← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الخاصة به تكون قد طويت، ولأن الملائكة الموكلين بتسجيل درجات المبكرين انتهوا من مهمتهم وجاءوا داخل المسجد بين المصلين يستمعون خطبة الجمعة. ولم يبق للداخل بعد ذلك إلا الملكان الموكلان بكتابة أعماله اليومية خيرها وشرها يكتبون إنصاته للخطبة أو عبثه أثناءها، يكتبون خشوعه أو عدم خشوعه في صلاته وغير ذلك. هكذا عرف الصحابة درجات التبكير والسعي إلى الجمعة فحرصوا عليها، وحرص عليها بصفة أشد كبارهم، حتى عد المتأخر إلى وقت صعود الخطيب المنبر مذنباً يلام ويعنف أمام الناس وإن كان كبير القدر. فهذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين يصعد المنبر ليخطب، فيدخل عثمان بن عفان ﵁ ساعياً شاعراً بالخطأ والتقصير، فيراه عمر، فيعرض به، ويقول: ما بال رجال يتأخرون عن المسجد، ويحس عثمان بالخجل -وكان شديد الحياء- لكن عمر الشديد القاسي في الحق لم يرحم حياءه، فقال له: يا ابن عفان. أتدري ما هذه الساعة؟ أتدري أنك تأخرت كثيراً عما كان يرغبنا فيه رسول الله ﷺ من التبكير؟ فلم يجد عثمان بداً من الدفاع عن نفسه، وإعلان عذره، فقال: يا أمير المؤمنين. سهوت عن الوقت وشغلتني أموري بالسوق فلم أنتبه إلا والمؤذن يؤذن، فأسرعت إلى وضوئي بالسوق، ولم أذهب إلى بيتي، ثم جئت إلى المسجد مسرعاً. والتقط عمر من كلام عثمان تقصيراً آخر. لقد اكتفى عثمان بالوضوء عن الغسل وكيف ومتى يمكن له أن يغتسل وهو لم يشعر بنفسه إلا عند الأذان؟ أيترك سماع الخطبة ويذهب ليغتسل؟ إنه يعتقد أن سماع الخطبة أهم وأوجب، ولعله كان قد اغتسل بعد الفجر أول النهار. لكن عمر لم يرحمه للمرة الثانية، فقال له: وفعلت الوضوء أيضاً بدلاً عن الغسل؟ ألم تسمع كما سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"؟ ولم يجب عثمان ﵁ حياء واحتراماً لمقام أمير المؤمنين، واكتفى بأنه قدم اعتذاره عن التأخر، وهو اعتذار وجيه عن عدم الغسل. -[المباحث العربية]- (وهو قائم على المنبر) سمي منبراً لارتفاعه، من النبر وهو الارتفاع. (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) فيه مجاز المشارفة، أي من أشرف على المجيء للجمعة وأراده، فظاهره غير مراد، لأن ظاهره أن الغسل يعقب المجيء، ونظيره قوله تعالى: ﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢]. (بينا هو يخطب) "بينا" أصله "بين" وأشبعت الفتحة، وقد تبقى بلا إشباع ويزاد فيها "ما" فتصير "بينما" وهي ظرف زمان فيه معنى المفاجأة. (دخل رجل) هو عثمان بن عفان المصرح به في الرواية الرابعة.

стр. 1927

(فناداه) أي قال له: يا فلان. (أية ساعة هذه؟ ) "أية" بتشديد الياء، تأنيث أي، يستفهم بها، والتأنيث وعدمه جائزان، قال تعالى: ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [لقمان: ٣٤]. والساعة اسم لجزء من اليوم مقدر، وتطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهذا الاستفهام توبيخ وإنكار، وكأنه يقول: لم تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية لأبي هريرة ولفظها: "فقال عمر: لم تحبسون عن الصلاة"؟ . وفي روايتنا الرابعة: "فعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون عن النداء"؟ . قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن عمر قال ذلك كله، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر ﵁ التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها. (إني شغلت اليوم) "شغلت" بالبناء للمجهول، وقد بين جهة شغله في بعض الروايات، إذ جاء فيها "انقلبت من السوق فسمعت النداء". (حتى سمعت النداء) قال النووي: بكسر النون وضمها والكسر أشهر. اهـ والمراد الأذان بين يدي الخطيب. (فلم أزد على أن توضأت) أي لم أشتغل بشيء بعد أن سمعت النداء إلا بالوضوء. (والوضوء أيضاً) الواو عاطفة على محذوف، و"الوضوء" بالنصب مفعول لفعل محذوف، والتقدير: أشغلت عن الوقت وتأخرت، وتوضأت الوضوء فقط ولم تغتسل؟ أي ما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل واقتصرت على الوضوء؟ وجوز القرطبي رفع "الوضوء" على أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي والوضوء أيضاً يقتصر عليه؟ و"أيضاً" منصوب على المصدر من آض يئيض إذا رجع وعاد. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان عن ذلك، والظاهر أنه سكت عنه اكتفاء بالاعتذار الأول، لأنه قد أشار إلى أنه كان ذاهلاً عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء، وإنما ترك الغسل لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغسل، وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة. اهـ. (واجب على كل محتلم) المراد بالمحتلم البالغ، وفي المراد بواجب توجيهات تأتي في فقه الحديث. (كان الناس ينتابون الجمعة) أي يحضرونها نوباً، والانتياب افتعال من النوبة. وفي القاموس: وانتابهم انتياباً: أتاهم مرة بعد أخرى. أي يحضرون الجمعة في مسجد رسول الله ﷺ من منازلهم البعيدة مرة بعد أخرى. (من منازلهم من العوالي) العوالي القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها،

стр. 1928

وأقرب هذه القرى من المدينة آنذاك على بعد خمسة كيلو مترات، وأبعدها كانت على مسافة أربعة عشر كيلو متراً. (فيأتون في العباء) بالمد جمع عباءة بالهمز، وعباية بالياء، لغتان مشهورتان. والعباءة من الصوف يسارع إليها الريح غير الطيب لأصل صوف الغنم. (إنسان منهم) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه. اهـ. وكانوا لا يعنون بذكر الاسم عندما يكون المسند إليه غير حسن، أدباً وكرماً. (لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا) "لو" هنا للتمني، ويصح أن تكون شرطية محذوفة الجواب، أي لكان حسناً، و"لو" تختص بالدخول على الأفعال، فالتقدير: لو ثبت أنكم تطهرتم. (ولم يكن لهم كفاة) بضم الكاف، جمع كاف، كقاض وقضاة، أي لم يكن من يكفيهم مؤونة العمل من عبيد أو خدم. (فكانوا يكون لهم تفل) بفتح التاء والفاء رائحة كريهة. (غسل يوم الجمعة على كل محتلم) قال النووي: هكذا وقع في جميع الأصول، وليس فيه ذكر "واجب". اهـ. والجار والمجرور يتعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وتقديره المناسب هنا: لفظ "مشروع" أو مندوب. (وسواك) معطوف على المبتدأ، أي وسواك يوم الجمعة مشروع على كل محتلم. (ويمس من الطيب ما قدر عليه) "يمس" بفتح الميم وضمها، وقوله: "ما قدر عليه". يحتمل أن يراد منه التكثير، وأن يراد منه التأكيد، أي يفعله ما أمكنه ذلك ولو من طيب امرأته. والفعل "يمس" يصح أن يكون مسبوكاً بمصدر من غير سابك ويعطف على المبتدأ، أي ومس طيب مشروع. (ولو من طيب المرأة) كان للنساء طيب مخصوص لا يستعمله الرجال إلا لضرورة، لأن له لوناً ظاهراً. (ويمس طيباً أو دهناً) المراد من الدهن ما يشبه زيت الشعر ونحوه في زمننا مما يقصد به إزالة شعث الشعر مع الرائحة الطيبة. (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) قال النووي: معناه غسلاً كغسل الجنابة في الصفات [احترازاً من إطلاق الغسل على الوضوء مجازاً] هذا هو المشهور في تفسيره. وقال بعض أصحابنا في كتب الفقه: المراد غسل الجنابة حقيقة. قالوا: ويستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض للبصر وأسكن لنفسه. وهذا ضعيف أو باطل، والصواب ما قدمناه. اهـ.

стр. 1929

(ثم راح) الرواح الذهاب أول النهار، ولما كان وقت الجمعة على المشهور من الزوال قال بعضهم: إن المراد من الرواح هنا مطلق الذهاب، وللمسألة تتمة في فقه الحديث. (فكأنما قرب بدنة) أي فكأنما تصدق ببدنة متقرباً بها إلى الله، والبدنة تقع على الواحدة من الإبل والبقر والغنم كما يقول جمهور أهل اللغة، وخصها جماعة لغة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق لورود البقر بعدها. قالوا: والبدنة والبقرة يقعان على الذكر والأنثى باتفاقهم، والهاء فيها للواحدة، كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس. (فكأنما قرب كبشاً أقرن) وصف بالأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة. (فكأنما قرب دجاجة) قال أهل اللغة هي بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان ويقع على الذكر والأنثى (فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة) "حضرت" بفتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان، والفتح أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى .... ﴾ [النساء: ٨]. (يستمعون الذكر) أي ذكر الله والثناء عليه والدعوة إلى الطاعة والتقوى في الخطبة. -[فقه الحديث]- يتناول هذا الباب النقاط التالية: ١ - السفر يوم الجمعة. ٢ - البيع ساعة الجمعة. ٣ - الغسل للجمعة. ٤ - التسوك والادهان ولبس أحسن الثياب. ٥ - التبكير بالذهاب إلى المسجد ودرجات المبكرين. ٦ - دخول المسجد وانتظار الخطبة. ٧ - ما يؤخذ من الأحاديث. وهذا هو الشرح والإيضاح: ١ - السفر يوم الجمعة: مع أن أحاديث الباب لا تتعرض للسفر صراحة لكن أحاديث التبكير إلى المسجد تثير موضوع السفر، وقد أخرج الدارقطني عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من سافر من دار إقامة يوم جمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره، وأن لا يعان على حاجته". وقال يحيى بن كثير: قلما خرج رجل يوم الجمعة إلا رأى ما يكره. وكذا قال الإمام أحمد. وقد وضع الفقهاء أحكامًا لصور السفر المختلفة، نلخصها فيما يلي:

стр. 1930

(أ) سفر من لا تجب عليه الجمعة جائز بلا خلاف. (ب) سفر من تجب عليه الجمعة بعد الزوال وبعد أن يؤديها جائز باتفاق. (جـ) سفر من تجب عليه الجمعة ليلتها قبل طلوع فجرها جائز عند العلماء كافة إلا ما حكى عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يسافر بعد دخول العشاء من يوم الخميس حتى يصلي الجمعة. وهذا مذهب باطل. (د) سفر من تجب عليه الجمعة قبل الزوال أو بعده إذا تحقق أنه سيؤديها بعد الوصول أو في طريق السفر، جائز ولا كراهة إذا أداها بعد الوصول أو في الطريق. (هـ) سفر من تجب عليه الجمعة بعد أذانها الثاني حرام باتفاق. قال ابن حزم: اتفقوا على أن السفر حرام على من تلزمه الجمعة إذا نودي لها، لوجوب حضورها عليه بالنداء. اهـ. وقيد هذا بعدم إدراكها في طريقه أو في محل وصوله، وبعدم خوف فوت رفقة يتضرر بالتخلف عنهم، فإن خاف فوت رفقة يتضرر بالتخلف عنهم في سفر طاعة أو سفر مباح جاز. (و) سفر من تجب عليه الجمعة بعد الزوال وقبل أذانها الثاني مع عدم خوف فوت رفقة يتضرر بالتخلف عنهم في سفر مباح حرام عند الجمهور. قال به الشافعية ومالك وأحمد، وذلك لاستقرارها في ذمته بدخول أول وقتها، وهو الزوال، فلم يجز له تفويتها بالسفر، بخلاف غيرها من الصلوات لإمكان فعلها حال السفر. وقال أبو حنيفة: يجوز. (ز) سفر من تجب عليه الجمعة بعد فجرها وقبل الزوال وفيه خلاف طويل. قيل: يحرم، لأنه وقت لوجوب التسبب، بدليل أن من كانت داره على بعد لزمه القصد قبل الزوال، ووجوب التسبب كوجوب الفعل، فإذا لم يجز السفر بعد وجوب الفعل لم يجز بعد وجوب التسبب. قاله الرافعي في المهذب. وقيل: يجوز، لأن الجمعة لم تجب عليه بعد، لأنها لا تجب إلا بالزوال، فلا يحرم التفويت، كبيع المال قبل الحول، فلا تجب الزكاة ولا حرمة، ويقويه ما أخرجه أبو داود من أن ابن شهاب خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار، فقيل له في ذلك، فقال إن رسول الله ﷺ خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار. وقد حاول أصحاب هذا الرأي أن يستندوا إلى مسألة: "لا جمعة على مسافر". لكنه استناد خاطئ، لأن المراد بها من أبيح له السفر، أو من سافر قبل يوم الجمعة، وأحرى الآراء بالقبول أنه يكره، لحديث الدارقطني الذي ذكرناه أول المسألة. والله أعلم. ٢ - البيع ساعة الجمعة: أما البيع [ومثله الشراء، لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء، ولأن المشتري والبائع يطلق عليهما البيعان] فهو بعد الأذان الثاني حرام لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩]. وجمهور العلماء على أن البيع والشراء حرام من حين النداء، وعلى أن المراد من النداء في الآية الأذان الذي بين يدي الخطيب، لأنه الأذان الأصلي الذي كان على عهد النبي ﷺ قال الطحاوي: هو المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع. اهـ.

стр. 1931

وأما الأذان الذي عند الزوال فيجوز عند الجمهور البيع فيه مع الكراهة. وعند الحنفية: يكره مطلقاً ولا يحرم. قال الشافعي في الأم: ولو تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولا يكره، وإذا تبايع رجلان من أهل فرضها، أو أحدهما من أهل فرضها، فإن كان قبل الزوال فلا كراهة، وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام أو قبل جلوسه على المنبر، أو قبل شروع المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب كره كراهة تنزيه، وإن كان بعد جلوسه وشروع المؤذن فيه حرم على المتبايعين جميعاً، سواء كانا من أهل الفرض أو أحدهما. اهـ. وإنما حرم على من ليس من أهل الفرض لأنه شغل من عليه الفرض وتسبب في ارتكابه محرماً، لكن قال البندنيجي وصاحب العدة: إذا كان أحدهما من أهل الفرض دون الآخر حرم على صاحب الفرض وكره للآخر ولا يحرم. قال النووي: وهذا شاذ باطل، والصواب الجزم بالتحريم عليهما. وحيث قلنا بحرمة البيع هل ينعقد ويصح أو لا؟ ذهب الشافعي وأبو حنيفة ومحمد وزفر والجمهور إلى أن البيع صحيح وينعقد. وقال مالك وأحمد والظاهرية: يبطل البيع. وهل يحرم غير البيع من إجارة ونكاح وهبة ورهن ونحوها. قال ابن التين: كل من لزمه التوجه إلى الجمعة يحرم عليه كل ما يمنعه منه، من بيع أو نكاح أو عمل، وهذا قول الجمهور. ولا يحرم عند مالك نكاح ولا إجارة ولا سلم، وأباح الهبة والقرض والصدقة. ونحن نميل إلى رأي الجمهور. فقد قال عطاء: إذا نودي بالأذان حرم اللهو والبيع والصناعات كلها والرقاد وأن يأتي الرجل أهله وأن يكتب كتاب. ٣ - الغسل للجمعة: أما غسل الجمعة فإن الروايات الإحدى عشرة الأول تتعرض له، إما بالأمر "فليغتسل" وإما بالتحضيض أي الأمر برفق: "لو اغتسلتم يوم الجمعة" أو بما يشعر بالوجوب أو الطلب القوي: "حق على كل مسلم أن يغتسل في سبعة أيام". "غسل يوم الجمعة على كل محتلم". ولاختلاف التعبيرات اختلف العلماء في حكم غسل يوم الجمعة: فذهب أهل الظاهر وأحمد في إحدى الروايتين، وحكى عن مالك، أن غسل يوم الجمعة واجب حيث قالوا: لو لم يكن واجباً لما قطع عمر الخطبة، ولما أنكر على عثمان تركه على ملإ من الصحابة، كما استدلوا بالأمر بالغسل يوم الجمعة، كما جاء في الروايات الأولى والثانية والثالثة، وجعلوا الأمر للوجوب. والجمهور من السلف والخلف وفقهاء الأمصار على أنه سنة مستحبة ليس بواجب يعصي بتركه، بل له حكم سائر المندوبات، وهو مذهب الشافعي وأبو حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو المعروف في مذهب مالك، وحملوا لفظ "واجب" على الوجوب في الاختيار ومكارم الأخلاق، والنظافة، وأجابوا عن قصة عمر وعثمان بأنها دليل على أنه سنة لا واجب، وذلك لأن عثمان لم يترك الصلاة لأجل الغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، وأن من حضر من الصحابة وافقوهما

стр. 1932

على ذلك، فكان إجماعاً منهم على أن الغسل ليس شرطاً في صحة الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: وهو استدلال قوي، وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، كما استدلوا بحديث: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". أخرجه أصحاب السنن الثلاثة وابن خزيمة وابن حبان. وكما اختلف العلماء في حكمه اختلفوا في وقته. فذهب الظاهرية إلى كفاية الغسل في أي ساعة من ساعات يوم الجمعة من الفجر حتى غروب الشمس مستدلين بظاهر روايتنا الخامسة والثامنة، وفيهما إضافة الغسل لليوم، والسادسة والسابعة وكلاهما يربط الغسل باليوم. قال ابن دقيق العيد: وقد أبعد الظاهرية إبعاداً يكاد يكون مجزوماً ببطلانه. وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة، ولم يفعل ما أمر به. اهـ. والرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة صريحة في طلبه قبل صلاة الجمعة. لكن الإمام مالكاً راعى أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة التنظيف رعاية للحاضرين من التأذي بالرائحة الكريهة، فشرط اتصال الذهاب إلى الجمعة بالغسل، لاحتمال حدوث ما يزيل التنظيف أثناء النهار بين الغسل المبكر وبين الذهاب إلى المسجد. ولم يراع الجمهور هذا الاحتمال البعيد، فذهب إلى أن وقته من طلوع فجر يوم الجمعة إلى وقت الصلاة، وإن كان الأفضل اتصاله بالذهاب إلى المسجد. وشذ من قال: إن وقته يدخل بالنصف الثاني من الليل، وأكثر شذوذاً منه من قال: إن وقته يدخل بصلاة العشاء ليلة الجمعة. ولو أحدث حدثاً أصغر بعد الغسل لم يبطل الغسل وتوضأ، بل قيل: لو أجنب بجماع أو غيره لم يبطل غسل الجمعة ووجب غسل الجنابة، والثمرة في هذا أنه لو لم يجد ماء لغسل الجنابة حينئذ وتيمم صح واحتفظ بأداء السنة. واختلفوا فيمن يطالب بغسل الجمعة، فالرواية الأولى والثانية تصرحان بأن الغسل مشروع لكل من أراد الجمعة من الرجال والصبيان والنساء، وظاهر الرواية الخامسة أن مشروعية الغسل خاصة بالرجال، لأن النساء يبلغن بالحيض، والرواية العاشرة ظاهرها مشروعيته للمسلم. قال النووي: يقال في الجمع بين الأحاديث أن الغسل يستحب لكل مريد الجمعة، ومتأكد في حق الذكور أكثر من النساء، ومتأكد في حق البالغين أكثر من الصبيان. اهـ. والذي تستريح إليه النفس أنه مستحب لكل مسلم ومسلمة بالغ وغير بالغ، إذ هو للنظافة وإزالة ما يكره في أسبوع، يقوي هذا روايتنا العاشرة: "حق على كل مسلم -أي ومسلمة- أن يغتسل في سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده". ويتأكد في حق مريد الجمعة من النساء والصبيان، ويزداد تأكداً في حق مريد الجمعة من الرجال.

стр. 1933

وهذا أفضل طريق للجمع بين الأحاديث، فالرواية الخامسة والثامنة ربطته باليوم وبالبلوغ، والرواية العاشرة ربطته بكل مسلم، أعم من البالغ وغير البالغ فإذا قيل: إن الوجوب يختص بالبالغ، قلنا: جرينا على أنه مستحب لا واجب، والمستحب لا يختص بالبالغين، أما النساء فهن شقائق الرجال، عليهن من الأحكام ما عليهم إلا ما صرح بخصوصه. والله أعلم. ٤ - التسوك والادهان ولبس أحسن الثياب: وأما السواك والطيب فإن الرواية الثامنة تصرح بطلبهما، قال القرطبي: وليساً بواجبين اتفاقاً. اهـ. قال ابن المنير: إن دعوى الإجماع على عدم وجوب الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عيينة في جامعه عن أبي هريرة: أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة. وإسناده صحيح. وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر. اهـ. وأما السواك فقد جاء في الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". قال الزين بن المنير: لما خصت الجمعة بطلب تحسين الظاهر من الغسل والتنظيف والتطيب ناسب ذلك تطييب الفم الذي هو محل الذكر والمناجاة، وإزالة ما يضر الملائكة وبني آدم. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: ويلحق بالسواك والطيب التزين باللباس. اهـ. وقد جاء في صحيح ابن خزيمة في مثل روايتنا الحادية عشرة: "ولبس أحسن ثيابه". وعند أبي داود: "ولبس من أحسن ثيابه". وفي الموطأ وأبي داود أن رسول الله ﷺ قال: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبى مهنته". ٥ - التبكير بالذهاب إلى المسجد ودرجات المبكرين: أما التبكير إلى المسجد ودرجات المبكرين فقد مثلت له الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة، وقد اختلف العلماء في المراد بالساعات في الحديث وفي تحديد بدئها ونهايتها، فقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلى الزوال. وقسمها الغزالي إلى خمس، فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. والثانية إلى ارتفاعها. والثالثة إلى انبساطها. والرابعة إلى أن ترمض الأقدام -أي تحس بحرارة الرمال. والخامسة إلى الزوال. واعترض ابن دقيق العيد بأن الرد إلى الساعات المعروفة أولى، وإلا لم يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى، لأن المراتب متفاوتة جداً. وأفضل ما قيل في ذلك: أن المراد بالساعات الخمس لحظات لطيفة، أولها زوال الشمس، وآخرها قعود الخطيب على المنبر. وأبعد الأقوال عن القبول ما نقل عن مالك من كراهية التبكير إلى الجمعة، محتجاً بأنه يستلزم تخطي الرقاب في الرجوع لمن عرضت له حاجة فخرج لها ثم رجع. وتعقب بأنه لا حرج عليه في هذه الحالة، لأنه قاصد للوصول لحقه، وإنما الحرج على من تأخر عن المجيء ثم جاء فتخطى الرقاب، وقد اشتد إنكار الإمام أحمد لهذا القول، فقال: هذا خلاف حديث رسول الله ﷺ . ومن الخطأ أن يدفع الحرص على التبكير إلى العجلة في المشي والإسراع والجري إلى المسجد، ففي الصحيح: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا".

стр. 1934

٦ - دخول المسجد وانتظار الخطبة: فإذا دخل المسجد كره أن يتخطى الرقاب من غير ضرورة، ففي ذلك رفع رجليه على الرءوس أو الأكتاف، وربما تعلق بثياب الناس شيء مما في رجليه، فإن رأي فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي لم يكره، لأن الجالسين وراءها مفرطون بتركها. قيل: سواء في ذلك الفرجة القريبة والبعيدة. وقيل: يكره إذا تخطى من أجلها أكثر من رجلين. وقيل: يكره التخطي ولو من أجل فرجة، لأن الأذى يحرم قليله وكثيره، والتخطي أذى، ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لمن رآه يتخطى: "اجلس فقد آذيت". فإذا أراد الجلوس لم يفرق بين اثنين، فلا يزاحم، ولا يقيم أحداً من مكانه ليجلس، ويسن الدنو من الإمام من غير إيذاء. فإذا جلس اشتغل بذكر الله حتى يدخل الإمام للخطبة. -[ويؤخذ من الأحاديث]- ١ - مشروعية غسل الجمعة. ٢ - من الرواية الثانية يؤخذ مشروعية المنبر للخطبة واستحبابه، قال النووي: فإن تعذر فليكن على موضع عال. ٣ - والقيام أثناء الخطبة. ٤ - ويؤخذ من الرواية الثالثة والرابعة تفقد الإمام لرعيته. ٥ - وأمره لهم بمصالح دينهم. ٦ - وإنكاره على من أخل بالفضل وإن كان عظيم القدر. ٧ - ومواجهته بالإنكار ليرتدع من هو دونه بذلك. ٨ - وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثناء الخطبة لا يفسدها. ٩ - وأن الصمت وعدم الكلام أثناء الخطبة لا يجب على المصلي في مثل هذه الحالة، بل له أن يدافع عن نفسه ويعتذر. ١٠ - وفي الحديث الاعتذار إلى ولاة الأمر، وقد اعتذر عثمان عن التأخر، ولم يرد أنه اعتذر عن عدم الغسل. قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أنه سكت اكتفاء بالاعتذار الأول، لأنه أشار إلى أنه كان ذاهلاً عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء، وأنه إنما ترك الغسل لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغسل، وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضية سماع الخطبة واستحباب الغسل فآثر ما هو واجب. ١١ - وفيه إباحة الشغل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء. ١٢ - واستدل به مالك على أن السوق لا تمنع يوم الجمعة قبل النداء لكونها كانت في زمن عمر، ولكون الذاهب إليها عثمان.

стр. 1935

١٣ - وفيه شهود الفضلاء السوق. ١٤ - ومعاناتهم الإتجار فيها. ١٥ - وأن فضيلة التبكير إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين. قال عياض: فيه حجة لكون السعي إنما يجب بسماع الأذان. ١٦ - استدل به بعضهم على أن شهود الخطبة ليس بواجب أخذاً من تأخير عثمان، وهو مقتضى قول أكثر المالكية، وتعقب بأنه يلزم من التأخير إلى سماع النداء فوت الخطبة، بل في بعض الروايات أن عثمان لم يفته شيء من الخطبة، وعلى تقدير أن يكون فاته منها شيء فليس فيه دليل على أنه لا يجب شهود الخطبة على من تنعقد بهم الجمعة. قاله الحافظ ابن حجر. ١٧ - واستدل به بعضهم على أن غسل الجمعة واجب، بقطع عمر الخطبة وإنكاره على عثمان تركه، ورد هذا الاستدلال بأن عمر قطع الخطبة وأنكر عليه ترك السنة، وهي التبكير إلى الجمعة، فيكون الغسل كذلك. ١٨ - واستدل به على أن الغسل ليس شرطاً لصحة الجمعة، حيث لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، فمن قال بوجوبه كمن قال: يحرم أكل الثوم لمن قصد صلاة الجمعة. ١٩ - استدل بقوله: "كان يأمرنا" وبحمل الجمهور له على الندب، استدل به على أن الأمر لا يحمل على الوجوب إلا بقرينة. ٢٠ - ومن الرواية السادسة والسابعة ما كان عليه الصحابة من الجد والعمل في الدنيا والسعي لكسب الرزق. ٢١ - وما كانوا عليه من الكد وضيق العيش وقلة الثياب. ٢٢ - ومن قوله في الرواية الثامنة: "غسل يوم الجمعة". أخذ بعضهم أن ليوم الجمعة غسلاً مخصوصاً لا يجزئ عنه غسل الجنابة. وقد روي عن أبي قتادة أنه قال لابنه وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: "إن كان غسلك عن جنابة فأعد غسلاً آخر للجمعة". ٢٣ - وقد استدل بعضهم بقوله في الرواية الحادية عشرة: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة". على أنه يستحب الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة، وقالوا: إن الحكمة في ذلك أن تسكن نفسه في الرواح إلى الصلاة ولا تمتد عينه إلى شيء يراه. وهذا الاستدلال ضعيف وبعيد، لأن الكلام على التشبيه، أي من اغتسل يوم الجمعة غسلاً كغسل الجنابة، وذلك لإبعاد احتمال إرادة النظافة من الغسل، وقد سبق توضيح ذلك من المباحث العربية. ٢٤ - استدل بعضهم بالرواية الأولى والثانية أن الغسل لا يشرع لمن لم يحضر الجمعة كالمسافر. قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو الأصح عند الشافعية، وبه قال الجمهور خلافاً لأكثر الحنفية. اهـ. والرواية الثامنة والعاشرة تبعد هذا الاستدلال.

стр. 1936

كما استدل بالروايتين المذكورتين أن من يحضر الجمعة من غير الرجال إن حضرها لابتغاء الفضل شرع له الغسل وسائر آداب الجمعة. نقل ذلك عن مالك. ٢٦ - استدل بالرواية الحادية عشرة على فضل التبكير إلى المسجد للجمعة. ٢٧ - وتفاوت المصلين في الثواب بتفاوت تبكيرهم. ٢٨ - وأن مراتب الناس في الفضل على حسب أعمالهم. ٢٩ - وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع. ٣٠ - وأن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر. قال النووي في شرح المهذب: إن التساوي الذي وقع في مسمى البدنة لا يتنافى والتفاوت في صفاتها: فمن جاء في أول ساعة البدنة أفضل ممن جاء في آخر ساعتها. ٣١ - استدل بالرواية الحادية عشرة: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح". على أن الفضل المذكور إنما يحصل لمن جمع بين الغسل والتبكير. قال الحافظ ابن حجر: وعليه يحمل ما أطلق في باقي الروايات من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل. ٣٢ - من قوله في الرواية الحادية عشرة: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". استنبط الماوردي أن التبكير لا يستحب للإمام. قال ويدخل للمسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر. ورد الحافظ ابن حجر هذا الاستنباط قال: لإمكان أن يجمع الإمام بين الأمرين، بأن يبكر ولا يخرج من المكان المعد له في الجامع إلا إذا حضر الوقت، أو يحمل على الإمام الذي ليس له مكان معد في المسجد. ٣٣ - وأن الملائكة الكاتبين يحضرون الخطبة. وقد أخرج أبو نعيم في الحلية مرفوعاً: "إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكته بصحف من نور وأقلام من نور". قال الحافظ ابن حجر: وهو دال على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة، والمراد بطي الصحف طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك فإنه يكتبه الحافظان قطعاً. ٣٤ - ويؤخذ من الرواية الثامنة من قوله: "ما قدر عليه ولو من طيب امرأته". تأكيد مشروعية الطيب للجمعة. ٣٥ - ومن التعبير بالمس الأخذ بالتخفيف تنبيهاً على الرفق وعلى تيسير الأمر في التطيب بأن يكون بأقل ما يمكن، حتى إنه يجزئ مسه من غير تناول قدر ينقصه تحريضاً على امتثال الأمر فيه. ٣٦ - كما يؤخذ من الرواية نفسها استحباب السواك للجمعة، ويلحق بهما باقي سنن الفطرة من قص الظفر وحلق العانة وقص الشارب وحلق شعر الإبط. والله أعلم.

стр. 1937

(٢٧٦) باب آداب سماع الخطبة وفضيلة يوم الجمعة ١٧٠١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت". ١٧٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغيت" قال أبو الزناد هي لغة أبي هريرة وإنما هو فقد لغوت. ١٧٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه" زاد قتيبة في روايته وأشار بيده يقللها. ١٧٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال أبو القاسم ﷺ "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه" وقال بيده يقللها يزهدها. ١٧٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه" قال وهي ساعة خفيفة. ١٧٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ولم يقل وهي ساعة خفيفة.

стр. 1938

١٧٠٧ - عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال قلت نعم سمعته يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة". ١٧٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها". ١٧٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة". ١٧١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد". ١٧١١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة" بمثله. ١٧١٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له (قال يوم الجمعة) فاليوم لنا وغداً لليهود وبعد غد للنصارى". ١٧١٣ - عن همام بن منبه أخي وهب بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن محمد رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد

стр. 1939

أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فاليهود غداً والنصارى بعد غد". ١٧١٤ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق". وفي رواية واصل المقضي بينهم. ١٧١٥ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "هدينا إلى الجمعة وأضل الله عنها من كان قبلنا" فذكر بمعنى حديث ابن فضيل. ١٧١٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر. ومثل المهجر كمثل الذي يهدي البدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة". ١٧١٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "على كل باب من أبواب المسجد ملك يكتب الأول فالأول مثل الجزور ثم نزلهم حتى صغر إلى مثل البيضة، فإذا جلس الإمام طويت الصحف وحضروا الذكر". ١٧١٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام".

стр. 1940

١٧١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا". -[المعنى العام]- شاء الله أن يجعل للأمم أياماً يسبغ عليهم فيها فضله، ويرغبهم في التسابق في الخيرات في هذه المواسم، فهناك أيام مفضلة على مستوى العام كيوم عرفة والأيام العشر، وليال على مستوى السنة كليلة القدر، وشهر على مستوى الأشهر كشهر رمضان. وهناك يوم كل أسبوع هو يوم الجمعة، خير يوم طلعت عليه الشمس كل أسبوع، عرض على اليهود ليعظموه ويقيموا شعائر العبادة فيه، فجادلوا موسى ﵇، وطلبوا منه أن يجعل لهم السبت بدل الجمعة، لأن الله في اعتقادهم لم يخلق شيئاً يوم السبت، فأوحي إلى موسى أن دعهم واختيارهم. نسوا أن الله خلق آدم في يوم جمعة، وأدخله الجنة في يوم جمعة، وأخرجه من الجنة في يوم جمعة، ولا تقوم الساعة إلا في يوم جمعة. لقد هدى الله الأمة الإسلامية لاختيار يوم الجمعة، فتجمع في المدينة قبل الهجرة مسلموها واختاروا يوم الجمعة يوماً للتلاقي وتجمعوا وصلى بهم سعد بن زرارة، وأوحى الله تعالى إلى نبيه صحة اجتهاد أصحابه واختيارهم لهذا اليوم للتجمع، فجمع بهم (عقب وصوله المدينة). لقد أصبح المسلمون بهذه الفضيلة آخر الأمم زماناً وأولها فضيلة ومنزلة سبق اليهود والنصارى في الوجود، وسبقوا في إتيانهم التوراة والإنجيل، لكن المسلمين فضلوا بنسخ كتابهم لما سبقه من الكتب، وفضلوا بيوم الجمعة وما فيه من ساعة يجاب فيها الداعي ويعطى ما يطلب فضلاً من الله وكرماً. وشاء الله تكريم الأمة المتأخرة في الوجود بتقديمها في البعث، وتقديمها في القضاء بين الناس، وتقديمها في دخول الجنة. إن يوم الجمعة وصلاة الجمعة سوق حسنات وفضل رابحة، فما أسعد من أفاد من هذه السوق فسعى إلى المسجد مبكراً مغتسلاً متطيباً فأنصت للخطبة وصلى ما كتب له، وما أشقى من نكص على عقبه واستهواه الشيطان فأنساه ذكر الله وحال بينه وبين حضور صلاة الجمعة، فمن لم يحافظ عليها طبع الله على قلبه وجعله من الغافلين المطرودين من رحمته ورضوانه.

стр. 1941

-[المباحث العربية]- (كتاب الجمعة) بضم الميم على المشهور، وقد تسكن، وحكى فتحها، وكسرها. واتفق العلماء على أن يوم الجمعة كان يسمى في الجاهلية القديمة يوم العروبة، بفتح العين، وسمي في الإسلام بيوم الجمعة، واختلفوا في سبب هذه التسمية ومتى أطلقت؟ لورود روايات ضعيفة، فقيل: سمى بذلك لأن كمال الخلائق جمع فيه. وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه. وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبي. وقيل: إن قصياً هو الذي كان يجمعهم. ومعنى هذا أن التسمية بالجمعة حصلت في الجاهلية قبل الإسلام، ومال إلى ذلك الحافظ بن حجر، فقال: قال أهل اللغة في الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تسمى: أول، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار. وقال الجوهري: كانت تسمى الاثنين أهون في أسمائهم القديمة. قال الحافظ: وهذا يشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارف عليها الآن كالسبت والأحد إلى آخرها. وجزم ابن حزم بأنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، وأنه سمي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه. (فقد لغوت) قال أهل اللغة: يقال: لغا يلغو كغزا يغزو، ويقال: لغي يلغى بكسر الغين في الماضي وفتحها في المضارع كعمي يعمى. لغتان. الأولى أفصح. قال النووي: وظاهر القرآن يقتضي هذه الثانية التي هي لغة أبي هريرة، قال الله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ [فصلت: ٢٦] بفتح الغين. وهذا من لغى يلغى -معتل الآخر بالألف، وعند إسناده إلى واو الجماعة تحذف الألف وتبقى الفتحة كدليل عليها- ولو كان الأول لقال: والغوا بضم الغين. قال ابن السكيت: مصدر الأول اللغو، ومصدر الثاني اللغى كالعمى. اهـ. أقول: وصريح القرآن في آية أخرى مع اللغة الأولى في قوله تعالى: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراماً﴾ [الفرقان: ٧٢] ومعنى "فقد لغوت" أي قلت اللغو، وهو الكلام السقط المُلغى الباطل المردود. (إذا قلت لصاحبك: أنصت) المراد من الصاحب المخاطب مطلقاً، فالمراد أصل الصحبة الحاصل بمجرد المجاورة، ولفظ "أنصت" غير مراد لذاته، بل هو مثل لأقل الكلام مهما كان في صالح الخطبة، فإذا منع منع غيره من باب أولى. (ذكر يوم الجمعة) لأصحابه يشعرهم بفضله، ويحثهم على العناية به وشغله بالطاعات. (فيه ساعة) أي قطعة من الزمن، وليس المراد ما هو مشهور من كونها ستين دقيقة. (لا يوافقها) أي لا يصادفها، أعم من أن يقصدها أولاً.

стр. 1942

(وهو يصلي) في الرواية الرابعة "قائم يصلي" ولما كان وقت الساعة الوارد في الأحاديث ليس وقت صلاة -كما سيأتي في فقه الحديث- حذفها بعض المحدثين من بعض النسخ وأثبتها محققوهم، ووجهوها بأن انتظار الصلاة في حكم الصلاة، أو بأن المراد من الصلاة معناها اللغوي وهو الدعاء، وحملوا القيام في الرواية الرابعة على الملازمة والمواظبة، من قبيل قوله تعالى: ﴿ما دمت عليه قائماً﴾ [آل عمران: ٧٥] أي مواظباً. (يسأل الله شيئاً) في الرواية الرابعة "يسأل الله خيراً" فالمراد من الشيء ما فيه خير دنيوي أو ديني، لا عموم الشيء مما يشمل الحرام، فعند ابن ماجه: "ما لم يسأل حراماً". وعند أحمد: "ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم". (وأشار بيده يقللها) من كلام أبي هريرة، وفاعل "أشار" رسول الله ﷺ ، وقد وضحت بعض الروايات هذه الإشارة، فقالت: "ووضع أنملته على بطن الوسطى أو الخنصر". وفي الرواية الرابعة: "وقال بيده". ومعناها أشار إشارة مفهومة كالقول ففيها استعارة تصريحية تبعية. (عن أبي بردة ... ) أصل الإسناد: عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ ، قال النووي: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: لم يسنده غير مخرمة عن أبيه عن أبي بردة، ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يرفعه. قال: والصواب أنه من قول أبي بردة، هذا قول الدارقطني. ودافع النووي عن مسلم فقال: هذا الذي استدركه بناء على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين: أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال واتصال، حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنه يحكم بالرفع والاتصال، لأنها زيادة ثقة اهـ. ونحن نميل إلى القاعدة المعروفة لأكثر المحدثين لما فيها من زيادة الاحتياط. (في شأن ساعة الجمعة) أي في شأن ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة؟ (هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة) يحتمل أن يكون المراد تقدير المدة، أي هي مقدار ما بين كذا إلى كذا، ويحتمل أن يكون المراد تحديد الوقت وأنها في هذا الزمن، وفي تحديدها خلاف طويل يأتي في فقه الحديث. (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة) أي خير يوم من أيام الأسبوع، فأفضلية يوم الجمعة إنما هي بالنسبة للسبت والأحد وغيرهما؛ أما خير أيام السنة فيوم عرفة. (نحن الآخرون) بكسر الخاء، أي المتأخرون في زمن الوجود عن الأمم الأخرى. (ونحن السابقون يوم القيامة) قيل: المراد بالسبق السبق الزمني ليوم الجمعة عن السبت

стр. 1943

والأحد، فإن يوم الجمعة وإن كان مسبوقاً بسبت وأحد قبله إلا أنه لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقاً، وهذا القول بعيد عن المراد، لأنه يجعل قوله: "يوم القيامة". حشواً مخلاً، والأولى أن المراد أننا السابقون بالفضل ودخول الجنة، فإن هذه الأمة أول من يحشر وأول من يحاسب وأول من يقضى بينهم -كما جاء في الرواية الثانية عشرة- وأول من يدخل الجنة، كما جاء في الرواية العاشرة، فالمعنى نحن الآخرون زماناً الأولون منزلة. (بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا) المراد كل أمة من أمتي اليهود والنصارى، وفي الرواية العاشرة والحادية عشرة: "بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا". والمقصود من ضمير "أنهم" اليهود والنصارى بدليل التفصيل الآتي في نص الحديث. و "بيد" بفتح الباء وسكون الياء مثل "غير" وزناً ومعنى، وتكون بمعنى "على" وبمعنى "من أجل" والكل يصح هنا، والكلام من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم، ووجه التأكيد فيه ما أدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن كان متأخراً في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: "نحن الآخرون" مع كونه أمراً واضحاً. اهـ. ذكره الحافظ ابن حجر. والمراد من الكتاب: التوراة والإنجيل. (وأوتيناه من بعدهم) الضمير المنصوب لجنس الكتاب والمراد القرآن الكريم. (ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له) الإشارة إلى يوم الجمعة، و "اليوم" بدل أو عطف بيان، والموصول خبره، أو صفته، والخبر: "هدانا الله له". والمراد من كتابته علينا كتابة تعظيمه وفرض تعظيمه. (فالناس لنا فيه تبع) المراد من "الناس" اليهود والنصارى، والمراد من التبعية تبعية الأيام. (اليهود غداً) أي عيد اليهود واليوم المعظم عندهم غداً السبت، وإنما قدرنا مضافاً "عيد" لأن ظرف الزمان لا يقع خبراً عن جثة. (والنصارى بعد غد) أي وعيد النصارى بعد غد الأحد. (فاختلفوا) في اختيار اليوم الذي يعظمونه، وطلبوا من موسى أن يحلهم من تعظيم الجمعة وأن يجعل لهم السبت بدله. (إذا كان يوم الجمعة) "كان" تامة، و "يوم الجمعة" فاعل، أي إذا جاء يوم الجمعة. (كان على كل باب من أبواب المسجد) "أل" في المسجد للجنس والمراد على أبواب كل مسجد تصلي فيه الجمعة. (ومثل المهجر كمثل الذي يهدي البدنة) "مثل" بفتح الميم والثاء و "المهجر" بضم الميم

стр. 1944

وفتح الهاء وكسر الجيم المشددة، والتهجير مطلق التبكير، كذا قال الخليل بن أحمد وغيره. قال النووي: ومنه الحديث: "لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه". أي التبكير إلى كل صلاة. وعن الفراء وغيره: التهجير: السير في الهاجرة، أي الحر. قال القرطبي: الحق أن التهجير هنا من الهاجرة وهو السير وقت الحر، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده. (مثل الجذور) "مثل" بفتح الميم وتشديد الثاء المفتوحة، أي مثل رسول الله ﷺ (الجزور لأجر المبكر). (ثم نزلهم حتى صغر إلى مثل البيضة) "نزل" بفتح النون وتشديد الزاي المفتوحة، و"صغر" بفتح الصاد وتشديد الغين المفتوحة، أي ثم نزل رسول الله ﷺ ، وذكر منازلهم في السبق والفضيلة حتى صغر منازلهم إلى مثل البيضة. (ثم أنصت) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ المحققة، ونقله بعضهم: "انتصت" بزيادة تاء، وهي لغة صحيحة، يقال: أنصت ونصت وانتصت، ثلاث لغات. (حتى يفرغ من خطبته) قال النووي: هكذا هو في الأصول، من غير ذكر "الإمام" وعاد الضمير إليه للعلم به، وإن لم يسبق له ذكر. (فاستمع وأنصت) هما شيئان متمايزان، وقد يجتمعان، فالاستماع الإصغاء، والإنصات السكوت، قال تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] -[فقه الحديث]- ترمي هذه الأحاديث إلى بيان فضل يوم الجمعة من جهتين: اشتماله على ساعة الإجابة، وهداية الله لنا لتقديسه: ١ - أما ساعة الإجابة: فقد أكثر العلماء القول فيها، هل هي باقية أو رفعت؟ وعلى القول ببقائها هل هي في كل جمعة؟ أو جمعة واحدة من كل سنة؟ وإذا كانت في كل جمعة هل لها وقت معين من اليوم؟ أو وقتها مبهم؟ وهل وقتها ثابت أو ينتقل؟ أفاض في هذا البحث الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري قائلاً: وها أنا أذكر تلخيص ما اتصل إلى من الأقوال مع أدلتها، ثم أعود إلى الجمع بينها والترجيح. اهـ. ونحن نلخص تلخيص الحافظ ومن أراد المبسوط فليرجع إليه. الرأي الأول: أنها رفعت. وقد زيفه ابن عبد البر، ورده السلف على قائله. الثاني: أنها موجودة لكن في جمعة واحدة من كل سنة. قاله كعب الأحبار لأبي هريرة فرده عليه أبو هريرة.

стр. 1945

الثالث: من طلوع الفجر في كل جمعة إلى طلوع الشمس. الرابع: من عصر يوم الجمعة إلى غروب الشمس. الخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة. السادس: من الزوال إلى أن يدخل الإمام في الصلاة. السابع: إذا أذن، وإذا رقى المنبر، وإذا أقيمت الصلاة. الثامن: حين افتتاح الخطبة. التاسع: حين الجلوس بين الخطبتين. العاشر: ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تنقضي الصلاة. الحادي عشر: من صلاة العصر إلى غروب الشمس. وقد عد الحافظ ابن حجر أكثر من أربعين قولاً، وأولاها بالقبول أنها من حين يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة. قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى [روايتنا السادسة]. وروي عن الإمام مسلم أنه قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه. وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة. وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره. وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب. انتهى من فتح الباري بتصرف. ٢ - وأما هداية الله لنا لتعظيم هذا اليوم بالطاعة فظاهر التعبير أن اختيار يوم الجمعة من المسلمين كان عن اجتهاد منهم، ويشهد له ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ وقبل أن تنزل سورة الجمعة، قالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكر، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ. قال الحافظ ابن حجر: وهذا وإن كان مرسلاً فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن خزيمة من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة أسعد بن زرارة. الحديث فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة باجتهاد. ولا يمنع ذلك أن يكون النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة. وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. اهـ. أما إضلال الله اليهود والنصارى عن هذا اليوم -كما هو نص روايتنا الثانية عشرة- بعد أن فرض الله عليهم هذا اليوم -كما تفيد روايتنا الحادية عشرة- فقد شرحه ابن بطال بقوله: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل -والله أعلم- أنه فرض عليهم يوم من أيام الأسبوع وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم،

стр. 1946

فاختلفوا في أي الأيام هو ولم يهتدوا إلى يوم الجمعة. وقال القاضي عياض مؤيداً هذا الرأي: لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فخالفوا بدل اختلفوا. وصرح السدي بأنهم فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا، روى ذلك ابن أبي حاتم عن طريق أسباط بن نصر عن السدي قال: إن الله فرض على اليهود الجمعة، فأبوا، وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعله لنا، فجعل عليهم. ومال النووي إلى هذا الرأي فقال: وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة﴾ [البقرة: ٥٨] وغير ذلك، وكيف لا وهم القائلون: سمعنا وعصينا؟ -[ويؤخذ من مجموع الأحاديث: ]- ١ - من الروايتين الأولى والثانية يؤخذ الإنصات لسماع الخطبة وقد سبق تفصيل القول فيه. ٢ - وأن الكلام بعد الخطبة وقبل الإحرام بالصلاة لا بأس به. ٣ - ومن الرواية الخامسة عشرة يؤخذ مشروعية غسل الجمعة وفضيلته وقد سبق تفصيله. ٤ - ومن قوله: "فصلى ما قدر له". يؤخذ استحباب التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة وهو مذهب الشافعية والجمهور. ٥ - وأن النوافل المطلقة لا حد لها. ٦ - ومن الرواية السادسة عشرة استحباب تحسين الوضوء، بالغسل ثلاثاً، ودلك الأعضاء، وإطالة الغرة والتحجيل، وتقديم الميامين، والإتيان بسننه المشهورة. ٧ - وكراهية مس الحصا أثناء الخطبة، ومثله العبث والانشغال عنها بأي من المشاغل. ٨ - والحث على إقبال القلب والجوارح على الخطبة. ٩ - وفضل هذه الأعمال يوم الجمعة مع ملاحظة الأعمال الواردة في روايات أخرى، لذا قال الحافظ ابن حجر: إن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدم من غسل وتنظف وتطيب ولبس أحسن الثياب والمشي بالسكينة وترك التخطي والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى والتنفل والإنصات وترك اللغو اهـ. والمراد بالموصول في: "غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". الذنوب الصغائر ففي رواية: "حط عنه ذنوب ما بينه وبين الجمعة الأخرى". والجمعة الأخرى هي السابقة، أي من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من الجمعة التي مضت حتى تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، ثم يضم إليها ثلاثة أيام من التي بعدها، كما جاء في بعض الروايات، على معنى عدم المؤاخذة بها إذا وقعت، وعلى هذا تتوارد المغفرة مرتين على الأيام الثلاثة بعد صلاة الجمعة التي بعدها كما تتوارد المغفرة للصغائر بفعل طاعات أخرى كثيرة كرمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة

стр. 1947

وصيام يوم عرفة إلى يوم عرفة، بل إن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] لهذا قال محققو العلماء: إذا لم يكن للمرء صغائر تكفر رجى له أن يكفر عنه بمقدار ذلك من الكبائر أو أعطى من الأجر والثواب بمقدار ذلك. والله ذو الفضل العظيم. ١٠ - حرص الشارع على بعث وإثارة دواعي الاجتهاد والإكثار من الصلاة والدعاء لتحقيق خير هذه الأمة، وذلك بإبهام ساعة إجابة الدعاء. ١١ - فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة، وفضله بما جاء في الرواية السابعة والثامنة من أنه فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة. وقد اعترض القاضي عياض على اعتبار هذه الميزات من الفضائل، فقال: الظاهر أن هذه الفضائل المعدودة ليست لذكر فضيلته، لأن إخراج آدم وقيام الساعة لا يعد فضيلة، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع، ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحات لنيل رحمة الله ودفع نقمته. اهـ. ورد عليه بعضهم فقال: الجميع من الفضائل، وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية وهذا النسل العظيم، ووجود الرسل والأنبياء والصالحين والأولياء، ولم يخرج منها طرداً بل لقضاء أوتار ثم يعود إليها، وأما قيام الساعة فسبب لتعجيل جزاء الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار كرامتهم وشرفهم. اهـ. ١٢ - فضل أمة محمد ﷺ . ١٣ - قوله في الرواية الحادية عشرة: "فهدانا الله له". وقوله في الرواية الثانية عشرة: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا". فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن الهداية والإضلال والخير والشر كله بإرادة الله تعالى، وهو فعله جل شأنه، خلافاً للمعتزلة. ١٤ - ويؤخذ منه أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة. ١٥ - وأن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز. ١٦ - ومن قوله: "فالناس لنا تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد". أن الجمعة أول الأسبوع شرعاً، ويدل على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سبتاً. والله أعلم

стр. 1948

(٢٧٧) باب صلاة الجمعة وخطبتها ١٧٢٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ ثم نرجع فنريح نواضحنا قال حسن: فقلت لجعفر في أي ساعة تلك؟ قال: زوال الشمس. ١٧٢١ - عن جعفر عن أبيه أنه سأل جابر بن عبد الله متى كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟ قال كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها زاد عبد الله في حديثه حين تزول الشمس يعني النواضح. ١٧٢٢ - عن سهل ﵁ قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة (زاد ابن حجر) في عهد رسول الله ﷺ . ١٧٢٣ - عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه ﵁ قال كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء. ١٧٢٤ - عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة فنرجع وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به. ١٧٢٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً ثم يجلس ثم يقوم قال كما يفعلون اليوم. ١٧٢٦ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس.

стр. 1949

١٧٢٧ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائماً. فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب. فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة. ١٧٢٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً؛ فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ ١٧٢٩ - -عن حصين بهذا الإسناد قال ورسول الله ﷺ يخطب ولم يقل: قائماً. ١٧٣٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ يوم الجمعة فقدمت سويقة قال فخرج الناس إليها فلم يبق إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم، قال فأنزل الله ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ إلى آخر الآية ١٧٣١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال بينا النبي ﷺ قائم يوم الجمعة إذ قدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر، قال ونزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾ ١٧٣٢ - عن كعب بن عجرة قال دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً، فقال انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً وقال الله تعالى ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ ١٧٣٣ - عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله

стр. 1950

صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين". ١٧٣٤ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً. ١٧٣٥ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً. وفي رواية أبي بكر زكرياء عن سماك. ١٧٣٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة". ثم يقول "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي". ١٧٣٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته ثم ساق الحديث بمثله. ١٧٣٨ - عن جابر ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول "من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله". ثم ساق الحديث بمثل حديث الثقفي. ١٧٣٩ - عن ابن عباس ﵄ أن ضماداً قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن

стр. 1951

محمداً مجنون، فقال لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي. قال فلقيه. فقال يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله. أما بعد". قال فقال أعد علي كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال: فقال لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر. قال فقال هات يدك أبايعك على الإسلام. قال فبايعه فقال رسول الله ﷺ "وعلى قومك" قال وعلى قومي. قال فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه فقال صاحب السرية للجيش هل أصبتم من هؤلاء شيئاً؟ فقال رجل من القوم أصبت منهم مطهرة. فقال ردوها فإن هؤلاء قوم ضماد. ١٧٤٠ - عن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست؛ فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه؛ فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً". ١٧٤١ - عن عدي بن حاتم ﵁ أن رجلاً خطب عند النبي ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى؛ فقال رسول الله ﷺ "بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله". قال ابن نمير فقد غوي. ١٧٤٢ - عن صفوان بن يعلى عن أبيه ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿ونادوا يا مالك.﴾

стр. 1952

١٧٤٣ - عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة ﵄ قالت أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ من في رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة. ١٧٤٤ - عن بنت لحارثة بن النعمان ﵂ قالت: ما حفظت ﴿ق﴾ إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة، قالت وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً. ١٧٤٥ - عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت: لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس. ١٧٤٦ - عن عمارة بن رؤيبة قال رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه؛ فقال قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبحة. ١٧٤٧ - عن حصين بن عبد الرحمن قال رأيت بشر بن مروان يوم جمعة يرفع يديه فقال عمارة بن رؤيبة فذكر نحوه. ١٧٤٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال بينا النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل، فقال له النبي ﷺ "أصليت؟ يا فلان" قال لا. قال "قم فاركع". ١٧٤٩ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ كما قال حماد ولم يذكر الركعتين.

стр. 1953

١٧٥٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال "أصليت؟ " قال لا. قال "قم فصل الركعتين" وفي رواية قتيبة قال "صل ركعتين". ١٧٥١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء رجل والنبي ﷺ على المنبر يوم الجمعة يخطب، فقال له "أركعت ركعتين؟ " قال: لا. فقال "اركع". ١٧٥٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ خطب فقال "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين". ١٧٥٣ - عن جابر ﵁ أنه قال جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له النبي ﷺ "أركعت ركعتين؟ " قال: لا. قال: "قم فاركعهما". ١٧٥٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس، فقال له "يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما" ثم قال "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما". ١٧٥٥ - عن أبي رفاعة ﵁ قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال فقلت يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه. قال فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً، قال فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها.

стр. 1954

١٧٥٦ - عن ابن أبي رافع قال استخلف مروان أبا هريرة على المدينة وخرج إلى مكة فصلى لنا أبو هريرة الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة إذا جاءك المنافقون. قال فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة. فقال أبو هريرة إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة. ١٧٥٧ - عن عبيد الله بن أبي رافع قال استخلف مروان أبا هريرة بمثله غير أن في رواية حاتم فقرأ بسورة الجمعة في السجدة الأولى وفي الآخرة إذا جاءك المنافقون، ورواية عبد العزيز مثل حديث سليمان بن بلال. ١٧٥٨ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية. قال وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين. ١٧٥٩ - عن عبيد الله بن عبد الله قال كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله أي شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال كان يقرأ هل أتاك. ١٧٦٠ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان حين من الدهر وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين.

стр. 1955

١٧٦١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة الم تنزيل وهل أتى. ١٧٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة بـ ﴿الم تنزيل﴾ في الركعة الأولى وفي الثانية ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ ١٧٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً". ١٧٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً" (زاد عمرو في روايته قال ابن إدريس قال سهيل) فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت". ١٧٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً" وليس في حديث جرير "منكم". ١٧٦٦ - عن عبد الله ﵁ أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته. ثم قال كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك. ١٧٦٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه وصف تطوع صلاة رسول الله ﷺ قال فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته. قال يحيى أظنني قرأت فيصلي أو ألبتة. ١٧٦٨ - عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين.

стр. 1956

١٧٦٩ - عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال نعم صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي فقال لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج. ١٧٧٠ - أخبرني عمر بن عطاء أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد ابن أخت نمر وساق الحديث بمثله غير أنه قال فلما سلم قمت في مقامي ولم يذكر: الإمام. -[المعنى العام]- الجمعة عيد أيام الأسبوع، وصلاتها كصلاة العيد، أحيطت بهالة وقدسية، وأحيطت بجماعة لم تحظ بها صلاة، فكل صلاة تصح فرادى غير صلاة الجمعة، وكل صلاة تصح بدون خطبتين سابقتين غير صلاة الجمعة، وكل صلاة لا تقوم مقام صلاة أخرى ولا تسد مسدها غير صلاة الجمعة التي تقوم مقام صلاة الظهر. من هذا الوضع الفريد لصلاة الجمعة كانت جديرة بدقة وقتها، وكانت اجتهادات العلماء في استنباط الوقت من الأحاديث الخاصة به اجتهادات حية، فهذا الإمام أحمد بن حنبل يرى أنها تصح قبل الزوال حيث إن الصحابة كانوا يستمعون الخطبتين ويصلون ثم يرجعون إلى رحالهم عند الزوال، حيث كانوا لا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الصلاة، حيث كانوا يصلون ويخرجون من المسجد يلتمسون ظل الحوائط فلا يكادون يجدون ما يظلهم، مما يوحي بأن الصلاة كانت قبل الزوال. وهؤلاء الأئمة الآخرون يفهمون هذه الأحاديث على أنها تشير إلى التبكير بها عند الزوال، وليس قبله، وحيث إن صلاة الجمعة قائمة مقام صلاة الظهر ولا قائل بصحة صلاة الظهر قبل الزوال، حيث إن المسلمين منذ فجر الإسلام لا يصلون الجمعة قبل الزوال. كذلك كانت صلاة الجمعة جديرة ببحث ما يقرأ فيها من سور القرآن، وما يصلى بعدها من النوافل، فنصت الأحاديث على أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى سورة (الجمعة) وفي الركعة الثانية سورة (إذا جاءك المنافقون) وأحياناً كان يقرأ (سبح اسم ربك الأعلى) في الركعة الأولى، وسورة (الغاشية) في الركعة الثانية. وهكذا كانت صلاة الجمعة من الأهمية الشرعية بمكان، حتى نزل بشأنها خاصة قرآن يتلى يحث

стр. 1957

على السعي إليها، والعناية بها وحضورها والتبكير إليها وترك المشاغل الدنيوية من أجلها، فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ٩ وما بعدها]. وكلما كان الأمر مهماً لزم الاستعداد له، وكلما عظم فضل العبادة قدم لها بمقدمات تتناسب وفضلها، تمهيداً وإعداداً وتهيئة للدخول فيها، كما أحيطت بهالة تبين عن قدسيتها وشرفها وعظمها وجلالها. وهذا ما لزم خطبة الجمعة ولابسها من أذان قبلها وآذان بين يديها، وكونها خطبتين يجلس بينهما ويقوم فيهما على منبر مستقبل الناس، ويأتي فيهما بأركان أساسية، مقتديا بخطبة ﷺ . نعم لزم الجمعة إعداد خاص، غسل وطيب ولبس أحسن الثياب ومشي بالسكينة والوقار ودخول للمسجد في أدب وخشوع، لا يقيم أحداً من مجلسه ولا يفرق بين اثنين ولا يتخطى الرقاب، ثم يصلي نوافل ما قدر عليه ثم يجلس يستمع الخطبة، لا يكلم جاره أثناءها وإلا ضاع ثوابه حتى لو كان الكلام بالأمر بالمعروف، وحتى لو كان الكلام بإسكات المتكلم، ولا يعبث بيديه، ولا يمس الفراش أو الحصا ولا يكثر الحركة والالتفات، بل يكون في خشوع وإنصات للخطبة من أولها إلى آخرها. لم يدرك المسلمون أول الإسلام هذه الأهمية، ولم توضح لهم هذه الأمور، فأخطئوا حين كانوا يستمعون الرسول ﷺ يخطب إذ علموا أن قافلة تجارية تحمل القمح والطعام قد جاءت المدينة في زمن شدة وحاجة فأسرعوا إليها، وانفضوا عن الخطبة، حتى لم يبق أمام الرسول ﷺ من المئات سوى اثنى عشر رجلاً، فأنزل الله تعالى في عتابهم وتوبيخهم وتوجيههم قرآنا يتلى، فقال: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾ [الجمعة: ١١]. لقد اقتضت حكمة الله تعالى ورحمته للمسلمين أن يشرع تكرار وعظهم وجوباً كل سبعة أيام يرغب الخطيب في فضل الله والطاعة، ويحذر من غضب الله والمعصية، يتفاعل مع الكلمة يشتد حين يقتضي الحديث الشدة ويرفع صوته كلما احتاج الأمر رفع الصوت، لقد كان ﷺ يخوف من اليوم الآخر وقربه، ويوصي بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، ويحذر من البدع والضلالات، ويؤمن المسلمين على أموالهم وأولادهم وديونهم وأطفالهم من بعده، يخطب فيقتصد، لا يطيل ولا يخل، يرفق بالسائل ويعلم الجاهل. فصلى الله وسلم وبارك وعلى من اتبع هداه إلى يوم الدين.

стр. 1958

-[المباحث العربية]- (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ أي صلاة الجمعة. (ثم نرجع) من الصلاة إلى بيوتنا. (فنريح نواضحنا) جمع ناضح، وهو البعير الذي يستقى به، سمي بذلك لأنه ينضح الماء، أي يصبه، ومعنى "نريح نواضحنا": أي نريحها من العمل وتعب السقى، فنخليها منه، ويجوز أن يكون من الرواح للرعي. (في أي ساعة تلك) أي تلك الصلاة. (ما كنا نقيل) من القيلولة، وهي الراحة وسط النهار. (كنا نجمع) بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة، أي نصلي الجمعة. (ثم نرجع نتتبع الفيء) أي نبحث عنه ونستظل به، فلا نكاد نجده لقلته بسبب التبكير وقصر الحيطان، كما جاء في الرواية الخامسة: "فنرجع وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به". (يقرأ القرآن ويذكر الناس) أي في الخطبتين، لا في الجلسة بينهما. (فمن أنبأك) القائل جابر بن سمرة، والمخاطب سماك الراوي عن جابر. (فقد -والله- صليت معه أكثر من ألفي صلاة) أي من الصلوات الخمس لا الجمعة، والقصد التوثيق من المتابعة والمصاحبة التي تؤدي إلى التوثيق بحالة الجمعة من باب أولى، لأن المواظب على الجماعة معه ﷺ في الصلوات الخمس لا يتخلف عنه في الجمعة. (فجاءت عير من الشام) العير -بكسر العين- الإبل التي تحمل الطعام أو التجارة، لا تسمى الإبل عيراً إلا بهذا الوصف، وهي مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، وفي رواية للبزار: "جاءت عير لعبد الرحمن بن عوف". وفي رواية: أنها كانت لوبرة الكلبي. وفي رواية: أن الذي قدم بها من الشام دحية بن خليفة الكلبي. وجمع الحافظ ابن حجر بين هذه الروايات بأن التجارة كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان دحية السفير فيها أو مفاوضاً، وكان وبرة رفيق دحية. (فانفتل الناس إليها) أي انصرفوا عن الخطبة إلى العير. (حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً) في تسميتهم ذكرت رواياتنا أبا بكر وعمر وجابر بن عبد الله، وذكرت روايات أخرى بقية الخلفاء الأربعة علياً وعثمان وابن مسعود وسالماً مولى أبي حذيفة وبلالاً وعماراً.

стр. 1959

(فقدمت سويقة) تصغير سوق، والمراد العير المذكورة في الرواية الأخرى وسميت سوقاً لأن البضائع تساق إليها ومنها، وأطلق على العير "سويقة" لأن الناس ستشتري منها الطعام. (فابتدرها أصحاب رسول الله) أي عاجلوها وأسرعوا واستبقوا إليها. (قال: دخل المسجد) القائل أبو عبيدة، وفاعل "دخل" ضمير يعود على كعب بن عجرة، أو فاعل "قال" كعب بن عجرة، وهو فاعل "دخل" وكأنه جرد من نفسه شخصاً يتحدث عنه، والأصل: دخلت المسجد .... فقلت: انظروا .... إلخ. (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات) أي عن تركهم صلوات الجمعة، و "ودع" بفتح الواو وسكون الدال، مصدر الفعل الذي أميت ماضيه ولم يستعمل إلا المضارع والأمر "يدع دع". (أو ليختمن الله على قلوبهم) المراد من الختم الطبع والتغطية، وقد اختلف المتكلمون في المراد منه، فقيل: هو إعدام اللطف وإعدام أسباب الخير. وقيل: هو خلق الكفر في صدورهم. وقيل: هو علامة جعلها الله في قلوبهم لتعرف بها الملائكة من يمدح ومن يذم. (فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً) في القاموس: القصد ضد الإفراط، ورجل قصد ليس بالجسيم ولا الضئيل، فالمعنى هنا بين الطول الظاهر والقصر الماحق. (كأنه منذر جيش يقول: صبحكم مساكم) أي كأنه منذر قومه بجيش الأعداء، وكأن منذراً يفجأ قومه بجيش يغير عليهم في الصبح فيقول: أدركوا أنفسكم فقد صبحكم العدو. أو أدركوا أنفسكم فقد فاجأكم جيش العدو في المساء. ففاعل "يقول" منذر الجيش. (بعثت أنا والساعة) روى بنصب الساعة ورفعها، والمشهور نصبها على المفعول معه. (كهاتين) يحتمل أنه تمثيل لمقاربتها، وأنه ليس بينهما أصبع أخرى، كما أنه لا نبي بينه وبين الساعة، ويحتمل أنه لتقريب ما بينهما من المدة، وأن التفاوت بينهما كنسبة التفاوت بين الأصبعين تقريباً لا تحديداً، قاله القاضي عياض. (يقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى) "يقرن" بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكى كسرها. (وخير الهدى هدى محمد) قال النووي: هو بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضاً، ضبطناه بالوجهين. وفسره الهروي على رواية الفتح بالطريق، أي أحسن الطرق طريق محمد، وأما على رواية الضم فمعناه الدلالة والإرشاد. قال العلماء: لفظ الهدى له معنيان أحدهما: بمعنى الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد، قال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢]. ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩]. و ﴿هدى

стр. 1960

للمتقين﴾ [البقرة: ٢]. ومنه قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ [فصلت: ١٧]. أي بينا لهم الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل﴾ [الإنسان: ٣]. ﴿وهديناه النجدين﴾ [البلد: ١٠]. والثاني: بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد، وهو الذي تفرد الله به، ومنه قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦]. وقالت القدرية: حيث جاء الهدى فهو للبيان، بناء على أصلهم الفاسد في إنكار القدر، ورد عليهم أصحابنا وغيرهم من أهل الحق مثبتي القدر لله تعالى بقوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [يونس: ٢٥]. ففرق بين الدعاء والهداية. اهـ. (وكل بدعة ضلالة) قال النووي: هذا عام مخصوص، والمراد غالب البدع. قال أهل اللغة: البدعة هي كل شيء عمل على غير مثال سابق، وسيأتي بحث المسألة من الناحية الفقهية. (ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلى وعلى) "دينا" بفتح الدال أما الضياع فقد قال أهل اللغة: الضياع بالفتح العيال. قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يضيع ضياعاً، أي من ترك أطفالاً وعيالاً ذوي ضياع، فأوقع المصدر موضع الاسم، أي من ترك ديناً فإلى يتحول، وعلى يرجع الدائن. (أن ضماداً قدم مكة وكان من أزد شنوءة) "ضماد" بكسر الضاد، و "شنوءة" بفتح الشين وضم النون أبو حي باليمن. (وكان يرقى من هذه الريح) "يرقى" بكسر القاف من الرقية، والمراد بالريح هنا الجنون ومس الجن، وفي غير مسلم: "وكان يرقى من الأرواح". أي الجن سموا بذلك لأنهم لا يبصرهم الناس، فهم كالروح والريح. قاله النووي. (ولقد بلغن ناعوس البحر) قال النووي: ضبطناه بوجهين، وأشهرهما "ناعوس" بالنون والعين، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني "قاموس" بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم. قال أبو عبيد: قاموس البحر: وسطه. وقال ابن دريد: لجته. وقال بعضهم: قعره الأقصى. اهـ ومعنى أن هذه الكلمات قد بلغت لجة البحر أو قعره أنها بعيدة الوصول إليها، يطلبها الباحث في الكتب فلا يجدها، فهي كلمات من أعماق البحار وليست من ألفاظ البشر. (فقال صاحب السرية للجيش) أي قال رئيس السرية وقائدها لأفرادها. (أصبت منهم مطهرة) بكسر الميم وفتحها، والكسر أشهر، وهي إناء يتطهر منه كالإبريق. (فلو كنت تنفست؟ ) أي لو كنت أطلت قليلاً، و"لو" للتمني، أو للشرط مع حذف الجواب، أي لكان خيراً. وفي القاموس: والنفس -بفتحتين- الفسحة في الأمر، والطويل من الكلام. (مئنة من فقهه) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة، أي علامة. قال الأزهري والأكثرون: الميم فيها زائدة، وهي مفعلة.

стр. 1961

(واقصروا الخطبة) من قصر مخففاً، فالهمزة همزة وصل في "اقصروا". (وإن من البيان سحراً) قال أبو عبيد: هو من الفهم وذكاء القلب. قال القاضي: فيه تأويلان: أحدهما: أنه ذم، لأنه إمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه حتى يكسب من الإثم به كما يكسب بالسحر، وأدخله مالك في الموطأ في باب ما يكره من الكلام، وهو مذهبه في تأويل الحديث. والثاني: أنه مدح، لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه، وأصل السحر الصرف، فالبيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما يدعو إليه. قال النووي: وهذا التأويل الثاني هو المختار الصحيح. (فقد رشد) بكسر الشين وفتحها. (ومن يعصهما فقد غوى) قال القاضي: وقع في روايتي مسلم بفتح الواو وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الغي، وهو الانهماك في الشر اهـ وإنما كان الخطيب مذموماً لتشريكه الله ورسوله في ضمير واحد "ومن يعصهما" مما يوهم التسوية بينهما، وللمسألة إيضاح يأتي في فقه الحديث. (لقد كان تنورنا وتنور رسول الله واحداً) في القاموس: التنور الكانون يخبز فيه. تشير بذلك إلى حفظها ومعرفتها بأحوال النبي ﷺ وقربها من منزله، والكلام على سبيل التشبيه، أي كالواحد. (قال: رأى بشر) فاعل "قال" عمارة، وفاعل "رأى" عمارة، والأصل: رأيت بشر بن مروان. (رافعاً يديه) أثناء الخطبة يشير بهما يميناً وشمالاً. (فقال) أصله فقلت. فالقائل عمارة، وملحق هذه الرواية كاشف لمرجع الضمائر. (قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما) في القاموس: تجوز في الصلاة: خفف. (انتهيت إلى النبي ﷺ أي قربت منه ومن المنبر. (فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "حسبت". ورواه ابن أبي خيثمة في غير صحيح مسلم "خلت" بكسر الخاء وسكون اللام، وهو بمعنى حسبت. وفي بعض النسخ تصحيف إلى "خلب" خاء ولام وباء، وفي بعضها "خشب" خاء وشين وباء. والكرسي بضم الكاف وكسرها، والضم أشهر. أي نزل عن المنبر وجلس على الكرسي، وجعل يعلمني. -[فقه الحديث]- يمكن حصر شوارد الأحكام الفقهية في نقاط:

стр. 1962

١ - الأذان يوم الجمعة. ٢ - خطبة الجمعة، حكمها وشروطها وهيآتها. ٣ - عبارات وتوجيهات من خطب النبي ﷺ . ٤ - المطلوب والمباح ساعتها. ٥ - ما يؤخذ من الأحاديث. وهذا هو التفصيل: أولاً: الأذان يوم الجمعة. لم تتعرض أحاديث الباب للأذان يوم الجمعة، ولم يرد في صحيح مسلم شيء عن أذان الجمعة اللهم إلا الإشارة إليه في الباب السابق في الروايتين الخامسة والسادسة. وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذ جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. فالأذان الذي أحدثه عثمان ثالث من حيث القدم، فيسبقه أذان وإقامة في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وهو أول باعتبار زمنه، فهو مقدم زمناً على الأذان الذي بين يدي الخطيب وبين الإقامة إذا نزل الخطيب. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة. قال: وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: "الأذان الأول يوم الجمعة بدعة". قال: فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسناً، ومنها ما يكون بخلاف ذلك، وتبين أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب. اهـ. وأكثر البلاد الإسلامية اليوم يؤذنون عند دخول وقت الجمعة أذاناً عالياً على مرتفع أو في بوق يرفع الصوت "ميكرفون" ثم يؤذنون بين يدي الخطيب؛ وقد يقدمون للأذان الأول ببعض الذكر والتسابيح. وبعضها يؤذن الأذان العالي قبل دخول وقت الجمعة بنحو ساعة من الزمن، ثم يؤذنون بين يدي الخطيب، وقلة منهم لا يؤذن الأذان العالي أصلاً ويكتفي بالأذان بين يدي الخطيب، كما كان الوضع على عهد رسول الله ﷺ . وأعتقد أن المخالفة هينة، ولكل من المختلفين اجتهاده ووجهة نظره، ولا ينبغي إلزام فريق بما عليه الآخر، ولا الطعن على الفريق المخالف بالخروج عن الدين، ولا إيقاع الفرقة والحقد والبغضاء بسببه، فنكون كالدبة التي دفعت الذبابة عن صاحبها بحجر فقتلته.

стр. 1963

لكنا مع الحافظ ابن حجر في قوله: وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ﷺ فهو في بعض البلاد دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى. والله علم. ثانياً: خطبة الجمعة، حكمها وشروطها وهيآتها: ومن المقرر الواضح أن رسول الله ﷺ لم يصل الجمعة بدون الخطبتين، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقد حكم جمهور العلماء بأن الجمعة لا تصح إلا بخطبتين. قال القاضي عياض: ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة. وعند أهل الظاهر ورواية عن مالك أنها تصح بلا خطبة. ولخطبة الجمعة شروط أو أركان أو هيئات أو مواصفات منها: (أ) جلوس الخطيب على المنبر قبلها أثناء الأذان بين يديه. قال مالك والشافعي وجمهور العلماء: هو سنة. وقيل هو من أجل الأذان، وعليه لا يسن للعيد، لأنه لا أذان له. وقيل: الحكمة فيه الراحة وسكون اللغط والتهيؤ للإنصات والاستنصات لسماع الخطبة وإحضار الذهن وجمع الانتباه واستدل له بما رواه البخاري عن السائب بن يزيد قال: "كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام". وفي رواية له: "إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر" ويمكن أن يستأنس له أيضاً بروايتنا التاسعة والعشرين، وفيها: "جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر ... ". الحديث. ويصبح معنى الرواية الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين: "والنبي ﷺ يخطب". أي يتهيأ للخطبة. وذهب بعض الكوفيين إلى أن الجلوس على المنبر عند التأذين قبل الخطبة غير مشروع. وقد رفض البدر العينى نسبة هذا القول لأبي حنيفة، فقال: إن مذهب أبي حنيفة ما ذكره صاحب الهداية: "وإذا صعد الإمام على المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث". اهـ. (ب) واشتراط خطبتين، بهذا قال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، يصرح بهذا روايتنا السابعة، وقال أبو حنيفة: الخطبة شرط، ولكن تجزئ خطبة واحدة. (جـ) واشترط الشافعي ومالك وأحمد والجمهور أن يسمعها العدد الذي تنعقد به الجمعة. وقال أبو حنيفة لا يشترط العدد لسماع الخطبة. ومن اشترط العدد في السماع اختلفوا، فمنهم من اكتفى به عند الابتداء ولا يضر نقصه أثناءها كبعض الشافعية الذين استدلوا بروايتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة، وفيها أن الصحابة انفضوا عن الخطبة حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً وهم يشترطون لصحة الجمعة والخطبة أربعين رجلاً. ومنهم من اشترط سماع العدد ابتداء وانتهاء، وأجاب عن الروايات بأن الرسول ﷺ مد في الخطبة واستمر فيها وعاد العدد المطلوب قبل الفاصل الطويل. أما المالكية فجعلوا الحد الأدنى للعدد اثنى عشر رجلاً، فلا إشكال.

стр. 1964

واشترط الشافعي وأصحابه القيام في الخطبتين للقادر عليه، فإن خطب قاعداً مع القدرة على القيام لم تصح صلاته، ولا صلاة من علم من المأمومين قدرته على القيام. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: تصح الخطبة قاعداً مع القدرة، والقيام سنة عند أبي حنيفة، وواجب عند مالك في رواية، ولو تركه أساء وصحت الجمعة. والأحاديث تدل على أن الرسول ﷺ لم يخطب جالساً والآية الكريمة تقول: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ [الجمعة: ١١]. وأول من خطب قاعداً معاوية، لما كثر شحم بطنه خطب الأولى قاعداً وخطب الثانية قائماً. وروي أن عثمان أول من قعد في الخطبة، لكنه كان يخطب قائماً، فإذا تعب جلس ولم يتكلم حتى يقوم. ولا يستدل بهذا ولا بذاك ولا بقبول الناس على أن القيام ليس شرطاً، فإن الجلوس في مثل حالهما كان لعذر، ولهذا أنكر كعب بن عجرة على عبد الرحمن ابن أم الحكم أن خطب قاعداً إنكاراً شديداً كما جاء في روايتنا الثانية عشرة. (هـ) كما اشترط الشافعية لصحة الخطبة والجمعة جلوساً بين الخطبتين، وهو صريح في أحاديثنا التزمه رسول الله ﷺ ، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". قال بعضهم: وفي دخول الخطبة تحت كيفية الصلاة نظر، فالاستدلال بمجرد فعله ﷺ . وجمهور العلماء على أن الجلوس بين الخطبتين سنة حتى قال الطحاوي: هذا القول محكى عن مالك في رواية عنه، وهو المشهور عن أحمد. وهذا الجلوس خفيف جداً، أقله قدر الطمأنينة، وأكمله قدر قراءة سورة الإخلاص. واختلف في حكمته، فقيل: للفصل بين الخطبتين. وقيل للاستراحة. وللخطيب أن يذكر الله تعالى ويدعوه في هذا الجلوس، وله أن يسكت. والله أعلم. (و) وهل تشترط طهارة الخطيب من الحدث الأصغر، ومن النجاسة في البدن والثوب والمكان وستر العورة؟ قولان للشافعية وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا يشترط ذلك. واستحبابه أمر متفق عليه. (ز) ومن السنة أن يخطب على منبر أو على مرتفع، ليتمكن من المصلين وليروه وليصل صوته إلى أكبر قدر من الناس، فهو أبلغ في الإعلام، وكان النبي ﷺ يخطب إلى جذع نخل، حتى السنة السابعة أو الثامنة من الهجرة فعمل له منبر خشبي من ثلاث درجات. (حـ) ويستحب للإمام أن يسلم عند دخوله المسجد، ويصل المنبر دون أن يصلي تحية المسجد، فإذا وصل إلى أعلى المنبر وأقبل على الناس سلم عليهم ولزم السامعين الرد عليه. (ط) وأن يستقبل الخطيب الناس وأن يستقبلوه، لما روي عن سمرة بن جندب: "أن النبي ﷺ كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا، واستقبلنا بوجهه". والشافعية على كراهة الالتفات يميناً وشمالاً في كل الخطبة. وقال أبو حنيفة: يلتفت يميناً وشمالاً في بعض الخطبة كما في الأذان.

стр. 1965

(ي) ويكره تحريك اليدين والإشارة بهما ذات اليمين وذات الشمال وروايتنا الرابعة والعشرون صريحة في إنكار ذلك. قال النووي في المجموع: ويسن أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصا أو نحوها، ويستحب أن يأخذه في يده اليسرى، وأن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر، فإن لم يجد سيفاً أو عصا ونحوه سكن يده بأن يضع اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما ولا يحركهما ولا يعبث بواحدة منهما، والمقصود الخشوع والمنع من العبث. اهـ. (ك) وذهب جمهور الشافعية وأحمد إلى أن أركان الخطبة أو فروضها أربعة: أن يحمد الله، وأن يصلي على النبي ﷺ ، وأن يوصي بالتقوى، وأن يقرأ الآية من القرآن. وبعضهم يوجب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. وقال أبو يوسف ومحمد وداود: الواجب ما يقع عليه اسم الخطبة. وقال أبو حنيفة: يكفيه أن يقول: سبحان الله، أو بسم الله، أو الله أكبر ونحو ذلك من الأذكار. ومن مستحباتها أن تكون بالعربية، وأن يرفع فيها صوته، وأن يوالي بين مواعظها، وأن تكون قصيرة، فقد كانت صلاته ﷺ قصداً وخطبته قصداً، وقصر الخطبة علامة من علامات فقه الخطيب كما جاء في أحاديث الباب. ثالثاً: عبارات وتوجيهات من خطب النبي ﷺ : وقد تعرضت رواياتنا الخامسة عشرة والسادسة عشرة والثالثة والعشرون إلى عبارات وتوجيهات من خطب النبي ﷺ ، فكان يفتتح خطبته بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم يثنى بالتفويض والتسليم لجلاله وعظمته باعثاً في نفوس أصحابه أن الأمر كله لله فيقول: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله". وكان يحذر من الآخرة وقربها، فيقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين". يرفع أصبعيه السبابة والوسطى ويضمهما ويقرنهما فكأنهما لا فاصل بينهما، فلا نبي بينه وبين الساعة، وما بين الأصبعين من تقارب يشبه تقارب الزمن بين بعثته وقيام الساعة، وكان يقول بعد الحمد والثناء والتبصير بقرب الساعة: "أما بعد". ثم يعظ الناس ويذكرهم، ويوجههم إلى الاعتماد على القرآن والسنة، ويحذرهم من الابتداع في الدين واتباع الأهواء والزيغ عن الصراط المستقيم، فيقول: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمداً ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". وكان كثيراً ما يقرأ في خطبته آيات أو سوراً من القرآن الكريم، يقرأ كثيراً سورة "ق والقرآن المجيد" فهي سورة ترقق القلوب بما فيها من وعد ووعيد وصور الموت، وما بعد الموت، وكان يقرأ آيات في مناسبات، يرعى الأمة ويوجهها، وإذا رأى قصوراً عالجه في خطبته، رأى رجلاً يدخل المسجد فلا يصلي تحية المسجد فيقعد، فناداه: "يا سليك. أصليت ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركع
следующие страницы →