Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
قال). ولم يهلكنا بذنوبنا. قال: فقال رجل من القوم قرأت المفصل البارحة كله. قال: فقال عبد الله. هذا كهذ الشعر، إنا لقد سمعنا القرائن وإني لأحفظ القرائن التي كان يقرؤهن رسول الله ﷺ ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم.
١٦٥٣ - عن شقيق قال: جاء رجل من بني بجيلة يقال له: نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر؟ لقد علمت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن سورتين في ركعة.
١٦٥٤ - عن عمرو بن مرة أنه سمع أبا وائل يحدث أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود فقال: إني قرأت المفصل الليلة كله في ركعة. فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر؟ فقال عبد الله: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن. قال: فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين سورتين في كل ركعة.
-[المعنى العام]-
لقراءة القرآن الكريم أصول وآداب، فأهم أصولها إخراج الحروف من مخارجها وإعطاؤها حقها من تجويد التلاوة. وأهم آدابها التأمل والتدبر، ولهذا أمر القرآن الكريم بالترتيل حيث يقول: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل: ٤]. ولا شك أنه كلما حصل التأني في القراءة كلما كانت فرص التدبر أكبر، وكلما أسرع القارئ كانت فرصة التدبر أقل حتى إذا أفرط في الإسراع تلاشت فرصة التدبر أو كادت حتى يصبح القرآن مجرد مرور على اللسان لا يصل القلب، ومن آداب حملة القرآن عدم المباهاة به، وعدم المراءاة بكثرة قراءته.
لقد جاء نهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود إمام قراء العراق فقال له: كيف تقرأ: "من ماء غير آسن"؟ بالهمزة "غير آسن"؟ أم بالياء "غير ياسن"؟ وعرف ابن مسعود أن الرجل يتحزلق ويتشدق ويتفيهق عليه، فأعرض عن جوابه وسأله: هل أتقنت القرآن كله ولم يعد أمامك إلا هذه المسألة؟ وزاد الرجل في افتخاره فقال: إني أقرأ المفصل كله -أكثر من أربعة أجزاء من القرآن- في ركعة واحدة من صلاة الليل، وقد فعلت ذلك الليلة. وأراد ابن مسعود أن يحد من خيلاء الرجل وزهوه وفخره فقال له: أظنك بهذه الطريقة تفرط في السرعة في القراءة حتى تخرج عن القراءة المشروعة التي سنها رسول الله ﷺ ، فلقد كان ﷺ يجمع بين سورتين من المفصل في الركعة لصلاة الليل، وإني لأعلم السور التي كان يجمع بينها في كل ركعة، عشرون سورة في عشر ركعات، أما وهذه حالتك
стр. 1892
فأنت تهذ القراءة هذاً، وتسرع بها إسراعاً، لا تكاد قراءتك تتجاوز لسانك إلى قلبك، وما أبعدك عن العمل بسنة رسول الله ﷺ في القراءة وفي الصلاة وفي آداب حامل القرآن.
-[المباحث العربية]-
(نهيك بن سنان) بفتح النون وكسر الهاء، وهو الرجل في الرواية الثالثة والخامسة، والقصة واحدة.
(يا أبا عبد الرحمن) كنية عبد الله بن مسعود، والنداء بالكنية رمز التقدير والاحترام.
(كيف تقرأ هذا الحرف) حرف الهجاء يقصد الهمزة الممدودة في "آسن". والماء الآسن هو المتغير.
(وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ ) "كل" مفعول مقدم لأحصيت والكلام على الاستفهام للتبكيت لأنه فهم أن الرجل غير مسترشد وإنما هو متفيهق يدعي العلم والفقه ولو فهم ابن مسعود أنه مسترشد لأجابه.
(إني لأقرأ المفصل في ركعة) صدقت نظرة ابن مسعود في الرجل المتباهي بعلمه المفتخر بحفظه، والمفصل من القرآن قيل: من أول القتال. وقيل: من الحجرات. وقيل: من ق. أقوال كثيرة مع الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن، ويقسمونه إلى طوال المفصل وقصار المفصل. وسمي مفصلاً لقصر سوره وقرب انفصال بعضهن من بعض.
(هذاً كهذ الشعر) "هذاً" بفتح الهاء وتشديد الذال المنونة، أي سرداً وإفراطاً في السرعة، وهو منصوب على المصدر، والكلام على الاستفهام الإنكاري بحذف أداة الاستفهام، وأصل الهذ الدفع، والمراد من هذ الشعر ما كانوا عليه من الإسراع في حفظه وروايته، لا في ترنمه وإنشاده.
(لا يجاوز تراقيهم) أي لا يتعدى التراقي إلى القلب، فهو مرور على اللسان فحسب، والتراقي عظام بين النحر والحلق.
(إني لأعلم النظائر) أي السور المتماثلة في المعاني كالموعظة والحكم أو القصص، لا المتماثلة في عدد الآي وسيظهر ذلك في فقه الحديث.
(يقرن بينهن) بضم الراء وكسرها، أي يجمع بينهن سورتين في كل ركعة.
(ثم قام عبد الله) فدخل إحدى حجرات بيته لما سيظهر من الرواية الثالثة من أن الكلام كان في البيت.
(عشرون سورة من المفصل في تأليف عبد الله) أي في ترتيب عبد الله بن مسعود للسور في مصحفه، وفي فقه الحديث زيادة تفصيل لذلك.
стр. 1893
(بعد ما صلينا الغداة) صلاة أول النهار، وهي الفجر.
(فمكثنا بالباب هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء المفتوحة. وفي القاموس: هنية مصغرة هنة بفتحتين، أصلها بفتح الهاء وسكون النون، أي شيء يسير، ويروي في الحديث هنيهة بإبدال الياء هاء.
(ألا تدخلون؟ ) "ألا" أداة عرض أو تحضيض، وهما للطلب لكن العرض طلب بلين.
(جالس يسبح) أي يذكر الله وينزهه وجملة "يسبح" في محل النصب حالية
(فقلنا: لا. إلا أنا ظننا) "لا" في قوة جملة، أي لم يمنعنا شيء إلا أنا توهمنا أن بعض أهل البيت نائم، فالظن هنا مراد منه التوهم، وليس رجحان الاعتقاد كما هو عند الأصوليين.
(ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة) ابن أم عبد هو ابن مسعود، فكأنه قال: ظننتم بآلي غفلة عن صلاة الصبح حاضراً، فقد كان ذلك بين الفجر وطلوع الشمس، والكلام على الاستفهام الإنكاري.
(الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا) أي أحيانا يومنا هذا.
(قرأت المفصل البارحة كله) أي في ركعة كما هو في الروايات الأخرى، والبارحة أقرب ليلة مضت.
(ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم) أي السورة التي أولها "حم" والظاهر أن لفظ "آل" زائدة كما في "مزماراً من مزامير آل داود" كذا قيل. وقال الكرماني: لولا أن هذا الحرف "آل" ورد في الكتابة منفصلاً وحده و "حم" وحده لجاز أن تكون الألف واللام لتعريف الجنس، أي وسورتين من الحواميم.
-[فقه الحديث]-
ترتيل القرآن تبيين حروفه والتأني في الأداء مع الإتيان ببعضه إثر بعض قال تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ [المزمل: ٤]. وقال: ﴿وقرءاناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ١٠٦]. والأمر بالترتيل للاستحباب، ولا يلزم من استحباب التأني كراهة الإسراع، وإنما الذي يكره الهذ، وهو الإسراع المفرط بحيث يخفي كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها.
وللعلماء في أفضلية التأني في الأداء مع قلة المقروء أو أفضلية الإسراع مع كثرة المقروء وجهات نظر، فقد سئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة فقط، قيامهما واحد وركوعهما واحد وسجودهما واحد، فقال: الذي قرأ البقرة فقط أفضل. وقال رجل لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، إني لأقرأ القرآن في ليلة. فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إلي.
стр. 1894
قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة ثمينة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة الثمينة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد يكون بالعكس. ا. هـ وهو كلام جيد.
-[ويؤخذ من الأحاديث]-
١ - من قوله في الرواية الأولى: "إن أفضل الصلاة الركوع والسجود". أن إطالة الركوع: والسجود أفضل من إطالة القراءة، وهو مذهب لابن مسعود ولبعض العلماء، ويؤيده قوله ﷺ "أفضل الصلاة طول القنوت". وقوله: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
٢ - ومن قوله "سورتين في كل ركعة". جواز الجمع بين السور في ركعة واحدة، لأنه إذا جمع بين السورتين ساغ الجمع بين ثلاث فصاعداً لعدم الفرق، وقد روى أبو داود وصححه ابن خزيمة عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة: أكان رسول الله ﷺ يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل.
قال عياض: حديث ابن مسعود هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته ﷺ غالباً، وأما تطويله وقراءته البقرة والنساء وآل عمران في ركعة كما سبق قريباً فكان نادراً.
٣ - استدل بعضهم بقوله: "عشرون سورة في عشر ركعات". أن صلاة النبي ﷺ بالليل إحدى عشرة ركعة.
٤ - استدل بقوله: "إني لأعرف النظائر ... إلخ". استحباب اختيار النظائر حين الجمع بين السور، وقد بين أبو داود في رواية هذه النظائر، فقال: "الرحمن" و"النجم" في ركعة، و"اقتربت" و"الحاقة" في ركعة، و"الطور" و"الذاريات" في ركعة، و"الواقعة" و"نون" في ركعة و"سأل سائل" و"النازعات" في ركعة و"ويل للمطففين" و"عبس" في ركعة و"المدثر" و"المزمل" في ركعة، و"هل أتى" و"لا أقسم" في ركعة"، و"عم" و"المرسلات" في ركعة و"الدخان" و"إذا الشمس كورت" في ركعة قال المحب الطبري: كنت أظن من النظائر أنها متساوية في العد حتى فحصتها فلم أجد فيها شيئاً متساوياً. ا. هـ فالمراد من النظائر التشابه في المعاني. والله أعلم.
٥ - يؤخذ من هذه النظائر أن قراءة السور مترتبة على المصحف ليس لازماً.
٦ - وأنه يجوز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها.
٧ - وفيه ما يقوي القول بأن ترتيب السور في المصحف كان باجتهاد من الصحابة إذ كان تأليف مصحف عبد الله بن مسعود مغايراً لتأليف مصحف عثمان.
стр. 1895
٨ - استدل بقوله في الرواية الثالثة: "ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم". على أن المفصل ما بعد آل حم، ولا تعارض بين هذا وبين ما ذكر في الرواية الثانية من قوله: "عشرون سورة من المفصل". لأن مراده معظم العشرين من المفصل.
٩ - ومن استبعاد ابن مسعود غفلة أهله عن الصلاة يؤخذ مراعاة الرجل لأهل بيته ورعيته في أمور دينهم.
١٠ - أخذ القاضي عياض من قول ابن مسعود للجارية: انظري هل طلعت الشمس؟ قبول خبر الواحد والعمل بالظن مع القدرة على اليقين، لأنه اكتفى بخبرها مع قدرته على رؤية طلوعها، ورد عليه بأن الخلاف في قبول خبر الواحد إنما هو تجرده عن القرائن، أما مع وجود القرائن فلا خلاف في قبوله، وهنا القرائن واضحة، من الولاء والقرب والتمكن من العلم، وغير ذلك مما لا يمكن للجارية معه أن تخبر بخلاف الواقع.
١١ - قال الأبي: وفيه أن الأوقات المخصوصة بالذكر ثواب الذكر فيها أكثر من ثواب التلاوة. قلت: قد يكون رأياً لابن مسعود أو تغيير عبادة للتنشيط، أما الثواب وزيادته فليس مسلماً.
١٢ - وفيه أن الكلام لا يقطع ورد التسبيح والذكر. قال الأبي: وهو لا يحتاج إلى استدلال.
والله أعلم
стр. 1896
(٢٧١) باب ما يتعلق بالقراءات
١٦٥٥ - عن أبي إسحق قال: رأيت رجلاً سأل الأسود بن يزيد وهو يعلم القرآن في المسجد فقال: كيف تقرأ هذه الآية؟ ﴿فهل من مدكر﴾؟ أدالاً أم ذالاً؟ قال: بل دالاً. سمعت عبد الله ابن مسعود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مدكر". دالاً.
١٦٥٦ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿فهل من مدكر﴾
١٦٥٧ - عن علقمة قال: قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء فقال: أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم أنا. قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية؟ ﴿والليل إذا يغشى﴾ قال سمعته يقرأ "والليل إذا يغشى والذكر والأنثى" قال: وأنا والله هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ ﴿وما خلق﴾ فلا أتابعهم.
١٦٥٨ - عن إبراهيم قال: أتى علقمة الشام فدخل مسجداً فصلى فيه ثم قام إلى حلقة فجلس فيها. قال: فجاء رجل فعرفت فيه تحوش القوم وهيئتهم. قال: فجلس إلى جنبي ثم قال: أتحفظ كما كان عبد الله يقرأ؟ فذكر بمثله.
١٦٥٩ - عن علقمة قال: لقيت أبا الدرداء فقال لي. ممن أنت؟ قلت: من أهل العراق. قال: من أيهم؟ قلت: من أهل الكوفة. قال هل تقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود؟ قال: قلت: نعم. قال: فاقرأ: ﴿والليل إذا يغشى﴾ قال: فقرأت: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" قال: فضحك ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها.
стр. 1897
-[المعنى العام]-
كان من تيسير الله تعالى على الأمة الإسلامية أن أتاح لقراء كتابه الكريم حروفاً متغايرة معينة حتى تلين ألسنتهم وتتهيأ حافظتهم، وكان جبريل ينزل بهذا التخفيف فيلقنه الرسول الكريم ﷺ لأصحابه، ويلقنه الأصحاب لتلامذتهم وانقسم هذا التيسير إلى نوعين: نوع ظل للأمة على امتداد عصورها وأزمنتها كقراءة ﴿فهل من مدكر﴾ بالدال المشددة، و"فهل من مذكر". بالذال بدل الدال. ونوع نسخ وتوقفت القراءة به بإجماع الصحابة والأمة على مصاحف عثمان ﵁. ومن هذا النوع الأخير قراءة عبد الله بن مسعود: "والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى". بحذف "وما خلق" وتلقى تلامذة عبد الله بن مسعود أمثال إبراهيم وعلقمة والأسود هذه القراءة، ولم يكن الإجماع على تركها قد استقر في نفوسهم وظلوا يقرءون بها، وسافر علقمة من الكوفة إلى الشام، والتقى هناك صدفة بأبي الدرداء الذي تلقى القراءة نفسها عن النبي ﷺ ، ولم يكن كذلك قد استقر عنده الإجماع على تركها على الرغم من أن أهل الشام الذين اعتمدوا مصحف عثمان عارضوه في قراءته.
سأل أبو الدرداء علقمة أن يقرأ له سورة الليل على قراءة ابن مسعود فقرأها له، فضحك وسر وظن أنه بذلك قد وجد ما يوثقه ويصحح قراءته، لكن هذا وذاك كانا مخالفين للإجماع، قارئين بما لا يجوز القراءة به، وهكذا كانت مصاحف عثمان ﵁ حكماً وحجة على المسلمين في تلقي القرآن الكريم.
-[المباحث العربية]-
القراءات جمع قراءة، والقراءة في الاصطلاح مذهب يذهب إليه إمام من الأئمة مخالفاً به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات عنه.
﴿فهل من مدكر﴾ بالدال المشددة، أصله مذتكر، وقعت تاء الافتعال بعد ذال.
(أدالاً أم ذالاً؟ ) منصوب على الحالية لفعل محذوف، تقديره: أتقرؤها دالاً أم ذالاً؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول "مدكر" دالاً. لفظ "دالاً" من كلام ابن مسعود، ومقول الرسول ﷺ : "مدكر". لأنه لم يكن هناك تحقيق ولا سؤال عن كونها دالاً أو ذالاً حتى يقولها الرسول ﷺ على فرض أنه ﷺ كان يعرف أسماء الحروف.
(قدمنا الشام) يقصد علقمة نفسه ورفقاءه.
(ولكن هؤلاء) يشير إلى أهل الشام الذين يعاشرونه.
(قد قام إلى حلقة) بسكون اللام في اللغة المشهورة. قال الجوهري: ويقال في لغة رديئة بفتحها، وكانت حلقة علم أو تعليم قرآن.
стр. 1898
(فعرفت فيه تحوش القوم وهيئتهم) قال النووي: "تحوش" بالتاء المفتوحة في أوله بعدها حاء ثم واو مشددة مضمومة بعدها شين أي انقباضهم. قال القاضي: يحتمل أن يريد الفطنة والذكاء، يقال: رجل حوش الفؤاد، أي حديده. ا. هـ
والمعنى الأول أليق بالمقام إذ القوم يريدونه على شيء فلا يتابعهم فهم يعتزلونه ويبتعدون وينقبضون عن مجالسته ومتابعته، أي عرفت فيه تحوش القوم عنه، و"هيئتهم" أي وحالهم معه من المجانبة له، وهو منصوب عطفاً على "تحوش القوم".
(لقيت أبا الدرداء فقال لي: ممن أنت ... إلخ) في الرواية الثالثة: "فأتانا أبو الدرداء فقال: أفيكم أحد يقرأ"؟ وفي الرواية الرابعة: "فجاء رجل فجلس إلى جنبي ثم قال: أتحفظ .... ". وفي ظاهر هذه الروايات تعارض. أسأل القوم عمن يقرأ منهم؟ أم سأله عن القراءة ابتداء؟ أم سأله عن بلده؟ ويمكن تصوير الحالة بأن علقمة وصحبه قدموا الشام، وأنهم دخلوا المسجد وصلوا، ثم جلسوا في الحلقة، ودخل أبو الدرداء نحو الحلقة ورأى جماعة غريبة يلبسون ملابس أهل العراق، وهو يتلهف على قارئ من أهل العراق يستوثق منه عما يحفظ، فاتجه نحوهم وجلس بجنب علقمة وقال لهم: أفيكم أحد يقرأ ... ؟ قال علقمة: أنا. قال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ إلى آخره.
-[فقه الحديث]-
الاعتماد في القرآن الكريم على التلقي والأخذ عن الحفاظ، ففي عهد رسول الله ﷺ كان الصحابة حريصين على الأخذ من فم رسول الله ﷺ بدون واسطة، ومن لم يستطع منهم ذلك أخذ عمن أخذ عن النبي ﷺ . وقد اشتهر في كل طبقة من طبقات الأمة جماعة بحفظ القرآن وتحفيظه ولما كان الصحابة قد اختلف أخذهم عن النبي ﷺ ثم انتشروا في الأمصار اختلف تبعاً لذلك أخذ التابعين عنهم، ثم تفرغ قوم للقراءات يضبطونها ويعنون بها ويعلمونها، ثم ألف في القراءات كعلم بعد ذلك.
وقد وضع العلماء ضوابط للقراءة الصحيحة فقالوا: كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديراً، ووافقت العربية ولو بوجه، وصح إسنادها إلى رسول الله ﷺ فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها سواء كانت عن السبعة أم عن غيرهم، وكل قراءة اختل منها ركن من هذه الأركان الثلاثة فهي الشاذة.
ولما كانت قراءة عبد الله بن مسعود سورة الليل بحذف "وما خلق" وهو ثابت في جميع المصاحف العثمانية، كانت شاذة لا تصح القراءة بها، وفي هذا الحديث يقول المازري: يجب أن يعتقد في هذا الخبر وما في معناه أن ذلك كان قرآناً ثم نسخ، ولم يعلم من خالف النسخ فبقي على ما قبل النسخ. قال: ولعل هذا وقع من بعضهم قبل أن يبلغهم مصحف عثمان المجمع عليه، المحذوف منه كل منسوخ، وأما بعد ظهور مصحف عثمان فلا يظن بأحد منهم أنه خالف فيه، وأما ابن مسعود فرويت عنه روايات كثيرة، منها ما ليس بثابت عند أهل النقل، وما ثبت منها مخالفاً لما قلناه فهو
стр. 1899
محمول على أنه كان يكتب في مصحفه بعض الأحكام والتفاسير مما يعتقد أنه ليس بقرآن، وكان لا يعتقد تحريم ذلك، وكان يراه كصحيفة يثبت فيها ما يشاء، وكان رأي عثمان والجماعة منع ذلك لئلا يتطاول الزمان ويظن ذلك قرآناً. قال المازري: فعاد الخلاف إلى مسألة فقهية وهي أنه هل يجوز إلحاق بعض التفاسير في أثناء المصحف؟ قال: ويحتمل ما روي من إسقاط المعوذتين من مصحف ابن مسعود أنه اعتقد أنه لا يلزمه كتب كل القرآن، وكتب ما سواهما وتركهما لشهرتهما عنده وعند الناس. ا. هـ
وهذا الكلام يتوجه مع الزيادات الواردة في مصحف ابن مسعود، أما النقص كما ورد في الرواية الثالثة والرابعة والخامسة فلا يتجه إلا أن يقال: إن ابن مسعود كان يعتقد أن الإجماع لم يتم على خلاف ما عنده لأنه كان يرجو أن يؤخذ بروايته خصوصاً وأنه كان واثقاً من التلقي عن رسول الله ﷺ . والمسألة اليوم ليست في إدانة ابن مسعود ومن أخذ بقراءته في زمن التابعين أو عدم إدانتهم، وإنما هي في جواز هذه القراءة اليوم أو عدم جوازها. والإجماع على أنه لا يجوز القراءة بها.
والله أعلم
стр. 1900
(٢٧٢) باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها
١٦٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس.
١٦٦١ - عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ -منهم عمر بن الخطاب، وكان أحبهم إلي- أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس
١٦٦٢ - عن قتادة بهذا الإسناد غير أن في حديث سعيد وهشام: "بعد الصبح حتى تشرق الشمس".
١٦٦٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس".
١٦٦٤ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها".
١٦٦٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بقرني شيطان".
١٦٦٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب".
стр. 1901
١٦٦٧ - عن أبي بصرة الغفاري ﵁ قال صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمخمص فقال "إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم".
١٦٦٨ - عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.
١٦٦٩ - عن عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً جرءاء عليه قومه فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له ما أنت؟ قال "أنا نبي". فقلت وما نبي؟ قال: "أرسلني الله". فقلت وبأي شيء أرسلك؟ قال "أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء". قلت له فمن معك على هذا؟ قال "حر وعبد" (قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت إني متبعك قال "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني". قال فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا الناس إليه سراع وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة فدخلت عليه فقلت يا رسول الله أتعرفني؟ قال "نعم أنت الذي لقيتني بمكة؟ " قال: فقلت بلى. فقلت يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله أخبرني عن الصلاة؟ قال" صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛
стр. 1902
فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح. ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر. ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار". قال فقلت يا نبي الله فالوضوء؟ حدثني عنه. قال "ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه.
ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء. ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء. ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه" فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ ؛ فقال له أبو أمامة ياعمرو بن عبسة، انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو يا أبا أمامة، لقد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وما بي حاجة أن أكذب على الله ولا على رسول الله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً (حتى عد سبع مرات) ما حدثت به أبداً ولكني سمعته أكثر من ذلك.
١٦٧٠ - عن عائشة ﵂ أنها قالت وهم عمر إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها.
١٦٧١ - عن عائشة ﵂ أنها قالت لم يدع رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر. قال: فقالت عائشة قال رسول الله ﷺ "لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك".
١٦٧٢ - عن كريب مولى ابن عباس أن عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة زوج النبي ﷺ فقالوا اقرأ ﵍ منا جميعاً وسلها عن الركعتين بعد العصر وقل إنا أخبرنا أنك تصلينهما وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عنهما. قال ابن عباس وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها. قال كريب
стр. 1903
فدخلت عليها وبلغتها ما أرسلوني به؛ فقالت سل أم سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة؛ فقالت أم سلمة سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما أما حين صلاهما فإنه صلى العصر. ثم دخل وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار فصلاهما فأرسلت إليه الجارية، فقلت قومي بجنبه فقولي له تقول أم سلمة يا رسول الله إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه. قال ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت عنه. فلما انصرف قال "يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر. إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان".
١٦٧٣ - عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر؟ فقالت كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة أثبتها. (قال يحيى بن أيوب قال إسمعيل تعني داوم عليها).
١٦٧٤ - عن عائشة ﵂ قالت ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قط.
١٦٧٥ - عن عائشة ﵂ قالت صلاتان ما تركهما رسول الله ﷺ في بيتي قط سراً ولا علانيةً، ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر.
١٦٧٦ - عن الأسود ومسروق قالا نشهد على عائشة أنها قالت ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلا صلاهما رسول الله ﷺ في بيتي تعني الركعتين بعد العصر.
(ملحوظة) سنرجئ شرح هذه الأحاديث لنضم إليها أحاديث الباب التالي.
стр. 1904
(٢٧٣) باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب
١٦٧٧ - عن مختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر؟ فقال كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب. فقلت له أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا.
١٦٧٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال كنا بالمدينة فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فيركعون ركعتين ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما.
١٦٧٩ - عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة" قالها ثلاثاً. قال في الثالثة: "لمن شاء".
١٦٨٠ - عن عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ مثله إلا أنه قال في الرابعة: "لمن شاء".
-[المعنى العام]-
قد لا تستحب العبادة إذا خيف منها مفسدة، فقد تترك الصلاة النافلة عند المراءاة، وقد تمنع أمام صنم يتوهم عندها أن السجود للصنم، وهنا في هذه الأحاديث نهى عن الصلاة في أوقات كان الكفار فيها يسجدون للشمس من دون الله، نهى عن الصلاة وقت طلوعها ووقت غروبها حيث كانوا في هذين الوقتين يسجدون لها، فأراد الشارع أن يبتعد عن المشابهة بهم ولو في الصورة خصوصاً في أمر يتصل بالعقيدة وبالوحدانية، بل زاد الشارع الابتعاد عن المشابهة بالنهي عن الصلاة في الأوقات القريبة من وقت سجودهم لها معنوياً كما في وقت الاستواء، وقت اشتداد الشمس ووقت شبابها وعنفوانها، وحسياً فيما بعد صلاة الصبح إلى حين الطلوع، وبعد صلاة العصر إلى حين الغروب. وإذا كانت بعض الأحاديث تنهى عن تحري المصلي طلوع الشمس وغروبها لما في ذلك من الإثم الناشئ عن القصد، فإن بعض الأحاديث تنهى عن الصلاة في هذه الأوقات على العموم قصد التحري أم لم يقصد، لأن المشاهد للمصلي حينئذ قد يتوهم المشابهة بالكفار وإن لم يقصد المصلي.
стр. 1905
ومما لا شك فيه أن الصلاة المنهي عنها في هذه الأوقات ليست الفرائض التي حدد نهاية وقتها الشرعي بما يتصل بالشمس طلوعاً أو غروباً. فالصبح وقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لا ينهى عن أداء فرضه حتى عند الطلوع مع إثم التأخير. إنما المنهي عنه النفل أو بعض النفل على خلاف بين العلماء.
وقد تعرضت بعض أحاديث الباب لتكفير الخطايا الصغائر بالوضوء وبعضها لفضل صلاة العصر والحث على العناية بها.
أما الركعتان بين الأذان والإقامة لصلاة المغرب فأحاديث الباب تحث عليهما وتستحبهما وإن كان بعض العلماء لا يستحبونهما. والله أعلم.
-[المباحث العربية]-
(وكان أحبهم إلي) جملة اعتراضية، وفي رواية البخاري: "وأرضاهم عندي عمر". وفي لفظ: "أعجبهم إلي عمر".
(حتى تشرق الشمس) قال النووي: ضبطنا "تشرق" بضم التاء وكسر الراء، وضبطناه أيضاً بفتح التاء وضم الراء. قال أهل اللغة: يقال: شرقت الشمس تشرق على وزن طلعت تطلع، وهي بمعنى طلعت. ويقال: أشرقت تشرق -بضم التاء، أي ارتفعت وأضاءت، ومنه قوله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ [الزمر: ٦٩] أي أضاءت، فمن فتح التاء احتج بأن باقي الروايات "حتى تطلع الشمس" فوجب حمل هذه الرواية على ما يوافق الروايات الأخرى، ومن قال بضم التاء احتج له القاضي عياض بالأحاديث الأخرى في النهي عن الصلاة حتى ترفع -كما في روايتنا الثامنة وفيها: "حين تطلع الشمس بازغة حتى ترفع". والتاسعة، وفيها: "حتى تطلع الشمس حتى ترتفع". وهذا يبين أن المراد بالطلوع ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد ظهور قرصها. قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي صحيح متعين لا عدول عنه للجمع بين الروايات. اهـ.
(لا صلاة بعد صلاة العصر) أي لا صلاة لمن صلى العصر بعد صلاته العصر. والنفي لا يتوجه للواقع، فقد تقع، وإنما يوجه للصحة أو للقبول أو للاستحباب مع ملاحظة المراد من نوع الصلاة المنفية. هل هي ما عدا الفرائض أو غير ذات السبب؟ كما سيأتي في فقه الحديث.
(لا يتحرى أحدكم فيصلي) "لا يتحرى" بإثبات الياء على أن "لا" نافية وكأن الأمر امتثل حتى أخبر عنه، فهو لفظاً ومعنى، ويصح أن يكون خبراً في اللفظ ونهياً في المعنى. قال ابن خروف: يجوز في "فيصلي" ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، أي لا يتحر ولا يصل. والرفع على القطع، أي لا يتحرى فهو يصلي. والنصب على جواب النهي، أي لا يتحرى مصلياً.
(لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس) "لا تحروا" أصله لا تتحروا بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفاً، أي لا تقصدوا. قال الجوهري: فلان يتحرى الأمر أي يتوخاه ويقصده.
стр. 1906
(فإنها تطلع بقرني شيطان) وفي الرواية التاسعة: "بين قرني شيطان". قال النووي: قيل: المراد بقرني الشيطان حزبه وأتباعه. وقيل: قوته وغلبته وانتشار فساده. وقيل: القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره. وهذا هو الأقوى. قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لهم، كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان ... ثم قال: وسمي شيطاناً لتمرده وعتوه، وكل مارد عات شيطان. والأظهر أنه مشتق من شطن إذا بعد، لبعده من الخير والرحمة. وقيل: مشتق من شاط إذا هلك واحترق، وسيأتي مزيد للحكمة من النهي في فقه الحديث.
(إذا بدا حاجب الشمس) أي إذا ظهر جزء من الشمس، وحاجبها أول ما يظهر منها عند الطلوع وأول ما يغيب منها عند الغروب.
(حتى تبرز) أي حتى تظهر كلها، قيل: حتى ترتفع وتضيء.
(المخمص) بضم الميم وفتح الخاء وفتح الميم المشددة، مكان معروف. كذا في النووي على مسلم.
(أو أن نقبر فيهن موتانا) "نقبر" بسكون القاف، وفتح الباء وكسرها لغتان، ويحتمل أن يراد به صلاة الجنازة، ويحتمل أن يراد به الدفن، وللبحث مزيد في فقه الحديث.
(حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل) الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب. قاله النووي.
(وحين تضيف الشمس للغروب) "تضيف" بفتح التاء والضاد وتشديد الياء أي تميل. قال أبو عبيد: يقال: ضافت تضيف: مالت، وضفت فلاناً: ملت إليه، وأضفته: أملته إليك وأنزلته بك، والشيء مضاف إلى الشيء ممال إليه، اهـ. وفي القاموس: وضاف مال، كتضيف بتشديد الياء. اهـ. فأصل " تضيف" تتضيف حذفت إحدى التاءين تخفيفاً.
(مستخفياً) حال من المفاجأة، أي قدمت ففاجأته مستخفياً، أي يعبد الله ويدعو في خفاء وسر وعدم جهر.
(جرءاء عليه قومه) جمع جريء بالهمز من الجرأة، وهي الإقدام والتسلط، وهذا سر استخفائه. قال النووي: وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين: "حراء". بالحاء المكسورة، ومعناه غضاب قد عيل صبرهم به حتى أثر في أجسامهم، من قولهم: حرى، جسمه يحري كضرب يضرب إذا نقص من ألم وغيره، والصحيح أنه بالجيم.
(ما أنت؟ ) قال النووي: هكذا هو في الأصول "ما أنت"؟ وإنما قال: ما أنت؟ ولم يقل: من أنت؟ لأنه سأله عن صفته لا عن ذاته، والصفات مما لا يعقل. اهـ.
стр. 1907
(إني متبعك) أي على إظهار الإسلام هنا وإقامتي معك. قاله النووي.
(أنت الذي لقيتني بمكة؟ قال: قلت: بلى) قال النووي: فيه صحة الجواب ببلى وإن لم يكن قبلها نفي. وقال بعضهم: والصحيح عند النحاة أنها لا يجاب بها إلا بعد النفي، والنفي هنا مقدر أي أو لست الذي لقيتني بمكة؟ قال ابن هشام في مغني اللبيب: "بلى" لا يجاب بها الإيجاب، وذلك متفق عليه، ولكن وقع في كتب الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرد، ففي البخاري: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى". وفي مسلم: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى". وفيه أيضاً: "أنت الذي لقيتني بمكة"؟ قال: بلى" قال ابن هشام: وهذا قليل لا يتخرج عليه التنزيل. اهـ.
(أخبرني عما علمك الله) قال النووي: هكذا هو "عما علمك" وهو صحيح، ومعناه أخبرني عن حكمه وصفته، وبينه لي.
(حتى يستقل الظل بالرمح) أي يقوم مقابله في جهة الشمال، ليس مائلاً إلى المغرب ولا إلى المشرق. قال النووي: وهذه حالة الاستواء. اهـ.
(فإن حينئذ تسجر جهنم) اسم "إن" ضمير الشأن محذوف، و"حينئذ" ظرف لتسجر، و"جهنم" قيل: اسم عربي مشتق من الجهومة، وهي كراهة المنظر. وقيل: من قولهم: بئر جهام أي عميقة، فهي ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث. وقال الأكثرون: هي أعجمية معربة، ومنعت من الصرف للعلمية والعجمة، ومعنى "تسجر جهنم" توقد إيقاداً بليغاً.
(فإذا أقبل الفيء فصل) أي إذا ظهر الظل مائلاً إلى جهة المشرق. قال النووي: والفيء مختص بما بعد الزوال، وأما الظل فيقع على ما قبل الزوال وبعده.
(يقرب وضوءه) بضم الياء وفتح القاف وكسر الراء المشددة والوضوء هنا بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به.
(فينتثر) أي يخرج الذي في أنفه، يقال: نثر واستنثر، مشتق من النثرة وهي الأنف. وقيل طرفه.
(إلا خرت خطايا وجهه) قال النووي: ضبطناه "خرت" بالخاء، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة إلا ابن أبي جعفر، فرواه "جرت" بالجيم، ومعنى "خرت" بالخاء سقطت، ومعنى "جرت" بالجيم ظاهر.
(وخياشيمه) جمع خيشوم، وهو أقصى الأنف. وقيل عظام رقاق في أصل الأنف بينه وبين الدماغ.
(وهم عمر) بفتح الواو وكسر الهاء، أي حصل عنده لبس وخطأ في روايته النهي عن الركعتين بعد العصر مطلقاً، وبقية البحث سيأتي في فقه الحديث.
стр. 1908
(وكنت أضرب مع عمر الناس عليها) قال النووي: هكذا وقع في بعض الأصول "أضرب الناس عليها" وفي بعض النسخ "أصرف الناس عنها" وكلاهما صحيح، ولا منافاة بينهما، وكان يضربهم عليها في وقت، ويصرفهم عنها في وقت من غير ضرب، أو يصرفهم مع الضرب، ولعله كان يضرب من بلغه النهي ويصرف من غير ضرب من لم يبلغه.
(إني أسمعك تنهى) معنى "أسمعك" سمعتك في الماضي وعبرت عنه بالمضارع استحضاراً للصورة.
(ما ترك ..... الركعتين بعد العصر عندي قط) تعني بعد يوم وفد عبد القيس.
(عن السجدتين) أي الركعتين سنة العصر القبلية.
(ابتدروا السواري) جمع سارية، وهي أعمدة المسجد، وكانوا يتسابقون إليها ليستتروا بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى.
(بين كل أذانين صلاة) أي بين كل أذان وإقامة. قال ابن حجر: ولا يصح حمله على ظاهره لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة، والحديث ناطق بالتمييز لقوله: "لمن شاء". وإطلاق الأذان على الإقامة من باب التغليب كالقمرين للشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر شوارد المسألة في النقاط الآتية:
١ - الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وعلة النهي، والحكم المستفاد من النهي.
٢ - نوع الصلوات المنهي عنها، وآراء العلماء في ذلك وأدلتهم.
٣ - ما يؤخذ من الأحاديث فوق ذلك من أحكام.
١ - أما عن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فيقول الحافظ ابن حجر: محصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تكره فيها الصلاة أنها خمسة: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء. قال: وترجع بالتحقيق إلى ثلاثة: من بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس، فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس، وكذا من صلاة العصر إلى أن تغرب. اهـ.
قال النووي في المجموع: بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر تتعلق كراهة الصلاة بعدهما بالفعل، بمعنى أنه لا يدخل وقت الكراهة لمجرد الزمان، وإنما يدخل إذا فعل فريضة الصبح وفريضة العصر، وأما الأوقات الثلاثة الأخرى فتتعلق الكراهة فيها بمجرد الزمان. ثم قال: واعلم أن الكراهة عند طلوع الشمس تمتد حتى ترتفع قدر رمح. هذا هو الصحيح. وقيل: تزول الكراهة إذا طلع قرص
стр. 1909
الشمس بكماله [ودليل الصحيح روايتنا الثامنة والتاسعة، وفيهما: "حتى ترتفع". ودليل الآخرين رواياتنا الأولى والثانية والثالثة، وفيها: "حتى تطلع الشمس" وقد سبق في المباحث العربية حمل المطلق على المقيد] ثم قال: ولا خلاف أن وقت الكراهة بعد العصر لا يدخل بمجرد دخول العصر، بل لا يدخل حتى يصليها، وأما في الصبح فثلاثة أوجه، والصحيح لا يدخل حتى يصلي فريضة الصبح. والثاني يدخل بصلاة سنة الصبح. والثالث بطلوع الفجر. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وأكثر العلماء، ويستدل له بما رواه البخاري ومسلم عن حفصة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ " إذا طلع الفجر لم يصل إلا ركعتين خفيفتين". اهـ.
وفي علة النهي تقول الرواية التاسعة: " فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار". وكذلك في الغروب، أما في الاستواء فتقول الرواية: "فإن حينئذ تسجر جهنم". قال الحافظ ابن حجر عن الطلوع والغروب: فالنهي حينئذ لترك مشابهة الكفار، وقد اعتبر ذلك الشرع في أشياء كثيرة. ثم قال: وفي هذا تعقب على أبي محمد البغوي حيث قال: إن النهي عن ذلك لا يدرك معناه، وجعله من قبيل التعبد الذي يجب الإيمان به. اهـ.
وإني لأميل إلى رأي البغوي، وأما ما ذكر في الرواية التاسعة إنما هو للتنفير لا للعلة، وإلا فأين المشابهة في الاستواء؟ وقد روي عن مسروق أنه كان يصلي نصف النهار، فقيل له: إن الصلاة في هذه الساعة تكره. فقال: ولم؟ قالوا: إن أبواب جهنم تفتح نصف النهار، فقال: الصلاة أحق ما أستعيذ به من جهنم حين تفتح أبوابها.
وهل المقصود من النهي حرمة الصلاة في هذه الأوقات؟ أو كراهتها كراهة تحريم؟ أو كراهة تنزيه؟
قال الحافظ ابن حجر: فرق بعضهم في الحكم بين الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، فقال بأنها مكروهة، وبين الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فقال بأنها تحرم. وقال النووي في المجموع: قطع جماعة بأنها كراهة تنزيه. والأصح أنها كراهة تحريم لثبوت الأحاديث في النهي، وأصل النهي للتحريم. ثم ساق خلافاً آخر في انعقاد الصلاة حينئذ وعدم انعقادها واختار عدم انعقادها، والله أعلم.
٢ - وأما عن نوع الصلاة المنهي عنها في هذه الأوقات وآراء العلماء وأدلتهم فيمكن تقسيم الصلوات إلى:
أ- فرائض حاضرة ومؤداة.
ب- وفرائض فائتة تقضى.
جـ- ورواتب فائتة.
د- ونوافل لها سبب سابق.
هـ- ونوافل لها سبب متأخر.
و- ونوافل مطلقة.
стр. 1910
(أ) أما الفرائض المؤداة فتتصور في الظهر عند الزوال، وفي الصبح يبدؤها قبل الشروق فتطلع عليه الشمس أثناءها.
قال النووي: واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة في أوقات النهي. اهـ. والنووي بذلك يهمل قول من قال بمنع الصلاة مطلقاً في هذه الأوقات. قال الحافظ ابن حجر: وصح عن أبي بكرة وكعب بن عجرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات. اهـ.
والحق أن هذا الرأي لا يعتد به، ففي الحديث: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى".
(ب) وأما قضاء الفرائض الفوائت في أوقات النهي فهو جائز عند الشافعية والمالكية والحنابلة على الإطلاق، وأما أبو حنيفة فقد منع الفوائت عند طلوع الشمس، وقال: إن طلعت الشمس وقد صلى ركعة فسدت، وأجاز عصر يومه مع الغروب بحجة صحة وجواز الصلاة بعد الغروب، ومنع باقي المقضيات في أوقات النهي. وقال: لا تصلى مقضية في وقت منع سوى عصر يومه. دليل الجمهور ما ثبت من أن رسول الله ﷺ قضى سنة الظهر بعد العصر [روايتنا الثانية عشرة والثالثة عشرة] فهو صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى، والفريضة المقضية أولى. وأبو حنيفة يحمل هاتين الروايتين على الخصوصية، ويرد عليه بأنها خلاف الأصل.
(جـ) وأما الرواتب الفائتة فيمنعها المالكية مع الحنفية، ويجيز الشافعية صلاتها في أوقات النهي على القول بأنه يسن قضاء الراتبة.
(د) وأما النوافل ذات السبب السابق عليها فهي كتحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف والجنازة والمنذورة. ويجيزها الشافعية بلا كراهة في أوقات النهي، إلحاقاً لها بقضاء الراتبة. قالوا: وتقضي نافلة اتخذها ورداً. قالوا: ولو توضأ في هذه الأوقات فله أن يصلي ركعتي الوضوء. كما قالوا عن تحية المسجد: إن دخل المسجد لغرض كاعتكاف أو لطلب علم أو انتظار صلاة أو نحو ذلك من الأغراض صلى تحية المسجد، أما إن دخله لا لحاجة بل ليصلي التحية فقط فالأرجح الكراهة في هذه الأوقات.
ومنع الحنفية كل ذلك، لكن قال ابن المنذر: وأجمع المسلمون على إباحة صلاة الجنازة بعد الصبح والعصر، ونقل العبودي عن أبي حنيفة وأحمد أن صلاة الجنازة منهي عنها عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها، ولا تكره في الوقتين الآخرين.
(هـ) وأما النوافل ذات السبب المتأخر فمثلوا لها بصلاة الاستخارة وصلاة سنة الإحرام للحج، وفيها خلاف عند الشافعية، والأصح عندهم الكراهة.
(و) أما النوافل المطلقة فهي منهي عنها عند الجميع، اللهم إلا ما روي عن داود الظاهري أنه أباح الصلاة لسبب وبلا سبب في جميع الأوقات، وما قيل من أن المنع مرتبط بالتحري والقصد لا بالأوقات.
стр. 1911
(ملحوظة) استثنى الشافعي وأبو يوسف يوم الجمعة فأباح الصلاة يومها عند الاستواء، واستثنى مالك من الأوقات المذكورة في النهي وقت الاستواء فقال: لا بأس بالصلاة عند استواء الشمس في أي يوم. قال مالك: ما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يتحرون الصلاة نصف النهار. ويروي عن مالك أنه توقف وقال: لا أنهي عنه للذي أدركت الناس عليه، ولا أحبه للنهي عنه.
وحجة الشافعي في ذلك أنه ﷺ ندب الناس إلى التبكير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام وجعل الغاية خروج الإمام، وهو لا يخرج إلا بعد الزوال، فدل على عدم الكراهة.
كما استثنى الشافعية مكة، فقالوا: لا تكره الصلاة في هذه الأوقات بمكة سواء في ذلك ركعتا الطواف وغيرهما على الصحيح عندهم، واستدلوا بقول النبي ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة". ولا خلاف أن الطواف يجوز في جميع الأوقات، فكذلك الصلاة. وأجاز بعض الشافعية ركعتي الطواف فقط في هذه الأوقات، ومالك وأبو حنيفة وأحمد على منع الصلاة في مكة في أوقات النهي كغيرها لعموم الأحاديث.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من الرواية السابعة يؤخذ فضيلة صلاة العصر والحث عليها.
٢ - أخذ بعضهم من قوله في الرواية الثامنة: "أو أن نقبر فيها موتانا". النهي عن صلاة الجنازة في هذه الأوقات، وهذا ضعيف، لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع، فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع، بل الصواب أن معناه يكره تأخير الدفن إلى هذه الأوقات، كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر، فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره. ذكره النووي، لكن ادعاءه الإجماع على عدم كراهة صلاة الجنازة غير مسلم، لما قلناه قريباً نقلاً عن أبي حنيفة وأحمد.
٣ - ومن قوله في الرواية التاسعة: "أرسلني بصلة الأرحام". يؤخذ الحث على صلة الأرحام حثاً كبيراً، لأن النبي ﷺ قرنها بالتوحيد، ولم يذكر متفرقات الأمور، بل ذكر المهم منها وبدأ بصلة الأرحام.
٤ - يؤخذ من قوله: "ومعه يومئذ أبو بكر وبلال". فضيلتهما، وقد يحتج به من قال: إنهما أول من أسلم.
٥ - ويؤخذ من قوله: "إذا سمعت بي قد ظهرت فائتني". معجزة للرسول ﷺ وعلم من أعلام النبوة، وهي إعلامه أنه سيظهر.
٦ - يؤخذ من قوله: "أتعرفني؟ قال: بلى". صحة الجواب ببلى وإن لم يكن قبلها نفي، وصحة الإقرار بها. قال النووي: وهو الصحيح في مذهبنا وشرط بعض أصحابنا أن يتقدمها نفي. اهـ.
٧ - وفي الحديث تكفير السيئات الصغائر بالوضوء.
стр. 1912
٨ - وفي قوله: "ثم يغسل قدميه". دليل لمذهب العلماء كافة أن الواجب غسل الرجلين، خلافاً للشيعة حيث قالوا: الواجب مسحها. وقال ابن جرير هو مخير. وقال بعض أهل الظاهر: يجب الغسل والمسح.
٩ - استدل بعضهم بحديث عائشة: "وهم عمر" إلخ. أن الممنوع تحري طلوع الشمس وغروبها بالصلاة. والصحيح أن الأوقات المذكورة منهي عن الصلاة فيها وإن لم يتحر. قال النووي: ويجمع بين الروايتين بحمل رواية النهي عن التحري على تأخير فريضة العصر أو فريضة الصبح، بحيث إذا دخلت الفريضة في هذين الوقتين وجب عدم التحري وعدم قصد التحري، ويحمل أحاديث النهي المطلق على كراهة الصلوات التي لا سبب لها في هذه الأوقات.
١٠ - ويؤخذ من ضرب عمر على الصلاة، احتياط الإمام لرعيته ومنعهم من البدع والمنهيات الشرعية وتعزيرهم عليها. وموقف عمر بشأن الصلاة بعد العصر يتعارض مع موقف عائشة منها، لأن عائشة فهمت من مواظبته ﷺ على الركعتين بعد العصر أن النهي مختص بمن قصد الصلاة عند غروب الشمس فقالت ما قالت، وكانت تتنفل بعد العصر، ولما ووجهت ﵂ بفعل عمر ظنت أنه لم تبلغه مواظبة الرسول ﷺ عليهما فقالت: وهم وأخطأ في الحكم وأصرت على موقفها، أما عمر فلعله علم أن الركعتين اللتين واظب عليهما ﷺ كانتا قضاء عن يوم، وهو يثبت ويداوم على فعل خير يفعله بعد المرة الأولى، والنهي على هذا قائم، وينبغي تعزير من يرتكب هذا المنهي عنه، وهناك احتمال آخر ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: لعل عمر كان يرى أن النهي عن الصلاة بعد العصر إنما هو خشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس، يؤيد هذا الاحتمال ما روي من أن عمر قال: ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله ﷺ أن يصلي فيها.
١١ - ومن الرواية الثامنة عشرة أنه يستحب للعالم إذا طلب منه تحقيق أمر مهم ويعلم أن غيره أعلم به منه أو أعرف بأصله أن يرشد إليه إذا أمكنه.
١٢ - وفيها الاعتراف لأهل الفضل بمزيتهم.
١٣ - وفيها إشارة إلى أدب الرسول المرسل في حاجة، وأنه لا يستقل فيها بتصرف لم يؤذن له فيها، ولهذا لم يستقل كريب بالذهاب إلى أم سلمة، لأنهم إنما أرسلوه إلى عائشة، فلما أرشدته عائشة إلى أم سلمة، وكان رسولاً للجماعة لم يستقل بالذهاب حتى رجع إليهم فأرسلوه إليها.
١٤ - ومن إرسال أم سلمة الجارية واعتماد كلامها يؤخذ قبول خبر الواحد والمرأة مع القدرة على اليقين بالسماع من لفظ رسول الله ﷺ . ذكره النووي.
١٥ - ومن قول أم سلمة للجارية: "فقولي له تقول أم سلمة". يؤخذ أنه لا بأس بذكر الإنسان نفسه بالكنية إذا لم يعرف إلا بها أو اشتهر بها بحيث لا يعرف غالباً إلا بها، وكنيت بابنها سلمة ابن أبي سلمة وكان صحابياً، واسمها هند.
стр. 1913
١٦ - ويؤخذ من الحديث أيضاً أن التابع إذا رأى من المتبوع شيئاً يخالف المعروف من طريقته والمعتاد من حاله ينبغي أن يسأله بلطف عنه، فإن كان ناسياً رجع عنه، وإن كان عامداً وله معنى مخصص عرفه التابع واستفاده.
١٧ - وأنه بالسؤال يسلم من إرسال الظن السيئ بتعارض الأفعال أو الأقوال وعدم الارتباط بطريق واحد.
١٨ - وأن إشارة المصلي بيده ونحوها من الأفعال الخفيفة لا تبطل الصلاة.
١٩ - وفيه إثبات سنة الظهر البعدية.
٢٠ - وأن السنن الراتبة إذا فاتت يستحب قضاؤها. وهو الصحيح عند الشافعية.
٢١ - وأن صلاة النهار مثنى كصلاة الليل، وهو مذهب الشافعية والجمهور.
٢٢ - وأنه إذا تعارضت المصالح والمهمات بدئ بأهمها، ولهذا بدأ النبي ﷺ بحديث القوم في الإسلام وترك سنة الظهر حتى فات وقتها، لأن الاشتغال بإرشادهم وهدايتهم وقومهم إلى الإسلام أهم.
(ملحوظة) قال بعض العلماء: المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة إنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية، وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت إقامة الصلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة وفي حال الصلاة المكتوبة جماعة لمن لم يصلها. وعند المالكية كراهة التنفل بعد الجمعة حتى ينصرف الناس.
والله أعلم
стр. 1914
استحباب ركعتين قبل المغرب
هذا، وعن الأحاديث الخاصة بركعتي المغرب القبلية يقول الإمام النووي:
في هذه الروايات استحباب ركعتين بين أذان المغرب وصلاة المغرب، وفي المسألة وجهان لأصحابنا أشهرهما لا يستحب، وأصحهما عند المحققين يستحب لهذه الأحاديث، وفي المسألة مذهبان للسلف، واستحبهما جماعة من الصحابة والتابعين، ومن المتأخرين أحمد وإسحق، ولم يستحبهما أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وآخرون من الصحابة، ومالك وأكثر الفقهاء. وقال النخعي: هي بدعة. وحجة هؤلاء أن استحبابها يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها ولو قليلاً، وزعم بعضهم في جواب هذه الأحاديث أنها منسوخة، والمختار استحبابها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وفي صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ : "صلوا قبل المغرب. صلوا قبل المغرب. صلوا قبل المغرب". قال في الثالثة: "لمن شاء". وأما قولهم: يؤدي إلى تأخير المغرب، فهذا خيال منابذ للسنة فلا يلتفت إليه، ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها، وأما من زعم النسخ فهو مجازف، لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ، وليس هنا شيء من ذلك. اهـ.
وقال بعض العلماء: إن عموم حديث: "بين كل أذانين صلاة". مخصوص بغير المغرب، وحمل أحاديث الباب على أنهم كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه، وأيدوا هذا القول برواية للبزار زاد في آخرها: "إلا المغرب" وهذه الرواية ضعيفة.
والظاهر أن الركعتين قبل صلاة المغرب كانتا أمراً أقر النبي ﷺ أصحابه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب، وأما كونه ﷺ لم يصلهما فإنه لا ينفي الاستحباب بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب.
والله أعلم
стр. 1915
(٢٧٤) باب صلاة الخوف
١٦٨١ - عن ابن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلم النبي ﷺ ، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة.
١٦٨٢ - عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يحدث عن صلاة رسول الله ﷺ في الخوف، ويقول صليتها مع رسول الله ﷺ بهذا المعنى.
١٦٨٣ - عن ابن عمر ﵄ قال صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة. قال: وقال ابن عمر فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكباً أو قائماً تومئ إيماءً.
١٦٨٤ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصفنا صفين، صف خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً. قال جابر كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم.
стр. 1916
١٦٨٥ - عن جابر ﵁ قال غزونا مع رسول الله ﷺ قوما من جهينة، فقاتلونا قتالاً شديداً، فلما صلينا الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ ، ذلك فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ . قال: وقالوا إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد. فلما حضرت العصر، قال: صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة. قال: فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني فقاموا مقام الأول، فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد معه الصف الأول، وقام الثاني فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعاً سلم عليهم رسول الله ﷺ ، قال أبو الزبير ثم خص جابر أن قال كما يصلي أمراؤكم هؤلاء.
١٦٨٦ - عن سهل بن أبي حثمة ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه في الخوف فصفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا، وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم.
١٦٨٧ - عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.
١٦٨٨ - عن جابر ﵁ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع. قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ . قال: فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله ﷺ فاخترطه. فقال لرسول الله ﷺ أتخافني؟ قال "لا" قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله يمنعني منك". قال: فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ فأغمد السيف وعلقه. قال: فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين
стр. 1917
ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان.
١٦٨٩ - عن جابر ﵁ أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله ﷺ أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين.
-[المعنى العام]-
في إحدى الغزوات في السنة الرابعة أو الخامسة من الهجرة قاتل المسلمون قوماً من جهينة من المشركين قتالاً شديداً، وجاء الليل فانحسر الجيشان، ولما أصبح الصباح وقف كل من الجيشين يتربص بالآخر ويترقب غفلة أو ضعفاً، وجاء وقت الظهر فصلى رسول الله ﷺ وصلى خلفه الجيش كله، ولم يتخلف أحد منهم لمراقبة العدو وحراستهم، والعدو واقف بينهم وبين القبلة، وكانت فرصة للمشركين لم ينتهزوها، ولم ينتبهوا لها إلا بعد انتهاء المسلمين من الصلاة فقال بعضهم لبعض: لو أننا كنا حملنا عليهم أثناء الصلاة لقطعنا دابرهم.
قال الآخرون: ما زالت الفرصة قائمة، عما قليل تأتي صلاة العصر، وهي أحب صلاة إليهم، بل أحب إليهم من أولادهم، فلنستعد لهم عندها، ونزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ يخبره بمكرهم ونزل بالآية الكريمة: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ أي وطائفة أخرى لا يصلوا ﴿وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ... ﴾ [النساء: ١٠٢]. وذكر رسول الله ﷺ ما حدث وصلى بهم صلاة الخوف، وفي كل غزوة كان يصلي بهم صلاة قد تختلف عن سابقتها مراعياً ظروف الحذر والحيطة مع تمكين جميع الجيش من الجماعة والصلاة معه ﷺ ، فكانت صلاة الخوف بصورها الواردة في أحاديثنا وفي أحاديث أخرى فضلاً من الله ورحمة، وتخفيفاَ وتيسيراً على الأمة، وتنبيهاً على مر الزمان لأمة الإسلام أن تأخذ حذرها من أعداء الإسلام في السلم والحرب، فإنهم في كل لحظة يودون أن يميلوا على المسلمين، يودون عنتهم، ويودون لو يردونهم عن إيمانهم كفاراً. نسأل الله أن يتيقظ المسلمون من غفلتهم في هذا الزمان. والله المستعان.
стр. 1918
-[المباحث العربية]-
(وقام الصف المؤخر في نحر العدو) أي في مقابلته ومواجهته، نحر كل شيء: أوله.
(ثم سجد وسجد معه الصف الأول) قال النووي: هكذا وقع في بعض النسخ "الصف الأول" ولم يقع في أكثرها ذكر "الأول" والمراد الصف المقدم الآن. اهـ.
(عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ في الرواية السابقة وهي السادسة "عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة" وهي تبين مراده بقوله: "عمن صلى".
(ذات الرقاع) هي غزوة معروفة، كانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد، سميت ذات الرقاع لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء، فلفوا عليها الخرق. هذا هو الصحيح في تسميتها. وقيل: سميت لجبل هناك يقال له الرقاع، لأن فيه بياضاً وحمرة وسواداً. وقيل: سميت بشجرة هناك يقال لها: ذات الرقاع. وقيل لأن المسلمين رقعوا راياتهم. قال النووي: ويحتمل أن هذه الأمور كلها وجدت فيها.
(أن طائفة صفت معه) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها: "صلت معه". وهما صحيحان.
(وطائفة وجاه العدو) "وجاه" بكسر الواو وضمها، يقال: وجاهه وتجاهه أي قبالته، والطائفة: الفرقة والقطعة من الشيء، تقع على القليل والكثير.
(شجرة ظليلة) أي ذات ظل، ففعيل بمعنى فاعل، أي مظلة.
(فاخترطه) اخترط السيف أي سله وأخرجه من غمده.
-[فقه الحديث]-
الأصل في مشروعية صلاة الخوف قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا * وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة .... ﴾
وقد اختلف العلماء في صلاة الخوف في الحضر: فمنعها مالك أخذاً بمفهوم ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ وجمهور العلماء على مشروعيتها في الحضر كالسفر، لأن صلاة الخوف شرعت للاحتياط في الحرب، وهذا قد يكون في الحضر، قد يكون المسلمون في ديار الأعداء وحاضرتهم وقد يكون العكس.
стр. 1919
كما اختلفوا في بقاء مشروعيتها على مر الزمان، قال النووي: قال علماء الأمة بأسرها إلا أبا يوسف والمزني: إن شريعتها مستمرة إلى الآن، وهي مستمرة إلى آخر الزمان. وقال أبو يوسف والمزني: لا تشرع بعد النبي ﷺ واحتج بمفهوم قول الله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ وزعم أن الناس إنما صلوها معه لفضل الصلاة معه ﷺ . واحتج الجمهور بأن الصحابة لم يزالوا على فعلها بعد النبي ﷺ ، فقد صلاها علي بن أبي طالب في حروبه في صفين وغيرها وصلاها معه آلاف من الصحابة مما يعد إجماعاً، وبقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". فعموم منطوقه مقدم على المفهوم. قال ابن العربي وغيره: شرط كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بين لهم بفعلك لكنه أوضح من القول، ثم إن الأصل أن كل عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفية وردت لبيان الحذر من العدو وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم. ولئن كانت الصلاة خلف النبي ﷺ أفضل من الصلاة مع الناس جميعاً إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره.
وقد ذكرت روايات مسلم أوجها متعددة لصلاة الخوف، وروى فيها أبو داود أوجهاً أخرى، وذكر ابن القصار المالكي أن النبي ﷺ صلاها في عشرة مواطن. وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. اهـ.
والذي يعنينا أولاً وبالذات الأوجه التي رواها الإمام مسلم وموقف مذاهب الفقهاء منها، وهي:
١ - ما تصفه الرواية الثامنة والتاسعة حيث يكون العدو في غير جهة القبلة، أو في جهة القبلة وبينه وبين المسلمين حائل وساتر لا يمكن من الرؤية، يجعل الإمام الناس طائفتين، طائفة تقف مواجهة للعدو للحراسة، وطائفة يصلي بهم الإمام جميع الصلاة، ويسلم بهم، سواء أكانت الصلاة ركعتين أم ثلاثاً أم أربعاً، ثم تخرج التي صلت مع الإمام إلى وجه العدو، وتجيء الطائفة الأخرى، فيصلي بهم مرة ثانية، يكون الإمام فيها متنفلاً، وتكون لمن خلفه فريضة.
وهذه الصلاة صحيحة عند الشافعية من غير خوف، ففي الخوف أولى، والكلام في كونها مندوبة في الخوف أو المندوب وجه آخر؟ خلاف، ويمنعها من يمنع صلاة المفترض خلف المتنفل.
وقد حملت على هذه الصورة الرواية الثامنة والتاسعة، في حالة كون الصلاة ثنائية، ولفظ الثامنة: "فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان".
٢ - ما تصفه الرواية السابعة، حيث يكون العدو أيضاً في غير جهة القبلة، أو في جهة القبلة وبينه وبين المسلمين حائل يمنع مراقبة المصلين له، يفرق الإمام الناس فرقتين، فرقة تقف في مقابلة العدو، وفرقة ينحدر بها الإمام إلى حيث لا يلحقهم سهام العدو، فيحرم بهم، ويصلي بهم ركعة، فإذا قام إلى الركعة الثانية نوى من خلفه الخروج عن المتابعة وصلوا لأنفسهم ركعة أكملوا بها صلاتهم، وتشهدوا وسلموا، وذهبوا إلى وجه العدو، وثبت الإمام واقفاً في صلاة، يقرأ أو لا يقرأ،
стр. 1920
وجاء الآخرون فأحرموا خلف الإمام في ركعته الثانية يطيل الوقوف حتى يلحقوه ويقرءوا الفاتحة ويركع بهم ويسجد، فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ثانيتهم، وانتظرهم الإمام حتى يلحقوه ويسلم بهم، فتكون فرقة قد حازت فضيلة الاشتراك في تكبيرة الإحرام، وتكون الأخرى قد حازت فضيلة الاشتراك في السلام، مع الإمام، وهذا الوجه هو الذي تصوره الرواية السابعة ولفظها: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم".
٣ - ما تصفه الرواية الأولى والثالثة حيث يكون العدو كذلك في غير جهة القبلة، أو بينه وبين المسلمين ساتر يمنع مراقبة المصلين له، يجعل الإمام الناس فرقتين -وليس لازماً في كل ذلك أن تكون الفرقتان متساويتين- فرقة تقف في مواجهة العدو، وفرقة ينحدر بها إلى حيث لا تلحقهم السهام، فيحرم بهم ويصلي ركعة ويقوم إلى الثانية، ولا يتم المقتدون صلاتهم كما في الوجه السابق، وإنما يذهبون إلى مكان إخوانهم فيقفون قبالة العدو وهم في الصلاة يقفون سكوتاً، وتجيء الطائفة الأخرى فيصلي الإمام ركعته الثانية، فإذا سلم قاموا فذهبوا إلى وجه العدو، وجاء الأولون إلى مكان صلاة الإمام، فصلوا الركعة الباقية عليهم، ثم ذهبوا إلى وجه العدو، وجاء الآخرون إلى مكان الصلاة فصلوا ركعتهم الباقية وسلموا. وهذه هي رواية ابن عمر ولفظ الرواية الأولى: "صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلم النبي ﷺ ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة".
واختار الشافعي وأصحابه الوجه الثاني [روايتنا السابعة] وأخذ بها مالك لأنها أحوط لأمر الحرب، ولأنها أقل مخالفة لقاعدة الصلاة، بل اختلفوا في صحة الصلاة على الوجه الثالث [رواية ابن عمر الأولى والثالثة] فقال البعض: لا تصح لكثرة الأفعال فيها بلا ضرورة، واعتبروا حديث ابن عمر منسوخاً، واختار أبو حنيفة حديث ابن عمر.
٤ - ما تصفه الرواية الرابعة والخامسة، حيث يكون العدو في جهة القبلة ولا ساتر يمنع من رؤيته تقول الرواية الرابعة: "فصفنا صفين، صف خلف رسول الله ﷺ ، فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا جميعاً [أي الصفان] ثم ركع وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر [وظل واقفاً] في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ [وقام] وقام [معه] الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود [فسجدوا السجدتين] وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر [ليلي رسول الله] وتأخر الصف المقدم [فقرأ الركعة الثانية] ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف
стр. 1921
الذي يليه [وجلسوا] انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا [السجدتين وتشهدوا] ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً".
ففي هذه الصورة تحمل كل صف نصيباً متساوياً من الحراسة، ونصيباً متساوياً من السجود مع النبي ﷺ ، وكان تبادل الصفين تأخر المقدم وتقدم المؤخر ليكون المتابع والياً للإمام. وهذا الوجه أفضل الأوجه حين يكون العدو في جهة القبلة.
٥ - الوجه الخامس ما تصفه الرواية السادسة، حيث يكون العدو كذلك في جهة القبلة، ولا ساتر يمنع من رؤيته، تقول الرواية السادسة: "صفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة [والصف المؤخر يحرس] ثم قام [ومن صلى معه] فلم يزل قائما [هو والصف الذي يليه الذي صلى معه الركعة الأولى] حتى صلى الذين خلفهم ركعة [منفردين] ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة، [وهي الثانية له ولهم] ثم قعد [وقعدوا] حتى صلى الذين تخلفوا ركعة [وأدركوا القاعدين وتشهدوا] ثم سلم [بالجميع] ".
هذه الأوجه التي تصورها روايات الإمام مسلم، وهناك أوجه أخرى:
٦ - منها ما يشبه الوجه الرابع لكن بدون تبادل الصفين.
٧ - ومنها ما يشبه الوجه الرابع أيضاً لكن الحراسة لكل من الفرقتين تكون في الركوع مع السجود.
٨ - ومنها ما ذكره الشافعي من أنه يصلي بهم الإمام ويركع ويسجد بهم جميعاً إلا صفاً يليه وبعض صف ينتظرون العدو، فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الصف الذي حرسهم فهذا القول جعل الحراسة للصف الذي يلي الإمام.
والذي ينبغي ألا يغيب عنا هو أن هذه الأوجه لا يجب شيء منها، بل هي مندوبة وبعضها يفضل بعضاً في الظروف دون بعض، فلو صلى الإمام ببعضهم كل الصلاة، وصلى غيره بالباقين، أو صلى بعضهم أو كلهم منفردين جاز بلا خلاف، لكن الصحابة كانوا لا يسمحون لأنفسهم بترك الجماعة ﵃ لعظم فضلها فسنت لهم هذه الصفات ليحصل لكل طائفة حظ من الجماعة والوقوف قبالة العدو، والله أعلم.
(ملحوظة) قال النووي في المجموع: وإن كانت الصلاة مغرباً صلى بإحدى الطائفتين ركعة وبالثانية ركعتين، وإن كانت الصلاة ظهراً أو عصراً أو عشاءً في الحضر صلى بكل طائفة ركعتين.
وإن اشتد الخوف ولم يتمكن من تفريق الجيش صلوا رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبلي القبلة، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وقال: قال الشافعي والأصحاب: لا تختص صلاة شدة الخوف بالقتال بل تجوز في كل خوف؛ فلو هرب من سيل أو حريق أو سبع أو جمل أو كلب ضار أو صائل أو حية ونحو ذلك، ولم يجد عنه معدلاً فله صلاة شدة الخوف بالاتفاق لوجود الخوف، وهذه الصلاة جائزة بالإجماع.
стр. 1922
كتاب الجمعة
стр. 1923
(٢٧٥) باب الاستعداد لصلاة الجمعة
١٦٩٠ - عن عبد الله ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل".
١٦٩١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال وهو قائم على المنبر "من جاء منكم الجمعة فليغتسل".
١٦٩٢ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة دخل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فناداه عمر أية ساعة هذه؟ فقال إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء فلم أزد على أن توضأت. قال عمر والوضوء أيضاً وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل.
١٦٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان، فعرض به عمر فقال ما بال رجال يتأخرون بعد النداء. فقال عثمان يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت. فقال عمر والوضوء أيضاً ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل".
١٦٩٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
стр. 1924
١٦٩٥ - عن عائشة ﵂ أنها قالت كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي؛ فقال رسول الله ﷺ "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا".
١٦٩٦ - عن عائشة ﵂ أنها قالت كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاة فكانوا يكون لهم تفل فقيل لهم لو اغتسلتم يوم الجمعة.
١٦٩٧ - عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال "غسل يوم الجمعة على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه" إلا أن بكيراً لم يذكر عبد الرحمن وقال في الطيب ولو من طيب المرأة.
١٦٩٨ - عن ابن عباس ﵄ أنه ذكر قول النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة. قال طاوس فقلت لابن عباس ويمس طيباً أو دهناً إن كان عند أهله؟ قال لا أعلمه.
١٦٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يغسل رأسه وجسده".
١٧٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
стр. 1925
-[المعنى العام]-
إن هذا اليوم الذي فضله الله، وهدى أمة الإسلام إلى تعظيمه وتكريمه بالاجتماع لعبادته استحق من التشريع ما يتناسب وقدسيته. ماذا ينبغي عند الاجتماعات الكبيرة التي يلتقي فيها الزارع والصانع والعامل؟ والتي يلتقي فيها الغني الذي يجد ألوان الثياب فيغير كل يوم ثوباً، والفقير الذي لا يجد إلا ما يستر به عورته فلا يخلع ثوب الصوف عن بدنه يتكدس بين طياته العرق وريحه الكريهة تزداد يوماً بعد يوم؟
الإسلام دين النظافة، ودين الألفة والمحبة، ودين مراعاة المشاعر والأحاسيس، فليدع إلى ما يحصل هذا الهدف السامي، وما يجعل من هذا اللقاء الأسبوعي فرصة راحة وسعادة وهدوء نفسي يستمتع بالذكر والوعظ والصلاة في جو ملائكة الرحمة وفي مظلة عفو الله وكرمه وفضله.
كم دعا رسول الله ﷺ أصحابه للاستعداد إلى هذا الموكب: "إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل". "غسل يوم الجمعة واجب على كل -بالغ- محتلم". "غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم". نعم الغسل يزيل العرق والرائحة الكريهة من البدن فليعمل المسلم على إزالة الرائحة المتخلفة من الطعام في الفم وبين الأسنان وليحافظ على السواك للجمعة، وفوق هذا وذاك عليه بالطيب وأن يمس من طيب نفسه أو من طيب زوجه عند خروجه إلى الجمعة.
وإذا كان الشوق إلى شيء والحرص عليه يدفع المرء إلى التعجل بلقائه، وإذا كان خير ما يسعى إليه المسلم مائدة الرحمن في المسجد يوم الجمعة، كان لا بد من تسابق المسلمين إلى الذهاب، وكان من العدل والكرم أن ينال المبكر من الأجر أكثر من الذي يليه، وهذا أمر واضح غير خفي، لكن النفس البشرية قد تنشغل عنه بمباهج الحياة الدنيا والجري وراءها، فكان تنبيهه ﷺ وترغيبه في السبق والتبكير بقوله: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
وهكذا يبين ﷺ أن لله ملائكة يقفون يوم الجمعة على أبواب المساجد يكتبون من جاء إليها في الساعة الأولى، فيكتبون أوائل الحاضرين في فترة زمنية يعلمها الله، ولهم من أجر السبق إلى المسجد مثل أجر من يتصدق بالناقة، وإن اختلفت الناقة من حيث أوصافها حسناً وضعفاً باختلاف المتسابقين. ثم يبدأ ترتيب الحاضرين في الفترة الزمنية التي تليها، ولهم من أجر السبق إلى المسجد مثل أجر من يتصدق ببقرة، ثم الحاضرون في الفترة الزمنية التالية لهم من الأجر مثل أجر المتصدق بكبش، ثم الحاضرون في الفترة الزمنية الرابعة لهم من الأجر مثل أجر المتصدق بدجاجة، وآخر من يثاب على السبق والتبكير هم الحاضرون في الفترة الزمنية التي تنتهي بخروج الإمام وصعوده المنبر، فمن جاء بعد ذلك فليس له أجر سبق ولا أجر تبكير، لأن صحف الفضائل
стр. 1926
الخاصة به تكون قد طويت، ولأن الملائكة الموكلين بتسجيل درجات المبكرين انتهوا من مهمتهم وجاءوا داخل المسجد بين المصلين يستمعون خطبة الجمعة. ولم يبق للداخل بعد ذلك إلا الملكان الموكلان بكتابة أعماله اليومية خيرها وشرها يكتبون إنصاته للخطبة أو عبثه أثناءها، يكتبون خشوعه أو عدم خشوعه في صلاته وغير ذلك.
هكذا عرف الصحابة درجات التبكير والسعي إلى الجمعة فحرصوا عليها، وحرص عليها بصفة أشد كبارهم، حتى عد المتأخر إلى وقت صعود الخطيب المنبر مذنباً يلام ويعنف أمام الناس وإن كان كبير القدر.
فهذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين يصعد المنبر ليخطب، فيدخل عثمان بن عفان ﵁ ساعياً شاعراً بالخطأ والتقصير، فيراه عمر، فيعرض به، ويقول: ما بال رجال يتأخرون عن المسجد، ويحس عثمان بالخجل -وكان شديد الحياء- لكن عمر الشديد القاسي في الحق لم يرحم حياءه، فقال له: يا ابن عفان. أتدري ما هذه الساعة؟ أتدري أنك تأخرت كثيراً عما كان يرغبنا فيه رسول الله ﷺ من التبكير؟ فلم يجد عثمان بداً من الدفاع عن نفسه، وإعلان عذره، فقال: يا أمير المؤمنين. سهوت عن الوقت وشغلتني أموري بالسوق فلم أنتبه إلا والمؤذن يؤذن، فأسرعت إلى وضوئي بالسوق، ولم أذهب إلى بيتي، ثم جئت إلى المسجد مسرعاً.
والتقط عمر من كلام عثمان تقصيراً آخر. لقد اكتفى عثمان بالوضوء عن الغسل وكيف ومتى يمكن له أن يغتسل وهو لم يشعر بنفسه إلا عند الأذان؟ أيترك سماع الخطبة ويذهب ليغتسل؟ إنه يعتقد أن سماع الخطبة أهم وأوجب، ولعله كان قد اغتسل بعد الفجر أول النهار. لكن عمر لم يرحمه للمرة الثانية، فقال له: وفعلت الوضوء أيضاً بدلاً عن الغسل؟ ألم تسمع كما سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"؟ ولم يجب عثمان ﵁ حياء واحتراماً لمقام أمير المؤمنين، واكتفى بأنه قدم اعتذاره عن التأخر، وهو اعتذار وجيه عن عدم الغسل.
-[المباحث العربية]-
(وهو قائم على المنبر) سمي منبراً لارتفاعه، من النبر وهو الارتفاع.
(من جاء منكم الجمعة فليغتسل) فيه مجاز المشارفة، أي من أشرف على المجيء للجمعة وأراده، فظاهره غير مراد، لأن ظاهره أن الغسل يعقب المجيء، ونظيره قوله تعالى: ﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢].
(بينا هو يخطب) "بينا" أصله "بين" وأشبعت الفتحة، وقد تبقى بلا إشباع ويزاد فيها "ما" فتصير "بينما" وهي ظرف زمان فيه معنى المفاجأة.
(دخل رجل) هو عثمان بن عفان المصرح به في الرواية الرابعة.
стр. 1927
(فناداه) أي قال له: يا فلان.
(أية ساعة هذه؟ ) "أية" بتشديد الياء، تأنيث أي، يستفهم بها، والتأنيث وعدمه جائزان، قال تعالى: ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [لقمان: ٣٤]. والساعة اسم لجزء من اليوم مقدر، وتطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهذا الاستفهام توبيخ وإنكار، وكأنه يقول: لم تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية لأبي هريرة ولفظها: "فقال عمر: لم تحبسون عن الصلاة"؟ . وفي روايتنا الرابعة: "فعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون عن النداء"؟ . قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن عمر قال ذلك كله، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر ﵁ التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها.
(إني شغلت اليوم) "شغلت" بالبناء للمجهول، وقد بين جهة شغله في بعض الروايات، إذ جاء فيها "انقلبت من السوق فسمعت النداء".
(حتى سمعت النداء) قال النووي: بكسر النون وضمها والكسر أشهر. اهـ والمراد الأذان بين يدي الخطيب.
(فلم أزد على أن توضأت) أي لم أشتغل بشيء بعد أن سمعت النداء إلا بالوضوء.
(والوضوء أيضاً) الواو عاطفة على محذوف، و"الوضوء" بالنصب مفعول لفعل محذوف، والتقدير: أشغلت عن الوقت وتأخرت، وتوضأت الوضوء فقط ولم تغتسل؟ أي ما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل واقتصرت على الوضوء؟ وجوز القرطبي رفع "الوضوء" على أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي والوضوء أيضاً يقتصر عليه؟ و"أيضاً" منصوب على المصدر من آض يئيض إذا رجع وعاد.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان عن ذلك، والظاهر أنه سكت عنه اكتفاء بالاعتذار الأول، لأنه قد أشار إلى أنه كان ذاهلاً عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء، وإنما ترك الغسل لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغسل، وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة. اهـ.
(واجب على كل محتلم) المراد بالمحتلم البالغ، وفي المراد بواجب توجيهات تأتي في فقه الحديث.
(كان الناس ينتابون الجمعة) أي يحضرونها نوباً، والانتياب افتعال من النوبة. وفي القاموس: وانتابهم انتياباً: أتاهم مرة بعد أخرى. أي يحضرون الجمعة في مسجد رسول الله ﷺ من منازلهم البعيدة مرة بعد أخرى.
(من منازلهم من العوالي) العوالي القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها،
стр. 1928
وأقرب هذه القرى من المدينة آنذاك على بعد خمسة كيلو مترات، وأبعدها كانت على مسافة أربعة عشر كيلو متراً.
(فيأتون في العباء) بالمد جمع عباءة بالهمز، وعباية بالياء، لغتان مشهورتان. والعباءة من الصوف يسارع إليها الريح غير الطيب لأصل صوف الغنم.
(إنسان منهم) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه. اهـ. وكانوا لا يعنون بذكر الاسم عندما يكون المسند إليه غير حسن، أدباً وكرماً.
(لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا) "لو" هنا للتمني، ويصح أن تكون شرطية محذوفة الجواب، أي لكان حسناً، و"لو" تختص بالدخول على الأفعال، فالتقدير: لو ثبت أنكم تطهرتم.
(ولم يكن لهم كفاة) بضم الكاف، جمع كاف، كقاض وقضاة، أي لم يكن من يكفيهم مؤونة العمل من عبيد أو خدم.
(فكانوا يكون لهم تفل) بفتح التاء والفاء رائحة كريهة.
(غسل يوم الجمعة على كل محتلم) قال النووي: هكذا وقع في جميع الأصول، وليس فيه ذكر "واجب". اهـ. والجار والمجرور يتعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وتقديره المناسب هنا: لفظ "مشروع" أو مندوب.
(وسواك) معطوف على المبتدأ، أي وسواك يوم الجمعة مشروع على كل محتلم.
(ويمس من الطيب ما قدر عليه) "يمس" بفتح الميم وضمها، وقوله: "ما قدر عليه". يحتمل أن يراد منه التكثير، وأن يراد منه التأكيد، أي يفعله ما أمكنه ذلك ولو من طيب امرأته. والفعل "يمس" يصح أن يكون مسبوكاً بمصدر من غير سابك ويعطف على المبتدأ، أي ومس طيب مشروع.
(ولو من طيب المرأة) كان للنساء طيب مخصوص لا يستعمله الرجال إلا لضرورة، لأن له لوناً ظاهراً.
(ويمس طيباً أو دهناً) المراد من الدهن ما يشبه زيت الشعر ونحوه في زمننا مما يقصد به إزالة شعث الشعر مع الرائحة الطيبة.
(من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) قال النووي: معناه غسلاً كغسل الجنابة في الصفات [احترازاً من إطلاق الغسل على الوضوء مجازاً] هذا هو المشهور في تفسيره. وقال بعض أصحابنا في كتب الفقه: المراد غسل الجنابة حقيقة. قالوا: ويستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض للبصر وأسكن لنفسه. وهذا ضعيف أو باطل، والصواب ما قدمناه. اهـ.
стр. 1929
(ثم راح) الرواح الذهاب أول النهار، ولما كان وقت الجمعة على المشهور من الزوال قال بعضهم: إن المراد من الرواح هنا مطلق الذهاب، وللمسألة تتمة في فقه الحديث.
(فكأنما قرب بدنة) أي فكأنما تصدق ببدنة متقرباً بها إلى الله، والبدنة تقع على الواحدة من الإبل والبقر والغنم كما يقول جمهور أهل اللغة، وخصها جماعة لغة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق لورود البقر بعدها. قالوا: والبدنة والبقرة يقعان على الذكر والأنثى باتفاقهم، والهاء فيها للواحدة، كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس.
(فكأنما قرب كبشاً أقرن) وصف بالأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة.
(فكأنما قرب دجاجة) قال أهل اللغة هي بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان ويقع على الذكر والأنثى
(فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة) "حضرت" بفتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان، والفتح أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى .... ﴾ [النساء: ٨].
(يستمعون الذكر) أي ذكر الله والثناء عليه والدعوة إلى الطاعة والتقوى في الخطبة.
-[فقه الحديث]-
يتناول هذا الباب النقاط التالية:
١ - السفر يوم الجمعة.
٢ - البيع ساعة الجمعة.
٣ - الغسل للجمعة.
٤ - التسوك والادهان ولبس أحسن الثياب.
٥ - التبكير بالذهاب إلى المسجد ودرجات المبكرين.
٦ - دخول المسجد وانتظار الخطبة.
٧ - ما يؤخذ من الأحاديث.
وهذا هو الشرح والإيضاح:
١ - السفر يوم الجمعة: مع أن أحاديث الباب لا تتعرض للسفر صراحة لكن أحاديث التبكير إلى المسجد تثير موضوع السفر، وقد أخرج الدارقطني عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من سافر من دار إقامة يوم جمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره، وأن لا يعان على حاجته". وقال يحيى بن كثير: قلما خرج رجل يوم الجمعة إلا رأى ما يكره. وكذا قال الإمام أحمد.
وقد وضع الفقهاء أحكامًا لصور السفر المختلفة، نلخصها فيما يلي:
стр. 1930
(أ) سفر من لا تجب عليه الجمعة جائز بلا خلاف.
(ب) سفر من تجب عليه الجمعة بعد الزوال وبعد أن يؤديها جائز باتفاق.
(جـ) سفر من تجب عليه الجمعة ليلتها قبل طلوع فجرها جائز عند العلماء كافة إلا ما حكى عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يسافر بعد دخول العشاء من يوم الخميس حتى يصلي الجمعة. وهذا مذهب باطل.
(د) سفر من تجب عليه الجمعة قبل الزوال أو بعده إذا تحقق أنه سيؤديها بعد الوصول أو في طريق السفر، جائز ولا كراهة إذا أداها بعد الوصول أو في الطريق.
(هـ) سفر من تجب عليه الجمعة بعد أذانها الثاني حرام باتفاق. قال ابن حزم: اتفقوا على أن السفر حرام على من تلزمه الجمعة إذا نودي لها، لوجوب حضورها عليه بالنداء. اهـ. وقيد هذا بعدم إدراكها في طريقه أو في محل وصوله، وبعدم خوف فوت رفقة يتضرر بالتخلف عنهم، فإن خاف فوت رفقة يتضرر بالتخلف عنهم في سفر طاعة أو سفر مباح جاز.
(و) سفر من تجب عليه الجمعة بعد الزوال وقبل أذانها الثاني مع عدم خوف فوت رفقة يتضرر بالتخلف عنهم في سفر مباح حرام عند الجمهور. قال به الشافعية ومالك وأحمد، وذلك لاستقرارها في ذمته بدخول أول وقتها، وهو الزوال، فلم يجز له تفويتها بالسفر، بخلاف غيرها من الصلوات لإمكان فعلها حال السفر. وقال أبو حنيفة: يجوز.
(ز) سفر من تجب عليه الجمعة بعد فجرها وقبل الزوال وفيه خلاف طويل. قيل: يحرم، لأنه وقت لوجوب التسبب، بدليل أن من كانت داره على بعد لزمه القصد قبل الزوال، ووجوب التسبب كوجوب الفعل، فإذا لم يجز السفر بعد وجوب الفعل لم يجز بعد وجوب التسبب. قاله الرافعي في المهذب.
وقيل: يجوز، لأن الجمعة لم تجب عليه بعد، لأنها لا تجب إلا بالزوال، فلا يحرم التفويت، كبيع المال قبل الحول، فلا تجب الزكاة ولا حرمة، ويقويه ما أخرجه أبو داود من أن ابن شهاب خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار، فقيل له في ذلك، فقال إن رسول الله ﷺ خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار. وقد حاول أصحاب هذا الرأي أن يستندوا إلى مسألة: "لا جمعة على مسافر". لكنه استناد خاطئ، لأن المراد بها من أبيح له السفر، أو من سافر قبل يوم الجمعة، وأحرى الآراء بالقبول أنه يكره، لحديث الدارقطني الذي ذكرناه أول المسألة. والله أعلم.
٢ - البيع ساعة الجمعة: أما البيع [ومثله الشراء، لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء، ولأن المشتري والبائع يطلق عليهما البيعان] فهو بعد الأذان الثاني حرام لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩]. وجمهور العلماء على أن البيع والشراء حرام من حين النداء، وعلى أن المراد من النداء في الآية الأذان الذي بين يدي الخطيب، لأنه الأذان الأصلي الذي كان على عهد النبي ﷺ قال الطحاوي: هو المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع. اهـ.
следующие страницы →