Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
يكن يحفظ فقراءته عليه للحفظ، وإن كان حافظًا فليتعلم الأداء. قال القاضي عياض: والثاني أظهر لأن قراءته للحفظ لا تختص بأبي لوجوب التبليغ. اهـ. قلت: وقراءته لتعليم الأداء لا تختص بأبي أيضًا. وقال بعض العلماء: ليسمع أبي القرآن دون واسطة فلا يخالجه شك فيما اختلف فيه ويحتمل أنه ليعلم طريق العرض. قال السنوسي: والثاني أظهر لما ذكر. فإن قيل: والأداء يحصل بقراءة أبي؟ قيل: قراءة الشيخ أعلى درجات الرواية فيما ذكر المحدثون. اهـ.
قال النووي: والمختار في الحكمة من قراءته ﷺ على أبي أن تستن الأمة بذلك في القراءة على أهل الاتفاق والفضل، ويتعلموا آداب القراءة، ولا يأنف أحد من ذلك. اهـ. قلت: وهذه الحكمة لا يتعين لها أبي، بل تتحصل بغيره من كبار القراء. قال النووي: وقيل: للتنبيه على جلالة أبي وأهليته لأخذ القرآن عنه، وكان يعده ﷺ رأسًا وإمامًا في إقراء القرآن وهو أجل ناشريه أو من أجلهم. اهـ.
وهذا توجيه حسن، فقد روى البخاري عن عمر ﵁ قوله: "أقرؤنا أبي". وروى أيضًا قول الرسول ﷺ : "خذوا القرآن من أربعة: من عبد اللَّه بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب".
والحكمة في تخصيص سورة "لم يكن" بالقراءة أنها وجيزة جامعة لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته والإخلاص وتطهير القلوب، ولعل الوقت كان يقتضي الاختصار. ذكره النووي.
-[ما يؤخذ من الحديث: ]-
١ - وفي الحديث منقبة لأبي ﵁ بذكر اللَّه تعالى له، ونصه عليه، قال النووي: ولا نعلم أحدًا من الناس شاركه في هذا.
٢ - وفيه البكاء للسرور والفرح مما يبشر الإنسان به ويعطاه من معالي الأمور.
٣ - ومن سؤال أبي السؤال للتثبت في المحتملات.
٤ - وفي الحديث استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه وأهل العلم به، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه.
واللَّه أعلم
стр. 1857
(٢٦٦) باب فضل استماع القرآن والبكاء والتدبر عنده
١٦١٦ - عن عبد الله ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ علي القرآن". قال: فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري". فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ [النساء/ ٤١] رفعت رأسي - أو غمزني رجل إلى جنبي - فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل.
١٦١٧ - - عن الأعمش بهذا الإسناد وزاد هناد في روايته قال لي رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "اقرأ علي".
١٦١٨ - ، ٣ عن إبراهيم قال: قال النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود: "اقرأ علي". قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري". قال: فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ [النساء/ ٤١] فبكى. قال مسعر: فحدثني معن عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "شهيدًا عليهم ما دمت فيهم أو ما كنت فيهم". (شك مسعر).
١٦١٩ - عن عبد الله ﵁ قال: كنت بحمص فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا. فقرأت عليهم سورة يوسف. قال: فقال رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت؟ قال: قلت: ويحك والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال لي: "أحسنت". فبينما أنا أكلمه إذ وجدت منه ريح الخمر. قال فقلت: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ لا تبرح حتى أجلدك. قال: فجلدته الحد.
١٦٢٠ - - عن الأعمش بهذا الإسناد وليس في حديث أبي معاوية فقال لي: "أحسنت".
стр. 1858
-[المعنى العام]-
جعل اللَّه لسامع قراءة القرآن أجرًا كأجر القارئ فضلاً منه ورحمة، حيث إن القراءة ليست ميسورة لكل المسلمين، بل قيل: إن التدبر والخشوع عند السامع كثيرًا ما يكون أكثر منه عند القارئ، لاشتغاله بالقراءة والأداء، بل قيل: إن القارئ كالحالب، والسامع كالشارب، فهو أكثر فائدة وثوابًا. وقد رأينا رسول اللَّه ﷺ يعلم المسلمين ويقرأ لهم، بل يدعو أحسن القراء ليستمع من رسول اللَّه ﷺ كما في حديث أبي في الباب السابق، كما نراه في هذا الحديث يدعو أجود القراء عبد اللَّه بن مسعود ليقرأ على النبي ﷺ ويقول: اقرأ علي. فيعجب ابن مسعود أن يطلب صاحب الشيء الشيء نفسه من غيره، وهو الذي يؤخذ عنه لا أن يأخذه هو عن غيره، فيقول: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ فيقول ﷺ : نعم لأنني أحب أن أسمعه من غيري فأتفهم المعاني وأتدبر، وأطمئن على قراء أمتي وعلى أدائهم، فيقرأ ابن مسعود من أول سورة النساء حتى يصل إلى الآية رقم (٤١) ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ فيغمزه جار له ليرفع ابن مسعود بصره إلى النبي ﷺ ، فيراه يبكي وقد خضبت الدموع لحيته الشريفة، ويدرك ﷺ انتباه ابن مسعود لبكائه فيشير إلى ابن مسعود ويقول له: حسبك. كفى قراءة. ويؤكد ابن مسعود أن هذه المرة ليست الوحيدة التي قرأ فيها القرآن على رسول اللَّه ﷺ ، فيروى أنه نزل "حمص" بالشام مع جنود اللَّه غازيًا في زمن عمر بن الخطاب فطلب منه الناس أن يقرأ لهم فقد اشتهر عند المسلمين أنه خير القراء أو من خيرهم، فقرأ لهم سورة يوسف، فلما أتى على آية منها قال رجل من القوم: ما هكذا أنزلت. فغضب ابن مسعود وقال للرجل: ويحك انزجر. واللَّه لقد قرأت السورة كلها على رسول اللَّه ﷺ فقال لي: أحسنت.
وكان الرجل المعترض سكران، تفوح منه رائحة الخمر، فقدمه ابن مسعود للوالي الذي حده حد شارب الخمر. حفظ اللَّه كتابه وجزى حفظته خير الجزاء.
-[المباحث العربية]-
(اقرأ علي القرآن) المراد بالقرآن بعض القرآن، والقرآن يطلق على الكثير والقليل مما بين دفتي المصحف، قال الحافظ ابن حجر: والذي في معظم الروايات: "اقرأ علي" ليس فيه لفظ "القرآن"، بل أطلق، فيصدق بالبعض. وتخصيصه ﷺ ابن مسعود يحمل تأهيله وإعداده لتولي مهمة القراءة والإقراء من بعده ﷺ كما سيأتي في فقه الحديث ويحتمل أنه لم يحضر غيره، أو لم يحضر أعلم منه.
(أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ) الكلام على الاستفهام، وهمزته محذوفة وهي مذكورة في رواية البخاري: "آقرأ عليك وعليك أنزل؟ " بمد الهمزة الأولى. قال الأبي: انظر ما الذي توهمه ابن مسعود حتى قال ذلك؟ فيحتمل أنه فهم أنه أراد بقراءته عليه الاتعاظ، فقال: أتتعظ بقراءتي وعليك أنزل؟ .
стр. 1859
(إني أشتهي أن أسمعه من غيري) في الرواية الثانية: "إني أحب أن أسمعه من غيري". والمراد واحد.
(فقرأت سورة النساء) أي من أولها كما جاء في الرواية الثانية.
(وهو على المنبر) في جلسة عادية وليس لخطبة الجمعة أو غيرها، بل كان ﷺ يجلس على المنبر ليكون بارزًا للناس، وليعلمه الداخل الذي لا يعرفه.
(كنت بحمص) بلدة مشهورة في بلاد الشام، دخلها ابن مسعود غازيًا في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يكن واليًا عليها في يوم من الأيام، "وحمص" علم مؤنث ساكن الوسط يجوز فيه الصرف والمنع من الصرف.
(فقال رجل من القوم) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وقد قيل: إنه نهيك بن سنان، لكن لم أر ذلك صريحًا. اهـ.
(ويحك): أي انزجر.
(فضربه الحد) قيل: إن الإسناد مجازي، أي رفع أمره للوالي وتسبب في ضربه الحد، وسيأتي مزيد له في فقه الحديث.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من مجموع الأحاديث: ]-
١ - استحباب استماع القرآن، فقالوا: ذلك أن المستمع أقوى على التدبر لأن نفسه أخلى وأنشط من القارئ، لأنه مشتغل بالقراءة وأحكامها، وقد قيل: إن القارئ كالحالب، والسامع كالشارب، وليس استحباب سماع القرآن خاصًا بمن لا يجيد القراءة، فرسول اللَّه ﷺ أحب أن يسمعه من غيره مع أنه خير القراء على الإطلاق. وقد اختلف العلماء في القراءة والسماع أيهما أفضل؟ والتحقيق أن الأفضلية تدور مع الخشية والتدبر ومدى الانتفاع من كل منهما، فمن كان تدبره وخشيته بالقراءة أكثر كانت القراءة في حقه أفضل، ومن كان تدبره وخشيته في السماع أكثر كان السماع في حقه أفضل، على أنه يستحب أن يأخذ بكل منهما ولو بطرف يسير.
٢ - واستحباب الإصغاء للقراءة والخشوع عندها، وتدبر معانيها.
٣ - واستحباب البكاء. قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين، قال تعالى: ﴿ويخرون للأذقان يبكون﴾ [الإسراء: ١٠٩]. ويقول: ﴿خروا سجدًا وبكيًا﴾ [مريم: ٥٨]. والأحاديث فيه كثيرة. وقال الغزالي: يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد، والوثائق والعهود، ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وإنه من أعظم المصائب.
стр. 1860
قال ابن بطال: إنما بكى ﷺ عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعي له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا فقد يفضي إلى تعذيبهم.
٤ - واستحباب طلب القراءة من الحافظ، وكان طلب النبي ﷺ القراءة من ابن مسعود من أجل التدبر والتفهم، أو من أجل أن يطمئن على حسن أداء الحفظ من أمته، أو ليكون عرض القرآن سنة تتبع من بعده، أقوال ولا مانع من إرادة كل ذلك.
٥ - وتواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم. ذكره النووي.
٦ - وفيها منقبة لابن مسعود ﵁، وقد ورد في مدح قراءته أحاديث كثيرة، وقد روى البخاري قول رسول اللَّه ﷺ : "خذوا القرآن من أربعة: من عبد اللَّه بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي" فذكر ابن مسعود أول من تؤخذ عنه القراءة. توفي في خلافة عثمان ﵄.
٧ - أخذ بعضهم من الحديث الرابع أن السكران لا يؤاخذ بما يصدر منه من الكلام في حال سكره، إذ لو أوخذ الرجل بإنكاره ما قرأ ابن مسعود لقتل لارتداده، لأنهم أجمعوا على أن من جحد مجمعًا عليه من القرآن كفر، وأجيب بأنه يحتمل أن الرجل كذب ابن مسعود ولم يكذب بالقرآن، وهو الذي يظهر من قوله: "ما هكذا أنزلت". فإن ظاهره أنه أثبت إنزالها ونفى الكيفية التي أوردها ابن مسعود. قاله القرطبي.
٨ - احتج بالحديث من يوجب الحد بالرائحة وحدها إذا لم يقر ولم يشهد عليه. وقد قال بذلك الحنفية، والجمهور لا يوجب الحد بمجرد الريح، لاحتمال النسيان والاشتباه والإكراه وغير ذلك، ويجيبون عن الحديث باحتمال أن يكون الرجل قد اعترف، وبهذا الاحتمال يسقط الاستدلال بالحديث، والمختار أنه لا يحد بالرائحة وحدها، بل لا بد من قرينة كأن يوجد سكران، أو يكون مشهورًا بإدمان شرب الخمر، أو أن يوجد مع جماعة اشتهروا بالفسق، ويوجد معهم خمر واللَّه أعلم.
وقد أثار قول ابن مسعود: "فجلدته الحد": إشكالاً مؤداه: كيف جلده ولا ولاية له؟ وأجاب النووي بقوله: هذا محمول على أن ابن مسعود كانت له ولاية إقامة الحدود نيابة عن الإمام. اهـ. وهذا الاحتمال بعيد، لأن ابن مسعود كانت ولايته بالكوفة ولم يل حمص بالشام في يوم من الأيام. وأجاب القرطبي: إنما أقام عليه الحد لأنه جعل له ذلك من له الولاية. اهـ. يعني أنه فوض بذلك ممن له الولاية، وهذا مجرد احتمال بعيد لا يحل الإشكال. وقيل: لأن ابن مسعود رأى أنه يقوم عن الإمام بواجب إذا هو فعل ذلك، وهذا جواب مردود لأنه ليس لأحد أن يعتقد أنه بمباشرته إقامة الحد يقوم بواجب مقبول، والأولى اعتبار الإسناد مجازيًا كما في المباحث العربية.
واللَّه أعلم
стр. 1861
(٢٦٧) باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وفضل قراءة سورة البقرة وآل عمران والفاتحة والكهف وآية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين وفضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها
١٦٢١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان". قلنا: نعم. قال: "فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان".
١٦٢٢ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة فقال: "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم". فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل".
فضل قراءة سورة البقرة وآل عمران
١٦٢٣ - عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما، تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما. اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها [يستطيعها] البطلة". قال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة.
١٦٢٤ - - وعن حدثنا معاوية بهذا الإسناد مثله غير أنه قال: وكأنهما في كليهما. ولم يذكر قول معاوية: بلغني.
стр. 1862
١٦٢٥ - عن النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران". وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد. قال: "كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما".
فضل قراءة الفاتحة وآخر البقرة
١٦٢٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم: فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم: فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة: لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته.
١٦٢٧ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال: لقيت أبا مسعود عند البيت فقلت، حديث بلغني عنك في الآيتين في سورة البقرة. فقال: نعم، قال رسول الله ﷺ : "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه".
١٦٢٨ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه". قال عبد الرحمن: فلقيت أبا مسعود وهو يطوف بالبيت فسألته فحدثني به عن النبي ﷺ .
стр. 1863
فضل قراءة سورة الكهف وآية الكرسي
١٦٢٩ - عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال".
١٦٣٠ - - عن قتادة بهذا الإسناد قال شعبة: من آخر الكهف. وقال همام: من أول الكهف. كما قال هشام.
١٦٣١ - عن أبي بن كعب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ". قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري وقال: "والله ليهنك العلم أبا المنذر".
فضل قراءة قل هو الله أحد
١٦٣٢ - عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ ". قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن".
١٦٣٣ - عن قتادة بهذا الإسناد وفي حديثهما من قول النبي ﷺ قال: "إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءًا من أجزاء القرآن".
١٦٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احشدوا فإني سأقرأ
стр. 1864
عليكم ثلث القرآن". فحشد من حشد ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ (قل هو الله أحد) ثم دخل فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبر جاءه من السماء فذاك الذي أدخله. ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: "إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن".
١٦٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: "أقرأ عليكم ثلث القرآن". فقرأ (قل هو الله أحد الله الصمد) حتى ختمها.
١٦٣٦ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك". فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه".
فضل قراءة المعوذتين
١٦٣٧ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾
١٦٣٨ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أنزل أو أنزلت علي آيات لم ير مثلهن قط المعوذتين".
-[المعنى العام]-
إذا أراد المسلم أن يكلم اللَّه لجأ إلى الصلاة فإنها مناجاة للَّه تعالى، وإذا أراد أن يكلمه الله لجأ إلى القرآن، فالقرآن كلام اللَّه، فمن قرأ القرآن في الصلاة ناجى اللَّه وناجاه اللَّه، فكانت تلك خير عبادة، وثواب الآخرة أعظم من الدنيا ومن متاعها، ولهذا قارن رسول اللَّه ﷺ بين آية واحدة يقرؤها
стр. 1865
المسلم في صلاة وبين ناقة عظيمة اللحم والشحم عشراء، ففضل آية القرآن، وفضل آيتين على ناقتين، وثلاث آيات على ثلاث من النوق، وما زاد من الآيات مفضل على عددهن من النوق الحبيبة إلى أهل الدنيا، فما أيسر طريق الحسنات لمن يعلم ويوفقه اللَّه.
وفي القرآن سور تفضل اللَّه بزيادة الأجر لقارئها، وحث عليها، لما فيها من عظات وآلاء وتمجيد وتحميد. فالبقرة وآل عمران لهما من أنوار التنزيل ما استحقا به أن يسميا بالزهراوين أي الكوكبين النيرين، يأتيان يوم القيامة كالظلة لقارئهما من حر الموقف، وتدافعان عنه وتشفعان له يوم القيامة، نعم القرآن الكريم كله يشفع لقارئه، لكن البقرة وآل عمران تتقدمان القرآن كما يتقدم الوفد رؤساؤه، وفي آخر البقرة آيتان فيهما اعتراف وإيمان وثناء ودعاء، من قرأهما أجيب دعاؤه، ومن بات عليهما بات محصنًا لا يقربه شر الشيطان، وفضل قراءة الفاتحة وآية الكرسي وسورة الكهف والمعوذتين فضل كبير، أما ﴿قل هو الله أحد﴾ فهي تعدل ثلث القرآن أجرًا وثوابًا. وهكذا يفتح اللَّه أبواب تحصيل الحسنات الكثيرة بقراءات قليلة من القرآن ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين: ٢٦].
-[المباحث العربية]-
(إذا رجع إلى أهله) أي إذا رجع من مكان الخطاب إلى منزله، أو من المسجد إلى أهله.
(أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان) الخلفات بفتح الخاء وكسر اللام: الحوامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف مدة حملها، ثم يطلق عليها بعد ذلك عشار، والواحدة: خلفة، وواحدة عشار: عشراء بضم العين وفتح الشين. والخلفات: أحب الإبل إلى أهلها، فإذا ما كانت عظيمة اللحم مليئة كثيرة الشحم سمينة كانت أشد حبًا.
(ونحن في الصفة): المكان المعروف في المسجد النبوي بالمدينة، وكان محل إقامة فقراء المسلمين. والفقير ينظر إلى الخلفات نظرته إلى أمل كبير عظيم المنال.
(أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو إلى العقيق) الغدو الخروج أول النهار، و"بطحان" بضم الباء وسكون الطاء اسم لمكان رعي بقرب المدينة، وكذلك العقيق: كل مسيل شقه ماء السيل، وأصل الأبطح مسيل فيه دقاق الحصى، وتبطح السيل اتسع في البطحاء. و"أو" لأحد الأمرين.
(فيأتي منه بناقتين كوماوين) تثنية "كوما" بفتح الكاف، وهي من الإبل عظيمة السنام.
(ومن أعدادهن من الإبل) التقدير: وأي الأعداد من الآيات خير من أعدادهن من الإبل.
(اقرءوا الزهراوين - البقرة وآل عمران) قالوا: سميتا الزهراوين لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما، يقال: زهر السراج والقمر والوجه زهورًا تلألأ كالزهر، و"البقرة وآل عمران" بدل من الزهراوين، والبدل على نية تكرار العامل، والتعبير يفيد المبالغة في المدح حيث جمع لهما الوصف العام أولاً ثم حصره فيهما.
стр. 1866
(كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان) قال أهل اللغة: الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان من فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما. نقله النووي. وفي القاموس: الغمامة: السحابة أو البيضاء من السحب، وفيه: والغياية كل ما أظل الإنسان من فوق رأسه كالسحاب ونحوه. ويمكن لتوجيه العطف هنا أن تقول: كأنهما سحابتان، أو كأنهما ظلتان من غير السحاب. والمراد أن ثوابهما يأتي بهذا المنظر.
(أو كأنهما فرقان من طير صواف) في الرواية الرابعة: "كأنهما حزقان من طير صواف". قال النووي: "الفرقان" بكسر الفاء وإسكان الراء، و"الحزقان" بكسر الحاء وإسكان الزاي، ومعناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فرق وحزق وحزيقة، أي جماعة. اهـ ومعنى "صواف": باسطة أجنحتها ملتصق بعضها ببعض، كما كانت تظل سليمان ﵇.
قال بعض العلماء: فأو ليست للشك، بل للتنويع، فالأول لمن يقرؤها ولا يتدبر معناها، والثاني: لمن جمع بين الأمرين، والثالث: لمن ضم إليهما تعليم غيره. فالأول: التظليل بالغمامة دون التظليل بالغياية. والثالث: أرفع التظليل وأعلاه فقد كان لنبي الله سليمان.
(تحاجان عن أصحابهما) أي تدافعان بالحجة عن أصحابهما. قال تعالى: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني﴾ [الأنعام: ٨٠].
(فإن أخذها بركة) أي قراءتها بركة، وترك قراءتها حسرة وخسارة.
(ولا تستطيعها البطلة) فسرها معاوية الراوي عن زيد الراوي عن أبي سلام الراوي عن أبي أمامة بالسحرة، تسمية لهم باسم فعلهم، لأن ما يأتون به الباطل، وإنما لم يقدروا على قراءتها ولم يستطيعوها لزيغهم عن الحق وانهماكهم في الباطل، ويصح أن يكون المعنى ولا يستطيع دفعها واختراق تحصينها لقارئها السحرة. وقيل: المراد من البطلة أهل البطالة، أي لا يستطيعون قراءتها وتدبر معانيها لكسلهم. وقال الطيبي: يحتمل أن يعني بالبطلة سحرة البيان، وإنما لا يستطيعونها من حيث التحدي. وهو بعيد لأن التحدي بأي سورة من سور القرآن.
(أو ظلتان سوداوان بينهما شرق) وصفتا بالسواد لتكاتفهما وتراكم بعضهما على بعض، وهو أنفع ما يكون من الظلال، و"شرق" بفتح الراء وسكونها الضياء والنور، والتعبير به هنا لدفع ما يتوهم من أنهما لسوادهما مظلمتان، لكنهما مع كثافتهما وتراكمهما لا يستران الضوء.
(بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ قال الأبي: لا يبعد أن يكون ابن عباس تمثل له جبريل والملك كما تمثل لرسول الله ﷺ فشاهد وسمع، والظاهر أنه لم يتمثل وإنما علم ما حدث وما قيل من إخبار رسول الله ﷺ بذلك.
(سمع نقيضًا من فوقه) بالقاف والضاد أي صوتًا كصوت الباب إذا فتح، وفاعل "سمع" و"رفع" و"قال" هو جبريل ﵇، لأنه الأحق بالإخبار عن أحوال السماء، لأنه أكثر إطلاعًا
стр. 1867
عليها. وقيل: للنبي ﷺ وقيل: هو في "سمع" و"رفع" إلى النبي ﷺ ، وفي "قال" لجبريل ﵇، وليس بالعكس لأن كون النبي ﷺ هو المستغرب وجبريل هو المفسر أولى من أن يستغرب جبريل ويفسر له النبي ﷺ .
(أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك) أي لم يؤت ثوابهما الخاص بقراءتهما، وإلا فغيرهما من القرآن لم يؤته نبي قبله.
(أن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته) المراد بالحرف الطرف والجزء، وكني به عن الجملة، أي لن تقرأ بجملة منهما إلا أعطيت ما تضمنته؛ وإن كانت دعاء أجبت، وإن كانت ثناء أعطيت الثواب.
(كفتاه) شر الإنس والجن، أو كفتاه عن قيام الليل، أو كفتاه من الآفات. وسيأتي بقية للمراد في فقه الحديث.
(عصم من الدجال) التعريف في "الدجال" للعهد، وهو الذي يخرج آخر الزمان. وقيل: يجوز أن تكون للجنس، لأن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس، وفي الحديث: "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون مموهون". وقيل: كما عصم الله فتية الكهف من ذلك الجبار، كذلك يعصم قارئها من كل جبار.
(ليهنك العلم أبا المنذر) في القاموس: وهنأه قال له: ليهنئك، وهنأه تهنئة وتهنيًا. اهـ. وفي الحديث حذفت الهمزة تخفيفًا، والمعنى ليكن العلم هنيئًا لك. والهنيء ما أتاك بلا مشقة وكان سائغًا، فهو هنا دعاء بتيسير العلم عليه وكونه من أهله.
(أيعجز أحدكم) في القاموس: عجز كضرب وسمع. فهو هنا بكسر الجيم وفتحها.
(احشدوا) أي اجتمعوا، من حشد القوم لفلان إذا تأهبوا واجتمعوا له.
(إني أرى هذا خبر جاءه من السماء) "أرى" بضم الهمزة بمعنى أظن تنصب مفعولين، مفعولها الأول اسم الإشارة، وكأن الظاهر أن لفظ "خبر" مفعولها الثاني فيكون منصوبًا، ولكنه جاء مرفوعًا في جميع النسخ وفي رواية الترمذي، ويمكن توجيهه على أن جملة "خبر جاءه من السماء" مقصود لفظها وحكايتها في محل نصب مفعول ثان لأرى على احتمال أن البعض قال: سبب التعجل والدخول تذكر أمر في البيت. وقال البعض: قضاء حاجة. وقال البعض: خبر جاء من السماء. فقال قائلنا: إني أظن هذا السبب جملة: "خبر جاءه من السماء"، كما تقول: أظن الذي نزل أولاً: ﴿ويل للمطففين﴾ واللَّه أعلم.
(فيختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾) أي يختم بها قراءته، أي يقرأ بها بعد الفاتحة في آخر ركعة.
(ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط) الرؤية المراد منها العلم والاستفهام تقريري
стр. 1868
حاصله إثبات ما بعد النفي. أي أعلم آيات أنزلت الليلة، لم "ير" أي لم يعلم مثلهن في عظم الأجر وثواب القراءة. وقال النووي: ضبطناه "نر" بالنون المفتوحة وبالياء المضمومة. اهـ.
﴿(قل أعوذ برب الفلق)﴾ أي سورة ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ وليس المقصود الآية لقوله: "آيات".
(المعوذتين) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح، وهو منصوب بفعل محذوف أي أعني المعوذتين، وهو بكسر الواو. اهـ.
-[فقه الحديث]-
١ - يؤخذ من الحديث الأول بروايتيه فضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلم القرآن.
٢ - والترغيب في ثواب الآخرة مقارنًا بمنافع الدنيا.
٣ - الترغيب في الكسب الحلال الخالي من الإثم وقطيعة الرحم.
٤ - من الحديث الثالث والرابع فضل قراءة سورة البقرة وآل عمران.
٥ - وفضل مغالبة الشيطان والبعد عن البطلة.
٦ - شفاعة القرآن لحامله وقارئه ومعلمه.
٧ - تقدم البقرة وآل عمران على القرآن، وأنهما أعظم من غيرهما. قال الأبي: لأنهما أطول وأكثر أحكامًا.
٨ - ومن الحديث الخامس والسادس والسابع فضل قراءة آخر سورة البقرة يعني من أول قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة. وفيها اعتراف وإيمان وثناء وطاعة ودعاء شامل ومقبول.
٩ - ومن الحديث الخامس فضل قراءة الفاتحة أم الكتاب.
١٠ - وسماعه ﷺ الوحي من غير جبريل ﵇.
١١ - ومن السادس أن قراءة القرآن تحصن الإنسان. قال العلماء: معنى "كفتاه" كفتاه أذى الشيطان، أو كفتاه من الآفات، أو كفتاه شر الإنس والجن، أو كفتاه كل سوء، أو كفتاه ومنعتاه من أن يكون ممن ترك قراءة القرآن، أو كفتاه عن قيام الليل، أو كفتاه بما حصل له من ثوابها عن طلب شيء آخر، أو كفتاه من جميع ما ذكر.
١٢ - ومن الحديث الثامن فضل قراءة سورة الكهف. قال النووي: قيل: سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال، وكذا في آخرها قوله تعالى:
стр. 1869
﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء﴾ [الكهف: ١٠٢]. اهـ. وقال الأَبِيُّ: قيل: خاصية لها.
١٣ - ومن الحديث التاسع فضل قراءة آية الكرسي. قال النووي: قال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي لكونها جمعت أصول الأسماء والصفات، الإلهية [الله] والوحدانية، والحياة، والعلم، والملك، والقدرة، والإرادة، وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات.
١٤ - وفضيلة ومنقبة لأبي بن كعب أبي المنذر، ودليل على كثرة علمه ودعاء له بالتيسير والانتفاع والنفع به.
١٥ - وتبجيل العالم فضلاء أصحابه وتكنيتهم.
١٦ - وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان فيه مصلحة ولم يخف عليه إعجاب ونحوه لكمال نفسه ورسوخه في التقوى.
١٧ - وإلقاء العالم السؤال على صاحبه ليستقر الجواب ويهتم به.
١٨ - ومن الحديث العاشر فضل قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾
١٩ - وأنها ثلث القرآن، وقد حمله بعض العلماء على ظاهره فقال: إنها ثلث باعتبار معاني القرآن، لأنه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتملت هي على القسم الثالث، فكانت ثلثًا بهذا الاعتبار. ويؤيد هذا المفهوم رواية: "إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قل هو الله أحد﴾ جزءًا من أجزاء القرآن".
وقال القرطبي: اشتملت هذه السورة على اسمين من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال لم يوجدا في غيرها من السور، وهما الأحد الصمد، لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، وبيان ذلك أن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال، لأنه الذي انتهى إليه سؤدده، فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق، إلا لمن حاز جميع خصال الكمال، وذلك لا يصلح إلا لله تعالى، فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة، كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات، وصفات الفعل ثلثا. اهـ
وقال غيره: تضمنت هذه السورة توجيه الاعتقاد، وصدق المعرفة، وما يجب إثباته لله تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشرك، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال، الذي لا يلحقه نقص، ونفي الولد والوالد المقرر لكمال المعنى، ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والنظير، وهذه مجامع التوحيد الاعتقادي، لذلك عادلت ثلث القرآن. ومنهم من حمل المعادلة على تحصيل الثواب فقال: معنى كونها ثلث القرآن أن ثواب قراءتها يحصل للقارئ مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن. وقيل: ثلثه من غير تضعيف. قال الحافظ ابن حجر: وهي دعوى من غير دليل. ويؤيد الإطلاق روايتنا العاشرة، وفيها: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن". قال الحافظ ابن حجر. وإذا
стр. 1870
حمل ذلك على ظاهره فهل ذلك لثلث من القرآن معين، أو لأي ثلث؟ فيه نظر، ويلزم على الثاني أن من قرأها ثلاثًا كان كمن قرأ ختمة كاملة، وادعى بعضهم أن قوله: "تعدل ثلث القرآن". يختص بصاحب الواقعة. اهـ وهو بعيد للأحاديث البعيدة عن الرجل. وأحسن ما قيل في ذلك: أن هذا وعد وتفضل من الله يؤخذ بجملته على ظاهره ولا يفصل فيه، فالفضل منه وهو صاحب التقدير، وفي ذلك يقول ابن عبد البر: من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن أجاب فيه بالرأي. والله أعلم.
٢٠ - من الحديث الثالث عشر أن قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ تثمر محبة الله تعالى، والمحبة بمعنى ميل النفس إلى المحبوب لا تسند إلى الله تعالى، فالمراد لازمها وهو الإنعام والإحسان إلى العبد. وقيل: إرادة الإنعام، والأول أولى.
٢١ - قال ابن المنير: في الحديث أن المقاصد تغير أحكام الفعل، لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، فلما ظهر قصده المشروع صوبه.
٢٢ - ومن الحديث الرابع عشر والخامس عشر فضل المعوذتين.
٢٣ - قال النووي: وفيه دليل واضح على كونهما من القرآن، ورد على من نسب إلى ابن مسعود خلاف هذا. اهـ
يشير بذلك إلى ما قيل من أنهما لم يكونا في مصحف ابن مسعود، وأن ابن مسعود أنكر قرآنيتهما. وقال النووي في شرح المذهب: أجمع المسلمون على أن المعوذتين من القرآن، وأن من جحد شيئًا منهما كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح.
٢٤ - ويؤخذ من مجموع الأحاديث حسب ظاهرها المفاضلة بين آيات القرآن وسوره بعضها بعضًا. وهذه المسألة كانت موضع جدل ونقاش واختلاف آراء بين العلماء، فقد ذهب الأشعري والباقلاني وابن حبان إلى منع تفضيل بعض القرآن على بعض، لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه. وروى هذا القول عن الإمام مالك، وأنه كره أن تعاد سورة أو تتردد دون غيرها.
وذهب جمهور العلماء إلى التفضيل لظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، قال الغزالي في جواهر القرآن: لعلك أن تقول: قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله، فكيف يتفاوت بعضها بعضًا؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ فاعلم أن نور البصيرة إن لم يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، فقلد صاحب الرسالة ﷺ ، فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقال: "يس قلب القرآن"، و"فاتحة الكتاب أفضل سور القرآن"، و"آية الكرسي سيدة آيات القرآن"، و"قل هو الله أحد، تعدل ثلث القرآن". والأخبار الواردة في فضائل القرآن، وتخصيص بعض السور بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها لا تحصى. اهـ.
والتحقيق أن الخلاف بين الرأيين يكاد يكون لفظيًا، وأن كلام الله من حيث كونه كلام الله لا
стр. 1871
يفضل بعضه بعضًا، بل أي آية منه من حيث نسبتها إلى الله تعالى تعدل في شرفها أي آية أخرى، فليس في القرآن فاضل ومفضول من هذه الجهة باتفاق.
أما إذا نظرنا إلى عظم أجر القارئ ومضاعفة ثوابه لزيادة خشية النفس في بعض الآيات فإن بعض الآيات وبعض السور يفضل بعضها بعضًا، كتفضيل بعض الأيام على بعض، وبعض المساجد على بعض، من حيث زيادة أجر العمل فيها، كذلك إذا نظرنا إلى معاني الآيات ومدلولاتها فإنها يفضل بعضها بعضًا فقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ [البقرة: ١٦٣]، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص أفضل من حيث ما اشتملت عليه من ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ كذلك إذا نظرنا إلى تعجل القارئ والسامع لفائدة أخرى غير ثواب القراءة كاعتصام القارئ بالله وتحصنه فإن آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين أفضل.
لكن ينبغي على وجه الاستحسان ألا يقال في هذه الأحوال: إن آية كذا أفضل من آية كذا، لئلا يوهم نقص المفضل عليه، بل يقال: قراءة أو سماع آية كذا أعظم أجرًا أو أكثر فائدة أو أولى بالعمل من آية كذا.
واللَّه أعلم
стр. 1872
(٢٦٨) باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه
١٦٣٩ - عن سالم عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار".
١٦٤٠ - عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله هذا الكتاب فقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فتصدق به آناء الليل وآناء النهار".
١٦٤١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها".
١٦٤٢ - عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله وجل وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين".
-[المعنى العام]-
لا شك أن أفضل ما يعطاه المسلم؛ نعمة في دنياه تعينه ويستفيد منها لأخراه، ولا شك أن من
стр. 1873
أجل هذه النعم نعمة العلم والقرآن، ثم نعمة المال، وكل نعمة سلاح ذو حدين، إن استخدمت فيما يرضي الله وفيما أمر الله، وفيما وهبها الله من أجله كان فيها الخير كل الخير لصاحبها، وإن استغلت في نقيض ما شرعت له كانت وبالاً على صاحبها، ولذلك نرى سليمان ﵇ حينما منح نعمة القدرة على الإتيان بعرش بلقيس قال: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم﴾ [النمل: ٤٠]. نعم النعمة ابتلاء واختبار كالمحنة تمامًا، فصاحب القرآن الذي يقوم بقراءته وتدبره والعمل به ساعات الليل وساعات النهار هو في أجل نعمة يغبط عليها ويتمنى أهل الخير أن يعطوها، ومثاله كالأترجة طيب في نفسه ومنتفع في ذاته وطيب لغيره ونافع لمن حوله، وإن لم يحافظ عليه ولم يقرأه ولم يعمل بما فيه كان شرًا في نفسه، ووبالاً على غيره ومثله كالحنظلة طعمها مر وريحها خبيث، وكذلك الأموال سلاح ذو حدين، إن أدى حق اللَّه فيها وأنفقت في وجوه المعروف كانت خيرًا وفضلاً من اللَّه يؤتيه من يشاء، وغبط صاحبها وتمنى الصالحون أن يؤتوا مثلها، وإن أنفقت في الشر ولم يؤت حق اللَّه فيها حمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباه أصحابها.
ومع أن الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، لكن القرآن والعلم يرفع من لم يرفعه نسبه إذا صانه صاحبه، وهكذا يرفع اللَّه بهذا الكتاب أقوامًا، أما إذا لم يصنه من تمكن منه، وأساء إليه من أعطيه فإنه لا ينفعه نسبه مهما كان حسيبًا، وهكذا يخفض اللَّه به آخرين، وكم من الموالي رفعهم الإسلام بالقرآن والعلم فوق أولى الحسب والنسب والجاه، وكم من ذوي الحسب والجاه القديم صاروا في الدرك الأسفل من النار لعنادهم كتاب اللَّه. نفعنا اللَّه به وأعاننا على حفظه وتلاوته وتدبره والعمل بما فيه.
-[المباحث العربية]-
(لا حسد إلا في اثنتين) الحسد: تمني زوال نعمة الغير، سواء مع تمنيها لنفسه أم لا. والغبطة: تمني مثل ما عند الغير من نعمة من غير تمني زوالها عنه، سواء تمني وطلب من الله بقاءها لصاحبها أو لم يطلب بقاءها.
والنفي في الحديث نفي انبغاء، وليس نفي وقوع، فهو واقع في عالمنا كثيرًا في غير الاثنتين، فالمعنى: لا ينبغي ولا يشرع ولا يحمد الحسد إلا في اثنتين. كذا قيل. والأولى إرادة الغبطة من الحسد مجازًا بتشبيه الغبطة بالحسد بجامع تمني النعمة غالبًا في كل، واستعير لفظ الحسد للغبطة، فالمراد لا غبطة مشروعة إلا في اثنتين، والقصر على هذا إضافي أو ادعائي، لأن الغبطة مشروعة ومستحبة في كل أعمال الخير والبر، ولكن لعظم فضلهما ادعى أن الخير كله فيهما.
وفي الرواية الثانية: "لا حسد إلا على اثنتين". وكلمة "على" تأتي بمعنى "في"، قال الحافظ ابن حجر: تقول: حسدته على كذا أي على وجود ذلك له، وأما حسده في كذا فمعناه حسدته في شأن كذا، وكأنها سببية. اهـ
стр. 1874
(رجل آتاه اللَّه القرآن) "رجل" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: إحداهما رجل، وبالجر بدل من "اثنتين".
(فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار) أي يقوم بقراءته وتدبره، وآناء الليل ساعاته، جمع إنو بكسر الهمزة وسكون النون، أو إني بكسر الهمزة وفتح النون كإلى.
(فهو ينفقه) أي في أوجه الخير والطاعات، وفي الرواية الثانية: "فتصدق به". وفي الرواية الثالثة: "فسلطه على هلكته في الحق". وفيه تصريح بوجه الإنفاق، للاحتراز عن الإنفاق في الحرام وعن التبذير.
(ورجل آتاه اللَّه حكمة فهو يقضي بها ويعلمها) الحكمة: وضع الشيء في موضعه. وقيل: ما منع من الجهل وزجر عن القبيح. ومعنى "يقضي بها" يعمل بها، ومعنى "ويعلمها" أي ينصح ويشير ويدرب احتسابًا.
(أن نافع بن الحارث لقي عمر بعسفان) بضم العين وسكون السين على مرحلتين من مكة، وكان نافع واليًا على مكة والطائف من قبل عمر، فقدم عمر من المدينة نحو مكة، فاستقبله نافع تكريمًا وتشريفًا قبل أن يصل ولايته.
(فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ ) القائل عمر لنافع يسأله عمن استخلفه مكانه مدة غيابه للقاء أمير المؤمنين. فالمراد بالوادي وادي مكة والطائف.
(قال: ابن أبزى) هو عبد الرحمن بن أبزى مولى نافع بن الحارث، أدرك النبي ﷺ وسكن الكوفة، واستعمله علي ﵁ على خراسان.
(قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ ) القائل عمر لنافع ينكر عليه أن يولي مكانه على سادة قريش وثقيف مولى. وفي رواية: "أستخلفت على آل الله مولاك"؟ وعزله عمر واستعمل بدله خالد بن العاص بن هشام.
(أما إن نبيكم) "أما" حرف استفتاح مثل "ألا".
-[فقه الحديث]-
الحسد كما قلنا تمني زوال نعمة الغير، سواء تمناها لنفسه أم لا، والغبطة تمني مثل ما عند الغير من نعمة، من غير تمني زوالها عنه، سواء تمنى وطلب من الله بقاءها لصاحبها أو لم يطلب، كأن يقول: مثلاً: بارك الله لفلان في نعمائه وزاده خيرًا، وأعطانا مثله، وهذه أعلى درجات الغبطة، وأدناها أن يقول مثلاً: اللهم اعطنا كذا كما أعطيت فلانًا.
стр. 1875
والحسد بشقيه حرام بإجماع الأمة مع النصوص الصحيحة، حتى ولو كان المحسود لا يستحق النعمة في نظر الحاسد، فإن المعطي عليم حكيم.
والغبطة بشقيها مشروعة، وتستحب في أمور الطاعة، وقد أوضحت رواية البخاري أن المراد بالحسد الغبطة، إذ فيها: "فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ... ". الحديث.
-[ويؤخذ من الروايات الثلاث الأول: ]-
١ - فضل قراءة القرآن وتدبره.
٢ - وفضل العمل به.
٣ - وفضل تعليمه وتحفيظه وتفسيره وتدريسه.
٤ - وأن ذلك أفضل من إنفاق الأموال كلها في سبيل الله، إذ ذكر أولاً وسابقًا على الإنفاق.
٥ - جواز الغبطة ومشروعيتها في أعمال الخير، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بباب اغتباط صاحب القرآن. أي اغتباط الناس بصاحب القرآن، ووجه الحافظ ابن حجر بأنه إذا كان الحديث يرمي إلى أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه من العمل بالقرآن فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى. اهـ. فالمعنى اغتباط صاحب القرآن بالقرآن.
والحق أن الاغتباط كما في القاموس: تبجح صاحب النعمة بالحال الحسنة فهو سرور صاحب النعمة بها. أما الغبط فهو تمني مثل النعمة، فحق العنوان: غبط صاحب القرآن، ليتفق مع مدلول الحديث.
٦ - ومن الرواية الرابعة يؤخذ مدى اهتمام عمر بن الخطاب ﵁ بالرعية ومتابعة حكامه وعماله.
٧ - وفيها اعتبار النسب في الولاية.
٨ - وأن العلم والقرآن يجبران نقص النسب. كذلك قال الأبي. ولو أنه قال: إن العلم والقرآن يرفعان من وضعه نسبه لكان أفضل، فقد لا يصل الرفع إلى تمام الجبر والمساواة، وخصوصًا إذا كان النسب على شيء من العلم والقرآن، ومن هنا كان اعتراض عمر على استخلاف المولى واستعماله على سادة قريش وأشراف ثقيف، وقد روي أن عمر عزل نافع بن الحارث بسبب استخلافه مولاه، ولم يقره على فعله، كما هو واضح من الحديث مع أن عمر نفسه هو الراوي لحديث رفع العلم والقرآن لأهله، فقول الأبي بعد ذلك: المعنى أن هذا الأمير رفعه الله على هؤلاء المؤمر عليهم. قوله هذا يتنافى مع إنكار عمر، لكنه ﵁ تواضع لقولة نافع ولم يصادمها ويردها في حينها لأن ظاهرها متفق مع ما رواه.
واللَّه أعلم
стр. 1876
فتح المنعم شرح صحيح مسلم
تابع كتاب صلاة المسافرين - كتاب الجمعة - كتاب العيدين - كتاب صلاة الاستسقاء - كتاب الكسوف - كتاب الجنائز - كتاب الزكاة - كتاب الصوم
الجزء الرابع
الأستاذ الدكتور
موسى شاهين لاشين
دار الشروق
стр. 1877
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1878
فتح المنعم شرح صحيح مسلم
٤ -
стр. 1879
جميع حقوق النشر والطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م
دار الشروق
القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر
ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢)
e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com
بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)
стр. 1880
تابع كتاب صلاة المسافرين
стр. 1881
(٢٦٩) باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف
١٦٤٣ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله ﷺ "أرسله اقرأ" فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله ﷺ "هكذا أنزلت" ثم قال لي: "اقرأ". فقرأت فقال "هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه"
١٦٤٤ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ وساق الحديث بمثله. وزاد: فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم.
١٦٤٥ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل ﵇ على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف". قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحداً لا يختلف في حلال ولا حرام.
١٦٤٦ - عن أبي بن كعب ﵁ قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما رسول الله ﷺ فقرأ فحسن النبي ﷺ شأنهما، فسقط في نفسي من
стр. 1882
التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقاً وكأنما أنظر إلى الله فرقاً فقال لي: "يا أبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثالثة اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ .
١٦٤٧ - عن أبي بن كعب ﵁ أنه كان جالساً في المسجد إذ دخل رجل فصلى فقرأ قراءة. واقتص الحديث بمثل حديث ابن نمير.
١٦٤٨ - عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه جبريل ﵇ فقال: "إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف". فقال "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك" ثم أتاه الثانية فقال: "إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين". فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم جاءه الثالثة فقال: "إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف". فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم جاءه الرابعة فقال: "إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا".
-[المعنى العام]-
يقول جل شأنه: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا﴾ [المزمل: ٥] وصدق الله. فما أصعب قراءة القرآن وحفظه على الأميين وعلى أصحاب اللهجات المختلفة والألسنة غير العربية. لم يحصل في أمة من الأمم أن التزمت حفظ نص كتابها كما التزم المسلمون حفظ نص القرآن الكريم، وما أكبره وما أعظمه إذا قيس به غيره من كتب الأنبياء. نعم فما أصعب الحفظ والنطق إذا لم يكن معه تيسير، وما أصعبه حين يأمر الله نبيه على لسان جبريل أن يأمر أمته أن يقرءوا القرآن على حرف واحد، فيشفق على أمته الرحيم بها فيرجو ربه أن
стр. 1883
ييسر على أمته وأن يهون عليها القراءة وأن ييسر لها مجال الالتزام، فيأتي التيسير بالتزام حرفين وتغييرين فيكرر رجاء لربه أن يهون أكثر حتى يأتيه التيسير في المرة الرابعة أن يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف. ويقرئ الرسول ﷺ صحابته بحروف مختلفة، فيحفظ كل على ما أقرأه رسول الله ﷺ ويقرأ كل على ما حفظ، ويسمع بعضهم قراءة لم يعهدها ولم يقرئه رسول الله ﷺ إياها، ويمسك بعضهم ببعض مخطئاً إياه ويرفع الأمر إلى رسول الله ﷺ ، حدث هذا مع كثير من الصحابة، وأبرز وقائعه ما كان بين عمر وقارئ آخر، وما كان بين أبي بن كعب وقارئين آخرين، ويسمع رسول الله ﷺ قراءة كل تخالف قراءة الآخر، ويستحسن كل ما سمع ويقول لكل منهم: هكذا أنزلت. ويندهش عمر وأبي، وبسرعة يرفع رسول الله ﷺ هذه الدهشة، ويزيل من صدورهم ما يهجس به الشيطان، ويقول لهم: إن جبريل أقرأه القرآن على حرف واحد، فطلب من ربه التيسير على أمته فيسر القراءة على حرفين، فلم يزل يستزيده التيسير حتى أقرأه القرآن على سبعة أحرف، فأي حرف أقرأهم به ﷺ فهو صواب، وهو منزل من عند الله، ولا ينبغي عنده اختلاف.
وقد حددت مواطن الخلاف بإقراء الرسول ﷺ أصحابه، فأي حرف ثبت أخذه عمن أنزل عليه القرآن بالتواتر، ووافق ما أجمعت عليه الأمة من الرسم العثماني، فهو حق، وهو من عند الله الذي أنزل الكتاب وتولى حفظه حيث يقول: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩].
-[المباحث العربية]-
(هشام بن حكيم بن حزام) له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح.
(يقرأ سورة الفرقان) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف في شيء من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان.
(على غير ما أقرؤها) في رواية البخاري: "يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ".
(فكدت أن أعجل عليه) أي أتعجل مؤاخذته وأخرجه من الصلاة، وفي ملحق الرواية: "فكدت أساوره في الصلاة" بالسين، أي آخذ برأسه، أو أواثبه.
(ثم أمهلته حتى انصرف) أي انتهى من الصلاة وسلم، وفي ملحق الرواية: "فتصبرت حتى سلم".
(ثم لببته بردائه) قال النووي: "لببته" بتشديد الباء الأولى. معناه أخذته بمجامع ردائه في عنقه وجررته به، مأخوذ من اللبة بفتح اللام وهي المنحر.
(أرسله) أي دع ما تقبض عليه من ثيابه، وذلك ليتمكن من القراءة بيسر وحرية.
стр. 1884
(القراءة التي سمعته يقرأ) عائد الصلة مفعول "يقرأ" محذوف، أي يقرؤها.
(فلم أزل أستزيده) أي أطلب المزيد من الرفق والمعافاة والتخفيف.
(فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية) في رواية للطبري: "فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي". قال النووي: معناه وسوس لي الشيطان تكذيباً للنبوة أشد مما كنت عليه في الجاهلية، لأنه في الجاهلية كان غافلاً. أو متشككاً، فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب. قال القاضي عياض: معنى قوله "سقط في نفسي" أنه اعترته حيرة ودهشة. قال: وقوله: "ولا إذ كنت في الجاهلية". معناه أن الشيطان نزع في نفسه تكذيباً لم يعتقده. قال: وهذه الخواطر إذا لم يستمر عليها لا يؤاخذ بها. قال المازري: معنى هذا أنه وقع في نفس أبي بن كعب نزعة من الشيطان غير مستقرة ثم زالت في الحال حين ضرب النبي ﷺ بيده في صدره ففاض عرقاً. اهـ
وفاعل سقط "من التكذيب" على أن "من" تبعيضية، والواو عاطفة، أي وقع في نفسي بعض التكذيب ولا يشبهه تكذيبي حين كنت في الجاهلية.
(ففضت عرقاً) يقال: فضت عرقاً وفصت عرقاً بالضاد والصاد، والرواية هنا بالضاد.
(وكأنما أنظر إلى الله فرقاً) بالراء المفتوحة، أي خوفاً وخجلاً مما غشيه من الشيطان.
(كان عند أضاة بني غفار) قال النووي: هي بفتح الهمزة وبالضاد، وهي الماء المستنقع كالغدير، وجمعها أضا، كحصاة وحصى، وإضاء بكسر الهمزة والمد كأكمة وإكام. اهـ وهو موضع بالمدينة، ينسب إلى بني غفار -بكسر الغين وتخفيف الفاء- لأنهم نزلوا عنده.
-[فقه الحديث]-
أمام الأحاديث المصرحة بنزول القرآن على سبعة أحرف، وهو أحاديث صحيحة لا سبيل إلى ردها، بل قال بعضهم بتواتر الحديث المذكور. أمام هذه الأحاديث كثرت أقوال العلماء في معنى الأحرف والمراد بها، وبقاء الأحرف إلى اليوم أو عدم بقائها حتى بلغت الأقوال -في عد السيوطي- أربعين قولاً، نقتصر منه على أقواها وأدقها، وما له حظ من القبول منها.
-[ويؤخذ من مجموع الأحاديث]-
أولاً وقبل عرضها خمسة أصول، وهي:
١ - أن الإلزام بالقراءة على حرف واحد في أول الأمر كان فيه حرج ومشقة على الأمة، لاختلاف لهجاتها ولغاتها ولضعف مرونة ألسنتها لأنها أمة أمية. وفيها العجوز والشيخ الفاني الذي لا يقدر على النطق بما لا يعهد.
стр. 1885
٢ - وأن المقصود من الزيادة إلى سبعة أحرف هو تيسير القراءة وتسهيل النطق والفهم.
٣ - وأن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف من هذه الأحرف السبعة غير ملزمة بحرف خاص منها.
٤ - وأن الصحابة كانوا يقرءون قراءات مختلفة حتى استنكر بعضهم قراءة البعض واحتكموا إلى رسول الله ﷺ .
٥ - وأن النبي ﷺ صوب قراءة كل منهم، وأقرهم على قراءاتهم، وأنه هو الذي أقرأهم إياها، وأن كل قراءة منزلة من عند الله.
هذه الأصول الخمسة، ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقدير كل قول من هذه الأقوال، فإن بعض الأقوال بعد عنها كل البعد، وبعضها انحرف عنها بعض الانحراف.
وهذه هي الأقوال ومناقشاتها:
أولاً: ذهب بعض العلماء إلى أن حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف مشكل، لا يعرف المراد منه، لأن الحرف يطلق في اللغة -كما في القاموس- على: طرف الشيء، وشفيره، وحده، ومن الجبل أعلاه المحدد، وعلى أحد حروف الهجاء، وعلى الناقة الضامرة، وعلى سيل الماء، وعلى الوجه.
وهذه الإطلاقات الكثيرة تدل على أن لفظ الحرف مشترك لفظي، والمشترك اللفظي إذا لم يظهر المراد منه بقرينة كان مشكلاً. والله أعلم بمراده منه.
ويرد هذا القول بأن المشترك اللفظي إذا وجدت قرينة تبين المعنى المراد منه لا يكون مشكلاً، وقد قامت قرائن تمنع بعض معانيه وتعين بعضها الآخر، لأنه لا يصح أن يراد أحد حروف الهجاء، لأن القرآن مؤلف من جميع حروف الهجاء لا من سبعة منها فقط، ولا يصح أن يراد له طرف الشيء ولا الناقة الضامرة ولا مسيل الماء، فتعين أن يراد منه الوجه، وإذا تعين أحد وجوه المشترك اللفظي بمثل هذه القرائن لم يكن مشكلاً.
ثانيا: ذهب بعضهم إلى أن حقيقة العدد غير مقصودة، بل المقصود التيسير والتسهيل والتوسعة على الأمة بوجوه متعددة كثيرة، والتعبير بالسبعة في عرف الشرع يراد به الكثرة في الآحاد، قال تعالى: ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر﴾ [لقمان: ٢٧] كما أن التعبير بالسبعين يراد به الكثرة في العشرات قال تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. وهذا القول لا يلتزم تحديد وجوه التيسير، وإليه جنح القاضي عياض.
لكنه مردود ببعض الأحاديث الدالة على أن حقيقة العدد مقصودة، وأن الأوجه منحصرة في سبعة، فحديث أبي بن كعب -روايتنا الثالثة والرابعة- فيه مراجعة وتحديد بالسبعة.
ثالثاً: ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو حاتم السجستاني إلى أن المراد من الأحرف السبعة لغات سبع متفرقة في القرآن كله، بمعنى أن بعض معاني القرآن عبر عنه بلفظ من لغة اليمن،
стр. 1886
وبعضها عبر عنه بلفظ من لغة هذيل وهكذا، فألفاظ القرآن تمثل سبع لغات لأهم سبع قبائل عربية وهذا لا يمنع كون القرآن نزل بلغة قريش، إذ أغلبه وأكثره بلغة قريش، وهذه الألفاظ الممثلة للغات أهم القبائل قليلة جداً.
واختار هذا القول الأزهري في التهذيب، واختاره أيضاً ابن عطية وقال: وقد قال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآناً عربياً﴾ [الزخرف: ٣] ولم يقل "قرشياً".
ورد هذا القول بأنه يتنافى مع ما علم من الأحاديث من أن الهدف من الأحرف السبعة التيسير ورفع الحرج، فإنه والحالة هذه لا تخيير في القراءة بل الكلام ملزم بلفظ واحد، ولا يمكن حينئذ تصور اختلاف الصحابة في القراءة وإقرار النبي ﷺ كلاً منهم على قراءته.
رابعاً: ذهب بعضهم إلى أن الأحرف لغات عربية في كلمة واحدة، وكان من تيسير الله على الأمة أن يقرأ كل قوم بلغتهم، فالهذلي يقرأ: "عتى حين" يريد "حتى حين" والأسدي يقرأ: "لا تعلمون" بكسر أوله، والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، ولو أراد كل منهم أن يتحول عن لغته وما جرى عليه لسانه لشق عليه غاية المشقة، فيسر الله عليهم، واستمر هذا التيسير حتى جمع عثمان الناس على قراءة واحدة.
ويرد هذا القول الاختلاف الباقي في القراءات حتى اليوم، ثم هو لا يتحدد بسبع لا في كلمة ولا في الكل.
خامساً: ذهب أهل الفقه والأصول والحديث منهم سفيان وابن وهب وابن جرير الطبري والطحاوي إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات في كل كلمة واحدة ومعنى واحد، مثل: هلم وأقبل وتعال وعجل وأسرع وقصدي ونحوي، فهذه ألفاظ سبعة في معنى طلب الإقبال. ويستدل هذا الرأي بقراءة أبي بن كعب: ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه﴾ [البقرة: ٢٠] "كلما أضاء لهم مروا فيه". "كلما أضاء لهم سعوا فيه". وما جاء في قراءة ابن مسعود: "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أمهلونا". "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أخرونا نقتبس".
ويلتزم أصحاب هذا الرأي أن يقولوا: إن هذه الأوجه كانت جائزة في أول الأمر، ثم نسخت إلا وجهاً في العرضة الأخيرة، وهي التي نسخ عليها عثمان مصاحفه.
ويرد على هذا الرأي بندرة الكلمات التي يوجد لها سبعة مرادفات فلا يتأتى التيسير، ولا يتأتى رفع الحرج، بل أنكر ابن قتيبة أن يكون في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه، على أنه يؤدي إلى أن الاختلاف في أوجه القراءة قد انتهى، مع أن الأمة أجمعت على صحة القراءات الكثيرة المتواترة.
سادسا: هناك آراء أخرى أضعف من الآراء السابقة منها:
(أ) قول بعضهم: الأحرف السبعة أصناف سبعة: أمر، ونهي، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.
(ب) وقول بعضهم: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج.
стр. 1887
(ج) وقول بعضهم: محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخصوص وعموم وقصص.
(د) وقول بعضهم: مطلق ومقيد، وعام وخاص، ونص ومؤول، وناسخ ومنسوخ، واستثناء وغير ذلك (والعدد لا مفهوم له).
وترد هذه الأقوال بأنه لا يتأتى فيها الاختلاف في القراءة ولا التيسير على الأمة.
سابعاً: وأصح الآراء وأقواها في تصورنا وأحراها بالقبول عندنا ما ذهب إليه الإمام الرازي وحاصله أن الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:
(أ) اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ [المؤمنون: ٨]. إذ قرئ: "لأماناتهم" بالجمع، و"لأمانتهم" بالإفراد.
(ب) اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا﴾ [سبأ: ١٩] قرئ بنصب "ربنا" على النداء وبلفظ "باعد" على فعل الأمر، وقرئ "ربنا بعد" برفع "ربنا" على الابتداء وبلفظ "بعد" ماضياً مضعف العين خبر المبتدأ.
(ج) اختلاف وجوه الإعراب، ويمكن التمثيل له في الأفعال بقوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قرئ بفتح الراء على أن "لا" ناهية، والفعل مجزوم، وقرئ بضم الراء على أن "لا" نافية، والفعل بعدها مرفوع، ويمكن التمثيل له في الأسماء بقوله تعالى: ﴿ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٥]. قرئ برفع لفظ "المجيد" على أنه نعت لكلمة "ذو" وقرئ بجره على أنه نعت لكلمة "العرش".
وهذه الأحرف الثلاثة موافقة للرسم العثماني، لأنه كان خالياً من النقط ومن الشكل.
(د) الاختلاف بالنقص والزيادة، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار﴾ [التوبة: ١٠٠] في سورة التوبة، وقرئ "تجري من تحتها الأنهار" بزيادة لفظ "من" وهما قراءتان متواترتان، وقد وافقت كل منهما رسم المصحف، فالأولى بدون "من" وافقت رسم غير المصحف المكي، والتي بزيادة "من" وافقت رسم المصحف المكي.
ومن هذا الوجه، الزيادة والنقص، مما لا يوافق رسم المصحف، كقراءة: "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً". بزيادة لفظ. "صالحة" وقراءة: "والذكر والأنثى". بحذف لفظ: "وما خلق". فإن زيادة "صالحة" ونقص "وما خلق" مخالفة لخط جميع المصاحف العثمانية ولذا تركت هذه القراءة وعدت منسوخة في العرضة الأخيرة.
(هـ) الاختلاف بالتقديم والتأخير، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ [ق: ١٩] فقد قرئ: "وجاء سكرة الحق بالموت". ولكن القراءة
стр. 1888
الثانية لا توافق رسم مصحف من المصاحف العثمانية، فتركت وعدت منسوخة التلاوة في العرضة الأخيرة.
ومثال ما وافق المصحف من هذا الوجه قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً﴾ [التوبة: ١١١]. قرئ بالفعل الأول مبنياً للمعلوم والثاني مبنيا للمجهول، وقرئ بالعكس والقراءتان متواترتان.
(و) الاختلاف بالإبدال، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ [البقرة: ٢٥٩]. بالزاي وبالراء. قراءتان متواترتان. وكذا قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. قرئ "فتثبتوا". قراءتان متواترتان موافقتان لرسم المصحف.
ومثال ما لم يوافق رسم المصحف قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. قرئ "فامضوا إلى ذكر الله". وهي مخالفة لرسم جميع المصاحف العثمانية فتركت وعدت منسوخة التلاوة في العرضة الأخيرة.
(ز) اختلاف اللغات -أي اللهجات، كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإظهار والإدغام ونحو ذلك، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ [طه: ٩]. بالفتح والإمالة في "أتى" وفي "موسى" وهذا الوجه موافق دائماً لرسم المصحف، لأنه تغيير في النطق الشكلي وليس في جوهر الكلمة.
وهذا الرأي يتمشى مع الأصول الخمسة المستفادة من مجموع الأحاديث التي سبق بيانها، كما أنه يعتمد على الاستقراء التام لمرجع اختلاف القراءات كما أنه يتمشى مع بقاء الأحرف السبعة إلى اليوم، كما أنه لا يلزمه محذور، وكل اعتراض عليه يمكن رده. والله أعلم.
(ملحوظة) قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. اهـ.
وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. وأما من ظن أن قراءة هؤلاء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - تيسير الله تعالى على الأمة ورحمته بهم.
٢ - شفقته ﷺ بأمته، حيث طلب من الله تعالى التيسير وراجعه عدة مرات. ويؤخذ من روايتنا الثالثة أن التيسير بسبعة أحرف جاء في الردة الثالثة، ومن الرواية الرابعة أن التيسير بسبعة أحرف جاء في الردة الرابعة. قال النووي: هذا مما يشكل معناه والجمع بين الروايتين، وأقرب ما يقال فيه أن قوله في الرواية الثالثة: "فرد إلي الثالثة". المراد بالثالثة الأخيرة وهي
стр. 1889
الرابعة. فسماها ثالثة مجازاً. وحملنا على هذا التأويل تصريحه في الرواية الرابعة أن الأحرف السبعة إنما كانت في المرة الرابعة، وهي الأخيرة، ويكون قد حذف في الرواية الثالثة أيضاً بعض المرات. اهـ فالوهم من الراوي.
٣ - ومدى عناية الصحابة بالقرآن والذب عنه والمحافظة عليه وعلى لفظه كما سمعوه من غير عدول عنه.
٤ - ومن تصرف عمر مع الرجل يؤخذ ما كان عليه ﵁ من الشدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما فعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشاماً خالف الصواب، واستساغ ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته، بخلاف هشام، فإنه كان قريب العهد بالإسلام فهو من مسلمة الفتح، فخشي عمر من ذلك أن لا يكون أتقن القراءة، بخلاف نفسه فإنه كان قد أتقن ما سمع.
٥ - تقدير الرسول ﷺ للغيرة الإسلامية وعدم تعنيفه من يشتد بسببها، فقد اكتفى بقوله لعمر: "أرسله" ولم ينكر عليه إمساكه الرجل من تلابيبه وسحبه إلى الرسول ﷺ .
٦ - ومن قوله في الرواية الثالثة: "فسقط في نفسي .... إلخ". العفو عن نزغات الشيطان وخطرة النفس التي لا تستقر، وعدم المؤاخذة عليها، لأنه لا يقدر على دفعها.
٧ - ومن الرواية الثالثة أيضاً بركة النبي ﷺ حيث أزالت ضربته في صدر أبي هاجس النفس وخواطر الشيطان.
٨ - وأنه كان لنبينا ﷺ ثلاث دعوات مستجابة، أي محققة الإجابة بوعد الله، وأما غير هذه الدعوات فهي على رجاء الإجابة، وكثيراً ما أجيب دعاؤه. قال المحققون: يتعين أن يكون متعلق الثانية غير متعلق الأولى، لأنه لو اتحد متعلقهما كانتا دعوة واحدة، فلم تكن الدعوات ثلاثاً، فمتعلق الأولى الدعاء لمن وجد من الأمة، ومتعلق الثانية من سيوجد. وقيل: الأولى للمفرطين في الطاعة، والثانية للمفرطين في المعصية.
٩ - ثبوت شفاعته ﷺ لجميع الأمم، حيث ادخر دعوته الثالثة ليوم الموقف العظيم.
والله أعلم
стр. 1890
(٢٧٠) باب ترتيل القراءة واجتناب الهذ
١٦٤٩ - عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف ألفاً تجده أم ياءً ﴿من ماء غير آسن﴾ أو من "ماء غير ياسن"؟ قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر؟ إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن سورتين في كل ركعة. ثم قام عبد الله فدخل علقمة في إثره ثم خرج فقال: قد أخبرني بها. قال ابن نمير في روايته: جاء رجل من بني بجيلة إلى عبد الله ولم يقل نهيك بن سنان.
١٦٥٠ - عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله يقال له: نهيك بن سنان بمثل حديث وكيع غير أنه قال: فجاء علقمة ليدخل عليه فقلنا له: سله عن النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها في ركعة. فدخل عليه فسأله ثم خرج علينا فقال: عشرون سورة من المفصل في تأليف عبد الله.
١٦٥١ - عن الأعمش في هذا الإسناد بنحو حديثهما وقال: إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله ﷺ اثنتين في ركعة عشرين سورة في عشر ركعات.
١٦٥٢ - عن أبي وائل قال: غدونا على عبد الله بن مسعود يوماً بعد ما صلينا الغداة فسلمنا بالباب فأذن لنا. قال: فمكثنا بالباب هنية. قال: فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ فدخلنا فإذا هو جالس يسبح. فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم؟ فقلنا: لا إلا أنا ظننا أن بعض أهل البيت نائم. قال: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة. قال: ثم أقبل يسبح حتى ظن أن الشمس قد طلعت فقال: يا جارية انظري هل طلعت؟ قال: فنظرت فإذا هي لم تطلع. فأقبل يسبح حتى إذا ظن أن الشمس قد طلعت: قال يا جارية انظري هل طلعت. فنظرت فإذا هي قد طلعت. فقال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا (فقال مهدي وأحسبه
стр. 1891
قال). ولم يهلكنا بذنوبنا. قال: فقال رجل من القوم قرأت المفصل البارحة كله. قال: فقال عبد الله. هذا كهذ الشعر، إنا لقد سمعنا القرائن وإني لأحفظ القرائن التي كان يقرؤهن رسول الله ﷺ ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم.
١٦٥٣ - عن شقيق قال: جاء رجل من بني بجيلة يقال له: نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر؟ لقد علمت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن سورتين في ركعة.
١٦٥٤ - عن عمرو بن مرة أنه سمع أبا وائل يحدث أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود فقال: إني قرأت المفصل الليلة كله في ركعة. فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر؟ فقال عبد الله: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن. قال: فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين سورتين في كل ركعة.
-[المعنى العام]-
لقراءة القرآن الكريم أصول وآداب، فأهم أصولها إخراج الحروف من مخارجها وإعطاؤها حقها من تجويد التلاوة. وأهم آدابها التأمل والتدبر، ولهذا أمر القرآن الكريم بالترتيل حيث يقول: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل: ٤]. ولا شك أنه كلما حصل التأني في القراءة كلما كانت فرص التدبر أكبر، وكلما أسرع القارئ كانت فرصة التدبر أقل حتى إذا أفرط في الإسراع تلاشت فرصة التدبر أو كادت حتى يصبح القرآن مجرد مرور على اللسان لا يصل القلب، ومن آداب حملة القرآن عدم المباهاة به، وعدم المراءاة بكثرة قراءته.
لقد جاء نهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود إمام قراء العراق فقال له: كيف تقرأ: "من ماء غير آسن"؟ بالهمزة "غير آسن"؟ أم بالياء "غير ياسن"؟ وعرف ابن مسعود أن الرجل يتحزلق ويتشدق ويتفيهق عليه، فأعرض عن جوابه وسأله: هل أتقنت القرآن كله ولم يعد أمامك إلا هذه المسألة؟ وزاد الرجل في افتخاره فقال: إني أقرأ المفصل كله -أكثر من أربعة أجزاء من القرآن- في ركعة واحدة من صلاة الليل، وقد فعلت ذلك الليلة. وأراد ابن مسعود أن يحد من خيلاء الرجل وزهوه وفخره فقال له: أظنك بهذه الطريقة تفرط في السرعة في القراءة حتى تخرج عن القراءة المشروعة التي سنها رسول الله ﷺ ، فلقد كان ﷺ يجمع بين سورتين من المفصل في الركعة لصلاة الليل، وإني لأعلم السور التي كان يجمع بينها في كل ركعة، عشرون سورة في عشر ركعات، أما وهذه حالتك
стр. 1892
فأنت تهذ القراءة هذاً، وتسرع بها إسراعاً، لا تكاد قراءتك تتجاوز لسانك إلى قلبك، وما أبعدك عن العمل بسنة رسول الله ﷺ في القراءة وفي الصلاة وفي آداب حامل القرآن.
-[المباحث العربية]-
(نهيك بن سنان) بفتح النون وكسر الهاء، وهو الرجل في الرواية الثالثة والخامسة، والقصة واحدة.
(يا أبا عبد الرحمن) كنية عبد الله بن مسعود، والنداء بالكنية رمز التقدير والاحترام.
(كيف تقرأ هذا الحرف) حرف الهجاء يقصد الهمزة الممدودة في "آسن". والماء الآسن هو المتغير.
(وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ ) "كل" مفعول مقدم لأحصيت والكلام على الاستفهام للتبكيت لأنه فهم أن الرجل غير مسترشد وإنما هو متفيهق يدعي العلم والفقه ولو فهم ابن مسعود أنه مسترشد لأجابه.
(إني لأقرأ المفصل في ركعة) صدقت نظرة ابن مسعود في الرجل المتباهي بعلمه المفتخر بحفظه، والمفصل من القرآن قيل: من أول القتال. وقيل: من الحجرات. وقيل: من ق. أقوال كثيرة مع الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن، ويقسمونه إلى طوال المفصل وقصار المفصل. وسمي مفصلاً لقصر سوره وقرب انفصال بعضهن من بعض.
(هذاً كهذ الشعر) "هذاً" بفتح الهاء وتشديد الذال المنونة، أي سرداً وإفراطاً في السرعة، وهو منصوب على المصدر، والكلام على الاستفهام الإنكاري بحذف أداة الاستفهام، وأصل الهذ الدفع، والمراد من هذ الشعر ما كانوا عليه من الإسراع في حفظه وروايته، لا في ترنمه وإنشاده.
(لا يجاوز تراقيهم) أي لا يتعدى التراقي إلى القلب، فهو مرور على اللسان فحسب، والتراقي عظام بين النحر والحلق.
(إني لأعلم النظائر) أي السور المتماثلة في المعاني كالموعظة والحكم أو القصص، لا المتماثلة في عدد الآي وسيظهر ذلك في فقه الحديث.
(يقرن بينهن) بضم الراء وكسرها، أي يجمع بينهن سورتين في كل ركعة.
(ثم قام عبد الله) فدخل إحدى حجرات بيته لما سيظهر من الرواية الثالثة من أن الكلام كان في البيت.
(عشرون سورة من المفصل في تأليف عبد الله) أي في ترتيب عبد الله بن مسعود للسور في مصحفه، وفي فقه الحديث زيادة تفصيل لذلك.
стр. 1893
(بعد ما صلينا الغداة) صلاة أول النهار، وهي الفجر.
(فمكثنا بالباب هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء المفتوحة. وفي القاموس: هنية مصغرة هنة بفتحتين، أصلها بفتح الهاء وسكون النون، أي شيء يسير، ويروي في الحديث هنيهة بإبدال الياء هاء.
(ألا تدخلون؟ ) "ألا" أداة عرض أو تحضيض، وهما للطلب لكن العرض طلب بلين.
(جالس يسبح) أي يذكر الله وينزهه وجملة "يسبح" في محل النصب حالية
(فقلنا: لا. إلا أنا ظننا) "لا" في قوة جملة، أي لم يمنعنا شيء إلا أنا توهمنا أن بعض أهل البيت نائم، فالظن هنا مراد منه التوهم، وليس رجحان الاعتقاد كما هو عند الأصوليين.
(ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة) ابن أم عبد هو ابن مسعود، فكأنه قال: ظننتم بآلي غفلة عن صلاة الصبح حاضراً، فقد كان ذلك بين الفجر وطلوع الشمس، والكلام على الاستفهام الإنكاري.
(الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا) أي أحيانا يومنا هذا.
(قرأت المفصل البارحة كله) أي في ركعة كما هو في الروايات الأخرى، والبارحة أقرب ليلة مضت.
(ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم) أي السورة التي أولها "حم" والظاهر أن لفظ "آل" زائدة كما في "مزماراً من مزامير آل داود" كذا قيل. وقال الكرماني: لولا أن هذا الحرف "آل" ورد في الكتابة منفصلاً وحده و "حم" وحده لجاز أن تكون الألف واللام لتعريف الجنس، أي وسورتين من الحواميم.
-[فقه الحديث]-
ترتيل القرآن تبيين حروفه والتأني في الأداء مع الإتيان ببعضه إثر بعض قال تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ [المزمل: ٤]. وقال: ﴿وقرءاناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ١٠٦]. والأمر بالترتيل للاستحباب، ولا يلزم من استحباب التأني كراهة الإسراع، وإنما الذي يكره الهذ، وهو الإسراع المفرط بحيث يخفي كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها.
وللعلماء في أفضلية التأني في الأداء مع قلة المقروء أو أفضلية الإسراع مع كثرة المقروء وجهات نظر، فقد سئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة فقط، قيامهما واحد وركوعهما واحد وسجودهما واحد، فقال: الذي قرأ البقرة فقط أفضل. وقال رجل لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، إني لأقرأ القرآن في ليلة. فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إلي.
стр. 1894
قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة ثمينة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة الثمينة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد يكون بالعكس. ا. هـ وهو كلام جيد.
-[ويؤخذ من الأحاديث]-
١ - من قوله في الرواية الأولى: "إن أفضل الصلاة الركوع والسجود". أن إطالة الركوع: والسجود أفضل من إطالة القراءة، وهو مذهب لابن مسعود ولبعض العلماء، ويؤيده قوله ﷺ "أفضل الصلاة طول القنوت". وقوله: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
٢ - ومن قوله "سورتين في كل ركعة". جواز الجمع بين السور في ركعة واحدة، لأنه إذا جمع بين السورتين ساغ الجمع بين ثلاث فصاعداً لعدم الفرق، وقد روى أبو داود وصححه ابن خزيمة عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة: أكان رسول الله ﷺ يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل.
قال عياض: حديث ابن مسعود هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته ﷺ غالباً، وأما تطويله وقراءته البقرة والنساء وآل عمران في ركعة كما سبق قريباً فكان نادراً.
٣ - استدل بعضهم بقوله: "عشرون سورة في عشر ركعات". أن صلاة النبي ﷺ بالليل إحدى عشرة ركعة.
٤ - استدل بقوله: "إني لأعرف النظائر ... إلخ". استحباب اختيار النظائر حين الجمع بين السور، وقد بين أبو داود في رواية هذه النظائر، فقال: "الرحمن" و"النجم" في ركعة، و"اقتربت" و"الحاقة" في ركعة، و"الطور" و"الذاريات" في ركعة، و"الواقعة" و"نون" في ركعة و"سأل سائل" و"النازعات" في ركعة و"ويل للمطففين" و"عبس" في ركعة و"المدثر" و"المزمل" في ركعة، و"هل أتى" و"لا أقسم" في ركعة"، و"عم" و"المرسلات" في ركعة و"الدخان" و"إذا الشمس كورت" في ركعة قال المحب الطبري: كنت أظن من النظائر أنها متساوية في العد حتى فحصتها فلم أجد فيها شيئاً متساوياً. ا. هـ فالمراد من النظائر التشابه في المعاني. والله أعلم.
٥ - يؤخذ من هذه النظائر أن قراءة السور مترتبة على المصحف ليس لازماً.
٦ - وأنه يجوز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها.
٧ - وفيه ما يقوي القول بأن ترتيب السور في المصحف كان باجتهاد من الصحابة إذ كان تأليف مصحف عبد الله بن مسعود مغايراً لتأليف مصحف عثمان.
стр. 1895
٨ - استدل بقوله في الرواية الثالثة: "ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم". على أن المفصل ما بعد آل حم، ولا تعارض بين هذا وبين ما ذكر في الرواية الثانية من قوله: "عشرون سورة من المفصل". لأن مراده معظم العشرين من المفصل.
٩ - ومن استبعاد ابن مسعود غفلة أهله عن الصلاة يؤخذ مراعاة الرجل لأهل بيته ورعيته في أمور دينهم.
١٠ - أخذ القاضي عياض من قول ابن مسعود للجارية: انظري هل طلعت الشمس؟ قبول خبر الواحد والعمل بالظن مع القدرة على اليقين، لأنه اكتفى بخبرها مع قدرته على رؤية طلوعها، ورد عليه بأن الخلاف في قبول خبر الواحد إنما هو تجرده عن القرائن، أما مع وجود القرائن فلا خلاف في قبوله، وهنا القرائن واضحة، من الولاء والقرب والتمكن من العلم، وغير ذلك مما لا يمكن للجارية معه أن تخبر بخلاف الواقع.
١١ - قال الأبي: وفيه أن الأوقات المخصوصة بالذكر ثواب الذكر فيها أكثر من ثواب التلاوة. قلت: قد يكون رأياً لابن مسعود أو تغيير عبادة للتنشيط، أما الثواب وزيادته فليس مسلماً.
١٢ - وفيه أن الكلام لا يقطع ورد التسبيح والذكر. قال الأبي: وهو لا يحتاج إلى استدلال.
والله أعلم
следующие страницы →