← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

١٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد". ١٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ رفعه قال "لا يزني الزاني" ثم ذكر بمثل حديث شعبة. -[المعنى العام]- تعرضت أحاديث كثيرة لجانب الرجاء في الله، حتى كاد يطمع في دخول الجنة من لا عمل له، فروي "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" و"من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار" و"حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" و"من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق". كادت هذه الأحاديث تبعث الطمأنينة في نفوس العصاة، لولا أن قابلتها أحاديث الخوف التي تكاد تيئس مرتكب الكبيرة من دخول الجنة. من ذلك قوله ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب أي يغتصب "نهبة" وأموالا "ذات شرف" وذات قيمة "يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها" مشدوهين من تصرفه، عاجزين عن دفعه "وهو مؤمن ولا يغل" أي يسرق "أحدكم حين يغل" ويسرق وهو مؤمن فإياكم "وهذه الكبائر" وإياكم "وتعريض الإيمان للضعف والانهيار". فهذا الحديث يحذر مرتكب الكبيرة، ويخوفه من عاقبة فعله، يهدده بسحب الإيمان عنه حالة ارتكاب المنكر، فيضعف إيمانه، ولا يزال الإيمان يضعف ويتناقص بالمعاصي حتى يخشى على صاحبه من الكفر والعياذ بالله، فإن الاستهانة بارتكاب المعصية تؤدي إلى الاستهانة بالآمر الناهي، ولا تزال المعصية تترك نكتة سوداء في قلب صاحبها حتى يطبع الله عليه، ويختم على صدره، فيكون من أهل النار. وهكذا نجد أن الشرع الحكيم بنصوصه يضع المؤمن بين الرجاء والخوف، لئلا يقنط من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ولئلا يغتر فيهمل شعب الإيمان وأموره، فما أكثر الوعيد، وما أكثر النذر والتهديد ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ [النساء: ١٤] نجد الرسول الكريم ﷺ يضع المؤمن في الإطار الذي وضعه فيه القرآن

стр. 212

بقوله: ﴿يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الزمر: ٩]. -[المباحث العربية]- (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الجملة خبرية، تنفي إيمان الزاني حين زناه، إذ النفي داخل على مقيد بقيد (زنا الزاني حالة إيمانه) ولا جائز أن يتوجه النفي إلى المقيد، لأنه حاصل واقع، والواقع لا ينفى، فكان لزاما أن يتوجه إلى القيد محط الفائدة، كقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦] فالمنفي اللعب، لا خلق السموات والأرض وما بينهما فيكون حاصل المعنى: بل خلقناهما وما بينهما جادين لحكمة. والمنفي في الحديث إيمان الزاني، فيكون حاصل المعنى، لا يكون الزاني مؤمنا حين يزني. والظرف "حين يزني" متعلق بـ "مؤمن" وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر: قيد نفي الإيمان بحالة ارتكابه للزنى. وقيل: إن الجملة خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يزنين مؤمن، ولا يسرقن مؤمن أي لا ينبغي له أن يفعل ذلك. (ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) لم يذكر الفاعل هنا كما ذكر في الزنا والسرقة، قال ابن مالك: فيه جواز حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، والتقدير: ولا يشرب الشارب الخمر. إلخ، ولا يرجع الضمير إلى الزاني، لئلا يختص به، بل هو عام في حق كل من شرب. (وكان أبو هريرة يلحق معهن) أي مع الثلاث المذكورات: الزنا والسرقة والشرب، وكان حقه أن يقول: يلحق بهن، فمع بمعنى الباء، وحروف الجر يتناوب بعضها بعضا، أو ضمن "يلحق" معنى "يذكر" فعدى بـ "مع" و"يلحق" بضم الياء من "ألحق" الرباعي، يستعمل لازما ومتعديا وهنا متعد، والجملة بعده مقصود لفظها في محل المفعول به. (ولا ينتهب نهبة) الفاعل محذوف أيضا، والتقدير: ولا ينتهب الناهب نهبة وفي القاموس: نهب النهب، كجعل وسمع وكتب، أخذه كانتهبه، والاسم النهبة بضم النون، وهو المال المنهوب، والمراد به المأخوذ جهرا وقهرا. (ذات شرف) "ذات" بمعنى صاحبة، صفة "نهبة" ومعنى "ذات شرف" أي ذات قدر، حيث يشرف الناس لها ناظرين إليها، وفي رواية: "ذات سرف" بالسين المهملة، أي ذات إسراف ومجاوزة الحد. (يرفع الناس إليه فيها أبصارهم) هذه إشارة إلى حالة المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى من

стр. 213

ينهبهم، ولا يقدرون على دفعه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك, فيكون صفة لازمة للنهب، بخلاف السرقة والاختلاس، فإنه يكون في خفية، والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة. (ولا يغل أحدكم) بفتح الياء وضم الغين وتشديد اللام المرفوعة، وهو من الغلول وهو الخيانة، وقيل: هو خاص بالخيانة من الغنيمة. (فإياكم إياكم) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر، أي إذا كان الإيمان ينتفى بارتكاب هذه القبائح فإياكم، أي فاحذروها. وأصل "إياكم" احذروا تلاقي أنفسكم والقبائح، ثم حذف الفعل وفاعله، ثم المضاف الأول "تلاقي" ثم المضاف الثاني، وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل الضمير، وانتصب بعامل محذوف وجوبا لكثرة الاستعمال "وإياكم" الثانية تكرير للتأكيد، والمحذر منه محذوف للعلم به من الكلام السابق. -[فقه الحديث]- قبل الكلام عن فقه الحديث نورد مذاهب المتكلمين باختصار في الإيمان مع ارتكاب الكبيرة، حتى يتجلى موقف كل فريق من هذا الحديث. ١ - فالخوارج: يقولون إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، فمرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار. ٢ - والمعتزلة: يقولون كالخوارج بأن العمل من الإيمان، فمرتكب الكبيرة ليس بمؤمن وليس بكافر لكنه مخلد في النار. ٣ - والمرجئة: يقولون: هو اعتقاد ونطق فقط فيتحقق الإيمان بهما، ولا تتأثر حقيقته بارتكاب الكبائر. ٤ - والكرامية: يقولون: هو نطق فقط فيتحقق الإيمان به، ولا تتأثر حقيقته بارتكاب الكبائر. ٥ - وأهل السنة: يقولون: الإيمان بالنظر لما عندنا يحصل بالإقرار، فمن أقر أجريت عليه الأحكام الدنيوية، ولم يحكم عليه بالكفر، إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم. وبالنظر لما عند الله هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان والعمل بالأركان على أن العمل شرط في كماله، فمرتكب الكبيرة [غير الشرك] مؤمن غير كامل الإيمان - أو مؤمن فاسق. وظاهر الحديث الذي معنا يؤيد الخوارج والمعتزلة، وبه استدلوا على مذهبهم، فهو ينفي الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، وحيث انتفى الإيمان ثبت الكفر [عند الخوارج]، لأنه لا واسطة عندهم بين الإيمان والكفر. أما المعتزلة فينفون عنه الإيمان بالحديث، وينفون عنه الكفر، لأنه

стр. 214

يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويثبتون له منزلة بين المنزلتين، ويحكمون عليه بالخلود في النار لآيات الخلود الواردة في القاتل والعاصي. والحديث واضح في الرد على المرجئة والكرامية، وربما انتفعوا ببعض توجيهات أهل السنة الآتية: ولما كان أهل السنة لا ينفون الإيمان عن مرتكب الكبيرة احتاجوا إلى تأويل هذا الحديث. فقال النووي: إنما تأولنا هذا الحديث لحديث أبي ذر وغيره "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق"، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه ﷺ على "أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا ... " إلى آخره، ثم قال ﷺ : "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه". فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح، مع قول الله ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة. وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: ومن أقوى ما يحمل على صرف هذا الحديث عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة في حق المحصن الحر، والحر البكر، وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة، لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفا دل على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة. اهـ. ولا وجه لمن رد الحديث وأنكر صدوره عن النبي ﷺ لمعارضته النصوص الصحيحة. لا وجه له لأن الحديث ثابت في الصحيحين متفق على صحته، والظاهر المخالف قابل للتأويل، تأويلات سائغة حسنة كثيرة منها: ١ - ما روي عن ابن عباس من أن المراد بنفي الإيمان عن الزاني أن الله ينزع منه نور الإيمان، وقريب منه قول المهلب: تنزع منه بصيرته في طاعة الله. ٢ - وقال الحسن البصري وابن جرير الطبري: ما معناه ينزع منه اسم المدح الذي سمي به أولياءه فلا يقال في حقه مؤمن، وإنما يستحق اسم الذم، فيقال: سارق وزان وفاجر وفاسق. وصوب هذا الرأي ابن بطال، ثم قال: ولا خلاف أنه يسمى بذلك ما لم تظهر منه التوبة، فالزائل عنه حينئذ اسم الإيمان بالإطلاق، والثابت له اسم الإيمان بالتقييد، فيقال: هو مصدق بالله ورسوله لفظا واعتقادا لا عملا. اهـ.

стр. 215

٣ - وقال الزهري: إنه من المشكل الذي نؤمن به، ونمر كلما جاء، ولا نتعرض لتأويله. ٤ - وقيل: إنه خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يزنين مؤمن، ولا يسرقن مؤمن، وليس فيه نفي الإيمان. ٥ - وقيل: إن معنى نفي كونه مؤمنا أنه شابه الكافر في عمله، وموقع التشبيه أنه مثله في جواز قتاله في تلك الحالة، ليكف عن المعصية، ولو أدى إلى قتله فانتفت فائدة الإيمان في حقه بالنسبة إلى زوال عصمته في تلك الحالة. ٦ - وقيل معنى قوله: "ليس بمؤمن" أي ليس بمستحضر في حال تلبسه بالكبيرة جلال من آمن، فهو كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة، وعبر عن هذا ابن الجوزي بقوله: فإن المعصية تذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب، فكأنه نسي ما صدق به. ٧ - وقيل: إن المراد من نفي الإيمان نفي الأمان من عذاب الله، لأن الإيمان مشتق من الأمن. ٨ - وقال الطيبي: المراد من نفي الإيمان نفي الحياء, وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير: لا يزني الزاني حين يزني وهو يستحي من الله، لأنه لو استحيا منه - وهو يعرف أنه مشاهد حاله - لم يرتكب ذلك، ويعضده حديث "من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى". ٩ - وتأوله بعضهم على من فعل ذلك مستحلا، ولا خلاف في أن من استحل محرما علم تحريمه بالضرورة فهو كافر منفي عنه الإيمان على الحقيقة. ١٠ - وقيل: إن المراد بالحديث الزجر والتنفير، وليس المراد ظاهره، وهو رأي الطيبي إذ قال: ويجوز أن يكون من باب التغليظ والتهديد، كقوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]. ١١ - وقيل: إن نفي الإيمان محمول على الإنذار بزواله ممن اعتاد ذلك، لأنه خشي عليه أن يفضي به إلى الكفر، فمن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، وهذا أحد التأويلات في قوله ﷺ "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" أي يسرق غير النصاب، فيعتاد فيسرق النصاب، فتقطع يده. ١٢ - وقيل معناه: أنه يسلب منه الإيمان حال تلبسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه، ويقوي هذا الرأي تقييد نفي الإيمان في الحديث بحالة ارتكابه لها "حين يزني" "حين يسرق" "حين يشربها" "حين ينتهبها". كما يقويه ما أخرجه الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، رفعه "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان". ١٣ - قال الإمام النووي: القول الصحيح، والذي قاله المحققون: أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، ويراد نفي

стр. 216

كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، ثم قال: إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة، مستعمل فيها كثيرا. اهـ. والحق أن الذي ذهب إليه النووي أقوى التأويلات، وأحراها بالقبول. والله أعلم. هذا. وقد أثارت عبارة الراوي، وكان أبو هريرة يلحق معهن "ولا ينتهب نهبة ... " إلخ أثارت شكا في أن هذه العبارة موقوفة على أبي هريرة، أو مرفوعة إلى النبي ﷺ ، ولكن روايات الحديث في أماكن أخرى ترفع هذا الشك، وتصل النهبة بالحديث نسقا من غير فصل بقوله: "وكان أبو هريرة يلحق معهن". ففي البخاري: في الحدود " ... ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن". وقد رواه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "والذي نفس محمد بيده لا ينتهب أحدكم نهبة" الحديث فصرح برفعه. وبهذا لا يتطرق إلى هذه الفقرة احتمال الإدراج أو أنها موقوفة، ويصبح معنى العبارة: وكان أبو هريرة يلحق معهن رواية عن رسول الله ﷺ "لا ينتهب نهبة" إلخ. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - أن من زنى دخل في هذا الوعيد، سواء كان بكرا أو محصنا، وسواء كان المزني بها أجنبية أو محرما، ولا شك أن الزنا بالمحرم أفحش ومن المتزوج أعظم. وذكر بعض العلماء أن المقصود بالزنا التنبيه به على جميع الشهوات، قاله القاضي عياض. ٢ - وأن من سرق قليلا أو كثيرا يدخل في هذا الوعيد أيضا، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، فقد شرط بعض العلماء في كون السرقة كبيرة أن يكون المسروق نصابا، وإن كانت سرقة ما دون النصاب حراما. ٣ - وأن من شرب الخمر دخل في هذا الوعيد، سواء كان المشروب قليلا أم كثيرا لأن شرب القليل من الخمر معدود من الكبائر، وإن كان شرب الكثير الذي يخل العقل يترتب عليه من المحذور ما هو أفحش من شرب القليل. قال ابن بطال: هذا أشد ما ورد في شرب الخمر. والله أعلم.

стр. 217

(٣٦) باب خصال المنافق ١٠٩ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا. ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب. وإذا عاهد غدر. وإذا وعد أخلف. وإذا خاصم فجر". غير أن في حديث سفيان "وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق". ١١٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا اؤتمن خان". ١١١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب. وإذا عاهد غدر. وإذا وعد أخلف. وإذا اؤتمن خان". ١١٢ - عن العلاء بن عبد الرحمن يحدث بهذا الإسناد وقال "آية المنافق ثلاث. وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم". ١١٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ بمثل حديث يحيى بن محمد عن العلاء ذكر فيه "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم". -[المعنى العام]- يحذر ﷺ من خصال السوء التي لا تليق بالمسلم، يحذر من آفات اللسان والعمل والنية، يحذر من خمس خلال، يجعلها سمة المنافق، ويجعل وجودها دليلا على نفاق صاحبها، بل يجعل وجود الواحدة منها دليلا على وجود شعبة من شعب النفاق، يظل صاحبها يوصم بهذا الوصم حتى يتركها.

стр. 218

فيقول: صفات من كن فيه كان منافقا خالصا متمحضا للنفاق، بالغا فيه درجة عليا. أولاها: الكذب في الحديث، فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا. ثانيتها: الغدر في المعاهدات، والإخلال بالمواثيق، والنكث بعد إعطاء الأمان. ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ [الفتح: ١٠]. ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾ [النحل: ٩١، ٩٢]. ثالثتها: الخلف في الوعد بالخير، عن عزم وتصميم من حين إعطائه، وسوء النية والمراوغة في الوفاء به للإضرار بالناس. رابعتها: الفجور في المخاصمة، واللجاج في المطالبة بغير الحق، والمراء والجدال للوصول إلى حق الغير غلبة وبهتانا، اعتمادا على قوة اللسان واللحن في القول. خامستها: خامسة الأثافي خيانة الأمانة، ونقل العلم أمانة، ونقل الحديث أمانة والأزواج أمانة، والأولاد أمانة، والأموال أمانة، والعبادات أمانة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال: ٢٧]. بصفات السوء هذه تختل أمور الأمة، ويهتز بناؤها، وتفقد الثقة في أهلها، ويتحول رجالها من صادقين مصدقين إلى فسقة وفجرة ومنافقين، لهم عذاب جهنم وبئس المصير، أعاذنا الله منها، ووفقنا لما فيه رضاه. -[المباحث العربية]- (أربع من كن فيه كان منافقا) المعدود مؤنث محذوف، أي أربع من الخصال، أو أربع من الخلال. و"أربع" مبتدأ، سوغ الابتداء به وهو نكرة ملاحظة الوصف و"من" شرطية مبتدأ ثان والشرط والجواب خبرها، وجملتها خبر "أربع". والنفاق لغة مخالفة الظاهر للباطن، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، إلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه القول والفعل والترك، وتتفاوت مراتبه. (ومن كانت فيه خلة منهن) الخلة بفتح الخاء الخصلة، وبضم الخاء الصداقة المحضة التي لا خلل فيها، والمراد هنا الخصلة.

стр. 219

(إذا حدث كذب) مفعول "حدث" محذوف للتعميم، أي إذا حدث بأي حديث كذب فيه، أو الفعل منزل منزلة اللازم، أي إذا حصل منه تحديث حصل فيه كذب، وهذا الأسلوب مع التعبير بـ "إذا" يدل على تكرر الفعل، فيكون المقصود من الجملة من اعتاد ذلك، وصار له ديدنا. (وإذا عاهد غدر) "عاهده" أعطاه الأمان والموثق، و"غدره وغدر به" خانه ولم يف له بما التزم. (وإذا وعد أخلف) يقال: وعدته خيرا، ووعدته شرا، فإذا حذفوا المفعول الثاني [خيرا. شرا] قالوا في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته. قاله صاحب المحكم. (وإذا خاصم فجر) خاصمه مخاصمة: غالبه في الجدل، وكثر في المجادلة على الحقوق المالية لدي الحكام، والفجور الميل عن الحق، والانبعاث في المعاصي والخروج عن الحدود الشرعية. (وإن كانت فيه خصلة منهن) الخصلة بفتح الخاء: الخلة، والفضيلة والرذيلة، وغلبت الخصلة على الفضيلة، واستعمالها هنا من غير الغالب. (آية المنافق ثلاث) الآية العلامة، وكان الظاهر أن يقول: آيات المنافق ثلاث، لأن كل خصلة آية، لكنه أفرد على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث لا بواحدة منها، والأول أليق بقول الرسول ﷺ "ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق". (من علامات المنافق ثلاثة) هكذا هو في الأصول بتأنيث العدد، بناء على أنه إذا حذف المعدود جاز تذكير العدد وتأنيثه، ويقدر المعدود هنا مذكرا، فكأنه قال: ثلاثة أوصاف، أو ثلاثة أمور مثلا. (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) جواب الشرط محذوف للعلم به، والتقدير: وإن صام وصلى فآية نفاقه ثلاث. -[فقه الحديث]- يحصل من مجموع الروايات خمس خصال: ١ - الكذب في الحديث. ٢ - والغدر في المعاهدات. ٣ - والخلف في الوعد. ٤ - والفجور في المخاصمة. ٥ - والخيانة في الأمانة.

стр. 220

وهذا يتعارض مع ظاهر قوله ﷺ "أربع من كن فيه" وقوله في الرواية الثانية "آية المنافق ثلاث" بل الروايتان تعارض كل منهما الأخرى، وقد حاول بعض العلماء رفع هذا التعارض، فقال القرطبي: يحتمل أنه استجد له ﷺ من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. اهـ أي فأخبر أولا بالأقل، ثم أخبر بالأكثر. وقال الحافظ ابن حجر ما حاصله: يحتمل أن تكون العلامات الثلاث دالات على أصل النفاق، والخلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق. اهـ. وهذا الجمع من الحافظ ابن حجر إنما بناه على روايتي البخاري، وليس فيهما "إذا وعد أخلف" وحاول الخروج من روايتي مسلم بأن الغدر في المعاهدة والخلف في الوعد معناهما قد يتحد، فعدهما خصلة واحدة، وقال: كأن بعض الرواة تصرف في لفظه، والمزيد خصلة واحدة ومجموع الخصال الواردة أربع. اهـ. والمحقق في هذا الاحتمال يستبعده، لأن تصرف بعض الرواة في اللفظ إنما يحتمل في الروايتين المختلفتين، أما الرواية الواحدة التي تعدد خصلتين فاحتمال التصرف من الرواة بعيد. والأولى في الجواب أن يقال: إن كل واحدة من الخمس علامة من علامات النفاق، بل الخمس من علامات النفاق، فهي أكثر من ذلك، إذ منها الملق وإظهار الرضا والإعجاب بالرؤساء مع بغضهم وكراهيتهم، فالأربع إذا اجتمعت في شخص كان منافقا خالصا، وإذا وجدت فيه خصلة منها كان فيه خصلة من النفاق، وهناك غير هذه الأربع ما هو من علامات النفاق، أما رواية: "آية المنافق ثلاث" فهي على تقدير "من " أي من آيات المنافق الكثيرة ثلاث، يدل على ذلك ما ورد في الرواية الثانية "من علامات المنافق ثلاثة". والمقصود من هذه الخصال المذكورة التنبيه على ما عداها من خصال النفاق، إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فنبه على فساد القول بالكذب، والفجور في المخاصمة، وعلى فساد الفعل بالخيانة في الأمانة والغدر في المعاهدة، وعلى فساد النية بالخلف في الوعد، لأن الخلف في الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد، أما لو كان عازما على الوفاء ثم عرض له مانع، أو بدا رأي، فهذا لا توجد فيه صورة النفاق قاله الغزالي في الإحياء، وقد ورد عند الترمذي وأبي داود" إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف، فلا إثم عليه". وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه واجب، استدلالا بهذا الحديث، وبقوله تعالى: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٣]. والتحقيق أن حكمه يختلف باختلاف الموعود به، والأثر المترتب على الإخلاف. ولا شك أن المراد بالوعد المطلوب الوفاء به الوعد بالخير، أما الوعد بالشر فيستحب إخلافه، بل قد يجب إخلافه.

стр. 221

وأما الكذب في الحديث الذي هو علامة من علامات المنافق فهو الكذب المتعمد الذي يترتب عليه ضرر، أما المبالغة في الوصف، أو في الإخبار عن أحوال ماضية، مما يخالف الواقع ولا يترتب عليه ضرر، فهذا وإن كان كذبا في الصورة، وإن كان ينبغي الحذر منه، إلا أنه لا يأثم كثيرا بسببه ولا يكون به منافقا. وللغزالي كلام نفيس في هذا الموضوع لا بأس باقتباس بعضه، قال: إن الكذب ليس حراما لعينه، بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره. ثم نقل عن ميمون بن مهران قوله: الكذب في بعض المواطن خير من الصدق. أرأيت لو أن رجلا سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله ظلما، فدخل دارا فانتهى إليك، فقال: أرأيت فلانا؟ ما كنت قائلا؟ ألست تقول: لم أره؟ وهذا الكذب واجب. ثم قال الغزالي: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا، كما أن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب، أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المحني عليه إلا بكذب فالكذب مباح. إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن، لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه، فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه، وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة، فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة. اهـ. وأما الغدر في المعاهدة فهو قبيح مذموم عند كل أمة. قال الحافظ ابن حجر: والغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي. اهـ. وقد أمر الله المسلمين بالوفاء بعهدهم للمشركين فقال: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين﴾ [التوبة: ٤]. وأما المخاصمة فهي لجاج في الكلام ليستوفى به مال أو حق، والفجور فيها يكون بمحاولة الوصول إلى مال الغير وإلى غير الحق، فالمخاصمة تكون على ثلاثة أحوال: مخاصمة للوصول إلى حق، ومخاصمة بغير علم، ومخاصمة للوصول إلى حق الغير. أما المخاصمة للوصول إلى حق فالأولى تركها، حيث أمكن الوصول إليه بغيرها، لأنها تشوش الخاطر، وتنغص القلوب، وتوغر الصدور، وتهيج الغضب، إذ فيها تعريض بالطعن والتجهيل والتكذيب، وفيها تفويت لطيب الكلام، ولين الخلق مفتاح باب الجنة. وأما المخاصمة بغير علم فهي مذمومة لما فيها من الأضرار السابقة، وزيادة عدم الهدف والغرض الصحيح. وأما المخاصمة للوصول إلى حق الغير فهي الحالة المقصودة من الحديث "إذا خاصم فجر" أي مال عن الحق قصدا، وتلك سمة المنافق.

стр. 222

وأما الخيانة في الأمانة فهي حرام باتفاق، سواء كانت الأمانة بين العبد وربه كالفرائض التي هي أمانة لدى الأمة، أو بين الناس بعضهم بعضا. وقد أثار العلماء على الحديث إشكالا، حكاه الإمام النووي فقال: إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء [أي من أهل السنة] على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف ﵇ جمعوا هذا الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، ثم قال جوابا عن هذا الإشكال: الذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار، أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه، أو وعده، أو ائتمنه، أو خاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار. قال الحافظ ابن حجر: ومحصل هذا الجواب حمل تسميته منافقا على المجاز، أي صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو مبني على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عن الإشكال: إن المراد بالنفاق نفاق العمل. وهذا الذي ارتضاه القرطبي، واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم في شيئا من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل. وقيل: المراد بإطلاق النفاق إنذار المسلم وتحذيره من أن يرتكب هذه الخصال فيعتادها فتفضي به إلى حقيقة النفاق. وهذه الأجوبة مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومن العلماء من ادعى أنها للعهد، وأن الحديث في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي ﷺ ، جريا على عادة النبي ﷺ في عدم المواجهة بتصريح القول، فلم يكن يقول: فلان منافق، وإنما كان يعرض بالأفعال كقوله ﷺ : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء"؟ قال الحافظ ابن حجر: وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي. اهـ. ونحن نميل إلى ما اختاره النووي، ولا يضر قوله "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" إذ المعنى أنه شيبه بالمنافق، وإن قام بشعائر الإسلام وأركانه الظاهرة وأعلن أنه مسلم، فقد كان المنافقون الحقيقيون يفعلون ذلك. وهذه الجملة في الرواية الأخيرة تأكيد للتنفير من هذه الخلال، والتحذير من ملابستها لإشعارها بأن الصوم والصلاة، وبقية الأركان لا تحمي الإسلام من الزعزعة والضعف، ولا تحول دون مشابهة مرتكب الخلال الخمس بالمنافقين ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: ٦٣].

стр. 223

(٣٧) باب إيمان من قال للمسلم: يا كافر ١١٤ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما". ١١٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "أيما امرئ قال لأخيه: كافر. فقد باء بها أحدهما. إن كان كما قال. وإلا رجعت عليه". -[المعنى العام]- سباب المسلم كقتله، وتكفيره كالكفر، وما من رجل يرمي مسلما ظلما بفسق أو بكفر إلا هيأ الله له ملكا يدافع عنه، ويرد عنه الشتم والسب. وقد ورد أن رجلا أخذ يسب أبا بكر الصديق في حضرة النبي ﷺ وأبو بكر صامت لا يرد، حتى فاض به الكيل، فرد شتمة، فقام النبي ﷺ مغضبا، فتعلق به أبو بكر، وقال: يا رسول الله، يشتمني وتسكت، فلما أرد مرة على مرات تغضب وتقوم؟ فقال: يا أبا بكر. كان يشتمك وملك يرد عنك، فلما رددت خرج الملك ودخل الشيطان. نعم. إذا كفر المسلم أخاه المسلم، وإذا قال مؤمن: لمؤمن: يا كافر. فإن كان كافرا حقا كفرا شرعيا، فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن كان ليس كما قال كان القائل هو المستحق لمعرة الكفر، وارتدت عليه كلمته. وقد أخرج أبو داود بسند جيد عن النبي ﷺ قوله "إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، إن كان أهلا، وإلا رجعت إلى قائلها". فليحذر المسلم السب واللعن والتكفير وبذاءة اللسان، فليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء، ورحم الله عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم. -[المباحث العربية]- (إذا كفر الرجل أخاه) كفره أكفره ففي القاموس: أكفره دعاه كافرا. أي إذا دعا الرجل أخاه

стр. 224

بالكفر، وناداه بكلمة "يا كافر" كما جاء في الرواية الثانية، أو إذا نسب إليه الكفر، وأسنده إليه، فقال: أنت كافر أو فلان كافر، والمراد من الأخوة: الأخوة في الإسلام، وعبر بلفظ "أخاه" ولم يقل: إذا كفر الرجل مسلما، لزيادة التنفير من هذا الفعل القبيح، لأن شناعة سب الأخ فوق شناعة سب البعيد، والتعبير بالرجل لما أنه الأصل في خطاب الشرع، والنساء محمولات على الرجال في الخطاب الشرعي، إلا ما ورد خاصا بهن، فمثل إكفار الرجل أخاه إكفار الرجل أخته، وإكفار المرأة أخاها أو أختها. (أيما امرئ قال لأخيه: كافر) "أي" اسم شرط مبتدأ، و"ما" زائدة و"امرئ" مضاف إليه، وحركة الراء فيه تابعة لحركة إعرابه فتفتح في النصب، وتضم في الرفع، وتكسر في الجر كما هنا. و"كافر" ضبطه النووي بالرفع والتنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو كافر، ورواية البخاري "يا كافر" على النداء، والبناء على الضم، لأنه نكرة مقصودة. (فقد باء بها أحدهما) ضمير "بها" لكلمة التكفير، و"باء" بمعنى رجع، والمراد بأحدهما القائل أو المقول له، والجملة جواب الشرط، والمعنى من قال لأخيه المسلم: يا كافر فقد رجع بهذه الكلمة المقول له أو القائل، ثم بين رجوع أحدهما بهذه الكلمة، فقال: (إن كان كما قال) اسم "كان" ضمير الأخ، و"كما قال" خبر "كان" وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كان الأخ المقول له كافرا في الواقع ونفس الأمر فقد باء بالتكفير. (وإلا رجعت عليه) أي وإن لم يكن الأخ كافرا رجعت كلمة التكفير على قائلها و"إن" شرطية مدغمة في "لا" النافية، وفعل الشرط محذوف للعلم به من سابقه، وفاعل "رجعت" ضمير مستتر يعود على كلمة التكفير. -[فقه الحديث]- من نسب الكفر إلى مسلم، لا يخلو حاله من أحد أمور أربعة: (أ) أن لا يقصد النسبة الحقيقية، بأن يقولها عفوا، وجريا على لسانه أو هزلا ومداعبة، فهذا آثم بلا خلاف، لأن في طهارة الألفاظ متسعا للهزل والمداعبة وبسط الكلام، لكنه ليس بكافر، ولا يبوء بهذه الكلمة أحدهما وليس مقصودا بهذا الحديث. (ب) أن يقصد النسبة الحقيقية، لكنه يجهل حكم من كفر أخاه، فهذا آثم إثما أكبر، لأنه لا يجوز طعن مسلم - خصوصا بالكفر- إلا بعد التحقق والتأكد بجميع الوسائل والبراهين، لكنه ليس بكافر، ولا يدخل في الحديث لجهله. (جـ) أن يقصد النسبة الحقيقية، ويعلم الحكم، لكن له وجهة نظر دينية في هذه النسبة كقولنا:

стр. 225

الخوارج كافرون وإسنادنا بعض الشيعة للكفر، فهذه الحالة لا تدخل معنا في هذا الحديث، والتحرز منها أولى من الوقوع فيها. (د) أن يقصد النسبة الحقيقية والسب والطعن، بغير تأويل، وهو يعلم النهي عن تكفير المسلم، وهذه الحالة هي المقصودة بالحديث، ولا شك أنها كبيرة، وللخوارج أن يتمسكوا بالحديث في تكفيرهم مرتكب الكبيرة. ولما كان أهل السنة لا يكفرون المسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا والسرقة والخمر، فإنهم لا يكفرونه بالسب واللعن، ولو كان بلفظ الكفر، ما دام هذا القائل لا يعتقد بطلان دين الإسلام، ولهم في تأويل هذا الحديث عدة أوجه: الأول: أنه محمول على المستحل لذلك، وكل مستحل للكبيرة المعلوم حرمتها من الدين بالضرورة كافر، ويكون معنى الحديث: من استحل تكفير المسلم وكان المقول له مسلما في الواقع ونفس الأمر، فقد رجع عليه الكفر وبالتكفير صار كافرا. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الوجه بعيد من سياق الحديث. الثاني: أن الحديث محمول على الخوارج الذين كفروا أجلة الصحابة وأمثال الخوارج ممن يكفرون من لا شبهة في إسلامهم، وهذا الوجه نقله القاضي عياض عن الإمام مالك بن أنس، قال الإمام النووي: وهو ضعيف لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون، كسائر أهل البدع. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: ولما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يكفر كثيرا من الصحابة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وبالإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل. اهـ. والمحقق في دفاع الحافظ ابن حجر يجد هذا الوجه لا وجه له، لأن رد حديث الشهادة بالجنة لا يكفر لأنه غير متواتر، ولا يلزمه تكذيب النبي ﷺ . الثالث: أنه يخشى عليه من أن يؤول به هذا التكفير إلى الكفر، كما قيل: المعاصي بريد الكفر، أي واسطته وطريقه، فيخاف على من أدامها وأصر عليها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر ولا يخفى ما في هذا الوجه من التكلف. الرابع: أن المراد كفر النعمة، وقد ورد الكفر في الشرع بمعنى جحد النعم في حديث "يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير" فكأن المعنى: من قال لأخيه: يا كافر فقد ترك شكر نعمة الإسلام، ولم يقم بحقها، ويضعف هذا الوجه أن الكفر حيث أطلق في لسان الشرع فهو جحد المعلوم من الدين بالضرورة. الخامس: أن في الكلام مضافا محذوفا، والتقدير: فقد باء بها أي بإثمها ونقيصتها ومعصيتها أحدهما، وهذا الوجه قليل التكلف، ولا بأس به.

стр. 226

السادس: أن معناه فقد رجع عليه تكفيره لأخيه، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير، لأن من جعل أخاه كافرا فكأنه كفر نفسه، لأنه كفر من هو مثله، ولأنه فعل ما لا يفعله إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام. وهذا الوجه قريب من الوجه الخامس. السابع: قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم. فالمقصود التغليظ والتخويف والردع، وليس رجوع الكفر إلى قائله. هذا حكم القائل الذي لم يطابق قوله الواقع، فإن كان صادقا فيما قال وكان المقول له كافرا في حقيقة الأمر، أو كان المقول له: يا فاسق فاسقا بالفعل، فإنه لا يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال، ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك كافرا أو فاسقا أن لا يكون آثما، بل في هذه الصورة تفصيل: إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز. وإن قصد تعييره: والتشهير به، ومحض أذاه لم يجز، لأنه مأمور بالستر عليه وتعليمه وعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف، لأن العنف قد يكون سببا في إغرائه وإصراره على ذلك الفعل، كما في طبع كثير من الناس من الأنفة، لا سيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة. والله أعلم

стр. 227

(٣٨) باب إيمان من ادعى لغير أبيه ومن ادعى ما ليس له ١١٦ - عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه، إلا كفر. ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار. ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك. إلا حار عليه". ١١٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال "لا ترغبوا عن آبائكم. فمن رغب عن أبيه فهو كفر". ١١٨ - عن أبي عثمان. قال: لما ادعي زياد، لقيت أبا بكرة فقلت له: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله ﷺ وهو يقول: "من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه، يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام". ١١٩ - عن أبي عثمان، عن سعد وأبي بكرة، كلاهما يقول: سمعته أذناي. ووعاه قلبي. محمدا ﷺ . يقول "من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام". -[المعنى العام]- كان من عادات أهل الجاهلية القبيحة ومن صور نكاحهم الشاذ الفاسد أنهم كانوا يجتمعون رهطا دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومضت ليال، أرسلت إليهم، فاجتمعوا عندها. فقالت: قد ولدت، فهو ابنك يا فلان، فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع، ولا قيمة لزوجها الحقيقي، ومن ذلك نكاح الإماء البغايا حيث كن ينصبن الرايات على أبوابهن، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت ألحقوا ولدها بالذي يراه القائف، فيكون ابنه، يستحق جميع حقوق الأبناء الحقيقيين. وجاء الإسلام فأبطل كل هذه القبائح، وجعل الولد للفراش منسوبا إلى الزوج، فإذا قام رجل، فقال: يا رسول الله. إن فلانا ابني عاهرت بأمه في الجاهلية قال له

стр. 228

صلى الله عليه وسلم: لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر، ومنع التبني منعا قاطعا. وكان زياد ابن أبيه، أو زياد بن عبيد الثقفي كان ابن سمية، وكانت أمة للحارث بن كلدة، زوجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه، وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف ونبغ زياد، وصار ملء السمع والعين، بلاغة وقوة رأي، وسمعه أبو سفيان يتكلم، فأعجب بفصاحته - وذلك في خلافة عمر- فقال: إني لأعرف من وضعه في أمه، ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، وكان يقصد من ذلك رغبته في استلحاقه وتبنيه. فلما ولي معاوية الخلافة كان زياد واليا على فارس من قبل علي - كرم الله وجهه- فأراد معاوية مداراته واستمالته، فأرسل إليه أنه أخوه، وأبلغه دخيلة أبي سفيان في استلحاقه، وأطمعه في أن يلحق بأبي سفيان، ويعلن للناس أنه أخوه، فأصغى زياد إلى ذلك، ورأى أنه سينال به حظوة وشرفا، وتم الاستلحاق، وادعاه معاوية وألحقه بأبي سفيان، وصار من جملة أصحابه بعد أن كان من أصحاب علي، وأمره معاوية على البصرة، ثم على الكوفة وأكرمه، فأنكر كثير من الصحابة والتابعين هذا العمل، محتجين بحديث "الولد للفراش" وإبطال الادعاء والتبني. وكان أبو عثمان أحد المنكرين، التقى بأبي بكرة، ابن سمية، أخي زياد لأمه فقال له: كيف خالفتم الشريعة؟ وكيف اجترأتم على حدود الله؟ وكيف قبلتم هذا الإلحاق؟ ألم تسمعوا قول رسول الله ﷺ : لا ترغبوا عن آبائكم، ولا تتحولوا عنهم إلى غيرهم، فمن رغب عن أبيه، وانتسب إلى غيره فقد كفر، والجنة عليه حرام، ومن ادعى شيئا ليس له فليس مستقيما على شريعة الإسلام، وسيتبوأ منزلا من النار؟ . قال أبو بكرة: مهلا يا أبا عثمان، فقد سمعت أذناي هذا الحديث من رسول الله ﷺ ووعاه قلبي، وأنكرت هذا الفعل مثل ما أنكرت، وخاصمت فيه زيادا وهجرته، وحلفت أن لا أكلمه أبد الدهر، ولست أملك تغيير هذا المنكر بأكثر مما فعلت، والله المستعان على ما يصفون. -[المباحث العربية]- (ليس من رجل) "من" زائدة والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها. (ادعى لغير أبيه) "ادعى" بفتح الدال والعين، ومفعوله محذوف، والتقدير: ادعى نسبا لغير أبيه، والجملة صفة "رجل". (وهو يعلمه) أي وهو يعلم أباه الحقيقي، أو وهو يعلم أنه غير أبيه. والثاني أولى للتصريح في الرواية الثالثة والرابعة، وجملة "وهو يعلمه" حال من فاعل "ادعى". (إلا كفر) الاستثناء مفرغ من عموم الأخبار، وجملة "كفر" خبر، والتقدير: ليس

стр. 229

رجل مدع غير أبيه مخبرا عنه بخبر ما إلا بكفره، وبرفع النفي والاستثناء يصير المعنى: الرجل الذي يدعي غير أبيه كافر. (ومن ادعى ما ليس له) "من" اسم شرط مبتدأ، و"ادعى" فعل الشرط و"ما" موصولة مفعول "ادعى" و"ليس له" لا محل له من الإعراب صلته، أو نكرة موصوفة، مفعول "ادعى" أيضا وجملة " ليس له" صفة، والتقدير: ادعى شيئا ليس له. (فليس منا) معشر المسلمين، والجملة جواب الشرط. (وليتبوأ مقعده من النار) يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه مسكنا، فالمعنى ليتخذ لنفسه منزلا من نار جهنم: وهو أمر بمعنى الخبر، أي ليس منا وسيتخذ منزلا له في نار جهنم أو بمعنى التهديد، كقوله ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] أو بمعنى التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك، أي بوأه الله ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: من ادعى ما ليس له فليأمر نفسه بالتبوؤ. والوجه الأول أولى. (ومن دعاء رجلا بالكفر) أي ناداه بكلمة: يا كافر. (أو قال: عدو الله) ضبطه النووي على وجهين: رفع "عدو" على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو عدو الله، ونصبه على النداء، أي يا عدو الله، والنصب أرجح. (وليس كذلك) أي وليس من دعي بالكفر كما قال الداعي. (إلا حار عليه) "حار" و"رجع" و"باء" بمعنى واحد، وهذا الاستثناء واقع على المعنى، والتقدير" ما يدعوه أحد بالكفر وهو ليس بكافر إلا رجع الكفر على الداعي. (لا ترغبوا عن آبائكم) يقال: رغب في كذا إذا مال إليه وأقبل عليه، ورغب عن كذا إذا انصرف عنه وأعرض، فالمعنى: لا تتحولوا عن النسبة لآبائكم. (فمن رغب عن أبيه فهو كفر) الأصل فهو كافر، ففيه الإخبار بالمصدر للمبالغة كأنه نفس الكفر، كقولهم زيد عدل أي عادل. (لما ادعي زياد) ضبطه النووي بضم الدال وكسر العين، مبني للمجهول أي ادعاه معاوية، وضبطه بعضهم بفتح الدال والعين، على أن زيادا هو الفاعل، وتوجيهه أن معاوية ادعاه، وصدقه زياد في ادعائه، فصار زياد مدعيا أنه ابن أبي سفيان "راجع المعنى العام". (سمع أذناي) هكذا ضبطه النووي بكسر الميم وفتح العين، وأذناي بالتثنية، والأذن مؤنث مجازي، يجوز تذكير الفعل معه وتأنيثه، وضبطه بعضهم موافقا النووي في "سمع" لكن ضبط

стр. 230

"أذني" بلفظ الإفراد، وضبطه بعضهم "سمع أذني" بإسكان الميم وفتح العين على المصدر، و"أذني" بالإفراد، وضبطه بعضهم كذلك لكن برفع "سمع". قال النووي: وكلها صحيحة ظاهرة. والمسموع هو متن الحديث "من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه ... " إلى آخر الحديث. وجملة "وهو يقول" حال من "رسول الله ﷺ ". (سمعته أذناي ووعاه قلبي) أي حفظه قلبي، والمقصود من هاتين الجملتين التوثيق بالرواية، وتأكيد إسناد الحديث إلى رسول الله ﷺ . (محمدا ﷺ بنصب "محمدا" على البدل من ضمير المفعول في "سمعته أذناي" وبإحلال البدل محل المبدل منه يصبح التركيب سمعت أذناي محمدا ﷺ يقول. -[فقه الحديث]- كان العرب في الجاهلية يستبيحون أن يتبنى الرجل ولد غيره، فلا ينسب الولد إلى أبيه الحقيقي، وإنما ينسب إلى الذي تبناه، ويصبح له حق الولد من النسب من جميع النواحي، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما﴾ [الأحزاب: ٤، ٥] فحرم التبني ووجبت نسبة كل واحد إلى أبيه الحقيقي، لكن العادات العربية المتأصلة المتركزة لم يكن من السهل اقتلاعها دون تخويف ووعيد، فجاءت هذه الأحاديث مهددة منذرة بالكفر وبتحريم الجنة. وقد سبق القول بأن أهل السنة لا يكفرون المسلم بارتكابه المعاصي، فحملوا هذا الحديث على المستحل، والمستحل كافر، والجنة عليه حرام. وقد قدمنا في الحديث السابق تأويلات صالحة لهذا الحديث. ونزيد هنا تأويلا لقوله، "فالجنة عليه حرام" إذ قيل في معناه أنها محرمة عليه أولا عند دخول الفائزين وأهل السلامة، ثم إنه قد يجازى، فيمنعها عند دخولهم، ثم يدخلها بعد ذلك وقد لا يجازى، بل يعفو الله عنه. ذكره النووي في شرح مسلم. والحديث يقيد الحكم بالعلم، وهذا القيد لا بد منه، لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمد له، وهل يدخل في هذا الوعيد كل من انتسب إلى غير أبيه، مهما كان قصده من الانتساب، وبغض النظر عن الآثار المترتبة عليه؟ أو هو خاص بالانتساب الذي هو على شاكلة انتساب أهل الجاهلية، والذي يترتب عليه آثار غير شرعية من الإرث وغيره. الحق أن هذا الوعيد خاص بالحالة الثانية، أما من رغب عن الانتساب لأبيه لمعرة فيه، أو

стр. 231

انتسب لأخواله للافتخار والتشرف والتباهي، أو انتسب لأحد أفراد عائلته لشهرته، فكل هؤلاء لا يدخلون في الوعيد، وإن كانوا لا يخلصون من إثم ومؤاخذة. وإنما خص أبو عثمان أبا بكرة بالإنكار، لأن زيادا كان أخاه من أمه فحمل أبو عثمان أبا بكرة بعض تبعة إلحاق زياد بأبي سفيان، ولعله كان يجهل أن أبا بكرة بريء من هذا الفعل، وأنه أنكره بشدة، وهجر بسببه زيادا، وحلف أن لا يكلمه أبدا، ولعله أراد من قوله "ما هذا الذي صنعتم"؟ أراد "ما هذا الذي صنعه أخوك زياد"؟ وأما قوله ﷺ : "ومن ادعى ما ليس له، فليس منا وليتبوأ مقعده من النار" فهو أعم من الأول، لأنه يشمل من ادعى أبا غير أبيه، كما يشمل من ادعى أي شيء له، فيدخل فيه جميع الادعاءات الباطلة، سواء كانت مالا أو علما أو نسبا أو قوة أو شرفا أو حالا أو صلاحا أو نعمة أو ولاء أو غير ذلك. ومعنى قوله: "ليس منا" أي ليس على هدينا وجميل طريقتنا، كما يقول الرجل لابنه: لست مني، فإنه لا يقصد نفي الصلة كلية، فالقصد أنه منحرف عن النهج القويم، وليس القصد التبري. وليس معنى "وليتبوأ مقعده من النار" أن دخوله النار حتمي، بل معناه أن هذا جزاؤه إن جوزي، وقد يعفى عنه، وقد يوفق للتوبة فيسقط عنه ذلك. -[ويؤخذ من الحديث.]- ١ - تحريم التهرب والانتفاء من النسب المعروف. ٢ - تحريم الانتساب إلى غير الأب الحقيقي. ٣ - حرص السلف الصالح على إنكار المنكر. ٤ - تحريم دعوى ما ليس له في كل شيء سواء تعلق به حق لغيره أم لا. ٥ - أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به الحاكم إذا كان لا يستحقه، ويزداد التحريم كلما زادت المفسدة المترتبة على هذا الادعاء. ٦ - أنه يحرم نداء المسلم بلفظ الكفر، أو بلفظ عدو الله ونحوه، وقد تقدم توضيح هذا في الحديث السابق. والله أعلم.

стр. 232

(٣٩) باب إيمان من يسب أخاه ومن يقاتله ١٢٠ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "سباب المسلم فسوق. وقتاله كفر". وبمثله. ١٢١ - عن جرير ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ في حجة الوداع: "استنصت الناس" ثم قال "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". وبمثله. ١٢٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع "ويحكم (أو قال. ويلكم) لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". -[المعنى العام]- دخل رسول الله ﷺ على مجلس من مجالس الأنصار، وفيه رجل من الأنصار قد عرف بالبذاء ومشاتمة الناس. فقال رسول الله ﷺ : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، فقال ذلك الرجل: والله لا أسب رجلا.

стр. 233

ولما نزل قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] في أيام الحج عرف أنه الوداع، فأمر براحلته يوم النحر فرحلت وأعدت، فركب، فوقف بالعقبة واجتمع الناس إليه، فأمر جريرا أن يطلب منهم الإنصات فأنصتوا، فخطبهم بما يهمه وحذرهم مما يخشى عليهم منه بعد مماته، فقال: أيها الناس أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قالوا بلى، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فسكت، حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قالوا بلى، قال: أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فسكت، حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. قال أليست بالبلدة الحرام؟ قالوا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع. أيها الناس: لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض. تلك وصية الوداع التي حرص ﷺ أن يبلغها للناس، لأنه كان يخشى الفتن التي قامت، وكم كان ﷺ يحذر منها، وكم قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب". "وإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر". "لا يحمل بعضكم السلاح على بعض". "من حمل علينا السلاح فليس منا". "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار". ولم يغن حذر من قدر، ووقعت الفتن كالليل المظلم، وتقاتل المسلمون حتى قتل منهم في معركة واحدة أكثر من عشرة آلاف مسلم، قتلوا جميعاً بأيد مسلمة كان لكل منهم وجهة نظر، بناها على اجتهاد واستنباط من دليل، ولا شك أن البعض مخطئ، والبعض مصيب، ولكن تحديد المخطئ والمصيب مشكل، ولا نقول إلا أن الجميع أصحاب رسول الله ﷺ ، وأمرهم إلى الله. وكل ما يعنينا من الحديث أنه أوعد وأنذر، وخوف وحذر، وأدى ﷺ الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وشهد الله بذلك والملائكة وأولوا العلم. فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (سباب المسلم فسوق) يقال: سبه يسبه سباً وسباباً طعنه وشتمه، والفسوق الخروج عن حدود الله، و"سباب" مصدر مضاف إلى الفاعل مع حذف المفعول، والأصل: أن سب المسلم المسلم فسوق، أو مضاف للمفعول، والأصل: سبابكم المسلم فسوق، والأول أظهر. (وقتاله كفر) أي مقاتلة المسلم المسلم وحمل السلاح عليه كالكفر. (في حجة الوداع) قال النووي: المعروف في الرواية "حجة الوداع" بفتح الحاء، وقال

стр. 234

الهروي وغيره من أهل اللغة: المسموع من العرب في واحدة الحجج حجة بكسر الحاء. قالوا: والقياس فتحها لكونها اسما للمرة الواحدة، وليست عبارة عن الهيئة حتى تكسر. قالوا: فيجوز الكسر بالسماع، والفتح بالقياس. اهـ وسميت حجة الوداع لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها. (استنصت الناس) أي اطلب من الناس أن ينصتوا ليسمعوا الخطبة، يقال: نصت ينصت وأنصت ينصت إذا سكت. (لا ترجعوا بعدي كفارا) وفي رواية للبخاري "لا ترتدوا" وفي رواية أخرى له أيضا "لا ترجعن" ومعنى "بعدي" بعد فراقي من موقفي هذا، أو "بعدي" أي خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به، أو يكون النبي ﷺ قد تحقق أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد مماته. حكاه القاضي عياض. (يضرب بعضكم رقاب بعض) روي بجزم "يضرب" في جواب النهي وروي برفعه على أن الجملة لا محل لها من الإعراب مستأنفة، أو في محل نصب على الحال. وضرب الرقاب كناية عن القتل، فالمراد يقاتل بعضكم بعضا. (ويحكم - أو قال: ويلكم) شك من الراوي، اسم فعل ماض، وفي القاموس: وي كلمة تعجب، وويح وويل أصله "وي" فوصلت بحاء مرة ولام أخرى. اهـ. وقال القاضي عياض: ويح وويل كلمتان استعملتها العرب بمعنى التعجب والتوجع. قال سيبويه: "ويل" كلمة لمن وقع في هلكة، و"ويح" ترحم، وحكي عنه "ويح" زجر لمن أشرف على الهلكة. وقال الهروي: "ويح" لمن وقع في هلكة لا يستحقها، فيترحم عليه، ويرثى له، و"ويل" الذي يستحقها ولا يترحم عليه. اهـ. والمناسب للحديث ما حكي عن سيبوبه، وأن الرسول ﷺ قالها زجرا للأمة وإشفاقا عليها لإشرافها على الهلكة ومقاتلة بعضها بعضها. -[فقه الحديث]- لا خلاف في أن سباب المسلم فسوق وخروج عن حدود الدين، وتختلف درجة معصيته باختلاف لفظ السب وأثره، والحديث في ظاهره "سباب المسلم فسوق" يرد على الخوارج في دعواهم تكفير مرتكب الكبيرة، إذ الوصف بالفسق غير الوصف بالكفر شرعا، اللهم إلا أن يجعلوا الفسوق بمعنى الخروج عن الدين كلية، وهو بعيد.

стр. 235

أما وصف قتال المسلم بالكفر فقد أوله أهل السنة بالتأويلات المتقدمة في الحديث الأسبق، وزادوا: ١ - أن المراد من "لا ترجعوا بعدي كفارا" أي لا تكفروا بل دوموا مسلمين، فهو نهي عن الردة، وهذا التأويل لا يصلح في لفظ "وقتاله كفر". ٢ - حكى الخطابي أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه، فمعنى لا ترجعوا بعدي كفارا: لا تلبسوا السلاح لبعضكم بعضا بعدي، وهذا التأويل لا يصلح في لفظ "وقتاله كفر" إذ لا معنى لقولنا: قتال المسلم لبس للسلاح. ٣ - قال الخطابي: "لا ترجعوا بعدي كفارا" معناه لا يكفر بعضكم بعضا، فتستحلوا قتال بعضكم بعضا، وهذا التأويل أيضا لا يصلح للرواية الأولى. قال الحافظ ابن حجر: وأقوى التأويلات في إطلاق الكفر على قتال المؤمن أنه أطلق عليه مبالغة في التحذير من ذلك، لينزجر السامع عن الإقدام عليه. اهـ. وهذا الحديث يفرض علينا تساؤلا عن موقف الصحابة حين قاتل بعضهم بعضا في موقعة الجمل وصفين وغيرهما، هل كانوا يجهلون هذه الأحاديث ووعيدها؟ أو أقدموا وهم يعلمونها ويؤولونها؟ . بسط القول في هذا التساؤل سيأتي إن شاء الله في كتاب الفتن، وخلاصته أن الصحابة كانوا - كما نعلم- ثلاث فرق: فرقة مع علي ﵁ وفرقة مع خصومه، وفرقة توقفت وفرت من الفتنة ولم تدخل المعارك وإن لم تسلم من دخانها أو شررها. أما الفرقتان الأولى والثانية فقد حملوا هذه الأحاديث على الذين يقاتلون من غير تأويل واجتهاد، وهم متأولون مجتهدون، فلا يدخلون في وعيدها. وأما الفرقة الثالثة فقد أحست أن هذا النذير شامل لرفع السلاح على المؤمن أيا كان نوعه، ما دام بغير الثلاث الواردة: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة. ومعهم أحاديث كثيرة في الفتن، منها ما رواه أحمد من حديث ابن مسعود في ذكر الفتنة. قلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك وادخل دارك، قلت: يا رسول الله. أرأيت إن دخل رجل على داري؟ قال: فادخل بيتك. قال قلت: أفرأيت إن دخل على بيتي؟ قال: فادخل مسجدك -وقبض بيمينه على الكوع- وقل ربي الله حتى تموت على ذلك. وفي رواية الطبراني "ليمسك بيده، وليكن عبد الله المقتول لا القاتل" والحقيقة أنه لو علم المتقاتلون هذا المصير الذي صار إليه أمرهم ما تقاتلوا سواء في ذلك منتصرهم ومهزومهم، فقد روي أن عليا ﵁ سار بين القتلى بعد انتهاء معركة الجمل، فأخذ يضرب فخذيه بيديه، وهو يقول: ياليتني مت قبل هذا، وكنت نسيا منسيا. فلنمسك عن إدانة هذا أو ذاك، وعن قولنا: لو كان كذا كان كذا وكذا، ولنقل: قدر الله وما شاء فعل.

стр. 236

(٤٠) باب الطعن في النسب والنياحة على الميت ١٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اثنتان في الناس هما بهم كفر. الطعن في النسب والنياحة على الميت". -[المعنى العام]- تعرض الحديث الأسبق لإيمان من رغب عن نسبه، وانتسب إلى غير أبيه وحكم عليه بالحرمان من الجنة، لاستيلائه بهذا الفعل على ما ليس له من حقوق ويتعرض هذا الحديث للطعن في النسب، ويحكم عليه بالكفر، لما قد يؤدي إليه من حرمان المسلم من حقوقه، وقد أحاط الإسلام النسب بسياج من الحصانة، وضرب عليه سوراً من الوقاية، يحميه من الشك ويدفع عنه الشبه، فلم يقبل نفي النسب لمجرد اختلاف الشبه، فهذا الأعرابي الذي يشك في الطفل الذي ولدته زوجته، ويقول لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، ولد لي غلام أسود وأنا أبيض. لقد رفض رسول الله ﷺ ما يرمي إليه الأعرابي من محاولة نفي النسب والطعن فيه، وقال له: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فمن أين ذلك اللون الأورق والآباء حمر؟ قال الرجل: لعله نزعه عرق وورث هذا اللون من جد بعيد. قال له ﷺ : لعل ابنك هذا نزعه عرق وورث هذا اللون الأسود من جد بعيد. وحمى الشارع زعزعة النسب مهما كانت الشكوك، فحكم بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر. وفي هذا الحديث يجعل الطعن في النسب كالكفر، لأن الكفر يؤدي إلى الحرمان الأخروي، والطعن في النسب يؤدي إلى الحرمان الدنيوي. أما النياحة على الميت، والبكاء عليه بصياح وعويل، وتعديد محاسنه والندبة بالويل والثبور إلخ، فإنه مما يغضب الرب، لما فيه من مظهر الاعتراض على القضاء، وعدم الرضا بالقدر، والسخط على ما شاء الله وما كان، ولا شك أن هذه الأعمال لا تليق بالمؤمن الشاكر على السراء، الصابر على الضراء. وإن كثيراً من النادبات تظن أن الوفاء للميت في إشعال نار العويل، وأن مظهر الحب والإخلاص في إرسال الصراخ ورفع الصوت والدعوة بدعوى الجاهلية، وما فكروا في أن هذا العمل يضر بهم وبصاحبهم، ولا يزيدهم في نفوس العقلاء إلا تجهيلاً وازدراء وتحقيراً. إن الإسلام يرسم طريق استقبال المصائب بنفس مطمئنة راضية، نفس محتسبة وإن آلمها المصاب، وأبكاها الحزن، ففي الحديث: توفي إبراهيم ابن نبينا ﷺ فدمعت عيناه ﷺ فقال: القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون.

стр. 237

هذا هو الإيمان يدعو إلى طهارة اللسان من السب والطعن، ومما يشعر بالاعتراض على اللطيف الحكيم الخبير. -[المباحث العربية]- (اثنتان في الناس) مبتدأ وخبر، و"أل" في "الناس" للجنس الصادق بالبعض، أي خصلتان موجودتان في بعض الناس. (هما بهم كفر) "هما" مبتدأ، و"بهم" جار ومجرور خبر، والجملة في معنى التأكيد للجملة الأولى، و"كفر" خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هما كفر، و"كفر" مصدر يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع. (الطعن في النسب) "الطعن" خبر مبتدأ محذوف، تقديره: "إحداهما" أو "هما" إن أريد مجموع المتعاطفين، واعتبرا من عطف المفردات. (والنياحة على الميت) النوح، والنواح، والنياح، والنياحة البكاء بصياح وعويل. -[فقه الحديث]- إثبات الكفر لصاحب هاتين الخصلتين مؤول عند أهل السنة، لأنهم -كما سبق- لا يكفرون بالمعاصي غير الشرك. والتأويلات السابقة في الأحاديث المتقدمة صالحة لتأويل هذا الحديث. وقال النووي: معناه أنهما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، وهذا التأويل قريب من القول بالتشبيه، أي خصلتان في الناس هما بهم شبيهتان بالكفر لأنهما من أعمال الجاهلية. والأحاديث في النهي عن النياحة كثيرة، وأهمها ما رواه البخاري. "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" وقد تكلم العلماء كثيرا في تعذيب الميت ببكاء أهله. والصحيح أنه يعذب بنياحة أهله إذا كان مولعا بها في دنياه، أو أمر أهله بها قبل موته، أو مات راضيا عنها. وقد كان العرب يوصون أهليهم بالنياحة، معتقدين أنها تزيدهم إكبارا وإعظاما, حتى قال طرفة ابن العبد: إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يا ابنة معبد أما إذا أدى ما عليه، ونهاهم عنه قبل موته، وأظهر لهم عدم رضاه عنه في حياته، فلا مؤاخذة عليه بفعل غيره. والله أعلم

стр. 238

(٤١) باب إيمان العبد الآبق ١٢٤ - عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي عن جرير أنه سمعه يقول "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم" قال منصور قد والله روي عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى عني ههنا بالبصرة. ١٢٥ - عن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة". ١٢٦ - عن الشعبي؛ قال: كان جرير بن عبد الله يحدث عن النبي ﷺ قال "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة". -[المعنى العام]- دعا الإسلام إلى حسن معاملة العبيد "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه". وشجع العبد على رعاية حقوق الله وحقوق سيده، ووعده الثواب المضاعف إن هو أخلص العمل، فقال ﷺ : "العبد إذا نصح سيده وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين"، وقال: "للعبد المملوك الصالح أجران". ورغب في عتق العبيد، وجعله كفارة وعبادة، ورغب في مكاتبته، ودعا إلى مساعدته في نجوم الكتابة ولو من الزكاة حق الفقراء والمساكين. وكما حرص الإسلام على حقوق العبيد حرص على حقوق أسيادهم، وكما وضح ما للعبد لم ينس ما عليه، إن السيد قد اشتراه بماله، فكان من حقه ألا يضيع منه هذا المال سدى وألا يغتصب هذا المال بفرار العبد وإباقه من سيده، وكان على العبد الذي يفعل ذلك أن يتحمل جزاءه، ليس الجزاء الدنيوي من أسياده فحسب، ولكن من مالك الأسياد والعبيد كذلك. فهذا الحديث الشريف يثبت له الكفر، أو القرب من الكفر مدة إباقه وهروبه، من حين يفر من مواليه وأسياده إلى حين عودته إليهم مختاراً أو مقبوضاً عليه.

стр. 239

ويرفع عنه الحصانة والحماية وحسن المعاملة التي أمر بها السيد، ويصبح لا ذمة له، ولا عهد، ولا حق، ولا ضمان. بل يحجب عنه ثواب أعماله الصالحة مدة هروبه، فإن صلى لم تقبل صلاته، وإن صام لا يثاب عن صيامه، وهكذا يغضب الله عليه طالما هو مغضب سيده، ولا يرضى عنه، ولا يقبل صالحاته إلا بعد عودته وتوبته واستقامته. -[المباحث العربية]- (عن الشعبي عن جرير أنه سمعه يقول) أي أن الشعبي سمع جريرا يقول. (أيما عبد) "أي" اسم شرط مبتدأ، و"ما" زائدة، و"عبد" مضاف إليه، والمراد من العبد الرقيق. (أبق من مواليه) "أبق" بفتح الباء وكسرها، لغتان، والفتح أفصح، إذ به جاء القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿إذ أبق إلى الفلك المشحون﴾ [الصافات: ١٤٠]. وفي القاموس: أبق العبد كسمع وضرب ومنع: استخفى ثم ذهب، والموالي جمع مولى وهو المالك. (قد -والله- روي عن النبي ﷺ القسم "والله" معترض بين حرف التحقيق "قد" وبين مدخوله، والأصل: والله قد روي هذا القول [أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم] عن النبي ﷺ . (فقد برئت منه الذمة) أي بعدت عنه الحرمة، فالمراد من الذمة ذمة الله ورسوله وضمانه ورعايته. (لم تقبل له صلاة) الظاهر أن القيد الوارد في الرواية الأولى ملحوظ هنا، والأصل لم تقبل له صلاة حتى يرجع. -[فقه الحديث]- الرواية الأولى تفيد أن الحديث موقوف على جرير، والحقيقة أن جريرا رفعه إلى النبي ﷺ ، وأن منصورا سمعه من الشعبي مرفوعا، لكنه خشي أن يصرح برفعه بالبصرة، وهي مليئة بالخوارج خشية أن يتلقفوه فيتعلقوا به استدلالا على مذهبهم القائل بتكفير أهل المعاصي، في حين أنه كأهل السنة لا يقول بكفرهم.

стр. 240

ونسبة الكفر للعبد الآبق مؤولة كما في الأحاديث السابقة، وأما عدم قبول صلاته فقد أوله الإمام المازري والقاضي عياض بأنه محمول على المستحل للإباق، فيكفر، ولا تقبل له صلاة ولا غيرها من أعمال الطاعات، إذ ذكر الصلاة تنبيه بها على غيرها. وأول الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بأن عدم القبول معناه عدم الثواب، ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحة. فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، لاقترانها بمعصية، فيسقط بها القضاء، ولا تستحق ثواباً، كالصلاة في الدار المغصوبة. والتحقيق أنه ينبغي أن تصح ويحصل على فعلها الثواب، لكن المعصية المقارنة لفعل الطاعة يعدل إثمها ثواب الفعل، فكأنه لا ثواب عليه. والله أعلم

стр. 241

(٤٢) باب إيمان من قال: مطرنا بالنوء ١٢٧ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل. فلما انصرف أقبل على الناس فقال "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". ١٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين. يقولون: الكواكب وبالكواكب". ١٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين. ينزل الله الغيث. فيقولون: الكوكب كذا وكذا". وفي حديث المرادي "بكوكب كذا وكذا". ١٣٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: مطر الناس على عهد النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا" قال: فنزلت هذه الآية ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ حتى بلغ: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]. -[المعنى العام]- كان العرب يعيشون في الصحراء، يستضيئون في ليلهم بقمرها ويسترشدون في أسفارهم وأحوالهم بنجومها، كما حكى عنهم القرآن الكريم بقوله ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل ١٦].

стр. 242

وكان من تتبعهم لحركات النجوم أن رصدوا ثمانية وعشرين نجماً -وهي المسماة بمنازل القمر- فعرفوا أن كل نجم منها يعيش ثلاثة عشر يوماً تقريباً ثم يسقط في المغرب ويطلع نجم بدله من المشرق، فسموا هذه النجوم بأسماء. وثبت لهم من تجاربهم وملاحظاتهم أن المطر كثيراً ما يغيثهم إذا غاب نجم كذا وطلع نجم كذا، وارتبط في نفوسهم نزول المطر بمطالع بعض النجوم، وبمرور الزمن، وبزحف من الوثنية على معتقداتهم، ظنوا أن هذه النجوم هي التي تسقط المطر، ونسبوا الفضل في المطر إليها، ونسوا الله تعالى صاحب النعمة الجدير بالحمد والشكر، فقالوا: مطرنا بنجم كذا والفضل في المطر لكوكب كذا. وجاء الإسلام المحطم للوثنية، المطهر للنفوس من العقائد الفاسدة، الموجه لعبادة الله وحده، الداعي لتقدير نعمه، والاعتراف بفضله، وشكر آلائه، فلفت نظرهم مراراً إلى أنه جل شأنه هو الذي يسير الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء، فيجعله قطعاً متراكمة، تثير بتحركاتها صوت الرعد ووميض البرق، فإذا أصاب به بعض الناس إذا هم يستبشرون ويفرحون. ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد﴾ [الشورى: ٢٨]. ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [الروم: ٤٦]. وكان من حكمة الله تعالى أن يذكر بتشريعه في المناسبات، لترتبط الأحكام بالوقائع، فتستقر في النفس، وتتمكن منها ولا يسهل نسيانها. ففي ليلة من ليالي القحط، وفي صحراء الحديبية حيث اشتد العطش بالمسلمين ودوابهم، ساق الله تعالى إليهم سحابة مليئة؛ فأمطرت لهم غيثاً مغيثاً، فشربوا وسقوا وأصبحوا فرحين مستبشرين، وصلوا الصبح مع رسول الله ﷺ ؛ فلما انصرف من الصلاة أقبل عليهم، يذكرهم بنعمة الله، ويوجههم إلى شكرها، ويستأصل من نفوس ضعفائهم بقايا رواسب الجاهلية الأولى فقال لهم: هل تدرون ماذا قال ربكم اليوم؟ ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قالوا: خيراً، ماذا قال ربنا يا رسول الله؟ قال: قال تعالى: في الحديث القدسي: أصبح فريق من عبادي مؤمناً بي يسند نعمي إلي، كافراً بالكواكب، لا يسند إليها ما ليس منها، يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، ونزل الغيث من الله فله الحمد وله الشكر. وأصبح فريق من عبادي كافراً بي، يجحد نعمائي، وينكر جودي وآلائي ويسند نعمي إلى غيري، ويجعل جزائي على رزقي إياه تكذيباً لي، يؤمن بالكواكب والنجوم، ويعتقد أنها صاحبة الفضل في رزقه، وأنها المؤثرة في مطره، فيقول مطرنا بفضل نجم كذا، ومطرنا بتأثير كوكب كذا، فيجحدني ويشكرها، وينساني ويذكرها، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب، وهكذا يكذبني عبادي، ويجحدني عبادي، وما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين.

стр. 243

-[المباحث العربية]- (صلى بنا رسول الله ﷺ في رواية البخاري "صلى لنا رسول الله ﷺ " فاللام في روايته بمعنى الباء. (بالحديبية) تخفف باؤها وتشدد، والتخفيف هو المختار. يقال: حدب الرجل إذا خرج ظهره ودخل صدره وبطنه، والأحدب من الأرض الغليظ المرتفع، والحديبية مكان أو قرية صغيرة سميت باسم بئر أو شجرة هناك حدباء، وهي على تسعة أميال من مكة، وأكثرها في الحرم وباقيها في الحل. (في إثر سماء كانت من الليل) "إثر" بكسر الهمزة وسكون الثاء، وبفتح الهمزة والثاء، هو ما يعقب الشيء، والسماء المطر، وأطلق عليه سماء لكونه ينزل من جهة السماء، والمعنى: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح عقب مطر نزل في الليل. (فلما انصرف) من صلاته أو من مكانه. (أقبل على الناس) أي اتجه إليهم بوجهه بعد أن كانوا خلفه في الصلاة، والمراد من الناس الصحابة الذين كانوا معه. (هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ) "ماذا" في محل مفعول "قال" وقد علقت "تدرون" عن العمل، والاستفهام للتنبيه، وليس على حقيقته من طلب الفهم لأنه ﷺ يعلم أنهم لا يدرون، والتعبير بلفظ الرب وإضافته لضمير المخاطبين للإشعار بالفضل والمنة. كأنه يقول: ماذا يقول مربيكم وصاحب الفضل عليكم بالمطر؟ . (الله ورسوله أعلم) أفعل التفضيل "أعلم" ليس على بابه، وليس المراد أنهم يشاركون في العلم ويزيد الله ورسوله عليهم فيه، لأنهم لم يكونوا يعلمون شيئا أصلا مما قاله الله في هذه الليلة. (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) صلة "كافر" محذوفة للعلم بها مما قبلها، والتقدير وكافر بي، والمراد من عباد الله عموم العباد، بدليل تقسيمهم إلى مؤمن وكافر، أما قوله تعالى ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] وقوله ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ [الفرقان: ٦٣] فالإضافة فيهما للتشريف كأنه قال: إن العباد الذين يستحقون التشريف بإضافتهم إلى ليس لك عليهم سلطان. (فأما من قال ... ) إلخ. الفاء للتفريع، و"أما" حرف شرط وتفصيل. (مطرنا بنوء كذا) النوء في الأصل ليس هو النجم، فإنه مصدر. ينوء النجم إذا سقط وغاب، وقيل: إذا نهض وطلع، لكن المراد من النوء هنا النجم تسمية للفاعل بالمصدر.

стр. 244

(ألم تروا) المراد من الرؤية هنا العلم، لأن المستفهم عنه قول، وهو لا يرى والاستفهام للتنبيه، كما في الرواية السابقة. (ما أنعمت على عبادي من نعمة) "من" زائدة لتأكيد النفي، و"نعمة" مفعول به لأنعمت، والمراد هنا من الإنعام ومن النعمة الإمطار، والمطر من إطلاق العام على بعض أفراده. (يقولون: الكواكب وبالكواكب) "الكواكب" خبر مبتدأ محذوف تقديره الممطر أو المنعم الكواكب، و"بالكواكب" جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: مطرنا بالكواكب، وجملة "يقولون" في محل النصب خبر لأصبح بعد خبر، أو حال من الضمير في "كافرين". (ما أنزل الله من السماء من بركة) أي من مطر نافع، فالماء الذي ينزل من السماء قد يكون نقمة وضررا يحدث سيلا وتخريبا، وقد يكون غيثا مغيثا نافعا، وموطن المنة والنعمة هو النافع، وسمي بركة أي مباركا لما يترتب عليه من البركة والزيادة والنماء، قال تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾ [ق: ٩ - ١١]. (الكوكب كذا وكذا) "كذا وكذا" كناية عن الخبر مبنية على السكون في محل رفع، أي الكوكب ممطرنا ومغيثنا. (مطر الناس) "مطر" فعل متعد كأمطر، يقال مطرتهم السماء وأمطرتهم السماء، وحذف الفاعل هنا وبني الفعل للمجهول، والأصل: مطر الله الناس. (أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا) في الأسلوب لف ونشر مرتب، فالقائلون: هذه رحمة الله نشر للشاكرين، والقائلون: لقد صدق نوء كذا وكذا نشر للكافرين. ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ "لا" زائدة للتأكيد، والأصل فأقسم ومواقع النجوم مساقط الكواكب وأماكن مغاربها. ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ في الكلام مضاف مقدر، أي تجعلون شكر رزقكم تكذيبكم، فشكركم إذا مطرتم تكذيبكم. ومعنى جعل الشكر تكذيبا جعل التكذيب مكان الشكر فكأنه عينه عندهم، فهو من باب: تحية بينهم ضرب وجيع. -[فقه الحديث]- قال النووي: اختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين:

стр. 245

أحدهما: هو كفر بالله ، سالب لأصل الإيمان، مخرج من ملة الإسلام قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء وهو ظاهر الحديث. قالوا. وعلى هذا لو قال: مطرنا بنوء كذا معتقدا أنه من الله تعالى وبرحمته وأن النوء ميقات له وعلامة، اعتبارا بالعادة، فكأنه قال: مطرنا في وقت كذا فهذا لا يكفر. واختلفوا في كراهته، لكنها كراهة تنزيه، لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره، فيساء الظن بصاحبها، ولأنها شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم. والقول الثاني: أن المراد كفر نعمة الله تعالى، لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الثانية "أصبح فريق منهم بها كافرين" والرواية الثالثة "أصبح فريق من الناس بها كافرين" فقوله "بها" يدل على أنه كفر بالنعمة. اهـ. والمحقق يرى أن القولين اللذين ذكرهما النووي ليسا في كفر من قال مطرنا بنوء كذا، لأنهما متفقان في أن من قال هذا القول معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر فهو كافر، ومن قاله معتقدا أن النوء ميقات فليس بكافر لكنه مكروه. إنما الخلاف وإنما القولان في بيان المراد من لفظ الكفر في الحديث فبعضهم حمله على الكفر بالله السالب للإيمان، فلزمه أن يحمل القول "مطرنا بنوء كذا" على من اعتقد أن النجم فاعل مدبر، كاعتقاد بعض أهل الجاهلية، وبعضهم حمله على الكفر بالنعمة وعدم شكرها، وحمل القول على الذي قاله معتقدا أن الله هو الفاعل المدبر وحده، وأن النجم ميقات وعلامة فهذا قد ترك شكر الله تعالى على الغيث، والشكر مستحب عند رؤية كل نعمة، "وكفر النعمة عدم شكر المنعم بها". وإذا كانت الرواية الثانية والثالثة تؤيد التأويل كما ذكر النووي، فإن الرواية الأولى "فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب" تؤيد التأويل الأول، كما يؤيده ما رواه أحمد عن رسول الله ﷺ قال: "يكون الناس مجدبين. فينزل الله عليهم رزقا من السماء من رزقه، فيصبحون مشركين، يقولون: مطرنا بنوء كذا". والخلاصة أنه إذا حملنا لفظ الكفر في الحديث على الكفر بالله حملنا القول على من قاله معتقدا أن النجم فاعل مدبر. وإذا حملناه على الكفر بالنعمة حملنا القول على من قال معتقدا أن النجم علامة وميقات فقط، ويكون التعبير عنه بالكفر للتغليظ والتنفير. بقي حكم من سكت عند الغيث ولم ينطق بهذا القول، وقد سبق بيان أن الحكم منوط بالاعتقاد: فمن سكت معتقدا أن النوء هو الفاعل المدبر للمطر فهو كافر وإن لم ينطق، ومن سكت معتقدا أن التدبير لله، والنجم ميقات فليس بكافر، لكن عليه أن يشكر الله على الغيث ولو بقلبه، ولهذا حمل الحافظ ابن حجر لفظ "فأما من قال" على ما هو أعم من النطق والاعتقاد.

стр. 246

هذا والرواية الأولى والثانية صريحتان في أنهما حديث قدسي، والرواية الثالثة والرابعة صريحتان في أنهما حديث نبوي، وقد علمنا أن الحديث القدسي والحديث النبوي كلاهما عن الله تعالى - على الصحيح - لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣، ٤] وأن الفرق بينهما -على الأصح- من جهتين: الأولى: أن الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله، والحديث النبوي لفظه من عند النبي ﷺ ومعناه من الله. الثانية: أن الحديث القدسي هو ما أضافه النبي ﷺ إلى ربه بخلاف الحديث النبوي. وبناء على ما تقدم نتساءل: هل الروايات الأربع واقعة واحدة؟ وحديث واحد؟ والاختلاف من الرواة؟ بعضهم روى باللفظ، وبعضهم روى بالمعنى؟ أو هي في واقعتين؟ . واقعة الحديث النبوي بمكة؟ وواقعة الحديث القدسي بالحديبية؟ من قال: إن سورة الواقعة كلها مكية، بما فيها قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم ... ﴾ إلى قوله: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢] وهو قول الأكثرين يلتزم أن الروايات الأربع ليست في واقعة واحدة، لأن الرواية الأولى تصرح أنها في الحديبية (أي سنة ست من الهجرة) والرواية الرابعة تصريح بأن الحديث مع نزول الآية. أما على القول باستثناء هذه الآيات من سورة الواقعة، وجعلها مدنية فيمكن اعتبار الروايات الأربع في الحديبية، والاختلاف من الرواة. والله أعلم

стр. 247

(٤٣) باب حب الأنصار من الإيمان ١٣١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "آية المنافق بغض الأنصار. وآية المؤمن حب الأنصار". ١٣٢ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "حب الأنصار آية الإيمان. وبغضهم آية النفاق". ١٣٣ - عن البراء ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق. من أحبهم أحبه الله. ومن أبغضهم أبغضه الله". ١٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر". ومثله. -[المعنى العام]- إذا كانت النصرة في الحق تغرس المحبة، وإذا كان إيواء المهاجر يثبت الفضل والمنة، وإذا كان الدفاع عن الدين في وقت ضعفه وشراسة أعدائه كالقبض على الجمر، وإذا كان بذل النفس والمال في سبيل الدعوة الإسلامية عنوان محبة الله ورسوله، فإن الأوس والخزرج الذين أسلموا، وبايعوا ليلة العقبة واستقبلوا المهاجرين بالمودة، وآووهم، وأشركوهم إياهم في أموالهم، بل تنازلوا لهم عن بعض نسائهم وتآخوا وإياهم أخوة أقوى من أخوة نسبهم، إن هؤلاء أجدر الناس بمحبة من يحب الله ورسوله، وهم أحق المخلوقات بحب من يحب الإسلام فحبهم علامة على حب رسول الله ﷺ ، لأنه ﷺ كان يحبهم وكان يقول لهم: "اللهم أنتم من أحب الناس إلي" ويقول: "لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم" ويقول: "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار".

стр. 248

نعم، قوم آووه ﷺ ونصروه، وتبوءوا الدار والإيمان وأحبوا من هاجر إليهم، ولم يجدوا في صدورهم حاجة مما أوتوا، وآثروا المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكانوا حماة الدعوة الإسلامية وبذلوا في سبيلها أرواحهم ودماءهم. قوم بهذه الصفة لا يبغضهم إلا منافق ولا يحبهم إلا مؤمن، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله، ولا تجد رجلا يبغض الأنصار بصفتهم الأنصار وهو مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، بل إن نطق بالشهادتين وهو بهذه الحالة فهو منافق، لأن علامة الإيمان حب من يحبه الله ورسوله ﷺ . فاللهم اغرس في قلوبنا محبتهم، وارض عنا وعنهم. واحشرنا في زمرتهم، زمرة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. -[المباحث العربية]- (آية المنافق بغض الأنصار) الآية العلامة، والبغض مصدر مضاف لمفعوله، والأصل: بغضه الأنصار، والأنصار جمع ناصر كأصحاب جمع صاحب، أو جمع نصير، كأشراف جمع شريف، واللام فيه للعهد، أي أنصار رسول الله ﷺ ، والمراد بهم الأوس والخزرج، وكانوا يعرفون بابني قيلة بقاف وياء مفتوحتين، وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول الله ﷺ الأنصار، فصار علما عليهم، وأطلق أيضا على أولادهم وخلفائهم ومواليهم. (حب الأنصار آية الإيمان) وفي رواية لأحمد "حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق". -[فقه الحديث]- قدمنا أن من علامات الإيمان وحلاوته أن يحب المؤمن أخاه لا يحبه إلا لله، فحب المؤمن من الإيمان، ولا شك أن الأنصار داخلون في ذاك الحب بل في مقدمته، لكنهم مع دخولهم في هذا العموم خصوا بهذا الحديث، وبهذا التخصيص، زيادة في الاعتناء بهم، والاهتمام بشأنهم، لمزيد فضل لهم. قال الحافظ ابن حجر في سر هذا التخصيص: وخصوا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي ﷺ ومن معه والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق تنويها بعظيم فضلهم وتنبيها على كريم فعلهم وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركا لهم في الفضل المذكور، كل بقسطه. اهـ. والذي يظهر لي أن السر في هذا التخصيص هو خوف الرسول ﷺ من أن ينسى الناس بعده فضل الأنصار، وخصوصا بعد أن يحظى المهاجرون بالخلافة، وبعد أن تأخذ قريش مركزها في الإسلام.

стр. 249

يؤيد هذا وصاياه ﷺ للأنصار إذ قال لهم: "جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار إنكم لأعفة صبر، وإنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض". ويروي البخاري في وصيته ﷺ بالأنصار "أن أبا بكر والعباس ﵄ مرا بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال [العباس أو أبو بكر] ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا [أي ذكروا مجالسهم معه- وكان ذلك في مرض موته ﷺ فخشوا أن يموت من مرضه، فيفقدوا مجلسه] فدخل [أبو بكر أو العباس] على النبي ﷺ ، فأخبره بذلك. قال فخرج النبي ﷺ ، وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي [أي بطانتي وخاصتي] وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم". "أيها الناس: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم". واشتمل الحديث على شقين: الأول: أن حب الأنصار علامة الإيمان والثاني: أن بغض الأنصار علامة النفاق. وقد ورد على الشق الأول أن ظاهره يفيد أن من أحب الأنصار كان مؤمنا ولو لم يصدق الرسول ﷺ بقلبه، لأن علامة الإيمان إذا وجدت وجد الإيمان، مع أن هذا الظاهر غير مراد. ويجاب على هذا الإيراد بأن حب الأنصار حبا حقيقيا من هذه الحيثية أعني من حيثية كونهم ناصروا رسول الله ﷺ لا يكون إلا ممن صدق وآمن برسول الله ﷺ . وقيل في الجواب: إن الحديث قد خوطب به من يظهر الإيمان، أما الكافر فلا يطلب منه حب الأنصار، لأنه مرتكب بكفره ما هو أشد من بغضهم، والجواب الأول أدق. وورد على الشق الثاني أن ظاهره يفيد أن من أبغض الأنصار كان منافقا وإن صدق وأقر. وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذا الإيراد فقال: إنه محمول على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة- وهي كونهم نصروا رسول الله ﷺ أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق، ويقرب هذا الحمل زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم". ثم قال: ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير. فلا يراد ظاهره. اهـ. وهل المطلوب في الحديث حب جميع الأنصار أو حب المجموع الذي لا يضره بغض فرد أو أفراد؟ الظاهر أننا إذا أردنا الحب المنبعث عن النصرة كان المطلوب حب كل واحد منهم أي جميعهم، إذ بغض أي منهم من هذه الجهة ممنوع شرعا.

стр. 250

أما إذا أردنا مطلق الحب بغض النظر عن هذه الجهة فإن المطلوب حب مجموعهم، وفي ذلك يقول ابن التين: المراد حب جميعهم وبغض جميعهم، لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن بغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له فليس داخلا في ذلك. اهـ وهو تقرير حسن. وفي ختام الموضوع نسوق عبارة النووي في شرحه إذ قال: ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي ﷺ ، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارا للإسلام، ثم أحب الأنصار لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه، لسروره بظهور الإسلام، والقيام بما يرضي الله ورسوله ﷺ ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته. والله أعلم
следующие страницы →