Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي". ورفع الباجي هذا التعارض بقوله: ليس بين الحديثين اختلاف، لأنه نهى عن إضافة ذلك إلى النفس، لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيرًا منها وتنفيرًا. اهـ.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من الحديث الثاني أمر الإنسان صاحبه بما يراه خيراً له في دينه ودنياه.
٢ - وتعهد الإمام والكبير رعيته بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم.
٣ - وأنه ينبغي للناصح إذا لم تقبل نصيحته، أو إذا اعتذر بما لا يرتضيه أن ينكف ولا يعنف إلا لمصلحة.
٤ - جواز ضرب الفخذ أسفاً على فوات ما يحب.
٥ - في الحديث طبع من طبائع الإنسان جبل عليه، وهو الجدل ومحاولة التخلص من المسئولية والدفاع عن النفس والاعتذار بشتى المعاذير، لكنه مطالب بتهذيب طبعه ليوافق شرع الله.
٦ - ومن الحديث الثالث الحث على ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ وفي صيغه أحاديث كثيرة مشهورة في الصحيح، جمعها الإمام النووي وما يتعلق بها في باب من كتاب الأذكار. قال: ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر، لكن الأذكار المأثورة فيه أفضل.
٧ - والتحريض على الوضوء عند القيام من النوم.
٨ - والحث على صلاة الليل وإن قلت.
٩ - قال بعضهم: فيه إشارة إلى حكمة تخفيف الركعتين الأوليين من صلاة الليل الواردتين في الرواية الثانية عشرة من روايات باب صلاة النبي ﷺ ودعائه بالليل. وقال الحافظ ابن حجر: ذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في شرح الترمذي أن السر في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين المبادرة إلى حل عقد الشيطان، وبناه على أن الحل لا يتم إلا بتمام الصلاة، وهو واضح لأنه لو شرع في صلاة ثم أفسدها لم يساو من أتمها، وكذا الوضوء، وكأن الشروع في حل العقد يحصل بالشروع في العبادة وينتهي بانتهائها.
١٠ - أخذ بعضهم من قوله: "عليك ليلاً طويلاً". اختصاص العقد بنوم الليل، وهو كذلك لكن لا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار. ذكره الحافظ ابن حجر.
١١ - أخذ بعضهم من طلب الوضوء لحل العقدة أن التيمم لمن ساغ له لا يقوم مقام الوضوء، لأن في الوضوء معاناة تعين على طرد النوم، والحق إجزاء التيمم كما يجزئ الغسل للجنب، فذكر الوضوء للغالب.
واللَّه أعلم
стр. 1822
(٢٥٩) باب استحباب صلاة النافلة في البيت
١٥٧٢ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا".
١٥٧٣ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا".
١٥٧٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا".
١٥٧٥ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت".
١٥٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة"
١٥٧٧ - عن زيد بن ثابت ﵁ قال: احتجر رسول الله ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها. قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته. قال: ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم. قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب. فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضبًا فقال لهم رسول الله ﷺ : "مازال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".
стр. 1823
١٥٧٨ - عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله ﷺ فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس فذكر نحوه وزاد فيه: "ولو كتب عليكم ما قمتم به".
-[المعنى العام]-
يقول ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا". وصح أن أماكن الصلوات تشهد لصاحبها يوم القيامة وأن البركة تحل في مكان العبادة وأن رحمة الله وملائكته تنزل فيه، ومن هنا كان للبيوت حق في عبادة أصحابها، يضاف إلى ذلك أن سكان البيوت ممن لا يستطيع حضور الصلوات في المسجد كالنساء والأطفال والمرضى في حاجة إلى رؤية قدوة لهم يصلي بهم أو يصلي أمامهم، ومن هذا المنطلق رغب ﷺ في صلاة النافلة في البيوت فقال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم". "صلوا في بيوتكم". "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا". ونفر من حرمان البيوت من الصلاة ومن ذكر الله، فشبهها بالقبور إذا هي لم يصل فيها، وصلى رسول الله ﷺ أغلب النوافل في بيته، ولما احتجر واتخذ حجرة من خوص في المسجد ينتفل فيها كأنها بيت له وصلى خلفه ناس أزال الحجرة وأمرهم أن يصلوا في بيوتهم، وقال لهم: إن خير صلاة المرء ما أدى في البيت إلا الصلاة المكتوبة فهي في المسجد خير منها في البيت.
وهكذا أصبحت الأرض كلها مسجدًا، وأصبح البيت مسجدًا، وتعددت أماكن الصلوات لتشهد لصاحبها يوم القيامة، وتعدد الشهود شفاعة نسأل الله قبولها. إنه غفور رحيم.
-[المباحث العربية]-
(اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم) "من" تبعيضية، أي اجعلوا بعض صلاتكم في بيوتكم، وهذا البعض يصدق بفريضة أو راتبة أو نافلة مطلقة وتحقيق الحكم يأتي في فقه الحديث.
(ولا تتخذوها قبورًا) في الكلام تشبيه بليغ، أي ولا تتخذوها كالقبور في هجرها من الصلاة، أو في كونها إنما تقصد للنوم الذي هو موت.
وذكر بعضهم في بيان وجه الشبه أربعة معان: أحدها: أن القبور مساكن الأموات الذين سقط عنهم التكليف فلا يصلي فيها وليس كذلك البيوت فصلوا فيها. ثانيها: إنكم نهيتم عن الصلاة في
стр. 1824
المقابر لا عن الصلاة في البيوت فصلوا فيها ولا تشبهوها بها. ثالثها: أن مثل الذاكر كالحي، وغير الذاكر كالميت، فمن لم يصل في البيت جعل نفسه كالميت وجعل بيته كالقبر. الرابع: قول الخطابي: لا تجعلوا بيوتكم أوطانًا للنوم فلا تصلوا فيها، فإن النوم أخو الموت.
(فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا) فسر الخير في أحاديث أخرى بحضور الملائكة ونفرة الشيطان.
(إن الشيطان ينفر من البيت) قال النووي: هكذا ضبطه الجمهور "ينفر" ورواه بعض رواة مسلم "يفر" وكلاهما صحيح.
(احتجر رسول اللَّه ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير) أصل الحجر المنع، والمعنى اقتطع موضعًا من المسجد منعه من غيره وحوطه بحصير ليستره ليصلي فيه ولا يمر بين يديه مار، ولا يتهوش بغيره ويتوفر خشوعه وفراغ قلبه. والخصفة بفتح الخاء والصاد والفاء الحصير، والشك من الراوي أي اللفظين سمع.
(فتتبع إليه رجال) أصل التتبع الطلب، والمعنى طلبوا موضعه واجتمعوا إليه.
(وحصبوا الباب) أي رموه بالحصباء، وهي الحصى الصغار، تنبيهًا له ظنًا منهم أنه نسي.
-[فقه الحديث]-
قال بعض العلماء: إن المراد ببعض الصلوات المطلوب صلاته في البيوت إنما هو بعض من الفرائض ليقتدي به من لا يخرج من النساء والمرضى. والجمهور على أن المراد به النافلة، لأن السر في عمل التطوع أفضل، وهذا هو الأظهر والمصرح به في الرواية السادسة، ومن فوائد الصلاة في البيوت تبركها بالصلاة ونزول الرحمة فيها وحضور الملائكة ونفرة الشيطان منها، وعمم الإمام النووي خيرية الصلاة في البيوت في جميع النوافل راتبة الفرائض والمطلقة، ولم يستثن إلا النوافل التي هي من شعائر الإسلام وهي العيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح على الأصح، وبعضهم استحب الرواتب في المسجد وقصر البيوت على النفل المطلق.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - الندب إلى ذكر الله تعالى في البيت، وأنه لا يخلى من الذكر فيه.
٢ - وفيها جواز التمثيل.
٣ - وأن طول العمر في الطاعة فضيلة وإن كان الميت ينتقل إلى خير، لأن الحي يستلحق به ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات. ذكره النووي أخذًا من مقارنة الحي بالميت في مقام مدح الحي.
٤ - وفيها جواز قول سورة كذا من غير كراهة.
стр. 1825
٥ - وجواز التحجير في المسجد إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين ونحوهم ولم يتخذه دائمًا؛ لأن النبي ﷺ كان يحتجرها بالليل يصلي فيها، ويبسطها في النهار يصلي عليها - كما سيأتي في الباب الثاني - ثم ترك ﷺ التحجير بالليل والنهار وعاد إلى الصلاة في البيت.
٦ - وفيها جواز النافلة في المسجد.
٧ - وجواز صلاة الجماعة في غير المكتوبة.
٨ - وجواز الاقتداء بمن لم ينو الجماعة.
٩ - وترك بعض المصالح لخوف مفسدة أعظم من ذلك.
١٠ - ومدى شفقة النبي ﷺ على أمته ورعايته لمصالحهم.
١١ - وما كان عليه ﷺ من الزهادة في الدنيا.
واللَّه أعلم
стр. 1826
(٢٦٠) باب فضيلة العمل الدائم والأمر بالاقتصاد في العبادة وأمر من لحقه نوم أو ملل أن يترك حتى يذهب عنه
١٥٧٩ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان لرسول الله ﷺ حصير وكان يحجره من الليل فيصلي فيه فجعل الناس يصلون بصلاته ويبسطه بالنهار فثابوا ذات ليلة فقال: "يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل". وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملاً أثبتوه.
١٥٨٠ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "أدومه وإن قل".
١٥٨١ - عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة قال: قلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل رسول الله ﷺ ؟ هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا كان عمله ديمة وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع؟ .
١٥٨٢ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل". قال: وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته.
١٥٨٣ - عن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: "حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد". وفي حديث زهير: "فليقعد".
стр. 1827
١٥٨٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله ﷺ فقلت هذه الحولاء بنت تويت وزعموا أنها لا تنام الليل فقال رسول الله ﷺ : "لا تنام الليل خذوا من العمل ما تطيقون فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا".
١٥٨٥ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال "من هذه؟ " فقلت امرأة لا تنام تصلي قال "عليكم من العمل ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا" وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه وفي حديث أبي أسامة أنها امرأة من بني أسد.
١٥٨٦ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه".
١٥٨٧ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع".
-[المعنى العام]-
من رحمة الله تعالى بالأمة الإسلامية أن رفع عنها الحرج والمشقة في عبادتها وأراد لها اليسر ولم يرد بها العسر، وأنزل على نبيه محمد ﷺ استجابة لدعاء صحابته ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 1828
وتطبيقًا وتنفيذًا لهذه الرحمة الإلهية ترفق رسول الله ﷺ بالأمة، ودعا المشددين على أنفسهم أن يرفقوا بها وأن لا يبالغوا في العبادة، فقال للنفر الثلاثة الذين عزموا على قيام الليل وصيام الدهر والبعد عن النساء: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني." وهنا يرى ﷺ زوجه السيدة زينب بنت جحش وقد وضعت حبلاً تتعلق به ويمنعها من النوم أثناء قيامها بالليل، فيقول: حلوه، ليصل أحدكم مادام نشيطًا، وليترك الصلاة إذا فتر، لا تكلفوا أنفسكم من العبادة إلا ما تطيقون، فإن الله لا يحب العبادة مع الملل ولا يثيب عليها الثواب الكريم. وهكذا يحث ﷺ أمته أن لا يشقوا على أنفسهم فلا يتشدد في الدين أحد إلا غلبه، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. فليتعبد المؤمن بما لا يشق عليه وعلى الله القبول.
-[المباحث العربية]-
(وكان يحجره من الليل) بضم الياء وفتح الحاء وبالجيم المشددة المكسورة. وضبطه بعضهم بفتح الياء وسكون الحاء وضم الجيم أي يتخذه حجرة أو يقيمه حجرة.
(فثابوا ذات ليلة) أي رجعوا إلى التجمع.
(عليكم من الأعمال ما تطيقون) بضم التاء من أطاق بمعنى قدر، وليس المعنى ما تطيقونه، بل المعنى ما تطيقون الدوام عليه بلا ضرر ومشقة وحرج. و"عليكم" اسم فعل أمر بمعنى الزموا.
(فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا) الملل السآمة، أو فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء، فيوجب الكلال في الفعل والإعراض عنه، يقال: مل يمل بفتح الميم فيهما، وفي الرواية السادسة: "لا يسأم حتى تسأموا". وهما بمعنى.
والملل والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال على الله تعالى، فيجب تأويله في جانبه تعالى. قال النووي: قال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة المال فيقطع عنكم ثوابه وجزاءه وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم [هذه عبارته وكان الأولى أن يقول: لا يقطع أو لا ينقص عنكم ثوابه حتى تملوا وتسأموا ويذهب نشاطكم، وهذا المعنى في غاية الحسن، وفيه التنفير من العبادة مع السآمة حيث تصبح بعيدة عن الأجر المحبوب، ويقوي هذا المعنى ما رواه الطبري في تفسير سورة المزمل بلفظ: "إن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل". فسمى قطعه تعالى للثواب أو إنقاصه مللاً على طريق المشاكلة لمجيئه لفظًا في صحبة ما هو ملل حقيقة] وقيل: معناه لا يمل إذا مللتم. وقاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابي، قالوا: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى يقطع خصومه، معناه لا ينقطع إذا انقطع خصومه. ولو كان معناه ينقطع إذا انقطع خصومه لم يكن له فضل على غيره. انتهى من النووي.
стр. 1829
وحاصله أن "حتى" هنا بمعنى "حين" وهذا المعنى بعيد في الحديث إذ مآله إلى أن الله لا يمل - أي لا يمنع عطاءه عنكم حتى لو مللتم وسئمتم وعبدتم بدون نشاط - وهذا معناه الحث على العمل مع السآمة والحرص على المشقة وهذا نقيض ما يرمي إليه الحديث.
(وإن أحب الأعمال إلى اللَّه ما دووم عليه) قال النووي: هكذا ضبطناه "دووم" وكذا هو في معظم النسخ بواوين، ووقع في بعضها "دوم" بواو واحدة. والصواب الأول. اهـ.
(وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملاً أثبتوه) أي لازموه وداوموا عليه، قال النووي: والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته وخواصه ﷺ من أزواجه وقرابته ونحوهم. اهـ. وقال بعضهم: إن المراد بآل محمد محمد نفسه ﷺ ، لأنه قد يقع على ذات الشيء، ومنه: "مزمار من مزامير آل داود" وهو توجيه حسن. وسيأتي توضيحه بعد باب إن شاء اللَّه.
(كان عمله ديمة) بكسر الدال وإسكان الياء أي دائمًا غير منقطع ومنه سمي المطر المتوالي ديمة.
(وحبل ممدود بين ساريتين) في رواية البخاري "بين الساريتين" أي العمودين اللذين في جانب المسجد.
(قالوا: لزينب) أي هذا الحبل لزينب، أي بنت جحش أم المؤمنين. بهذا جزم كثير من الشراح.
(فإذا كسلت) بكسر السين أي فترت. فرواية عطف الفتور على الكسل من عطف التفسير بالمرادف.
(ليصل أحدكم نشاطه) اللام مكسورة لام الأمر، و"نشاطه" بفتح النون أي مدة نشاطه منصوب على الظرفية.
(فإذا كسل أو فتر قعد) أي ترك الصلاة، أو جلس وصلى من جلوس. والأول أقرب.
(بنت تويت) بتاء مضمومة وواو مفتوحة آخره تاء.
(قال ﷺ : لا تنام الليل؟ ) على الاستفهام التعجبي، أو الإنكاري التوبيخي بمعنى لا ينبغي أن لا تنام الليل، بل ينبغي أن تنام. وفسره في الموطأ قال: فكره ذلك حتى عرفت الكراهة في وجهه.
(إذا نعس أحدكم) هو بفتح العين، والنعاس خفيف النوم.
(لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) قال القاضي: معنى يستغفر هنا يدعو. اهـ. يعني أراد من طلب المغفرة مطلق الطلب للتوسعة في مجال الخطأ ولا مانع من إرادة
стр. 1830
المعنى الأصلي، وإرادة الدعاء على النفس من سب النفس حينئذ أولى، أي يذهب يدعو لنفسه فيدعو عليها، وهذا معنى قريب وجميل.
(استعجم عليه القرآن) أي استغلق ولم ينطق به لسانه نطقًا سهلاً صحيحًا لغلبة النعاس.
-[فقه الحديث]-
أحاديث الباب تحث على الاقتصاد في العبادة واجتناب التعمق، قال النووي: وليس ذلك مختصًا بالصلاة، بل هو عام في جميع أعمال البر.
-[ويؤخذ منها بعد هذا الهدف العام: ]-
١ - كمال شفقته ﷺ ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط والقلب منشرحًا فتتم العبادة بإحسان وروح، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفة وبغير انشراح القلب فيفوته خير عظيم، وقد ذم الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فقال: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧]. وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصة رسول الله ﷺ في تخفيف العبادة ومجانبة التشديد. قاله النووي.
٢ - الحث على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرًا من الكثير المنقطع لأن القليل بدوامه تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق ، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.
٣ - ومن حديث زينب الحرص على النشاط في العبادة وأنه إذا فتر قعد حتى يذهب الفتور.
٤ - وإزالة المنكر باليد لمن تمكن منه.
٥ - وجواز تنفل المرأة في المسجد، فإنها كانت تصلي النافلة فيه فلم ينكر عليها.
٦ - ومن حديث الحولاء كراهة التشديد على النفس في العبادة، وأخذ منه بعضهم كراهة قيام الليل كله. قال النووي. مذهبنا ومذهب جماعة أو الأكثرين أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف: أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك إذا لم ينم عن الصبح. اهـ. لكن نقل الحافظ ابن حجر: أن الشافعي سئل عن قيام جميع الليل فقال: لا أكرهه إلا لمن خشي أن يضر بصلاة الصبح. اهـ. فالشافعي بهذا الجواب يوافق ما نقل عن مالك. اهـ. ولا أظن خلافًا وقع بين العلماء في كراهة قيام الليل كله لمن يغلبه النوم عن الصبح. وإنما الخلاف في قيامه كله مع المحافظة على الصبح، فمن كرهه فللتشدد في الدين.
٧ - وفي الحديث الأخير الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط.
стр. 1831
٨ - وفيه أمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس، قال النووي: وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، لكن لا يخرج فريضة عن وقتها، وحمله مالك وجماعة على نفل الليل خاصة.
٩ - واستدل بعضهم بقوله: "فليقعد". على جواز افتتاح الصلاة قائمًا والقعود في أثنائها، وفيه خلاف سبق، ويحتمل أن يكون أمرًا بالقعود عن الصلاة وترك ما كان عزم عليه من النفل.
١٠ - واستدل بعضهم على جواز قطع النافلة بعد الدخول فيها، وهو احتمال لا يصلح به الاستدلال.
١١ - واستدل به على كراهة التعلق بالحبل في الصلاة لتكلف طول القيام في النافلة، واختلف في الاستناد على عصا ونحوها.
١٢ - واستدل به بعضهم على أنه لا يقرب الصلاة من لا يعقل أداءها وخشوعها فرضًا كانت أو نفلاً، والتحقيق أن ذلك في النفل خاصة.
١٣ - واستدل به على أنه ليس للإنسان أن يسب نفسه ولا يدعو عليها، فالمراد من السب في الحديث الدعاء.
واللَّه أعلم
стр. 1832
(٢٦١) باب فضائل القرآن وما يتعلق به وباب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها
١٥٨٨ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ من الليل فقال: "يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا".
١٥٨٩ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يستمع قراءة رجل في المسجد فقال: "﵀ لقد أذكرني آية كنت أنسيتها".
١٥٩٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت".
١٥٩١ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بمعنى حديث مالك وزاد في حديث موسى بن عقبة: "وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه".
١٥٩٢ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت. بل هو نسي استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها".
١٥٩٣ - عن عبد الله ﵁ تعاهدوا هذه المصاحف - وربما قال: القرآن - فلهو
стр. 1833
أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقله. قال وقال رسول الله ﷺ : "لا يقل أحدكم نسيت آية كيت وكيت بل هو نسي".
١٥٩٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بئسما للرجل أن يقول نسيت سورة كيت وكيت أو نسيت آية كيت وكيت بل هو نُسي".
١٥٩٥ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها". ولفظ الحديث لابن براد.
-[المعنى العام]-
القرآن كلام الله، لفظه ومعناه من عند الله، هو المعجز لفصحاء البلاغة وأئمة اللسان، تحدى به العرب فوقفت دونه قدراتهم، تحدوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحدوا بسورة من مثله فعجزوا حتى قال قائلهم أعدى أعداء القرآن: إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، وما هو من قول بشر.
من هنا لم يكن مما تعتاده الألسنة، وما تصنعه العقول، فكل قول يعاد يمل، لكن القرآن لا يمل، وكل قول يخلق بمرور الزمان، لكن القرآن لا يخلق على كثرة ترداده وتلاوته وتكراره.
من هنا كان ثقيلاً لفظًا ومعنى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥].
إن تناسق حروفه، واتساق كلماته، وتناسب آياته، وترابط معانيه وموضوعاته، تجعل حفظه ميسرًا، وتلاوته سهلة خفيفة على الألسنة، لكن لما كان من نوع لا نعتاده في ألسنتنا، ولا نتداوله في محادثاتنا، كان ترك تلاوته وعدم تعاهده واستذكاره مذهبًا لحفظه، مضيعًا له من صدور من ظفر به، فما أشبه حافظ القرآن بصاحب الإبل، نقصد صاحب الإبل الكثيرة، إبل البوادي التي لا تستأنس مكانًا معينًا، ولا تعتاد معاطن ثابتة، لأنها وصاحبها رحالة، كل يوم في مضرب وراء الكلأ والمرعى، فمن الذي يمسكها على صاحبها؟ وهي كما قيل عنها: سفينة الصحراء - معها خفها الذي يساعدها على الجري والمشي، ومعها سقاؤها الذي يمكنها من تحمل الجوع والعطش أيامًا، وتحصل على رزقها وطعامها بسهولة من أعشاب وأشجار كثيرة، فهي لهذا أكثر الحيوانات المستأنسة تفلتًا، فما الذي
стр. 1834
يمسكها؟ وما الأسلوب الذي يحافظ به صاحبها عليها؟ إنه العقل والحبل، وإذا بركت وثنت ساقها على فخذها قام صاحبها فربط الساق مع الفخذ بحبل كالحلقة، فإذا أرادت النهوض والقيام عجزت فهو مادام متعاهدًا لها، رابطًا أرجلها وعاقلها فهو ممسك لها محافظ عليها، وإن أهملها وأهمل عقالها ذهبت وضاعت منه، وكذلك حامل القرآن، إن عاهد عليه وحافظ على تلاوته ظل محتفظًا به في صدره ذاكرًا له، وإن أهمل تلاوته واستذكاره نسيه وبئس ما فعل، ويا خيبة من غنم بجهد، وحصل فضلاً كبيرًا بعناء ثم أضاع الغنيمة والفضل الجليل بتهاون وإهمال.
ولا يليق بمن أصابته هذه المصيبة أن يفخر بحصولها، ولا أن يتشدق بها، فإذا بليتم فاستتروا، وإن التصريح بقول: نسيت آية كذا أو سورة كذا مما كنت أحفظ مشعر باستهانة الإنسان بما نسي، فلو كان مهتمًا به حريصًا عليه ما نسيه، ومن اهتم بشيء حرص عليه، ومن حرص على شيء عض عليه بالنواجذ وقام عليه بالليل والنهار.
-[المباحث العربية]-
(سمع رجلاً يقرأ من الليل) في الكلام مضاف محذوف، أي سمع صوت وقراءة رجل، وجملة "يقرأ" في محل نصب صفة لرجل، و"من" ظرفية بمعنى "في" ولم يثبت لدينا مقروء الرجل ما هو؟ والظاهر أن الرجل هو عباد بن بشر الصحابي الجليل، فقد روى البخاري عن عائشة ﵂: قالت: "تهجد النبي ﷺ في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد فقال: يا عائشة. أصوت عباد هذا؟ قلت: نعم. قال: اللهم ارحم عبادًا" وذكر البخاري هذه الرواية على أنها زيادة على مثل روايتنا مبينة لاسم القارئ. وقيل: إنه عبد الله بن يزيد أخذًا من رواية أخرى، ويجوز أن تكون القصة قد تكررت.
(يرحمه اللَّه) في الرواية الثانية "﵀". وسواء أكان بالفعل المضارع أو بالفعل الماضي فالجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى، أي اللهم ارحمه.
(أذكرني كذا وكذا آية) وفي الرواية الثانية "لقد أذكرني آية". و"كذا" كما في مغني اللبيب: كلمة واحدة مركبة من كلمتين مكنيًا بها عن غير عدد، وتستعمل غالبًا معطوفًا عليها. اهـ. وهي مبنية.
(كنت أسقطتها من سورة كذا) أي كنت أسقطتها نسيانًا لا عمدًا، فهي بمعنى رواية "كنت أنسيتها".
(إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة) "إنما" هي "إن" التي تدخل على المبتدأ والخبر فتنصب المبتدأ وترفع الخبر، دخلت عليها "ما" فكفتها ومنعتها من العمل، ولذا يطلق على "إنما" عبارة كافة ومكفوفة. وهي تفيد الحصر، أي قصر ما يليها على ما بعده، فهنا قصرنا شبه صاحب القرآن على شبه صاحب الإبل المعقلة، ولما كان لصاحب القرآن أشباه أخرى غير هذا الشبه كان القصر إضافيًا، أي بالنسبة إلى الحفظ بالتلاوة والنسيان بالترك. وفي روايتنا مضاف محذوف صرح
стр. 1835
به في رواية البخاري وهو لفظ "صاحب": إذ فيها: "كمثل صاحب الإبل المعقلة". ويشير إلى هذا المحذوف في روايتنا قوله: "إن عاهد عليها أمسكها". والمعنى: إنما مثل صاحب القرآن مع القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة مع إبله المعقلة، ومعنى صاحب القرآن الذي ألفه، أي ألف تلاوته نظرًا من المصحف أو عن ظهر قلب، فإن الذي يداوم على ذلك يذل لسانه ويسهل عليه قراءته ويألفه، فالمصاحبة المؤالفة، ومنه: فلان صاحب فلان، وأصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب الحديث، وأصحاب إبل وغنم، وصاحب كنز، وصاحب عبادة. ذكره النووي.
و"المعقلة" بضم الميم وفتح العين وتشديد القاف، أي المشدودة بالعقال، وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير ليمنعه من القيام. قال الحافظ ابن حجر: شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد، فما دام التعاهد موجودًا فالحفظ موجود، كما أن البعير مادام مشدودًا بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي رغبة في النفور، وفي تحصيلها بعد تمكن نفورها صعوبة. اهـ فالتشبيه تشبيه تمثيل، بمعنى أننا شبهنا هيئة صاحب القرآن من حيث مداومته على القراءة أو تركها بهيئة صاحب الإبل من حيث مداومته عقل إبله أو فكها بجامع الحفظ في حالة والضياع في حالة أخرى. وقيل: إنه تشبيه مركب فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة والقرآن شبه بالناقة، والحفظ شبه بالربط. وهذا القول بعيد، لعدم المناسبة والمشابهة بين القرآن والناقة.
(إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت) هذه تتمة أوصاف صاحب الإبل، ويشبهه فيها صاحب القرآن، والزيادة في الرواية الثالثة توضح ذلك وهي: "وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه". وتعاهد الشيء تجديد العهد به، وتعاهد القرآن ملازمة تلاوته، ومعنى "أمسكها" استمر في إمساكها.
(بئسما لأحدهم يقول) "بئس" فعل جامد غير متصرف يفيد الذم، يرفع فاعلاً ظاهرًا معرفًا بأل نحو بئس الرجل زيد، أو مضافًا لمعرف بأل نحو بئس أخو القوم زيد، و"زيد" في هاتين الحالتين مخصوص بالذم خبر مبتدأ محذوف. أي المذموم زيد. كما ترفع فاعلاً مضمرًا مفسرًا باسم نكرة منصوبة على التمييز نحو بئس رجلاً زيد. و"ما" في مثل هذا الحديث تحل محل الاسم النكرة والتقدير بئس هو شيئًا، والمخصوص بالذم "يقول" فعل مسبوك بمصدر من غير سابك، وقد صرح بحروف المصدر في الرواية السادسة، ولفظها: "بئسما الرجل أن يقول". أي المذموم قوله كذا.
(نسيت آية كيت وكيت) "نسيت" بفتح النون وكسر السين مخففة باتفاق. و"كيت وكيت" كما قال القرطبي: يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل، ومثلهما "ذيت وذيت". وقال ثعلب: "كيت" للأفعال، و"ذيت" للأسماء. وحكي عن الداودي أنها مثل "كذا" إلا أنها خاصة بالمؤنث.
(بل هو نُسي) بضم النون وتشديد السين المكسورة. قال القرطبي: رواه بعض رواة مسلم مخففًا. أي مخفف السين المكسورة مع ضم النون. قال الحافظ ابن حجر: والتثقيل هو الذي وقع في جميع
стр. 1836
الروايات في البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في الغريب بعد قوله: "كيت وكيت" "ليس هو نسي ولكنه نسي" الأول بفتح النون وتخفيف السين والثاني بضم النون وتشديد السين. قال القرطبي: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه في معاهدته واستذكاره. قال: ومعناه في التخفيف - أي في تخفيف السين المكسورة مع ضم النون - أن الرجل ترك غير ملتفت إليه، وهو كقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة.
(استذكروا القرآن) أي واظبوا على تلاوته، واطلبوا من أنفسكم المذاكرة به. قال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى على قوله: "بئسما لأحدهم يقول" أي لا تقصروا في معاهدته واستذكروه.
(فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال) اللام لام جواب القسم المحذوف. و"تفصيًا" بفتح التاء والفاء وكسر الصاد المشددة بعدها ياء مخففة، أي تفلتًا وتخلصًا، كما جاء في الرواية السابقة: "لهو أشد تفلتًا".
(من النعم بعقلها) بضم العين والقاف، ويجوز سكون القاف، جمع عقال ككتاب وكتب، وهو الحبل، روي: "في عقلها" وروي: "من عقلها". قال القرطبي: من رواه: "من عقلها" فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفلت. وأما من رواه بالباء أو الفاء فيحتمل أن يكون بمعنى "من" أو للمصاحبة أو الظرفية. والنعم أصلها الإبل والبقر والغنم، والمراد هنا الإبل خاصة لأنها التي تعقل، وفي الرواية الخامسة: "من النعم من عقله" بالتذكير، وهو صحيح فإن النعم تذكر وتؤنث.
-[فقه الحديث]-
تصرح الرواية الخامسة بالنهي عن قول: "نسيت آية كذا". وتذم الرواية الرابعة والسادسة هذا القول، ومع ذلك يتفق العلماء على أن الحكم هو كراهة التنزيه فقط، واختلفوا في متعلق الذم وحكمة النهي على أوجه ذكرها الحافظ ابن حجر نجملها فيما يأتي:
الوجه الأول: قيل: أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها، وخصوصًا أن النسيان لا صنع للإنسان فيه، لأنه عارض للإنسان لا عن قصد منه، لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكرًا له في حال قصده، فكيف ينسبه إلى نفسه فيوهم أنه انفرد بفعله؟ ويبعد هذا الوجه أن موسى ﵇ أضاف النسيان إلى نفسه في قوله: ﴿لا تؤاخذني بما نسيت﴾ [الكهف: ٧٣] وأضافه يوشع إلى نفسه حين قال: ﴿فإني نسيت الحوت﴾ [الكهف: ٦٣] وقال الصحابة - كما يحكي عنهم القرآن الكريم: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت أن النبي ﷺ نسب النسيان إلى نفسه في باب سجود السهو حين سلم من ركعتين في رباعية، فلما ذكر قال: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني". ورواية تخفيف السين في "أنسى" قوية ومشهورة.
стр. 1837
فيبعد أن يكون النهي للزجر عن هذا اللفظ.
والوجه الثاني: قال بعضهم: يحتمل أن يكون كره له أن يقول "نسيت" بمعنى تركت لا بمعنى السهو العارض، من قبيل قوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧].
وهذا الوجه بعيد أيضًا، لأن حاصله اللجوء إلى المجاز، ولا توجد قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، بل القرينة تبعد هذا المجاز، إذ قوله في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة: "بل هو نسي". بضم النون وتشديد السين المكسورة يبعد أن يكون المراد منه بل هو ترك.
الوجه الثالث: قال الإسماعيلي: يحتمل أن يكون فاعل "نسيت" النبي ﷺ ، أي لا يقل أحد إن محمدًا ﷺ نسي آية كذا، فإن الله هو الذي نساني عن ذلك لحكمة نسخه ورفع تلاوته.
وهذا الوجه أبعد من سابقيه، إذ كان ينبغي أن يقول - لو كان ذلك مرادًا - "بل أنا أنسى" بدل "هو نسي"، كما يزيده بعدًا تعقيب هذا النهي بالأمر باستذكار القرآن وتعهده مخافة نسيانه.
الوجه الرابع: أن يكون ذلك خاصًا بزمان النبي ﷺ ، وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل ثم ينسخ بعد نزوله، فيذهب رسمه، وترفع تلاوته، ويسقط حفظه عن حملته. قاله الخطابي. وحاصله النهي عن أن يقول أحدهم: نسيت الآية المنسوخة، فهو قريب من قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦] وهذا الوجه أبعد من سوابقه، لأن الرواية السادسة تقول: "نسيت سورة كذا وكذا" ولم تنسخ سور ولا سورة، ثم إن هذا الضرب من النسخ لا يكاد يثبت، ثم إن تعقيب هذا النهي بالأمر باستذكار القرآن وتعهده دليل على الخوف من النسيان، ولا يخاف على نسيان المنسوخ.
الوجه الخامس: أن سبب النهي والذم ما في القول من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهد بتلاوته لدام حفظه وتذكره، وقد عبر القاضي عياض عن هذا الوجه بقوله: أولى ما يتأول عليه الحديث ذم الحال لا ذم القول، أي بئس الحال حال من حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه. اهـ
وحاصل هذا الوجه النهي عن ترك المحفوظ بدون مذاكرة وتعاهد، وذم الغفلة عن تلاوة ما حفظ، كما تقول: لا تعتذر، وتقصد لا تفعل فعلاً تعتذر عنه. وهذا التوجيه حسن ومقبول، لكنه لا يصلح معه أن النهي لكراهة التنزيه فالحالة المنهي عنها حينئذ حالة محرمة، بل من السلف من جعل نسيان ما حفظ من القرآن من الكبائر ومن أعظم المصائب، واحتجوا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعًا: "عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها": وفي رواية: "أعظم من حامل القرآن وتاركه". ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا: "من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم". أي مقطوع اليد. وقيل: مقطوع الحجة. وقيل: خالي اليد من الخير. وقيل: يحشر مجذومًا حقيقة. وهذه الأحاديث وغيرها مما في معناها يقوي بعضها بعضًا مما يفيد الحرمة لا نهي التنزيه.
стр. 1838
فالوجه عندي أن النهي موجه إلى قول هذا اللفظ لما يشعر به فقط، أما أسباب النسيان فلها حكم مستقل، فمن نشأ نسيانه بأمر ديني كالجهاد فهو معذور، وعليه يحمل ما ورد من نسيان النبي ﷺ لبعض الآيات، كما في الرواية الأولى والثانية، ومن كان نسيانه عن إهمال وتقصير مع التمكن فهو حرام. والله أعلم.
-[ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من الرواية الأولى والثانية جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل، وفي المسجد إذا لم يؤذ أحدًا ولم يتعرض للرياء والإعجاب ونحو ذلك.
٢ - أن الاستماع إلى القراءة سنة.
٣ - الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيرًا وإن لم يقصد ذلك المحصول منه.
٤ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه جواز قول المرء: أسقطت آية كذا من سورة كذا، إذا وقع منه ذلك، وقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال: لا تقل: أسقطت كذا. بل قل: أغفلت. قال الحافظ: وهو أدب حسن، وليس واجبًا. اهـ
٥ - وفيه جواز قول: سورة كذا، خلافًا لمن كره ذلك. وقال: لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا. وقد نقل القرطبي في تفسيره عن الحكيم الترمذي أن من حرمة القرآن أن لا يقال: سورة كذا، كقولك: سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة النساء، وإنما يقال: السورة التي يذكر فيها كذا. وقال النووي في الأذكار: يجوز أن يقول: سورة البقرة، سورة ... إلى أن قال: وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهة في ذلك. وقال بعض السلف: يكره ذلك. والصواب الأول، وهو قول الجماهير، والأحاديث فيه عن رسول الله ﷺ أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم. اهـ.
وقال ابن كثير في تفسيره مشيرًا إلى رأي الكارهين: ولا شك أن ذلك أحوط، ولكن استقر الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وقد تمسك بالاحتياط المذكور جماعة من المفسرين منهم أبو محمد بن أبي حاتم ومن المتقدمين الكلبي وعبد الرزاق. اهـ.
٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي ﷺ فيما ليس طريقه البلاغ بشرطين: أحدهما أنه بعد ما يقع منه تبليغه، والآخر أنه لا يستمر على نسيانه، بل يحصل له تذكره، إما بنفسه وإما بغيره. وهل يشترط في هذا الفور؟ قولان.
فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلاً. وزعم بعض الأصوليين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلاً، وإنما يقع منه صورته ليسن. وهذا قول ضعيف. اهـ
وقال الإسماعيلي: النسيان من النبي ﷺ لشيء من القرآن يكون على قسمين:
أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية وعليه يدل قوله ﷺ في حديث ابن مسعود في السهو: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون".
стр. 1839
والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾ [الأعلى: ٦، ٧].
٧ - ومن الرواية الثالثة والرابعة والخامسة والسابعة يؤخذ ضرب الأمثال لتقريب المعنى إلى الأذهان.
٨ - والحث على تعاهد القرآن وتلاوته والتحذير من تعريضه للنسيان.
٩ - والإشارة إلى صعوبة حفظ القرآن. قال ابن بطال: هذا الحديث يوافق الآيتين. قوله تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥] وقوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧] فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تفلت منه. اهـ.
واللَّه أعلم
стр. 1840
(٢٦٢) باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن
١٥٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن".
١٥٩٧ - - عن ابن شهاب بهذا الإسناد قال: "كما يأذن لنبي يتغنى بالقرآن".
١٥٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به".
١٥٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به".
١٦٠٠ - - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثل حديث يحيى بن أبي كثير غير أن ابن أيوب قال في روايته: "كإذنه".
١٦٠١ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عبد الله بن قيس أو الأشعري أعطي مزمارًا من مزامير آل داود".
١٦٠٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي موسى: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".
стр. 1841
١٦٠٣ - عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: قرأ النبي ﷺ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته. قال معاوية: لولا أني أخاف أن يجتمع علي الناس لحكيت لكم قراءته.
١٦٠٤ - عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح. قال: فقرأ ابن مغفل ورجع فقال معاوية: لولا الناس لأخذت لكم بذلك الذي ذكره ابن مغفل عن النبي ﷺ .
١٦٠٥ - حدثنا شعبة بهذا الإسناد نحوه. وفي حديث خالد بن الحارث قال: على راحلة يسير وهو يقرأ سورة الفتح.
-[المعنى العام]-
روي أن النبي ﷺ وعائشة مرا بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما مضيًا، فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا موسى، مررت بك وأنت تقرأ فاستمعت لقراءتك، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود.
فقال أبو موسى: لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرًا، أي حسنت به صوتي أكثر وأكثر. وهكذا شجع رسول الله ﷺ أبا موسى وحث أصحابه أن يحسنوا بالقرآن أصواتهم. وقد رغب رسول الله ﷺ في تحسين الصوت بقراءة القرآن، وحث على ذلك بأن الله أشد إصغاء لقارئي القرآن بصوت حسن من إصغاء صاحب القينة لقينته. والأحاديث الثلاثة الأول معناها أن الله لم يصغ لشيء ولا لمسموع مثلما يصغي لنبي حسن الصوت يقرأ القرآن ويجهر به، والإصغاء هنا كناية عن الرضا والقبول والجزاء، فلم يرض الله عن مسموع ما، ولا يعطي جزاء خيرًا على مسموع ما، قدر ما يرضى وقدر ما يعطى قارئ القرآن بصوت حسن.
وكان ﷺ يقرأ ويسمع أصحابه قراءته، وهو ﷺ حسن الصوت، فقد روي في الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه".
стр. 1842
وفي الحث على تحسين الصوت بالقرآن أحاديث كثيرة، ضعيفها يتقوى بصحيحها، فقد روى الطبري: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي في الترنم بالقرآن". وروى ابن أبي شيبة: "تعلموا القرآن وغنوا به وأفشوه". وعند أبي عوانة: "فإن لم تبكوا فتباكوا". وكان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين القوم.
وقد روي: "زينوا القرآن بأصواتكم". رواه ابن حبان. وفي رواية: "حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا". وهكذا حرص ﷺ على تحسين الصوت بقراءة القرآن مع حسن الأداء والتزام قواعد الترتيل الصحيح.
-[المباحث العربية]-
(عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ أي يرفعه ويسنده إليه، كأنه قال: قال رسول الله ﷺ .
(ما أذن الله لشيء) "ما" نافية، و"أذن" بفتح الهمزة وكسر الذال يطلق بالاشتراك اللفظي على معنيين: الأول: السماح والإطلاق والإباحة، والمصدر الإذن بكسر الهمزة وسكون الذال، وليس هذا المعنى مرادًا هنا كما يقول كثير من العلماء، ولم يستبعده الحافظ ابن حجر تبعًا للقاضي عياض الذي وجهه بأن المراد منه الحث على ذلك والأمر به.
المعنى الثاني: من المشترك اللفظي الاستماع والإصغاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ [الانشقاق: ٢] والمراد لازم الاستماع من الاستجابة والطواعية، ومصدره الأذن بفتح الهمزة والذال. قال القرطبي: أصل الأذن بفتحتين أن المستمع يميل إلى جهة من يسمعه. اهـ.
ويرجح ويقوي إرادة هذا المعنى هنا ما أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه: "لله أشد أذنًا [أي استماعًا] إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته". والإصغاء بمعنى ميل الأذن لا يسند إلى الله تعالى على الحقيقة، وإنما المراد به لازمه من إكرام القارئ وإجزال ثوابه.
وقوله في روايتنا: "لشيء" بالشين يتناول العقلاء وغير العقلاء، لكنه في البخاري في أكثر نسخه بلفظ: "لنبي" بالنون والباء وفي رواية: "للنبي" بزيادة لام مع النون والباء والكل صحيح.
(ما أذن لنبي) "ما" مصدرية، أي إذنه لنبي، وفي الكلام تشبيه، أي كإذنه لنبي، وهو لفظ روايتنا الثالثة.
(يتغنى بالقرآن) يطلق التغني والتغاني على الاستغناء، ومنه قول الشاعر:
كلانا غنى عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيًا
ويقال: تغنى بكذا عن كذا. فالمعنى يتغنى بالقرآن عما سواه من العبارات.
стр. 1843
ويطلق التغني على تحسين الصوت، وسياق الحديث يأبى الحمل على الاستغناء، لأن قوله في الرواية الثانية: "لنبي حسن الصوت". وفي الرواية الثانية والثالثة: "يجهر به". قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول معينة للمعنى الثاني وسيأتي في فقه الحديث مزيد من الإيضاح للمراد.
(إن عبد اللَّه بن قيس أو الأشعري) هو أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل عضو التحكيم من جانب علي ﵁.
(أعطي مزمارًا من مزامير آل داود) "المزمار" بكسر الميم الآلة المعروفة والمراد هنا الصوت الحسن، من إطلاق المؤثر وإرادة الأثر مجازًا مرسلاً.
ولفظ: "آل" في "آل داود" قيل: مقحمة. وقيل: إن آل فلان قد يطلق على فلان نفسه. وعلى كل فالمراد من "آل داود" داود نفسه، لأنه لم ينقل أن أحدًا من أولاد داود ولا من أقاربه كان قد أعطي من حسن الصوت ما أعطي. كذا قال الحافظ ابن حجر وغيره من العلماء.
ولست أرى بعدًا أن يكون المراد آل داود، فإن حسن الصوت كثيرًا ما يكون وراثيًا، ويكون في أسرة أبرز منه في أسرة أخرى، وليس شرطًا أن ينقل وقوع ذلك في أسرة داود، وإنما الشرط أن لا ينقل نقيضه، فيكون هذا النقل قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، أما أنه لم ينقل أن أحد أقاربه قد أعطي من حسن الصوت ما أعطي داود فهو مسلم، لكن التشبيه في الحديث ليس بين صوت أبي موسى وبين صوت داود نفسه، إذ شتان بين الصوتين، فقد أثر أن الطير والوحش كانت ترقص عند سماع صوته ﵇، فيكفي تشبيه صوت أبي موسى بأقارب آل داود، ولا داعي للتأويل، وعدم النقل لا ينفي الوقوع.
(لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة) أي الليلة البارحة، أي الماضية، و"لو" يصح أن تكون شرطية وجواب الشرط محذوف، تقديره لسررت بسروري، ويصح أن تكون للتمني، أي كنت أتمنى أن تراني مسرورًا بسماع قراءتك، والأظهر أن المراد من الاستماع الإصغاء، لا مجرد السماع.
(على راحلته) المراد ناقته كما في الرواية السابعة.
(فرجع) بتشديد الجيم، وأصل الترجيع الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق وإعادته، ومنه الترجيع في الأذان في الشهادتين.
والمراد منه هنا ما فسره في البخاري في كتاب التوحيد بقوله: (آاأ) بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى، ثم قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هز الناقة. والآخر أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وهذا أشبه بالسياق، وسيأتي في فقه الحديث مزيد لإيضاح ذلك.
(لولا الناس لأخذت لكم بذلك الذي ذكره ابن مغفل) أي لحكيت لكم ما حكاه لي ابن مغفل حكاية عن النبي ﷺ ، والخوف من الناس من اجتماعهم مستغربين.
стр. 1844
-[فقه الحديث]-
وضع البخاري حديث "ما أذن الله لنبي" تحت عنوان: باب من لم يتغن بالقرآن، وقوله تعالى: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ [العنكبوت: ٥١]. كما أخرج في كتاب الأحكام حديث "من لم يتغن بالقرآن فليس منا". وكأنه يشير بهذا العنوان والآية إلى ترجيح تفسير ابن عيينة للفظ "يتغنى" وأن المراد يستغنى لكنه استغناء خاص ليس ضد الفقر، إنما المراد الاستغناء به عما سواه من أخبار الأمم السابقة ونحوها. وقد روى أبو داود عن عبيد الله بن أبي نهيك قال: لقيني سعد بن أبي وقاص وأنا في السوق فقال: تجار كسبه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يستغن بالقرآن".
وقد روى الطبري وغيره في سبب نزول الآية عن يحيى بن جعدة قال: جاء ناس من المسلمين بكتب وقد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ : "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم. فنزل ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ ".
قال ابن التين: يفهم من ترجمة البخاري - أي عنوان الباب - أن المراد بالتغني الاستغناء لكونه أتبعه الآية التي تتضمن الإنكار على من لم يستغن بالقرآن عن غيره، فحمله على الاكتفاء به وعدم الافتقار إلى غيره، وحمله على ضد الفقر من جملة ذلك. اهـ.
قال ابن الجوزي: اختلفوا في معنى قوله: "يتغنى" على أربعة أقوال: أحدها: تحسين الصوت. والثاني: الاستغناء. والثالث: التحزن. والرابع: التشاغل به. وأضاف الحافظ ابن حجر قولاً خامسًا حكاه ابن الأنباري وهو: التلذذ والاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء. وأضاف قولاً سادسًا وهو: أن يجعل المسافر هجيراه الغناء. فيكون معنى الحديث: الحث على ملازمة القرآن وأن لا يتعدى إلى غيره.
والشافعي وجمهور العلماء على أن المراد حسن الصوت لقرائن كثيرة. منها: ما قاله الشافعي حين سئل عن تفسير ابن عيينة التغني بالاستغناء فقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت. ومنها رواية الطبري بلفظ: "ما أذن لنبي في الترنم في القرآن". ولا دخل للترنم في الاستغناء، ومنها روايات الباب وبخاصة روايتنا الثانية: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". فحسن الصوت والجهر لا علاقة لهما بالاستغناء، فلو كان المراد الاستغناء كما ذهب إليه البخاري لم يكن لذكر حسن الصوت ولا لذكر الجهر به معنى.
قال الحافظ ابن حجر: ظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت ويؤيده قوله: "يجهر به". فإنها إن كانت مرفوعة للنبي ﷺ فقد قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخير من غيره، ولا سيما إذا كان فقيهًا، فقد جزم الحليمي بأنها من قول أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات
стр. 1845
المذكورة، وهو أنه يحسن به صوته، جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزن، مستغنيًا به عن غيره من الأخبار، طالبًا به غنى النفس، راجيًا به غنى اليد. اهـ.
وقد وضعت أحاديث الباب هنا تحت عنوان: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ولا شك أن الأحاديث المذكورة في الباب تفيد ذلك، ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرًا في رقة القلب وإجراء الدمع وحسن الفهم والتدبر.
والظاهر أن المحققين فرقوا بين القراءة بالألحان وبين تحسين الصوت بالقراءة فأطلقوا القراءة بالألحان على التمطيط المفرط المعتمد على نغمات الصوت الذي يؤدي إلى زيادة حرف أو إخفاء حرف أو زيادة مد يشوش النظم أو خطف المد، والعرف في أيامنا يؤيد هذا الإطلاق، فتلحين الأغاني مثلاً يعتمد النغم والإيقاع والترقيق والتفخيم والمد في غير موضعه، فنراه مثلاً حين يلحن: فإذا سخوت بلغت بالجود المدى = يلحنه إلى: فإذا سخاوت بلغت بالجود المدى، وهذا النوع بلا خلاف لا يليق بقراءة القرآن، وهو محرم أو مكروه حسب درجة الخروج عن الأداء الصحيح، أما المحافظة على الأداء الصحيح مع الصوت الحسن فهي مستحبة اتفاقًا سواء سميناها ألحانًا أم لا، ونتيجة لخفاء هذه التفرقة بين القراءة بالألحان وبين تحسين الصوت بالقراءة عند البعض جاءت أقوالهم ظاهرة التضارب أو بعيدة عن الحق والصواب، فقد يطلق الألحان ويريد تحسين الصوت، وقد يطلق تحسين الصوت ويريد الألحان، وننقل أقوالهم ثم نعقب بالتحقيق.
قال الحافظ ابن حجر: كان بين السلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان [الحقيقة أن الاختلاف مبناه تحديد مفهوم الألحان] أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك.
حكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكى أيضًا عن جماعة من أهل العلم.
حكى ابن بطال وعياض والقرطبي من المالكية، والماوردي والغزالي وغيرهما من الشافعية وبعض الحنفية القول بكراهة القراءة بالألحان.
وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين جواز القراءة بالألحان. وهو المنصوص للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية.
ونقل عن بعض الشافعية القول بالجواز بل الاستحباب. اهـ.
ونص الشافعي في موضع على كراهة القراءة بالألحان. ونص في موضع آخر على أنها لا بأس بها.
وهذا الاختلاف في الحكم أساسه الاختلاف في حقيقة المحكوم عليه لهذا نرى أصحاب الشافعي يدافعون عنه ويقولون: ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان على المنهج القويم جاز وإلا حرم.
стр. 1846
ونرى الإمام النووي يقول في "التبيان": أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفًا أو أخفاه حرم.
وقال الغزالي والبندنيجي وصاحب "الذخيرة" من الحنفية: إن لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب، وإلا فلا.
قال الحافظ ابن حجر: الذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح، ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم، فإن حسن الصوت يزداد حسنًا بذلك، وإن خرج عن قوانين النغم أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاة قوانين النغم ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، فإن وجد من يراعيهما معًا فلا شك في أنه أرجح من غيره، لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء. انتهى. وهو كلام نفيس يجب على المحقق الحرص عليه. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ذلك: ]-
١ - من الرواية الرابعة والخامسة منقبة وفضيلة لأبي موسى الأشعري.
٢ - واستحباب الإصغاء إلى سماع الصوت الحسن في القرآن الكريم.
٣ - ومن الرواية الثانية والثالثة استحباب الجهر بقراءة القرآن.
٤ - وفيه دلالة بينة على أن القراءة غير المقروء.
٥ - ومن الرواية السادسة والسابعة استحباب القراءة على الدابة. قال ابن بطال: القراءة على الدابة سنة موجودة، وأصل هذه السنة قوله تعالى: ﴿لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤] وكرهه بعضهم، وهو شاذ.
٦ - واستحباب الترجيع. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن في الترجيع قدرًا زائدًا على الترتيل، فعند أبي داود عن علقمة قال: "بت مع عبد الله بن مسعود في داره فنام ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه، لا يرفع صوته، ويسمع من حوله، ويرتل، ولا يرجع وقال الشيخ ابن أبي جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.
٧ - وملازمته ﷺ للعبادة، لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة.
٨ - وفيه إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وهذا عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك: ذكره الحافظ ابن حجر.
стр. 1847
(٢٦٣) باب نزول السكينة لقراءة القرآن
١٦٠٦ - عن البراء ﵁ قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "تلك السكينة تنزلت للقرآن".
١٦٠٧ - عن البراء ﵁ قال: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة فجعلت تنفر فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته قال فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "اقرأ فلان فإنها السكينة تنزلت عند القرآن أو تنزلت للقرآن".
١٦٠٨ - - عن أبي إسحق قال سمعت البراء يقول فذكرا نحوه غير أنهما قالا: تنقز.
١٦٠٩ - عن أسيد بن حضير ﵁ بينما هو ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه فقرأ ثم جالت أخرى فقرأ ثم جالت أيضًا. قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها. قال فغدوت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ ابن حضير" قال: فقرأت ثم جالت أيضًا. فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ ابن حضير". قال: فقرأت ثم جالت أيضًا. فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ ابن حضير". قال: فانصرفت وكان يحيى قريبًا منها خشيت أن تطأه فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها. فقال رسول الله ﷺ : "تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم".
-[المعنى العام]-
لكلام اللَّه تعالى فضيلة، ولتلاوته سكينة وطمأنينة ورهبة، ولتدبره خشوع وخضوع ولذة.
стр. 1848
لقد قال كافرهم حين سمعه: واللَّه إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق. وكل كلام يعاد ويتكرر يمل ويضعف إلا القرآن الكريم لا يخلق على كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، يزيده حلاوة وطراوة صوت حسن، وتلاوة دقيقة رقيقة، وإذا كان هذا أثره في البشر فما بالنا بأثره في ملائكة اللَّه؟
لقد كان أسيد بن حضير الصحابي الجليل ذو الصوت الحسن الرقيق يقرأ القرآن في منزله في جوف الليل وقد ربط فرسه في مربطه بحبل مزدوج، لأنه فرس جموح، ونام ابنه يحيى على الأرض قريبًا من الفرس، وجلس أسيد أو قام يصلي في مكان قريب من ابنه، في حائط صغير يتخذ مخزنًا للتمر يجفف فيه ويحفظ، وما كان لهم بيوت بحجرات ولا فرش وأسرة، وفي هدوء الليل وروعته تجلجل صوت أسيد بن حضير بالقرآن الكريم وسورة البقرة والكهف، وسمعت ملائكة اللَّه الصوت الرقيق بالقرآن الكريم فتنزلت له من قرب، حتى دنت من الفرس، ورآها الفرس كأن سحابة تهبط عليه فنفر وأخذ يضرب الأرض بقوائمه ويشيح ذات اليمين وذات الشمال بعنقه ورأسه ويحاول الجري والفرار خوفًا ورعبًا. سكت أسيد عن القراءة فهدأ الفرس، وسكن كأن السحابة تلاشت حين سكت، فقرأ فنفر الفرس، وسكت فسكن الفرس، فقرأ فهاجت. عجبًا يرى ظلة فيها مصابيح تدنو وتقرب والفرس يحس بها ويراها وينفر. والولد قريب من الفرس، يخشى عليه أن تطأه بحوافرها أثناء جموحها. لقد دفعته عاطفة الأبوة أن يرفع ولده ويبعده عن الفرس ثم يعود للقراءة. لكنه - وا أسفاه - ما إن قام نحو ابنه حتى رأى الظلة تعرج وتمضي نحو السماء حتى اختفت عن ناظريه. فأصبح يحدث رسول اللَّه بهذا الأمر العجيب، فقال له ﷺ : ليتك مضيت في القراءة حتى الصباح، إنها السكينة والملائكة جاءت تستمع لقراءتك، ولو بقيت حتى الصباح تقرأ لبقيت مشغولة بالسماع لا تتستر حتى يراها الناس.
-[المباحث العربية]-
(كان رجل) الظاهر أنه: أسيد بن حضير المصرح به في الرواية الثالثة. قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع قريب من ذلك لثابت بن قيس بن شماس.
(عنده فرس مربوط) الفرس يقع على الذكر والأنثى، فهو في هذه الجملة مذكر، وفي جملة "إذ جالت فرسه" في الرواية الثالثة مؤنث.
(بشطنين) تثنية "شطن" بفتح الشين والطاء، وهو الحبل. وقيل: الحبل الطويل. وقيل: الحبل الطويل المضطرب، وكأنه للحبل حين اضطرابه، وقيل مأخذه الشيطان لكثرة تحركه واضطرابه.
ولعل الرجل قد ربط الفرس بحبلين لا بحبل واحد كما هو الأصل، لأن فرسه كان شديد الصعوبة والجموح، وهذا ما دعاه للخوف على ابنه يحيى.
стр. 1849
(فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر) الظاهر أن ضمير المفعول في "فتغشته" للفرس، لأن الذي رآها وتأثر بها هو الفرس ويصح أن يكون للرجل، وظاهر الرواية الثالثة أن أسيدًا رأى الظلة وهي تعرج لكن قوله في الرواية الأولى: "فجعلت تدور وتدنو وجعل الفرس ينفر". صريح في أنه رآها وهي تدنو، فالرواية الأولى تصف حالة من حالتيه، والثانية تصف الأخرى. و"ينفر" قال النووي: بالفاء والراء في الرواية الأولى. و"تنفر" بالفاء والراء في الرواية الثانية، أما الثالثة فبالقاف المضمومة وبالزاي، أي تثب هذا هو المشهور، ووقع في بعض النسخ في الثالثة "ينفز" بالفاء والزاي، وحكاه القاضي عياض عن بعضهم وغلطه وقال: لا معنى له. اهـ.
والسحابة هي الضبابة الواردة في الرواية الثانية، وهي "مثل الظلة" الواردة في الرواية الثالثة، أي مثل سحابة تظل.
(تلك السكينة) جاء لفظ السكينة في القرآن متكررًا وفسر تفسيرات مختلفة، قال تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ [التوبة: ٤٠]. ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾ [الفتح: ٤]، ﴿آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم﴾ [البقرة: ٢٤٨]. فعن علي ﵁: "السكينة ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان". وقيل: لها رأسان. وقيل: لها رأس كرأس الهر. وقيل: لعينها شعاع. وقال السدي: السكينة طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء. وعن أبي مالك: هي التي ألقى فيها موسى الألواح والتوراة والعصا. وهذه كلها أقوال لا سند لها، ولا يعتمد عليها هنا، فلو كانت غير مثل السحابة لحكاها أسيد، فالسكينة الطمأنينة يبعثها اللَّه في قلب من يشاء، ولا يعنينا ما به السكينة، فقد يكون ظلة، وقد يكون نورًا، وقد يكون ريحًا، وقد تنبعث من داخل النفس دون مظهر خارجي، والظاهر من الرواية الثالثة أنها كانت مثل السحابة فيها الملائكة كأمثال السرج.
(تنزلت للقرآن) في الرواية الثانية "تنزلت عند القرآن". وفي رواية للبخاري "دنت لصوتك".
(بينما هو ليلة يقرأ) كلمة "بين" زيدت عليها "ما" ظرف خافض لشرطه بالإضافة منصوب بجوابه، وجوابه هنا قوله: "إذ جالت فرسه" أي فاجأه نفور الفرس وقت قراءته.
(في مربده) بكسر الميم وفتح الباء بينهما راء ساكنة، الموضع الذي ييبس فيه التمر.
(إذ جالت فرسه) من الجولان وهو الاضطراب الشديد.
(اقرأ ابن حضير) منادى. أي اقرأ يا ابن حضير، أي كان ينبغي أن تستمر على قراءتك، وليس أمرًا له بالقراءة في حال التحديث، وكأنه استحضر صورة الحال، فصار كأنه حاضر عنده، لما رأى ما رأى، فكأنه يقول: استمر على قراءتك لتستمر لك البركة بنزول الملائكة واستماعها لقراءتك، وفهم أسيد ذلك فأجاب بعذره في قطع القراءة، وهو قوله: "خفت أن تطأ يحيى". أي خشيت إن استمررت على القراءة أن تطأ الفرس ولدي. قاله ابن حجر.
стр. 1850
-[فقه الحديث]-
في رواية البخاري تحت باب [نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن] "عن أسيد بن حضير قال: "بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه عنده إذ جالت الفرس .. ". إلى آخر الحديث. فالمقروء بها سورة البقرة، والمقروء في بابنا سورة الكهف، وجمع بعضهم بجواز أن يكون قد قرأ السورتين فختم إحداهما وافتتح في الأخرى.
قال النووي: في هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة. قال الحافظ ابن حجر: كذا أطلق وهو صحيح، لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلاً والحسن الصوت.
قلت: لا داعي لتقييد الحافظ ابن حجر، فجواز رؤية الملائكة لحافظ القرآن الصالح الحسن الصوت ولغيره إذا شاء اللَّه مادامت بصورة غير الصور الحقيقة، فقد رآها قوم لوط، ورأى صحابة رسول اللَّه ﷺ جبريل يعلم الناس أمور الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، ورآها بعض الصحابة في قتال بدر. واللَّه أعلم.
وقال النووي: وفي الحديث فضيلة القراءة، وأنها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة. واعترض عليه الحافظ ابن حجر أيضًا فقال: الحكم المذكور أعم من الدليل، فالذي في الرواية إنما نشأ عن قراءة خاصة من سورة خاصة بصفة خاصة، ويحتمل من الخصوصية ما لم يذكر، وإلا لو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ. اهـ. والحق أن قراءة القرآن سبب نزول الرحمة على القارئ، وحضور الملائكة على الإطلاق، وهو الذي قاله النووي. أما أن ترى بهذه الصورة فهي كما يقول ابن حجر في قراءة خاصة.
-[ما يؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
وفي الحديث فضل قراءة البقرة وسورة الكهف في الليل.
وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا - ولو كان من المباح - قد يفوت الخير الكثير فكيف لو كان بغير الأمر المباح.
وفيه منقبة عظيمة لأسيد بن حضير ﵁.
وفضيلة قراءة القرآن بالصوت الحسن، فقد جاء في بعض الصحيح: "دنت لصوتك".
وفي رواية: "تستمع لك". وفي رواية: "وكان أسيد حسن الصوت". وفي رواية: "اقرأ أسيد فقد أوتيت من مزامير آل داود".
واللَّه أعلم
стр. 1851
(٢٦٤) باب فضيلة حافظ القرآن
١٦١٠ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر".
١٦١١ - - عن قتادة بهذا الإسناد مثله غير أن في حديث همام (بدل المنافق) الفاجر.
١٦١٢ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران".
١٦١٣ - - عن قتادة بهذا الإسناد وقال في حديث وكيع: "والذي يقرأ وهو يشتد عليه له أجران".
-[المعنى العام]-
في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الرب : من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه".
وفي الحديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
والحق أن فضل أي عمل من الأعمال يتوقف على نوعية هذا العمل ونفعه، كما قالوا عند الكلام على أشرف العلوم: إن العلم يشرف بشرف موضوعه. فعلم موضوعه كلام الله تعالى أشرف من علم موضوعه النبات أو الحيوان أو الأرض أو السماوات وهكذا.
стр. 1852
فالذي يشتغل بالقرآن عما سواه له من الفضل أعلاه، وبخاصة لو عمل به في باطنه وقرأه وتعاهده بتلاوته، فإن تيسرت له القراءة الصحيحة فقد وصل بذلك إلى منزلة الملائكة السفرة الكرام البررة، ومن شق عليه وتتعتع في قراءته له أجر على تكلفه ومعالجته، وأجر على قراءته. والمؤمن القارئ للقرآن منتفع ونافع، حسن الباطن والظاهر، كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب. والمؤمن غير القارئ أو قليل القراءة منتفع غير نافع، حسن الباطن ضعيف الظاهر، كالتمرة طعمها حلو ولا ريح لها. والمنافق المرائي بقراءته نافع غير منتفع، حسن الظاهر قبيح الباطن، كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر. والمنافق مدعي الإيمان الذي لا يقرأ غير نافع وغير منتفع، قبيح الظاهر قبيح الباطن كالحنظلة، طعمها مر وريحها خبيث.
-[المباحث العربية]-
(مثل الأترجه) بضم الهمزة وسكون التاء وضم الراء وتشديد الجيم وقد تخفف، ويروى "أترنجة" بالنون الساكنة بعد الراء، وهي فاكهة قريبة من البرتقال لكن حجمها أكبر ولونها أصفر وجلدها أنعم وأملس وفي طعمها حموضة أكثر من البرتقال. ويحاول العلماء توجيه التشبيه بها دون بعض الفواكه المعروفة في عالمنا كالتفاح فيقول: إنها أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان وأجدى لأسباب كثيرة، جامعة للصفات المطلوبة منها والخواص الموجودة فيها، فمن ذلك كبر جرمها، وحسن منظرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها، لونها فاقع تسر الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها، طيبة النكهة، ودباغ المعدة، وسهلة الهضم، وتشترك الحواس الأربع البصر والذوق والشم واللمس في الاحتظاء بها، ثم إن أجزاءها تتقسم على طبائع، قشرها حار يابس، ولحمها حار رطب. وحماضها بارد يابس، وبزرها حار مجفف، وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبية: هكذا قالوا.
والمعروف أن لكل بيئة فاكهة مفضلة قد تكون هي نفسها غير مرغوب فيها في بيئة أخرى، بل قد يكون الحمض أحلى من الحلو الخالي من الحمضيات، كما أن بعض البيئات تعشق اللون الأخضر، وبعضها اللون الأحمر، وبعضها اللون الأصفر، فالأولى القول بأن اختيار الأترجة للتمثيل بها أنها كانت أحسن الفواكه عند المخاطبين لونًا وطعمًا وريحًا.
وهذا التشبيه يبرز المعنى المعقول الصرف في صورة المحسوس المشاهد، فكلام الله تعالى له تأثير في نفس العبد وأعماقه وفي ظاهره وسلوكه، والعباد في ذلك متفاوتون، فمنهم من لا نصيب له البتة، وهو المنافق الحقيقي الذي لا يقرأ، ومثله كالحنظلة، ومنهم من يتأثر ظاهره دون باطنه وهو المرائي بالقراءة فهو لا يستفيد وقد يستفاد منه، ومثله كالريحانة، ومنهم من يتأثر بكلام الله باطنه دون ظاهره، فلا يفيد من بجواره، وهو المؤمن الذي لا يقرأ، ومثله مثل التمرة، ومنهم من يتأثر بالقرآن باطنه وظاهره، يستفيد ويفيد، وهو المؤمن الذي يقرأ، ومثله مثل الأترجة.
стр. 1853
(مثل التمرة لا ريح لها) أي لا ريح لها يطلب ويشتهي، وإلا فللتمرة ريح ما. وكذلك يقال في الحنظلة في روايتنا: "لا ريح لها".
(الذي يقرأ القرآن) المراد من صيغة المضارع "يقرأ" التجدد والحدوث والاستمرار على التلاوة وتعهده بالقراءة.
(الذي لا يقرأ القرآن) ليس المراد النفي بالكلية، بل المراد أن لا تكون القراءة دأبه وعادته، وقال بعضهم: إن المراد عدم الحفظ البته، لأن الحديث إنما خرج مخرج الحض على حفظه. اهـ. والتحقيق أن المراد أنه لا يتعهد القرآن بدوام تلاوته وحفظه إن كان حافظًا، أو بتكرار قراءته وتعهده في المصحف لو كان متتعتعًا.
(الماهر بالقرآن) أي الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا تشق عليه القراءة لجودة حفظه. كذا قيل. والأولى عدم قصره على الحافظ، بل يكفي مهارة التلاوة ولو بالنظر في المصحف، وإذا كان الماهر بالتلاوة في المصحف مع السفرة، كان الماهر بالحفظ من باب أولى، لأن القسيم للماهر في الحديث الذي يتتعتع بالقراءة.
(مع السفرة) جمع سافر، ككاتب وكتبة، والسافر الرسول، والسفرة الرسل، لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات اللَّه. وقيل الملائكة. وقيل: السفرة كتبة الملائكة، ويسمى الكاتب سافرًا، لأنه يبين الشيء ويوضحه، والأسفار الكتب.
(الكرام البررة) البررة المطيعون، من البر وهو الطاعة.
(ويتتعتع فيه) قال النووي: هو الذي يتردد في تلاوته لضعف حفظه. اهـ. أو لضعف جودة القراءة والتلاوة.
-[فقه الحديث]-
وضع البخاري حديث الباب تحت عنوان [باب فضل القرآن على سائر الكلام] والحديث يدل على فضل قراءة القرآن أو فضل قارئ القرآن، وقد وجه الشراح مناسبة الحديث للعنوان فقال الحافظ ابن حجر: إن ثبوت فضل قارئ القرآن على غيره يستلزم ثبوت فضل القرآن على سائر الكلام.
-[ويؤخذ من الحديثين: ]-
١ - فضيلة حافظ القرآن وحامله وقارئه بمهارة أو بمشقة.
٢ - واستحباب ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام.
٣ - وأن من المؤمنين من يكون في درجة الملائكة المقربين. قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون
стр. 1854
معنى أنه مع السفرة أنه في منازلهم في الآخرة، أي يكون رفيقًا لهم فيها، لاتصافه بصفتهم في حملهم كتاب اللَّه تعالى، ويحتمل أن يكون المعنى أنه عامل بعملهم، كما يقال: معي بنو فلان، أي في الرأي والمذهب.
٤ - والحث على حفظ القرآن وتعاهده بالتلاوة. قال الحافظ ابن حجر: وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه.
قلت: هذه نقرة وتلك نقرة، فالتقصير في العمل بكل ما دل عليه القرآن لا يمنع من الإثابة على قراءته. واللَّه أعلم
٥ - أن معالجة قراءة القرآن مع المشقة والصعوبة لها أجران، أجر للمشقة والمعالجة، وأجر للقراءة. قال القاضي عياض وغيره من العلماء: ليس معناه أن الذي يتتعتع فيه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا لأنه مع السفرة الكرام البررة، وله أجور كثيرة، وكيف يلحق من لم يعتن بكتاب اللَّه بمن اعتنى به وحفظه وأتقنه وأكثر من تلاوته وروايته حتى مهر فيه؟ . اهـ.
أعاننا اللَّه على دوام حفظه وتدبره وتلاوته والعمل به. إنه سميع مجيب.
واللَّه أعلم
стр. 1855
(٢٦٥) باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل
١٦١٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأبي: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك". قال: آلله سماني لك؟ قال: "الله سماك لي". قال: فجعل أبي يبكي.
١٦١٥ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا". قال: وسماني لك؟ قال: "نعم". قال: فبكى.
-[المعنى العام]-
للقرآن حلاوة لقارئه منفردًا، ولسامعه من قارئه، ولقارئه على أهل القرآن والفضل، فما أجمله قراءة وإسماعًا وسماعًا، لقد أراد اللَّه تعالى أن يشرف أحد حفظته وإمام قراءته، أبي بن كعب، فأمر رسوله ﷺ أن يقرأ شيئًا من القرآن على أبي، وأن يعلمه أن اللَّه الذي أمر بذلك، فزف رسول اللَّه ﷺ هذه البشرى لأبي بن كعب، فقال له: إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك سورة "لم يكن". وظن أبي أن الأمر لا يعدو أن يكون المطلوب قارئًا من الصحابة، فسأل رسول اللَّه ﷺ : آللَّه سماني باسمي لك؟ قال ﷺ : نعم سماك لي. فجعل أبي يبكي فرحًا وسرورًا بهذه المنزلة الرفيعة التي بشره اللَّه بها واختصه بها من بين القراء وأصحاب رسول اللَّه ﷺ فرضي اللَّه عنه، وأنعم وأكرم بفضيلة حفظة القرآن ومحفظيه.
-[المباحث العربية]-
(آللَّه سماني؟ ) الاستفهام حقيقي، وليس في ذلك رد لقول النبي ﷺ : "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك". لأن أبيًا ربما ظن أن اللَّه أمر نبيه أن يقرأ على رجل من أمته، أو أنه عينه لا بالنص كقوله: اقرأ على أول داخل، فكان أبيًا. وقيل: إن الاستفهام للتلذذ بالجواب واستعذابه واستجلاء النص. وهو قول وجيه ويستبعد أن يكون الاستفهام تعجبيًّا، لأنه أجيب بنعم.
-[فقه الحديث]-
في حكمة قراءة النبي ﷺ على أبي قال بعض العلماء: إنما هي ليأخذ أبي عن النبي ﷺ ، ثم إن لم
стр. 1856
يكن يحفظ فقراءته عليه للحفظ، وإن كان حافظًا فليتعلم الأداء. قال القاضي عياض: والثاني أظهر لأن قراءته للحفظ لا تختص بأبي لوجوب التبليغ. اهـ. قلت: وقراءته لتعليم الأداء لا تختص بأبي أيضًا. وقال بعض العلماء: ليسمع أبي القرآن دون واسطة فلا يخالجه شك فيما اختلف فيه ويحتمل أنه ليعلم طريق العرض. قال السنوسي: والثاني أظهر لما ذكر. فإن قيل: والأداء يحصل بقراءة أبي؟ قيل: قراءة الشيخ أعلى درجات الرواية فيما ذكر المحدثون. اهـ.
قال النووي: والمختار في الحكمة من قراءته ﷺ على أبي أن تستن الأمة بذلك في القراءة على أهل الاتفاق والفضل، ويتعلموا آداب القراءة، ولا يأنف أحد من ذلك. اهـ. قلت: وهذه الحكمة لا يتعين لها أبي، بل تتحصل بغيره من كبار القراء. قال النووي: وقيل: للتنبيه على جلالة أبي وأهليته لأخذ القرآن عنه، وكان يعده ﷺ رأسًا وإمامًا في إقراء القرآن وهو أجل ناشريه أو من أجلهم. اهـ.
وهذا توجيه حسن، فقد روى البخاري عن عمر ﵁ قوله: "أقرؤنا أبي". وروى أيضًا قول الرسول ﷺ : "خذوا القرآن من أربعة: من عبد اللَّه بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب".
والحكمة في تخصيص سورة "لم يكن" بالقراءة أنها وجيزة جامعة لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته والإخلاص وتطهير القلوب، ولعل الوقت كان يقتضي الاختصار. ذكره النووي.
-[ما يؤخذ من الحديث: ]-
١ - وفي الحديث منقبة لأبي ﵁ بذكر اللَّه تعالى له، ونصه عليه، قال النووي: ولا نعلم أحدًا من الناس شاركه في هذا.
٢ - وفيه البكاء للسرور والفرح مما يبشر الإنسان به ويعطاه من معالي الأمور.
٣ - ومن سؤال أبي السؤال للتثبت في المحتملات.
٤ - وفي الحديث استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه وأهل العلم به، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه.
واللَّه أعلم
стр. 1857
(٢٦٦) باب فضل استماع القرآن والبكاء والتدبر عنده
١٦١٦ - عن عبد الله ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ علي القرآن". قال: فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري". فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ [النساء/ ٤١] رفعت رأسي - أو غمزني رجل إلى جنبي - فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل.
١٦١٧ - - عن الأعمش بهذا الإسناد وزاد هناد في روايته قال لي رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "اقرأ علي".
١٦١٨ - ، ٣ عن إبراهيم قال: قال النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود: "اقرأ علي". قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري". قال: فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ [النساء/ ٤١] فبكى. قال مسعر: فحدثني معن عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "شهيدًا عليهم ما دمت فيهم أو ما كنت فيهم". (شك مسعر).
١٦١٩ - عن عبد الله ﵁ قال: كنت بحمص فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا. فقرأت عليهم سورة يوسف. قال: فقال رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت؟ قال: قلت: ويحك والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال لي: "أحسنت". فبينما أنا أكلمه إذ وجدت منه ريح الخمر. قال فقلت: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ لا تبرح حتى أجلدك. قال: فجلدته الحد.
١٦٢٠ - - عن الأعمش بهذا الإسناد وليس في حديث أبي معاوية فقال لي: "أحسنت".
стр. 1858
-[المعنى العام]-
جعل اللَّه لسامع قراءة القرآن أجرًا كأجر القارئ فضلاً منه ورحمة، حيث إن القراءة ليست ميسورة لكل المسلمين، بل قيل: إن التدبر والخشوع عند السامع كثيرًا ما يكون أكثر منه عند القارئ، لاشتغاله بالقراءة والأداء، بل قيل: إن القارئ كالحالب، والسامع كالشارب، فهو أكثر فائدة وثوابًا. وقد رأينا رسول اللَّه ﷺ يعلم المسلمين ويقرأ لهم، بل يدعو أحسن القراء ليستمع من رسول اللَّه ﷺ كما في حديث أبي في الباب السابق، كما نراه في هذا الحديث يدعو أجود القراء عبد اللَّه بن مسعود ليقرأ على النبي ﷺ ويقول: اقرأ علي. فيعجب ابن مسعود أن يطلب صاحب الشيء الشيء نفسه من غيره، وهو الذي يؤخذ عنه لا أن يأخذه هو عن غيره، فيقول: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ فيقول ﷺ : نعم لأنني أحب أن أسمعه من غيري فأتفهم المعاني وأتدبر، وأطمئن على قراء أمتي وعلى أدائهم، فيقرأ ابن مسعود من أول سورة النساء حتى يصل إلى الآية رقم (٤١) ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ فيغمزه جار له ليرفع ابن مسعود بصره إلى النبي ﷺ ، فيراه يبكي وقد خضبت الدموع لحيته الشريفة، ويدرك ﷺ انتباه ابن مسعود لبكائه فيشير إلى ابن مسعود ويقول له: حسبك. كفى قراءة. ويؤكد ابن مسعود أن هذه المرة ليست الوحيدة التي قرأ فيها القرآن على رسول اللَّه ﷺ ، فيروى أنه نزل "حمص" بالشام مع جنود اللَّه غازيًا في زمن عمر بن الخطاب فطلب منه الناس أن يقرأ لهم فقد اشتهر عند المسلمين أنه خير القراء أو من خيرهم، فقرأ لهم سورة يوسف، فلما أتى على آية منها قال رجل من القوم: ما هكذا أنزلت. فغضب ابن مسعود وقال للرجل: ويحك انزجر. واللَّه لقد قرأت السورة كلها على رسول اللَّه ﷺ فقال لي: أحسنت.
وكان الرجل المعترض سكران، تفوح منه رائحة الخمر، فقدمه ابن مسعود للوالي الذي حده حد شارب الخمر. حفظ اللَّه كتابه وجزى حفظته خير الجزاء.
-[المباحث العربية]-
(اقرأ علي القرآن) المراد بالقرآن بعض القرآن، والقرآن يطلق على الكثير والقليل مما بين دفتي المصحف، قال الحافظ ابن حجر: والذي في معظم الروايات: "اقرأ علي" ليس فيه لفظ "القرآن"، بل أطلق، فيصدق بالبعض. وتخصيصه ﷺ ابن مسعود يحمل تأهيله وإعداده لتولي مهمة القراءة والإقراء من بعده ﷺ كما سيأتي في فقه الحديث ويحتمل أنه لم يحضر غيره، أو لم يحضر أعلم منه.
(أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ) الكلام على الاستفهام، وهمزته محذوفة وهي مذكورة في رواية البخاري: "آقرأ عليك وعليك أنزل؟ " بمد الهمزة الأولى. قال الأبي: انظر ما الذي توهمه ابن مسعود حتى قال ذلك؟ فيحتمل أنه فهم أنه أراد بقراءته عليه الاتعاظ، فقال: أتتعظ بقراءتي وعليك أنزل؟ .
стр. 1859
(إني أشتهي أن أسمعه من غيري) في الرواية الثانية: "إني أحب أن أسمعه من غيري". والمراد واحد.
(فقرأت سورة النساء) أي من أولها كما جاء في الرواية الثانية.
(وهو على المنبر) في جلسة عادية وليس لخطبة الجمعة أو غيرها، بل كان ﷺ يجلس على المنبر ليكون بارزًا للناس، وليعلمه الداخل الذي لا يعرفه.
(كنت بحمص) بلدة مشهورة في بلاد الشام، دخلها ابن مسعود غازيًا في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يكن واليًا عليها في يوم من الأيام، "وحمص" علم مؤنث ساكن الوسط يجوز فيه الصرف والمنع من الصرف.
(فقال رجل من القوم) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وقد قيل: إنه نهيك بن سنان، لكن لم أر ذلك صريحًا. اهـ.
(ويحك): أي انزجر.
(فضربه الحد) قيل: إن الإسناد مجازي، أي رفع أمره للوالي وتسبب في ضربه الحد، وسيأتي مزيد له في فقه الحديث.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من مجموع الأحاديث: ]-
١ - استحباب استماع القرآن، فقالوا: ذلك أن المستمع أقوى على التدبر لأن نفسه أخلى وأنشط من القارئ، لأنه مشتغل بالقراءة وأحكامها، وقد قيل: إن القارئ كالحالب، والسامع كالشارب، وليس استحباب سماع القرآن خاصًا بمن لا يجيد القراءة، فرسول اللَّه ﷺ أحب أن يسمعه من غيره مع أنه خير القراء على الإطلاق. وقد اختلف العلماء في القراءة والسماع أيهما أفضل؟ والتحقيق أن الأفضلية تدور مع الخشية والتدبر ومدى الانتفاع من كل منهما، فمن كان تدبره وخشيته بالقراءة أكثر كانت القراءة في حقه أفضل، ومن كان تدبره وخشيته في السماع أكثر كان السماع في حقه أفضل، على أنه يستحب أن يأخذ بكل منهما ولو بطرف يسير.
٢ - واستحباب الإصغاء للقراءة والخشوع عندها، وتدبر معانيها.
٣ - واستحباب البكاء. قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين، قال تعالى: ﴿ويخرون للأذقان يبكون﴾ [الإسراء: ١٠٩]. ويقول: ﴿خروا سجدًا وبكيًا﴾ [مريم: ٥٨]. والأحاديث فيه كثيرة. وقال الغزالي: يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد، والوثائق والعهود، ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وإنه من أعظم المصائب.
стр. 1860
قال ابن بطال: إنما بكى ﷺ عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعي له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا فقد يفضي إلى تعذيبهم.
٤ - واستحباب طلب القراءة من الحافظ، وكان طلب النبي ﷺ القراءة من ابن مسعود من أجل التدبر والتفهم، أو من أجل أن يطمئن على حسن أداء الحفظ من أمته، أو ليكون عرض القرآن سنة تتبع من بعده، أقوال ولا مانع من إرادة كل ذلك.
٥ - وتواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم. ذكره النووي.
٦ - وفيها منقبة لابن مسعود ﵁، وقد ورد في مدح قراءته أحاديث كثيرة، وقد روى البخاري قول رسول اللَّه ﷺ : "خذوا القرآن من أربعة: من عبد اللَّه بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي" فذكر ابن مسعود أول من تؤخذ عنه القراءة. توفي في خلافة عثمان ﵄.
٧ - أخذ بعضهم من الحديث الرابع أن السكران لا يؤاخذ بما يصدر منه من الكلام في حال سكره، إذ لو أوخذ الرجل بإنكاره ما قرأ ابن مسعود لقتل لارتداده، لأنهم أجمعوا على أن من جحد مجمعًا عليه من القرآن كفر، وأجيب بأنه يحتمل أن الرجل كذب ابن مسعود ولم يكذب بالقرآن، وهو الذي يظهر من قوله: "ما هكذا أنزلت". فإن ظاهره أنه أثبت إنزالها ونفى الكيفية التي أوردها ابن مسعود. قاله القرطبي.
٨ - احتج بالحديث من يوجب الحد بالرائحة وحدها إذا لم يقر ولم يشهد عليه. وقد قال بذلك الحنفية، والجمهور لا يوجب الحد بمجرد الريح، لاحتمال النسيان والاشتباه والإكراه وغير ذلك، ويجيبون عن الحديث باحتمال أن يكون الرجل قد اعترف، وبهذا الاحتمال يسقط الاستدلال بالحديث، والمختار أنه لا يحد بالرائحة وحدها، بل لا بد من قرينة كأن يوجد سكران، أو يكون مشهورًا بإدمان شرب الخمر، أو أن يوجد مع جماعة اشتهروا بالفسق، ويوجد معهم خمر واللَّه أعلم.
وقد أثار قول ابن مسعود: "فجلدته الحد": إشكالاً مؤداه: كيف جلده ولا ولاية له؟ وأجاب النووي بقوله: هذا محمول على أن ابن مسعود كانت له ولاية إقامة الحدود نيابة عن الإمام. اهـ. وهذا الاحتمال بعيد، لأن ابن مسعود كانت ولايته بالكوفة ولم يل حمص بالشام في يوم من الأيام. وأجاب القرطبي: إنما أقام عليه الحد لأنه جعل له ذلك من له الولاية. اهـ. يعني أنه فوض بذلك ممن له الولاية، وهذا مجرد احتمال بعيد لا يحل الإشكال. وقيل: لأن ابن مسعود رأى أنه يقوم عن الإمام بواجب إذا هو فعل ذلك، وهذا جواب مردود لأنه ليس لأحد أن يعتقد أنه بمباشرته إقامة الحد يقوم بواجب مقبول، والأولى اعتبار الإسناد مجازيًا كما في المباحث العربية.
واللَّه أعلم
следующие страницы →