← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

عليه وسلم لم يأمر أحدًا بمراقبة وقت صلاة غيرها قال: ويدل على أنها هي المأمور بالمحافظة عليها أنه ﷺ لم تفته صلاة غيرها لغير عذر شغله عنها. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وهو كلام متدافع فأي عذر أبين من النوم. ١١ - استدل بقوله في الرواية الثالثة: "ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة" على مشروعية الأذان للفائتة وبعد ذهاب الوقت، وبه قال الشافعي في القديم وأحمد، وقال مالك، والشافعي في الجديد: لا يؤذن لها، وحمل الأذان هنا على الإقامة، أي على المعنى اللغوي، وهو محض الإعلام، قال النووي: والأصح عندنا إثبات الأذان بحديث أبي قتادة وغيره من الأحاديث الصحيحة، وأما ترك ذكر الأذان في حديث أبي هريرة وغيره فجوابه من وجهين: أحدهما لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن، لعله أذن وأهمله الراوي أو لم يعلم به. والثاني لعله ترك الأذان هذه المرة لبيان جواز تركه، وأشار إلى أنه ليس بواجب متحتم، لا سيما في السفر. اهـ ١٢ - ويؤخذ من الروايتين الأولى والثانية إثبات الإقامة للصلاة الفائتة. ١٣ - استدل بوضوئه ﷺ بعد النوم على أن النوم من المضطجع ينقض الوضوء؛ وقد تكلم العلماء في الجمع بين حديث النوم هذا وبين قوله ﷺ : "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". قال النووي: جوابه من وجهين: أصحهما وأشهرهما: أنه لا منافاة بينهما، لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره، مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة وإن كان القلب يقظان. والثاني: أنه كان له حالان، أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله. قال: وهذا التأويل ضعيف والصحيح المعتمد هو الأول. اهـ ١٤ - استدل بقوله في الرواية الثانية: "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" على استحباب اجتناب مواضع الشيطان. قال النووي: وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في الحمام. ١٥ - ومن تعهد بلال يؤخذ جواز التزام الخادم بالقيام بمراقبة المصالح والاكتفاء في الأمور المهمة بالواحد. ١٦ - وفيه قبول العذر ممن اعتذر بأمر سائغ. ١٧ - وفيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات والسرايا. ١٨ - استدل باستشهاد الرسول ﷺ بقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵇، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ. ١٩ - واستدل بقوله في الرواية الثالثة: "أما إنه ليس في النوم تفريط" على ما أجمع عليه العلماء من

стр. 1682

أن النائم ليس بمكلف، وإنما يجب عليه قضاء الصلاة ونحوها بأمر جديد. قال النووي: هذا هو المذهب الصحيح المختار عند أصحاب الفقه والأصول، ومنهم من قال: يجب القضاء بالخطاب السابق، وهذا القائل يوافق على أنه في حال النوم غير مكلف، وأما إذا أتلف النائم بيده أو بغيرها من أعضائه شيئًا في حال نومه فيجب ضمانه بالاتفاق، وليس ذلك تكليفًا للنائم، لأن غرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع، بل لو أتلف الصبي أو المجنون أو الغافل أو غيرهم ممن لا تكليف عليه شيئًا وجب ضمانه بالاتفاق. اهـ. ٢٠ - ويؤخذ من قوله في الرواية الثالثة: "خطبنا رسول الله ﷺ " أنه يستحب للأمير إذا رأى مصلحة لقومه في إعلامهم بأمر أن يجمعهم كلهم ويشيع ذلك فيهم، ليبلغهم كلهم ويتأهبوا له، ولا يخص به بعضهم وكبارهم لأنه ربما خفي على بعضهم فيلحقه الضرر. قاله النووي. ٢١ - ويؤخذ من الرواية نفسها، من قوله "وتأتون الماء - إن شاء الله - غدًا" استحباب قول: إن شاء الله في الأمور المستقبلة، وهو موافق للأمر به في القرآن الكريم. ٢٢ - ومن قوله: "من هذا؟ قلت: أبو قتادة" أنه إذا قيل للمستأذن ونحوه: من هذا؟ يقول: فلان، باسمه، وأنه لا بأس أن يقول: أبو فلان. ٢٣ - ومن دعاء الرسول ﷺ لأبي قتادة بالحفظ يؤخذ استحباب الدعاء لمن صنع معروفًا. ٢٤ - وفي الأحاديث مجموعة من المعجزات من علامات النبوة، فمنها قوله في الرواية الثالثة: "وتأتون الماء إن شاء الله غدًا"، وقوله فيها لأبي قتادة: "احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ" وقوله فيها: "قال أبو بكر وعمر كذا .... وقال الناس كذا" وقوله فيها للناس "لا هلك عليكم"، وتكثير الماء في الميضأة حتى روى الناس، وفي الرواية الرابعة تكثير الماء في المزادتين. واللَّه أعلم

стр. 1683

كتاب صلاة المسافرين

стр. 1684

(٢٤٢) باب قصر الصلاة ١٣٤٧ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. ١٣٤٨ - عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمها في الحضر، فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. ١٣٤٩ - عن عائشة ﵂ أن الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة ما بال عائشة تتم في السفر قال إنها تأولت كما تأول عثمان. ١٣٥٠ - عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء/ الآية ١٠١] فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا صدقته". ١٣٥١ - عن ابن عباس ﵄ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. ١٣٥٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعًا وفي الخوف ركعة.

стр. 1685

١٣٥٣ - عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام، فقال: ركعتين. سنة أبي القاسم ﷺ . ١٣٥٤ - عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى. فرأى ناسًا قيامًا. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي. يا ابن أخي إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر. فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١٣٥٥ - عن حفص بن عاصم قال: مرضت مرضًا. فجاء ابن عمر يعودني. قال: وسألته عن السبحة في السفر؟ فقال: صحبت رسول الله ﷺ في السفر. فما رأيته يسبح. ولو كنت مسبحًا لأتممت. وقد قال الله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١٣٥٦ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا. وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين. ١٣٥٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا. وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين. ١٣٥٨ - عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ (شعبة الشاك) صلى ركعتين.

стр. 1686

١٣٥٩ - عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلاً. فصلى ركعتين. فقلت له. فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين. فقلت له. فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل. ١٣٦٠ - عن ابن السمط ولم يسم شرحبيل. وقال: إنه أتى أرضًا يقال لها دومين من حمص على رأس ثمانية عشر ميلاً. ١٣٦١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة. فصلى ركعتين ركعتين. حتى رجع. قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا. ١٣٦٢ - - عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجنا من المدينة إلى الحج ثم ذكر مثله. ١٣٦٣ - - عن أنس عن النبي ﷺ بمثله ولم يذكر الحج. ١٣٦٤ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين. وأبو بكر وعمر. وعثمان ركعتين صدرًا من خلافته ثم أتمها أربعًا. ١٣٦٥ - - عن الزهري بهذا الإسناد قال بمنى ولم يقل: وغيره. ١٣٦٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين. وأبو بكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرًا من خلافته ثم إن عثمان صلى بعد أربعًا. فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا. وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.

стр. 1687

١٣٦٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: صلى النبي ﷺ بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر وعمر، وعثمان ثماني سنين، أو قال ست سنين. قال حفص: وكان ابن عمر يصلي بمنى ركعتين، ثم يأتي فراشه. فقلت: أي عم لو صليت بعدها ركعتين، قال: لو فعلت لأتممت الصلاة. ١٣٦٨ - - وعن شعبة بهذا الإسناد ولم يقل في الحديث: بمنى. ولكن قال: صلى في السفر. ١٣٦٩ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى بنا عثمان بمنى، أربع ركعات. فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود؛ فاسترجع. ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان. ١٣٧٠ - عن حارثة بن وهب ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين. ١٣٧١ - عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: صليت خلف رسول الله ﷺ بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى ركعتين في حجة الوداع (قال مسلم) حارثة بن وهب الخزاعي هو أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه. -[المعنى العام]- السفر قطعة من العذاب، فيه مشاق كثيرة جثمانية، ومشاق كثيرة نفسية ويكفي فيه فراق الأهل والأوطان والأملاك والمعارف، ليصبح غريبًا عرضة للأخطار. لهذه المشاق الجسيمة والنفسية خفف الله عن الأمة الإسلامية، فأباح للصائم الفطر مع القضاء ورخص للمصلي أن يقصر الصلاة الرباعية ويصليها ركعتين في ثواب أربع ركعات، صدقة تصدق الله بها على عباده المسلمين فله الحمد وله الشكر.

стр. 1688

وسواء كان ابتداء فرض الصلاة مثنى ثم زيد في الحضر ركعتان في الظهر والعصر والعشاء، كما تقول عائشة: أو كان ابتداء فرضها على ما هي عليه الآن وخففت وقصرت في السفر كما يقول الجمهور: فمما لا شك فيه أن هناك تخفيفًا على المسافر رحمة من الله تعالى به. لقد شرع الله على لسان نبيه صلاة الإتمام في الحضر وصلاة القصر في السفر. وبلغها الرسول ﷺ لأمته قولاً وعملاً، والأحاديث تروي أنه ﷺ عند سفره وقبل خروجه من المدينة إلى مكة صلى الظهر أربعًا، ثم خرج فأدركته صلاة العصر عند ذي الحليفة على بعد ستة أميال من المدينة فصلى بالناس العصر ركعتين، وفي غزواته ﷺ كان يصلي بالناس قصرًا من حين يخرج إلى حين يعود وسار على طريقه خليفته الأول أبو بكر فكان يقصر في أسفاره، ثم سار على الطريقة نفسها خليفته الثاني عمر بن الخطاب فكان يقصر في جميع أسفاره، ثم سار على الطريقة نفسها الخليفة الثالث عثمان بن عفان ست أو ثماني سنين. ثم صلى بالناس بمنى الظهر أو العصر أربعاً ولما كان المستقر في نفوس المسلمين أن القصر أولى إن لم يكن واجبًا أخذًا من فعل رسول الله ﷺ وفعل صاحبيه. وفعل عثمان في الصدر الأول من خلافته، لما كان المستقر في نفوسهم ذلك أخذ يسأل بعضهم بعضًا عن سر إتمام عثمان وحكم هذا الإتمام، وزاد الأمر إشكالاً أن عائشة هي الأخرى أتمت الصلاة الرباعية في السفر، فأخذ العامة يسألون الخاصة، وأصبح الخاصة يتلمسون الأعذار لخليفة المسلمين، وأمهم، فمن قائل: إنه تزوج بمكة فصار من أهلها واعتبر نفسه مقيمًا، ومن قائل: إن له أرضًا بمنى فيعتبر فيها مقيمًا ومن قائل إن كثرة الأعراب الذين رافقوه يجهلون فرض الصلاة فأراد أن يبين لهم أن فرضها أربع، ومن الناس من ظن أن القصر خاص بمواطن الخوف، فنفى عمر ذلك بأنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فأجاب بأن القصر في السلم والحرب. وأخذ الناس يرقبون أفعال علمائهم، فرأوا ابن عمر يقصر ولا يصلي نفلاً راتبًا فلما سئل قال: إن الله خفف على المسافر نصف فرضه فلا يشق على نفسه بالنوافل، وكان الصحابة في عهد عثمان يخشون الفتنة، ويخافون الخلاف والفرقة، فكان كثير من علمائهم إذا صلى مع عثمان أتم الصلاة معه، وإذا صلى وحده قصر صلاته. وهكذا استقرت الشريعة بإجماع الأمة أن المسافر بشروط معينة له أن يقصر الصلاة الرباعية واثقًا من فضل الله وثوابه، وأن أجر الصلاة المقصورة في السفر لا يقل عن أجر الصلاة التامة فيه أو في الحضر، فالحمد لله الذي خفف عنا وعلم أن فينا ضعفًا، نسأله قبول صالح العمل، وغفران الذنوب، إنه ذو الفضل الواسع العظيم. -[المباحث العربية]- (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين) الصلاة عام مخصوص، مراد به غير المغرب، أي الظهر والعصر والعشاء والفجر.

стр. 1689

(إن الصلاة أول ما فرضت ركعتين) هكذا هي في أصول مسلم "ركعتين" و"أول" بالنصب على أنه بدل من الصلاة، أو على الظرفية، أي في أول، و"ركعتين" منصوب على الحال سد مسد الخبر، وفي رواية للبخاري: "الصلاة أول ما فرضت ركعتان" برفع "أول" على أنه بدل من الصلاة أو مبتدأ ثان، ونصبه على الظرفية، وبرفع "ركعتان" على الخبرية، وهي أوضح من رواية نصب "ركعتين". (ما بال عائشة تتم في السفر)؟ "ما" اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم، و"بال عائشة" مبتدأ مؤخر، وجملة "تتم في السفر" في محل النصب على الحال، والتقدير ما شأن عائشة حالة كونها تتم الصلاة في السفر؟ . (إنها تأولت كما تأول عثمان) الكاف اسم بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف، و"ما" مصدرية والتقدير: إنها تأولت تأولاً مشبهًا تأول عثمان، وتأولها فهمها من النص فهمًا آخر. (فقد أمن الناس) فهم "يعلى" أن القصر خاص بالخوف، وأن الشرط قيد معتبر للاحتراز، ورأى الفعل مستمرًا بالقصر مع الأمن فاستشكل فسأل. (عجبت مما عجبت منه) هذا اللفظ هو المشهور المعروف، وفي بعض الأصول "عجبت ما عجبت منه" أي عجبت الذي عجبت منه، أو عجبت شيئًا عجبت أنت منه. (فرض اللَّه الصلاة ... في الحضر أربعًا) أي أربع ركعات. (حتى جاء رحله) أي منزله الذي ينزل فيه ويرحل منه. (فحانت منه التفاتة) أي حضرت وحصلت. (نحو حيث صلى) أي جهة مكان صلاته، فحيث ظرف مكان مبني مضاف إلى "نحو". (فرأى ناسًا قيامًا) أي يصلون. (قلت: يسبحون) أي يتنفلون، أي يصلون سننًا ونافلة. (وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين) "ذو الحليفة" ماء على سبعة أميال من المدينة، وقيل ستة. (سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة) يقال: قصرت الصلاة بفتح القاف والصاد قصرًا وقصرتها بتشديد الصاد تقصيرًا، وأقصرتها إقصارًا والأول أشهر في الاستعمال وأفصح، وهو لغة القرآن. (فصلى ركعتين فقلت له) القول محذوف للعلم به، أي فقلت له: لماذا فعلت ما فعلت؟ أو لماذا قصرت الصلاة؟ .

стр. 1690

(دومين من حمص على رأس ثمانية عشر ميلاً) "دومين" بضم الدال وفتحها والواو ساكنة، والميم مكسورة، و"حمص" ممنوع من الصرف وإن كان اسمًا ثلاثيًا ساكن الوسط، لأنها أعجمية، اجتمع فيها العجمة والعلمية والتأنيث. (قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا) قال النووي: هذا معناه أنه أقام في مكة وما حولها عشرًا، لا في مكة فقط، والمراد في سفره ﷺ في حجة الوداع، فقدم مكة في اليوم الرابع، فأقام بها الخامس والسادس والسابع، وخرج منها في الثامن إلى منى، وذهب إلى عرفات في التاسع، وعاد إلى منى في العاشر، فأقام بها الحادي عشر والثاني عشر، ونفر في الثالث عشر إلى مكة، وخرج منها إلى المدينة في الرابع عشر، فمدة إقامته ﷺ في مكة وحواليها عشرة أيام. (صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين) قال النووي: هكذا هو في الأصول "وغيره" وهو صحيح، لأن "منى" تذكر وتؤنث بحسب القصد، إن قصد الموضع فمذكر، أو البقعة فمؤنثة، وإذا ذكر صرف وكتب بالألف، وإن أنث لم يصرف وكتب بالياء، والمختار تذكيره وتنوينه، وسمي منى لما يمنى به من الدماء، أي يراق. اهـ (وأبو بكر وعمر وعثمان ركعتين) هذه معطوفات على فاعل "صلى" أي صلى رسول الله ﷺ صلاة المسافر بمنى ركعتين، وصلى أبو بكر وعمر وعثمان صلاة المسافر بمنى ركعتين، حالة كون صلاة عثمان صدرًا من خلافته أي أول خلافته، وصدر الشيء أوله، قيل كان ذلك ست سنين وقيل ثماني سنين. (ثم أتمها أربعاً) أي أتم الصلاة في السفر أربع ركعات في الرباعية. (ثم يأتي فراشه) أي دون أن يصلي نافلة راتبة بعدها. (لو صليت بعدها ركعتين) "لو" حرف تمن، أو شرطية والجواب محذوف أي لكان حسنًا، والمراد بالركعتين المطلوبتين نافلة الراتبة. (لو فعلت لأتممت الصلاة) أي لو كانت الراتبة مطلوبة لكان إتمام الفريضة أولى بالطلب، وليس هذا ولا ذاك مطلوبًا، إذ المقصود التخفيف على المسافر. (صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات) كان ذلك بعد رجوعه من أعمال الحج، في حالة إقامته بمنى للرمي. (فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) قال النووي: معناه: ليت عثمان صلى ركعتين بدل الأربع، كما كان يفعل النبي ﷺ وأبو بكر وعمر. اهـ والحظ هو النصيب، و"من" للبدل، والمعنى ليت نصيبي ركعتان متقبلتان بدل أربع ركعات. ومقصوده الرغبة في القصر، وسيأتي البحث في فقه الحديث.

стр. 1691

(صليت مع رسول الله ﷺ بمنى - آمن ما كان الناس وأكثره - ركعتين) "آمن" أفعل تفضيل من الأمن، أي حالة كون الناس أكثر أمنًا "وأكثره" وأكثر الناس عددًا، و"ركعتين" مفعول "صلى" وفي الرواية الأخرى "والناس أكثر ما كان" أي عددًا - ومقصوده الرد على من زعم أن القصر مختص بحالة الخوف اعتبارًا لقيد ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. (هو أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه) قال النووي: هكذا ضبطناه "أخو عبيد الله" بالتصغير، ووقع في بعض الأصول "أخو عبد الله" بدون تصغير، وهو خطأ، والصواب الأول، أمه مليكة بنت جرول الخزاعي، تزوجها عمر بن الخطاب ﵁ فأولدها ابنه عبيد الله، وابنها حارثة من وهب الخزاعي وأما عبد الله بن عمر وأخته حفصة فأمهما زينب بنت مظعون. اهـ. -[فقه الحديث]- يمكن حصر نقاط الحديث في ثمان: ١ - أصل المفروض، هل هو أربع أو ثنتان؟ وتحقيق القول في ذلك. ٢ - حكم القصر والإتمام في السفر -عرض المذاهب ووجهة نظر كل مذهب. ٣ - تأويل عائشة وعثمان. ٤ - القصر في مواطن الحج. ٥ - شروط السفر المسوغ للقصر. ٦ - من أين يقصر المسافر. ٧ - مسائل أخرى تتعلق بالقصر. ٨ - ما يؤخذ من الحديث من الحكم والأحكام. وهذا هو التفصيل: أولاً: ظاهر الرواية الأولى والثانية والثالثة أن الصلاة -فيما عدا المغرب والصبح- فرضت أولاً ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، ثم زيدت الظهر والعصر والعشاء إلى أربع في الحضر وذكر الضحاك في تفسيره أن النبي ﷺ صلى في حدة الإسلام الظهر ركعتين والعصر ركعتين والمغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين والصبح ركعتين، فلما نزلت آية القبلة تحول للكعبة، وكان قد صلى هذه الصلوات نحو بيت المقدس، فوجهه جبريل ﵇ بعد ما صلى ركعتين من الظهر نحو الكعبة، وأومأ إليه بأن صل ركعتين، وأمره أن يصلي العصر أربعاً، والعشاء أربعاً، والغداة ركعتين، وقال: يا محمد أما الفريضة الأولى فهي للمسافرين من أمتك والغزاة. اهـ

стр. 1692

وبهذا القول ذهب جماعة من العلماء، والجمهور على خلافه، وتأولوا قول عائشة، ولم يلتفتوا إلى تفسير الضحاك، إذ لا يثبت به حكم، لأنه خال عن صفات الحديث الصحيح. وقال الأصيلي: أول ما فرضت الصلاة أربعًا على هيئتها اليوم، وأنكر قول من قال: فرضت ركعتين، وقال: لا يقبل في هذا خبر الآحاد، وأنكر حديث عائشة. ولسنا مع الأصيلي في رد حديث عائشة لأن الحديث صحيح مروي في الصحيحين وطرقه عن عائشة كثيرة ومشهورة، وإسناد أكثرها ليس فيه مقال. لكن لما كان ظاهره يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] لأنه دال على أن الأصل الإتمام، إذا القصر معناه التنقيص، فهي صريحة في أنها كانت في الأصل زائدة عليه. ولما كان ظاهره يتعارض مع ما لوحظ في أول فرض الصلاة ليلة المعراج من قصد التخفيف على الأمة، إذ الانتقال من الاثنين إلى الأربع فيه تشديد، ولما كان ظاهره يتعارض مع عملها، إذ كانت تتم في السفر، وراوي الحديث إذا خالف عمله روايته لا يجب العمل بروايته أو تؤول. لما كان الأمر كذلك كان من الأولى تأويل حديث عائشة، وخير تأويل له ما قيل فيه: إن المراد بقولها "فرضت" أي قدرت. والله أعلم. ثانياً: وكان من السهل عدم الاكتراث بهذا الخلاف لولا أنه استدل به على أن القصر في السفر فريضة وواجب، لأنه الفرض الذي لم تتغير فرضيته، فلا يجوز خلافه، ولا تجوز الزيادة عليه. ألا ترى أن المصلي في الحضر لا يجوز له أن يزيد في صلاة عن عدد ركعاتها، ولو زاد عامداً لفسدت صلاته: فكذا المسافر لا يجوز له أن يصلي في السفر أربعاً، لأن فرضه في السفر ركعتان، وممن ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز -إن صح عنه- وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقول بعض أصحاب مالك، وهو مروي عن مالك في المشهور عنه، واستدلوا بعد حديث عائشة بما رواه النسائي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم ﷺ "، وبروايتنا الخامسة عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين". وبأن عمل الرسول ﷺ وعمل أبي بكر وعمر في أنهم لم يزيدوا في السفر على ركعتين كما هو صريح روايات الباب دليل على أن الإتمام غير وارد. وقال الشافعي ومالك في رواية وكثير من العلماء: يجوز القصر والإتمام والقصر أفضل خروجاً من خلاف من أوجبه، وعن أحمد أن المصلي المسافر بالخيار والقصر أفضل. واستدلوا بأدلة أهمها: ١ - أن رفع الجناح في الآية الكريمة دليل الجواز، لأن رفع الجناح يدل على الإباحة. قال الشافعي: ولا يستعمل "لا جناح" إلا في المباح، لقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا

стр. 1693

فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: ٢٣٥] ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا﴾ [النور: ٦١]. ٢ - ما ثبت في روايات الباب من أن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة كانوا يتمون ولو كان القصر واجباً ما تركه المسلمون. ٣ - ما ثبت في روايات الباب من أن ابن عمر كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً وإذا صلاها وحده صلى ركعتين، ولو كان القصر واجباً ما أتم مع الإمام. ٤ - ما ثبت في رواية أبي داود من أن ابن مسعود صلى أربعاً، فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعاً؟ فقال: الخلاف شر، وفي رواية البيهقي: إني لأكره الخلاف. ولو كان يعتقد أن القصر واجب ما ترك الواجب خوفاً من الخلاف. ٥ - أجمعوا على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام، ولو كان الواجب ركعتين حتماً لما جاز فعلها أربعاً خلف مسافر ولا حاضر كالصبح. ٦ - وأن القصر تخفيف أبيح للمسافر فجاز تركه كالفطر وسائر الرخص. ٧ - وأنه ثبت عن الرسول ﷺ القصر والإتمام، فالقصر في فعله، والإتمام في إقراره عائشة ﵂ فيما رواه النسائي والدارقطني والبيهقي بسند حسن أو صحيح قالت: "خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: يا رسول الله، أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت. فقال: أحسنت يا عائشة. ٨ - في القول بأن القصر والإتمام جائزان مع تفضيل القصر جمع بين الأدلة وعمل بها، حيث ثبتت دلائل الإتمام، وهو خير من العمل ببعضها وترك بعضها والله أعلم. ثالثاً: وقد ذهب العلماء مذاهب شتى في المراد بتأويل عثمان وعائشة وكيف تأولا القصر إلى الإتمام؟ ١ - فقيل: لأن عثمان إمام المؤمنين وأميرهم، وكل موضع له دار، وعائشة أمهم، وفي كل مكان هي أم المقيمين فيه، وهذا القول مردود، لأن النبي ﷺ كان أولى بذلك، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄. ٢ - وقيل: لأن عثمان تزوج وتأهل بمكة، فقد روى أحمد والبيهقي من حديث عثمان، أنه لما صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه فقال: إني تأهلت بمكة لما قدمت وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تأهل ببلدة فإنه يصلي صلاة مقيم"، ورده المحققون بأن النبي ﷺ كان يسافر بأهله وأزواجه وقصر. كما ردوه بأن عروة قال عن عائشة أنها تأولت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلاً، فدل ذلك على ضعف الخبر المروي، والقول بأن التشبيه بين عائشة وعثمان إنما هو في مطلق التأويل لا في كيفيته بعيد.

стр. 1694

٣ - وقيل: إن عثمان فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه، لئلا يظنوا أن الصلاة فرضها ركعتان حضراً وسفراً، وقد روى البيهقي عن عبد الرحمن بن حميد بن عوف عن أبيه عن عثمان "أنه أتم بمنى، ثم خطب فقال: إن القصر سنة رسول الله ﷺ وصاحبيه، لكنه حدث طغام [بفتح الطاء والغين أي بدو جهلاء] فخفت أن يستنوا" وأبطل المحققون هذا القول بأن هذا المعنى كان موجوداً في زمن النبي ﷺ ، بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان مما يستبعد معه أن يكون الهدف تعليم البدو. ٤ - وقيل: لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج فأتم، وأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث، ويؤكد بطلانه أن عثمان كان يسرع بالخروج من مكة خشية أن يرجع في هجرته، بل ثبت أنهم لما حاصروه وقال له المغيرة: اركب رواحلك إلى مكة، قال: لن أفارق دار هجرتي. ويؤكد بطلانه أن هذه العلة لم تتوافر لعائشة حتى تتأول بها هي الأخرى. ٥ - وقيل: كان لعثمان أرض بمنى، فاعتبر نفسه من أهلها فأتم، وأبطلوه بأن ذلك لا يقتضي الإتمام، ثم إن هذا السبب لا يصلح سبباً لإتمام عائشة. ٦ - وخير الأجوبة جوابان. أحدهما: أن عثمان كان يرى أن القصر مختص بمن كان شاخصاً سائراً وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، وربما كانت عائشة على هذا الرأي باجتهاد منهما بقياس الإقامة أثناء السفر على الإقامة مطلقاً. ثانيهما: أن عثمان وعائشة كانا يريان جواز القصر والإتمام ويفضلان الإتمام عند القدرة، ويريان أن الرسول ﷺ وصاحبيه قد أخذوا أنفسهم بالأيسر شفقة بالأمة، أما هما فأخذوا أنفسهما بالشدة. قاله ابن بطال. هذا هو الوجه الصحيح ورجحه كثير من العلماء منهم القرطبي وغيره، ويؤيده ما رواه البيهقي عن عروة "أنها كانت تصلي أربعاً، فقال لها عروة: لو صليت ركعتين؟ قالت: يا ابن أختي، إنه لا يشق علي" وإسناده صحيح. ٧ - وقد قيل فوق ذلك عن تأويل عائشة بأنها كانت ترى أن القصر إنما يكون عند الخوف. فقد أخرج ابن جرير في تفسير سورة النساء أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعاً، فإذا احتجوا عليها تقول: إن النبي ﷺ كان في حرب، وكان يخاف، فهل تخافون أنتم؟ . وهذا القول باطل للرواية التاسعة عشرة والمتممة للعشرين من رواياتنا، وفيهما أن الرسول ﷺ كان يقصر والناس آمن ما يكونون. ٨ - وقيل في تأويل عائشة إنها إنما أتمت في سفرها إلى البصرة إلى قتال علي، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة، وهذا القول ظاهر البطلان.

стр. 1695

رابعاً: ويشكل على ما ثبت من إتمام عثمان كما في روايتنا السادسة عشرة ما جاء في روايتنا الثامنة من قول ابن عمر: "ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله" وهذا ظاهره التعارض. قال النووي: وقد تأول العلماء هذه الرواية على أن المراد أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، أي في غير منى، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصة، وقد فسر عمران بن الحصين في روايته أن إتمام عثمان إنما كان بمنى، وكذا ظاهر الأحاديث التي ذكرها مسلم، ثم قال النووي: واعلم أن القصر مشروع بعرفات ومنى ومزدلفة للحاج من غير أهل مكة وما قرب منها، ولا يجوز لأهل مكة ومن كان دون مسافة القصر، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين، وقال مالك: يقصر أهل مكة في منى ومزدلفة وعرفات، فعلة القصر عنده في تلك المواضع النسك، وعند الجمهور علته السفر. والله أعلم. خامساً: وللقصر في السفر شروط: ١ - قال النووي: مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وشرط بعض السلف كونه سفر خوف، وشرط بعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو غزو، وشرط بعضهم كونه سفر طاعة، فلا يترخص بالقصر لمن سافر لمجرد رؤية البلاد من غير غرض صحيح. قال الشافعي ومالك وأحمد والأكثرون: ولا يجوز في سفر المعصية، وجوزه أبو حنيفة. اهـ فمن خرج لقطع طريق أو لقتال المسلمين ظلماً، أو خرجت ناشزاً من زوجها لم يجز له أن يترخص برخص السفر من القصر وغيره عند الجمهور. ٢ - قال النووي: قال الشافعي ومالك وأصحابهما وفقهاء أهل الحديث وأحمد: لا يجوز القصر إلا في مسيرة ثمانية وأربعين ميلاً (قريباً من ثمانين كيلو متراً] وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يقصر في أقل من نحو مائة وعشرين كيلو متراً، وقال داود وأهل الظاهر: يجوز القصر في السفر الطويل والقصير حتى لو كان خمسة كيلو مترات، وقال في الفتح: وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال -أو فراسخ- قصر الصلاة" وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبدأ منها القصر، لا غاية السفر ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة -وكنت أخرج إلى الكوفة يعني: من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع- فقال أنس ... فذكر الحديث. فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه. اهـ ثم إن روايتنا الثالثة عشرة تبين فعل القصر في سبعة عشر ميلاً، وأن رسول الله ﷺ قصر بذي الحليفة وهي على سبعة أميال، كما استدلوا بقوله ﷺ : "لا تسافر امرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم" رواه البخاري ومسلم.

стр. 1696

واحتج الشافعية برواية عطاء بن أبي رباح "أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك" [هي ستة عشر فرسخاً والفرسخ ثلاثة أميال] رواه البيهقي بإسناد صحيح، وذكره البخاري في صحيحه تعليقاً، وعن عطاء قال: "سئل ابن عباس: أأقصر الصلاة إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف" رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح. وأجابوا عن حديث قصر الرسول ﷺ بذي الحليفة بأنه ليس المراد أن ذا الحليفة كان غاية سفره، كما سبق بيانه، وأما أن شرحبيل قصر على رأس سبعة عشر ميلاً كما هو صريح الرواية الثالثة عشرة فقد قال النووي: إنه تابعي فعل شيئاً يخالف الجمهور فلا حجة فيه، أو يتأول على أنها كانت في أثناء سفره لا أنها غايته. وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد اعتمدوا في ذلك آثاراً عن الصحابة ﵃. والله أعلم. ٣ - ويشترط في القصر في السفر أن لا ينوي الإقامة على خلاف بين العلماء في مدة الإقامة. قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام مستدلاً بالرواية الرابعة عشرة من رواياتنا، وقد بينا في المباحث العربية أن إقامة النبي ﷺ بمكة نفسها أربعة أيام. وقول أحمد في رواية عنه: إحدى وعشرين صلاة، وفي كيفية احتساب الأيام الأربعة عند الشافعية خلاف أصح الأقوال لا يحسب يوم الدخول والخروج حتى لو دخل. في أول اليوم وخرج في آخر اليوم. ولو نوى الإقامة وهو ماكث غير سائر أكثر من أربعة أيام انقطع سفره من حين ينوي ولا يترخص، إذا كان في موضع يصلح للإقامة كبلد أو قرية أو واد يمكن للبدوي أن يقيم به ونحو ذلك، فأما المفازة ونحوها فنيته الإقامة لغو، وإن لم ينو الإقامة أكثر من أربعة أيام، بل كان كل يوم على نية السفر، كمن يعلق سفره على انتهاء مهمة لا تستغرق عادة أربعة أيام وهو يتوقع انتهاءها يوماً بعد آخر قصر مهما طالت إقامته، وعلى هذه الحالة تحمل الأحاديث الواردة بأكثر من أربعة أيام أو تحمل على حالة الحرب، كالحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ قال "سافرنا مع رسول الله ﷺ فأقام سبعة عشر يوماً يقصر الصلاة" وفي رواية له تسعة عشر يوماً، قال النووي حديث ابن عباس هذا في إقامة النبي ﷺ بمكة لحرب هوازن في عام الفتح. هذا هو الصحيح من مذهب الشافعية والمالكية، والحنابلة، وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يوماً مع يوم الدخول أتم، وإن نوى أقل من ذلك قصر. ٤ - ويشترط للقصر أن لا يأتم المسافر بمقيم، فإن ائتم بمقيم في جزء من صلاته لزمه الإتمام سواء أدرك معه ركعة أم دونها، بهذا قال الشافعية والحنفية والحنابلة، وعن مالك: إن أدرك ركعة فأكثر لزمه الإتمام، وإلا فله القصر. وهناك شروط أخرى في ذكرها طول، تطلب من كتب الفروع.

стр. 1697

سادساً: أما ابتداء القصر فيجوز من حين يفارق بنيان بلده أو خيام قومه إن كان من أهل الخيام، قال ابن المنذر: أجمعوا على جواز القصر لمن يريد السفر إذا خرج من جميع بيوت القرية التي يخرج منها، واختلفوا فيما قبل الخروج عن البيوت فذهب الجمهور إلى أنه لا بد من مفارقة جميع البيوت، وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين قصراً ولو كان في منزلة، ومنهم من قال: إذا ركب. قال: ولا أعلم النبي ﷺ قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة، وروى البخاري أن علياً خرج من موضعه، فقصر وهو يرى البيوت، ولما رجع إلى الكوفة قصر وهو يرى البيوت، قالوا: يا أمير المؤمنين، هذه الكوفة فأتم الصلاة قال: لا، حتى ندخلها. وصلاة النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين كما في روايتنا الحادية عشرة ليس لأنه لم يقصر حتى رأى ذا الحليفة، وإنما لكون ذي الحليفة أول منزل نزله. ولم يحضر قبله وقت صلاة. وفي فعله هذا ﷺ حجة على مجاهد في قوله لا يقصر حتى يدخل الليل، وحجة على من قال من السلف: يقصر ولو في بيته، والله أعلم. سابعاً: ويتعلق بالقصر في السفر أمور منها: ١ - قال الشافعية: لا يجوز القصر إلا إذا نوى القصر في الإحرام، لأن الأصل الإتمام، فإذا لم ينو القصر انعقد الإحرام على الإتمام، فلم يجز القصر ومعلوم أن النية هي القصد واستحضار المنوي، ومحلها القلب، والتلفظ بها ليس شرطاً. وقال المزني: لو نواه في أثناء الصلاة ولو قبل السلام جاز القصر، وعن بعضهم: لو نوى الإتمام ثم نوى في أثنائها أن يقصر كان له أن يقصر، وقال أبو حنيفة: لا تجب نية القصر، لأن الأصل عنده القصر. قال النووي: ولو نوى الإتمام قبل السلام لزمه أن يأتي بركعتين أخريين ويسجد للسهو، ولو نوى المنفرد القصر فصلى ركعتين، ثم قام إلى ثالثة ناوياً الإتمام وجب الإتمام، فإن كان ساهياً ثم ذكر لزمه أن يعود ويسجد للسهو، فلو أراد الإتمام بعد التذكر لزمه أن يعود إلى القعود ثم ينهض متماً، وفيه وجه ضعيف أن له أن يمضي في قيامه، والمذهب الأول لأن النهوض إلى الركعة الثالثة واجب، ونهوضه كان لاغياً لسهوه، اهـ ونحن نميل إلى الوجه الضعيف وأن له أن يمضي في قيامه. والله أعلم. ٢ - قال النووي: وإن فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر ففي صلاتها قصراً قولان، أصحهما يلزمه الإتمام، وبه قال أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة يقصر، وإن فاتته صلاة في الحضر فقضاها في السفر لم يجز القصر بلا خلاف، وبذلك قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور. ٣ - وإذا دخل وقت صلاة وتمكن من فعلها في الحضر، ثم سافر في أثناء الوقت فإن له أن يقصر على القول الراجح. والله أعلم.

стр. 1698

-[ثامنًا: ويؤخذ من أحاديث الباب غير ما تقدم]- ١ - يؤخذ من قوله في الرواية الرابعة: "صدقة تصدق الله بها عليكم" جواز قول: تصدق الله علينا واللهم تصدق علينا، وقد كرهه بعض السلف وهو غلط ظاهر قاله النووي. ٢ - ويؤخذ من سؤال عمر لرسول الله ﷺ في الرواية الرابعة أن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئاً يشكل عليه يسأله عنه. ٣ - استدل بعض السلف بالرواية الخامسة والسادسة من قوله: "وفي الخوف ركعة" أن صلاة الخوف ركعة عملاً بظاهر الحديث، وقال الشافعي ومالك والجمهور: إن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات، فإن كانت في الحضر وجب أربع ركعات، وإن كانت في السفر وجب ركعتان ولا يجوز الاقتصار على واحدة في حال من الأحوال، وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفرداً. كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي ﷺ وأصحابه في الخوف، وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأدلة. ذكره النووي. ٤ - يؤخذ من استرجاع ابن مسعود ومن قوله: "فليت حظي ركعتان متقبلتان" في الرواية الثامنة عشرة أن مذهبه جواز القصر والإتمام مع تفضيل القصر، وليس كمذهب الحنفية، إذ لو كان القصر عنده واجباً لما استجاز تركه وراء أحد، وقد ثبت أنه صلى وراء عثمان ﵁ متماً وعلل ذلك بأنه يكره الخلاف. ٥ - يؤخذ من إنكار ابن عمر على المتنفلين في السفر وقوله في الرواية الثامنة: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي إلخ، عدم استحباب الراتبة في السفر. قال النووي: معنى كلام ابن عمر لو اخترت التنفل لكان إتمام فريضتي أربعاً أحب إلي، ولكني لا أرى واحداً منهما، بل السنة القصر وترك التنفل، مراده النافلة الراتبة مع الفرائض، كسنة الظهر والعصر، وأما النوافل المطلقة فقد كان ابن عمر يفعلها في السفر، وروي عن النبي ﷺ أنه كان يفعلها، وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليله الأحاديث المطلقة في ندب الرواتب، وحديث "صلى رسول الله ﷺ الضحى يوم الفتح بمكة وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخرى، وقياساً على النوافل المطلقة. قالوا: ولعل النبي ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر؛ أو لعله تركها في بعض الأوقات تنبيهاً على جواز تركها، وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى فجوابه أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها. وأما النافلة فالمكلف فيها مخير، فالرفق أن تكون مشروعة ويتخير إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولا شيء عليه. اهـ والله أعلم

стр. 1699

(٢٤٣) باب الصلاة في الرحال في المطر ١٣٧٢ - عن نافع أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح فقال: ألا صلوا في الرحال. ثم قال: كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال. ١٣٧٣ - عن ابن عمر ﵄: أنه نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر. فقال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم. ألا صلوا في الرحال. ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر أن يقول: ألا صلوا في رحالكم. ١٣٧٤ - عن ابن عمر ﵄ أنه نادى بالصلاة بضجنان. ثم ذكر بمثله وقال: ألا صلوا في رحالكم. ولم يعد ثانية: ألا صلوا في الرحال من قول ابن عمر. ١٣٧٥ - عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا فقال: "ليصل من شاء منكم في رحله". ١٣٧٦ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة. قل: صلوا في بيوتكم. قال فكأن الناس استنكروا ذاك. فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا من هو خير مني. إن الجمعة عزمة. وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. ١٣٧٧ - عن عبد الله بن الحارث قال: خطبنا عبد الله بن عباس في يوم ذي ردغ.

стр. 1700

وساق الحديث بمعنى حديث ابن علية. ولم يذكر الجمعة. وقال: قد فعله من هو خير مني؟ يعني النبي ﷺ . وقال أبو كامل: حدثنا حماد عن عاصم عن عبد الله بن الحارث بنحوه. ١٣٧٨ - عن عبد الله بن الحارث قال: أذن مؤذن ابن عباس يوم جمعة في يوم مطير. فذكر نحو حديث ابن علية. وقال: وكرهت أن تمشوا في الدحض والزلل. ١٣٧٩ - عن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس أمر مؤذنه في حديث معمر في يوم جمعة في يوم مطير بنحو حديثهم. وذكر في حديث معمر: فعله من هو خير مني. يعني النبي ﷺ . ١٣٨٠ - عن عبد الله بن الحارث (قال وهيب. لم يسمعه منه) قال: أمر ابن عباس مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطير بنحو حديثهم. -[المعنى العام]- ﴿يريد اللَّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] صدق اللَّه العظيم. شرع لنا من الدين ما نطيق ودعانا لما فيه خيرنا في الدنيا والآخرة، شرع الجمعة والجماعات رمزًا للتضامن واجتماع الأمة، وحرص أفرادها بعضهم على بعض. ورمزًا للنظام والالتزام وطاعة القيادة، لكن حينما تكون هذه الفائدة على حساب المشقة والإضرار يترخص بترك هذه الفائدة مؤقتًا، عملاً بقاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. لقد رخص الإسلام للمسلم في المطر وفي الليلة الشديدة البرد أن يصلي في بيته ولا شيء عليه إن هو ترك الجماعة في المسجد، كما رخص في ترك الجمعة وصلاتها ظهرًا في اليوم المطير الشديد المطر، ولإعلان هذا الحكم للمسلمين أمر رسول اللَّه ﷺ مؤذنه أن ينادي في الناس في يوم شديد المطر ويقول من شاء منكم أن يصلي في رحله فليصل. ألا صلوا أيها الناس في رحالكم، ورسخ هذا الحكم عند فقهاء الصحابة، وعملوا به فكان ابن عمر يأمر مؤذنه أن يقول ذلك في الأذان في اليوم المطير، وكان ابن عباس يفعل ذلك، ولما رأى حديثو السن من المسلمين ما لم يعهدوه استنكروا هذه الكلمة في الأذان، فقال لهم ابن عباس: لم تستنكرون؟ لقد فعل هذا رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] ﷺ ورضي اللَّه عن أصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

стр. 1701

-[المباحث العربية]- (ألا صلوا في الرحال) "ألا" حرف استفتاح للتنبيه والتأكيد والاهتمام بالأمر، والرحال جمع رحل وهي المنازل، سواء كانت من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبر أو غيرها، فالمراد المساكن ويوضحها الرواية الخامسة "صلوا في بيوتكم". (إذا كانت ليلة باردة ذات مطر) "كانت" تامة، و"ليلة" بالرفع فاعل أي إذا وجدت ليلة باردة. (بضجنان) "ضجنان" بفتح الضاد وسكون الجيم بعدها نون مفتوحة على وزن فعلان، اسم جبل بناحية مكة، بين مكة والمدينة، بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلاً. (في يوم مطير) فعيل بمعنى فاعل، وإسناد المطر إلى اليوم مجاز. (فكأن الناس استنكروا ذلك) في رواية البخاري "فنظر القوم بعضهم إلى بعض" أي نظر استنكار، واستنكر القوم تغيير وضع الأذان وتبديل حي على الصلاة بهذه الجملة. (أتعجبون من ذا)؟ الاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي أن تعجبوا من هذا. (قد فعل ذا من هو خير مني) في الرواية السادسة "يعني النبي ﷺ " وفي رواية البخاري "فعل هذا من هو خير منه" أي من هو خير من هذا المؤذن وهو مؤذن رسول اللَّه ﷺ . (إن الجمعة عزمة) قال النووي: بإسكان الزاي، أي واجبة متحتمة فلو قال المؤذن: حي على الصلاة لكلفتم المجيء ولحقتكم المشقة. اهـ. واستشكله الإسماعيلي، فقال: لا إخاله صحيحًا، فإن أكثر الروايات بلفظ "إنها عزمة" أي كلمة المؤذن "وهي حي على الصلاة، لأنها دعاء إلى الصلاة تقتضي لسامعه الإجابة، ولو كان معنى "الجمعة عزمة" لكانت العزيمة لا تزول بترك بقية الأذان. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه لم يترك بقية الأذان، وإنما أبدل قوله: "حي على الصلاة" بقوله: "صلوا في رحالكم". اهـ. (وإني كرهت أن أحرجكم) قال النووي: هو بالحاء من الحرج، وهو المشقة، هكذا ضبطناه وكذا نقله القاضي عياض عن رواياتهم. اهـ والمعنى إني كرهت أن أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر، ويروي "أن أخرجكم" بالخاء بدل الحاء. قال العيني: وفي رواية "كرهت أن أؤثمكم" أي أن أكون سببًا لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدوركم. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الرواية ترجح رواية من روى "أحرجكم" بالحاء المهملة. اهـ. (فتمشوا في الطين والدحض) بإسكان الحاء، ويجوز فتحها، بعدها ضاد وهو الزلق، وفي

стр. 1702

الرواية السابعة "الدحض والزلل" وفي الرواية السادسة "في يوم ذي ردغ" بفتح الراء وسكون الدال بعدها غين، قال النووي: والدحض والزلل والزلق والردغ كله بمعنى واحد. ورواه بعض رواة مسلم "رزغ" بالراء والزاي والغين بفتح الزاي وإسكانها، وهو الصحيح، وهو بمعنى الردغ بالدال، وقيل: هو المطر الذي يبل وجه الأرض. اهـ. -[فقه الحديث]- الرواية الأولى والثانية وفيهما: "أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح" تفيدان أن الكلام في صلاة الجماعة. والرواية الخامسة والسابعة، وفيهما يوم مطير وصلاة الجمعة تفيدان أن الكلام في صلاة الجمعة. ومذهب الشافعية أن طلب الجماعة يسقط بالعذر، سواء قلنا إنها سنة أم فرض كفاية أم فرض عين، قال النووي: لأنا لو قلنا إنها سنة فهي مؤكدة يكره تركها، فإذا تركها لعذر زالت الكراهة، وليس معناه أنه إذا ترك الجماعة لعذر تحصل له فضيلتها، بل لا تحصل له فضيلتها بلا شك، وإنما معناه سقط الإثم والكراهة. ثم قال: واتفق أصحابنا على أن المطر وحده عذر، سواء كان ليلاً أم نهارًا، وعلى كون الوحل وحده عذرًا في الليل والنهار، وشدة الحر عذر في الظهر والريح الباردة عذر في الليل دون النهار ويقول بعضهم الريح الباردة في الليلة المظلمة. قال النووي: وليس ذلك على سبيل اشتراط الظلمة. اهـ. وقد ذكر البخاري حديث ابن عباس تحت عنوان: باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر. قال الحافظ ابن حجر: وبه قال الجمهور، ومنهم من فرق بين قليل المطر وكثيره، وعن مالك لا يرخص في تركها بالمطر، وحديث ابن عباس حجة في الجواز. وقال الزين بن المنير: الظاهر أن ابن عباس لا يرخص في ترك الجمعة فقد جمعهم لها، وأما قوله: "صلوا أيها الناس في رحالكم" فإشارة منه إلى العصر فرخص لهم في ترك الجماعة فيها. قال: ويحتمل أن يكون جمعهم للجمعة ليعلمهم بالرخصة في تركها في مثل ذلك ليعملوا به في المستقبل. اهـ قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه لم يجمعهم، وإنما أراد بقوله: "صلوا في بيوتكم" مخاطبة من لم يحضر وتعليم من حضر. اهـ. وروى ابن قانع: قيل لمالك أتتخلف عن الجمعة في اليوم المطير؟ قال: ما سمعت، قيل له في الحديث "ألا صلوا في الرحال" قال: ذاك في السفر، وقد رخص مالك في ترك الجمعة بأعذار أخر غير المطر: فروى عنه أنه أجاز أن يتخلف عنها لجنازة أخ من إخوانه لينظر في أمره، وروى عنه أنه أجاز أن يتخلف عنها من له مريض يخشى عليه الموت. وفي مكان هذه الكلمة [ألا صلوا في رحالكم] من الأذان خلاف بين العلماء، نشأ من ظاهر الرواية الثانية وفيها: "فقال في آخر ندائه" مما يفيد أنها تقال بعد الانتهاء من الأذان، ومن ظاهر الرواية الخامسة وفيها: "إذ قلت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه. وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم".

стр. 1703

وقد اعتمد الرواية الخامسة كثير من العلماء، وكأنهم نظروا إلى المعنى لأن "حي الصلاة" يناقض "صلوا في بيوتكم" لأن معنى "حي على الصلاة" هلموا إليها ومعنى الصلاة في البيوت التأخر عن المجيء، ولا يناسب إيراد اللفظين معًا لأن أحدهما نقيض الآخر. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بين الجملتين ولا يلزم منه التناقض، بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن يريد أن يترخص، ومعنى "هلموا إلى الصلاة" ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم [روايتنا الرابعة] "ليصل من شاء منكم في رحله"، واختار بعضهم العمل بالرواية الثانية، وأن جملة "صلوا في بيوتكم" تقال بعد الانتهاء من الأذان، وقال القرطبي: يحتمل أن يكون المراد في آخره قبيل الفراغ منه جمعًا بين الحديثين. اهـ. ويؤيده ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن نعيم بن النحام قال: أذن مؤذن النبي ﷺ للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج. فلما جاء: "الصلاة خير من النوم" قالها. فتحصل من الخلاف ثلاثة أقوال: أن تقال بدل الحيعلة، وأن تقال بعد الفراغ من الأذان، وأن تقال في أواخر الأذان وقبل الانتهاء منه. قال النووي: والأمران [أي بدل الحيعلة أو بعد الانتهاء] جائزان كما نص عليه الشافعي، لكن بعده أحسن، ليتم نظم الأذان. اهـ واللَّه أعلم. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - يسر التشريع، وأن اللَّه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر. ٢ - وتخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر. ٣ - وأنها مشروعة لمن تكلف الإتيان إليها وتحمل المشقة. ٤ - وأنها مشروعة في السفر. ٥ - وأن الأذان مشروع في السفر. ٦ - وفيه دليل على سقوط الجمعة بعذر المطر ونحوه. ٧ - استدل به بعضهم على الترخيص بالكلام في الأذان، ومنهم أحمد بن حنبل وابن المنذر وعن الثوري المنع، وعن الأوزاعي الكراهة، وعن أبي حنيفة وصاحبيه خلاف الأولى، وعليه يدل كلام الشافعي ومالك. والذي نميل إليه الكراهة إلا إذا كان في مصلحة الصلاة فلا يكره. واللَّه أعلم

стр. 1704

(٢٤٤) باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به ١٣٨١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يصلي سبحته حيثما توجهت به ناقته. ١٣٨٢ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيث توجهت به. ١٣٨٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه. قال: وفيه نزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]. ١٣٨٤ - عن عبد الملك بهذا الإسناد نحوه وفي حديث ابن مبارك وابن أبي زائدة ثم تلا ابن عمر: فأينما تولوا فثم وجه الله. وقال: في هذا نزلت. ١٣٨٥ - عن ابن عمر ﵄ قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر. ١٣٨٦ - عن سعيد بن يسار أنه قال: كنت أسير مع ابن عمر بطريق مكة. قال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت. ثم أدركته. فقال لي ابن عمر: أين كنت؟ فقلت له: خشيت الفجر فنزلت فأوترت. فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة؟ فقلت: بلى. والله قال: إن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير. ١٣٨٧ - عن ابن عمر ﵄ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيثما توجهت به. قال عبد الله بن دينار: كان ابن عمر يفعل ذلك.

стр. 1705

١٣٨٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يوتر على راحلته. ١٣٨٩ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه. ويوتر عليها. غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. ١٣٩٠ - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أخبره أن أباه أخبره أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت. ١٣٩١ - عن أنس بن سيرين قال: تلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام. فتلقيناه بعين التمر. فرأيته يصلي على حمار ووجهه ذلك الجانب. (وأومأ همام عن يسار القبلة) فقلت له: رأيتك تصلي لغير القبلة قال: لولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعله لم أفعله. -[المعنى العام]- من فضل اللَّه وكرمه على الأمة الإسلامية أن يسر لها سبل الطاعة، وفتح أبواب العبادة في شتى الظروف والأحوال، شرع ذكره تعالى باللسان والقلب قيامًا وقعودًا وعلى الجنوب، ويسر التقرب إليه بالصلاة النافلة في الحضر والسفر على الأرض أو على الدابة. أعلن رسول اللَّه ﷺ لصحابته هذا التشريع بالفعل بدل القول، فكان إذا سافر بهم صلى نافلته وهو على راحلته، لا يتحرى بوجهه القبلة بل وجهه جهة سيره، وجهة طريقه وجهة مقصده، ولا يقف في مواطن الوقوف للصلاة ولا يجلس في مواطن جلوسها ولا يسجد سجودها، بل على طبيعة الراكب في جلوسه على دابته، فإذا أراد صلاة الفريضة المكتوبة نزل عن دابته فصلاها على الأرض، وتبعه الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، فنشروا الشريعة وأدوا الأمانة، وبلغوا ما علموا، ونصحوا الأمة، فجزاهم اللَّه عن الإسلام خير الجزاء. -[المباحث العربية]- (كان يصلي سبحته) أي نافلته، والتسبيح في الأصل التنزيه عن النقائص. وفي العرف قول

стр. 1706

سبحان اللَّه، وإطلاقه على الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل مجاز مرسل، قال الحافظ ابن حجر: أما اختصاص السبحة بالنافلة فهو عرف شرعي. اهـ. (كان يصلي على راحلته) الراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل، ويقال: الراحلة المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى. قاله الجوهري وقال ابن الأثير: الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة. (حيث توجهت به) يعني إلى جهة القبلة أو غيرها. (يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه) المقبل من مكة إلى المدينة لا يكون وجهه مستقبل القبلة. (فأينما تولوا فثم وجه اللَّه) أي الجهة التي تولون وجوهكم نحوها فهناك وفيها وجه اللَّه. وحملت هذه الآية على النافلة في السفر، كما حمل قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] على الفرائض وعلى النوافل في غير السفر. (رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر) "وهو موجه" بكسر الجيم المشددة، أي متوجه، أو موجه وجهه، قال النووي: قال الدارقطني وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني [أصل السند: عن عمرو بن يحيى المازني عن سعيد بن يسار عن ابن عمر إلخ] قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبي ﷺ على راحلته أو على البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس، كما ذكره مسلم بعد هذا روايتنا العاشرة، قال النووي: وفي الحكم بتغليط الرواية نظر، فلعله صلى على الحمار مرة وعلى البعير مرات لكن قد يقال إن الرواية شاذة، فيها مخالفة لرواية الجمهور في البعير والراحلة. (فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت) أي فلما خشيت طلوع الصبح ومجيء وقت الفجر. (أسوة) بكسر الهمزة وضمها، أي قدوة، وفي رواية البخاري "أسوة حسنة". (قبل أي وجه توجه) "قبل" بكسر القاف وفتح الباء. أي جهة أي جهة توجه هو نحوها. (تلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الروايات لصحيح مسلم قال: وقيل: إنه وهم، وصوابه، قدم من الشام" كما جاء في صحيح البخاري لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قدم من الشام، قال النووي: قلت: ورواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام، وإنما حذف ذكر رجوعه للعلم به. اهـ. وتصحيح النووي لرواية مسلم ظاهره التكلف. واللَّه أعلم. وكان أنس قد سافر إلى الشام يشكو من الحجاج الثقفي إلى عبد الملك بن مروان.

стр. 1707

(فتلقيناه بعين التمر) في رواية البخاري "فلقيناه بعين التمر" وهو موضع بطريق العراق مما يلي الشام، وكانت به وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر بين خالد بن الوليد والأعاجم، وانتصر خالد ولما دخل حصن الأعاجم وجد به أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق، فكسره خالد وفرق الغلمان في الأمراء، فكان فيهم حمران مولى عثمان بن عفان، ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين، أخذه أنس بن مالك، وجماعة آخرون من الموالي أراد اللَّه بهم وبأولادهم خيرًا. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من هذه الأحاديث الأحكام الآتية]- ١ - قال النووي: في هذه الأحاديث جواز التنفل على الراحلة في السفر حيث توجهت، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وشرطه أن لا يكون سفر معصية ولا يجوز الترخص بشيء من رخص السفر لعاص بسفره، كمن سافر لقطع طريق أو لقتال بغير حق، أو عاقًا لوالديه، أو ناشزة على زوجها، ويجوز التنفل على الراحلة في قصير السفر وطويله عند الشافعية وعند الجمهور. ولا يجوز في داخل البلد وحولها من غير سفر، وعن أبي سعيد الاصطخري من الشافعية أنه يجوز التنفل في البلدة وحولها من غير سفر على الدابة، وهو قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وعن مالك أنه لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، وهو قول غريب. اهـ. قال الطبري: لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﷺ ، ولم ينقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا فصنع ذلك، وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك. ثم قال النووي: وأما تنفل راكب السفينة فمذهبنا أنه لا يجوز إلا إلى القبلة لتمكنه من الاستقبال، إلا ملاح السفينة فيجوز له إلى غيرها لحاجة كما في حال تسييرها، وعن مالك رواية أنه يجوز لراكب السفينة ما يجوز لراكب الدابة. ٢ - والأحاديث تدل على جواز ترك استقبال القبلة في النافلة على الراحلة لقوله "حيث توجهت به، ونحوها مما ورد في الروايات. قال العلماء: واعتبرت جهة الطريق المقصود بدلاً عن القبلة، بحيث لا يجوز الانحراف عنها عامدًا قاصدًا لغير حاجة المسير، إلا إن كان سائرًا في غير جهة القبلة فانحرف إلى جهة القبلة فإن ذلك لا يضره، ولو كانت الدابة متوجهة إلى مقصده وركبها هو معترضًا أو مقلوبًا فإنه لا يصح إلا أن يكون ما استقبله هو جهة القبلة على الصحيح. وهل يشترط أن يفتتح الصلاة باستقبال القبلة؟ الظاهر أنه لا يشترط لظاهر عموم الأحاديث وإطلاقها، لكن المستحب أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، لما رواه أنس عند أبي داود وأحمد والدارقطني "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بنا القبلة، ثم صلى حيث وجهت ركابه".

стр. 1708

ولم توضح أحاديث الباب كيفية الصلاة على الراحلة، لكن جاء في رواية البخاري عن عامر بن ربيعة قال: "رأيت النبي ﷺ على الراحلة يسبح، يومئ برأسه قبل أي وجه توجه" قال ابن دقيق العيد: الحديث يدل على الإيماء في الركوع والسجود معًا، والفقهاء قالوا: يكون الإيماء في السجود أخفض من الركوع، ليكون البدل على وفق الأصل، قال: وليس في لفظ الحديث ما يثبته ولا ينفيه. اهـ. وذهب الجمهور إلى السجود على الدابة لمن قدر عليه وتمكن منه دون مشقة، وعن مالك أن الذي يصلي على الدابة لا يسجد وإن تمكن من السجود، بل يومئ. واللَّه أعلم. ٣ - ويؤخذ من الرواية العاشرة. ومن صلاة أنس نافلته على حمار حيث توجه به أنه لا فرق بين الحمار والبغل والناقة في جواز صلاة النافلة عليها في السفر، لأن الراوي لم ينكر على أنس الصلاة على الحمار، وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط، وقول أنس: "لولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعله لم أفعله" يعني ترك استقبال القبلة للتنفل على الدابة، وقد فهم بعضهم من عبارة أنس أنه رأى رسول اللَّه ﷺ يتنفل على حمار، وهو محتمل، لكن نازع فيه بعضهم، وقال: إن خبر أنس هنا إنما هو في صلاة النبي ﷺ راكبًا تطوعًا لغير القبلة، وهذه المنازعة لا تؤثر في الحكم، فإن روايتنا الرابعة عن ابن عمر قال "رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر" تفيد أنه لا فرق بين الحمار في هذه المسألة وبين الناقة. ٤ - وقد أخذ بعضهم من هذ االحديث أن عرق الحمار طاهر، وكان الأصل أن يكون عرقه كلحمه، لأنه متولد منه، قال العيني: ولكن خص بطهارته لركوب النبي ﷺ إياه معروريًا والحر حر الحجاز، فحكم بطهارته، اهـ. وقال ابن دقيق العيد في تعليل طهارة عرق الحمار، قال: لأن ملابسته مع التحرز منه متعذر، لا سيما إذا طال الزمان في ركوبه، واحتمل العرق. اهـ. ٥ - وقد أخذ من هذه الأحاديث أن من صلى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه أن صلاته صحيحة، لأن الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها. ٦ - ويؤخذ من ظاهر هذه الأحاديث أن جواز ترك استقبال القبلة في التنفل خاص بالراكب دون الماشي، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، لأن ذلك رخصة، والرخص لا يقاس عليها، وأجاز تنفل الماشي الشافعية والحنابلة قياسًا على الراكب، ولأن السر في هذه الرخصة تيسير تحصيل النوافل على العباد وتكثيرها، تعظيمًا لأجورهم، رحمة من اللَّه بهم، إلا أن بعض المجيزين اشترط استقبال القبلة في تحرمه وعند الركوع والسجود، واشترط السجود، على الأرض، وله التشهد ماشيًا كما أن له القيام ماشيًا، واشترط بعضهم التشهد قاعدًا ولا يمشي إلا حالة القيام، وأجاز بعضهم عدم اللبث على الأرض في شيء من صلاته، ويومئ بالركوع والسجود، كمن هو على الدابة. واللَّه أعلم. ٧ - وأحاديث الباب صريحة في النافلة، وهي تخصص قوله تعالى ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] وتبين أن قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] في النافلة.

стр. 1709

أما المكتوبة فلا تجوز إلى غير القبلة. ولا تجوز على الدابة، والرواية الثامنة صريحة في ذلك، قال النووي: وهذا مجمع عليه إلا في شدة الخوف، فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود والدابة واقفة، عليها هودج أو نحوه جازت الفريضة على الصحيح في مذهبنا، فإن كانت سائرة لم تصح على الصحيح المنصوص للشافعي، وقيل: تصح: كالسفينة، فإنها تصح فيها الفريضة بالإجماع ولو كان في ركب وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم ولحقه الضرر صلى الفريضة على الدابة بحسب الإمكان، ويلزمه إعادتها، لأنه عذر نادر. اهـ. ٨ - ويوخذ من الرواية الخامسة والسابعة والثامنة جواز صلاة الوتر على الراحلة حيث توجهت به، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد، وقال الحنفية: لا يجوز الوتر على الراحلة، ولا يجوز إلا على الأرض كما في الفرائض واحتجوا بما رواه الطحاوي عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن رسول اللَّه ﷺ كذلك كان يفعل، ويقولون عن روايات الباب الثلاث المشار إليها، يجوز أن يكون ذلك قبل أن يحكم أمر الوتر ويغلظ شأنه لأنه كان أولاً كسائر التطوعات، ثم أكد بعد ذلك فنسخ، واعترض عليهم بأن مذهبهم أن الوتر واجب على النبي ﷺ وقد ثبت أنه صلاه على الراحلة ومهما أحكم أمر الوتر وغلظ شأنه للأمة فلن يبلغ درجة وجوبه على النبي ﷺ فحيثما جازت صلاته للنبي ﷺ على الراحلة جازت صلاته للأمة كذلك. ٩ - كما استدل بالروايات الثلاث السابقة على أن الوتر سنة ونافلة خلافًا للحنفية القائلين بوجوبه. ١٠ - ويؤخذ من الأحاديث أن الرجوع إلى أفعاله ﷺ كالرجوع إلى أقواله، من غير أن يعترض عليه. ١١ - ومن الرواية العاشرة مشروعية استقبال المسافر وتلقيه عند القدوم. ١٢ - وسؤال التلميذ شيخه عن مستند فعله، والجواب بالدليل. واللَّه أعلم

стр. 1710

(٢٤٥) باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر ١٣٩٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء. ١٣٩٣ - عن نافع أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق. ويقول إن رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء. ١٣٩٤ - عن سالم عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير. ١٣٩٥ - عن سالم بن عبد الله أن أباه قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين صلاة العشاء. ١٣٩٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما. فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب. ١٣٩٧ - عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر. ثم يجمع بينهما. ١٣٩٨ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما. ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق.

стр. 1711

١٣٩٩ - عن ابن عباس ﵄ قال صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا. والمغرب والعشاء جميعًا. في غير خوف ولا سفر. ١٤٠٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا بالمدينة في غير خوف ولا سفر قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته. ١٤٠١ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاة في سفرة سافرها. في غزوة تبوك. فجمع بين الظهر والعصر. والمغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. ١٤٠٢ - عن معاذ ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا. ١٤٠٣ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال فقال: أراد أن لا يحرج أمته. ١٤٠٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة. في غير خوف ولا مطر (في حديث وكيع) قال قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.

стр. 1712

١٤٠٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: صليت مع النبي ﷺ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر. وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذاك. ١٤٠٦ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا. الظهر والعصر. والمغرب والعشاء. ١٤٠٧ - عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم. وجعل الناس يقولون: الصلاة. والصلاة. قال فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة. الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. ١٤٠٨ - عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قال رجل لابن عباس الصلاة. فسكت. ثم قال: الصلاة. فسكت. ثم قال: الصلاة. فسكت. ثم قال: لا أم لك أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- الأصل في السفر أن يجمع بين مشقة الرحلة بوسائلها المختلفة، ومشقة مفارقة الأهل والأوطان، ومشقة جهل المنزل الجديد واحتمالاته، ولهذا الأصل أناطت الشريعة الإسلامية الرخص بالسفر، رخصة الإفطار في نهار رمضان ورخصة قصر الصلاة الرباعية، ورخصة الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء التي تتعرض لها هذه الأحاديث. وصدق اللَّه العظيم إذ يقول: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ [المائدة: ٦] ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ [النساء: ٢٨].

стр. 1713

إن الصلاة بما لها من شروط قد يضيق بها المسافر، وتؤدي إلى مضاعفة مشقة السفر. فإيقاف الرحلة، واختيار مكان النزول والوضوء وطهارة المكان، كل ذلك قد يشق على المسافر، بالإضافة إلى انشغاله بالإجهاد في السير، وحرصه على قطع الطريق وسرعة الوصول مما يؤثر في خشوعه المطلوب. لهذا شرع اللَّه في هذه الأحاديث جمع الظهر مع العصر في وقت أيهما شاء وجمع المغرب والعشاء في وقت أيهما شاء، رفعًا للحرج عن الأمة. وكان هذا التشريع عن طريق فعله ﷺ في سفره، فكان إذا غادر المدينة بعد الزوال صلى الظهر، وإذا غادرها قبل الزوال جمع بين الظهر والعصر واقتدى به الصحابة، وأعلنوا لأصحابهم حكم اللَّه، فجزاهم اللَّه خير الجزاء. -[المباحث العربية]- (إذا عجل عليه السفر) هكذا هو في الأصول، في الرواية السابعة "عجل عليه" قال النووي: وهو بمعنى "عجل به" في الروايات الأخر، اهـ. والمقصود من "عجل به السير" بفتح العين وكسر الجيم أي دعاه السير أو السفر إلى العجلة، والمعنى نفسه في رواية "أعجله السير"، وفي الرواية الثانية والثالثة "إذا جد به السير" أي أسرع، ونسبة الإسراع إلى السير على التوسع في الإسناد. (إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس) أي قبل أن تميل الشمس عن كبد السماء، أي قبل الزوال. (أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته) وفي الرواية الثالثة عشرة "كي لا يحرج أمته". "أراد أن لا يحرج أمته" أي أن لا يشق عليهم بإفراد كل صلاة في وقتها الأصلي. (لم فعل ذلك)؟ "ما أراد إلى ذلك"؟ أي ماذا أراد بوصوله إلى ذلك الجمع؟ (سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء) في الكلام لف ونشر مشوش، ولو رتب لقال: "ثمانيًا وسبعًا". (لا يفتر ولا ينثني) "لا يفتر" بفتح الياء وسكون الفاء وضم التاء، أي لا يهدأ، "ولا ينثني" أي لا يرجع عن ترديد قوله. (الصلاة الصلاة) وهو منصوب على الإغراء، أي الزموا الصلاة. (لا أم لك) ولا أب لك - كلمة تذكرها العرب ولا تقصد نفي الأم أو الأب حقيقة، بل تستعملهما للحث على شيء، وحقيقتهما أن الإنسان في الشدة يحتاج أمه وأباه يساعدانه على الخروج من شدته، فإذا قيل له: لا أم لك أو لا أب لك فمعناه اعتمد على نفسك وشمر عن ساعدك واخرج من مأزقك فلا أحد يعاونك، وكثيرًا ما تستعملهما للتعجب من فعل أو قول من قيلت له أي بلغت من البراعة مبلغًا كبيرًا بحيث لا تلد امرأة مثلك، أو لا يستطيع أن ينجبك أب.

стр. 1714

(فحاك في صدري من ذلك شيء) أي وقع في نفسي نوع من شك وتعجب واستبعاد، يقال: حاك يحيك وحك يحك واحتك. -[فقه الحديث]- يمكن حصر الكلام عن الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في نقطتين أساسيتين: الجمع بينهما في السفر، والجمع في غير السفر. أ- الجمع بين الصلاتين في السفر: أما عن النقطة الأولى فإن مذهب الشافعية جواز الجمع بين الظهر والعصر في السفر في وقت أيهما شاء جمع تقديم في وقت الأولى، وجمع تأخير في وقت الثانية، وكذلك بين المغرب والعشاء في وقت أيهما شاء بشروط وهو مذهب مالك وأحمد وجمهور السلف والخلف من العلماء. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز الجمع بسبب السفر بحال من الأحوال، لا جمع تقديم ولا تأخير، وإنما يجوز بعرفة والمزدلفة، ولا يجوز الجمع في غير هذين المكانين، وعلة الجمع عندهم النسك لا السفر، واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع [جمع بفتح الجيم وسكون الميم هي المزدلفة وسميت بذلك لاجتماع الناس بها وازدلافهم أي تقربهم إلى الله بالوقوف فيها] فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع". هذا وجمع الظهر والعصر بعرفة في وقت الظهر، وجمع المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء محل إجماع بين من يعتد بإجماعهم من المسلمين سواء كانت العلة السفر أو النسك. وقد أجاب الجمهور عن دليل الحنفية هذا بأن كل ما يدل عليه نفي رؤية ابن مسعود، ونفي الرؤية لا ينفي الوقوع، وفي الأحاديث الصحيحة إثبات ومن القواعد أن المثبت مقدم على النافي، لأن معه زيادة علم. واستدل الحنفية بأنه لو جاز الجمع لمشقة السفر لجاز الجمع للمريض من باب أولى؛ لأن مشقة المرض أشد مع أن الجمهور لا يجيز الجمع للمرض، ويجيب الجمهور عن هذا الاستدلال بأن المريض قد رخص له في الصلاة قاعدًا ومضطجعًا، وهذه الرخصة هي اللائقة بحاله، والإتيان بصلاتين متعاقبتين قد يشق على المريض موالاتهما ولعل تفريقهما بالنسبة للمريض أهون. ولما كانت أحاديث الباب سندًا قويًا للجمهور حاول الحنفية التخلص منها بدعوى أنه ﷺ كان يؤخر الظهر إلى نهاية وقته بحيث يدخل وقت العصر في نهاية الصلاة ويقدم العصر إلى أول وقته، فتقع كل من الصلاتين في وقتها، ويصبح الجمع جمعًا في الصورة فقط. ويسترشدون في دعواهم هذه بروايتنا السادسة، وفيها "أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر" وروايتنا السابعة وفيها "يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر".

стр. 1715

وروايتنا الرابعة عشرة، وفيها "أظنه أخر الظهر وعجل العصر" مما يوحي بأن الجمع صوري. ويجيب الجمهور عن هذه الشبهة ببقية الروايات، ففي الخامسة "أخر الظهر إلى وقت العصر" وفيها لفظ الجمع بين الصلاتين، ولا يطلق هذا اللفظ إلا على وقوعهما في وقت واحد. قال ابن قدامة: إن حمل الجمع بين الصلاتين على الجمع الصوري فاسد لوجهين: أحدهما أنه جاء الخبر صريحًا في أنه كان يجمعهما في وقت إحداهما والثاني أن الجمع رخصة، فلو كان ما ذكروه لكان أشد ضيقًا وأعظم حرجًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها. قال: ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب والعشاء والصبح قال: ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك. قال: والعمل بالخبر على الوجه السابق منه إلى الفهم أولى من هذا التكلف الذي يصان كلام رسول الله ﷺ من حمله عليه. اهـ. وقال الخطابي: إن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكره الحنفية لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة. اهـ. ب- النقطة الثانية: الجمع في غير السفر: والرواية الثامنة والتاسعة فيها "في غير خوف ولا سفر" والرواية الثالثة عشرة فيها "في غير خوف ولا مطر". فالجمع في المطر قال به الشافعية بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء وقال أبو حنيفة وآخرون: لا يجوز الجمع بسبب المطر مطلقًا، وجوز الجمع بسبب المطر مالك وأحمد بين المغرب والعشاء دون الظهر والعصر، وقد سبق شرح هذه المسألة قبل باب واحد. والمشهور عند الشافعية أنه لا يجوز الجمع بسبب المرض أو الريح أو الظلمة أو الخوف أو الوحل، وقال مالك وأحمد: يجوز الجمع بعذر المرض والوحل، وبه قال بعض الشافعية، وعلى هذا العذر حمل الحديث في الروايات الثامنة والتاسعة والثالثة عشرة، قالوا: ولأن حاجة المريض والخائف أشد من عذر المطر. أما الجمع في الحضر بلا خوف ولا سفر ولا مطر ولا مرض فالمعتمد عند الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة عدم جوازه، وحكى ابن المنذر عن طائفة جوازه بلا سبب. قال النووي في شرح مسلم: وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك؛ وحكاه الخطابي عن القفال والشاش الكبير من أصحاب الشافعي وعن أبي إسحق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: "أراد أن لا يحرج أمته" فلم يعلله بمرض ولا غيره. والله أعلم. اهـ.

стр. 1716

-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - أخذ مالك - في المشهور عنه - من الروايات الأربع الأوليات اختصاص الجمع بعذر السفر، واختصاصه بما إذا وجد به السير. ٢ - اختار ابن حزم أنه يجوز في السفر جمع التأخير، ولا يجوز جمع التقديم وظاهر الرواية الثانية يؤيده، إذ فيها "جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق" وكذا الرواية الرابعة وفيها "يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين صلاة العشاء" وكذا الرواية الخامسة، وفيها "إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر" وبالمعنى نفسه جاءت الرواية السادسة والسابعة. ٣ - استدل بعدم ذكر الأذان والإقامة في أحاديث الجمع أنه لا يؤذن ولا يقام عند الجمع، وذهب جماعة إلى استحباب الإقامة دون الأذان، لحديث ابن عمر في قصة جمعه بين المغرب والعشاء الذي رواه الدارقطني "فنزل فأقام الصلاة، وكان لا ينادي بشيء من الصلاة في السفر" وذهب جماعة إلى استحباب الأذان والإقامة، قال ابن بطال والكرماني: لعل الراوي لما أطلق لفظ الصلاة استفيد منه أن المراد بها التامة بأركانها وشروطها وسننها ومن جملتها الأذان والإقامة. ٤ - يستفاد من الرواية السادسة عشرة حرص المسلمين الأوائل على مواقيت الصلاة، وإنكارهم على الأئمة والعلماء تأخيرها. ٥ - ويستفاد من موقف ابن عباس في الروايتين المشار إليهما صبر العالم وحلمه على من ينكر عليه فعله. ٦ - وأن العالم إذا كان واثقًا من حكم شرعي أعلنه بالقول والفعل وإن كان غريبًا على العامة. (ملحوظة) ذكر النووي في المجموع شرح المهذب في المواقيت قال: وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلاً به، ولا اشتراك بينهما، هذا مذهبنا، وبه قال الأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد وأحمد، وقال عطاء وطاووس، إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت للظهر والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس، وقيل: إن الاشتراك بين الظهر والعصر قدر أربع ركعات، وعن مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين واحتج من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس قال: "جمع النبي ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا سفر" وفي رواية لمسلم "من غير خوف ولا مطر" فدل على اشتراكهما. اهـ. ولا يخفى أن الكلام في اشتراك الصلاتين في وقت غير الكلام في الجمع بينهما. واللَّه أعلم

стр. 1717

(٢٤٦) باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال واستحباب وقوف المأموم يمين الإمام ١٤٠٩ - عن عبد الله ﵁ قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا لا يرى إلا أن حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه. أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله. ١٤١٠ - عن السدي قال: سألت أنسًا: كيف أنصرف إذا صليت؟ عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه. ١٤١١ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان ينصرف عن يمينه. ١٤١٢ - عن البراء ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه قال فسمعته يقول "رب قني عذابك يوم تبعث (أو تجمع) عبادك". ١٤١٣ - - عن مسعر بهذا الإسناد ولم يذكر: يقبل علينا بوجهه. -[المعنى العام]- كان ﷺ يحب التيامن في كل شيء: في تنعله وترجله واغتساله ودخوله وخروجه وفي شأنه كله، وعلى هذه القاعدة أحب ﷺ الانصراف من الصلاة بعد السلامين والتوجه إلى المصلين بالاستدارة إلى جهة اليمين، لكنه فعل - لبيان جواز - الانصراف إلى جهة الشمال قليلاً، حتى ظن بعض من لم ير الانصراف إلى الشمال أن الانصراف إلى جهة اليمين واجب وهكذا يدخل الشيطان إلى قلب المؤمن، يخيل إليه لزوم ما لا يلزم، لينتقل به إلى عدم الالتزام بما يلزم، وقد فطن لهذا عبد اللَّه بن مسعود، وكان ممن رأى رسول اللَّه ﷺ ينصرف إلى الشمال، فقال لأصحابه وتلاميذه: احترسوا من الشيطان ولا تجعلوا لوسوسته نصيبًا في نفوسكم، ولا تعتمدوا وسوسته بأن الانصراف إلى اليمين واجب، وهكذا يجب على من رأى تمسكًا بالسنة أن يتركها ولو مرة لئلا تلتبس بالفريضة، وأن ينصح المسلمين ويبين لهم ما هو واجب وما هو مندوب. واللَّه أعلم.

стр. 1718

-[المباحث العربية]- (عن عبد اللَّه) أي ابن مسعود. (لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا) رواية البخاري "لا يجعلن أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته" و"لا يجعلن" بنون التوكيد الثقيلة، وفي رواية للبخاري "لا يجعل" بدون النون، والمعنى: لا يمكن أحدكم الشيطان من أن يوسوس له في الأمر الآتي. (لا يرى إلا حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه) فاعل "يرى" يعود على "أحدكم" والمراد من الرواية الاعتقاد، و"حقًا" اسم "أن" و"أن لا ينصرف" خبر "أن" وأن الجملة بيان للجزء المنهي عن جعله للشيطان، وبحذف النفي والاستثناء يتضح المعنى، أي يعتقد أحدكم أن واجبًا عليه الانصراف من الصلاة إلى جهة يمينه. (أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن شماله) "ما" مصدرية والمعنى أكثر رؤيتي رسول اللَّه ﷺ منصرفًا عن شماله، فجملة "ينصرف عن شماله" حال أغنت عن الخبر، كما في قولهم: أكثر أكلي السويق مطبوخًا. (كيف أنصرف إذا صليت؟ ) "كيف" في محل النصب على الحال والمعنى على أي حالة وأي جهة أنصرف من صلاتي؟ . (أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه) قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون التيامن عند التسليم وهو الأظهر [يقصد أن يكونوا عن يمينه وهو في الصلاة مستقبل القبلة، فإذا سلم الأولى أقبل عليهم بوجهه قبل من هم عن شماله] لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه، قال: وإقباله ﷺ يحتمل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين يتنفل. اهـ. فليس في الحديث دلالة على أن رسول اللَّه ﷺ كان ينصرف بعد صلاته من جهة اليمين. -[فقه الحديث]- في رواية عبد اللَّه بن مسعود: "أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن شماله" وفي رواية السدي قول أنس: "أما أنا فأكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن يمينه" وفي ظاهر هاتين الروايتين تعارض. لهذا قال النووي: وجه الجمع بينهما أن النبي ﷺ كان يفعل تارة هذا وتارة هذا فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدل على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما.

стр. 1719

وقال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأن حجرة النبي ﷺ كانت من جهة يساره، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر [وأقول إن هذا الجمع بعيد إذ مؤداه أنه كان يباشر حالة الصلاة في المسجد، وأن أنسًا كان يباشر أكثر حالة الصلاة في السفر ونحوه وهذا بعيد، وأعتقد أن الجمع أسهل بغير ذلك، فكل من عبد اللَّه بن مسعود وأنس لم يخبر عن واقع حال الرسول ﷺ حتى يكون بينهما التعارض، وإنما أخبر كل منهما بأكثر ما رأى وقد يصادف أن يكون أكثر ما رأى ابن مسعود غير أكثر ما رأى أنس خصوصًا إذا لاحظنا أن المدة التي قضاها أنس يصلي خلف الرسول أقل بكثير من المدة التي قضاها ابن مسعود يصلي خلفه ﷺ ] ثم قال الحافظ ابن حجر: ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود، لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبي ﷺ وأقرب إلى موقعه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد حديث أنس من تكلم فيه وهو السدي، وبأنه متفق عليه [أي حديث ابن مسعود رواه البخاري ومسلم] بخلاف حديث أنس في الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال، لأن حجرة النبي ﷺ كانت على جهة يساره، ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حالة استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة. اهـ. والذي أختاره في الجمع ما ذكرته من أن أكثر ما رآه كل منهما لا يعني. أكثر فعله ﷺ أو أن كلاً منهما إنما أخبر حسبما يعتقد ثم إن الأمر هين ما دمنا نقول بجواز الأمرين، وفي هذا يقول النووي: مذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يستحب أن ينصرف في جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإن استوت الجهتان في الحاجة وعدمها فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوهما. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - أن من اعتقد وجوب الانصراف عن يمينه أو عن الشمال فهو مخطئ أخذًا من ذم ابن مسعود له بأن جعل الشيطان في نفسه جزءًا. ٢ - قال ابن المنير: في الحديث أن المندوبات قد تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها، لأن التيامن مستحب في كل شيء من أمور العبادة. ٣ - وأن انصراف الإمام من الصلاة بالتوجه نحو المأمومين سنة، وقد روى البخاري عن سمرة بن جندب قال: "كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه". ٤ - أن انتظار الإمام في مصلاه بعد الصلاة بعض الوقت مستحب إذا كان بالمسجد نساء يصلين خلف الرجال، فيسن انتظار الإمام والمصلين حتى ينصرفن. قال الشافعي: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه

стр. 1720

نساء. اهـ. وعلل ذلك أصحابه بعلتين. الأولى لئلا يشك هو أو من خلفه هل سلم أم لا. والثانية لئلا يدخل القريب فيظنه مازال في الصلاة فيقتدي به. ٥ - يؤخذ من الحديث الثالث استحباب الذكر والدعاء والاستعاذة عقب الصلاة. قال النووي في المجموع شرح المهذب: والذكر والدعاء للإمام والمأموم والمنفرد مستحب عقب كل الصلوات بلا خلاف، وأما ما اعتاده الناس أو كثير منهم من تخصيص دعاء الإمام بصلاتي الصبح والعصر فلا أصل له، وإن كان قد أشار إليه صاحب الحاوي فقال: إن كانت الصلاة لا يتنفل بعدها كالصبح والعصر استدبر القبلة واستقبل الناس ودعا، وإن كانت مما يتنفل بعدها كالظهر والمغرب والعشاء فالمختار أن يتنفل في منزله. قال النووي: وهذا الذي أشار إليه من التخصيص لا أصل له، بل الصواب استحبابه في كل الصلوات ويستحب أن يقبل على الناس فيدعو. ثم قال: وأما هذه المصافحة المعتادة بعد صلاتي الصبح والعصر فقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام ﵀ أنها من البدع المباحة، ولا توصف بكراهة ولا استحباب، وهذا الذي قاله حسن، والمختار أن يقال: إن صافح من كان معه قبل الصلاة فمباحة كما ذكرنا، وإن صافح من لم يكن معه قبل الصلاة عند اللقاء فسنة بالإجماع للأحاديث الصحيحة في ذلك. واللَّه أعلم
следующие страницы →