Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - أخذ مالك - في المشهور عنه - من الروايات الأربع الأوليات اختصاص الجمع بعذر السفر، واختصاصه بما إذا وجد به السير.
٢ - اختار ابن حزم أنه يجوز في السفر جمع التأخير، ولا يجوز جمع التقديم وظاهر الرواية الثانية يؤيده، إذ فيها "جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق" وكذا الرواية الرابعة وفيها "يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين صلاة العشاء" وكذا الرواية الخامسة، وفيها "إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر" وبالمعنى نفسه جاءت الرواية السادسة والسابعة.
٣ - استدل بعدم ذكر الأذان والإقامة في أحاديث الجمع أنه لا يؤذن ولا يقام عند الجمع، وذهب جماعة إلى استحباب الإقامة دون الأذان، لحديث ابن عمر في قصة جمعه بين المغرب والعشاء الذي رواه الدارقطني "فنزل فأقام الصلاة، وكان لا ينادي بشيء من الصلاة في السفر" وذهب جماعة إلى استحباب الأذان والإقامة، قال ابن بطال والكرماني: لعل الراوي لما أطلق لفظ الصلاة استفيد منه أن المراد بها التامة بأركانها وشروطها وسننها ومن جملتها الأذان والإقامة.
٤ - يستفاد من الرواية السادسة عشرة حرص المسلمين الأوائل على مواقيت الصلاة، وإنكارهم على الأئمة والعلماء تأخيرها.
٥ - ويستفاد من موقف ابن عباس في الروايتين المشار إليهما صبر العالم وحلمه على من ينكر عليه فعله.
٦ - وأن العالم إذا كان واثقًا من حكم شرعي أعلنه بالقول والفعل وإن كان غريبًا على العامة.
(ملحوظة) ذكر النووي في المجموع شرح المهذب في المواقيت قال: وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلاً به، ولا اشتراك بينهما، هذا مذهبنا، وبه قال الأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد وأحمد، وقال عطاء وطاووس، إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت للظهر والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس، وقيل: إن الاشتراك بين الظهر والعصر قدر أربع ركعات، وعن مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين واحتج من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس قال: "جمع النبي ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا سفر" وفي رواية لمسلم "من غير خوف ولا مطر" فدل على اشتراكهما. اهـ. ولا يخفى أن الكلام في اشتراك الصلاتين في وقت غير الكلام في الجمع بينهما.
واللَّه أعلم
стр. 1717
(٢٤٦) باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال واستحباب وقوف المأموم يمين الإمام
١٤٠٩ - عن عبد الله ﵁ قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا لا يرى إلا أن حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه. أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله.
١٤١٠ - عن السدي قال: سألت أنسًا: كيف أنصرف إذا صليت؟ عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه.
١٤١١ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان ينصرف عن يمينه.
١٤١٢ - عن البراء ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه قال فسمعته يقول "رب قني عذابك يوم تبعث (أو تجمع) عبادك".
١٤١٣ - - عن مسعر بهذا الإسناد ولم يذكر: يقبل علينا بوجهه.
-[المعنى العام]-
كان ﷺ يحب التيامن في كل شيء: في تنعله وترجله واغتساله ودخوله وخروجه وفي شأنه كله، وعلى هذه القاعدة أحب ﷺ الانصراف من الصلاة بعد السلامين والتوجه إلى المصلين بالاستدارة إلى جهة اليمين، لكنه فعل - لبيان جواز - الانصراف إلى جهة الشمال قليلاً، حتى ظن بعض من لم ير الانصراف إلى الشمال أن الانصراف إلى جهة اليمين واجب وهكذا يدخل الشيطان إلى قلب المؤمن، يخيل إليه لزوم ما لا يلزم، لينتقل به إلى عدم الالتزام بما يلزم، وقد فطن لهذا عبد اللَّه بن مسعود، وكان ممن رأى رسول اللَّه ﷺ ينصرف إلى الشمال، فقال لأصحابه وتلاميذه: احترسوا من الشيطان ولا تجعلوا لوسوسته نصيبًا في نفوسكم، ولا تعتمدوا وسوسته بأن الانصراف إلى اليمين واجب، وهكذا يجب على من رأى تمسكًا بالسنة أن يتركها ولو مرة لئلا تلتبس بالفريضة، وأن ينصح المسلمين ويبين لهم ما هو واجب وما هو مندوب. واللَّه أعلم.
стр. 1718
-[المباحث العربية]-
(عن عبد اللَّه) أي ابن مسعود.
(لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا) رواية البخاري "لا يجعلن أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته" و"لا يجعلن" بنون التوكيد الثقيلة، وفي رواية للبخاري "لا يجعل" بدون النون، والمعنى: لا يمكن أحدكم الشيطان من أن يوسوس له في الأمر الآتي.
(لا يرى إلا حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه) فاعل "يرى" يعود على "أحدكم" والمراد من الرواية الاعتقاد، و"حقًا" اسم "أن" و"أن لا ينصرف" خبر "أن" وأن الجملة بيان للجزء المنهي عن جعله للشيطان، وبحذف النفي والاستثناء يتضح المعنى، أي يعتقد أحدكم أن واجبًا عليه الانصراف من الصلاة إلى جهة يمينه.
(أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن شماله) "ما" مصدرية والمعنى أكثر رؤيتي رسول اللَّه ﷺ منصرفًا عن شماله، فجملة "ينصرف عن شماله" حال أغنت عن الخبر، كما في قولهم: أكثر أكلي السويق مطبوخًا.
(كيف أنصرف إذا صليت؟ ) "كيف" في محل النصب على الحال والمعنى على أي حالة وأي جهة أنصرف من صلاتي؟ .
(أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه) قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون التيامن عند التسليم وهو الأظهر [يقصد أن يكونوا عن يمينه وهو في الصلاة مستقبل القبلة، فإذا سلم الأولى أقبل عليهم بوجهه قبل من هم عن شماله] لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه، قال: وإقباله ﷺ يحتمل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين يتنفل. اهـ.
فليس في الحديث دلالة على أن رسول اللَّه ﷺ كان ينصرف بعد صلاته من جهة اليمين.
-[فقه الحديث]-
في رواية عبد اللَّه بن مسعود: "أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن شماله" وفي رواية السدي قول أنس: "أما أنا فأكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن يمينه" وفي ظاهر هاتين الروايتين تعارض.
لهذا قال النووي: وجه الجمع بينهما أن النبي ﷺ كان يفعل تارة هذا وتارة هذا فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدل على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما.
стр. 1719
وقال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأن حجرة النبي ﷺ كانت من جهة يساره، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر [وأقول إن هذا الجمع بعيد إذ مؤداه أنه كان يباشر حالة الصلاة في المسجد، وأن أنسًا كان يباشر أكثر حالة الصلاة في السفر ونحوه وهذا بعيد، وأعتقد أن الجمع أسهل بغير ذلك، فكل من عبد اللَّه بن مسعود وأنس لم يخبر عن واقع حال الرسول ﷺ حتى يكون بينهما التعارض، وإنما أخبر كل منهما بأكثر ما رأى وقد يصادف أن يكون أكثر ما رأى ابن مسعود غير أكثر ما رأى أنس خصوصًا إذا لاحظنا أن المدة التي قضاها أنس يصلي خلف الرسول أقل بكثير من المدة التي قضاها ابن مسعود يصلي خلفه ﷺ ] ثم قال الحافظ ابن حجر: ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود، لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبي ﷺ وأقرب إلى موقعه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد حديث أنس من تكلم فيه وهو السدي، وبأنه متفق عليه [أي حديث ابن مسعود رواه البخاري ومسلم] بخلاف حديث أنس في الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال، لأن حجرة النبي ﷺ كانت على جهة يساره، ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حالة استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة. اهـ.
والذي أختاره في الجمع ما ذكرته من أن أكثر ما رآه كل منهما لا يعني. أكثر فعله ﷺ أو أن كلاً منهما إنما أخبر حسبما يعتقد ثم إن الأمر هين ما دمنا نقول بجواز الأمرين، وفي هذا يقول النووي: مذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يستحب أن ينصرف في جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإن استوت الجهتان في الحاجة وعدمها فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوهما. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن من اعتقد وجوب الانصراف عن يمينه أو عن الشمال فهو مخطئ أخذًا من ذم ابن مسعود له بأن جعل الشيطان في نفسه جزءًا.
٢ - قال ابن المنير: في الحديث أن المندوبات قد تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها، لأن التيامن مستحب في كل شيء من أمور العبادة.
٣ - وأن انصراف الإمام من الصلاة بالتوجه نحو المأمومين سنة، وقد روى البخاري عن سمرة بن جندب قال: "كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه".
٤ - أن انتظار الإمام في مصلاه بعد الصلاة بعض الوقت مستحب إذا كان بالمسجد نساء يصلين خلف الرجال، فيسن انتظار الإمام والمصلين حتى ينصرفن.
قال الشافعي: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه
стр. 1720
نساء. اهـ. وعلل ذلك أصحابه بعلتين. الأولى لئلا يشك هو أو من خلفه هل سلم أم لا. والثانية لئلا يدخل القريب فيظنه مازال في الصلاة فيقتدي به.
٥ - يؤخذ من الحديث الثالث استحباب الذكر والدعاء والاستعاذة عقب الصلاة. قال النووي في المجموع شرح المهذب: والذكر والدعاء للإمام والمأموم والمنفرد مستحب عقب كل الصلوات بلا خلاف، وأما ما اعتاده الناس أو كثير منهم من تخصيص دعاء الإمام بصلاتي الصبح والعصر فلا أصل له، وإن كان قد أشار إليه صاحب الحاوي فقال: إن كانت الصلاة لا يتنفل بعدها كالصبح والعصر استدبر القبلة واستقبل الناس ودعا، وإن كانت مما يتنفل بعدها كالظهر والمغرب والعشاء فالمختار أن يتنفل في منزله. قال النووي: وهذا الذي أشار إليه من التخصيص لا أصل له، بل الصواب استحبابه في كل الصلوات ويستحب أن يقبل على الناس فيدعو.
ثم قال: وأما هذه المصافحة المعتادة بعد صلاتي الصبح والعصر فقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام ﵀ أنها من البدع المباحة، ولا توصف بكراهة ولا استحباب، وهذا الذي قاله حسن، والمختار أن يقال: إن صافح من كان معه قبل الصلاة فمباحة كما ذكرنا، وإن صافح من لم يكن معه قبل الصلاة عند اللقاء فسنة بالإجماع للأحاديث الصحيحة في ذلك.
واللَّه أعلم
стр. 1721
(٢٤٧) باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة
١٤١٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
١٤٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
١٤١٦ - عن عبد الله بن مالك ابن بحينة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح. فكلمه بشيء لا ندري ما هو. فلما انصرفنا أحطنا نقول: ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ قال: قال لي "يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا". قال القعنبي: عبد الله بن مالك ابن بحينة عن أبيه. (قال أبو الحسين مسلم) وقوله: عن أبيه في هذا الحديث، خطأ.
١٤١٧ - عن ابن بحينة ﵁ قال: أقيمت صلاة الصبح. فرأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي والمؤذن يقيم. فقال "أتصلي الصبح أربعًا"؟ .
١٤١٨ - عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله ﷺ فلما سلم رسول الله ﷺ قال: "يا فلان؟ بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟ ".
стр. 1722
-[المعنى العام]-
من المسلمات أن من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور، ومن المسلمات أن الاشتغال بالأفضل والأولى مقدم على الاشتغال بغير الأفضل وغير الأولى، ولا شك أن صلاة الجماعة في تأكيد طلبها مقدمة على النافلة والراتبة، فقد قيل بوجوب صلاة الجماعة، وقيل بأنها فرض كفاية، ولا كذلك الرواتب، ثم إن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة كما جاء في الصحيح، ثم إن النافلة قد تتدارك بعد الفريضة، بل تقضى بعد خروج الوقت عند بعض العلماء في حين أن فضل الجماعة لا يتدارك، وكان الصحابة يتسابقون لإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام بل كانوا يسرعون ويجرون للحاق بها حتى أمر بإتيان الصلاة بالسكينة والوقار. لهذا نهى ﷺ عن الشروع في النافلة إذا أقيمت الصلاة المفروضة. حتى سنة الصبح التي حافظ عليها ﷺ أكثر من غيرها أنكر ﷺ أن يشتغل بها بعد إقامة الصلاة حيث قال لمن رآه يفعل ذلك: تكاد توصل الراتبة بالفريضة بعد الإقامة فتكاد تصلي الصبح أربعًا، ولا ينبغي لك أن تعود لمثلها، وقال لمن صلى ركعتين في جانب المسجد بعد الإقامة، ثم سلم فدخل مع رسول اللَّه ﷺ ، قال له: إن صلاتك وحدك بعد الإقامة توهم أنك منفرد عنا فيقال لك: بأي الصلاتين تعتد وتعتمد، أبصلاتك وحدك؟ أم بصلاتك معنا؟ أي ما كان يليق بك أن تصلي وحدك ولو نافلة بعد أن أقيمت الصلاة.
-[المباحث العربية]-
(إذا أقيمت الصلاة) الروايات الثانية والثالثة والرابعة في صلاة الصبح فإذا أريد التقاء الروايات كانت "أل" في الصلاة للعهد، وإلا كانت للجنس تشمل كل صلاة، وهو أولى، ومعنى "إذا أقيمت" إذا ابتدئ في الإقامة وشرع فيها، صرحت بذلك رواية ابن حبان ولفظها "إذا أخذ المؤذن في الإقامة".
(فلا صلاة) الأصل في النفي نفي الحقيقة، وعليه فالمعنى فلا صلاة صحيحة، لكن لما لم يقطع النبي ﷺ صلاة المصلي - كما هو ظاهر الرواية الرابعة - واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفي الكمال، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي، أي فلا تصلوا حينئذ، ويؤيده ما رواه أحمد ولفظه "ولا تجعلوا هذه الصلاة - صلاة الصبح - مثل الظهر واجعلوا بينهما فصلاً".
(إلا المكتوبة) أي المفروضة، وظاهر اللفظ يشمل الحاضرة والفائتة وسيأتي الحكم في فقه الحديث.
стр. 1723
(عن عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة) قال النووي: عبد اللَّه بن مالك بن القشب [بكسر القاف وبالشين المعجمة الساكنة] و"بحينة" أم عبد اللَّه والصواب في كتابته وقراءته عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة بتنوين مالك، وكتابة "ابن" بالألف، لأنه صفة لعبد اللَّه. اهـ. وشرط حذف ألف "ابن" أن تقع بين علمين ثانيهما أب لأولهما، ومثل ابن بحينة عبد اللَّه بن أبي ابن سلول ومحمد بن علي ابن الحنفية.
قال ابن سعد في الطبقات: قدم مالك بن القشب مكة في الجاهلية، فحالف بني المطلب بن عبد مناف وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، وأدركت الإسلام فأسلمت وصحبت، وأسلم أبوها عبد اللَّه قديمًا.
(فكلمه بشيء) ظاهره أن رسول اللَّه ﷺ كلمه وهو في الصلاة، والرواية الرابعة تفيد أنه كلمه بعد الصلاة، ويمكن الجمع بينهما بأنه ﷺ كلمه أولاً سرًا فلهذا احتاجوا أن يسألوه ثم كلمه جهرًا بعد الصلاة وفائدة التكرير تأكيد الإنكار.
(أحطنا نقول) قال النووي: هكذا هو في الأصول "أحطنا نقول" وهو صحيح، وفيه محذوف تقديره: أحطنا به قائلين.
(يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا) وفي الرواية الثالثة "أتصلي أربعًا"؟ والاستفهام فيها إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي أن يكون. قال النووي: إذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهم الفريضة صار في معنى من صلى الصبح أربعًا، لأنه صلى بعد الإقامة أربعًا.
(فرأى رسول اللَّه ﷺ رجلاً يصلي) قال الحافظ ابن حجر: الرجل هو عبد اللَّه الراوي كما رواه أحمد ولفظه "أن النبي ﷺ مر به وهو يصلي، وفي رواية أخرى له "خرج وابن القشب يصلي".
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قال الشافعي والأصحاب: إذا أقيمت الصلاة كره لكل من أراد الفريضة افتتاح نافلة، سواء أكانت سنة راتبة لتلك الصلاة أو تحية مسجد أو غيرها لعموم هذا الحديث، وسواء فرغ المؤذن من إقامة الصلاة أم كان في أثناء الإقامة، وسواء علم أنه يفرغ من النافلة ويدرك إحرام الإمام أم لا. هذا مذهبنا، وبه قال أحمد. اهـ.
وهذا عام في ركعتي الفجر وغيرهما من الرواتب.
وخص بعضهم صلاة ركعتي الفجر بخصوصية، لأنه ورد في فضلهما "لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل" رواه أبو داود، وفي البخاري ومسلم من حديث عائشة "إن رسول اللَّه ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتين قبل الصبح".
فخصهما الحنفية بجواز صلاتهما خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الثانية من الصبح مع الإمام، قال صاحب الهداية: من انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر إن
стр. 1724
خشي أن تفوته ركعة يعني من صلاة الفجر لاشتغاله بالسنة ويدرك الركعة الأخرى وهي الثانية يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد، ثم يدخل المسجد، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين، يعني فضيلة السنة وفضيلة الجماعة. وإنما قيد بقوله: عند باب المسجد - لأنه لو صلاهما في المسجد كان متنفلاً فيه مع اشتغال الإمام بالفرض، وإنه مكروه قال الحافظ ابن حجر: وكأن الحنفية لما تعارض عندهم الأمر بتحصيل النافلة والنهي عن إيقاعها في تلك الحالة جمعوا بين الأمرين بذلك.
وقال الأوزاعي بمثل ذلك إلا أنه أجاز أن يركعهما في المسجد.
وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما، وإلا صلاهما في المسجد.
ويمكن دفع هذه الخصوصية بما أخرجه ابن عدي عن عمرو بن دينار في هذا الحديث "قيل: يا رسول اللَّه ولا ركعتي الفجر؟ قال: ولا ركعتي الفجر".
هذا ما يخص افتتاح النافلة بعد الشروع في الإقامة، أما من افتتحها قبل الشروع في الإقامة فأقيمت الصلاة وهو فيها ففيه يقول جمهور الشافعية: يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة عملاً بعموم قوله "فلا صلاة إلا المكتوبة".
وخص الحنفية وغيرهم النهي بمن ينشئ النافلة عملاً بعموم قوله تعالى ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] وفرق البعض بين من يخشى فوت الفريضة في الجماعة فيقطع وإلا فلا. وإلى هذا الرأي نميل. والله أعلم.
هذا ولا خلاف أن النهي هنا للتنزيه، وفي حكمة هذا الإنكار. قال القاضي عياض وغيره: لئلا يتطاول الزمان فيظن وجوبها، قال الحافظ: ويؤيده رواية "يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعًا" وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره. وهذا مردود بعموم الرواية الأولى.
وقال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة.
وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطحاوي قال الحافظ: ومقتضاه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقب، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكار أصلاً، لأن ابن بحينة سلم من صلاته قطعًا ثم دخل في الفرض.
وقال بعضهم: إن سبب الإنكار خوف أن يظن أنه يصلي الفرض منفردًا فيظن أنه مختلف مع الإمام، ومع أن الحكم لا تزاحم في التماسها فإن أوجه ما قيل في ذلك هو قول النووي، يؤيده ابن عبد البر إذ يقول: وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركه بعد أداء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في الإقامة حي على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة أي التي يقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره.
واللَّه أعلم
стр. 1725
(٢٤٨) باب ما يقول إذا دخل المسجد
١٤١٩ - عن أبي أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك". (قال مسلم) سمعت يحيى بن يحيى يقول: كتبت هذا الحديث من كتاب سليمان بن بلال. قال: بلغني أن يحيى الحماني يقول: وأبي أسيد.
-[المعنى العام]-
المساجد في الأرض بيوت اللَّه، وحق على من قصد اللَّه في بيته أن يطلب منه الرحمة، ورحمة اللَّه واسعة، رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، والمساجد مواطن الرحمة لأنها أماكن العبادة وأماكن المناجاة، وأماكن الطاعة، ولهذا طلب رسول اللَّه ﷺ ممن يدخل المسجد أن يسأل اللَّه فتح أبواب رحمته لعبده.
ولما كان الخروج من المسجد خروجًا لطلب الرزق في الغالب كان المشروع لمن خرج من المسجد أن يسأل اللَّه تعالى فضلاً وجودًا ورزقًا حلالاً. وبهذا يصبح المسجد موئلاً لطلب خيري الدنيا والآخرة وموطنًا لإجابة الدعاء والحصول على رحمة اللَّه وفضله.
-[المباحث العربية]-
(إذا دخل أحدكم المسجد) فيه مجاز المشارفة، أي إذا أراد أحدكم دخول المسجد وأشرف على الدخول، و"أل" في المسجد للجنس يعم كل مسجد.
(اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك) الرحمة لا تحس والمحسوس آثارها والأبواب من ظواهر المحسوسات، وكذا الفتح، ففي الكلام استعارة بأن شبهنا الرحمة بمحسوس مخزون في مخزن له أبواب.
(وإذا خرج) أي أشرف على الخروج.
стр. 1726
-[فقه الحديث]-
هذا الدعاء مستحب، وليس هذا الموطن قاصرًا على هذا الدعاء وإن كان أفضل الأدعية ما ورد، ويمكن أن يدعو داخل المسجد وخارجه بما ورد في القرآن ﴿رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠].
والأدعية الواردة في المواطن المتعددة يقصد بها الإرشاد ومراعاة المناسبات والهدف ربط العبد بربه في حركاته وسكناته استحضارًا بأنه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير إنه على كل شيء قدير. واستحضارًا بأنه تعالى يحب من عباده سؤاله ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] وفي الحديث "إذا سألت فاسأل اللَّه وإذا استعنت فاستعن باللَّه". والشاعر يقول:
لا تسألن بني آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تحجب
اللَّه يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب
واللَّه أعلم
стр. 1727
(٢٤٩) باب استحباب تحية المسجد بركعتين وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنها مشروعة في جميع الأوقات، واستحباب ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه
١٤٢٠ - عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
١٤٢١ - عن أبي قتادة ﵁ صاحب رسول الله ﷺ قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس. قال فجلست. فقال رسول الله ﷺ "ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ " قال فقلت: يا رسول الله رأيتك جالسًا والناس جلوس. قال "فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين".
١٤٢٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان لي على النبي ﷺ دين. فقضاني وزادني. ودخلت عليه المسجد. فقال لي "صل ركعتين".
١٤٢٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: اشترى مني رسول الله ﷺ بعيرًا. فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين.
١٤٢٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة. فأبطأ بي جملي وأعيى. ثم قدم رسول الله ﷺ قبلي. وقدمت بالغداة. فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد. قال "الآن حين قدمت؟ " قلت: نعم. قال "فدع جملك. وادخل فصل ركعتين" قال فدخلت فصليت. ثم رجعت.
стр. 1728
١٤٢٥ - عن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان لا يقدم من سفر إلا نهارًا في الضحى. فإذا قدم بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه.
-[المعنى العام]-
جعل اللَّه المساجد في الأرض مكان تعبد وصلاة، فكان حقها أن يبدأ الداخل إليها بالشعار الذي بنيت من أجله وهو الصلاة، فشرع اللَّه تحية للمساجد ركعتين فأكثر، لا يليق بالمؤمن أن يدخل المسجد فيجلس دون أن يصلي فرضًا أو نفلاً، فإن لم يكن عليه فرض أو نافلة فليصل ركعتين بنية تحية المسجد هذه هي السنة، وقد وضحها رسول اللَّه ﷺ للأمة قولاً وتبليغًا وراعى تطبيق الأمة لها وتابع قيامهم بها فكان إذا رأى من ترك هذه السنة نبهه إليها ودعاه أن يؤديها.
فهذا أبو قتادة يدخل المسجد فيرى رسول اللَّه ﷺ بين أصحابه يعظهم ويعلمهم، فيقع في نفسه أن الأدب يدعوه إلى سرعة لقاء النبي ﷺ والجلوس عنده مع الجالسين فجلس، فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما منعك أن تصلي تحية المسجد قبل أن تجلس؟ قال: بادرت بالجلوس إليك يا رسول اللَّه. قال: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين.
وكان جابر بن عبد اللَّه في غزوة مع رسول اللهَّ ﷺ وفي العودة تأخر به جمله عن مرافقة القوم لضعفه وكان ﷺ يرعى الضعفاء، ويتأخر عن القوم ليصاحبهم فقال لجابر: ما لجملك يا جابر؟ قال: أبطأ بي وأعيا، قال له: بعنيه. قال هو لك يا رسول اللَّه دون بيع، قال: لا، بعنيه بأوقية. قال: بعتكه على أن أركبه حتى أصل، قال: كذلك الأوقية عندما تصل. ونخس رسول اللَّه ﷺ الجمل، فصار أسرع من غيره من الجمال، وأسرع رسول اللَّه ﷺ السير. ووصل قبل جابر، فصلى ركعتين بالمسجد، وانتظر جابرًا حتى جاء، فقال له: ادخل المسجد فصل ركعتين، وكلما جئت من سفر ابدأ بالمسجد وصل ركعتين، فصلى جابر، ونقده ﷺ ثمن الجمل، فلما وصل جابر داره دعاه ﷺ ، ثم قال له: خذ جملك هبة مني، ولك ثمنه، صلى اللَّه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(عن أبي قتادة) بفتح القاف والتاء.
стр. 1729
(بين ظهراني الناس) في القاموس: هو بين ظهريهم - وظهرانيهم ولا تكسر النون - وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم.
(فلا يجلس حتى يركع ركعتين) أي حتى يصلي، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وهذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله، والصحيح أن الركعتين حد أدنى، فلا تتأدى السنة بأقل منه.
(كان لي على النبي ﷺ دين) هذا الدين هو ثمن البعير المتحدث عنه في الرواية الثالثة.
(فقضاني وزادني) الثابت من الروايات أن الثمن كان أوقية من ذهب فلما قدموا المدينة قال النبي ﷺ لبلال: أعطه أوقية من ذهب وزده، فأعطاه أوقية وقيراطًا، فلما انصرف دعاه فقال له: خذ جملك ولك ثمنه. يقول جابر: فمررت برجل من اليهود فأخبرته فجعل يعجب ويقول: اشترى منك البعير ودفع إليك الثمن، ثم وهبه لك؟ قلت: نعم.
(ودخلت عليه المسجد) في الرواية الرابعة "فوجدته على باب المسجد" ولا تخالف. فقد كان الرسول ﷺ على باب المسجد من الداخل فدخل عليه جابر وقوله: دخلت عليه المسجد مراد به قصدت وأردت دخول المسجد لتتوافق مع الرواية الثالثة، وفيها "أمرني أن آتي المسجد" أي أدخل المسجد - فأصلي ركعتين، وبذلك تصرح الرواية الرابعة، وفيها "فدع جملك وادخل فصل ركعتين".
(اشترى مني رسول اللَّه ﷺ بعيرًا) الثابت في الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ قال له: بعنيه بأوقية. قال: هو لك يا رسول اللَّه. قال: لا، بعنيه بأوقية - وكان رسول اللَّه ﷺ يعلم حاجة جابر إلى المال - قال جابر: بل أهبه لك يا رسول اللَّه. قال: قد أخذته بأوقية. قال جابر: فاستثنيت حملانه لي إلى أهلي. أي استثنيت حمله إياي حتى أصل أهلي بالمدينة.
(خرجت مع رسول اللَّه ﷺ في غزاة) قيل في غزوة تبوك، وجزم ابن إسحاق بأنها غزوة ذات الرقاع.
(فأبطأ بي جملي وأعيا) أي أبطأ عن اللحاق بالقوم وتعب فلا يكاد يسير كما جاء في بعض الروايات، وفي الصحيح "فمر بي رسول اللَّه ﷺ فضربه فدعا له فمشي مشية ما مشي قبل ذلك مثلها".
(ثم قدم رسول اللَّه ﷺ قبلي) أي قدم المدينة قبله، والرواية الخامسة تصرح بأن عادته ﷺ مقصورة على القدوم في الضحى، فهي متعارضة مع قدوم جابر في الغداة بعده.
(وقدمت بالغداة) الغداة من الفجر حتى طلوع الشمس، وقيل أول النهار مطلقًا.
(كان لا يقدم من سفر) "يقدم" في الأصل بفتح الدال، وفي القاموس: وقدم من سفره كعلم قدومًا وفيه: قدم كنصر وعلم وأقدم وتقدم.
стр. 1730
-[فقه الحديث]-
هذان بابان في شرح النووي لصحيح مسلم. باب استحباب تحية المسجد بركعتين وباب استحباب ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه. وظاهر صنيع النووي أن الرواية الأولى لجابر وهي روايتنا الثانية من باب استحباب تحية المسجد مع أنها نفس واقعة الرواية الثالثة والرابعة، وقد ذهب النووي إلى أن الركعتين للقادم من السفر غير تحية المسجد، فقال: في هذه الأحاديث استحباب ركعتين للقادم من سفره في المسجد أول قدومه، وهذه الصلاة مقصورة للقدوم من السفر، لا أنها تحية المسجد، والأحاديث المذكورة صريحة فيما ذكرته. اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر عنه قوله: ينوي بها صلاة القدوم .. لكن تحصل التحية بها. اهـ.
وأعتقد أن المستحب على القادم من سفر أن يبدأ بالمسجد، وأن المستحب لمن دخل المسجد مطلقًا أن يصلي تحية المسجد، فليست الصلاة مستحبة للقدوم من السفر، وإلا لاستحبت ولو بدون المسجد، إذ لم يقل أحد أن المسجد شرط لصحة الصلاة، لهذا لم أقتنع بترجمة البخاري بقوله: باب الصلاة إذا قدم من سفر، ولهذا ضممت أحاديث البابين تحت باب واحد. واللَّه أعلم.
قال النووي: أجمع العلماء على استحباب تحية المسجد، ويكره أن يجلس من غير تحية بلا عذر، لحديث أبي قتادة المصرح بالنهي، وسواء عندنا - أي عند الشافعية - دخل في وقت النهي عن الصلاة أم في غيره، قال أصحابنا: وتحية المسجد ركعتان للحديث، فإن صلى أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة جاز وكانت كلها تحية، لاشتمالها على الركعتين، ولو صلى على جنازة أو سجد لتلاوة أو لشكر أو صلى ركعة واحدة لم تحصل التحية، لصريح الحديث الصحيح. هذا هو المذهب. وحكى الرافعي وجهًا أنها تحصل لحصول العبادة وإكرام المسجد، والصواب الأول، وإذا جلس والحالة هذه كان مرتكبًا للنهي. قال أصحابنا: ولا يشترط أن ينوي بالركعتين التحية، بل إذا صلى ركعتين بنية الصلاة مطلقًا، أو نوى ركعتين نافلة راتبة أو غير راتبة أو صلاة فريضة مؤداة أو مقضية أو منذورة أجزأه ذلك، وحصل له ما نوى، وحصلت تحية المسجد ضمنًا، ولا خلاف في هذا، قال أصحابنا: وكذا لو نوى الفريضة وتحية المسجد أو الراتبة وتحية المسجد حصلا جميعًا بلا خلاف. ثم قال: ولو تكرر دخوله المسجد في الساعة الواحدة مرارًا. قال صاحب التتمة: تستحب التحية كل مرة، وقال المحاملي في اللباب: أرجو أن تجزيه التحية مرة واحدة. والأول أقوى وأقرب إلى ظاهر الحديث.
ولو جلس في المسجد قبل التحية وطال الفصل فاتت ولا يشرع قضاؤها فإن لم يطل الفصل فالذي قاله الأصحاب أنها تفوت بالجلوس، والذي يقتضيه حديث سليك أنه إذا ترك التحية جهلاً بها أو سهوًا يشرع له فعلها ما لم يطل الفصل.
وقال: قال أصحابنا: تكره التحية في حالتين: إحداهما إذا دخل والإمام في المكتوبة، أو قد شرع المؤذن في الإقامة: الثانية إذا دخل المسجد الحرام فلا يشتغل بها عن الطواف.
стр. 1731
وقال: استحباب تحية المسجد في أي وقت دخل هو مذهبنا، وكرهها أبو حنيفة والأوزاعي والليث في وقت النهي، وأجاب أصحابنا أن النهي إنما هو عما لا سبب له، لأن النبي ﷺ صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر فخص وقت النهي، وصلى به ذات السبب، ولم يترك التحية في حال من الأحوال، بل أمر الذي دخل المسجد يوم الجمعة وهو يخطب فجلس أن يقوم فيركع ركعتين مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحية. فلو كانت التحية تترك في حال من الأحوال لتركت الآن، لأنه قعد وهي مشروعة قبل القعود، ولأنه كان يجهل حكمها، ولأن النبي ﷺ قطع خطبته وكلمه وأمره أن يصلي التحية، فلولا شدة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم بها ﵊ هذا الاهتمام. اهـ.
وسيأتي الكلام عن تحية المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة في الباب الخاص بذلك إن شاء اللَّه.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - يؤخذ من قول جابر في الرواية الثانية "كان لي على النبي ﷺ دين" جواز التحديث بالعمل الصالح، للإتيان بالقصة على وجهها، لا على وجه التزكية للنفس وإرادة الفخر.
٢ - يؤخذ من قوله في الرواية الرابعة "فدع جملك وادخل فصل ركعتين" جواز إدخال الدواب والأمتعة إلى رحاب المسجد وحواليه. قاله الحافظ ابن حجر.
٣ - ويؤخذ من قوله في الرواية الثانية "فقضاني وزادني" جواز الزيادة في الثمن عند الأداء، قال الحافظ: وهي هبة مستأنفة، حتى لو ردت السلعة بعيب مثلاً لم يجب ردها.
وقيل: هي تابعة للثمن فترد.
ونحب أن ننبه إلى أن هذا ليس زيادة في القرض حتى يقاس عليه زيادة المدين في القرض، ثم إن هذه الزيادة من ولي الأمر، ثم إنها في الحقيقة ليست زيادة، إذ الرد كان للبعير ولثمنه وزيد أكثر من الثمن. واللَّه أعلم.
٤ - وفيه تفقد الإمام للرعية وأحوالهم وإعانته للمحتاج بما تيسر.
٥ - وفيه كرمه ﷺ وحسن معاملته.
٦ - ويؤخذ من الرواية الخامسة استحباب القدوم من السفر أوائل النهار.
٧ - وأنه يستحب للرجل الكبير في المرتبة ومن يقصده الناس إذا قدم من سفر للسلام عليه أن يقعد أول قدومه قريبًا من داره في موضع بارز سهل على زائريه إما المسجد وإما غيره. ذكره النووي.
واللَّه أعلم
стр. 1732
(٢٥٠) باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان
١٤٢٦ - عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: هل كان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه.
١٤٢٧ - عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه.
١٤٢٨ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط. وإني لأسبحها وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
١٤٢٩ - عن معاذة أنها سألت عائشة ﵂: كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات. ويزيد ما شاء.
١٤٣٠ - - عن يزيد بهذا الإسناد مثله وقال يزيد ما شاء اللَّه.
١٤٣١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعًا. ويزيد ما شاء اللَّه.
١٤٣٢ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى إلا أم هانئ. فإنها حدثت أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فصلى ثماني ركعات. ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها. غير أنه كان يتم الركوع والسجود. ولم يذكر ابن بشار في حديثه قوله: قط.
стр. 1733
١٤٣٣ - عن ابن شهاب قال: حدثني ابن عبد الله بن الحارث أن أباه عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: سألت وحرصت على أن أجد أحدًا من الناس يخبرني أن رسول الله ﷺ سبح سبحة الضحى. فلم أجد أحدًا يحدثني ذلك. غير أن أم هانئ بنت أبي طالب أخبرتني أن رسول الله ﷺ أتى بعد ما ارتفع النهار يوم الفتح. فأتي بثوب فستر عليه. فاغتسل، ثم قام فركع ثماني ركعات. لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده، كل ذلك منه تقارب. قالت: فلم أره سبحها قبل ولا بعد. قال المرادي: عن يونس. ولم يقل: أخبرني.
١٤٣٤ - عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب. قالت فسلمت فقال "من هذه؟ " قلت أم هانئ بنت أبي طالب. قال "مرحبًا بأم هانئ" فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات. ملتحفًا في ثوب واحد. فلما انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلاً أجرته فلان ابن هبيرة. فقال رسول الله ﷺ "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" قالت أم هانئ وذلك ضحى.
١٤٣٥ - عن أم هانئ ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى في بيتها عام الفتح ثماني ركعات. في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه.
١٤٣٦ - عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة. فكل تسبيحة صدقة. وكل تحميدة صدقة. وكل تهليلة صدقة. وكل تكبيرة صدقة. وأمر بالمعروف صدقة. ونهي عن المنكر صدقة. ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
стр. 1734
١٤٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد.
١٤٣٨ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث. لن أدعهن ما عشت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر.
-[المعنى العام]-
الصلاة مقام المناجاة ووقوف العبد بين يدي ربه، وإذا كان اللَّه قد فرض خمس صلوات في اليوم والليلة فذلك تخفيف منه تعالى ورحمة، ولكن على العبد أن يزيد في هذا الفضل على ما فرض عليه، وخصوصًا إذا طال الفاصل الزمني بين فرضين، فحيث طال الفصل بين صلاة العشاء وصلاة الفجر شرعت صلاة الليل والتهجد، وحيث طال الفصل الزمني بين صلاة الفجر وصلاة الظهر شرعت صلاة الضحى، إلا أنه لما كان وقت الضحى وقت انشغال البشر بأعمالهم الدنيوية غالبًا من الضرب في الأرض والسعي في طلب الرزق لم يبرز رسول اللَّه ﷺ صلاة الضحى كما أبرز صلاة الليل إشفاقًا على التزام أمته بما يبرزه ويحرص عليه، وعلم الصحابة هذا السلوك النبوي، فحرص المتفرغون منهم على صلاة الضحى، حتى قالت عائشة ﵂ "ما رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي سبحة الضحى قط وإني لأسبحها" وقال أبو هريرة وهو من أصحاب الصفة المتفرغين للعبادة: "أوصاني خليلي بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد". وحينما كان ﷺ يصليها كان يخفف الصلاة في تمام، وكان يصليها مرة ركعتين ومرة أربعًا ومرة ستًا ومرة ثمانيًا، وصدق اللَّه العظيم حيث يقول ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] فصلى اللَّه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.
стр. 1735
-[المباحث العربية]-
(إلا أن يجيء من مغيبه) بفتح الميم وكسر الغين مصدر ميمي أو اسم مكان، أي إلا أن يجيء من غيابه وسفره، أو من مكان غيبته.
(يصلي سبحة الضحى قط) بضم السين وسكون الباء من التسبيح والمراد بها النافلة، وخصت بذلك لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة، فقيل لصلاة النافلة سبحة لأنها كالتسبيح في الفريضة.
و"قط" ظرف زمان مبني على الضم، بمعنى "أبدًا" ولا يستعمل إلا مع النفي.
(وإني لأسبحها) أي لأصليها، وفي رواية "وإني لأستحبها" من الاستحباب، والرواية تقتضي أن عائشة كانت تصلي الضحى، أما الثانية فلا يلزم من استحبابها لها أن تفعلها.
(وإن كان رسول اللَّه ﷺ ليدع العمل) "إن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والحال محذوف، واللام في خبرها "ليدع" هي الفارقة بينها وبين "إن" النافية.
(وهو يحب أن يعمل به) "يعمل" بفتح الياء، أي يعمله، قال النووي: ضبطناه بفتح الياء. اهـ. ويؤيده رواية "وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم".
(ما أخبرني أحد ... إلا أم هانئ) "أم هانئ" بدل من "أحد" قال النووي: وهو بهمزة بعد النون، كنيت باسمها هانئ. واسمها فاختة على المشهور، وقيل: هند. اهـ. وأم هانئ بنت أبي طالب شقيقة علي كرم الله وجهه.
(سألت وحرصت) قال النووي "حرصت" بفتح الراء على المشهور، وبه جاء القرآن، وفي لغة بكسرها. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وبين ابن ماجه في روايته وقت سؤال عبد الله بن الحارث عن ذلك، ولفظه "سألت في زمن عثمان".
(فلم أجد أحدًا يحدثني ذلك غير أم هانئ أخبرتني) "غير" بالنصب لأنها بدل من قوله "أحد" وفي رواية البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى "ما حدثنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى غير أم هانئ" فغير على هذا مرفوعة.
(عن أبي مرة مولى أم هانئ) في الرواية السابعة "عن أبي مرة مولى عقيل" بن أبي طالب. قال النووي: قال العلماء: هو مولى أم هانئ حقيقة ويضاف إلى عقيل مجازًا، للزومه إياه وانتمائه إليه، لكونه مولى أخته.
(تقول: ذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره
стр. 1736
بثوب. قالت: فسلمت) في الرواية الخامسة قالت أم هانئ: "إن رسول الله ﷺ أتى بعد ارتفاع النهار يوم الفتح، فأتى بثوب، فستر عليه فاغتسل" فالرواية السادسة ظاهرها أنها هي التي ذهبت إليه، والخامسة ظاهرها أنه ﷺ أتى إليها، وفي هذا نوع من التعارض رفعه الحافظ ابن حجر بقوله: وجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه، ويحتمل أن يكون نزل في بيتها في أعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر بمكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل فيصح القولان. اهـ والجمع بالتكرار بعيد. والظاهر الجمع الثاني.
(مرحبًا) لفظ تكريم، ومعناه صادفت رحبًا وسعة، فهو منصوب بفعل محذوف، وقيل: منصوب على المصدرية، من رحبت الأرض إذا اتسعت. قال سيبويه: وهو من المصادر النائبة عن أفعالها. اهـ.
(ملتحفًا في ثوب واحد) وفي الرواية السابعة "في ثوب واحد خالف بين طرفيه" حينما يكون الثوب كبيرًا واسعًا يمكن ستر العورة به مع طرح طرفيه على العاتقين، فيلف الثوب حول الوسط ساترًا بين السرة والركبة ويخرج طرفه من تحت الإبط الأيمن ويلقى على الكتف الأيسر، ويخرج طرفه الأيسر من تحت الإبط الأيسر ويلقى على الكتف الأيمن فبذلك تكون اليدان عاريتين خارجتين عن الثوب، بخلاف اشتمال الصماء بأن يدير الثوبى على بدنه كله لا يخرج منه يده.
(زعم ابن أمي علي بن أبي طالب) في رواية "زعم ابن أبي" وهي صحيحة في المعنى، فإنه شقيقها، وزعم هنا بمعنى ادعى، ويكثر لفظ الزعم فيما هو باطل، وقل مجيئه مع الحق، كما في الحديث "زعم جبريل أنه لن تموت نفس" فهذه بمعنى حدث وأخبر.
(أنه قاتل رجلاً أجرته) أطلق اسم الفعل هنا "قاتل" على من عزم على الفعل، وإن كان مستقبلاً. وقد أجارته أم هانئ أي أعطته الأمان والتزمت أن تحميه من المسلمين.
(فلان ابن هبيرة) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو فلان ابن هبيرة ومقول أم هانئ في الحقيقة اسم الشخص الذي كني عنه الراوي بفلان، وفي اسم من أجارته أم هانئ كلام كثير، حاصله: قال النووي: روينا في كتاب الزبير بن بكار أن فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام المخزومي قال آخرون: هو عبد الله بن ربيعة، وفي تاريخ مكة أنها أجارت الرجلين، قال النووي: ويجمع بهذا بين الأقوال. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: الذي وقع عند الزبير بن بكار أنه وضع الحارث بن هشام بدل فلان بن هبيرة لأنه جعل هذا عين ذاك.
والمعروف أن هبيرة كان زوج أم هانئ، وهرب عند فتح مكة إلى نجران ولم يزل بها مشركًا حتى مات، ولم يذكر أهل النسب لهبيرة ولدًا من غير أم هانئ، ومن المستبعد أن يهتم علي ﵁ بقتل ابن أم هانئ فإنها كانت قد أسلمت وأولادها عندها.
وخروجًا من هذا الإشكال قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أن في روية الباب حذفًا، كأنه
стр. 1737
كان فيه: فلان ابن عم هبيرة، فسقط لفظ "عم" أو كان فيه: فلان قريب هبيرة، فتغير لفظ قريب بلفظ "ابن" وكل من الحارث بن هشام وعبد الله بن ربيعة يصح وصفه بأنه ابن عم هبيرة وقريبه، لأنهما من بني مخزوم. اهـ.
وقد جاء عند أحمد والطبراني عن أم هانئ "إني أجرت حموين لي" ويقال: إنهما كانا فيمن قاتل خالد بن الوليد ولم يقبلا الأمان، فلما دارت الدائرة عليهما لجأ إلى أم هانئ فأجارتهما.
(يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة) قال النووي: "سلامي" بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم، وهو المفصل، وجمعه سلاميات بضم السين وفتح الميم وتخفيف الياء، وهي المفاصل، وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "خلق الإنسان على ستين وثلاثمائة مفصل على كل مفصل صدقة".
(ويجزئ من ذلك ركعتان) قال النووي: ضبطناه "ويجزي" بفتح أوله وضمه، فالضم من الإجزاء، والفتح من جزى يجزي، أي كفى.
(أوصاني خليلي) الخليل هو الصديق الخالص الذي تخللت محبته القلب فصارت في خلاله أي في باطنه، ولا يتعارض هذا القول من أبي هريرة مع قوله ﷺ "لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر" لأن الممتنع أن يتخذ هو ﷺ غير الله خليلاً، لا أن يتخذ هو خليلاً، ولا يقال: إن المخاللة لا تتم إلا أن تكون من الجانبين، فإنها قد تحدث من جانب واحد.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: جمع ابن القيم في الهدى الأقوال في صلاة الضحى فبلغت ستة:
الأول: مستحبة، واختلف في عددها، فقيل: أقلها ركعتان وأكثرها اثنتا عشرة: وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: ركعتان فقط، وقيل: أربعًا فقط، وقيل: لا حد لأكثرها.
القول الثاني: لا تشرع إلا لسبب، واحتجوا بأنه ﷺ لم يفعلها إلا بسبب، واتفق وقوعها وقت الضحى، وتعددت الأسباب، فحديث أم هانئ في صلاته يوم الفتح [روايتنا الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة] كان بسبب الفتح، وأن سنة الفتح أن يصلي ثماني ركعات، ونقله الطبري من فعل خالد بن الوليد لما فتح الحيرة، وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى أنه ﷺ صلى الضحى حين بشر برأس أبي جهل، وهذه صلاة شكر كصلاة يوم الفتح، وصلاته في بيت عتبان إجابة لسؤال أن يصلي في مكان في بيته يتخذه مصلى، فاتفق أن جاء وقت الضحى، وحديث عائشة" لم يكن يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه [روايتنا الأولى] لأنه كان ينهى عن الطروق ليلاً فيقدم في النهار، فيبدأ بالمسجد فيصلي وقت الضحى.
стр. 1738
القول الثالث: لا تستحب أصلاً.
الرابع: يستحب فعلها تارة وتركها تارة بحيث لا يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والحجة فيه حديث أبي سعيد "كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها" أخرجه الحاكم.
الخامس: تستحب صلاتها والمواظبة عليها في البيوت، أي للأمن من خشية أن تفرض.
السادس: أنها بدعة.
قال: وقد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد وذكر لغالب هذه الأقوال مستندًا، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفسًا من الصحابة. اهـ.
هذا وجمهور علماء الأمة على أن صلاة الضحى سنة مؤكدة أو هي مستحبة، وتبعًا لذلك كان لا بد من توجيه أحاديث الباب النافية لاستحبابها وفي ذلك يقول النووي: هذه الأحاديث كلها متفقة، لا اختلاف بينها عند أهل التحقيق، وحاصلها أن الضحى سنة مؤكدة، وأن أقلها ركعتان وأكملها ثماني ركعات، وبينهما أربع أو ست، وكلاهما أكمل من ركعتين، ودون ثمان، أما الجمع بين حديثي عائشة في نفي صلاته ﷺ الضحى وإثباتها فهو أن النبي ﷺ كان يصليها بعض الأوقات لفضلها ويتركها في بعضها خشية أن تفرض، كما ذكرته عائشة، ويتأول قولها [في الرواية الأولى] "ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه" على أن معناه ما رأيته، كما قالت في الرواية الثانية "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى" وسببه أن النبي ﷺ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، فإنه قد يكون في ذلك مسافرًا، وقد يكون حاضرًا ولكنه في المسجد أو في موضع آخر، وإذا كان عند عائشة فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصح قولها "ما رأيته يصليها" ولا تكون قد علمت بخبره أو خبر غيره أنه صلاها.
أو يقال: قولها "ما كان يصليها" أي ما يداوم عليها، فيكون نفيًا للمداومة لا لأصلها، وأما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: هي بدعة. فمحمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم، أو يقال: قوله "بدعة" أي المواظبة عليها، لأن النبي ﷺ لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وهذا في حقه ﷺ ، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقنا بحديث أبي الدرداء وأبي ذر، أو يقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي ﷺ الضحى وأمره بها، وكيف كان فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود وابن عمر، والله أعلم. اهـ.
وقال القاضي عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المساجد، وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قومًا يصلونها فأنكر عليهم، وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم، لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم اللَّه؟
قال الحافظ ابن حجر [تنبيه] حديث عائشة يدل على ضعف ما روي عن النبي ﷺ أن صلاة
стр. 1739
الضحى كانت واجبة عليه، وعدها لذلك بعض العلماء من خصائصه، ولم يثبت ذلك في خبر صحيح، وقول الماوردي في الحاوي: أنه ﷺ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات يعكر عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانئ [روايتنا الخامسة] "إنه لم يصلها قبل ولا بعد". اهـ
وفي وقت صلاة الضحى يقول النووي: ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال، قال صاحب الحاوي: وقتها المختار إذا مضى ربع النهار. اهـ
-[ويؤخذ من مجموع هذه الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من الرواية الأولى استحباب الصلاة عند القدوم من السفر.
٢ - ومن الرواية الثانية من قولها "وإني لأسبحها" مشروعية المداومة على صلاة لم يداوم عليها ﷺ .
٣ - ومن قولها "وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم "يؤخذ كمال شفقته ﷺ ورأفته بأمته.
٤ - وأنه إذا تعارضت مصالح قدم أهمها، إذ صلاته ﷺ مصلحة وإبعاد المشقة عن أمته مصلحة، فقدم الأهم ﷺ .
٥ - ومن الرواية الرابعة، من قولها "ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها" استحباب تخفيف صلاة الضحى. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغ لمهمات الفتح، لكثرة شغله به.
٦ - من الرواية الخامسة من قوله "سألت وحرصت .. إلخ" مدى حرص الصحابة والتابعين على تتبع الأحكام الشرعية منقولة نقلاً موثوقًا به عن النبي ﷺ .
٧ - ومن الرواية السادسة جواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارمه إذا كان مستور العورة عنها.
٨ - جواز تستير امرأة من المحارم رجلاً بثوب ونحوه.
٩ - سلام المرأة التي ليست بمحرم على الرجل بحضرة محارمه.
١٠ - جواز إلقاء السلام على من هو في حال الاغتسال أو الوضوء.
١١ - عدم الاكتفاء في الجواب بلفظ "أنا" بل يوضح الطارق غاية التوضيح كما في ذكر الكنية والنسب هنا.
١٢ - وأنه لا بأس أن يكني الإنسان نفسه على سبيل التعريف إذا اشتهر بالكنية.
١٣ - استحباب قول الإنسان لزائره والوارد عليه "مرحبًا" ونحوه من ألفاظ الإكرام والملاطفة.
١٤ - وأنه لا بأس بالكلام في حال الاغتسال والوضوء.
стр. 1740
١٥ - من قولها "فلما انصرف قلت ... " أن من قصد إنسانًا لحاجة ومطلوب فوجده مشتغلاً بطهارة ونحوها لم يقطعها عليه حتى يفرغ، ثم يسأل حاجته، إلا أن يخاف فوتها.
١٦ - ومن قولها "ملتحفًا في ثوب واحد" ما كانوا عليه من ضيق الحال وقلة الثياب.
١٧ - وجواز الصلاة في الثوب الواحد مادام يستر العورة، وذلك يختص بحال الضيق أو بحال بيان الجواز. ذكره الحافظ ابن حجر.
١٨ - استحباب الالتحاف إذا كان الثوب واحدًا واسعًا قال ابن بطال: فائدة الالتحاف المذكور أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، ولئلا يسقط الثوب عند الركوع والسجود. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: والمراد أن لا يتزر به في وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بطرفيه على عاتقيه ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة.
١٩ - أمان المرأة لرجل كافر. قال النووي: استدل بعض أصحابنا وجمهور العلماء بهذا الحديث على صحة أمان المرأة، قالوا: وتقدير الحديث: حكم الشرع بصحة جواز من أجرت يا أم هانئ. وقال بعضهم: لا حجة فيه، لأنه محتمل لهذا، ومحتمل لابتداء الأمان، وبالأول قال الشافعي وآخرون، وبالثاني أبو حنيفة ومالك، ويحتج للأكثرين بأن النبي ﷺ لم ينكر عليها الأمان ولا بين فساده ولو كان فاسدًا لبينه لئلا يغتر به.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئًا ذكره ابن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، إن أجازه جاز وإن رده رد. وتأويل ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.
٢٠ - ومن الرواية الثامنة، من قوله "ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" عظم فضل صلاة الضحى وكبر موقعها.
٢١ - وأن صلاة الضحى تجزئ عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم.
٢٢ - ومن الرواية التاسعة استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
٢٣ - واستحباب تقدم الوتر على النوم، وذلك في حق من لم يثق بالاستيقاظ آخر الليل، أما من أمن فالتأخير أفضل، للحديث الصحيح "فانتهى وتره إلى السحر".
واللَّه أعلم
стр. 1741
(٢٥١) باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما
١٤٣٩ - عن حفصة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح ركع ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة.
١٤٤٠ - عن حفصة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين.
١٤٤١ - عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أضاء له الفجر صلى ركعتين.
١٤٤٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما.
١٤٤٣ - - عن هشام بهذا الإسناد وفي حديث أبي أسامة إذا طلع الفجر.
١٤٤٤ - عن عائشة ﵂ أن نبي الله ﷺ كان يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح.
١٤٤٥ - عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى إني أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن.
стр. 1742
١٤٤٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر صلى ركعتين أقول: هل يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب.
١٤٤٧ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح.
١٤٤٨ - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ في شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر.
١٤٤٩ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
١٤٥٠ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر "لهما أحب إلي من الدنيا جميعًا".
١٤٥١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، و ﴿قل هو الله أحد﴾
١٤٥٢ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ [البقرة: ١٣٦] وفي الآخرة منهما ﴿آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾ [آل عمران: ٥٢].
١٤٥٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ والتي في آل عمران: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [٦٤].
стр. 1743
-[المعنى العام]-
لا شك أن صلاة الصبح من أفضل الصلوات، تجتمع فيها ملائكة النهار وملائكة الليل فيشهدون للمصلين عند ربهم، ولما كانت ركعتين فقط كانت أقصر فرض في الصلوات الخمس، فكانت راتبتها أحق الرواتب بالاهتمام والمحافظة، يزيدها أهمية أنها فاتحة النهار، ومن خير المسلم أن يفتتح يومه بالتطوع بركعتين. ولذلك واظب عليهما ﷺ ، وكان يقول عنهما: إنهما خير من الدنيا وما فيها من متاع.
وكان ﷺ يبالغ في تخفيفهما مع إتمام الركوع والسجود إنما كان يخفف القراءة حتى يظن المشاهد أنه يكتفي فيهما بقراءة فاتحة الكتاب، لكنه كان يقرأ بعد الفاتحة سورة قصيرة، ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ أو آيتين قصيرتين. والمتدبر لما واظب عليه من سور أو آيات القرآن في ركعتي الفجر، يجده ﷺ قد اعتمد السور أو الآيات التي تعتني بالمعبود الواحد الحق، سواء في ذلك السورتان المذكورتان أو الآية ١٣٦ من سورة البقرة ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ والآيتان ٥٢، ٥٣ من سورة آل عمران ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أو الآية ٦٤ من سورة آل عمران ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ أعاننا اللَّه على ذكره وشكره وحسن عبادته.
-[المباحث العربية]-
(وبدا الصبح) أي ظهر وتأكد من دخول الوقت.
(هل قرأ فيهما بأم القرآن)؟ في الرواية السابعة "هل يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب"؟ على الاستفهام، وفي رواية "أقول" لم يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب" وليس المراد الشك في قراءته ﷺ الفاتحة، وإنما معناه أنه كان يطيل في النوافل، فلما خفف في قراءتي ركعتي الفجر صار وكأنه لم يقرأ بالنسبة إلى غيرها من الصلوات.
(لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة) في رواية "أشد تعاهدًا" والتعاهد التعهد، والتعهد بالشيء التحفظ به وتجديد العهد به.
(خير من الدنيا وما فيها) أي وما فيها من متاعها، لئلا يشمل العبادات والطاعات الأخروية.
стр. 1744
(أحب إلي من الدنيا جميعًا) "جميعًا" منصوب على الحالية، أي مجتمعة.
(في الأولى منهما ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾) ﴿وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ الآية (١٣٦) من سورة البقرة.
(وفي الآخرة منهما ﴿آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾) هكذا الرواية في مسلم وفي سنن أبي داود، وهذه جزء الآية رقم (٥٢) من سورة آل عمران، وأولها ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾
وفي رواية لأبي داود عن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ وفي الركعة الأخرى بهذه الآية ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾ وهذه الآية هي رقم (٥٣) من سورة آل عمران، فكأنه ﷺ كان يقرأ في الركعة الثانية بالآيتين (٥٢، ٥٣) من سورة آل عمران.
(والتي في آل عمران ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾) ﴿ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ الآية رقم (٦٤) من سورة آل عمران، والجمع بين هذه الروايات بقراءة هذه تارة وتلك أخرى. واللَّه أعلم.
-[فقه الحديث]-
من مجموع الروايات تؤخذ أحكام فقهية نعرض لها:
١ - من قوله في الرواية الأولى (كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح" ومن قوله في الرواية الرابعة "كان يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان" أخذ بعض الحنفية أنه لا يؤذن للصبح قبل طلوع الفجر، ويرد عليهم بأن المراد هنا الأذان الثاني، للحديث الصحيح "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
٢ - ومن قوله في الرواية الثانية "إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين": أخذ أن الراتبة في الفجر ركعتان، لا زيادة عليهما، قال النووي: قد يستدل به من يقول: تكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سنة الصبح وما له سبب، ولأصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه. أحدها هذا، ونقله القاضي عن مالك والجمهور، والثاني لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الصبح، والثالث لا تدخل الكراهة حتى يصلي فريضة الصبح، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، إنما فيه الإخبار بأنه كان ﷺ لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم ينه عن غيرهما. اهـ.
٣ - ومن قوله في الرواية الرابعة "كان يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان" أخذ استحباب تقديمهما في أول دخول الوقت.
стр. 1745
٤ - ومن قوله في الرواية الثامنة "لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح" أخذ فضل ركعتي الصبح على غيرهما من النوافل، وهو قول الشافعي في القديم، وفي الجديد: أفضلها الوتر، وقال بعض الشافعية: أفضلها صلاة الليل: قال النووي في المجموع: وهذا الوجه قوي. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" وفي رواية لمسلم أيضًا "الصلاة في جوف الليل" وقال في شرح صحيح مسلم: لا دلالة في الحديث على ترجيح سنة الصبح على الوتر، لأن الوتر كان واجبًا على رسول الله ﷺ ، فلا يتناوله هذا الحديث. اهـ
٥ - ومن النص السابق أخذ بعضهم وجوب ركعتي الفجر، وهو منقول عن الحسن البصري، ونقل مثله عن أبي حنيفة، إذ نقل عنه: لو صلاهما قاعدًا من غير عذر لم يجز. وجمهور العلماء على أنهما من أشرف التطوع لمواظبته ﷺ عليهما، وليستا واجبتين، لأنه ﷺ ساقهما مع النوافل، ونص "لم يكن على شيء من النوافل" دليل على أنهما من النوافل.
نعم ورد في تعظيم شأنهما كثير من الأحاديث تحث على الاستمساك بهما والمواظبة عليهما.
فبالإضافة إلى رواياتنا خصوصًا العاشرة والحادية عشرة جاء في أبي داود "لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل" أي الفرسان، وجاء فيه أيضًا عن بلال ﵁ "أنه أتى النبي ﷺ ليؤذنه بصلاة الغداة، فقال له: أصبحت جدًا قال أصبحت جدًا؟ ثم قال: لو أصبحت أكثر مما أصبحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما" وفي قول للمالكية أنهما من الرغائب، وهو خلاف الصحيح عندهم. واللَّه أعلم.
٦ - ومن ذكر التخفيف في الروايات الأولى والثانية والرابعة والسادسة والسابعة قال العلماء بتخفيف ركعتي الصبح. واختلفوا في ركعتي الفجر على أربعة مذاهب حكاها الطحاوي:
أحدها: لا قراءة فيهما أصلاً، وتمسك هذا القائل بقول عائشة في الرواية السادسة "فيخفف حتى إني أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن"؟ وفي الرواية السابعة "أقول هل يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب"؟
قال النووي: وهذا القول غلط بين، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ كان يقرأ فيهما بعد الفاتحة بسورة أو آية [رواياتنا الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة].
المذهب الثاني: يخفف القراءة فيهما بأم القرآن خاصة، روي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو مشهور مذهب مالك. ويستدل له بقول عائشة في الروايتين السادسة والسابعة.
المذهب الثالث: يخفف بقراءة أم القرآن وسورة قصيرة أو آية، وهو قول الشافعي ورواية عن مالك، ويؤيده رواياتنا الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة.
المذهب الرابع: لا بأس بتطويل القراءة فيهما. وهو قول أكثر الحنفية، وقد روي عن أبي حنيفة قوله: ربما قرأت فيهما حزبين من القرآن.
وفي سر تخفيفهما قيل: المبادرة إلى صلاة الصبح في أول الوقت، وقيل استفتاح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما يستفتح قيام الليل بركعتين خفيفتين ليتأهب ويستعد للفرض أو لقيام الليل.
стр. 1746
٧ - ومن قول عائشة في الروايتين السادسة والسابعة أخذ بعضهم استحباب الإسرار بالقراءة فيهما، ومن قول أبي هريرة وابن عباس في الروايات الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة أخذ بعضهم استحباب الجهر بالقراءة فيهما. وقد روي أنه ﷺ كان يسر فيهما بالقراءة وروي أنه كان يسمعهم الآية أحيانًا.
٨ - ومن التشديد في العناية بهما قال العلماء بقضائهما إن فاتتا، ثم اختلفوا في الوقت الذي يقضيهما فيه، فأظهر أقوال الشافعي يقضيهما ولو بعد الصبح، وقالت طائفة: يقضيهما بعد طلوع الشمس، وهو قول أحمد ومالك. وقال أبو حنيفة: لا يقضيهما.
واللَّه أعلم
стр. 1747
(٢٥٢) باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن
١٤٥٤ - عن عمرو بن أوس قال حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسار إليه، قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة" قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ . وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة. وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة. وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس.
١٤٥٥ - عن النعمان بن سالم بهذا الإسناد "من صلى في يوم ثنتي عشرة سجدة تطوعًا بني له بيت في الجنة".
١٤٥٦ - عن أم حبيبة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة. أو إلا بني له بيت في الجنة". قالت أم حبيبة: فما برحت أصليهن بعد. وقال عمرو: ما برحت أصليهن بعد. وقال النعمان مثل ذلك.
١٤٥٧ - عن أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "ما من عبد مسلم توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى لله كل يوم" فذكر بمثله.
١٤٥٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: صليت مع رسول الله ﷺ قبل الظهر سجدتين. وبعدها سجدتين. وبعد المغرب سجدتين. وبعد العشاء سجدتين. وبعد الجمعة سجدتين. فأما المغرب والعشاء والجمعة. فصليت مع النبي ﷺ في بيته.
стр. 1748
١٤٥٩ - عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين. وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين. ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين. وكان يصلي من الليل تسع ركعات. فيهن الوتر. وكان يصلي ليلاً طويلاً قائمًا. وليلاً طويلاً قاعدًا. وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم. وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد. وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.
-[المعنى العام]-
لا شك أن الفرائض أحب ما يتقرب به العبد إلى ربه، مصداقًا لقوله في الحديث القدسي "وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه" ولا شك أن من أدى الفرائض كاملة سن له أن يزداد قربًا من ربه، وفيضًا من محبته بالرواتب والنوافل، عملاً بقوله جل شأنه في الحديث نفسه "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" وعلى هذا الأساس رغب رسول اللَّه ﷺ في النوافل بعامة، وأكد الترغيب في رواتب قبل الفريضة وبعدها، ففي الأحاديث "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة - تطوعًا - بني اللَّه له بيتًا في الجنة" وفصلت هذه الركعات في أحاديث أخرى على أنها ركعتا الفجر وأربع قبل الظهر وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء. كما وردت أحاديث كثيرة ترغب في أكثر من ذلك بأربع قبل العصر وبركعتين قبل المغرب وبأكثر من ركعتين بعد العشاء. وهكذا يصبح باب التطوع بالصلاة مفتوحًا للمتسابقين والمسارعين إلى مغفرة اللَّه وإلى جنة عرضها السموات والأرض، وكم كان حرص الصحابة ﵃ على الإكثار من صلاة التطوع مع حرصهم على الاقتداء برسول الله ﷺ فأكثروا من السؤال عن صلاته في بيته، وما تحرجوا من سؤال أمهات المؤمنين أزواجه ﷺ عن صلاته في لياليهن وفي بيوتهن رضي الله عن الجميع، وأعاننا على عبادته.
-[المباحث العربية]-
(اثنتي عشرة ركعة) في ملحق الرواية الأولى "ثنتي عشرة سجدة" وفي إطلاق السجدة والركعة، وهي من السجود والركوع، وكل منهما جزء لكل مجاز مرسل، واستعمال الركعة أكثر، وفي الرواية الرابعة "سجدتين" أي ركعتين.
(تطوعًا غير فريضة) هذا القيد مراد في الرواية الأولى المطلقة الخالية منه وقوله "غير فريضة" تأكيد ورفع احتمال إرادة الإعادة للفريضة.
стр. 1749
(صليت مع رسول الله ﷺ قبل الظهر سجدتين) قال العيني: المراد من المعية هذه مجرد المتابعة في العدد، وهو أن ابن عمر صلى ركعتين وحده كما صلى ﷺ ركعتين، لا أنه اقتدى به فيهما. اهـ.
(فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي ﷺ في بيته) مقابل "أما" مطوي للعلم به من المقابل، أي وأما الظهر فصليت مع النبي ﷺ في المسجد، وهذا التكرار في المعية والتفصيل يبعد ما ذهب إليه العيني، ومع أن النبي ﷺ كان يصلي الرواتب في بيته فإنه لا يمنع من أن يكون ﷺ صلى قبل الظهر وبعده في المسجد مرة وصلى معه ابن عمر، ولا مانع من أن يكون ابن عمر قد صلى ركعتي المغرب والعشاء والجمعة مع الرسول ﷺ مرة في بيته، ومعلوم أن ابن عمر كان شديد الحرص على الاقتداء، حتى كان يبرك ناقته في المكان الذي بركت فيه ناقة رسول الله ﷺ ، ومما يبعد ما ذهب إليه العيني ويقوي الاحتمال الذي ذكرته ما روى البخاري عن ابن عمر قال "حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر ... وركعتين قبل الصبح، وكانت ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها، حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين".
-[فقه الحديث]-
ذكرنا في الباب السابق استحباب ركعتي سنة الفجر، ولا خلاف فيهما أما راتبة الظهر فإن الرواية الرابعة تذكر ركعتين بعدها، والرواية الخامسة تذكر أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها، وروى البخاري عن عائشة "أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر" وروى أبو داود أن رسول الله ﷺ قال "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار" فهذه الروايات تحكي ثلاثة أقوال في راتبة الظهر، أربعًا وستًا وثمانيًا، والتوفيق بينها أن النبي ﷺ صلى بعد الظهر ركعتين مرة وأربعًا مرة، وصلى قبل الظهر ركعتين مرة وأربعًا مرة فاختلاف الأحاديث في الأعداد محمول على تعدد الأحوال للتوسعة.
والأكثرون من أصحاب الشافعي على أن راتبة الظهر ركعتان قبلها وركعتان بعدها، ومنهم من جعل قبل الظهر أربعًا، ومن قال بأربع قبل الظهر اختلفوا في صلاتها بتسليمة واحدة أو بتسليمتين، فالحنفية على الأول والشافعي ومالك وأحمد على الثاني.
وأما راتبة العصر فلم تصرح بها رواياتنا، وقد روى أبو داود والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "رحم الله امرءًا صلى قبل العصر أربعًا" وروى الترمذي من حديث علي ﵁ قال: "كان يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين" والذي ترتاح إليه النفس أن أربعًا قبل العصر مستحبة وليست من الرواتب المؤكدة.
وأما راتبة المغرب فالرواية الرابعة والخامسة تذكران ركعتين بعدها، ولا خلاف فيهما، وإنما
стр. 1750
الخلاف في ركعتين قبل المغرب. قال النووي: في استحباب ركعتين قبل المغرب وجهان مشهوران، الصحيح منهما الاستحباب، لما رواه البخاري عن رسول الله ﷺ قال "صلوا قبل صلاة المغرب [ثلاثًا]. قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة" كما روي عن أنس قال: كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل المغرب، قال الراوي: فقلت: أكان النبي ﷺ صلاها؟ قال: "كان يرانا نصليها، فلم يأمرنا ولم ينهنا". فهذه الأحاديث صحيحة صريحة في استحبابها. اهـ
وذهب آخرون إلى عدم استحبابها، مستدلين بما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: "ما رأيت أحداً يصلي الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله ﷺ " وإسناده حسن.
ومما يرجح الاستحباب لراتبة العصر وراتبة المغرب القبلية حديث "بين كل أذانين صلاة" أي بين كل أذان وإقامة راتبة. والله أعلم.
وأما راتبة العشاء فإن الرواية الرابعة والخامسة تذكران ركعتين بعد العشاء والخلاف في ركعتين قبل العشاء. قال النووي: يستحب أن يصلي قبل العشاء الآخرة ركعتين فصاعدًا، لحديث "بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة. قال في الثالثة: لمن يشاء" رواه البخاري ومسلم. اهـ.
وأما راتبة الجمعة فالرواية الرابعة تذكر ركعتين بعدها: قال النووي: يسن قبل الجمعة وبعدها صلاة، وأقلها ركعتان قبلها وركعتان بعدها، والأكمل أربع قبلها وأربع بعدها. اهـ.
وقد تحصل من هذا أن الرواتب عند الصلوات الخمس مختلف في عددها قيل: عشر ركعات. وهي صريح الرواية الرابعة إذا أضفنا إليها ركعتي الفجر وقيل: ثنتا عشرة ركعة، وهي نص الرواية الأولى، وهي باستحباب أربع قبل الظهر بدل ركعتين، وقيل أدنى الكمال ثمان، فأسقط سنة العشاء.
قال صاحب المهذب: وأدنى الكمال عشر ركعات وأتم الكمال ثماني عشرة ركعة. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وفي الأحاديث حجة لمن ذهب إلى أن للفرائض رواتب تستحب المواظبة عليها، وهو قول الجمهور، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا توقيت في ذلك حماية للفرائض، لكن لا يمنع من تطوع بما شاء إذا أمن ذلك. اهـ.
وآكد السنن الراتبة مع الفرائض سنة الفجر، لأنه ورد فيها من الترغيب ما لم يرد في غيرها، ويقول ﷺ "صلوها ولو طردتكم الخيل" ولأنها محصورة لا تحتمل الزيادة والنقصان، فأشبهت الفرائض، ثم إن فرض الصبح أقل الفروض عدداً فكانت كالمكملة.
ووقت الراتبة القبلية يدخل بدخول وقت الفرائض، ويبقى وقتها ما لم يخرج وقت الفريضة، لكن المستحب تقديمها على الفريضة، ويدخل وقت الرواتب البعدية بفعل الفريضة، ويبقى مادام وقت الفريضة، والصحيح عند الشافعية استحباب قضاء الرواتب، وبه قال أحمد في رواية عنه، وقال أبو حنيفة ومالك في أشهر الروايات عنه: لا تقضى. والرواتب التي مع الفرائض لا تستحب فيها الجماعة، وروي عن مالك أنه لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة.
стр. 1751
ويستحب عند الجمهور فعل السنن الراتبة في السفر. لكنها في الحضر آكد، ومذهب ابن عمر أنها لا تصلى في السفر، وقد روي في الصحيحين عن حفص بن عاصم قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلنا: يسبحون. فقال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي، صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عثمان ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة الشائعة في باب استقبال القبلة، ومنها "أن النبي ﷺ كان يصلي النوافل على راحلته في السفر حيث توجهت به".
والحكمة في الرواتب مع الفروض تكميل ما عساه قد يقع فيها من نقص ثبت ذلك في حديث لأبي داود، ولترتاض النفس بتقديم النافلة وتنشط بها وتستعد للفريضة بقلب وخشوع، ذكره النووي. وأزيد أن الله تعالى لما فرض الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة وخففها إلى خمس فيها أجر الخمسين والحسنة بعشر أمثالها شرع للمسلم أن يتسابق إلى الخيرات وأن يزيد عما فرضه الله عليه شكرًا للَّه على رحمته به، واعترافًا بالفضل، ومقابلة التفضل بشيء من الإحسان.
واللَّه أعلم
стр. 1752
(٢٥٣) باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا وفعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا
١٤٦٠ - /١ عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ليلاً طويلاً. فإذا صلى قائمًا ركع قائمًا. وإذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا.
١٤٦١ - عن عبد الله بن شقيق قال كنت شاكيًا بفارس فكنت أصلي قاعدًا. فسألت عن ذلك عائشة؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ليلاً طويلاً قائمًا. فذكر الحديث.
١٤٦٢ - عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: كان يصلي ليلاً طويلاً قائمًا، وليلاً طويلاً قاعدًا. وكان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا. وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا.
١٤٦٣ - عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: سألنا عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ؛ فقالت: كان رسول الله ﷺ يكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا. فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا. وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا.
١٤٦٤ - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا. حتى إذا كبر قرأ جالسًا، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع.
١٤٦٥ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسًا. فيقرأ
стр. 1753
وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك.
١٤٦٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ وهو قاعد. فإذا أراد أن يركع قام قدر ما يقرأ إنسان أربعين آية.
١٤٦٧ - عن علقمة بن وقاص قال: قلت لعائشة كيف كان يصنع رسول الله ﷺ في الركعتين وهو جالس؟ قالت: كان يقرأ فيهما. فإذا أراد أن يركع قام فركع.
١٤٦٨ - عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة هل كان النبي ﷺ يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم. بعد ما حطمه الناس.
١٤٦٩ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس.
١٤٧٠ - عن عائشة ﵂ قالت: لما بدن رسول الله ﷺ وثقل كان أكثر صلاته جالسًا.
١٤٧١ - عن حفصة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سبحته قاعدًا. حتى كان قبل وفاته بعام. فكان يصلي في سبحته قاعدًا. وكان يقرأ بالسورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها.
стр. 1754
١٤٧٢ - - عن الزهري بهذا الإسناد مثله غير أنهما قالا بعام واحد أو اثنين.
١٤٧٣ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ لم يمت حتى صلى قاعدًا.
١٤٧٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حدثت أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة" قال فأتيته فوجدته يصلي جالسًا. فوضعت يدي على رأسه. فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت "صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة" وأنت تصلي قاعدًا قال "أجل ولكني لست كأحد منكم".
-[المعنى العام]-
النافلة هي الزيادة والتطوع في الصلوات بعد أداء الفرائض والرواتب. ومن هذا المفهوم كان التيسير في أدائها أكثر من التيسير في أداء الصلوات بعامة، فتصلى على الراحلة، وحيثما توجهت براكبها دون شرط استقبال القبلة، وفي هذه الأحاديث تيسير آخر كبير، هو أن تصلى من قعود مع القدرة على القيام وللقاعد نصف ثواب القائم، بل تصلى الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود، فيمكن للمتنفل أن يبدأ صلاته قائمًا فإذا أحس بفتور أو رغبة في الراحة جلس وأكمل القراءة، ويمكن أن يبدأ صلاته قاعدًا فإذا أحس خفة قام فأكمل القراءة ثم ركع وسجد، كما يمكن لمن قرأ جالسًا أن يقف ليركع، وله أن يركع من جلوس بانحناءة يقرب بها من السجود. ومدار النوافل التقرب إلى اللَّه واستحضار المناجاة، وكلما كثرت الركعات وكلما كثرت القراءة كثر الأجر والثواب، وقد شهدت بعض مشايخي يختم القرآن كله في كل ليلة من شهر رمضان في صلاة بدلاً من ختمه في غير صلاة، فينوي قائمًا أو قاعدًا فيقرأ الفاتحة ثم يقرأ جزءًا أو نصف جزء ثم يركع وهكذا: ولا شك أن قراءة القرآن في الصلاة أكثر ثوابًا من قراءته خارج الصلاة.
ومن فضل اللَّه تعالى على الأمة الإسلامية أن يسر لها وسائل الطاعة، وسهل لها أبواب تحصيل الثواب فله الحمد والشكر، ومنه العون والتوفيق.
-[المباحث العربية]-
(كنت شاكيًا بفارس، فكنت أصلي قاعدًا، فسألت عن ذلك عائشة) قال النووي:
стр. 1755
هكذا ضبطه جميع الرواة المشارقة والمغاربة "بفارس" بالباء الجارة وبعدها فاء، وغلط بعضهم، فقال: صوابه "نقارس" بالنون والقاف، وهو وجع معروف، لأن عائشة لم تدخل بلاد فارس قط، فكيف يسألها فيها؟ وغلطه القاضي عياض في هذا وقال: ليس بلازم أن يكون سألها في بلاد فارس، بل سألها بالمدينة بعد رجوعه من فارس، وهذا ظاهر الحديث، وأنه إنما سألها عن أمر انقضى. هل هو صحيح أم لا؟ لقوله "وكنت أصلي قاعدًا" اهـ.
(ما رأيت رسول اللَّه ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا) هذا النفي مقيد بما كان قبل الكبر، بدليل قولها "حتى إذا كبر قرأ جالسًا".
(حتى إذا كبر) في القاموس: كبر ككرم كبرًا كعنب نقيض صغر أي بمعنى عظم فهو كبير، وكبر كفرح كبرًا كعنب طعن في السن وهذا هو المراد في روايتنا.
(بعد ما حطمه الناس) في القاموس: الحطم - بفتح الحاء وسكون الطاء - الكسر، أو خاص باليابس، حطمه يحطمه - كضربه يضربه - والحطام ما تكسر من اليابس، وحطام البيض قشره، والحطيم من الكعبة حيث يتحطم الناس للدعاء. اهـ.
والمراد من الحديث بعد ما كبر فيهم، قال النووي: كأنه لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيروه شيخًا محطومًا. اهـ. والعبارة تعطي معنى أنهم جعلوه شيخًا قبل أوانه.
(لما بدن رسول اللَّه ﷺ قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: بدن الرجل بفتح الدال المشددة تبدينًا إذا أسن. وقال: ومن رواه "بدن" بضم الدال المخففة فليس له معنى هنا، لأن معناه كثر لحمه، وهو خلاف صفته ﷺ . وقال القاضي عياض: روايتنا في مسلم عند جمهورهم "بدن" بالضم، وعن العذري بالتشديد، ولا ينكر اللفظان في حقه ﷺ ، فقد قالت عائشة في صحيح مسلم بعد هذا بقريب "فلما أسن رسول اللَّه ﷺ اللحم أوتر بسبع" وفي حديث آخر "ولحم" وفي آخر "أسن وكثر لحمه". اهـ.
قال النووي: هذا كلام القاضي، والذي ضبطناه ووقع في أكثر أصول بلادنا بالتشديد. اهـ.
قلت: ويرجح كلام القاضي قولها في الرواية نفسها "لما بدن وثقل" واللَّه أعلم.
(حتى كان قبل وفاته بعام) في ملحق الرواية "بعام واحد أو اثنين" لعل الواقع كان عامًا وبعض عام فإذا حذفنا الكسر قلنا بعام واحد، وإذا جبرناه قلنا بعامين، وإذا رددنا أردنا عامًا وشيئًا. وهذه الرواية تحدد مدة صلاته ﷺ قاعدًا.
(فوضعت يدي على رأسه) أي بعد أن انتهى من الصلاة، وذلك ليجذب انتباهه، ولعله كان هناك ما يمنع من وقوفه بين يديه، وفي رواية أبي داود "فوضعت يدي على رأسي" أي متعجبًا، وهي أقرب إلى الأدب.
следующие страницы →