← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وقد اختلف العلماء في الأفضل في صلاتها فرادى أو جماعة؟ في البيت أو في المسجد؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية: الأفضل صلاتها في جماعة في المسجد، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﵃ واستمر عمل المسلمين عليه، ولأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. قال ابن التين وغيره: استنبط عمر ذلك من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في تلك الليالي، وإن كان كره ذلك لهم فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين. وقال ابن بطال: قيام رمضان سنة، لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي ﷺ وإنما تركه النبي ﷺ خشية الافتراض. وبالغ الطحاوي، فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية. وعن مالك في إحدى الروايتين وأبي يوسف وبعض الشافعية أن الصلاة في البيوت أفضل، عملاً بعموم قوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم. ويحاول بعض القائلين بهذا القول أن يوجهوا ما جاء في الرواية الخامسة والسادسة من أن النبي ﷺ صلى في المسجد، ليجمعوا بين ما هنا وبين ما رواه البخاري قبيل صفة الصلاة عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام ناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام الليلة الثانية فقام معه ناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول اللَّه ﷺ فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك للناس فقال: "إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل" وما رواه البخاري عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل، فثاب إليه ناس فصلوا وراءه". قالوا: إن الذي حدث أنه ﷺ أمر عائشة - كما جاء عند أحمد - أن تنصب له حصيرًا على باب حجرتها، ففعلت، فخرج ... إلخ. فالحصير وإن كان قد نصب في المسجد لكنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه وذلك لئلا يلزم أن يكون ﷺ تاركًا للأفضل الذي أمر به الناس حيث قال: "فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". ويجيب الجمهور بأنه محمول على ما لا يشرع فيه الجماعة، أي أفضل صلاة المرء التي لا تشرع فيها الجماعة ما تكون في بيته، أو المراد من المكتوبة ما يشرع فيه الجماعة، فالمعنى أفضل صلاة المرء في بيته إلا ما شرع فيه الجماعة. وهناك قول آخر لبعض الشافعية، وهو: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل.

стр. 1787

وفي عدد الركعات يقول الحافظ ابن حجر: "لم يقع في هذه الرواية عدد الركعات التي كان يصليها أبي بن كعب، وقد اختلف في ذلك، ففي الموطأ أنها إحدى عشرة، وكانوا يقرءون بالمائتين، ويقومون على العصي من طول القيام. وروى محمد بن نصر المروزي أنها ثلاث عشرة. وروى عبد الرزاق أنها إحدى وعشرون. وروى مالك أنها عشرون. وهذا محمول على غير الوتر. وعن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين. وروى محمد بن نصر من طريق آخر عن عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر. ثم قال: والجمع بين الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس، والعدد الأول موافق لحديث عائشة: "ما كان ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة". والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد على العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث. ثم ذكر الحافظ روايات أخرى منها أن أهل المدينة كانوا يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. قال مالك. وهو الأمر القديم عندنا. ورواية أخرى عن الشافعي أن أهل المدينة كانوا يقومون بتسع وثلاثين [وهذه كالتي قبلها في العدد]، وأن أهل مكة كانوا يقومون بثلاث وعشرين. قال الشافعي: وليس في شيء من ذلك ضيق. وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إلي. وقال الترمذي: أكثر ما قيل: إنها تصلى إحدى وأربعين ركعة. يعني بالوتر. ونقل ابن عبد البر: تصلى أربعين ويوتر بسبع. وعن مالك تصلى ثمان وثلاثين ويوتر بواحدة. قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة. وعن مالك ست وأربعون وثلاث الوتر. وهذا هو المشهور عنه. وقيل غير ذلك". انتهى بتصرف. وفي وقتها يقول العيني: "إنه بعد العشاء وقبل الوتر عند الحنفية، والأصح أن وقتها بعد العشاء إلى آخر الليل قبل الوتر وبعده. وفي المحيط: لا يجوز قبل العشاء ويجوز بعد الوتر". واللَّه أعلم. أما ليلة القدر الواردة في الرواية الثالثة والرابعة والسابعة والثامنة فإن محل تناولها عند شراح الحديث كتاب الصيام، وسنفرد لها بابًا في آخر كتاب الصيام حيث يسوق الإمام مسلم رحمه اللَّه تعالى كثيرًا من الروايات في فضلها وفي تحديد ليلتها، وذكرها هنا من حيث ارتباط قيامها بصلاة الليل، وحاصل ما سيقال هناك أن من يعتد به من العلماء أجمعوا على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر للأحاديث الصحيحة المشهورة، قال القاضي عياض: واختلفوا في محلها، فقال جماعة: هي متنقلة، تكون في سنة في ليلة، وفي أخرى في ليلة أخرى، وهكذا. وبهذا يجمع بين الأحاديث، فكل حديث جاء بأحد أوقاتها ولا تعارض فيها قالوا: وإنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، ونسب نحو هذا القول إلى مالك وأحمد. وقيل: بل في كله.

стр. 1788

وقيل: إنها معينة في ليلة في جميع السنين لا تفارقها، وعلى هذا قيل: في السنة كلها، وهو قول ابن مسعود [كما تصرح بذلك روايتنا السابعة] وأبي حنيفة وصاحبيه. وقيل: بل في شهر رمضان كله. وقيل: بل في العشر الوسط والأواخر. وقيل: في العشر الأواخر، وقيل: تختص بأوتار العشر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وقيل: ليلة سبع وعشرين - وهو قول أبي بن كعب وكثير من الصحابة - وقيل غير ذلك. قال القاضي: وشذ قوم فقالوا: رفعت لقوله ﷺ حين تلاحى الرجلان "فرفعت" وهذا غلط من هؤلاء الشاذين، لأن آخر الحديث يرد عليهم، فإنه ﷺ قال: "فرفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم فالتمسوها في السبع والتسع". وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ. من شرح النووي بتصرف. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - الترغيب في قيام رمضان، وهو سنة لصريح روايتنا الثانية، ولفظها "من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة". قال النووي: هذه الصيغة تقتضي الترغيب والندب دون الإيجاب واجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب، بل هو مندوب. ٢ - الحث على الإخلاص في العبادة واحتسابها عند اللَّه. ٣ - أن قيام ليلة القدر يغفر الذنوب، وقيام رمضان يغفر الذنوب. قال الحافظ ابن حجر: وظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه القاضي عياض لأهل السنة. قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة. وزاد عند النسائي وأحمد: "وما تأخر". قال الحافظ: وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدة أحاديث جمعتها في كتاب مقرر. وقد استشكلت هذه الزيادة من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء يغفر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يغفر؟ والجواب عن ذلك يأتي في قوله ﷺ حكاية عن اللَّه أنه قال في أهل بدر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ومحصل الجواب أنه قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورة، وبهذا أجاب جماعة منهم الماوردي في الكلام على حديث صيام عرفة وأنه يكفر سنتين، سنة ماضية وسنة آتية. اهـ. ٤ - ومن قوله في الرواية الخامسة: "فصلى بصلاته ناس". يؤخذ جواز النافلة جماعة، قال النووي: ولكن الاختيار فيها الانفراد إلا في نوافل مخصوصة، وهي العيد والكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح عند الجمهور.

стр. 1789

٥ - وفيه جواز النافلة في المسجد وإن كان البيت أفضل، ولعل النبي ﷺ إنما فعلها في المسجد لبيان الجواز. ٦ - وفيه ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صليت جماعة. ٧ - وفيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته. قال النووي: وهذا صحيح على المشهور من مذهبنا ومذهب العلماء، ولكنه إن نوى الإمام إمامتهم بعد إقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم، وإن لم ينوها حصلت لهم فضيلة الجماعة ولا يحصل للإمام على الأصح لأنه لم ينوها والأعمال بالنيات. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن نفي النية لم ينقل، ولا يطلع عليه بالظن. ٨ - وفيه أنه إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة. أو مصلحتان اعتبر أهمهما، لأن النبي ﷺ رأى في الصلاة في المسجد مصلحة، فلما عارضها خوف الافتراض عليهم تركها لعظم المفسدة التي تخاف من عجزهم وتركهم للفرض. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في هذه المسألة كلامًا نفيسًا يجب علينا ذكره. قال: ثم إن ظاهر هذا الحديث أنه ﷺ توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجوب المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم وفيه نظر، وأجاب المحب الطبري بأنه يحتمل أن يكون اللَّه أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم، فترك المواظبة. قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت. وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا الأخير نحا القرطبي، فقال: قوله: "فتفرض عليكم": أي تظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به. قال: وقيل: كان حكم النبي ﷺ أنه إذا واظب على شيء من أعمال البر واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم. اهـ. ولا يخفى بعد هذا الأخير، فقد واظب النبي ﷺ على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه ولم تفرض. وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه ﷺ لما كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي اللَّه بينه وبينهم في حكمه، لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي ﷺ وبين أمته في العبادة. قال: ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصي من تركها بترك اتباعه ﷺ . وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في الإسراء من أن اللَّه تعالى قال: "هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي". فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة. قال الحافظ: وهذا يدفع في صدور الأجوبة التي تقدمت. وقد أجاب عنه الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ﷺ ، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، يعني عند المواظبة، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من

стр. 1790

طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب عليه ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع. قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن اللَّه فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها، والتزمت ما استعفى لهم نبيهم ﷺ منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التزم ناس الرهبانية من قبل أنفسهم، ثم عاب اللَّه عليهم التقصير فيها، فقال: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧] فخشي ﷺ أن يكون سبيل أولئك، فقطع العمل شفقة عليهم من ذلك. وأجاب الكرماني بأن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ [ق: ٢٩] الأمن من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة. اهـ. ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلاً للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض. قال الحافظ: وفيه نظر، لأن قوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح. قال: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى، أحدها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: "حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم". فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن - مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم - من افتراضه عليهم. ثانيها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية، لا على الأعيان فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها. ثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين: "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر". فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس. قال: وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول. واللَّه أعلم بالصواب. انتهى. ٩ - وفيه جواز الفرار من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه. قاله المهلب. ١٠ - وفيه شفقته ﷺ بأمته ورأفته بهم. ١١ - قال النووي: وفيه جواز النافلة جماعة، ولكن الاختيار فيها الانفراد إلا في نوافل مخصوصة، وهي العيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح عند الجمهور كما سبق. ١٢ - وفيه أن الإمام وكبير القوم إذا فعل شيئًا خلاف ما يتوقعه أتباعه وكان له فيه عذر يذكره لهم تطييبًا لقلوبهم وإصلاحًا لذات البين لئلا يظنوا خلاف هذا، وربما ظنوا ظن السوء. ١٣ - وفيه استحباب التشهد في صدر الخطبة والموعظة، وفي سنن أبي داود: "الخطبة التي ليس فيها تشهد كاليد الجذماء".

стр. 1791

١٤ - وفيه استحباب قول: "أما بعد" في الخطب، وقد جاءت به أحاديث كثيرة في الصحيح، وذكر البخاري في صحيحه بابًا في البداءة في الخطبة بأما بعد، وذكر فيه جملة من الأحاديث. ١٥ - وفيه أن السنة في الخطبة والموعظة استقبال الجماعة. ١٦ - قال النووي: وفيه أنه يقال: جرى الليلة كذا. وإن كان بعد الصبح. وهكذا يقال: الليلة إلى زوال الشمس، وبعد الزوال يقال: البارحة. ١٧ - ويؤخذ من الرواية الثانية واستحداث عمر لصلاة التراويح جماعة أن البدعة ليست دائمًا مذمومة. قال الحافظ ابن حجر: والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة. اهـ. واللَّه أعلم

стр. 1792

(٢٥٦) باب صلاة النبي ﷺ ودعائه بالليل ١٥٤٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: بت ليلةً عند خالتي ميمونة. فقام النبي ﷺ من الليل. فأتى حاجته. ثم غسل وجهه ويديه. ثم نام. ثم قام. فأتى القربة فأطلق شناقها ثم توضأ وضوءًا بين الوضوءين. ولم يكثر. وقد أبلغ. ثم قام فصلى. فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له. فتوضأت. فقام فصلى. فقمت عن يساره. فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه. فتتامت صلاة رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة. ثم اضطجع. فنام حتى نفخ. وكان إذا نام نفخ. فأتاه بلال فآذنه بالصلاة. فقام فصلى ولم يتوضأ وكان في دعائه "اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي بصري نورًا وفي سمعي نورًا وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا وفوقي نورًا وتحتي نورًا وأمامي نورًا وخلفي نورًا وعظم لي نورًا" قال كريب: وسبعًا في التابوت. فلقيت بعض ولد العباس فحدثني بهن فذكر عصبي ولحمي ودمي وشعري وبشري وذكر خصلتين. ١٥٤٣ - عن ابن عباس ﵄ أنه بات ليلة عند ميمونة أم المؤمنين. وهي خالته قال فاضطجعت في عرض الوسادة. واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها. فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل. أو قبله بقليل. أو بعده بقليل. استيقظ رسول الله ﷺ . فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده. ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران. ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها. فأحسن وضوءه. ثم قام فصلى. قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع رسول الله ﷺ . ثم ذهبت فقمت إلى جنبه. فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي. وأخذ بأذني اليمنى يفتلها. فصلى ركعتين. ثم ركعتين. ثم ركعتين. ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر. ثم اضطجع. حتى جاء المؤذن فقام. فصلى ركعتين خفيفتين. ثم خرج فصلى الصبح. ١٥٤٤ - عن مخرمة بن سليمان بهذا الإسناد. وزاد: ثم عمد إلى شجب من ماء.

стр. 1793

فتسوك وتوضأ. وأسبغ الوضوء ولم يهرق من الماء إلا قليلاً. ثم حركني فقمت وسائر الحديث نحو حديث مالك. ١٥٤٥ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نمت عند ميمونة زوج النبي ﷺ . ورسول الله ﷺ عندها تلك الليلة. فتوضأ رسول الله ﷺ . ثم قام فصلى. فقمت عن يساره. فأخذني فجعلني عن يمينه. فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة. ثم نام رسول الله ﷺ حتى نفخ. وكان إذا نام نفخ. ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى. ولم يتوضأ قال عمرو: فحدثت به بكير بن الأشج. فقال: حدثني كريب بذلك. ١٥٤٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: بت ليلة عند خالتي ميمونة بنت الحارث. فقلت لها: إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني. فقام رسول الله ﷺ فقمت إلى جنبه الأيسر. فأخذ بيدي. فجعلني من شقه الأيمن. فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني. قال: فصلى إحدى عشرة ركعة. ثم احتبى. حتى إني لأسمع نفسه راقدًا. فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين. ١٥٤٧ - عن ابن عباس ﵄ أنه بات عند خالته ميمونة. فقام رسول الله ﷺ من الليل. فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا (قال وصف وضوءه وجعل يخففه ويقلله) قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع النبي ﷺ . ثم جئت فقمت عن يساره. فأخلفني فجعلني عن يمينه. فصلى. ثم اضطجع فنام حتى نفخ. ثم أتاه بلال فآذنه بالصلاة. فخرج فصلى الصبح ولم يتوضأ. قال سفيان: وهذا النبي ﷺ خاصة. لأنه بلغنا أن النبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه. ١٥٤٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: بت في بيت خالتي ميمونة فبقيت كيف يصلي رسول الله ﷺ . قام فقام فبال. ثم غسل وجهه وكفيه. ثم نام. ثم قام إلى القربة

стр. 1794

فأطلق شناقها. ثم صب في الجفنة أو القصعة. فأكبه بيده عليها. ثم توضأ وضوءًا حسنًا بين الوضوءين. ثم قام يصلي. فجئت فقمت إلى جنبه. فقمت عن يساره. قال فأخذني فأقامني عن يمينه فتكاملت صلاة رسول الله ﷺ ثلاث عشرة ركعة. ثم نام حتى نفخ وكنا نعرفه إذا نام بنفخه. ثم خرج إلى الصلاة. فصلى. فجعل يقول في صلاته أو في سجوده "اللهم اجعل في قلبي نورًا. وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا وعن يميني نورًا وعن شمالي نورًا وأمامي نورًا وخلفي نورًا وفوقي نورًا وتحتي نورًا واجعل لي نورًا أو قال واجعلني نورًا". ١٥٤٩ - - قال سلمة: فلقيت كريبًا فقال: قال ابن عباس: كنت عند خالتي ميمونة. فجاء رسول الله ﷺ . ثم ذكر بمثل حديث غندر: وقال "واجعلني نورًا" ولم يشك. ١٥٥٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: بت عند خالتي ميمونة. واقتص الحديث. ولم يذكر غسل الوجه والكفين. غير أنه قال: ثم أتى القربة فحل شناقها. فتوضأ وضوءًا بين الوضوءين. ثم أتى فراشه فنام. ثم قام قومة أخرى. فأتى القربة فحل شناقها. ثم توضأ وضوءًا هو الوضوء. وقال "أعظم لي نورًا" ولم يذكر: "واجعلني نورًا". ١٥٥١ - عن ابن عباس ﵄ أنه بات ليلة عند رسول الله ﷺ . قال فقام رسول الله ﷺ إلى القربة فسكب منها. فتوضأ ولم يكثر من الماء ولم يقصر في الوضوء. وساق الحديث. وفيه: قال: ودعا رسول الله ﷺ ليلتئذ تسع عشرة كلمة. قال سلمة: حدثنيها كريب فحفظت منها ثنتي عشرة. ونسيت ما بقي. قال رسول الله ﷺ "اللهم اجعل لي في قلبي نورًا وفي لساني نورًا وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا ومن فوقي نورًا ومن تحتي نورًا وعن يميني نورًا وعن شمالي نورًا ومن بين يدي نورًا ومن خلفي نورًا واجعل في نفسي نورًا وأعظم لي نورًا". ١٥٥٢ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: رقدت في بيت ميمونة ليلة كان

стр. 1795

النبي ﷺ عندها لأنظر كيف صلاة النبي ﷺ بالليل قال فتحدث النبي ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد وساق الحديث وفيه ثم قام فتوضأ واستن. ١٥٥٣ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه رقد عند رسول الله ﷺ فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ [آل عمران: ١٩٠] فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة. ثم قام فصلى ركعتين. فأطال فيهما القيام والركوع والسجود. ثم انصرف فنام حتى نفخ. ثم فعل ذلك ثلاث مرات. ست ركعات. كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات ثم أوتر بثلاث فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول "اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي لساني نورًا واجعل في سمعي نورًا واجعل في بصري نورًا واجعل من خلفي نورًا ومن أمامي نورًا واجعل من فوقي نورًا ومن تحتي نورًا اللهم أعطني نورًا". ١٥٥٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: بت ذات ليلة عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ يصلي متطوعًا من الليل فقام النبي ﷺ إلى القربة فتوضأ فقام فصلى فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن قلت أفي التطوع كان ذلك؟ قال: نعم. ١٥٥٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: بعثني العباس إلى النبي ﷺ وهو في بيت خالتي ميمونة فبت معه تلك الليلة فقام يصلي من الليل فقمت عن يساره فتناولني من خلف ظهره فجعلني على يمينه. ١٥٥٦ - - عن ابن عباس ﵄ قال: بت عند خالتي ميمونة نحو حديث ابن جريج وقيس بن سعد.

стр. 1796

١٥٥٧ - عن ابن عباس ﵄ كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. ١٥٥٨ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين. طويلتين. طويلتين. ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة. ١٥٥٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فانتهينا إلى مشرعة فقال "ألا تشرع؟ يا جابر" قلت: بلى. قال فنزل رسول الله ﷺ وأشرعت. قال ثم ذهب لحاجته ووضعت له وضوءًا قال فجاء فتوضأ ثم قام فصلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه فقمت خلفه فأخذ بأذني فجعلني عن يمينه. ١٥٦٠ - عن عائشة ﵄ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. ١٥٦١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين". ١٥٦٢ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق اللهم لك

стр. 1797

أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت". ١٥٦٣ - - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أما حديث ابن جريج فاتفق لفظه مع حديث مالك لم يختلفا إلا في حرفين قال ابن جريج مكان قيام قيم وقال وما أسررت وأما حديث ابن عيينة ففيه بعض زيادة ويخالف مالكًا وابن جريج في أحرف. ١٥٦٤ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". ١٥٦٥ - عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت. أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك. أنا بك وإليك. تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك" وإذا ركع قال "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت. خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي" وإذا رفع قال "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض

стр. 1798

وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد" وإذا سجد قال "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره. تبارك الله أحسن الخالقين" ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت". ١٥٦٦ - عن الأعرج بهذا الإسناد وقال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: "وجهت وجهي" وقال: "وأنا أول المسلمين" وقال: وإذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" وقال: "وصوره فأحسن صوره" وقال: وإذا سلم قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت". إلى آخر الحديث ولم يقل: بين التشهد والتسليم. -[المعنى العام]- إيمان كامل برسالة محمد ﷺ ، وحرص دقيق وشديد على التأسي به والاقتداء بأفعاله ﷺ ، كان ذلك وراء الثلاثة الذين ذهبوا إلى بيوت أزواجه ﷺ ليسألوا عن عبادته السرية التي يقوم بها في منازلهن وفي لياليهن، ويتجلى ذلك واضحًا في حديث ابن عباس، وهو الصبي الذي مازال صبيًا في سنه لكنه كالكهل في إيمانه وقوة عقيدته، كالرجل في عنفوان حياته وشدة تمسكه بدينه والتفاني في إقامة شرعه، كالهرم في حرصه على تقديم ما يمكن تقديمه من طاعات يلقى بها ربه. هذا ابن عباس تحين له فرصة الذهاب إلى بيت النبي ﷺ بعد العشاء في الليل وهو في بيت خالته ميمونة بنت الحارث وفي ليلتها، ذهب مرسلاً من أبيه العباس ليكلم النبي ﷺ في شأن وعد وعده العباس بعدد من إبل الصدقة، وقد جاءت الإبل ولا يستطيع العباس حياء أن يكلم ابن أخيه في إنجاز وعده. إنه أكبر من أن يحرج بتقديم غيره عليه وأحقية غيره عنه، إنه ككل الصحابة الكبار يأخذهم الحياء من مطالبة رسول الله ﷺ بشيء وإن كان قد وعد به فليرسل ابنه الصبي عبد الله، لكن الولد من أبيه، دخل فاستحيا فجلس مترددًا كيف ومتى يبلغ ما أمره أبوه به؟ وتحدث رسول الله ﷺ مع زوجته حديث الأهل، وكأن ابن عباس في زيارة خالته وليس في حاجة، وتأخر الليل بالصبي وهم أن يتكلم وأن ينصرف، فقال له النبي ﷺ : نم عندنا الليلة يا غلام، ولم يدرك الغلام كيف ينام مع زوج

стр. 1799

وزوجته في حجرة واحدة وعلى فراش لا يسع غير اثنين، وعلى قدر فهمه وجد العرض فرصة لا تعوض ليراقب ويرى كيف يعبد الرسول ﷺ ربه في الليل، وأبدى الموافقة والاستجابة، إنه لن ينام وسيتظاهر بالنوم لكنه يخشى أن يغلبه النوم، فهمس في أذن خالته يقول لها: إذا أنا نمت وقام رسول الله ﷺ من نومه فأيقظيني. قام رسول الله ﷺ إلى القربة فغسل يديه ووجهه وذكر الله تعالى، ثم جاء فنام هو وزوجه في طول الوسادة التي لا تتسع لثالث، ونام الصبي مشكلاً معهما شكل ضلعين يلتقيان في زاوية، في الوسادة من عرضها، قد يكون على فراش وقد لا يكون، فهذا أمر لا يحسب له حساب. وحول منتصف الليل قام ﷺ والصبي لم ينم، قام إلى القربة المعلقة على وتد في الحائط فحل رباطها، ثم أفرغ منها ماء قليلاً في إناء ثم أفرغ من الإناء على يديه فتوضأ وضوءًا حسنًا دون إسراف، ثم أخذ يذكر الله تعالى ويثني عليه ويدعوه، كل ذلك والغلام يرقبه ويعي كل حركة وكل قول: وخشي أن يكتشف ﷺ أن الغلام يقظ رقيب في خفاء، فتمطى وتظاهر بالقلق من النوم، فأيقظه ﷺ ، فأعلن عن اليقظة، وقام فصنع مثل ما صنع رسول الله ﷺ ، فقام ﷺ يصلي صلاة الليل، فقام الغلام بجواره يصلي بصلاته جماعة، لكنه وقف يسار الإمام، فمد رسول الله ﷺ شماله وأمسك بيمين الغلام وحوله من وراء ظهره إلى يمين الإمام، وصلى به ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين دون الأوليين، وهكذا أخذ يخفف كل ركعتين عن اللتين قبلهما حتى أتم عشر ركعات ثم أوتر بواحدة، وكان ﷺ بما جبل عليه من رأفة ورحمة يشفق على الغلام من طول الصلاة في وقت النوم، فكان بين الحين والحين يضع يده على رأس الغلام أو يفتل أذنه ليبعث فيه اليقظة والانتباه والنشاط، فلما انتهيا من الصلاة نام ﷺ حتى نفخ وظهر صوت نفسه، والغلام متيقظ حتى جاء الفجر وجاء بلال يعلن رسول الله ﷺ بالصلاة، فقام ﷺ يصلي ركعتين خفيفتين سنة الصبح، ثم خرج إلى المسجد والغلام معه فصليا مع المسلمين الفجر. وهكذا نقلت إلينا السنة النبوية قولاً وفعلاً بدقة وعناية وتمام حرص حتى الأدعية والأذكار، فصلى الله وسلم على من بلغ الرسالة وأدى الأمانة ورضي الله عن الصحابة حملة الشريعة ومصابيح الظلام. -[المباحث العربية]- (بت ليلة عند خالتي ميمونة) بنت الحارث أخت لبابة بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب أم عبد الله بن عباس ﵄. (فأتى حاجته) فسرها في الرواية بقوله: "فبال". (ثم غسل وجهه ويديه) قال النووي: هذا الغسل للتنظيف والتنشيط للذكر وغيره. اهـ. ويمكن جعله كناية عن الوضوء كاملاً، لتتفق مع الرواية السادسة وفيها: "ثم أتى القربة فحل

стр. 1800

شناقها فتوضأ وضوءًا بين الوضوءين، ثم أتى فراشه فنام، ثم قام قومة أخرى فأتى القربة فحل شناقها ثم توضأ وضوءًا هو الوضوء". فهذا ظاهر في الوضوءين والقصة واحدة، ومن الصعب حمل الوضوء هنا على غسل الوجه واليدين فقط، ولا يمنع من كون العبارة كناية عن الوضوء ما جاء في الرواية السادسة من قوله: "ثم غسل وجهه وكفيه". إذ يمكن حمله على أنه من باب ذكر الجزء وإرادة الكل. (فأتى القربة فأطلق شناقها) بكسر الشين وتخفيف النون ثم قاف وهو رباط القربة الذي يربط به عنقها، وقيل: هو الحبل الذي يربط به القربة في الوتد. والأول أولى. قاله ابن حجر. وفي الرواية الثانية: "ثم قام إلى شن معلقة". وفي الرواية الخامسة: "فتوضأ من شن معلق". والشن بالشين والنون، قال أهل اللغة: هي القربة القديمة الخلق وجمعه شنان، وهو مذكر، وتأنيثه في الرواية الثانية على إرادة القربة، وتذكيره على إرادة الإناء أو السقاء، وفي ملحق الرواية الثانية: "ثم عمد إلى شجب من ماء". وهو بفتح الشين وجيم ساكنة بعدها باء وهو السقاء الخلق. وقيل: الأشجاب الأعواد التي تعلق عليها القربة، والأول أولى. (فتوضأ وضوءًا بين الوضوءين) قال النووي: يعني لم يسرف ولم يقتر وكان بين ذلك قوامًا. اهـ. وقد فسره في الرواية الأولى بقوله: "لم يكثر وقد أبلغ". وقد وصف هذا الوضوء بالحسن في الرواية الثانية، ووصف بالخفة في الرواية الخامسة "وضوءًا خفيفًا". ووصفه في ملحق الرواية السادسة بقوله: "فتوضأ ولم يكثر من الماء ولم يقصر في الوضوء". قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون قلل من الماء مع التثليث أو اقتصر على دون الثلاث. اهـ. والأولى أن يكون قلل من الماء مع التثليث لوصفه بالحسن وعبارة ملحق الرواية السادسة: "لم يكثر من الماء ولم يقصر في الوضوء". ترجح ما نقول. (فقمت فتمطيت) في الرواية الثانية: "فقمت فصنعت مثل ما صنع". وفي الرواية التاسعة: "فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت". لكن في ملحق الثانية: "ثم حركني فقمت". ولا تناقض؛ لأنه تمطى فحركه ﷺ فقام. (كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له) قال النووي: هكذا ضبطناه، وهكذا هو في أصول بلادنا "أنتبه" بنون ثم تاء ثم باء، ووقع في البخاري "أنقبه" بموحدة ثم قاف، ومعناه أرقبه وهو بمعنى أنتبه له. كذا في شرح النووي على مسلم. والذي في فتح الباري شرح البخاري: "أتقيه" بتاء وقاف مكسورة. قال الخطابي: أي أرقبه. وفي رواية "أنقبه" بفتح النون وتشديد القاف المكسورة بعدها باء من التنقيب، وفي رواية القابسي "أبغيه" بباء ساكنة بعدها غين مكسورة بعدها ياء، أي أطلبه، وللأكثر "أرقبه". اهـ

стр. 1801

وفي الرواية السادسة: "فبقيت كيف يصلي"؟ بفتح الباء والقاف، أي رقبت ونظرت. قال النووي: يقال: بقيت وبقوت بمعنى رقبت ورمقت. (اللهم اجعل في قلبي نورًا) قال النووي: قال العلماء "سأل النور في أعضائه وجهاته". والمراد به بيان الحق وضياؤه والهداية إليه، فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته في جهاته الست حتى لا يزيغ شيء منها عنه. فالنور مستعار للعلم والهداية كما في قوله تعالى: ﴿فهو على نور من ربه﴾ [الزمر: ٢٢] قال الكرماني: والتنوين فيها للتعظيم، أي نورًا عظيمًا، وقيل: المراد النور الحقيقي، فيكون ﷺ قد سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نورًا يستضيء به يوم القيامة في تلك الظلم هو ومن تبعه أو من شاء الله منهم. قال القرطبي: والأول أولى. (قال كريب: وسبعًا في التابوت) معناه قال كريب: وذكر ابن عباس نقلاً عن رسول الله ﷺ الدعاء بالنور في سبع أماكن غير هذه دخلت صدري ونسيتها ولا أذكرها، فالمراد من التابوت الصدر وهو وعاء القلب. قال ابن بطال: كما يقال لمن يحفظ العلم: علمه في التابوت مستودع. وقال النووي: المراد بالتابوت الأضلاع وما تحويه من القلب وغيره تشبيهًا بالتابوت الذي يحرز فيه المتاع. (فلقيت بعض ولد العباس فحدثني بهن) قال النووي: القائل: "فلقيت" هو سلمة بن كهيل الراوي عن كريب. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: هو محتمل، وظاهر رواية أبي حذيفة أن القائل هو كريب، ومعنى "حدثني بهن" أي بالسبع التي في صدر كريب ونسيها. (وذكر خصلتين) عدد كريب أو سلمة خمسًا من السبع ونسي اثنتين، قال الداودي: هما العظم والمخ. وقال الكرماني: لعلهما الشحم والعظم. وقال الحافظ ابن حجر: بل المراد بهما اللسان والنفس وهما اللتان زادهما عقيل في روايته عند مسلم - روايتنا الثامنة - إذ فيها "وفي لساني نورًا ... اللهم أعطني نورًا" وفي السادسة "واجعل في نفسي نورًا". (فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول اللَّه ﷺ وأهله في طولها) قال النووي: هكذا ضبطناه "عرض" بفتح العين، ورواه الداودي بالضم وهو الجانب، والصحيح الفتح. والمراد بالوسادة الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرءوس، ونقل القاضي عن الباجي والأصيلي وغيرهما أن الوسادة هنا الفراش، وهذا ضعيف أو باطل. اهـ وكانت الوسادة من جلد مدبوغ حشوها ليف. (فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده) معناه يزيل أثر النوم وخموله وكسله بتدليك وجهه بيده. (العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران) بدايتها ما جاء في الرواية الثامنة ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات

стр. 1802

لأولي الألباب﴾ [آل عمران: ١٩٠] ونهايتها آخر السورة كما هو صريح الرواية الثامنة، وحقيقة عدها إحدى عشرة آية، ولعله اكتفى بالعقد عددًا. (فقمت فصنعت مثل ما صنع رسول اللَّه ﷺ قال الحافظ ابن حجر: هذا يقتضي أنه صنع جميع ما ذكر من القول والوضوء والسواك ومسح النوم عن الوجه، ويحتمل أن يحمل على الأغلب. اهـ وهذا الأخير أولى. (فوضع رسول اللَّه ﷺ يده اليمنى على رأسي) إيناسًا لابن عباس ورحمة به. (وأخذ بأذني اليمنى يفتلها) كان ذلك بعد أن أدار ابن عباس إلى جنبه الأيمن ﷺ ، ومعنى ذلك أنه كان يأخذ الأذن البعيدة مما يؤدي إلى مرور يده ﷺ حول عنق ابن عباس، وفي ذلك تطييب وإيناس ورحمة وحنو أكثر، وقد بين في الرواية الرابعة الهدف من فتل الأذن بقوله: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني". قال النووي: قيل: إنما فتلها تنبيهًا له من النعاس. وقيل: ليتنبه لهيئة الصلاة وموقف المأموم وغير ذلك، والأول أظهر. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وزاد في الرواية: "فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل". (ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا) في القاموس: احتبى جمع ساقيه إلى ظهره بعمامة ونحوها. وللجمع بين هذا وبين الاضطجاع الوارد في الروايات الأخرى قال النووي: معناه أنه احتبى أولاً ثم اضطجع حتى إني لأسمع نفسه راقدًا. (فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين) في الرواية الثانية: "ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين". ولا تعارض فقد تبين له الفجر ساعة مجيء المؤذن فكانت الصلاة بعد الأمرين. (فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه) أي أدارني من خلفه، وفي الرواية الأولى: "فأخذ بيدي عن يمينه". وفي الرواية التاسعة: "فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن". وتصوير الحالة أن ابن عباس حين وقف عن يسار النبي ﷺ متأخرًا قليلاً كانت يده اليمنى مجاورة لليد اليسرى للرسول ﷺ ، فمد ﷺ يده اليسرى فأخذت بيد ابن عباس اليمنى وسارت به من خلف ظهره ﷺ إلى يمينه ﷺ . (ثم صب في الجفنة أو القصعة فأكبه بيده عليها) الجفنة القصعة الكبيرة ففي القاموس: وأعظم القصاع الجفنة ثم الصحفة. فالشك من الراوي إنما هو في كبر القصعة أو عدمه، فروايات أنه قام إلى القربة فحل رباطها ثم توضأ، فيها طي وحذف حاصله أنه سكب من القربة في القصعة ثم ربط القربة وتوضأ من القصعة، يكب من هذا الإناء على يديه، ولا يضع يديه في الإناء.

стр. 1803

(فتوضأ واستن) أي تسوك. وفي الرواية الثامنة: "فاستيقظ فتسوك وتوضأ". ومع أن الواو لا تقتضي ترتيبًا فإنه يمكن أن يقال: إنه ﷺ تسوك قبل الوضوء وبعده، فكلا التعبيرين صحيح وكل منهما يعبر عن حالة. (طويلتين طويلتين طويلتين) قال النووي: وهكذا هو مكرر ثلاث مرات. اهـ. فالتكرير للتأكيد. (فانتهينا إلى مشرعة) بفتح الميم والراء، وهي الطريق إلى ماء النهر أو البحر من حافته، أي مورد الشرب من النهر أو البحر، أي المورد الذي لا يحتاج إلى رفع أو خوض، وفي المثل: "إن أهون السقي التشريع". (ألا تشرع يا جابر) بضم التاء مضارع أشرع المتعدي، أي ألا تشرع ناقتك أو نفسك؟ أي ألا تسقي ناقتك؟ وروي بفتح التاء مضارع شرع اللازم أي ألا تشرب؟ . (ووضعت له وضوءًا) بفتح الواو أي ماء يتوضأ به. (فصلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه) أي أخذ طرف الثوب الذي ألقاه على كتفه الأيمن من تحت يده اليسرى وطرفه الذي ألقاه على كتفه الأيسر من تحت يده اليمنى ثم عقدهما على صدره. (أنت نور السموات والأرض) قال النووي: قال العلماء: معناه نورهما وخالق نورهما. وقال أبو عبيد: معناه بنورك يهتدي أهل السموات والأرض. قال الخطابي في تفسير اسمه [النور]: ومعناه الذي بنوره يبصر ذو العماية، وبهدايته يرشد ذو الغواية. قال: ومنه: ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ [النور: ٣٥] أي منه نورهما. قال: ويحتمل أن يكون معناه ذو النور، ولا يصح أن يكون النور صفة ذات لله تعالى، وإنما هو صفة فعل، أي هو خالقه. وقال غيره: معنى نور السموات والأرض مدبر شمسها وقمرها ونجومها. اهـ. والأقوال كلها متقاربة لأن النور إذا أريد منه حقيقته وهو الضوء فهو تعالى خالقه بخلق أجرامه فهو صاحبه ذو النور، أو هو صاحبه بتدبيره أجرامه، أو هو سببه وبه ومنه نورهما. وإذا أريد منه النور المعنوي والهداية فهو من الإخبار بالمصدر مبالغة كزيد عدل أي عادل، أي أنت الهادي في السموات والأرض. قال الحافظ ابن حجر: وقيل: المعنى أنت المنزه عن كل عيب. يقال: فلان منور، أي مبرأ من كل عيب. اهـ وهو بعيد لإضافته إلى السموات والأرض إلا إذا اعتبرنا الإضافة بمعنى في. (أنت قيام السموات والأرض) في ملحق الرواية: "قيم السموات والأرض". قال العلماء: من صفاته القيام والقيم كما صرح به هذا الحديث، والقيوم بنص القرآن، وقائم، ومنه قوله تعالى: (أفمن هو قائم على كل نفس) [الرعد: ٣٣] قال الهروي: ويقال: قوام. قال ابن عباس: القيوم الذي لا يزول. وقال غيره: هو القائم على كل شيء، ومعناه مدبر أمر خلقه.

стр. 1804

قال النووي: وهما -أي تفسير ابن عباس وغيره - سائغان في تفسير الآية والحديث. اهـ. والمعنى الثاني أقرب وأوضح. (أنت رب السموات والأرض) قال النووي: قال العلماء: للرب ثلاثة معان في اللغة: السيد المطاع. فشرط المربوب أن يكون ممن يعقل، وإليه أشار الخطابي بقوله: لا يصح أن يقال: سيد الجبال والشجر، قال القاضي عياض: هذا الشرط فاسد، بل الجميع مطيع له ، قال الله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]. اهـ. وكلام القاضي قاض على كل كلام. (أنت الحق) للإمام النووي في معنى هذا الثناء الآتي كلام نفيس أسوقه كما جاء في شرحه لصحيح مسلم: قال النووي: قال العلماء: الحق في أسمائه تعالى معناه المتحقق وجوده، وكل شيء صح وجوده فهو حق، ومنه "الحاقة" أي الكائنة حقًا بغير شك، ومثله قوله في هذا الحديث: "ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق". أي كله متحقق لا شك فيه، وقيل: معناه خبرك حق وصدق - ففي "أنت أحق" مضاف محذوف أي خبرك - وقيل: أنت صاحب الحق، وقيل: محق الحق، وقيل: الإله الحق. اهـ. (ولقاؤك حق) المراد من اللقاء البعث، وقيل: الموت. والصواب البعث، فهو الذي يقتضيه سياق الكلام، وهو الذي يرد به على الملاحدة لا بالموت. (اللهم لك أسلمت) أي استسلمت وانقدت لأمرك ونهيك. (وبك آمنت) أي صدقت بك وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت. (وإليك أنبت) أي أطعت ورجعت إلى عبادتك، أي أقبلت عليها. وقيل: معناه رجعت إليك في تدبيري، أي فوضت إليك. (وبك خاصمت) أي بما أعطيتني من البراهين والقوة خاصمت من عاند فيك وكفر بك وقمعته بالحجة وبالسيف. (وإليك حاكمت) أي كل من جحد الحق حاكمته إليك وجعلتك الحاكم بيني وبينه، لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم من صنم وكاهن ونار وشيطان وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد غيره. (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت. إلخ) معنى سؤاله ﷺ المغفرة مع أنه مغفور له؛ أنه يسأل ذلك تواضعًا وخضوعًا وإشفاقًا وإجلالاً، وليقتدي به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التصريح في هذا الدعاء المعين. (اللَّهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل) قال العلماء: خصهم بالذكر وإن كان اللَّه تعالى

стр. 1805

رب كل المخلوقات كما تقرر في القرآن والسنة من نظائره - أي جريًا على ما تقرر - من إضافته تعالى إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن دون ما يستحقر ويستصغر، فيقال له : "رب السموات والأرض رب العرش الكريم، ورب الملائكة والروح، ورب المشرقين ورب المغربين، ورب الناس، ملك الناس، إله الناس، ورب العالمين، رب كل شيء، رب النبيين، خالق السموات والأرض، فاطر السموات، جاعل الملائكة رسلاً". فكل ذلك وشبهه وصف له بدلائل العظمة وعظيم القدرة والملك، ولم يستعمل ذلك فيما يحتقر ويستصغر فلا يقال: رب الحشرات، وخالق القردة والخنازير، وشبه ذلك على الإفراد، وإنما يقال: خالق المخلوقات وخالق كل شيء، فيدخل هذا في العموم. (اهدني لما اختلف فيه من الحق) معناه ثبتني عليه، كقوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) أي قصدت بعبادتي وتوجهت بها للذي بدأ خلق السموات والأرض. (حنيفًا) قال النووي: قال الأكثرون: معناه مائلاً إلى الدين الحق وهو الإسلام، وأصل الحنف الميل، ويكون في الخير والشر، وينصرف إلى ما تقتضيه القرينة. وقيل: المراد بالحنيف هنا المستقيم. وقال أبو عبيد: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم ﵇، وانتصب حنيفًا على الحال، أي وجهت في حال حنيفتي. (وما أنا من المشركين) بيان للحنيف وإيضاح لمعناه، والمشرك يطلق على كل كافر، من عابد وثن وصنم ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق وغيرهم. انتهى كلام النووي. وأقول: حمل المشرك على هذا إنما يكون إذا ذكر وحده، وأما إذا ذكر في مقابل الكافر فيطلق على من جعل للَّه ندًا. (إن صلاتي ونسكي) قال النووي: قال أهل اللغة: النسك العبادة، وأصله من النسيكة وهي الفضة المذابة المصفاة من كل خلط، والنسيكة أيضًا كل ما يتقرب به إلى الله تعالى. (ومحياي ومماتي) أي حياتي وموتي، ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانها، والأكثرون على فتح ياء محياي وإسكان ياء مماتي. (للَّه) قال العلماء: هذه اللام لام الإضافة، ولها معنيان، الملك، والاختصاص، وكلاهما مراد. (رب العالمين) في معنى "رب" أربعة أقوال، حكاها الماوردي وغيره: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، فإن وصف الله تعالى برب لأنه ملك أو سيد فهو من صفات الذات، وإن وصف لأنه مدبر خلقه ومربيهم فهو من صفات فعله، ومتى: دخلته الألف واللام فقيل: الرب اختص بالله تعالى،

стр. 1806

وإذا حذفتا جاز إطلاقه على غيره، فيقال. رب المال، ورب الدار، ونحو ذلك. والعالمون جمع عالم، وليس للعالم واحد من لفظه. واختلف العلماء في حقيقته، فقال المتكلمون من أصحابنا وغيرهم من المفسرين وغيرهم: العالم كل المخلوقات. قال جماعة: هم الملائكة والجن والإنس، وقيل: بنو آدم خاصة. وقال آخرون: هو الدنيا وما فيها، ثم قيل: هو مشتق من العلامة، لأن كل مخلوق علامة على وجود صانعه. وقيل: من العلم، فعلى هذا يختص بالعقلاء. (اللَّهم أنت الملك) أي القادر على كل شيء المالك الحقيقي لجميع المخلوقات. (وأنا عبدك) أي معترف بأنك مالكي ومدبري وحكمك نافذ في. (ظلمت نفسي) أي اعترفت بالتقصير. وقدمه على سؤال المغفرة أدبًا كما قال آدم وحواء: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: ٢٣]. (اهدني لأحسن الأخلاق) أي أرشدني لصوابها، ووفقني للتخلق به. (واصرف عني سيئها) أي قبيحها. (لبيك) قال العلماء: معناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لب بالمكان لبًا، وألب إلبابًا، أي أقام به، وأصل "لبيك" لبين لك، فحذفت النون للإضافة. (وسعديك) قال الأزهري وغيره: معناه مساعدة لأمرك بعد مساعدة ومتابعة لدينك بعد متابعة. (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) قال الخطابي وغيره: هذا من إضافة محاسن الأمور إليه تعالى دون مساويها، وقوله: "والشر ليس إليك". مما يجب تأويله، لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها، وحينئذ يجب تأويله، وفيه خمسة أقوال أحدها: معناه لا يتقرب به إليك. والثاني: معناه لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة والخنازير ويا رب الشر ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء ورب كل شيء، وحينئذ يدخل الشر في العموم. والثالث: معناه الشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح. والرابع: معناه والشر ليس شرًا بالنسبة إليك، فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. والخامس: أنه كقولك: فلان إلى بني فلان، إذا كان عداده فيهم أو صفوه إليهم. (أنا بك وإليك) أي التجائي وانتمائي إليك وتوفيقي بك. (تباركت) أي استحققت الثناء. وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العباد بتوحيدك. (ملء السموات وملء الأرض) هو بكسر الميم وبنصب الهمزة بعد اللام ورفعها، واختلف في الراجح منهما، والأشهر النصب، ومعناه حمدًا لو كان أجسامًا لملأ السموات والأرض لعظمه.

стр. 1807

(سجد وجهي) قيل: المراد بالوجه جملة الذات كقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨] ويؤيده أن السجود يقع بأعضاء أخر مع الوجه. وقيل: إن الشيء يضاف إلى ما يجاوره كما يقال: بساتين البلد. (أحسن الخالقين) أي المقدرين والمصورين. (أنت المقدم وأنت المؤخر) معناه تقدم من شئت بطاعتك وغيرها، وتؤخر من شئت عن ذلك كما تقتضيه حكمتك، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء. (وأنا أول المسلمين) أي من هذه الأمة. انتهى كلام النووي بدون تصرف وهو من النفاسة بمكان، واللَّه أعلم. -[فقه الحديث]- تتعرض أحاديث الباب إلى نقاط فقهية ننسجها فيما يأتي: (أ) في الرواية السابعة إشارة إلى دافع مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة وأنه النظر ومراقبة كيفية صلاة النبي ﷺ بالليل، وفي الرواية العاشرة تصريح بدافع وسبب آخر ونصها: "بعثني العباس إلى النبي ﷺ وهو في بيت خالتي ميمونة". زاد النسائي: "في إبل أعطاه إياها من الصدقة". ولابن خزيمة: "كان رسول الله ﷺ وعد العباس ذودًا من الإبل فبعثني إليه بعد العشاء وكان في بيت ميمونة". ولمحمد بن نصر زيادة: "فقال لي النبي ﷺ : يا بني بت الليلة عندنا". ففي ظاهر سبب المبيت ودافعه تعارض بين الروايات، ويمكن الجمع بينهما بأن الدافع إلى الإرسال طلب الإبل الموعود بها للعباس، فلما عرض على ابن عباس المبيت كان دافعه للقبول والمبيت مراقبة صلاة النبي ﷺ . (ب) جاء في رواية لأبي عوانة عن عبد الله بن عباس: "أن العباس بعثه إلى النبي ﷺ في حاجة. قال: فوجدته جالسًا في المسجد فلم أستطع أن أكلمه، فلما صلى المغرب قام فركع حتى أذن بصلاة العشاء". وظاهر هذا يعارض أن العباس أرسله إلى النبي ﷺ في بيت ميمونة. قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بأنه لما لم يكلمه في المسجد أعاده إليه بعد العشاء إلى بيت ميمونة. (ج) في الرواية الرابعة: "بت عند خالتي ميمونة فقلت لها: إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني". مما يوحي بأن ابن عباس قد نام، وجاء في الرواية: "فقلت: لا أنام حتى أنظر ما يصنع في صلاة الليل". وقد جمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين باحتمال أنه عزم في نفسه على السهر ليطلع على الكيفية التي أرادها، ثم خشي أن يغلبه النوم فوصى ميمونة أن توقظه. اهـ ولم تفد الروايات بأن ميمونة أيقظته، وإنما صرحت الرواية الأولى بأنه كان مستيقظًا من نفسه

стр. 1808

إذ فيها. "فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له". فكونه عزم على أن لا ينام، وكونه لم ينم بالفعل لا يتنافى مع توصيته خالته أن توقظه احتياطًا وخوفًا من أن ينام. (د) تصرح الرواية الرابعة بأن صلاته ﷺ تلك الليلة كانت إحدى عشرة ركعة، وتصرح الرواية الأولى والثالثة والسادسة والثانية عشرة بأن صلاته في تلك الليلة كانت ثلاث عشرة ركعة، وجاءت روايتنا الثامنة بأن صلاته كانت في هذه الليلة تسع ركعات وأن الوضوء كان يتكرر كل ركعتين، ونصها: "ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات - ست ركعات - كل ذلك يستاك ويتوضأ، ثم أوتر بثلاث". وفي الجمع أو الترجيح يقول الحافظ ابن حجر: والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب علي الظن عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها. ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم، ولا سيما إن زاد أو نقص، والمحقق من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية "ثلاث عشرة" فيحتمل أن يكون منها سنة العشاء، ويوافق ذلك رواية ابن أبي حجرة عن ابن عباس بلفظ: "كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة". يعني بالليل، ولم يبين هل سنة الفجر منها أو لا وبينها يحيى بن الجزار عن ابن عباس عند النسائي بلفظ: "كان يصلي ثمان ركعات ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح". ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر قوله: "صلى ركعتين ... ثم ركعتين ... " - روايتنا الثانية أي قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: "ثم ركعتين". أي بعد أن قام. وجمع الكرماني بين ما اختلف من روايات قصة ابن عباس هذه، باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به فيه، وفصله عما لم يقتد به فيه. انتهى كلام الحافظ ابن حجر. والمحقق عندي من عدد صلاته ﷺ في تلك الليلة ثلاث عشرة وأن ابن عباس اقتدى به وصلى معه إحدى عشرة ركعة بعد أن صلى رسول الله ﷺ وحده ركعتين، يؤكد هذا الفهم، فتمطيت، فتوضأت، فقام فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك، فتوضأ من القربة، ثم قمت إلى شقه الأيسر ... ". فهي صريحة في أن رسول الله ﷺ صلى قبل أن يقوم ابن عباس، وقوله في الرواية نفسها: "فتتامت صلاة رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة". صريحة في جمع العدد. وفي الرواية الثانية: "فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى، .... فقمت فصنعت مثل ما صنع .... ثم ذهبت فقمت إلى جنبه". وقول ابن عباس بعد ذلك: "فصلى ركعتين.". إلخ حتى بلغ بالمثنى اثنتي عشرة ركعة تفصيل لصلاة رسول الله ﷺ قبل ومع ابن عباس، وكذلك الرواية الثالثة ولفظها: "فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة". وكذلك الرواية السادسة وفيها: "فتكاملت صلاة رسول الله ﷺ ثلاث عشرة ركعة". كل ذلك صريح في جمع العدد، ولا يعارض الرواية الرابعة التي تتحدث عن عدد ما صلاه ابن عباس مع رسول الله ﷺ وأنه إحدى عشرة ركعة، وهذه واقعة حال لا تعارضها واقعة حال أخرى. أما الرواية الثامنة وفيها تخلل النوم بين الركعات، وفيها مخالفة في عدد الركعات لبقية الروايات، فقد قال القاضي عياض: هذه الرواية مما استدركه الدارقطني على مسلم لاضطرابها واختلاف الرواة. قال النووي: ولا يقدح هذا في

стр. 1809

مسلم، فإنه لم يذكر هذه الرواية متأصلة مستقلة، إنما ذكرها متابعة، والمتابعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الأصول. قال القاضي: ويحتمل أنه لم يعد في هذه الصلاة الركعتين الأوليين الخفيفتين اللتين كان النبي ﷺ يستفتح صلاة الليل بهما، كما صرحت الأحاديث بهما في مسلم وغيره، ولهذا قال: "صلى ركعتين فأطال فيهما". فدل على أنهما بعد الخفيفتين، فتكون الخفيفتان ثم الطويلتان ثم الست المذكورات ثم ثلاث بعدها، فصارت الجملة ثلاث عشرة كما في باقي الروايات. واللَّه أعلم. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم: ]- ١ - أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام وأنه إذا وقف عن يساره يتحول إلى يمينه، وأنه إذا لم يتحول حوله الإمام. ٢ - وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة. ٣ - وأن صلاة الصبي صحيحة. ٤ - وأن الجماعة في غير المكتوبات وفي النوافل والتهجد صحيحة، وأن الائتمام بمن لم ينو الإمامة صحيح. ٥ - قال النووي: وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزًا. قال القاضي: وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: قال ابن عباس: "بت عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضًا". قال: وهذه الكلمة وإن لم تصح طريقًا فهي حسنة المعنى جدًا، إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبي ﷺ فيها حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبوه إلا إذا علم عدم حاجته إلى أهله، لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة مع أنه كان مراقبًا لأفعال النبي ﷺ ، مع أنه لم ينم أو نام قليلاً جدًا. انتهى كلام القاضي. وهو احتمال، لكني أستبعد إشاعة حيضة المرأة بهذه الصورة، فما أرسله العباس ليبيت، وما بات إلا بعرض رسول الله ﷺ أن يبيت. نعم قد يكون هذا العرض مبنيًا على حيض أم المؤمنين في نظر النبي ﷺ ، وقد يكون مبنيًا على عدم الحاجة، وهو الأولى عندي، فإن للرجل أن يتمتع من زوجه الحائض بغير الجماع ولا يليق أن يحصل شيء من ذلك مع وجود ابن عباس بجوارهما. وحيث إن الرواية لم تصح طريقًا فلا يعتمد عليها، وعلى فرض صحتها يحتمل أنه علم بذلك عند المبيت أو بعده، لكنها على كل حال ليست المسوغ للمبيت. واللَّه أعلم. ٦ - ومن الرواية الثانية من قوله: "فجعل يمسح النوم عن وجهه". جواز استعمال المجاز، واستحباب مسح أثر النوم. ٧ - واستحباب قراءة القرآن للمحدث، لقراءته ﷺ العشر الآيات قبل أن يتوضأ. قال النووي: وهذا إجماع المسلمين، وإنما تحرم القراءة على الجنب والحائض. ٨ - وفيه استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم.

стр. 1810

٩ - وجواز قول سورة آل عمران وسورة البقرة وسورة النساء ونحوها، وكرهه بعض المتقدمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يذكر فيها آل عمران. قال النووي: والصواب الأول، وبه قال عامة العلماء من السلف والخلف وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا لبس في ذلك. ١٠ - قال النووي: وفيه أن الأفضل في الوتر وغيره من الصلوات أن يسلم من كل ركعتين، وأن الوتر يكون آخره ركعة مفصولة. قال: وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: ركعة موصولة بركعتين كالمغرب. ١١ - وفيه جواز إتيان المؤذن إلى الإمام ليخرج إلى الصلاة. ١٢ - وتخفيف سنة الصبح. ١٣ - وفيه من الرواية السابعة جواز الحديث بعد صلاة العشاء للحاجة والمصلحة. قال النووي: وحديث أنه ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها إنما هو في حديث لا حاجة إليه ولا مصلحة فيه. ١٤ - ويؤخذ من الرواية الثالثة عشرة صحة الصلاة في ثوب واحد. ١٥ - وأنه تسن المخالفة بين طرفيه على عاتقيه. ١٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه الملاطفة بالصغير والقريب والضعيف. ١٧ - وحسن المعاشرة للأهل، والرد على من يؤثر دوام الانقباض. ١٨ - وفيه حمل أفعاله ﷺ على الاقتداء به. ١٩ - والبداءة عند الصلاة بالسواك واستحبابه عند كل وضوء وعند كل صلاة. ٢٠ - واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم وهو محدث. ٢١ - واستحباب التقليل من الماء في التطهير مع حصول الإسباغ. ٢٢ - وبيان فضل ابن عباس وقوة فهمه وحرصه على تعلم أمر الدين. ٢٣ - وفيه اتخاذ مؤذن راتب للمسجد. ٢٤ - ومن الرواية الخامسة عشرة استحباب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين للتنشيط. ٢٥ - ومن الرواية السادسة عشرة دعاؤه ﷺ وطلبه مغفرة ما قدم وما أخر وما أسر وما أعلن. قال النووي: ومعنى سؤاله ﷺ المغفرة مع أنه مغفور له أنه يسأل تواضعًا وخضوعًا وإشفاقًا وإجلالاً، وليقتدي به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع. ٢٦ - قال الخطابي وغيره عن الرواية الثامنة عشرة في الحديث: إرشاد إلى الأدب في الثناء على الله تعالى، ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها على جهة الأدب.

стр. 1811

٢٧ - وفيه تقديم الثناء على الله قبل الطلب والدعاء وبعده. ٢٨ - ومواظبته ﷺ في الليل على الذكر والدعاء والاعتراف لله تعالى بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيده والبعث والجنة والنار وغيره ذلك. ٢٩ - ويؤخذ من الرواية الثامنة عشرة وزيادتها استحباب دعاء الافتتاح. قال النووي: إلا أن يكون إمامًا لقوم لا يؤثرون التطويل. ٣٠ - ويؤخذ منها استحباب الدعاء في الركوع وفي الرفع وفي السجود وبعد التشهد. ٣١ - وفيها دليل لمذهب الزهري أن الأذنين من الوجه لقوله ﷺ : "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره". فإضافة السمع إلى الوجه دليل على أنه منه. قال النووي: وقال جماعة من العلماء: هما من الرأس. وقال جماعة آخرون: أعلاهما من الرأس، وأسفلهما من الوجه. وقال آخرون: ما أقبل منهما على الوجه فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس. قال الشافعي والجمهور: هما عضوان مستقلان، لا من الرأس ولا من الوجه، بل يطهران بماء مستقل، ومسحهما سنة خلافًا للشيعة. وأجاب الجمهور عن احتجاج الزهري بجوابين أحدهما: أن المراد بالوجه جملة الذات، كقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨] ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أخرى مع الوجه. والثاني: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره، كما يقال: بساتين البلد. اهـ. ٣٢ - ومن الرواية الثالثة والخامسة أنه ﷺ بعد أن نام صلى ولم يتوضأ وقد أوضح سفيان الراوي في زيادته أن هذا خصوصية من خصوصياته ﷺ ، لأنه كما يقول النووي: لو خرج حدث لأحس به خلاف غيره من الناس. واللَّه أعلم

стр. 1812

(٢٥٧) باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل ١٥٦٧ - عن حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى. فقلت يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: "سبحان ربي العظيم". فكان ركوعه نحوًا من قيامه ثم قال: "سمع الله لمن حمده". ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع ثم سجد فقال: "سبحان ربي الأعلى". فكان سجوده قريبًا من قيامه (قال): وفي حديث جرير من الزيادة فقال: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد". ١٥٦٨ - عن عبد الله ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ فأطال حتى هممت بأمر سوء قال: قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه. -[المعنى العام]- لا شك أن خير الذكر هو القرآن، وخير القرآن ما قرئ بتدبر في صلاة. وقد رأيت بعض العابدين يقرأ القرآن كله كل ليلة من رمضان في صلاة، ينوي ثم يقرأ الفاتحة ثم يقرأ جزءًا أو جزأين ثم يركع ويسجد ثم يقوم فيقرأ الفاتحة ثم يقرأ جزءًا أو جزأين ثم يركع ويسجد ثم يقوم فيقرأ الفاتحة ثم يقرأ جزءًا أو جزأين ثم يركع. وهكذا تارة عن القيام وتارة عن الجلوس في النافلة. وكنت أتعجب وأعد ذلك مبالغة غير واردة حتى قرأت هذا الحديث الشريف، وأن رسول اللَّه ﷺ قرأ وهو يصلي ومعه حذيفة بن اليمان أكثر من خمسة أجزاء في ركعة واحدة (البقرة والنساء وآل عمران) يا إلهي. أكثر من سدس القرآن يتلى في ركعة، فيمكن أن يختم القرآن في ست ركعات، ومن التالي؟ وما نوع التلاوة؟ القارئ من أُنزل عليه القرآن، والقراءة بتؤدة وتدبر وإتقان، لا يمر بآية فيها تسبيح إلا سبح اللَّه ونزهه عن النقائص، ولا يمر بآية فيها سؤال أو دعاء إلا سأل ربه ودعاه، ولا يمر بآية فيها استعاذة من شر إلا استعاذ باللَّه من هذا الشر ومن جميع الشرور، فإذا ركع سبح اللَّه طويلاً في زمن قريب من زمن

стр. 1813

قراءته، فإذا سجد سبح اللَّه في زمن قريب من زمن قراءته، ثم كانت الركعة الثانية ولا نظنها تنقص عن الركعة الأولى، فأين نحن منه ﷺ ؟ وأين عبادتنا وقراءتنا من عبادته وقراءته؟ أعاننا اللَّه وهدانا إلى ذكره وشكره وحسن عبادته إنه سميع مجيب. -[المباحث العربية]- (فقلت: يصلي بها في ركعة) قال النووي: معناه ظننت أنه يسلم بها فيقسمها على ركعتين، وأراد بالركعة الصلاة بكمالها، وهي ركعتان. قال: ولا بد من هذا التأويل فينتظم الكلام بعده، وعلى هذا فقوله: "ثم مضى". معناه قرأ معظمها بحيث غلب على ظني أنه لا يركع الأولى إلا في آخر البقرة، فحينئذ قلت: يركع الأولى بها، فجاوز وافتتح النساء. اهـ. وحاصل التوجيه أن حذيفة حين افتتح رسول اللَّه ﷺ القراءة بالبقرة قال في نفسه: سيقرأ منها مائة آية ثم يركع، فقرأ فتجاوز المائة، فقال في نفسه: سيقسم السورة على ركعتين وسيقف عند نصفها، فقرأ فتجاوز النصف، فقال في نفسه: لعله سيأتي على السورة كلها في ركعة واحدة ثم يركع. (يقرأ مترسلاً) أي مُتئدًا في ترتيله. (حتى هممت بأمر سوء) بإضافة "أمر" إلى "سوء" من إضافة الصفة إلى الموصوف، ويجوز لغة تنوين "أمر" وإعراب "سوء" صفة له، ولفظ "سوء" بفتح السين وسكون الواو، وهذا السوء من جهة ترك الأدب وصورة المخالفة. (وأدعه) أي وأتركه، وهذه اللفظة أمات العرب ماضيها فلم يستعملوا لها ماضيًا وفيها المضارع والأمر فقط: يدع ودع. والمراد هنا هممت أن أترك القيام وأجلس، لا أن يترك الاقتداء فيخرج من الصلاة. -[فقه الحديث]- ورد الأمر بتخفيف الصلاة وتخفيف القراءة والتحذير من التطويل في صلاة الجماعة في الفرائض، وحث رسول اللَّه ﷺ في الأحاديث على أن يقرأ الإمام في أطول الصلوات وقتًا وهي العشاء بسورة ﴿والشمس وضحاها﴾ أو ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ أو ﴿والليل إذا يغشى﴾ أو ﴿اقرأ باسم ربك﴾ أو ﴿والسماء ذات البروج﴾ أو ﴿والسماء والطارق﴾ وحمل العلماء هذا الأمر على ما إذا لم يعلم رضا المأموم بالتطويل، مراعاة لظروف المأمومين المجهولة، فمنهم المريض والضعيف وذو الحاجة. أما النافلة فالجماعة فيها غير مؤكدة ابتداء، والأصل فيمن يصلي صلاة الليل استعداده للقيام، ثم هي تصلى في البيوت، فمن صلى مع النبي ﷺ وهو قوي جلد كحذيفة وعبد اللَّه بن مسعود كان أهلاً لأن يحتمل التطويل غالبًا.

стр. 1814

وقد خاض العلماء في الأفضل من تطويل القراءة أو كثرة السجود - وقد مرت المسألة في بابها، وخلاصتها أن الأفضلية تختلف باختلاف المصلي ومدى خشوعه وإخلاصه في أي منهما. وظاهر حديث حذيفة يتعارض مع ظاهر حديث ابن عباس في الباب السابق، ومع ما علم من صلاته ﷺ ، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر: هذه القراءة إنما تتأتى في نحو من ساعتين، فلعله ﷺ أحيا تلك الليلة كلها، وأما ما يقتضيه حاله في غير هذه الليلة فإن في أخبار عائشة كان يقوم قدر ثلث الليل، وفيها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - قال القاضي عياض: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف، وأنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي ﷺ ، بل وكله إلى أمته بعده. قال: وهذا قول مالك وجمهور العلماء، واختاره أبو بكر الباقلاني، وهو أصح القولين مع احتمالهما. قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التلقين والتعليم، وأنه لم يكن من النبي ﷺ في ذلك نص ولا حد تحرم مخالفته، ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان. قال: واستجاز النبي ﷺ والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين. قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من النبي ﷺ حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان، وإنما اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير، فيتأول قراءته ﷺ النساء أولاً ثم آل عمران هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب، وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبي. قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في الركعة، ولمن يتلو في غير صلاة. قال: وقد أباحه بعضهم وتأول نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسًا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها. قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من اللَّه تعالى على ما هي عليه في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها ﷺ . هذا آخر كلام القاضي عياض نقله الإمام النووي. وننبه إلى أن تجويز القاضي القراءة مع عدم ترتيب السور ونقله عن البعض الإباحة ليس معناه استواء الأمرين، الترتيب وعدم الترتيب، فلا خلاف في أن الأولى - إن لم يكن المستحب - القراءة بالترتيب، ولو خروجًا من خلاف من أوجبه، ولو اتباعًا لمصحف عثمان، ولو حماية من الاختلاف في صورة القرآن الكريم بعامة. ٢ - وفيه استحباب القراءة بترسل لكل قارئ في الصلاة وغيرها، والتسبيح إذا مر بآية تسبيح، والاستعاذة إذا مر بتعوذ، والسؤال إذا مر بسؤال. قال النووي: ومذهبنا استحباب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد.

стр. 1815

٣ - وفيه استحباب "سبحان ربي العظيم" في الركوع، "وسبحان ربي الأعلى" في السجود، وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة والكوفيين وأحمد والجمهور. وقال مالك: لا يتعين ذكر التسبيح. ٤ - وفيه دليل لجواز تطويل الاعتدال. ٥ - وفيه استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. ٦ - ويؤخذ من حديث ابن مسعود استخدام الأدب مع الأئمة والكبار وأن لا يخالفوا بفعل ولا قول ما لم يكن حرامًا. قال النووي: واتفق العلماء على أنه إذا شق على المقتدي في فريضة أو نافلة القيام وعجز عنه جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود للتأدب مع النبي ﷺ . اهـ. ويلاحظ أن القعود في صلاة النافلة جائز ابتداءً. ٧ - وفيه جواز الاقتداء في غير المكتوبات. واللَّه أعلم

стр. 1816

(٢٥٨) باب الحث على صلاة الوقت وإن قلت ١٥٦٩ - عن عبد الله ﵁ قال: ذكر عند رسول الله ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح قال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه". أو قال: "في أذنه". ١٥٧٠ - عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ ". فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ ١٥٧١ - عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ : "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد إذا نام بكل عقدة يضرب عليك ليلاً طويلاً، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت العقد فأصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان". -[المعنى العام]- يحرص الشيطان على الحيلولة دون أداء العبد لعبادته، فقد أقسم على إغواء بني آدم ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧]. إنه يتفنن في تزيين الكسل والخمول لمن يعتزم عبادة اللَّه، يثبط العزائم ويسوف ويستدرج وبخاصة عند النوم ليجتمع له من إغوائه شهوة النفس وميلها إلى النوم، إذا أراد المسلم أن يصلي الليل قبل أن ينام وسوس له وأتاه من زاوية الحق المراد به باطل، يقول له: قيام الثلث الأخير أفضل فنم ثم قم، ويؤكد له القدرة على القيام، ويقسم له أن ذلك سيكون، وأنه من السهل اليسير، فإذا نام أثقل أذنيه حتى لا يسمع صوتًا موقظًا أو منبهًا، وأوثق تغميض عينيه، وعقد على عقله ثلاث عقد، ليغلق عليه اليقظة والانتباه، فإذا ما أفلت المسلم من هذا الحصار المنيع وتقلب في فراشه،

стр. 1817

واستحضر في نفسه الرغبة لأداء عبادته، خدعه شيطانه وقال له: نم مازال الليل طويلاً. ثم قليلاً ثم قم. فإذا ما استجاب لهذا الإغواء فنام ثم تيقظ، عاوده بالخدعة نفسها شيئًا فشيئًا ومرة بعد مرة، يعده ويمنيه وما يعده الشيطان إلا غرورًا، حتى إذا فات وقت الصلاة وضاعت الفرصة على المسلم وتحقق للشيطان ما أراد بال في أذن صاحبه سخرية منه واستهزاء ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] ولكن هل يترك الشيطان المسلم للنفس اللوامة؟ لتندم وتتحسر وتتألم وليأخذ من تقصيره عظة ودرسًا وقوة لمستقبله؟ لا إنه يعود إليه يزين له ما فعل، ويخيل إليه أنه معذور مرفوع عنه القلم ويبرر له القصور ويستخدم الحق مريدًا به باطل، يقول له: إنما نفس النائم بيد الله فلو شاء تعالى أن يبعثه لبعثه، وينخدع المسلم بالباطل المغلف المزين، فيعتذر بما لا يقبل، ويجادل بغير حجة ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ [الكهف: ٥٤]. -[المباحث العربية]- (ذكر عند رسول اللَّه ﷺ رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، لكن قد يؤخذ من رواية عن عبد الله بن مسعود أنه هو، ولفظها بعد سياق الحديث بنحوه: "وايم الله لقد بال في أذن صاحبكم ليلة" .. يعني نفسه. (نام ليلة حتى أصبح) في رواية للبخاري: "مازال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة". والمراد من الصلاة الجنس أو العهد، وعلى أي منهما تحتمل صلاة الليل أو المكتوبة، وسياق مسلم لهذا الحديث في إطار صلاة الليل ترجيح منه على أن المراد صلاة الليل؛ وكذلك فعل البخاري، ومنه يؤخذ أن الوضع بالنسبة للنوم عن المكتوبة أولى وأشد، ومما يؤكد أن المراد صلاة الليل أن المخاطبين بهذا لم يكونوا ينامون عن صلاة العشاء، ومن المستبعد أن يراد منها الفجر، لأن معنى "حتى أصبح" أي حتى دخل في وقت الصبح، وليس حتى خرج عن وقت الصبح. وتبويب الباب [بالحث على صلاة الوقت وإن قلت] وإن كانت عبارة "صلاة الوقت" تشمل صلاة أي وقت لكن عبارة "وإن قلت" لا تتأتى مع الفريضة. (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) هو بضم الذال وسكونها في المفرد والتثنية، والمراد من الشيطان جنس الشيطان، وفاعل ذلك وفاعل العقد الوارد في الرواية الثالثة قيل: هو القرين، وقيل: غيره، ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين وهو إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه لكونه الآمر به الداعي إليه. وفي المراد من بول الشيطان في الأذن أقوال للعلماء، قيل: على حقيقته. قال القرطبي وغيره: لا مانع من ذلك، إذ لا إحالة فيه، لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح فلا مانع من أن يبول. اهـ. وهذا أبعد الأقوال عن القبول، إذ لو كان بولاً حقيقيًا ماديًا ما صحت به الصلاة لنجاسته، ثم لم

стр. 1818

يعهد وجود جرم ما في أذن من نام مع وجود الآلات التي تقيس وترى أدق الأشياء، وقيل: هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن صلاة حتى لا يسمع الذكر. وقيل: معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل لحجب سمعه عن الذكر. وقيل: كناية عن كمال تحكم الشيطان فيه. وقيل: كناية عن وسوسته وتزيينه النوم له وأخذه بأذنه وأخذه بسمعه عن أن يسمع النداء. وهذه الأقوال متقاربة، ومؤداها أن البول كناية عن السد والحجب، وأنه يتم ذلك قبل خروج الوقت، فهو شبيه بعقد العقد على القافية الآتي في الرواية الثالثة، وكأنه يسد الأذن ويغطي المخ. وقيل: إن بول الشيطان كناية عن ازدراء الشيطان به. وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول. وقيل: كناية عن سخرية الشيطان واستهزائه منه بعد أن ضحك عليه وأوقعه. وهي أقوال متقاربة، ومؤداها أن ذلك يتم بعد خروج الوقت وضياع الفرصة على النائم. قال الطيبي: وخص الأذن بالذكر وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه، وخص البول لأنه أسهل مدخلا في التجاويف وأسرع نفوذًا في العروق. اهـ. ومع أسلوب الكناية يكون التعبير بالبول في الأذن أدق في التصوير والتقبيح. (طرقه وفاطمة) الطرق الإتيان بالليل. أي أتاهما ليلاً. (فقال: ألا تصلون؟ ) عرض برفق، أو عتب برفق أن وجدهما نائمين لم يصليا صلاة الليل. قال النووي: هكذا هو في الأصول "تصلون" وجمع الاثنين صحيح، لكن هل هو حقيقة أو مجاز؟ فيه الخلاف المشهور، والأكثرون على أنه مجاز. اهـ. أي إعطاء الاثنين حكم الأكثر لأنهما في قوة أمة، فكأنما شبهًا بالجماعة وأسند إليهما ما يسند إلى الجماعة. (إنما أنفسنا بيد اللَّه) أي أرواحنا يقبضها الله عند النوم، يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ [الزمر: ٤٢]. (سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾) قال النووي: المختار في معناه أنه تعجب من سرعة جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا، ولهذا ضرب فخذه. وقيل: قالها تسليمًا لعذرهما وأنه لا عتب عليهما. اهـ وأعتقد أن الرسول ﷺ لم يعجب بالجواب ولم يقبل العذر، وإنما أسف للموقف الذي وقفه علي، ولم يرض بالعذر الذي اعتذر به، لأنه إهمال للأسباب، فكل حركة من حركاتنا بيد الله وبقدرته فلو اعتذرنا عن أي خطأ بهذا العذر لجاز جدلاً، لكنه لا يجوز عبادة وتكليفًا، وكان المطلوب من علي ﵁ أن يعد بالاستجابة وأنه سيبذل جهده وأنه يطلب العون من الله، لا أن يحيل التقصير إلى إرادة الله. إن من عادته ﷺ أن يعرض عما لا يرضى، ومن حيائه وأدبه أن لا يواجه المقصر

стр. 1819

بالمؤاخذة والتعنيف عملاً بقوله تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا﴾ [النجم: ٢٩] وضربه على فخذه ﷺ علامة من علامات الألم والغيظ المكظوم، وقراءته للآية الكريمة مسمعًا بها عليًا رد للموقف وإدانة له، لأن الآية تذم الإنسان ولا تمدحه، وتشير إلى أنه يدافع عن خطئه بالجدل لا بالحجة والحق والبرهان. (عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ هذه العبارة عبارة رفع للحديث عند جمهور المحدثين، وكأنه قال: قال رسول الله ﷺ . (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد) قافية الرأس مؤخره، وهي إشارة إلى المخ ومركز الإدراك والتعقل، وقافية كل شيء مؤخره، ومنه قافية القصيدة. والخطاب في "أحدكم" للتعميم في المخاطبين ومن في معناهم، ويخص من هذا العموم الأنبياء ومن قيل فيهم: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢]. وقد اختلف في هذه العقد، قال الحافظ ابن حجر: فقيل: هو على الحقيقة وأنه كما يعقد الساحر من يسحره فيأخذ الخيط فيعقد عليه عقدًا وهو يتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور بذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [الفلق: ٤] وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس، لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره؟ الأقرب الثاني إذ ليس لكل أحد شعر. اهـ وهذا القول أبعد ما يكون عن القبول، فكما استبعد الحافظ الشعر لوجود من لا شعر له كان الواجب أن يستبعد عقد شيء لا وجود له إلا في الخيال، فقول الحافظ بعد ذلك - ويؤيده ما ورد في بعض طرقه - أن على رأس كل آدمي حبلاً. هذا الحبل لا وجود له إلا في الخيال، فإذا تخيلنا حبلاً تخيلنا شعرًا لمن لا شعر له، فالحق أن الحمل على الحقيقة بعيد. والحق أن الكلام كناية وتصوير لوساوس الشيطان وتزيينه وتغريره بطول الوقت، وانحلال العقد كناية عن مكافحته ودفع وساوسه، والمقصود من كون العقد ثلاثًا تقوية الإغواء فكأنه إغواء بعد إغواء. (إذا نام) أي إذا نام بدون صلاة، هكذا قيده البخاري، ويرى جمهور شراح الحديث أن القيد يخل بالمراد، والمقصود أنه يعقد على رأس من صلى ومن لم يصل، لكن من صلى بعد ذلك تنحل عقده بخلاف من لم يصل. كذا ذكر الحافظ ابن حجر. وأرى أن القيد ضروري، لأن الشيطان يعقد بهدف المنع من القيام للصلاة، فإذا كان النائم قد صلى ما عليه من العشاء وما أحب من صلاة الليل وأوتر ونام فلم يعقد عليه الشيطان؟ ثم إنه لن يصلي مادام قد صلى فكيف تنحل العقد والنص أنها تنحل بالصلاة؟ . (بكل عقدة يضرب عليك ليلاً طويلاً) رواية البخاري: "يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد". قال الحافظ ابن حجر: يضرب أي بيده على العقد تأكيدًا وإحكامًا لها، قائلاً: عليك ليل طويل. وكما استبعدنا المعنى الحقيقي في العقد نستبعد الضرب المادي. ونرى أن الكلام كناية عن إحكام الوسوسة وإتيانها والإيحاء للنائم بطول الوقت.

стр. 1820

ورواية البخاري: "عليك ليل طويل" بالرفع، ورواية مسلم بالنصب، فالرفع على أنه خبر مقدم ومبتدأ مؤخر وصفة لمبتدأ، والنصب على الإغراء أي الزم ليلاً طويلاً عليك، ومراد الشيطان من هذه العبارة تسويفه بالقيام والإلباس عليه، إذ ربما لو طلب منه عدم القيام كليًا لدافع المؤمن هذه المكيدة، أما أن يستدرجه شيئًا فشيئًا فربما أو كثيرًا ما ينخدع المؤمن. فكأنه يقول له: قم بعد قليل فمازال الليل طويلاً. قم بعد قليل. قم بعد قليل، وبهذا الاستدراج يصل إلى ما يريد. (وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان) أي انحلت عقدة ثانية فصار مجموع ما انحل عقدتين. (فإذا صلى انحلت العقد) بضم العين وفتح القاف على صيغة الجمع ولم يقل "انحلت عقدة ثالثة" لإفادة أن المتطهر النائم الممكن مقعده من الأرض الذي لا يحتاج إلى وضوء تنحل عقده بمجرد الصلاة. (فأصبح نشيطًا طيب النفس) لسروره بما وفقه الله من الطاعة، وسروره بالثواب الموعود، وسروره بإحباط كيد عدوه مع ما يبارك له في نفسه وتصرفه بانشراح صدر واطمئنان نفس. (وإلا) أي وإن لم يقم ويتوضأ ويصلي وتنحل عقده، ولو أتى ببعضها وترك بعضها بقي خبيث النفس كسلان، لكنه يختلف عمن لم يأت بشيء منها بالقوة والضعف. قاله الحافظ ابن حجر. (أصبح خبيث النفس كسلان) لاستيلاء الشيطان عليه، و"كسلان" ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون. -[فقه الحديث]- الهدف من الأحاديث الثلاثة الحث على صلاة الليل، وقد ادعى ابن العربي أن البخاري أومأ إلى وجوب صلاة الليل لقوله: [باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل]. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر النقل في القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين. قال ابن عبد البر: شذ بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قدر حلب شاة. والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه. وظاهر الحديث يتعارض مع حديث البخاري في الوكالة وفيه: "أن قارئ آية الكرسي عند نومه لا يقربه الشيطان". ورفع هذا التعارض بحمل العقد على الأمر المعنوي والقرب على الأمر الحسي أو العكس، إذ لا يلزم من الوسوسة الملامسة، كما يمكن رفع التعارض بتخصيص العموم في حديث الباب بمن لم ينو القيام وبمن لم يقرأ آية الكرسي، ولهذا قيل: إن أبا بكر وأبا هريرة كانا ﵄ يوتران أول الليل وينامان آخره، فمثلهما لا يعقد الشيطان على قفاه، فكأن المعنى يعقد الشيطان على قافية من نام منكم دون أن يصلي. كذلك وصف المسلم الذي يغلبه الشيطان بخبث النفس في الحديث يتعارض مع قوله صلى الله

стр. 1821

عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي". ورفع الباجي هذا التعارض بقوله: ليس بين الحديثين اختلاف، لأنه نهى عن إضافة ذلك إلى النفس، لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيرًا منها وتنفيرًا. اهـ. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من الحديث الثاني أمر الإنسان صاحبه بما يراه خيراً له في دينه ودنياه. ٢ - وتعهد الإمام والكبير رعيته بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم. ٣ - وأنه ينبغي للناصح إذا لم تقبل نصيحته، أو إذا اعتذر بما لا يرتضيه أن ينكف ولا يعنف إلا لمصلحة. ٤ - جواز ضرب الفخذ أسفاً على فوات ما يحب. ٥ - في الحديث طبع من طبائع الإنسان جبل عليه، وهو الجدل ومحاولة التخلص من المسئولية والدفاع عن النفس والاعتذار بشتى المعاذير، لكنه مطالب بتهذيب طبعه ليوافق شرع الله. ٦ - ومن الحديث الثالث الحث على ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ وفي صيغه أحاديث كثيرة مشهورة في الصحيح، جمعها الإمام النووي وما يتعلق بها في باب من كتاب الأذكار. قال: ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر، لكن الأذكار المأثورة فيه أفضل. ٧ - والتحريض على الوضوء عند القيام من النوم. ٨ - والحث على صلاة الليل وإن قلت. ٩ - قال بعضهم: فيه إشارة إلى حكمة تخفيف الركعتين الأوليين من صلاة الليل الواردتين في الرواية الثانية عشرة من روايات باب صلاة النبي ﷺ ودعائه بالليل. وقال الحافظ ابن حجر: ذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في شرح الترمذي أن السر في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين المبادرة إلى حل عقد الشيطان، وبناه على أن الحل لا يتم إلا بتمام الصلاة، وهو واضح لأنه لو شرع في صلاة ثم أفسدها لم يساو من أتمها، وكذا الوضوء، وكأن الشروع في حل العقد يحصل بالشروع في العبادة وينتهي بانتهائها. ١٠ - أخذ بعضهم من قوله: "عليك ليلاً طويلاً". اختصاص العقد بنوم الليل، وهو كذلك لكن لا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار. ذكره الحافظ ابن حجر. ١١ - أخذ بعضهم من طلب الوضوء لحل العقدة أن التيمم لمن ساغ له لا يقوم مقام الوضوء، لأن في الوضوء معاناة تعين على طرد النوم، والحق إجزاء التيمم كما يجزئ الغسل للجنب، فذكر الوضوء للغالب. واللَّه أعلم

стр. 1822

(٢٥٩) باب استحباب صلاة النافلة في البيت ١٥٧٢ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا". ١٥٧٣ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا". ١٥٧٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا". ١٥٧٥ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت". ١٥٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" ١٥٧٧ - عن زيد بن ثابت ﵁ قال: احتجر رسول الله ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها. قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته. قال: ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم. قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب. فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضبًا فقال لهم رسول الله ﷺ : "مازال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".

стр. 1823

١٥٧٨ - عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله ﷺ فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس فذكر نحوه وزاد فيه: "ولو كتب عليكم ما قمتم به". -[المعنى العام]- يقول ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا". وصح أن أماكن الصلوات تشهد لصاحبها يوم القيامة وأن البركة تحل في مكان العبادة وأن رحمة الله وملائكته تنزل فيه، ومن هنا كان للبيوت حق في عبادة أصحابها، يضاف إلى ذلك أن سكان البيوت ممن لا يستطيع حضور الصلوات في المسجد كالنساء والأطفال والمرضى في حاجة إلى رؤية قدوة لهم يصلي بهم أو يصلي أمامهم، ومن هذا المنطلق رغب ﷺ في صلاة النافلة في البيوت فقال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم". "صلوا في بيوتكم". "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا". ونفر من حرمان البيوت من الصلاة ومن ذكر الله، فشبهها بالقبور إذا هي لم يصل فيها، وصلى رسول الله ﷺ أغلب النوافل في بيته، ولما احتجر واتخذ حجرة من خوص في المسجد ينتفل فيها كأنها بيت له وصلى خلفه ناس أزال الحجرة وأمرهم أن يصلوا في بيوتهم، وقال لهم: إن خير صلاة المرء ما أدى في البيت إلا الصلاة المكتوبة فهي في المسجد خير منها في البيت. وهكذا أصبحت الأرض كلها مسجدًا، وأصبح البيت مسجدًا، وتعددت أماكن الصلوات لتشهد لصاحبها يوم القيامة، وتعدد الشهود شفاعة نسأل الله قبولها. إنه غفور رحيم. -[المباحث العربية]- (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم) "من" تبعيضية، أي اجعلوا بعض صلاتكم في بيوتكم، وهذا البعض يصدق بفريضة أو راتبة أو نافلة مطلقة وتحقيق الحكم يأتي في فقه الحديث. (ولا تتخذوها قبورًا) في الكلام تشبيه بليغ، أي ولا تتخذوها كالقبور في هجرها من الصلاة، أو في كونها إنما تقصد للنوم الذي هو موت. وذكر بعضهم في بيان وجه الشبه أربعة معان: أحدها: أن القبور مساكن الأموات الذين سقط عنهم التكليف فلا يصلي فيها وليس كذلك البيوت فصلوا فيها. ثانيها: إنكم نهيتم عن الصلاة في

стр. 1824

المقابر لا عن الصلاة في البيوت فصلوا فيها ولا تشبهوها بها. ثالثها: أن مثل الذاكر كالحي، وغير الذاكر كالميت، فمن لم يصل في البيت جعل نفسه كالميت وجعل بيته كالقبر. الرابع: قول الخطابي: لا تجعلوا بيوتكم أوطانًا للنوم فلا تصلوا فيها، فإن النوم أخو الموت. (فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا) فسر الخير في أحاديث أخرى بحضور الملائكة ونفرة الشيطان. (إن الشيطان ينفر من البيت) قال النووي: هكذا ضبطه الجمهور "ينفر" ورواه بعض رواة مسلم "يفر" وكلاهما صحيح. (احتجر رسول اللَّه ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير) أصل الحجر المنع، والمعنى اقتطع موضعًا من المسجد منعه من غيره وحوطه بحصير ليستره ليصلي فيه ولا يمر بين يديه مار، ولا يتهوش بغيره ويتوفر خشوعه وفراغ قلبه. والخصفة بفتح الخاء والصاد والفاء الحصير، والشك من الراوي أي اللفظين سمع. (فتتبع إليه رجال) أصل التتبع الطلب، والمعنى طلبوا موضعه واجتمعوا إليه. (وحصبوا الباب) أي رموه بالحصباء، وهي الحصى الصغار، تنبيهًا له ظنًا منهم أنه نسي. -[فقه الحديث]- قال بعض العلماء: إن المراد ببعض الصلوات المطلوب صلاته في البيوت إنما هو بعض من الفرائض ليقتدي به من لا يخرج من النساء والمرضى. والجمهور على أن المراد به النافلة، لأن السر في عمل التطوع أفضل، وهذا هو الأظهر والمصرح به في الرواية السادسة، ومن فوائد الصلاة في البيوت تبركها بالصلاة ونزول الرحمة فيها وحضور الملائكة ونفرة الشيطان منها، وعمم الإمام النووي خيرية الصلاة في البيوت في جميع النوافل راتبة الفرائض والمطلقة، ولم يستثن إلا النوافل التي هي من شعائر الإسلام وهي العيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح على الأصح، وبعضهم استحب الرواتب في المسجد وقصر البيوت على النفل المطلق. -[ويؤخذ من الأحاديث: ]- ١ - الندب إلى ذكر الله تعالى في البيت، وأنه لا يخلى من الذكر فيه. ٢ - وفيها جواز التمثيل. ٣ - وأن طول العمر في الطاعة فضيلة وإن كان الميت ينتقل إلى خير، لأن الحي يستلحق به ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات. ذكره النووي أخذًا من مقارنة الحي بالميت في مقام مدح الحي. ٤ - وفيها جواز قول سورة كذا من غير كراهة.

стр. 1825

٥ - وجواز التحجير في المسجد إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين ونحوهم ولم يتخذه دائمًا؛ لأن النبي ﷺ كان يحتجرها بالليل يصلي فيها، ويبسطها في النهار يصلي عليها - كما سيأتي في الباب الثاني - ثم ترك ﷺ التحجير بالليل والنهار وعاد إلى الصلاة في البيت. ٦ - وفيها جواز النافلة في المسجد. ٧ - وجواز صلاة الجماعة في غير المكتوبة. ٨ - وجواز الاقتداء بمن لم ينو الجماعة. ٩ - وترك بعض المصالح لخوف مفسدة أعظم من ذلك. ١٠ - ومدى شفقة النبي ﷺ على أمته ورعايته لمصالحهم. ١١ - وما كان عليه ﷺ من الزهادة في الدنيا. واللَّه أعلم
следующие страницы →