← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ويستحب عند الجمهور فعل السنن الراتبة في السفر. لكنها في الحضر آكد، ومذهب ابن عمر أنها لا تصلى في السفر، وقد روي في الصحيحين عن حفص بن عاصم قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلنا: يسبحون. فقال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي، صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عثمان ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة الشائعة في باب استقبال القبلة، ومنها "أن النبي ﷺ كان يصلي النوافل على راحلته في السفر حيث توجهت به". والحكمة في الرواتب مع الفروض تكميل ما عساه قد يقع فيها من نقص ثبت ذلك في حديث لأبي داود، ولترتاض النفس بتقديم النافلة وتنشط بها وتستعد للفريضة بقلب وخشوع، ذكره النووي. وأزيد أن الله تعالى لما فرض الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة وخففها إلى خمس فيها أجر الخمسين والحسنة بعشر أمثالها شرع للمسلم أن يتسابق إلى الخيرات وأن يزيد عما فرضه الله عليه شكرًا للَّه على رحمته به، واعترافًا بالفضل، ومقابلة التفضل بشيء من الإحسان. واللَّه أعلم

стр. 1752

(٢٥٣) باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا وفعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا ١٤٦٠ - /١ عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ليلاً طويلاً. فإذا صلى قائمًا ركع قائمًا. وإذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا. ١٤٦١ - عن عبد الله بن شقيق قال كنت شاكيًا بفارس فكنت أصلي قاعدًا. فسألت عن ذلك عائشة؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ليلاً طويلاً قائمًا. فذكر الحديث. ١٤٦٢ - عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: كان يصلي ليلاً طويلاً قائمًا، وليلاً طويلاً قاعدًا. وكان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا. وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا. ١٤٦٣ - عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: سألنا عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ؛ فقالت: كان رسول الله ﷺ يكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا. فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا. وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا. ١٤٦٤ - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا. حتى إذا كبر قرأ جالسًا، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع. ١٤٦٥ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسًا. فيقرأ

стр. 1753

وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك. ١٤٦٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ وهو قاعد. فإذا أراد أن يركع قام قدر ما يقرأ إنسان أربعين آية. ١٤٦٧ - عن علقمة بن وقاص قال: قلت لعائشة كيف كان يصنع رسول الله ﷺ في الركعتين وهو جالس؟ قالت: كان يقرأ فيهما. فإذا أراد أن يركع قام فركع. ١٤٦٨ - عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة هل كان النبي ﷺ يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم. بعد ما حطمه الناس. ١٤٦٩ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس. ١٤٧٠ - عن عائشة ﵂ قالت: لما بدن رسول الله ﷺ وثقل كان أكثر صلاته جالسًا. ١٤٧١ - عن حفصة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سبحته قاعدًا. حتى كان قبل وفاته بعام. فكان يصلي في سبحته قاعدًا. وكان يقرأ بالسورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها.

стр. 1754

١٤٧٢ - - عن الزهري بهذا الإسناد مثله غير أنهما قالا بعام واحد أو اثنين. ١٤٧٣ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ لم يمت حتى صلى قاعدًا. ١٤٧٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حدثت أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة" قال فأتيته فوجدته يصلي جالسًا. فوضعت يدي على رأسه. فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت "صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة" وأنت تصلي قاعدًا قال "أجل ولكني لست كأحد منكم". -[المعنى العام]- النافلة هي الزيادة والتطوع في الصلوات بعد أداء الفرائض والرواتب. ومن هذا المفهوم كان التيسير في أدائها أكثر من التيسير في أداء الصلوات بعامة، فتصلى على الراحلة، وحيثما توجهت براكبها دون شرط استقبال القبلة، وفي هذه الأحاديث تيسير آخر كبير، هو أن تصلى من قعود مع القدرة على القيام وللقاعد نصف ثواب القائم، بل تصلى الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود، فيمكن للمتنفل أن يبدأ صلاته قائمًا فإذا أحس بفتور أو رغبة في الراحة جلس وأكمل القراءة، ويمكن أن يبدأ صلاته قاعدًا فإذا أحس خفة قام فأكمل القراءة ثم ركع وسجد، كما يمكن لمن قرأ جالسًا أن يقف ليركع، وله أن يركع من جلوس بانحناءة يقرب بها من السجود. ومدار النوافل التقرب إلى اللَّه واستحضار المناجاة، وكلما كثرت الركعات وكلما كثرت القراءة كثر الأجر والثواب، وقد شهدت بعض مشايخي يختم القرآن كله في كل ليلة من شهر رمضان في صلاة بدلاً من ختمه في غير صلاة، فينوي قائمًا أو قاعدًا فيقرأ الفاتحة ثم يقرأ جزءًا أو نصف جزء ثم يركع وهكذا: ولا شك أن قراءة القرآن في الصلاة أكثر ثوابًا من قراءته خارج الصلاة. ومن فضل اللَّه تعالى على الأمة الإسلامية أن يسر لها وسائل الطاعة، وسهل لها أبواب تحصيل الثواب فله الحمد والشكر، ومنه العون والتوفيق. -[المباحث العربية]- (كنت شاكيًا بفارس، فكنت أصلي قاعدًا، فسألت عن ذلك عائشة) قال النووي:

стр. 1755

هكذا ضبطه جميع الرواة المشارقة والمغاربة "بفارس" بالباء الجارة وبعدها فاء، وغلط بعضهم، فقال: صوابه "نقارس" بالنون والقاف، وهو وجع معروف، لأن عائشة لم تدخل بلاد فارس قط، فكيف يسألها فيها؟ وغلطه القاضي عياض في هذا وقال: ليس بلازم أن يكون سألها في بلاد فارس، بل سألها بالمدينة بعد رجوعه من فارس، وهذا ظاهر الحديث، وأنه إنما سألها عن أمر انقضى. هل هو صحيح أم لا؟ لقوله "وكنت أصلي قاعدًا" اهـ. (ما رأيت رسول اللَّه ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا) هذا النفي مقيد بما كان قبل الكبر، بدليل قولها "حتى إذا كبر قرأ جالسًا". (حتى إذا كبر) في القاموس: كبر ككرم كبرًا كعنب نقيض صغر أي بمعنى عظم فهو كبير، وكبر كفرح كبرًا كعنب طعن في السن وهذا هو المراد في روايتنا. (بعد ما حطمه الناس) في القاموس: الحطم - بفتح الحاء وسكون الطاء - الكسر، أو خاص باليابس، حطمه يحطمه - كضربه يضربه - والحطام ما تكسر من اليابس، وحطام البيض قشره، والحطيم من الكعبة حيث يتحطم الناس للدعاء. اهـ. والمراد من الحديث بعد ما كبر فيهم، قال النووي: كأنه لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيروه شيخًا محطومًا. اهـ. والعبارة تعطي معنى أنهم جعلوه شيخًا قبل أوانه. (لما بدن رسول اللَّه ﷺ قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: بدن الرجل بفتح الدال المشددة تبدينًا إذا أسن. وقال: ومن رواه "بدن" بضم الدال المخففة فليس له معنى هنا، لأن معناه كثر لحمه، وهو خلاف صفته ﷺ . وقال القاضي عياض: روايتنا في مسلم عند جمهورهم "بدن" بالضم، وعن العذري بالتشديد، ولا ينكر اللفظان في حقه ﷺ ، فقد قالت عائشة في صحيح مسلم بعد هذا بقريب "فلما أسن رسول اللَّه ﷺ اللحم أوتر بسبع" وفي حديث آخر "ولحم" وفي آخر "أسن وكثر لحمه". اهـ. قال النووي: هذا كلام القاضي، والذي ضبطناه ووقع في أكثر أصول بلادنا بالتشديد. اهـ. قلت: ويرجح كلام القاضي قولها في الرواية نفسها "لما بدن وثقل" واللَّه أعلم. (حتى كان قبل وفاته بعام) في ملحق الرواية "بعام واحد أو اثنين" لعل الواقع كان عامًا وبعض عام فإذا حذفنا الكسر قلنا بعام واحد، وإذا جبرناه قلنا بعامين، وإذا رددنا أردنا عامًا وشيئًا. وهذه الرواية تحدد مدة صلاته ﷺ قاعدًا. (فوضعت يدي على رأسه) أي بعد أن انتهى من الصلاة، وذلك ليجذب انتباهه، ولعله كان هناك ما يمنع من وقوفه بين يديه، وفي رواية أبي داود "فوضعت يدي على رأسي" أي متعجبًا، وهي أقرب إلى الأدب.

стр. 1756

-[فقه الحديث]- في فقه الحديث نقاط نحصرها في: صلاة النافلة قاعدًا - صلاة الفرض قاعدًا الوقوف بعد القعود أو القعود بعد الوقوف في الركعة الواحدة - ركوع الجالس وسجوده - كيفية القعود - ما يؤخذ من الحديث فوق ذلك من أحكام. أما عن صلاة النفل قاعدًا فيقول النووي: صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، لها نصف ثواب صلاة القائم، أما إذا صلى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه، بل يكون كثوابه قائمًا، فيتعين حمل الحديث - روايتنا الرابعة عشرة - في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدًا مع قدرته على القيام هذا مذهبنا، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، وحكي عن الباجي من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر، أو نافلة لعذر أو لغير عذر وحمله بعضهم على من له عذر يرخص في القعود في الفرض والنفل ويمكنه القيام بمشقة، وأما قوله ﷺ "لست كأحد منكم" فهو عند أصحابنا من خصائص النبي ﷺ ، فجعلت نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا تشريفًا له. وقال القاضي عياض: معناه أن النبي ﷺ لحقه مشقة من القيام لحطم الناس وللسن فكان أجره تامًا بخلاف غيره ممن لا عذر له. اهـ. قال النووي: هذا كلام القاضي وهو ضعيف أو باطل لأن غيره ﷺ إن كان معذورًا فثوابه أيضًا كامل، وإن كان قادرًا على القيام فليس هو كالمعذور، فلا يبقى فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير قوله "لست كأحد منكم" وإطلاق هذا القول. فالصواب ما قاله أصحابنا أن نافلته ﷺ قاعدًا مع القدرة على القيام ثوابها كثوابه قائمًا، وهو من الخصائص واللَّه أعلم. اهـ. والمحقق يرى أن قول النووي ببطلان قول القاضي فيه تحامل، لأن قوله ﷺ "لست كأحد منكم" يحتمل عدم المشابهة في قدرة التحمل في مثل هذه السن، أي فأنتم لم يحطمكم الناس بخلافي، أو إني ذو عذر، ويحتمل عدم المشابهة في الأجر والثواب، وكون الاحتمال الثاني راجحًا لمقام سؤال عبد اللَّه بن عمرو لا يجعل الاحتمال الأول باطلاً، وخصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن النبي ﷺ لم يصل قاعدًا إلا بعد أن أسن وثقل وبدن وحطمه الناس ولو كانت خصوصية لاستخدمت قبل ذلك حيث لا عذر ولا مشقة والخصوصيات لا تثبت بالاحتمال. واللَّه أعلم. ثم قال النووي: والأصح عندنا جواز التنفل مضطجعًا للقادر على القيام والقعود، للحديث الصحيح في البخاري عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب" اهـ. وعند الدارقطني "على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه" قال الحافظ ابن حجر: وهو حجة للجمهور في الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجنب وعن الحنفية وبعض الشافعية يستلقي على ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة، ووقع في حديث على أن حالة الاستلقاء تكون عند العجز عن حالة

стр. 1757

الاضطجاع. اهـ. ويسن عند الاستلقاء أن يضع شيئًا تحت رأسه ليرتفع ويصير وجهه إلى القبلة لا إلى السماء. هذا، والحديث الذي استدل به النووي على جواز التنفل مضطجعًا للقادر على القيام والقعود لا يصلح دليلاً له. لأنه في المعذور. واللَّه أعلم. وأما عن صلاة الفرض قاعدًا فيقول النووي: وأما الفرض فإن الصلاة قاعدًا مع قدرته على القيام لا تصح، فلا يكون فيه ثواب، بل يأثم به، قال أصحابنا: وإن استحله كفر كما لو استحل الزنا والربا من المحرمات الشائعة التحريم، وإن صلى الفرض قاعدًا لعجزه عن القيام، أو مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود فثوابه كثوابه قائمًا لم ينقص باتفاق أصحابنا، وقد ثبت في البخاري أن رسول اللَّه ﷺ قال "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" قال أصحابنا: ولا يشترط في العجز أن لا يتأتى القيام، ولا يكفي أدنى مشقة، بل المعتبر المشقة الظاهرة، فإذا خاف مشقة شديدة أو زيادة مرض، أو خاف راكب السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعدًا ولا إعادة. وأما عن الوقوف في بعض الصلاة والقعود في بعضها فإنه إذا صلى ركعة في الفريضة قاعدًا لعذر ثم صح وزال العذر أو صلى في النافلة ركعة قاعدًا ثم وجد خفة تمم ما بقي من الركعات قائمًا بانيًا على ما قدم، خلافًا لمن شذ وقال: يستأنف الصلاة قائمًا. وأما من بدأ صلاة الفرض بركعة قائمًا ثم عجز عن القيام في الركعة الثانية أو بدأ النافلة بركعة قائمًا، ثم بدا له أن يتمم قاعدًا فإنه يجوز له ذلك ولا إشكال. أما الإشكال ففي الوقوف بعد القعود أو القعود بعد الوقوف في الركعة الواحدة، فإن الرواية الأولى تقول فيها عائشة "فإذا صلى قائمًا ركع قائمًا، وإذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا" والرواية الثالثة تقول "وكان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا" والرواية الرابعة تقول "فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا" فهذه الروايات تمنع القعود بعد الوقوف والوقوف بعد القعود أثناء القراءة. لكن الرواية الخامسة، وفيها "قرأ جالسًا حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع" وقريب من هذا لفظ الروايتين السادسة والسابعة، وفي الرواية الثانية تقول عائشة "كان يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع". فهذه الروايات تجيز الوقوف بعد القراءة قاعدًا، سواء أتم القراءة قائمًا، أو قام للركوع من قعود وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وعامة العلماء وسواء في ذلك قام ثم قعد، أو قعد ثم قام. قال الحافظ ابن حجر: ومنعه بعض السلف عند عدم الضرورة لذلك، وهو غلط. ثم قال الحافظ: ويجمع بين الخبرين بأنه كان يفعل كلاً من ذلك بحسب النشاط وعدمه. وأما كيف يركع ويسجد من صلى جالسًا أو مضطجعًا فيقول النووي: إذا صلى على هيئة من المذكورات وقدر على الركوع والسجود أتى بهما، وإلا أومأ إليهما، منحنيًا برأسه، وقرب جبهته من

стр. 1758

الأرض بحسب الإمكان، ويكون السجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه، وهذا كله واجب، فإن عجز عن الإيماء بالطرف أجرى أفعال الصلاة على قلبه. قال أصحابنا: ومادام عاقلاً لا يسقط عنه فرض الصلاة، ولنا وجه أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا شاذ مردود ومخالف لما عليه الأصحاب، وأما حكاية صاحب الوسيط عن أبي حنيفة أنه قال: تسقط الصلاة إذا عجز عن القعود فمنكرة مردودة، والمعروف عنه أنه إنما يسقطها العجز عن الإيماء بالرأس، وحكى أصحابنا هذا عن مالك أيضًا والمعروف عن مالك وأحمد كمذهبنا. اهـ. وأما عن كيفية القعود البديل عن الوقوف في الفرض والنفل فيقول النووي: للشافعي قولان، أظهرهما يقعد مفترشًا، والثاني متربعًا، وقال بعض أصحابنا: ناصبًا ركبته اليمنى كالقارئ بين يدي المقرئ وكيف قعد جاز، لكن الخلاف في الأفضل. اهـ. -[ويؤخذ من الأحاديث المذكورة فوق ما تقدم: ]- ١ - استدل بالرواية الخامسة والسادسة والسابعة على استحباب تطويل القيام والقراءة في النافلة، وأنه أفضل من تكثير الركعات في ذلك الزمان وقول عائشة في الرواية السادسة "فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية" دليل على أنه يقرأ فوق الثمانين، لأن البقية تطلق في الغالب على الأقل. وقال جماعة من العلماء: تكثير الركوع والسجود أفضل من تطويل القيام، لقوله ﷺ "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة، وقال بعضهم: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما بالليل فتطويل القيام أفضل، وهذا الأخير حسن ويجمع بين الروايات. واللِّه أعلم. ٢ - وفي الأحاديث إثبات مشروعية صلاة الليل، وسيأتي الكلام عليها في الباب التالي. ٣ - يؤخذ من الروايتين العاشرة والحادية عشرة أن النبي ﷺ لم يكن يتكلف الشطط، بل كان يأتي من الأمور ما لا يشق عليه وهذا هو الإسلام السمح لا تزمت ولا تشدد ولا مغالاة. ٤ - ومن الرواية الثانية عشرة يؤخذ استحباب الترتيل، وعدم الإسراع في القراءة. ٥ - ومن الرواية الرابعة عشرة حرص الصحابة على الاقتداء والعمل بالسنة. ٦ - وأن من اشتبه عليه أمر بادر بالسؤال عنه. ٧ - وأنهم لم يكن يمنعهم الحياء في الدين أن يعترضوا على قوله ﷺ بفعله. واللَّه أعلم

стр. 1759

(٢٥٤) باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة ١٤٧٥ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين. ١٤٧٦ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس العتمة) إلى الفجر إحدى عشرة ركعة. يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة. فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة. ١٤٧٧ - - عن ابن شهاب بهذا الإسناد. وساق حرملة الحديث بمثله. غير أنه لم يذكر: وتبين له الفجر وجاءه المؤذن ولم يذكر: الإقامة. وسائر الحديث بمثل حديث عمرو سواء. ١٤٧٨ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. يوتر من ذلك بخمس. لا يجلس في شيء إلا في آخرها. ١٤٧٩ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر. ١٤٨٠ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى

стр. 1760

عشرة ركعة. يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. ثم يصلي ثلاثًا. فقالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال "يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". ١٤٨١ - عن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة. يصلي ثمان ركعات ثم يوتر. ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع. ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح. ١٤٨٢ - - عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بمثله. غير أن في حديثهما: تسع ركعات قائمًا. يوتر منهن. ١٤٨٣ - عن أبي سلمة قال: أتيت عائشة فقلت: أي أمه أخبريني عن صلاة رسول الله ﷺ . فقالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل. منها ركعتا الفجر. ١٤٨٤ - عن عائشة ﵂ تقول: كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل عشر ركعات. ويوتر بسجدة. ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة ركعة. ١٤٨٥ - عن أبي إسحق قال: سألت الأسود بن يزيد عما حدثته عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان ينام أول الليل ويحي آخره. ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام. فإذا كان عند النداء الأول (قالت) وثب (ولا والله ما قالت: قام) فأفاض عليه الماء. (ولا والله ما قالت: اغتسل. وأنا أعلم ما تريد) وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين. ١٤٨٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر.

стр. 1761

١٤٨٧ - عن مسروق قال: سألت عائشة عن عمل رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان يحب الدائم. قال قلت: أي حين كان يصلي؟ فقالت: كان إذا سمع الصارخ قام فصلى. ١٤٨٨ - عن عائشة ﵂ قالت: ما ألفى رسول اللَّه ﷺ السحر الأعلى في بيتي أو عندي إلا نائمًا. ١٤٨٩ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني. وإلا اضطجع. ١٤٩٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل فإذا أوتر قال: "قومي فأوتري يا عائشة". ١٤٩١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي صلاته بالليل وهي معترضة بين يديه فإذا بقي الوتر أيقظها فأوترت. ١٤٩٢ - عن عائشة ﵂ قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ . فانتهى وتره إلى السحر. ١٤٩٣ - عن عائشة ﵂ قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ . من أول الليل وأوسطه وآخره. فانتهى وتره إلى السحر. ١٤٩٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ . فانتهى وتره إلى آخر الليل.

стр. 1762

١٤٩٥ - عن زرارة أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله، فقدم المدينة. فأراد أن يبيع عقارًا له بها، فيجعله في السلاح والكراع، ويجاهد الروم حتى يموت. فلما قدم المدينة لقي أناسًا من أهل المدينة، فنهوه عن ذلك. وأخبروه أن رهطًا ستة أرادوا ذلك في حياة نبي الله ﷺ ، فنهاهم نبي الله ﷺ . وقال: "أليس لكم في أسوة؟ ". فلما حدثوه بذلك راجع امرأته. وقد كان طلقها، وأشهد على رجعتها. فأتى ابن عباس فسأله عن وتر رسول الله ﷺ ؟ فقال ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: من؟ قال: عائشة. فأتها فاسألها. ثم ائتني فأخبرني بردها عليك. فانطلقت إليها. فأتيت على حكيم بن أفلح. فاستلحقته إليها. فقال: ما أنا بقاربها. لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا فأبت فيهما إلا مضيًا. قال فأقسمت عليه؛ فجاء. فانطلقنا إلى عائشة فاستأذنا عليها؛ فأذنت لنا فدخلنا عليها. فقالت: أحكيم؟ (فعرفته) فقال: نعم. فقالت: من معك؟ قال: سعد بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. فترحمت عليه. وقالت خيرًا. (قال قتادة وكان أصيب يوم أحد) فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ . قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن. قال فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى أموت. ثم بدا لي فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ . فقالت: ألست تقرأ: يا أيها المزمل؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثنى عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة. قال: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ . فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره. فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل. فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصل التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا. ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد. وتلك إحدى عشرة ركعة يا بني. فلما سن نبي الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع. وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول. فتلك تسع يا نبي. وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها. وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملاً غير رمضان. قال فانطلقت إلى ابن

стр. 1763

عباس فحدثته بحديثها. فقال: صدقت. لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني به. قال قلت: لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها. ١٤٩٦ - عن سعد بن هشام أنه طلق امرأته ثم انطلق إلى المدينة ليبيع عقاره فذكر نحوه. ١٤٩٧ - - عن سعد بن هشام أنه قال: انطلقت إلى عبد الله بن عباس. فسألته عن الوتر. وساق الحديث بقصته. وقال فيه: قالت: من هشام؟ قلت: ابن عامر. قالت: نعم المرء كان عامر. أصيب يوم أحد. ١٤٩٨ - - عن زرارة بن أوفى أن سعد بن هشام كان جارًا له فأخبره أنه طلق امرأته. واقتص الحديث بمعنى حديث سعيد. وفيه: قالت: من هشام؟ قال ابن عامر. قالت: نعم المرء كان أصيب مع رسول الله ﷺ يوم أحد. وفيه: فقال حكيم بن أفلح: أما إني لو علمت أنك لا تدخل عليها ما أنبأتك بحديثها. ١٤٩٩ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. ١٥٠٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته. وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. قالت: وما رأيت رسول الله ﷺ قام ليلة حتى الصباح. وما صام شهرًا متتابعًا إلا رمضان. ١٥٠١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل".

стр. 1764

١٥٠٢ - عن القاسم الشيباني أن زيد بن أرقم رأى قومًا يصلون من الضحى. فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل. إن رسول الله ﷺ قال "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال". ١٥٠٣ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على أهل قباء وهم يصلون. فقال: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال". ١٥٠٤ - عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله ﷺ "صلاة الليل مثنى مثنى. فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة. توتر له ما قد صلى". ١٥٠٥ - عن سالم عن أبيه أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال "مثنى مثنى. فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة". ١٥٠٦ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه قال: قام رجل فقال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال رسول الله ﷺ "صلاة الليل مثنى مثنى. فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة". ١٥٠٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ . وأنا بينه وبين السائل. فقال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال "مثنى مثنى. فإذا خشيت الصبح فصل ركعة. واجعل آخر صلاتك وترًا" ثم سأله رجل على رأس الحول وأنا بذلك المكان من رسول الله ﷺ . فلا أدري هو ذلك الرجل أو رجل آخر. فقال له مثل ذلك.

стр. 1765

١٥٠٨ - - عن ابن عمر ﵄ قال: سأل رجل النبي ﷺ . فذكرا بمثله. وليس في حديثهما: ثم سأله رجل على رأس الحول وما بعده. ١٥٠٩ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "بادروا الصبح بالوتر". ١٥١٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا. فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك. ١٥١١ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا". ١٥١٢ - عن ابن عمر ﵄ كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا قبل الصبح. كذلك كان رسول الله ﷺ يأمرهم. ١٥١٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "الوتر ركعة من آخر الليل". ١٥١٤ - عن أبي مجلز قال: عن ابن عمر ﵄ يحدث عن النبي ﷺ قال: "الوتر ركعة من آخر الليل". ١٥١٥ - عن أبي مجلز قال: سألت ابن عباس عن الوتر؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ركعة من آخر الليل" وسألت ابن عمر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "ركعة من آخر الليل".

стр. 1766

١٥١٦ - عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً نادى رسول الله ﷺ وهو في المسجد. فقال: يا رسول الله كيف أوتر صلاة الليل؟ فقال رسول الله ﷺ : "من صلى فليصل مثنى مثنى. فإن أحس أن يصبح سجد سجدة فأوترت له ما صلى". قال أبو كريب: عبيد الله بن عبد الله، ولم يقل ابن عمر. ١٥١٧ - عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر قلت: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أؤطيل فيهما القراءة؟ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة. قال قلت: إني لست عن هذا أسألك. قال: إنك لضخم. ألا تدعني أستقرئ لك الحديث؟ كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي ركعتين قبل الغداة. كأن الأذان بأذنيه. قال خلف: أرأيت الركعتين قبل الغداة. ولم يذكر: صلاة. ١٥١٨ - عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر بمثله. وزاد: ويوتر بركعة من آخر الليل. وفيه: فقال: به به. إنك لضخم. ١٥١٩ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى. فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة". فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: أن تسلم [يسلم] في كل ركعتين. ١٥٢٠ - عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أوتروا قبل أن تصبحوا". ١٥٢١ - عن أبي سعيد ﵁ أنهم سألوا النبي ﷺ عن الوتر؟ فقال: "أوتروا قبل الصبح". ١٥٢٢ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله. ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل. فإن صلاة آخر الليل مشهودة. وذلك أفضل". وقال أبو معاوية: محضورة.

стр. 1767

١٥٢٣ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر، ثم ليرقد. ومن وثق بقيام من الليل فليوتر من آخره. فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل". ١٥٢٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت". ١٥٢٥ - عن جابر ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" قال أبو بكر: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش. ١٥٢٦ - عن جابر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة". ١٥٢٧ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه". ١٥٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له". ١٥٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك. أنا الملك. من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر". ١٥٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مضى شطر الليل أو

стр. 1768

ثلثاه ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يعطي هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له حتى ينفجر الصبح". ١٥٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل أو لثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له أو يسألني فأعطيه ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم". (قال مسلم) ابن مرجانة هو سعيد بن عبد الله ومرجانة أمه. ١٥٣٢ - - عن سعد بن سعيد بهذا الإسناد وزاد: "ثم يبسط يديه ﵎ يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم". ١٥٣٣ - عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر، هل من تائب، هل من سائل، هل من داع، حتى ينفجر الفجر". -[المعنى العام]- خاطب اللَّه رسوله ﷺ بقوله: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه .... ﴾ [المزمل: ١ - ٤] كان ذلك في أوائل البعثة، فصدع ﷺ بأمر ربه فكان يقوم نصف الليل أو يزيد، وصلى بأصحابه التهجد سنة، ثم أنزل اللَّه التخفيف في آخر سورة المزمل، ولما فرضت الصلوات الخمس حافظ رسول اللَّه ﷺ على التهجد وصلاة الليل بقدر أخف مما قبل، فكان يصلي في كل ليلةٍ عددًا يتراوح بين سبع ركعاتٍ منها ركعة الوتر، وبين ثلاث عشرة ركعةً منها ركعة الوتر، وعرف الصحابة ذلك فاقتدوا به، وكان بعضهم يزيد عددًا، وبعضهم ينقص، فقد بنيت صلاة الليل على أساس التطوع لكن أغلب ما كان عليه ﷺ صلاة إحدى عشرة ركعة يصليها مثنى ويختم بواحدة، وكان أحيانًا يختم بثلاث بتسليمة واحدة، وأحيانًا يصلي أربعًا أربعًا ثم ثلاثًا، وأحيانًا يصلي ثمانيًا بجلسة واحدة لا يسلم، ثم يقوم التاسعة ويسلم، وكل هذه الأحوال لبيان الجواز. وكان أكثر أحواله ﷺ أن ينام أول الليل ويحيي آخره، لما في الثلث الأخير من الليل

стр. 1769

من فضل، إذ تتنزل فيه الرحمات، ولبيان الجواز صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الليل في أوقات الليل المختلفة، بما في ذلك الوتر، فأوتر في كل ساعة من ساعات الليل، في أوله تارةً وفي وسطه تارةً، وفي آخره تاراتٍ، كما اختلفت صلاته ﷺ للوتر، فتارةً كان يضم ركعة الوتر إلى ركعتين أو إلى ركعات قبلها، لكنه كان كثيرًا ما يفرد الوتر بركعة واحدة. وقد اضطجع ﷺ أحيانًا بعد صلاة الوتر على شقه الأيمن ليفصل بين صلاة الليل وصلاة الصبح، واضطجع أحيانًا بين سنة الفجر وصلاة فرضه، فَعدَّ ذلك الاضطجاع بعض العلماء من المستحبات، وَعدَّه بعضهم عادةً لا عبادةً. وكان من عاداته ﷺ أن يطيل القراءة في صلاة الليل ويكثر من الاستغفار. وهكذا شرعت صلاة الليل وشرع الوتر في نهايتها، وكانت من أفضل الصلوات لخلوها من الرياء والسمعة، ولخلوص القلب في الليل من مشاغل الحياة. -[المباحث العربية]- (يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء ... إلى الفجر) يتضح المعنى بتأويل المصدر المنسبك من "أن" والفعل، وموقعه الجر بالإضافة، أي فيما بين فراغه من صلاة العشاء إلى الفجر. (وهي التي يدعو الناس العتمة) عائد الصلة محذوف، أي التي يدعوها الناس العتمة، أي العشاء الآخرة، احترازًا من المغرب فهو يسمى أحيانًا بالعشاء. وفي القاموس: "والعشاء أول الظلام، أو من المغرب إلى العتمة. وفيه: عَتَّم الليل - بتشديد التاء - مَرَّ منه قطعة، والعَتَمَةُ محركة ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الآخرة". (فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر) في الكلام مضاف محذوف، أي سكت من أذان صلاة الفجر. (وتبين له الفجر) فائدة هذه الجملة بعد التي قبلها الاحتراز من الأذان الأول. (وجاء المؤذن) يُؤْذِنه بالصلاة، وهذا المجيء غير المجيء للإقامة، إذ بينهما الاضطجاع. (يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) قال النووي: "معناه هن في نهاية من كمال الحسن والطول، مستغنيات بظهور حسنهن وطولهن عن السؤال عنه وعن الوصف". (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة) قال النووي: "المختار الذي عليه الأكثر والمحققون من الأصوليين أن لفظة "كان" لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنما هي فعل ماض، يدل على وقوعه مرة، فإن دل دليل على التكرار عُمل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها، وقد قالت عائشة ﵂ "كنت أُطيِّب رسول اللَّه ﷺ لحِلِّه قبل الطواف"، ومعلوم أنه ﷺ لم يحج بعد

стр. 1770

أن صحبته عائشة إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع، فاستعملت "كان" في مرة واحدة كما قاله الأصوليون". (تسع ركعات قائمًا يوتر منهن) قال النووي: "كذا في بعض الأصول "منهن" وفي بعضها "فيهن" وكلاهما صحيح". (أي أمه) "أي" حرف نداء، "أم" منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وفتح الميم وجه من وجوه حركاتها الجائزة، كما يقول ابن مالك: واجعل منادي صح إن يضف ليا كعبد عبدي عبد عبدًا عبديًا والهاء في "أمه" هاء السكت. وكأنه قال: يا أمي. (منها ركعتا الفجر) قال النووي: "في أكثر الأصول "منها ركعتي الفجر" ويتأول على تقدير: يصلي منها ركعتي الفجر". اهـ. وهذا التأويل بعيد، ولا حرج أن نقول: إنه خطأ من الناسخ. (ويوتر بسجدة) أي بركعة كاملة بما فيها من قراءة وركوع وسجود، أطلق الجزء وأراد الكل. (وثب) أي قام بسرعة. (ثم صلى الركعتين) أي سنة الصبح. (كان يحب الدائم) أي يحب العمل الذي يداوم عليه، أي الذي يواظب على فعله عادة. (إذا سمع الصارخ قام فصلى) قال النووي: "الصارخ هنا هو الديك باتفاق العلماء، قالوا: وسمي بذلك لكثرة صياحه"، اهـ. قال الحافظ ابن حجر: "ووقع في مسند الطيالسي في هذا الحديث "الديك" والصرخة: الصيحة الشديدة، وجرت العادة بأن يصيح عند نصف الليل غالبًا. قال ابن التين: وهو موافق لقول ابن عباس: نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل". (ما ألفى رسول اللَّه ﷺ السحر الأعلى ... إلا نائمًا) "ما ألفاه" أي ما وجده، "السحر" بالرفع فاعل، وهو آخر الليل قبيل الفجر، وحكى الماوردي أنه السدس الأخير، وقيل: أوله الفجر الأول، والمراد من نومه: نومه بعد القيام الذي مبدؤه عند سماع الصارخ. (أيقظها فأوترت) الفاء هنا فصيحة، أي عاطفة على محذوف مطوي، أي أيقظها فتوضأت فأوترت. (من كل الليل قد أوتر) "كل الليل" ظرف لقوله: "أوتر" أي في كل الليل، وليس المراد أنه شغل كل أجزاء الليلة بالوتر، بل المراد أنه شغل جزئيات الليل في الليالي المتعددة بالوتر، كما هو صريح في الرواية السابعة عشرة، في قولها: "من أول الليل وأوسطه وآخره". (الكراع) بضم الكاف. والمراد هنا الخيل للحرب والجهاد.

стр. 1771

(وكان قد طلقها) ليفسح لها أن تتزوج بغيره، لئلا يكون إمساكه لها إضرارًا، حيث عزم على مداومة الجهاد حتى الاستشهاد. (فأتى ابن عباس فسأله عن وتر رسول اللَّه ﷺ لعله لما أثنى عن عزيمته بالجهاد فكر في التعويض وتحصيل أكبر قدر من الثواب بقيام الليل. (فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح) ربما قصد لقاء حكيم في طريقه وربما قابله صدفة. (فاستلحقته إليها) أي طلبت منه أن يلحق بها، وأن يأتيها معي. (ما أنا بقاربها) أي لا أقرب منها ولا أزورها. (لأنني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا) أي الفرقتين اللتين تحاربتا، أي لا تتكلم في الصراع الذي حدث بين علي كرم اللَّه وجهه وبين خصومه. أي لا تتكلم في السياسة. ومعنى هذا أن قصتنا كانت بعد معركة الجمل. (فأبت فيهما إلا مضيًا) أي فلم تعبأ بنهيي، واستمرت في تناول الفرق والأحزاب بالتأييد أو بالمعارضة والمؤاخذة واللوم. (فإن خلق نبي اللَّه ﷺ كان القرآن) معناه أن خلقه كان القرآن والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره وحسن تلاوته. ذكره النووي. (فإن اللَّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة) بقوله: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه .... ﴾ (فقام نبي اللَّه ﷺ وأصحابه حولاً) أي صلوا قيام الليل وحافظوا عليه حولاً. (فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة) أي نسخ فرض قيام الليل بآخر السورة، وسيأتي إيضاح لذلك في فقه الحديث. (كنا نعد له سواكه وطهوره) أي نجهز له قبل أن ننام، والطَّهور بفتح الطاء ما يتطهر به، أي الماء. (فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه من الليل) أي فيوقظه اللَّه من الليل مدة يشاؤها. (فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه) أي يتشهد. (فلما أسن نبي اللَّه) قال النووي: "في معظم الأصول "سن" بدون همزة، وفي بعضها "أسن" وهذا هو المشهور في اللغة".

стр. 1772

(وأخذه اللحم) أي أخذ جسمه اللحم، وكثر لحمه. (قلت: لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها) أي عقابًا لك على هجرك لها ومقاطعتك إياها حتى تضطر إلى الذهاب إليها. وظاهر من هذا الحديث أن قائل ذلك لابن عباس هو سعد بن هشام، لكن ملحق هذه الرواية يسند هذا القول لحكيم، ونصه: "فقال حكيم بن أفلح: أما إني لو علمت أن لا تدخل عليها ما أنبأتك بحديثها". فلعلهما اشتركا في هذا القول لابن عباس أو قاله أحدهما فأيده الآخر فنسبت إلى كل منهما. (من نام عن حزبه) أي عن ورده، أي عما اعتاد أن يتطوع به من صلاة أو ذكر أو قرآن. (صلاة الأوابين) الأوَّاب: المطيع، وأصله الكثير الرجوع، أي إلى اللَّه بالطاعة والاستغفار. (حين ترمض الفصال) "الفصال": الصغار من أولاد الإبل، جمع فصيل. ويقال: رَمَضَ يَرْمَضُ، من باب علم يعلم. والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس. فالمعنى: حين يحترق أخفاف صغار الإبل من الرمال الحارة. (أن رجلاً سأل) قال الحافظ ابن حجر: "لم أقف على اسمه، قيل: كان أعرابيًا من أهل البادية". (مثنى مثنى) أي اثنين اثنين، فمثنى ممنوع من الصرف للوصفية والعدل، والتكرار للتأكيد. (أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة) "أرأيت" معناها أخبرني، عن طريق مجازين. الأول في الاستفهام بإرادة مطلق الطلب بدلاً من طلب الفهم. الثاني في الرؤية بإرادة لازمها وهو الإخبار، فآل الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ أخبرني. والمراد من الركعتين قبل الغداة: سنة الصبح القبلية. (إني لست عن هذا أسألك) لأن السؤال كان عن تطويل القراءة في سنة الصبح، وكان الجواب عن صلاة الليل والوتر. وعذر ابن عمر أنه أراد سرد الحديث من أوله، وإن كان جواب السائل في آخره. (إنك لضخم) إشارة إلى الغباوة والبلادة وقلة الأدب. قالوا: لأن هذا الوصف يكون للضخم غالبًا، وإنما قال ذلك لأنه قطع عليه الكلام قبل تمام حديثه. قاله النووي. وأعتقد أن الرجل كان ضخم الجسم فعلاً، وأن ابن عمر وصفه بما هو فيه مداعبة وليس إشارة إلى الغباوة والبلادة كما ذكر النووي، فإن للرجل عذره الواضح الذي يبعد اتهامه بالغباء. (ألا تدعني أستقرئ لك الحديث) "ألا" بالتخفيف للتحضيض، أي الطلب برفق، أي دعني أستقرئ وأتمم لك الحديث، ومعناه أذكره وآتيك بنهايته وجميع أجزائه.

стр. 1773

(ويصلي ركعتين قبل الغداة كأن الأذان بأذنيه) "كأن" بالهمز وتشديد النون، والمراد من الأذان هنا الإقامة، والمعنى أنه كان يسرع بركعتي الفجر إسراع من يسمع إقامة الصلاة خشية فوات أول الوقت، ومقتضى ذلك تخفيف القراءة فيهما، فيحصل بذلك الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر القراءة فيهما. (به. به) باء مفتوحة بعدها هاء ساكنة. كلمة مكررة، اسم فعل أمر للزجر والكف، كقولك: مه. مه. وقيل: إنها لتفخيم الأمر بمعنى: بخ. بخ. والأول أنسب بقوله: إنك لضخم. (فإن صلاة آخر الليل مشهودة) وفسرها الراوي بقوله: "محضورة" أي تشهدها وتحضرها ملائكة الرحمة، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. (أفضل الصلاة طول القنوت) قال النووي: المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت. اهـ. وفي القاموس: "القنوت: الطاعة والسكوت والدعاء والقيام في الصلاة والإمساك عن الكلام". (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا) وفي الرواية التاسعة والأربعين "ينزل اللَّه في السماء الدنيا" قال النووي: هكذا في جميع الأصول "في السماء" وهو صحيح. اهـ. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة. تعالى اللَّه عن قولهم. ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم أَوَّلُوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث إما جهلاً وإما عنادًا. ومنهم من أجراه على ما ورد، مؤمنًا به على طريق الإجمال، منزهًا اللَّه تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة. ومنهم من أَوَّله على وجه يليق، مستعمل في كلام العرب. ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف. ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبًا مستعملاً في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا، فأَوَّل في بعض، وفَوَّض في بعضٍ، وهو منقول عن مالك. قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد إلا أن يَرِدَ ذلك عن الصادق ﷺ ، فيصار إليه، ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب، فحينئذ التفويض أسلم". اهـ. (من يقرض غير عديم ولا ظلوم) أي من يقرض اللَّه تعالى؟ وفي ملحق الرواية "غير عدوم ولا ظلوم" أي غير فقير وغير ظالم، وفي هذا إشارة إلى وفاء القرض والإحسان. قال أهل اللغة: يقال: أعدَمَ الرجل: إذا افتقر، فهو مُعدَمٌ وعَدِيمٌ وعَدُومٌ. قال النووي: "والمراد بالقرض عمل الطاعة سواء فيه الصدقة والصلاة والصوم والذكر وغيرها من الطاعات، وسماه قرضًا ملاطفة للعباد وتحريضًا لهم على المبادرة إلى الطاعة". اهـ.

стр. 1774

-[فقه الحديث]- يمكن تقسيم الحديث إلى نقطتين أساسيتين: صلاة الليل، وصلاة الوتر. وفي صلاة الليل تتعرض الأحاديث إلى حكمها، وفضلها، وعدد ركعاتها، وكيفية أدائها، وأفضل أوقاتها. وفي الوتر تتعرض الأحاديث لمثل ذلك. فالباحث يجد الرواية التاسعة عشرة تحيل حكم صلاة الليل إلى سورة المزمل، وتنص على أن اللَّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة، وأن النبي ﷺ وأصحابه قاموا بصلاة الليل حولاً، اثنى عشر شهرًا - حتى أنزل اللَّه التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة. وعن ذلك يقول النووي: "هذا ظاهره أنه صار تطوعًا في حق رسول اللَّه ﷺ والأمة. فأما الأمة فهو تطوع في حقهم بالإجماع. وأما النبي ﷺ فاختلفوا في نسخه في حقه، والأصح عندنا نسخه، وأما ما حكاه القاضي عياض عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم ولو قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ، فغلط ومردود بإجماع من قبله، مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس". اهـ. وقد ترجم البخاري بباب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب. قال الحافظ ابن حجر: "ولم أر النقل في القول بإيجاب قيام الليل إلا عن بعض التابعين. وقال ابن عبد البر: شذَّ بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه". اهـ. وفي الناسخ لفرضية قيام الليل بحث، فظاهر حديث عائشة أن النسخ بآخر سورة المزمل، وأنه نزل بعد حول، وهو قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضًا حسنًا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ [المزمل: ٢٠]. ومقتضى ذلك أن النسخ وقع بمكة، لأن الإيجاب متقدم على فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء وكانت قبل الهجرة. وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، لقوله: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. وقيل: إن النسخ وقع بالمدينة، وإن الآية التي نسخت الوجوب مدنية. ويستند لهذا الرأي بقول أبي جعفر النحاس: إن السورة مكية إلا الآية الأخيرة. وهو مخالف لما عليه المحققون من أن السورة كلها مكية. واللَّه أعلم.

стр. 1775

وفي فضل صلاة الليل تتحدث الروايات السبع الأخيرة من روايات الباب، وهي وإن كانت في فضل الطاعة بالليل بصفة عامة فإن خير الطاعات الصلاة، وقد ساقها الإمام مسلم تحت الباب دليلاً على الترغيب في صلاة الليل وفضلها. وفي البخاري: أن رسول اللَّه ﷺ قال عن عبد اللَّه بن عمر: "نعم الرجل عبد اللَّه لو كان يصلي من الليل". فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً. وعن أبي هريرة: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". وفي عدد ركعات صلاة الليل تصرح الرواية الأولى والثانية والخامسة بأنها إحدى عشرة ركعة منها الوتر واحدة، وفي الرواية الرابعة والسادسة والسابعة والثامنة أنها ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر، فهذه الروايات في مجموعها تتفق على أنها عشر ركعات. أما الرواية التاسعة عشرة فتحكي صلاته ﷺ في آخر حياته بعدما بدن وزاد لحم جسمه وأنه صلاها ثماني ركعات، وكأنه اختصر العدد ركعتين. وجاء في البخاري عن عائشة: أن صلاته ﷺ بالليل سبع وتسع. وكأنه اختصر العدد ركعتين أخريين. قال النووي: "قال القاضي: قال العلماء: في هذه الأحاديث إخبار كل واحدٍ من ابن عباس وزيدٍ وعائشةٍ بما شاهد، وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل: هو منها، وقيل: من الرواة عنها. فيحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة هو الأغلب، وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرًا في بعض الأوقات، فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقله سبع، وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت، أو ضيقه بطول قراءة، أو لنوم، أو عذر، أو مرض أو غيره، أو في بعض الأوقات عند كبر السن، أو تارةً تَعدُّ الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل، وتارةً تَعدُّ ركعتي الفجر، وتارةً تحذفهما، وقد تكون عدَّت راتبة العشاء مع ذلك تارةً وحذفتها تارة. قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه". واللَّه أعلم وفي كيفية أدائها تصرح الروايات السادسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والثامنة والعشرون، والتاسعة والعشرون، والسادسة والثلاثون، والسابعة والثلاثون، والثامنة والثلاثون، بأنها مثنى مثنى، وفي الرواية الثامنة والثلاثين يفسر ابن عمر معنى مثنى بأنه يسلم في كل ركعتين، وبذلك تصرح الرواية الثانية من روايات الباب. أما الرواية الخامسة فلفظها: "يصلي أربعًا ... ثم يصلي أربعًا ... ثم يصلي ثلاثًا". وهذه الرواية يمكن فهمها على أن الأربع على دفعتين بتسليمتين، وأن الثلاث كذلك، والغرض من التعبير أنه ﷺ كان يستريح بين كل أربع. وكذلك الرواية السادسة في لفظها: "يصلي ثمان ركعات". يمكن أن تكون مثنى مثنى. وكذلك قولها في الرواية الثامنة: "عشر ركعات". أما الرواية التاسعة عشرة فلا يمكن حملها على هذه الحالة، إذ لفظها: "فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه [أي يتشهد] ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد، فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه، ثم يسلم".

стр. 1776

وفي هذه المسألة يقول النووي: "إن جمع الركعات بتسليمة واحدة لبيان الجواز، وإلا فالأفضل التسليم في كل ركعتين، وهو المشهور من فعل رسول اللَّه ﷺ وأمره بصلاة الليل مثنى مثنى". اهـ. وفي أفضل الأوقات لصلاة الليل تقول الرواية التاسعة: "كان ينام أول الليل ويحيي آخره". وتقول الرواية الأربعون: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل". وفي ذلك دليل على أن قيام الليل في الثلث الأخير أفضل، ويقوي هذا الرواية السادسة والأربعون، وفيها: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ ". وقريب منها الرواية الثامنة والأربعون والتاسعة والأربعون. هذا من حيث أفضل الأوقات وأما من حيث الجواز فإن الرواية السابعة عشرة صريحة فيه، ولفظها: "من كل الليل قد أوتر رسول اللَّه ﷺ ، من أول الليل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر". أما في حكم صلاة الوتر فإن الرواية الثانية والثلاثين، ولفظها: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا". قد استدل بها بعض من قال بوجوب الوتر، قال الحافظ ابن حجر: "وتعقب بأن صلاة الليل ليست واجبة، فكذا آخره، وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليله". قال القاضي أبو الطيب: "إن العلماء كافة قالت: إنه سنة، حتى أبو يوسف ومحمد، قال أبو حنيفة وحده: هو واجب وليس بفرض. وقال أبو حامد في تعليقه: الوتر سنة مؤكدة، ليس بفرض ولا واجب، وبه قالت الأئمة كلها إلا أبا حنيفة". وقد دافع البدر العيني في كتابه عمدة القاري، ورد على ما سبق فقال: "هذا كله من آثار التعصب، وهذا الكلام ليس بصحيح ولا قريب من الصحة، وأبو حنيفة لم ينفرد بذلك، هذا القاضي أبو بكر بن العربي ذكر عن سحنون وأصبغ بن الفرج وجوبه، وحكى ابن حزم أن مالكًا قال: من تركه أُدِّب، وكانت جُرحةً في شهادته. وحكاه ابن قدامة في المغني عن أحمد. وفي المصنف عن مجاهد بسند صحيح: هو واجب ولم يكتب. وحكى ابن بطال وجوبه على أهل القرآن. ثم استدل العيني بأحاديث لم تخل من مقال، وأطال الدفاع عن وجوب الوتر مما لا يتسع له هذا البحث، فمن أراده فليرجع إليه. وفي عدد ركعات الوتر نقول: الرواية الأولى، والثانية، والثامنة، والسادسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والثامنة والعشرون، والتاسعة والعشرون، والرابعة والثلاثون، والسابعة والثلاثون، والثامنة والثلاثون، صريحة في أن الوتر ركعة، وألفاظها على الترتيب: "يوتر منها بواحدة". "ويوتر بواحدة". "ويوتر بسجدة". "فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى". "فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة". "فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة". "فإذا خشيت الصبح فصل ركعة". "ركعة من آخر الليل". "فإن أحس أن يصبح سجد سجدة فأوترت له ما صلى". "ويوتر بركعة". "فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة".

стр. 1777

وهناك روايات تحكي غير واحدة، فالرواية الثالثة: "يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها". والرواية الخامسة: "ثم يصلي ثلاثًا". والرواية التاسعة عشرة: "ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد ... ثم يسلم". وفي مسلم أحاديث صريحة في إحدى عشرة وثلاث عشرة. قال النووي: "هذا كله دليل على أن الوتر ليس مختصًا بركعة ولا بإحدى عشرة، ولا بثلاث عشرة، بل يجوز ذلك وما بينه، وأنه يجوز جمع ركعات بتسليمة واحدة". اهـ. واحتج الشافعي بالمجموعة الأولى المذكورة على أن الإيتار بركعة واحدة جائز، وبه قال الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قط، ويجيب عن الأحاديث المذكورة بأن معناها يوتر بواحدة وركعتين قبلها، فيصير وتره ثلاثًا. هكذا يقول البدر العيني، ويستدل على قوله بما رواه النسائي عن عائشة: "كان رسول اللَّه ﷺ لا يسلم في ركعتي الوتر". "كان رسول اللَّه ﷺ يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن". وهذا الاستدلال لا يسلم له، إذ يعارضه الأحاديث الكثيرة الصحيحة، ثم هذا إن صح دل على الجواز، لا على عدم صحة غيره الذي هو أصل الدعوى. ثم يقول البدر العيني: فإن قلت: ما تقول في قوله ﷺ : "فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة"؟ . قلت: معناه متصلة بما قبلها، ولذلك قال: "توتر لك ما قبلها". اهـ. وواضح أن هذا التأويل إن جاز في هذه الرواية فإنه لا يجوز في مثل الرواية الأولى "يوتر منها بواحدة". ثم يقول البدر العيني: فإن قلت: روي أنه قال: "من شاء أوتر بركعة، ومن شاء أوتر بثلاث أو بخمس"؟ . قلت: هو محمول على أنه كان قبل استقرارها. اهـ. وواضح أن هذا الاحتمال بعيد. ثم إن الحنفية يشترطون وصل الثلاث وعدم السلام بينها، ويجيبون بأن ما ثبت خلاف ذلك، كان لعذر دخول الوقت والخوف من عدم التمكن من صلاة الثلاث موصولة. والباحث المحقق يرى قوة حجة الشافعي والجمهور ويميل إلى ما قالوا به. واللَّه أعلم. وفي وقت صلاة الوتر يقول النووي: "يستحب جعل الوتر آخر الليل، سواء كان للإنسان تهجد أم لا إذا وثق بالاستيقاظ آخر الليل، إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره، واستدل النووي بقوله ﷺ : "فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما صلى". على أن وقته يخرج بطلوع الفجر. قال: وهو المشهور من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء". اهـ. ويؤيد هذا ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر قال: "من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا؛ فإن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر". وفي صحيح ابن خزيمة: "من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له". وقال الحافظ ابن حجر: "حكى ابن المنذر عن جماعة من السلف، أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح؛ وحكاه القرطبي عن مالك والشافعي وأحمد". اهـ. أما أول وقت الوتر فقيل: يدخل بالفراغ من فريضة العشاء، سواء صلى بينه وبين العشاء

стр. 1778

نافلة أم لا، وسواء أوتر بركعة أم بأكثر، فإذا أوتر قبل فعل العشاء لم يصح وتره، وسواء تعمده أم سها وظن أنه صلى العشاء أم ظن جوازه. وقيل: يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء وله أن يصليه قبلها. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - يؤخذ من الرواية الأولى والثانية استحباب الاضطجاع بعد صلاة الوتر، لكن الرواية الأولى تجعل صلاة الركعتين الخفيفتين، وهما سنة الصبح بعد الاضطجاع، ومذهب الشافعية استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وأنكر الاضطجاع مالك، وبعض السلف، واعتبروه بدعة. وممن قال بذلك من الصحابة عبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عمر، فقد روي في مصنف ابن أبي شيبة قال ابن عمر: "ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك كما تتمعك الدابة والحمار، إذا سلم فقد فصل". أي فصل ما بين النفل والفرض. وقال النووي: "قال القاضي عياض: وذهب مالك وجمهور العلماء، وجماعة من الصحابة إلى أنه بدعة. وأشار إلى أن رواية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مرجوحة، قال: فتقدم رواية الاضطجاع قبلهما. قال: ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما: إنه سنة فكذا بعدهما. قال: وقد ذكر مسلم عن عائشة [روايتنا الثالثة عشرة] "فإذا كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع". فهذا يدل على أنه ليس بسنة، وأنه تارة كان يضطجع. هذا كلام القاضي. قال النووي: والصحيح أو الصواب أن الاضطجاع بعد سنة الفجر، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه". رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. فهذا حديث صحيح صريح في الأمر بالاضطجاع. وأما حديث عائشة بالاضطجاع بعدها وقبلها، وحديث ابن عباس قبلها فلا يخالف هذا، فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلها أن لا يضطجع بعدها، ولعله ﷺ ترك الاضطجاع بعدها في بعض الأوقات، بيانًا للجواز لو ثبت الترك، ولم يثبت، فلعله كان يضطجع قبل وبعد، وإذا صح الحديث - في الأمر بالاضطجاع بعدها مع روايات الفعل الموافقة للأمر به - تعين المصير إليه، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث، لم يجز رد بعضها، وقد أمكن بطريقتين أشرنا إليهما، أحدهما: أنه اضطجع قبل وبعد. والثاني: أنه تركه بعد في بعض الأوقات لبيان الجواز". هذا كلام النووي. وهناك قول شاذ: وهو أن الاضطجاع واجب مفترض لا بد من الإتيان به، وإلا لم تجزه صلاة الصبح استنادًا إلى الحديث السابق الذي رواه أبو داود والترمذي. وهو قول محمد بن حزم الظاهري. والذي تستريح إليه النفس، أن الاضطجاع الذي كان يفعله الرسول ﷺ لم يكن عبادة تسن، وإنما كان للراحة والنشاط لصلاة الصبح، يشهد لذلك ما أخرجه عبد الرزاق أن عائشة كانت تقول: "إن النبي ﷺ لم يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح". فإذا ضممنا إلى ذلك قول الشافعي: تتأدى السنة بكل ما يحصل به الفصل من مشي وكلام وتحول. استراحت النفس إلى أن الاضطجاع ليس سنة تعبدية. ٢ - كما يؤخذ من الروايتين استحباب كون الاضطجاع على الشق الأيمن - عند من يقول باستحباب

стр. 1779

الاضطجاع أو وجوبه - وقد قيل في حكمة ذلك: أن القلب في جهة اليسار، فالنوم على اليمين أخف وأصح، وربما كان لاستحباب التيامن بصفة عامة. ٣ - ويؤخذ منهما أيضًا استحباب اتخاذ مؤذن راتب للمسجد. ٤ - وجواز إعلام المؤذن الإمام بحضور الصلاة وإقامتها واستدعائه لها. ٥ - وتخفيف ركعتي الفجر، وقد وضحنا ذلك وما يقرأ فيهما قبل ثلاثة أبواب. ٦ - ويؤخذ من الرواية الخامسة، والثانية والأربعين، والثالثة والأربعين استحباب طول القراءة في صلاة الليل وقد أسهبنا القول في تفضيل طول القراءة أو كثرة الركعات في الباب السابق. ٧ - ومن الرواية الخامسة عدم نوم قلبه ﷺ خصوصية له. قال النووي: "وأما حديث نومه ﷺ في الوادي، فلم يعلم بفوات وقت الصبح حتى طلعت الشمس، فإن طلوع الفجر والشمس متعلق بالعين لا بالقلب، وأما أمر الحدث ونحوه فمتعلق بالقلب. وقيل: إنه في وقت ينام قلبه وفي وقت لا ينام، فصادف الوادي نومه، والصواب الأول". اهـ. ٨ - ومن الرواية السادسة جواز النفل جالسًا. ٩ - وقد أخذ بظاهرها الأوزاعي وأحمد فيما حكاه القاضي عياض عنهما، فأباحا ركعتين بعد الوتر جالسًا. وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله. قال: وأنكره مالك. قال النووي: "والصواب أن هاتين الركعتين فعلهما ﷺ لبيان جواز الصلاة بعد الوتر ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرة، أو مرتين، أو مرات قليلة". اهـ. وهل إذا فعل المصلي ذلك يحتاج إلى وتر آخر؟ ذهب الأكثرون إلى أنه لا يحتاج إلى وتر آخر لحديث النسائي وابن خزيمة: "لا وتران في ليلة". ١٠ - ومن قوله: "وثب" في الرواية التاسعة، اهتمام الرسول ﷺ بالعبادة والإقبال عليها بنشاط. ١١ - ومن نفي الراوي لبعض العبارات تحري الصحابة ومن بعدهم في رواية الحديث والتحرز حتى من اللفظ المرادف. ١٢ - ومن قوله: "وأنا أعلم ما تريد". الاكتفاء بالإشارة فيما هو شأنه الاستحياء. ١٣ - وجواز النوم مع الجنابة. ١٤ - ومن الرواية الحادية عشرة، الحث على القصد في العبادة، وأنه ينبغي للإنسان أن لا يحتمل من العبادة إلا ما يطيق الدوام والمحافظة عليه. ١٥ - استدل البخاري وغيره بالرواية الثالثة عشرة، على جواز الكلام بين صلاة الفجر وصلاة الصبح. خلافًا لمن كره ذلك من الكوفيين وبعض السلف باعتباره وقت استغفار، والصواب الإباحة لفعل النبي ﷺ ، وكونه وقت استحباب الاستغفار لا يمنع من الكلام. ١٦ - ويؤخذ من الرواية الرابعة عشرة اهتمام الشارع بالوتر وإيقاظ الأهل لأدائه.

стр. 1780

١٧ - ومن الرواية الخامسة عشرة، جواز اعتراض المرأة بين يدي المصلي. ١٨ - ومن الرواية التاسعة عشرة، أن الرهبانية أو ترك الدنيا والتفرغ للجهاد الكفائي ليس من الشريعة، ومنهي عنه. ١٩ - وأنه يستحب للعالم إذا سئل عن شيء ويعرف أن غيره أعلم منه به أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصيحة. ٢٠ - والإنصاف والاعتراف بالفضل لأهله والتواضع. ٢١ - واستحباب التأهب والأخذ بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها. ٢٢ - واستحباب السواك عند القيام من النوم. ٢٣ - واستحباب المحافظة على الأوراد وما اعتاد المسلم من الطاعات. ٢٤ - واستدل به من يقول بقضاء الوتر، وهو مذهب الشافعية. ٢٥ - وفضيلة الصلاة قبل الزوال وبعد اشتداد حرارة الشمس، وهو أفضل أوقات صلاة الضحى. ٢٦ - وتكريم المسلم بذكر فضائل أبيه والترحم عليه. ٢٧ - استدل به بعضهم على كراهية قيام جميع الليل، وقيل: الكراهة في المداومة على قيامه كله. وظاهر الحديث مع القول الأول. ٢٨ - ويؤخذ منه الأخذ بالرفق للنفس، والاقتصاد في العبادة وترك التعمق فيها. ٢٩ - ومن الرواية الثامنة والعشرين، أن قضاء ما فات بسبب النوم لا ينقص ثوابه عن الأداء إذا أدى عقب القيام. ٣٠ - ومن الرواية الثالثة والعشرين أن نفل النهار ليس مثنى، بل يصلى أربعًا. وهو مذهب الحنفية، وهو مفهوم مخالفة غير لازم. ٣١ - ومن الرواية السابعة والثلاثين، جواب السائل بأكثر مما سأل عنه إذا كان مما يحتاج إليه. ٣٢ - ومن الرواية الرابعة والأربعين وما بعدها، إثبات ساعة الإجابة. ٣٣ - والحث على الدعاء في جميع ساعات الليل رجاء مصادفتها. ٣٤ - وأن الثلث الأخير أنسب الأوقات للاستغفار والدعاء. قال تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: ١٨] ٣٥ - سعة رحمة اللَّه وكثرة عطائه وإجابته وإسباغ نعمته.

стр. 1781

(٢٥٥) باب الترغيب في قيام الليل وهو التراويح وباب الندب الأكيد إلى قيام ليلة القدر وبيان دليل من قال: إنها ليلة سبع وعشرين ١٥٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". ١٥٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر. وصدرًا من خلافة عمر على ذلك. ١٥٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". ١٥٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من يقم ليلة القدر فيوافقها أراه قال إيمانًا واحتسابًا غفر له". ١٥٣٨ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ . فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم". قال: وذلك في رمضان. ١٥٣٩ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل

стр. 1782

فصلى في المسجد. فصلى رجال بصلاته. فأصبح الناس يتحدثون بذلك. فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية. فصلوا بصلاته. فأصبح الناس يذكرون ذلك. فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة. فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله. فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ . فطفق رجال منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر. فلما قضى الفجر أقبل على الناس. ثم تشهد فقال: "أما بعد فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها". ١٥٤٠ - عن أبي بن كعب ﵁ قال: (وقيل له إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر). فقال أبي: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان (يحلف ما يستثني) ووالله إني لأعلم أي ليلة هي. هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها. هي ليلة صبيحة سبع وعشرين. وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. ١٥٤١ - عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: في ليلة القدر: والله إني لأعلمها وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها. هي ليلة سبع وعشرين. وإنما شك شعبة في هذا الحرف: هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ . قال: وحدثني بها صاحب لي عنه. -[المعنى العام]- جعل اللَّه النهار معاشًا وجعل الليل سكنًا وراحةً ونومًا، وجعل صلوات النهار في أوله ووسطه وآخره، فالصبح والظهر والعصر والمغرب كلها في النهار أو متصلة بالنهار، وجعل صلاة العشاء وهي الصلاة الليلية الوحيدة في أول الليل وقبل النوم المعتاد لبني آدم، وكأن اللَّه تعالى شرع الصلوات المفروضة في أوقات الكفاح والعمل لئلا ينصرف الناس إلى المادية الصرفة، ولئلا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولم يكلفهم ما يشق عليهم من القيام من النوم للعبادة، لكنه مع ذلك جعل ميدان العبادة الليلية مفتوحًا للمتسابقين في الخير المتنافسين في الطاعات، فحَبَّب ورغب في صلاة الليل بعامة، وحبب ورغب في صلاة الليل في شهر رمضان بخاصة وهي صلاة التراويح.

стр. 1783

ولقد تفضل اللَّه على الأمة الإسلامية فجعل الحسنة بعشر أمثالها، وزاد تفضله عليها فأتاح لهم مواسم تتجلى فيها رحمته ومغفرته وإنعامه وتتضاعف فيها الحسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى جزاء غير محدود ومغفرة وفيرة. ومن هذه المواسم أيام شهر رمضان ولياليه، فكان ﷺ يرغب في قيام الليل في رمضان ترغيبًا لا يماثله ترغيب، فكان يقول: "من قام رمضان - أي من صلى صلاة القيام وصلاة الليل في رمضان - إيمانًا واحتسابًا - مؤمنًا بوعد اللَّه مخلصًا في صلاته قاصدًا بها وجه اللَّه - غفر له ما تقدم من ذنبه". وزاد هذا الترغيب ترغيبًا عمليًا، إذ قام يصلي التراويح في المسجد وفي جماعة، مع أنه الداعي إلى أن تكون صلاة الليل في البيوت وفرادى، صلى أول ليلة فصلى وراءه الناس، وصلى الليلة الثانية فتضاعف خلفه عدد الناس، وصلى الليلة الثالثة فعجز المسجد عن استيعاب المصلين خلفه، وانتظروه في الليلة الرابعة فلم يخرج، فنادوا: الصلاة الصلاة. فلم يخرج إليهم حتى يئسوا وانصرفوا، فلما خرج في صلاة الفجر قال لهم: علمت اجتماعكم للصلاة ولم يخف على انتظاركم لخروجي، ولكني خفت من المواظبة أن تلتزموا ما لا يلزمكم به الشرع، وأن تعتقدوا فرضية ما ليس بفرض، فصلوا أيها الناس صلاة الليل كيفما تصلون. واستمر الأمر على ذلك بقية حياة الرسول ﷺ وخلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر. ودخل عمر المسجد ليلة فرأى أفرادًا يصلون، ووجد جماعات، كل جماعة بإمام، ورأى أن مظهر الفرقة هذا يتنافى ومبدأ الإسلام الداعي إلى التجمع الناهي عن التفرق، ورأى أن رسول اللَّه ﷺ قد شرع الجماعة في صلاة الليل في رمضان، وأنه لم يمنعه من المواظبة عليها إلا خشية الافتراض، وقد زال هذا المانع واستبعدت هذه الخشية فلا وحي ولا جديد يجد في التشريع، فطلب من الفقيه القارئ أبي بن كعب أن يؤم الناس، وطلب من الناس أن يصلوا قيام رمضان جماعة. فقيل له: كيف تأمر ببدعة؟ فقال: إن كانت الجماعة والتجمع بدعة فنعمت البدعة هي. واستقر الأمر على ذلك، ولم يعترض أحد من المسلمين عليه حتى يومنا هذا، فكان إجماعًا حسنًا. تقبل اللَّه صلاتنا وقيامنا وركوعنا وسجودنا وختم بالصالحات أعمالنا. -[المباحث العربية]- (من قام رمضان) أي من قام ليالي رمضان، أي صلى صلاة الليل في رمضان، والمراد صلاة التراويح، والتراويح جمع ترويحة، وهي اسم للمرة الواحدة من الراحة، كتسليمة من السلام، وسميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. ذكره الحافظ ابن حجر. (إيمانًا واحتسابًا) "إيمانًا" أي تصديقًا بوعد اللَّه بالثواب وتصديقًا بفضل القيام. و"احتسابًا" أي طلبًا للأجر من اللَّه وحده، لا بقصد آخر من رياء أو غيره.

стр. 1784

(يرغب في قيام رمضان) بين أسلوب الترغيب في قوله "فيقول: من قام رمضان ... إلخ". (من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة) معناه لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب. كذا قال النووي. والظاهر أن المراد نفي الأمر مطلقًا والاكتفاء بالترغيب. (فتوفي رسول اللَّه ﷺ والأمر على ذلك) أي على عدم الالتزام بصلاتها جماعة وفي المسجد واكتفاء البعض بصلاتها في البيت أو منفردًا في المسجد. (ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر على ذلك) "على ذلك" الأخيرة تكرار للأولى للتأكيد. أي استمر الأمر هذه المدة على تلك الحالة، ولم يبين في روايات الإمام مسلم ما كان بعد الصدر الأول لخلافة عمر، وقد جاء في البخاري عن عبد اللَّه القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعم البدعة هذه. (ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) قال النووي: "هذا مع الحديث المتقدم "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" قد يقال: إن أحدهما يغني عن الآخر، وجوابه أن يقال: قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعرفها سبب للغفران وإن لم يقم غيرها". اهـ. قال الحافظ ابن حجر: "واختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة فقيل: المراد به التعظيم، كقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الزمر: ٦٧] والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر. وقيل: القدر هنا التضييق كقوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧] ومعنى التضييق فيها إخفاؤه عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة. وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أعمال تلك السنة لقوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤] وبه صدر النووي كلامه، فقال: قال العلماء: سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار، وروي هذا بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم من المفسرين". (من يقم ليلة القدر فيوافقها) أي يعلم أنها ليلة القدر، أي فيوافقها علمه بها، وليس المعنى فيوافقها قيامه. (صلى في المسجد ذات ليلة) أي من ليالي رمضان. (ثم صلى من القابلة) أي من الليلة الثانية، أي من الليلة المقبلة.

стр. 1785

(من الليلة الثالثة أو الرابعة) شك من الراوي، وفي الرواية السادسة بدون شك "الليلة الرابعة". (فأصبح الناس يتحدثون بذلك) في رواية "فلما أصبح تحدثوا أن النبي ﷺ صلى في المسجد من جوف الليل". (عجز المسجد عن أهله) كناية عن كثرة الناس، وفي رواية لأحمد: "امتلأ المسجد حتى اغتص بأهله". (فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة) وفي رواية: "فقالوا: ما شأنه؟ ". وفي رواية: "ففقدوا صوته، وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم". وفي رواية: "فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب". (فتعجزوا عنها) أي تشق عليكم فتتركوها مع القدرة عليها، قال الحافظ ابن حجر: "وليس المراد العجز الكلي، لأنه يسقط التكليف من أصله". (هي الليلة التي أمرنا بها رسول اللَّه ﷺ بقيامها) "بقيامها" بدل اشتمال من "بها" بإعادة حرف الجر. (وأكثر علمي) قال النووي: "ضبطناه بالمثلثة والموحدة"، أي بالثاء وبالباء والمثلثة أكثر. -[فقه الحديث]- تتعرض الأحاديث لصلاة التراويح وقيام ليلة القدر، وتنحصر عناصر الموضوع في صلاة التراويح زمن النبي ﷺ وفي زمن عمر ﵁، وفي الأفضل في صلاتها: فرادى أو جماعة؟ في البيت أو في المسجد؟ وفي آراء العلماء في عدد ركعاتها، ثم نبذة عن ليلة القدر، ثم ما يؤخذ من الأحاديث فوق ذلك، وهذا هو التفصيل: واضح من الروايتين الخامسة والسادسة أن النبي ﷺ لم يصل التراويح في جماعة في المسجد سوى ثلاث ليال في حياته كلها، لكنه أثبت بذلك للصحابة تأكيد استحباب صلاتها فكان بعضهم يصليها كما يصلي صلاة الليل في بيته فرادى، وبعضهم يصليها في المسجد فرادى وبعضهم يصليها في المسجد جماعة على خلاف بقية النوافل، وظل الحال هكذا حتى خرج عمر إلى المسجد في ليلة من ليالي رمضان فوجد هذا المنظر الذي عده من قبيل الفرقة، ورأى ﵁ أن يجمع الناس على إمام واحد يصلي بالناس جماعة وفي المسجد، وأحس أن هذا الوضع محدث، فخشي أن يظن بعض الناس أن ما يطلبه بدعة مخالفة للشرع فقال لهم: نعمت البدعة التي تجمع بين المسلمين بعد أن زال الخوف من أن تفرض، وبعد أن أمن ما خشيه رسول اللَّه ﷺ وكان سببًا في عدم استمراره على صلاتها جماعة في المسجد.

стр. 1786

وقد اختلف العلماء في الأفضل في صلاتها فرادى أو جماعة؟ في البيت أو في المسجد؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية: الأفضل صلاتها في جماعة في المسجد، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﵃ واستمر عمل المسلمين عليه، ولأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. قال ابن التين وغيره: استنبط عمر ذلك من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في تلك الليالي، وإن كان كره ذلك لهم فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين. وقال ابن بطال: قيام رمضان سنة، لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي ﷺ وإنما تركه النبي ﷺ خشية الافتراض. وبالغ الطحاوي، فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية. وعن مالك في إحدى الروايتين وأبي يوسف وبعض الشافعية أن الصلاة في البيوت أفضل، عملاً بعموم قوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم. ويحاول بعض القائلين بهذا القول أن يوجهوا ما جاء في الرواية الخامسة والسادسة من أن النبي ﷺ صلى في المسجد، ليجمعوا بين ما هنا وبين ما رواه البخاري قبيل صفة الصلاة عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام ناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام الليلة الثانية فقام معه ناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول اللَّه ﷺ فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك للناس فقال: "إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل" وما رواه البخاري عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل، فثاب إليه ناس فصلوا وراءه". قالوا: إن الذي حدث أنه ﷺ أمر عائشة - كما جاء عند أحمد - أن تنصب له حصيرًا على باب حجرتها، ففعلت، فخرج ... إلخ. فالحصير وإن كان قد نصب في المسجد لكنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه وذلك لئلا يلزم أن يكون ﷺ تاركًا للأفضل الذي أمر به الناس حيث قال: "فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". ويجيب الجمهور بأنه محمول على ما لا يشرع فيه الجماعة، أي أفضل صلاة المرء التي لا تشرع فيها الجماعة ما تكون في بيته، أو المراد من المكتوبة ما يشرع فيه الجماعة، فالمعنى أفضل صلاة المرء في بيته إلا ما شرع فيه الجماعة. وهناك قول آخر لبعض الشافعية، وهو: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل.

стр. 1787

وفي عدد الركعات يقول الحافظ ابن حجر: "لم يقع في هذه الرواية عدد الركعات التي كان يصليها أبي بن كعب، وقد اختلف في ذلك، ففي الموطأ أنها إحدى عشرة، وكانوا يقرءون بالمائتين، ويقومون على العصي من طول القيام. وروى محمد بن نصر المروزي أنها ثلاث عشرة. وروى عبد الرزاق أنها إحدى وعشرون. وروى مالك أنها عشرون. وهذا محمول على غير الوتر. وعن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين. وروى محمد بن نصر من طريق آخر عن عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر. ثم قال: والجمع بين الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس، والعدد الأول موافق لحديث عائشة: "ما كان ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة". والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد على العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث. ثم ذكر الحافظ روايات أخرى منها أن أهل المدينة كانوا يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. قال مالك. وهو الأمر القديم عندنا. ورواية أخرى عن الشافعي أن أهل المدينة كانوا يقومون بتسع وثلاثين [وهذه كالتي قبلها في العدد]، وأن أهل مكة كانوا يقومون بثلاث وعشرين. قال الشافعي: وليس في شيء من ذلك ضيق. وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إلي. وقال الترمذي: أكثر ما قيل: إنها تصلى إحدى وأربعين ركعة. يعني بالوتر. ونقل ابن عبد البر: تصلى أربعين ويوتر بسبع. وعن مالك تصلى ثمان وثلاثين ويوتر بواحدة. قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة. وعن مالك ست وأربعون وثلاث الوتر. وهذا هو المشهور عنه. وقيل غير ذلك". انتهى بتصرف. وفي وقتها يقول العيني: "إنه بعد العشاء وقبل الوتر عند الحنفية، والأصح أن وقتها بعد العشاء إلى آخر الليل قبل الوتر وبعده. وفي المحيط: لا يجوز قبل العشاء ويجوز بعد الوتر". واللَّه أعلم. أما ليلة القدر الواردة في الرواية الثالثة والرابعة والسابعة والثامنة فإن محل تناولها عند شراح الحديث كتاب الصيام، وسنفرد لها بابًا في آخر كتاب الصيام حيث يسوق الإمام مسلم رحمه اللَّه تعالى كثيرًا من الروايات في فضلها وفي تحديد ليلتها، وذكرها هنا من حيث ارتباط قيامها بصلاة الليل، وحاصل ما سيقال هناك أن من يعتد به من العلماء أجمعوا على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر للأحاديث الصحيحة المشهورة، قال القاضي عياض: واختلفوا في محلها، فقال جماعة: هي متنقلة، تكون في سنة في ليلة، وفي أخرى في ليلة أخرى، وهكذا. وبهذا يجمع بين الأحاديث، فكل حديث جاء بأحد أوقاتها ولا تعارض فيها قالوا: وإنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، ونسب نحو هذا القول إلى مالك وأحمد. وقيل: بل في كله.

стр. 1788

وقيل: إنها معينة في ليلة في جميع السنين لا تفارقها، وعلى هذا قيل: في السنة كلها، وهو قول ابن مسعود [كما تصرح بذلك روايتنا السابعة] وأبي حنيفة وصاحبيه. وقيل: بل في شهر رمضان كله. وقيل: بل في العشر الوسط والأواخر. وقيل: في العشر الأواخر، وقيل: تختص بأوتار العشر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وقيل: ليلة سبع وعشرين - وهو قول أبي بن كعب وكثير من الصحابة - وقيل غير ذلك. قال القاضي: وشذ قوم فقالوا: رفعت لقوله ﷺ حين تلاحى الرجلان "فرفعت" وهذا غلط من هؤلاء الشاذين، لأن آخر الحديث يرد عليهم، فإنه ﷺ قال: "فرفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم فالتمسوها في السبع والتسع". وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ. من شرح النووي بتصرف. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - الترغيب في قيام رمضان، وهو سنة لصريح روايتنا الثانية، ولفظها "من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة". قال النووي: هذه الصيغة تقتضي الترغيب والندب دون الإيجاب واجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب، بل هو مندوب. ٢ - الحث على الإخلاص في العبادة واحتسابها عند اللَّه. ٣ - أن قيام ليلة القدر يغفر الذنوب، وقيام رمضان يغفر الذنوب. قال الحافظ ابن حجر: وظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه القاضي عياض لأهل السنة. قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة. وزاد عند النسائي وأحمد: "وما تأخر". قال الحافظ: وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدة أحاديث جمعتها في كتاب مقرر. وقد استشكلت هذه الزيادة من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء يغفر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يغفر؟ والجواب عن ذلك يأتي في قوله ﷺ حكاية عن اللَّه أنه قال في أهل بدر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ومحصل الجواب أنه قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورة، وبهذا أجاب جماعة منهم الماوردي في الكلام على حديث صيام عرفة وأنه يكفر سنتين، سنة ماضية وسنة آتية. اهـ. ٤ - ومن قوله في الرواية الخامسة: "فصلى بصلاته ناس". يؤخذ جواز النافلة جماعة، قال النووي: ولكن الاختيار فيها الانفراد إلا في نوافل مخصوصة، وهي العيد والكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح عند الجمهور.

стр. 1789

٥ - وفيه جواز النافلة في المسجد وإن كان البيت أفضل، ولعل النبي ﷺ إنما فعلها في المسجد لبيان الجواز. ٦ - وفيه ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صليت جماعة. ٧ - وفيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته. قال النووي: وهذا صحيح على المشهور من مذهبنا ومذهب العلماء، ولكنه إن نوى الإمام إمامتهم بعد إقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم، وإن لم ينوها حصلت لهم فضيلة الجماعة ولا يحصل للإمام على الأصح لأنه لم ينوها والأعمال بالنيات. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن نفي النية لم ينقل، ولا يطلع عليه بالظن. ٨ - وفيه أنه إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة. أو مصلحتان اعتبر أهمهما، لأن النبي ﷺ رأى في الصلاة في المسجد مصلحة، فلما عارضها خوف الافتراض عليهم تركها لعظم المفسدة التي تخاف من عجزهم وتركهم للفرض. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في هذه المسألة كلامًا نفيسًا يجب علينا ذكره. قال: ثم إن ظاهر هذا الحديث أنه ﷺ توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجوب المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم وفيه نظر، وأجاب المحب الطبري بأنه يحتمل أن يكون اللَّه أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم، فترك المواظبة. قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت. وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا الأخير نحا القرطبي، فقال: قوله: "فتفرض عليكم": أي تظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به. قال: وقيل: كان حكم النبي ﷺ أنه إذا واظب على شيء من أعمال البر واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم. اهـ. ولا يخفى بعد هذا الأخير، فقد واظب النبي ﷺ على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه ولم تفرض. وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه ﷺ لما كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي اللَّه بينه وبينهم في حكمه، لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي ﷺ وبين أمته في العبادة. قال: ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصي من تركها بترك اتباعه ﷺ . وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في الإسراء من أن اللَّه تعالى قال: "هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي". فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة. قال الحافظ: وهذا يدفع في صدور الأجوبة التي تقدمت. وقد أجاب عنه الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ﷺ ، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، يعني عند المواظبة، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من

стр. 1790

طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب عليه ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع. قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن اللَّه فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها، والتزمت ما استعفى لهم نبيهم ﷺ منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التزم ناس الرهبانية من قبل أنفسهم، ثم عاب اللَّه عليهم التقصير فيها، فقال: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧] فخشي ﷺ أن يكون سبيل أولئك، فقطع العمل شفقة عليهم من ذلك. وأجاب الكرماني بأن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ [ق: ٢٩] الأمن من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة. اهـ. ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلاً للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض. قال الحافظ: وفيه نظر، لأن قوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح. قال: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى، أحدها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: "حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم". فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن - مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم - من افتراضه عليهم. ثانيها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية، لا على الأعيان فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها. ثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين: "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر". فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس. قال: وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول. واللَّه أعلم بالصواب. انتهى. ٩ - وفيه جواز الفرار من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه. قاله المهلب. ١٠ - وفيه شفقته ﷺ بأمته ورأفته بهم. ١١ - قال النووي: وفيه جواز النافلة جماعة، ولكن الاختيار فيها الانفراد إلا في نوافل مخصوصة، وهي العيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح عند الجمهور كما سبق. ١٢ - وفيه أن الإمام وكبير القوم إذا فعل شيئًا خلاف ما يتوقعه أتباعه وكان له فيه عذر يذكره لهم تطييبًا لقلوبهم وإصلاحًا لذات البين لئلا يظنوا خلاف هذا، وربما ظنوا ظن السوء. ١٣ - وفيه استحباب التشهد في صدر الخطبة والموعظة، وفي سنن أبي داود: "الخطبة التي ليس فيها تشهد كاليد الجذماء".
следующие страницы →