوف إلى صفته، وهذا جائز عند الكوفيين بغير تقدير، والبصريون يؤولونه ويقدرون مسجد المكان الجامع.
(انظر أيها الفتى كيف تحدث)؟ ليس قصده الشك فيما يحدث، ولا طلب التثبت، وإنما قصده من أين لك هذا وقد ظننت أنني وحدي الأحفظ له؟ أو المعنى أن عمران حينما بدأ عبد الله بن رباح هذا الحديث قال له عمران. انتبه أيها الفتى وحافظ بدقة على ما سمعت، فإني أحد شهود الحادثة وسأقابل ما تقول على ما أحفظ، فحدث ابن رباح وعمران يسمع، فلما انتهى قال عمران: ما شعرت وما ظننت أن أحدًا حفظه كما حفظته. قال النووي: ضبطنا "حفظته" بضم التاء وفتحها، وكلاهما حسن. اهـ.
(فأدلجنا ليلتنا) بإسكان الدال هو سير الليل كله، وأما "ادلجنا" بفتح الدال المشدة فمعناه سرنا آخر الليل، هذا هو الأشهر في اللغة، وقيل: هما لغتان بمعنى، ومصدر الأول إدلاج بإسكان الدال، والثاني ادلاج بكسر الدال المشددة. ذكره النووي.
(بزغت الشمس) بزوغ الشمس أول طلوعها.
(ثم عجلني في ركب بين يديه) أي أرسلني وطلب مني العجلة والسرعة، وفي رواية البخاري "فدعا فلانًا" أي: عمران بن حصين "ودعا عليًا فقال: اذهبا فابتغيا الماء" قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أنه كان معهما غيرهما على سبيل التبعية لهما، فيتجه إطلاق لفظ "ركب".
(إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين) السادلة المرسلة المدلية والمزادة بفتح الميم والزاي إناء ماء أكبر من القربة، والمزادتان حمل بعير، سميت مزادة لأنه يزاد فيها من جلد آخر من غيرها.
(فقالت: أيهاه. أيهاه) قال النووي: هكذا هو في الأصول، وهو بمعنى هيهات. هيهات. ومعناه البعد من المطلوب واليأس منه.
(لا ماء لكم) أي ليس لكم ماء حاضر ولا قريب.
(قلنا: فكم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: مسيرة يوم وليلة) وكانت المرأة قريبة من منازل أهلها آنذاك، ففي رواية البخاري "قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة" أي مضى على حملها الماء يوم وليلة.
стр. 1677
(قالت: وما رسول الله)؟ في رواية "قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين. فانطلقي"، فتخلصا أحسن تخلص، إذ لو قالا: لا. فات المقصود، ولو قالا: نعم. لم يحسن منهما.
(فلم نملكها من أمرها شيئًا) أي لم نملكها من المضي في طريقها.
(وأخبرته أنها موتمة) بضم الميم وكسر التاء، أي ذات أيتام.
(فأمر براويتها فأنيخت) الراوية عند العرب هي الجمل الذي يحمل الماء قال النووي: وأهل العرف قد يستعملونه في المزادة استعارة، والأصل البعير وهو المراد هنا.
(فمج في العزلاوين العلياوين ثم بعث براويتها) المج زرق الماء بالفم، والعلاء بالمد هي المشعب الأسفل للمزادة الذي يفرغ منه الماء ويطلق أيضًا على فمها العلي، وهو المقصود هنا لقوله "العلياوين" وفي رواية البخاري "فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي ﷺ بإناء، ففرغ فيه من أفواه المزادتين، وأوكأ [أي ربط] أفواههما، وأطلق العزالي" وفي رواية الطبراني والبيهقي "فتمضمض في الماء، وأعاده في أفواه المزادتين" وحاصل الصورة أنه ﷺ أفرغ من أفواه المزادتين العلوية بعض الماء، ومج فيه وأعاده من حيث أخذه، وربط الأفواه التي فتحها، ثم بعث الجمل فقام واقفًا، ثم فتح وفك رباط المزادتين من أسفل، مع الإمساك والضغط على فتحة كل مزادة ليؤخذ منها. ثم تقبض وتمسك، ونادى في الناس اسقوا واستقوا.
(وغسلنا صاحبنا) يعني الجنب، و"غسلنا" بتشديد السين، أي أعطيناه ما يغتسل به، وفي رواية البخاري: "وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه عليك".
(وهي تكاد تنضرج من الماء - يعني المزادتين) "تنضرج" بفتح التاء وسكون النون وفتح الضاد. آخره جيم، أي تنشق، وضمير "هي تكاد" للمزادتين، والمعنى أخذ من المزادتين ما أخذ من الماء وهي مازالت منتفخة أكثر مما كانت عليه حتى إنها تكاد تنشق من امتلائها، وفي رواية البخاري "وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها".
(هاتوا ما كان عندكم) أي من زاد، تكريمًا للمرأة ومساعدة لها على أيتامها، ومكافأة لها على مائها.
(فجمعنا لها من كسر وتمر) "كسر" بكسر الكاف وفتح السين جمع كسرة، وفي رواية البخاري "فقال النبي ﷺ : اجمعوا. فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها".
(واعلمي أنا لم نرزأ من مائك) "نرزأ" هو بنون مفتوحة وزاي مفتوحة بينهما راء ساكنة ثم همزة، أي لم ننقص من مائك شيئًا، قال الحافظ ابن حجر: وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء
стр. 1678
مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، قال: وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد ما نقصنا من مقدار مائك شيئًا. اهـ. وفي رواية البخاري زيادة "ولكن الله هو الذي أسقانا".
(كان من أمره ذيت وذيت) بالذال، وهي مثل كيت وكيت كناية عن محكي.
(فهدى اللَّه ذاك الصرم) بالصاد المشددة المكسورة والراء الساكنة آخره ميم. وهو الأبيات المجتمعة، أي فهدى الله ذاك التجمع البدوي، تجمع قبيلتها بسبب هذه المرأة، فأسلمت وأسلموا وفي رواية البخاري "فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصرم الذي هي منه فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام، فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام".
(وقعنا تلك الوقعة التي لا وقعة عند المسافر أحلى منها) أي نمنا نومة عميقة بعد عناء السفر والسهر.
(وكان أجوف جليدًا) "أجوف" أي رفيع الصوت، يخرج صوته من جوفه بقوة، كالطبل الأجوف يرفع الصوت ويعليه، والجليد القوي، من الجلادة، وهي الصلابة، وفي وصف عائشة لعمر تقول: كان إذا مشي أسرع، وإذا تكلم أسمع وإذا ضرب أوجع.
(لا ضير) أي لا ضرر عليكم في هذا النوم وتأخير الصلاة بسببه، والضير والضرر والضر بمعنى.
(لا كفارة لها إلا ذلك) قال النووي: معناه لا يجزئه إلا الصلاة مثلها، ولا يلزمه مع ذلك شيء آخر.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: واعلم أن هذه الأحاديث جرت في سفرين أو أسفار، لا في سفرة واحدة، وظاهر ألفاظها يقتضي ذلك. اهـ
وقد ساق الحافظ ابن حجر رواية لأبي داود من حديث ابن مسعود "أقبل النبي ﷺ من الحديبية ليلاً، فنزل، فقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا" الحديث ورواية للموطأ عن زيد بن أسلم "عرس رسول الله ﷺ ليلة بطريق مكة، ووكل بلالاً ... ".
ثم قال: وقد اختلف العلماء، هل كان ذلك مرة أو أكثر، أعني نومهم عن صلاة الصبح، فجزم الأصيلي بأن القصة واحدة. وتعقبه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة - روايتنا الثالثة - مغايرة لقصة عمران قال الحافظ: وهو كما قال، فإن قصة أبي قتادة فيها أن أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبي ﷺ لما نام وقصة عمران فيها أنهما كانا معه، وأيضًا فقصة عمران روايتنا الرابعة والخامسة - فيها
стр. 1679
أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبي ﷺ حتى أيقظه عمر بالتكبير، وقصة أبي قتادة فيها أن أول من استيقظ النبي ﷺ ، وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات، ثم قال: ومما يدل على تعدد القصة اختلاف مواطنها كما قدمنا. ثم قال: وحاول ابن عبد البر الجمع بينهما بأن زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية، وأن اسم طريق مكة يصدق عليهما. ثم قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف. اهـ.
-[ويؤخذ من الأحاديث]-
١ - قال النووي: يؤخذ من قوله "من نسي صلاة فليصلها" وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر، كنوم ونسيان، أم بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب، لأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبية بالأدنى على الأعلى، وشذ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر، وزعم أنها أعظم من أن يخرج من وبال معصيتها بالقضاء. وهذا خطأ من قائله وجهالة. اهـ والخطأ والجهالة من قائله ناشئان من أنه ظن أن القضاء من غير المعذور يخرج من وبال المعصية، ولا قائل بذلك.
٢ - وظاهر قوله: "إذا ذكرها" يفيد وجوب المبادرة وعدم تأخير قضاء الفائتة عن وقت الذكر، لكنه محمول على الاستحباب، ويجوز التأخير عند الجمهور سواء فاتت بعذر أو بدون عذر، وأمره ﷺ بالارتحال قبل قضاء الفائتة دليل على الجواز، وحكي عن بعضهم أنه يجب قضاؤها على الفور إن فاتت بدون عذر، وما أفاده الارتحال هنا قبل القضاء إنما هو لما فات بعذر، وروي عن ابن وهب وغيره أن تأخير قضاء الفائتة منسوخ بقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن الآية مكية، والحديث مدني، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟ .
٣ - أخذ بعضهم من الأمر بالارتحال قبل قضاء الفائتة أن قضاءها لا يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وهو غير مسلم، فإن الرواية الثانية تصرح بأن سبب الارتحال البعد عن موضع الغفلة، وعن موضع تغلب فيه الشيطان، بل في الرواية الأولى أنهم لم يستيقظوا حتى ضربتهم الشمس، وفي الرواية الخامسة "فما أيقظنا إلا حر الشمس" وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة. قال الحافظ ابن حجر: وقد قيل: إنما أخر النبي ﷺ لاشتغاله بأحوالهم، وقيل: تحرزًا من العدو، وقيل: انتظارًا لما ينزل عليه من الوحي، وقيل: ليستيقظ من كان نائمًا وينشط من كان في كسل.
٤ - استدل بقوله في الرواية السابعة: "لا كفارة لها إلا ذلك" أنه لا يجب غير إعادتها، خلافًا لمن قال بإعادة المقضية مرتين، مرة عند ذكرها، ومرة عند حضور مثلها من الوقت الآتي، أخذًا بظاهر قوله في الرواية الثالثة: "فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" وقد بينا المراد بهذه العبارة في المباحث العربية، وقلنا إن المراد فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد قال الحافظ ابن حجر: لكن رواية أبي داود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة
стр. 1680
"من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحًا فليقض معها مثلها" قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب. ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. ثم قال الحافظ: ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا، بل عدوا الحديث غلطًا من راويه، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضًا "أنهم قالوا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم".
٥ - وأخذ بعضهم أيضًا من الحصر في قوله "لا كفارة لها إلا ذلك" الرد على الإمام مالك في أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاها، مراعاة للترتيب. ولو فاتته فوائت فالأكثرون على وجوب ترتيبها، وقال الشافعي: لا يجب الترتيب، واختلفوا فيما إذا تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق؟ هل يبدأ بالفائتة، وإن خرج وقت الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة؟ أو يتخير؟ فقال بالأول مالك، وقال بالثاني الشافعي والحنفية وأكثر أصحاب الحديث، وقال بالثالث أشهب، وقال عياض: محل الخلاف إذا لم تكثر الفوائت، وأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة. اهـ ولا يخفى أن هذا الخلاف - بعد أن علمنا أنه لا يجب الفورية في قضاء الفوائت - في الأفضل والأولى وليس في الصحة والوجوب. والله أعلم.
٦ - ويؤخذ من صلاته الفائتة بهم ﷺ استحباب الجماعة في الفائتة، قال الحافظ ابن حجر: وبه قال أكثر أهل العلم إلا الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت. اهـ
٧ - استدل بقوله في الرواية الثالثة: "صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم، على أن صفة قضاء الفائتة كصفة أدائها، قال النووي: فيؤخذ منه أن فائتة الصبح يقنت فيها، وقد يحتج به من يقول: يجهر في الصبح التي يقضيها بعد طلوع الشمس، والأصح عند الشافعية أنه يسر بها، ويحمل قوله: "كما كان يصنع" أي في الأفعال. اهـ
٨ - واستدل بالعبارة السابقة نفسها على إباحة تسمية الصبح غداة.
٩ - استدل بقوله في الرواية الثالثة "فصلى ركعتين ثم صلى الغداة" على استحباب قضاء السنة الراتبة، لأن الظاهر أن هاتين الركعتين اللتين قبل الغداة هما سنة الصبح، قال النووي: وإن فاتته سنة راتبة ففيها قولان للشافعي. وأصحهما يستحب قضاؤها، لعموم قوله ﷺ : "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" ولأحاديث أخرى كثيرة في الصحيح، كقضائه ﷺ سنة الظهر بعد العصر حين شغله عنها الوفد، وقضائه سنة الصبح في حديث الباب، والقول الثاني لا يستحب، وأما السنن التي شرعت لعارض كصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوهما فلا يشرع قضاؤها بلا خلاف. اهـ
واستدل بعض المالكية بعدم ذكر سنة الصبح في الروايات على عدم قضاء السنة الراتبة، قال الحافظ ابن حجر: ولا دلالة فيه، لأنه لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع. اهـ
١٠ - واستدل المهلب بهذه الأحاديث على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح. قال: لأنه صلى الله
стр. 1681
عليه وسلم لم يأمر أحدًا بمراقبة وقت صلاة غيرها قال: ويدل على أنها هي المأمور بالمحافظة عليها أنه ﷺ لم تفته صلاة غيرها لغير عذر شغله عنها. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وهو كلام متدافع فأي عذر أبين من النوم.
١١ - استدل بقوله في الرواية الثالثة: "ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة" على مشروعية الأذان للفائتة وبعد ذهاب الوقت، وبه قال الشافعي في القديم وأحمد، وقال مالك، والشافعي في الجديد: لا يؤذن لها، وحمل الأذان هنا على الإقامة، أي على المعنى اللغوي، وهو محض الإعلام، قال النووي: والأصح عندنا إثبات الأذان بحديث أبي قتادة وغيره من الأحاديث الصحيحة، وأما ترك ذكر الأذان في حديث أبي هريرة وغيره فجوابه من وجهين: أحدهما لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن، لعله أذن وأهمله الراوي أو لم يعلم به. والثاني لعله ترك الأذان هذه المرة لبيان جواز تركه، وأشار إلى أنه ليس بواجب متحتم، لا سيما في السفر. اهـ
١٢ - ويؤخذ من الروايتين الأولى والثانية إثبات الإقامة للصلاة الفائتة.
١٣ - استدل بوضوئه ﷺ بعد النوم على أن النوم من المضطجع ينقض الوضوء؛ وقد تكلم العلماء في الجمع بين حديث النوم هذا وبين قوله ﷺ : "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي".
قال النووي: جوابه من وجهين:
أصحهما وأشهرهما: أنه لا منافاة بينهما، لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره، مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة وإن كان القلب يقظان.
والثاني: أنه كان له حالان، أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله. قال: وهذا التأويل ضعيف والصحيح المعتمد هو الأول. اهـ
١٤ - استدل بقوله في الرواية الثانية: "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" على استحباب اجتناب مواضع الشيطان. قال النووي: وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في الحمام.
١٥ - ومن تعهد بلال يؤخذ جواز التزام الخادم بالقيام بمراقبة المصالح والاكتفاء في الأمور المهمة بالواحد.
١٦ - وفيه قبول العذر ممن اعتذر بأمر سائغ.
١٧ - وفيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات والسرايا.
١٨ - استدل باستشهاد الرسول ﷺ بقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵇، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ.
١٩ - واستدل بقوله في الرواية الثالثة: "أما إنه ليس في النوم تفريط" على ما أجمع عليه العلماء من
стр. 1682
أن النائم ليس بمكلف، وإنما يجب عليه قضاء الصلاة ونحوها بأمر جديد. قال النووي: هذا هو المذهب الصحيح المختار عند أصحاب الفقه والأصول، ومنهم من قال: يجب القضاء بالخطاب السابق، وهذا القائل يوافق على أنه في حال النوم غير مكلف، وأما إذا أتلف النائم بيده أو بغيرها من أعضائه شيئًا في حال نومه فيجب ضمانه بالاتفاق، وليس ذلك تكليفًا للنائم، لأن غرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع، بل لو أتلف الصبي أو المجنون أو الغافل أو غيرهم ممن لا تكليف عليه شيئًا وجب ضمانه بالاتفاق. اهـ.
٢٠ - ويؤخذ من قوله في الرواية الثالثة: "خطبنا رسول الله ﷺ " أنه يستحب للأمير إذا رأى مصلحة لقومه في إعلامهم بأمر أن يجمعهم كلهم ويشيع ذلك فيهم، ليبلغهم كلهم ويتأهبوا له، ولا يخص به بعضهم وكبارهم لأنه ربما خفي على بعضهم فيلحقه الضرر. قاله النووي.
٢١ - ويؤخذ من الرواية نفسها، من قوله "وتأتون الماء - إن شاء الله - غدًا" استحباب قول: إن شاء الله في الأمور المستقبلة، وهو موافق للأمر به في القرآن الكريم.
٢٢ - ومن قوله: "من هذا؟ قلت: أبو قتادة" أنه إذا قيل للمستأذن ونحوه: من هذا؟ يقول: فلان، باسمه، وأنه لا بأس أن يقول: أبو فلان.
٢٣ - ومن دعاء الرسول ﷺ لأبي قتادة بالحفظ يؤخذ استحباب الدعاء لمن صنع معروفًا.
٢٤ - وفي الأحاديث مجموعة من المعجزات من علامات النبوة، فمنها قوله في الرواية الثالثة: "وتأتون الماء إن شاء الله غدًا"، وقوله فيها لأبي قتادة: "احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ" وقوله فيها: "قال أبو بكر وعمر كذا .... وقال الناس كذا" وقوله فيها للناس "لا هلك عليكم"، وتكثير الماء في الميضأة حتى روى الناس، وفي الرواية الرابعة تكثير الماء في المزادتين.
واللَّه أعلم
стр. 1683
كتاب صلاة المسافرين
стр. 1684
(٢٤٢) باب قصر الصلاة
١٣٤٧ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.
١٣٤٨ - عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمها في الحضر، فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى.
١٣٤٩ - عن عائشة ﵂ أن الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة ما بال عائشة تتم في السفر قال إنها تأولت كما تأول عثمان.
١٣٥٠ - عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء/ الآية ١٠١] فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا صدقته".
١٣٥١ - عن ابن عباس ﵄ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة.
١٣٥٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعًا وفي الخوف ركعة.
стр. 1685
١٣٥٣ - عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام، فقال: ركعتين. سنة أبي القاسم ﷺ .
١٣٥٤ - عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى. فرأى ناسًا قيامًا. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي. يا ابن أخي إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر. فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١].
١٣٥٥ - عن حفص بن عاصم قال: مرضت مرضًا. فجاء ابن عمر يعودني. قال: وسألته عن السبحة في السفر؟ فقال: صحبت رسول الله ﷺ في السفر. فما رأيته يسبح. ولو كنت مسبحًا لأتممت. وقد قال الله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١].
١٣٥٦ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا. وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.
١٣٥٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا. وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين.
١٣٥٨ - عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ (شعبة الشاك) صلى ركعتين.
следующие страницы →