Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
(واقصروا الخطبة) من قصر مخففاً، فالهمزة همزة وصل في "اقصروا".
(وإن من البيان سحراً) قال أبو عبيد: هو من الفهم وذكاء القلب. قال القاضي: فيه تأويلان: أحدهما: أنه ذم، لأنه إمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه حتى يكسب من الإثم به كما يكسب بالسحر، وأدخله مالك في الموطأ في باب ما يكره من الكلام، وهو مذهبه في تأويل الحديث. والثاني: أنه مدح، لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه، وأصل السحر الصرف، فالبيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما يدعو إليه. قال النووي: وهذا التأويل الثاني هو المختار الصحيح.
(فقد رشد) بكسر الشين وفتحها.
(ومن يعصهما فقد غوى) قال القاضي: وقع في روايتي مسلم بفتح الواو وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الغي، وهو الانهماك في الشر اهـ وإنما كان الخطيب مذموماً لتشريكه الله ورسوله في ضمير واحد "ومن يعصهما" مما يوهم التسوية بينهما، وللمسألة إيضاح يأتي في فقه الحديث.
(لقد كان تنورنا وتنور رسول الله واحداً) في القاموس: التنور الكانون يخبز فيه. تشير بذلك إلى حفظها ومعرفتها بأحوال النبي ﷺ وقربها من منزله، والكلام على سبيل التشبيه، أي كالواحد.
(قال: رأى بشر) فاعل "قال" عمارة، وفاعل "رأى" عمارة، والأصل: رأيت بشر بن مروان.
(رافعاً يديه) أثناء الخطبة يشير بهما يميناً وشمالاً.
(فقال) أصله فقلت. فالقائل عمارة، وملحق هذه الرواية كاشف لمرجع الضمائر.
(قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما) في القاموس: تجوز في الصلاة: خفف.
(انتهيت إلى النبي ﷺ أي قربت منه ومن المنبر.
(فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "حسبت". ورواه ابن أبي خيثمة في غير صحيح مسلم "خلت" بكسر الخاء وسكون اللام، وهو بمعنى حسبت. وفي بعض النسخ تصحيف إلى "خلب" خاء ولام وباء، وفي بعضها "خشب" خاء وشين وباء.
والكرسي بضم الكاف وكسرها، والضم أشهر. أي نزل عن المنبر وجلس على الكرسي، وجعل يعلمني.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر شوارد الأحكام الفقهية في نقاط:
стр. 1962
١ - الأذان يوم الجمعة.
٢ - خطبة الجمعة، حكمها وشروطها وهيآتها.
٣ - عبارات وتوجيهات من خطب النبي ﷺ .
٤ - المطلوب والمباح ساعتها.
٥ - ما يؤخذ من الأحاديث.
وهذا هو التفصيل:
أولاً: الأذان يوم الجمعة.
لم تتعرض أحاديث الباب للأذان يوم الجمعة، ولم يرد في صحيح مسلم شيء عن أذان الجمعة اللهم إلا الإشارة إليه في الباب السابق في الروايتين الخامسة والسادسة.
وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذ جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء.
فالأذان الذي أحدثه عثمان ثالث من حيث القدم، فيسبقه أذان وإقامة في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وهو أول باعتبار زمنه، فهو مقدم زمناً على الأذان الذي بين يدي الخطيب وبين الإقامة إذا نزل الخطيب.
قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة. قال: وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: "الأذان الأول يوم الجمعة بدعة". قال: فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسناً، ومنها ما يكون بخلاف ذلك، وتبين أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب. اهـ.
وأكثر البلاد الإسلامية اليوم يؤذنون عند دخول وقت الجمعة أذاناً عالياً على مرتفع أو في بوق يرفع الصوت "ميكرفون" ثم يؤذنون بين يدي الخطيب؛ وقد يقدمون للأذان الأول ببعض الذكر والتسابيح. وبعضها يؤذن الأذان العالي قبل دخول وقت الجمعة بنحو ساعة من الزمن، ثم يؤذنون بين يدي الخطيب، وقلة منهم لا يؤذن الأذان العالي أصلاً ويكتفي بالأذان بين يدي الخطيب، كما كان الوضع على عهد رسول الله ﷺ .
وأعتقد أن المخالفة هينة، ولكل من المختلفين اجتهاده ووجهة نظره، ولا ينبغي إلزام فريق بما عليه الآخر، ولا الطعن على الفريق المخالف بالخروج عن الدين، ولا إيقاع الفرقة والحقد والبغضاء بسببه، فنكون كالدبة التي دفعت الذبابة عن صاحبها بحجر فقتلته.
стр. 1963
لكنا مع الحافظ ابن حجر في قوله: وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ﷺ فهو في بعض البلاد دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى. والله علم.
ثانياً: خطبة الجمعة، حكمها وشروطها وهيآتها:
ومن المقرر الواضح أن رسول الله ﷺ لم يصل الجمعة بدون الخطبتين، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقد حكم جمهور العلماء بأن الجمعة لا تصح إلا بخطبتين. قال القاضي عياض: ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة. وعند أهل الظاهر ورواية عن مالك أنها تصح بلا خطبة.
ولخطبة الجمعة شروط أو أركان أو هيئات أو مواصفات منها:
(أ) جلوس الخطيب على المنبر قبلها أثناء الأذان بين يديه. قال مالك والشافعي وجمهور العلماء: هو سنة. وقيل هو من أجل الأذان، وعليه لا يسن للعيد، لأنه لا أذان له. وقيل: الحكمة فيه الراحة وسكون اللغط والتهيؤ للإنصات والاستنصات لسماع الخطبة وإحضار الذهن وجمع الانتباه واستدل له بما رواه البخاري عن السائب بن يزيد قال: "كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام". وفي رواية له: "إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر" ويمكن أن يستأنس له أيضاً بروايتنا التاسعة والعشرين، وفيها: "جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر ... ". الحديث. ويصبح معنى الرواية الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين: "والنبي ﷺ يخطب". أي يتهيأ للخطبة.
وذهب بعض الكوفيين إلى أن الجلوس على المنبر عند التأذين قبل الخطبة غير مشروع. وقد رفض البدر العينى نسبة هذا القول لأبي حنيفة، فقال: إن مذهب أبي حنيفة ما ذكره صاحب الهداية: "وإذا صعد الإمام على المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث". اهـ.
(ب) واشتراط خطبتين، بهذا قال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، يصرح بهذا روايتنا السابعة، وقال أبو حنيفة: الخطبة شرط، ولكن تجزئ خطبة واحدة.
(جـ) واشترط الشافعي ومالك وأحمد والجمهور أن يسمعها العدد الذي تنعقد به الجمعة. وقال أبو حنيفة لا يشترط العدد لسماع الخطبة.
ومن اشترط العدد في السماع اختلفوا، فمنهم من اكتفى به عند الابتداء ولا يضر نقصه أثناءها كبعض الشافعية الذين استدلوا بروايتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة، وفيها أن الصحابة انفضوا عن الخطبة حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً وهم يشترطون لصحة الجمعة والخطبة أربعين رجلاً. ومنهم من اشترط سماع العدد ابتداء وانتهاء، وأجاب عن الروايات بأن الرسول ﷺ مد في الخطبة واستمر فيها وعاد العدد المطلوب قبل الفاصل الطويل. أما المالكية فجعلوا الحد الأدنى للعدد اثنى عشر رجلاً، فلا إشكال.
стр. 1964
واشترط الشافعي وأصحابه القيام في الخطبتين للقادر عليه، فإن خطب قاعداً مع القدرة على القيام لم تصح صلاته، ولا صلاة من علم من المأمومين قدرته على القيام.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: تصح الخطبة قاعداً مع القدرة، والقيام سنة عند أبي حنيفة، وواجب عند مالك في رواية، ولو تركه أساء وصحت الجمعة.
والأحاديث تدل على أن الرسول ﷺ لم يخطب جالساً والآية الكريمة تقول: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ [الجمعة: ١١].
وأول من خطب قاعداً معاوية، لما كثر شحم بطنه خطب الأولى قاعداً وخطب الثانية قائماً.
وروي أن عثمان أول من قعد في الخطبة، لكنه كان يخطب قائماً، فإذا تعب جلس ولم يتكلم حتى يقوم. ولا يستدل بهذا ولا بذاك ولا بقبول الناس على أن القيام ليس شرطاً، فإن الجلوس في مثل حالهما كان لعذر، ولهذا أنكر كعب بن عجرة على عبد الرحمن ابن أم الحكم أن خطب قاعداً إنكاراً شديداً كما جاء في روايتنا الثانية عشرة.
(هـ) كما اشترط الشافعية لصحة الخطبة والجمعة جلوساً بين الخطبتين، وهو صريح في أحاديثنا التزمه رسول الله ﷺ ، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". قال بعضهم: وفي دخول الخطبة تحت كيفية الصلاة نظر، فالاستدلال بمجرد فعله ﷺ .
وجمهور العلماء على أن الجلوس بين الخطبتين سنة حتى قال الطحاوي: هذا القول محكى عن مالك في رواية عنه، وهو المشهور عن أحمد.
وهذا الجلوس خفيف جداً، أقله قدر الطمأنينة، وأكمله قدر قراءة سورة الإخلاص. واختلف في حكمته، فقيل: للفصل بين الخطبتين. وقيل للاستراحة. وللخطيب أن يذكر الله تعالى ويدعوه في هذا الجلوس، وله أن يسكت. والله أعلم.
(و) وهل تشترط طهارة الخطيب من الحدث الأصغر، ومن النجاسة في البدن والثوب والمكان وستر العورة؟ قولان للشافعية وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا يشترط ذلك. واستحبابه أمر متفق عليه.
(ز) ومن السنة أن يخطب على منبر أو على مرتفع، ليتمكن من المصلين وليروه وليصل صوته إلى أكبر قدر من الناس، فهو أبلغ في الإعلام، وكان النبي ﷺ يخطب إلى جذع نخل، حتى السنة السابعة أو الثامنة من الهجرة فعمل له منبر خشبي من ثلاث درجات.
(حـ) ويستحب للإمام أن يسلم عند دخوله المسجد، ويصل المنبر دون أن يصلي تحية المسجد، فإذا وصل إلى أعلى المنبر وأقبل على الناس سلم عليهم ولزم السامعين الرد عليه.
(ط) وأن يستقبل الخطيب الناس وأن يستقبلوه، لما روي عن سمرة بن جندب: "أن النبي ﷺ كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا، واستقبلنا بوجهه". والشافعية على كراهة الالتفات يميناً وشمالاً في كل الخطبة. وقال أبو حنيفة: يلتفت يميناً وشمالاً في بعض الخطبة كما في الأذان.
стр. 1965
(ي) ويكره تحريك اليدين والإشارة بهما ذات اليمين وذات الشمال وروايتنا الرابعة والعشرون صريحة في إنكار ذلك. قال النووي في المجموع: ويسن أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصا أو نحوها، ويستحب أن يأخذه في يده اليسرى، وأن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر، فإن لم يجد سيفاً أو عصا ونحوه سكن يده بأن يضع اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما ولا يحركهما ولا يعبث بواحدة منهما، والمقصود الخشوع والمنع من العبث. اهـ.
(ك) وذهب جمهور الشافعية وأحمد إلى أن أركان الخطبة أو فروضها أربعة:
أن يحمد الله، وأن يصلي على النبي ﷺ ، وأن يوصي بالتقوى، وأن يقرأ الآية من القرآن. وبعضهم يوجب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات.
وقال أبو يوسف ومحمد وداود: الواجب ما يقع عليه اسم الخطبة. وقال أبو حنيفة: يكفيه أن يقول: سبحان الله، أو بسم الله، أو الله أكبر ونحو ذلك من الأذكار.
ومن مستحباتها أن تكون بالعربية، وأن يرفع فيها صوته، وأن يوالي بين مواعظها، وأن تكون قصيرة، فقد كانت صلاته ﷺ قصداً وخطبته قصداً، وقصر الخطبة علامة من علامات فقه الخطيب كما جاء في أحاديث الباب.
ثالثاً: عبارات وتوجيهات من خطب النبي ﷺ :
وقد تعرضت رواياتنا الخامسة عشرة والسادسة عشرة والثالثة والعشرون إلى عبارات وتوجيهات من خطب النبي ﷺ ، فكان يفتتح خطبته بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم يثنى بالتفويض والتسليم لجلاله وعظمته باعثاً في نفوس أصحابه أن الأمر كله لله فيقول: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله". وكان يحذر من الآخرة وقربها، فيقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين". يرفع أصبعيه السبابة والوسطى ويضمهما ويقرنهما فكأنهما لا فاصل بينهما، فلا نبي بينه وبين الساعة، وما بين الأصبعين من تقارب يشبه تقارب الزمن بين بعثته وقيام الساعة، وكان يقول بعد الحمد والثناء والتبصير بقرب الساعة: "أما بعد". ثم يعظ الناس ويذكرهم، ويوجههم إلى الاعتماد على القرآن والسنة، ويحذرهم من الابتداع في الدين واتباع الأهواء والزيغ عن الصراط المستقيم، فيقول: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمداً ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
وكان كثيراً ما يقرأ في خطبته آيات أو سوراً من القرآن الكريم، يقرأ كثيراً سورة "ق والقرآن المجيد" فهي سورة ترقق القلوب بما فيها من وعد ووعيد وصور الموت، وما بعد الموت، وكان يقرأ آيات في مناسبات، يرعى الأمة ويوجهها، وإذا رأى قصوراً عالجه في خطبته، رأى رجلاً يدخل المسجد فلا يصلي تحية المسجد فيقعد، فناداه: "يا سليك. أصليت ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركع
стр. 1966
ركعتين وتجوز فيهما". ثم توجه إلى الناس فقال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما".
رابعاً: المطلوب والمباح ساعة الخطبة:
ولسماع الخطبة آداب وحقوق، وأهمها الاستماع لها والإنصات وعدم التلهي بمس الحصا ونحوه، وعدم الانشغال عنها بأمور الدنيا.
وتتحدث رواياتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة عن حادثة الانفضاض، وهي حادثة فريدة لم تتكرر، ونزل فيها قرآن يتلى، يوبخ فاعليها ويحذرهم، فيقول: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾ [الجمعة: ١١].
وتتحدث الروايات الأولى والثانية والسادسة عشرة من الباب السابق -باب فضيلة يوم الجمعة- عن الاستماع والإنصات للخطبة، قال النووي: واختلف العلماء في الكلام أثناء الخطبة، هل هو حرام أو مكروه؟ وهما قولان للشافعي. قال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة. وحكى عن النخعي والشعبي وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تلى فيها القرآن. قال: واختلفوا فيمن لم يسمع الإمام هل يلزمه الإنصات كمن يسمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه. وقال النخعي وأحمد وأحد قولى الشافعي: لا يلزمه. اهـ.
ونقل صاحب المغني الاتفاق على أن الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة، كتحذير الضرير من الوقوع في بئر. وقال الشافعي: وإذا خاف على أحدكم لم أر بأساً -إذا لم يفهم عنه بالإيماء- أن يتكلم. اهـ وذهب بعض الفقهاء إلى أن تحريم الكلام محله حال أركان الخطبة فإذا فرغ من الأركان أبيح الكلام. والجمهور على أن الكلام أثناء الجلوس بين الخطبتين لا يحرم، وكره عبث حال الخطبة لحديث: "ومن مس الحصا فقد لغا". ولأن العبث يمنع الخشوع. والله أعلم.
وتتحدث رواياتنا الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون والسابعة والعشرون والثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون والمتممة للثلاثين عن صلاة ركعتين قبل الجمعة.
قال الشافعي في الأم: إذا خرج الإمام وجلس على المنبر انقطع التنفل، وأما إذا دخل والإمام جالس على المنبر أو في أثناء الخطبة فيستحب له أن يصلي تحية المسجد ركعتين ويخففهما، ويكره تركهما للحديث الصحيح: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". وقال: إذا دخل والإمام في آخر الكلام ولا يمكنه صلاة ركعتين خفيفتين قبل دخول الإمام في الصلاة فلا عليه أن يصليهما، وأرى أن يأمره الإمام بصلاتهما ويزيد في كلامه ما يمكنه إكمالهما فيه، فإن لم يفعل كرهت ذلك له، ولا شيء عليه. اهـ.
وبهذا قال الإمام أحمد، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يصلي شيئاً.
وظاهر أحاديثنا دليل للشافعي وأحمد. قال النووي في شرحه للرواية الثالثة والعشرين وفيها:
стр. 1967
"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما". هذا نص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحاً فيخالفه. اهـ.
وأجاب المانعون لتحية المسجد وقت الخطبة بعدة أجوبة منها.
١ - أن قصة سليك واقعة عين، لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك. ويرد عليهم بالتعميم في آخر القصة: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما".
٢ - وقالوا: إن سليكاً كان رجلاً فقيراً، فأمره بالصلاة ليفطن له الناس فيتصدقوا عليه، واستندوا إلى روايات ضعيفة، منها: روى أصحاب السنن: "جاء رجل والنبي ﷺ يخطب، والرجل في هيئة بذة، فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: صل ركعتين، وحض الناس على الصدقة".
وعند أحمد أن النبي ﷺ قال: "إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذة فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه". ويرد هذا الاستدلال بالعموم السابق، ثم إن المانعين لا يجيزون التطوع لعلة التصدق.
٣ - وقالوا: إن تحية المسجد تفوت بالجلوس، وسليك جلس، فدل على أن الأمر ليس ليصلي تحية المسجد. بل لهدف آخر. وأجيب بأن تحية المسجد لا تفوت بجلوس غير العالم وغير المتعمد.
٤ - وقالوا: إن الصلاة حال الخطبة تتعارض مع الأمر بالإنصات في قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وفي قوله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت". متفق عليه -روايتنا في أول الباب السابق- قالوا: فإذا امتنع الأمر بالمعروف -وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه- فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى. ويرد هذا الاستدلال بأن الآية في القرآن، وليست الخطبة كلها قرآناً.
وقياس التحية بالأمر للإنصات للاغي قياس مع الفارق فتحية المسجد مأمور بها، وقول: اسكت. ليس مأموراً به.
٥ - وقالوا: إن النبي ﷺ قال للذي دخل يتخطى الرقاب: "اجلس فقد آذيت". أخرجه أبو داود والنسائي. فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية. وعند الطبراني: "إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام". ورد باحتمال أن يكون معنى "اجلس" أي لا تتخط، أو أن ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، فإنها ليست بواجبة، أو يحتمل أن يكون الرجل قد صلى التحية في آخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطي، فأنكر عليه. كما رد هذا الاستدلال بأن الحديثين ضعيفان لا يقاومان الأحاديث الصحيحة. والله أعلم.
وتتعرض الأحاديث إلى وقت صلاة الجمعة، وما يقرأ فيها من سور القرآن وما يصلى بعدها من السنن.
стр. 1968
فالأحاديث الخمسة الأولى ظاهرة في تعجيل صلاة الجمعة، وجمهور الفقهاء على أن وقت الجمعة هو وقت الظهر، ولا تجوز قبل الزوال خلافاً للإمام أحمد فقال: تجوز قبل الزوال. وروى عنه أنه قال: في الساعة الخامسة، أي قبل الزوال بساعة أو بساعتين، حيث قسمنا ساعات التبكير إلى الجمعة بخمس أو ست. وقال أصحاب أحمد: يجوز فعلها في الوقت الذي تفعل فيه صلاة العيد. قال العبدري: قال العلماء كافة: لا تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال إلا أحمد. اهـ.
واحتج له بروايتنا الأولى والثانية، إذ ظاهرهما أن الرجوع إلى النواضح والجمال كان عند الزوال، وكانت الصلاة قبله. كذا ويحتج له بالرواية الخامسة وظاهرها أن الصلاة وقعت قبل أن يكون للحيطان ظل، أي قبل الزوال.
وأجيب عن الرواية الأولى والثانية بأنهما إنما تخبران بأن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال، لا أن الصلاة قبله، فالمعنى كنا نصلي حين تزول الشمس وكنا نذهب إلى جمالنا حين تزول الشمس.
أما الرواية الخامسة: فمعناها ما نجد للحيطان فيئاً كثيراً يستظل به، وليس المقصود نفي الظل بالكلية، بدليل الرواية الرابعة: "ثم نرجع فنتتبع الفيء". ففيها تصريح بوجود الفيء لكنه قليل، ومعلوم أن حيطانهم كانت قصيرة، وأن بلادهم متوسطة من الشمس، ولا يظهر هناك الفيء بحيث لا يستظل به إلا بعد الزوال بزمان طويل. قاله النووي في شرح المهذب، ثم قال: وأما حديث سهل: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة". فمعناه أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها. اهـ.
كما احتج له بما رواه أحمد في مسنده والدارقطني عن عبد الله بن سيدان قال: "شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق ﵁، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر ﵁ وكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان ﵁ فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، ولا رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره". ورد هذا الاحتجاج بضعفه باتفاقهم، لأن ابن سيدان ضعيف عندهم، إذ قال عنه الحافظ ابن حجر: تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة. وقال عنه ابن عدي: شبه مجهول. وقال عنه البخاري: لا يتابع على حديثه.
قال النووي: والجواب عن احتجاجهم بحديث جابر وما بعده أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد ولا غيره. هذا مختصر الجواب عن الجميع، وحملنا على هذا الجمع عمل المسلمين قاطبة إذ هم لا يصلونها إلا بعد الزوال.
أما نهاية وقت الجمعة فهو نهاية وقت الظهر بلا خلاف، لكن الخلاف فيمن دخل في صلاتها في الوقت وخرج الوقت أثناء الصلاة، فعند الشافعية يتمها ظهراً، لأنه لا يجوز ابتداؤها بعد خروج الوقت، فلا يجوز إتمامها كالحج، بل يتمها ظهراً، لأنه فرض رد من أربع ركعات إلى ركعتين بشرط يختص به، فإذا زال الشرط أتم كالمسافر إذا دخل في الصلاة ثم قدم قبل أن يتم.
стр. 1969
وقال أبو حنيفة: إذا خرج وقت الظهر وهم في صلاة الجمعة بطلت ويستأنفونها ظهراً.
وقال أحمد: إن كان صلى منها ركعة أتمها جمعة، وإن كان أقل أتمها ظهراً. وقال بعض أصحابه: إن تحقق خروج الوقت قبل التحريمة صلى ظهراً، وإن لم يتحقق خروجه قبل التحريمة صلى جمعة، لأنها تدرك بالتحريمة كسائر الصلوات.
هذا وقد أجمعت الأمة أن الجمعة لا تقضي على صورتها جمعة، ولكن من فاتته لزمه الظهر.
أما ما يقرأ في صلاة الجمعة من السور بعد الفاتحة فإن السنة أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة وفي الركعة الثانية بسورة المنافقون -كما جاء في روايتنا الثانية والثلاثين- وهو رأي جمهور الشافعية، قال النووي: قال العلماء: والحكمة في قراءة سورة الجمعة اشتمالها على وجوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها وغير ذلك مما فيها من القواعد، والحث على التوكل والذكر وغير ذلك، وقراءة سورة المنافقون لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها. اهـ. أو بسورة الجمعة في الركعة الأولى وسورة هل أتاك حديث الغاشية في الركعة الثانية كما جاء في ملحق روايتنا الثالثة والثلاثين، وبه أخذ المالكية.
وقال أبو حنيفة: لا مزية لهاتين السورتين، ولا لغيرهما، والسور كلها سواء في هذا. والله أعلم.
هذا. والجمعة ركعتان، تمام غير قصر، والسنة أن يجهر فيهما بالقراءة خلافاً للظهر.
أما الروايات السابعة والثلاثون وما بعدها فتتحدث عن راتبة الجمعة البعدية.
قال النووي: في هذه الأحاديث استحباب سنة الجمعة بعدها، والحث عليها، وأن أقلها ركعتان وأكملها أربع، فنبه ﷺ بقوله: "إذا صلى أحدكم بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً". على الحث عليها، فأتى بصيغة الأمر، ونبه بقوله ﷺ : "من كان منكم مصلياً" على أنها سنة ليست واجبة، وذكر الأربع لفضيلتها، وفعل الركعتين في بعض الأوقات لبيان الجواز، لأن أقلها ركعتان، ومعلوم أنه ﷺ كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً، لأنه أمرنا بهن وحثنا عليهن، وهو أرغب في الخير وأحرص عليه وأولى به. اهـ.
-[ويؤخذ من هذه الأحاديث: ]-
١ - يؤخذ من الروايات القيام في الخطبة، وقد سبق تفصيل القول فيه.
٢ - وأن للجمعة خطبتين.
٣ - وأنه يجلس بينهما.
٤ - وفي قوله في الرواية السابعة: "يقرأ القرآن ويذكر الناس". دليل للشافعية في ضرورة القراءة والأمر بالتقوى.
٥ - ومن الرواية التاسعة والعاشرة والحادية عشرة أخذ بعض الشافعية أن استمرار الجماعة -الذين
стр. 1970
تنعقد بهم الجمعة من أول الخطبة إلى تمام الصلاة- ليس بشرط في صحتها، فقد انصرفوا ولم يبق إلا اثنا عشر رجلاً وصحت الصلاة. قالوا: والشرط أن تبقى منهم بقية.
٦ - استدل بها على فضيلة جابر وفضيلة أبي بكر وعمر، حيث لم ينفضوا، وفي بعض الروايات أن ممن لم ينفض الخلفاء الأربعة وابن مسعود وبلال.
٧ - استدل بها على أن البيع وقت الجمعة ينعقد، حيث لم يأمرهم ﷺ بفسخ ما تبايعوا فيه من العير المذكورة.
٩ - واستدل بها بعضهم على جواز انعقاد الجمعة باثنى عشر رجلاً، على أساس أن العدد المعتبر في الابتداء معتبر في الدوام. وفيه نظر.
١٠ - ويؤخذ من الرواية الثانية عشرة الإنكار على ولاة الأمور إذا ما خالفوا السنة.
١١ - ومن الرواية الثامنة عشرة استحباب تقصير الخطبة.
١٢ - ومن الرواية الخامسة عشرة استحباب قول: "أما بعد". في خطب الوعظ والجمعة والعيدين وغيرها، قال النووي: وكذا في خطب الكتب المصنفة. اهـ وقال الحافظ بن حجر: وقد كثر استعمال المصنفين لها بلفظ "وبعد". اهـ.
١٣ - واستحباب أن يفخم الخطيب أمر الخطبة.
١٤ - وأن يرفع صوته ليسمع الحاضرين.
١٥ - وأن يظهر غضبه عندما يستدعى من القول، كما في مقام الترهيب.
١٦ - واستدل بها من منع البدع كلها وأنكر ما هو حسن منها، والجمهور على خلافه. قال النووي: الحديث من قبيل العام المخصوص، والمراد غالب البدع، وقال: قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرمة، ومكروهة، ومباحة، فمن الواجبة: نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك. ومن المندوبة: تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك. ومن المباح: البسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك. والحرام والمكروه ظاهران. قال: فإذا عرف ما ذكرته علم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب في التراويح: "نعمت البدعة". اهـ.
١٧ - استدل بقوله في الرواية الخامسة عشرة: "من ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي" أن النبي ﷺ كان يقضي دين من مات ولم يخلف سداداً، واستشكل بما ثبت من أنه ﷺ لم يكن يصلي على من مات وعليه دين. وأجيب بأن ذلك قد قصد منه أولا أن لا يتساهل الناس في الاستدانة ويهملوا الوفاء، فزجرهم بترك الصلاة عليهم، فلما علموا خطر الدين ولم يعودوا يتهاونون فيه وفتح الله على رسوله ﷺ وعلى أصحابه الفتوح أدى الدين عن المدينين، واختلف هل كان النبي ﷺ يجب عليه قضاء هذا الدين أو كان يقضيه تكرماً؟ الأصح أنه كان واجباً كما قال
стр. 1971
النووي. واختلف أيضاً: هل كان من خصائصه ﷺ ؟ أو إمام المسلمين يقوم مقامه في هذا؟ الظاهر أنه من خصائصه ﷺ .
١٨ - واستدل بقوله ﷺ في الرواية التاسعة عشرة: "بئس الخطيب أنت". على إنكار تشريك الله ورسوله في الضمير، لئلا يوهم التسوية. قال النووي: والصواب أن سبب النهي أن الخطبة شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح "أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ليفهم" ومما يدل على عدم كراهية تشريك الله ورسوله في الضمير ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة ... وفيه: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً".
١٩ - ويؤخذ من الرواية الواحدة والعشرين والثانية والعشرين والثالثة والعشرين استحباب قراءة سورة ق كلها أو بعضها في خطبة الجمعة لاشتمالها على البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر المخيفة.
٢٠ - واستدل بالرواية الرابعة والعشرين على كراهية رفع اليدين وتحريكهما أثناء الخطبة، وحكى عن بعض المالكية إباحته.
٢١ - واستدل بأحاديث سليك على أنه يستحب لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويكره له الجلوس قبل أن يصليهما.
٢٢ - وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدهما الخطبة.
٢٣ - واستدل بها على جواز الكلام في الخطبة لحاجة.
٢٤ - وفيها الأمر بالمعروف والإرشاد إلى المصالح في كل حال وموطن.
٢٥ - وأن تحية المسجد ركعتان.
٢٦ - وأنها لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل بحكمها.
٢٧ - وأنها لا تترك في أوقات النهي عن الصلاة، لأنها لو سقطت في حال لكان هذا الحال أولى بها فإنه مأمور باستماع الخطبة، فلما ترك لها استماع الخطبة وقطع النبي ﷺ لها الخطبة وأمره بها بعد أن قعد دل على تأكدها وأنها لا تترك بحال، ولا في وقت من الأوقات.
٢٨ - ويؤخذ من الرواية الواحدة والثلاثين استحباب تلطف السائل في عبارته.
٢٩ - وتواضع النبي ﷺ ورفقه بالمسلمين وشفقته عليهم وخفض جناحه لهم.
٣٠ - والمبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهل الأمور فأهمها. قال النووي: وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجب إجابته وتعليمه على الفور. قال: وقعوده ﷺ على الكرسي ليسمع الباقون كلامه ويروا شخصه الكريم. ثم قال: ويحتمل أن هذه الخطبة -التي كان النبي ﷺ فيها- خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا
стр. 1972
الفصل الطويل، ويحتمل أنها كانت الجمعة واستأنفها، ويحتمل أنه لم يحصل فصل طويل، ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلقاً بالخطبة فيكون منها، ولا يضر المشي في أثنائها.
٣١ - ومن الرواية الخامسة والثلاثين يؤخذ استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة، لما تشعر الصيغة به من مواظبته ﷺ على ذلك أو إكثاره منه.
وقد ذهب المالكية إلى كراهة قراءة السجدة في الصلاة، قيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبي: وهو تعليل فاسد بشهادة الحديث. وقيل: الكراهة لخشية اعتقاد العوام أنها فرض. قال ابن دقيق العيد. أما القول بالكراهة مطلقاً فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تترك أحياناً لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات. اهـ.
وقال صاحب المحيط من الحنفية: يستحب قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحياناً لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزئ غيره.
٣٢ - ويؤخذ من الرواية الأولى اهتمام الصحابة بالتبكير للجمعة وتأخيرهم للقيلولة والغداء لما بعد صلاة الجمعة.
٣٣ - من الرواية الواحدة والثلاثين أخذ جواز بناء المقصورة في المسجد، إذا رآها ولي الأمر مصلحة، وأول من عملها -كما قيل- معاوية بن أبي سفيان حين ضربه الخارجي. قال القاضي: واختلفوا في المقصورة فأجازها كثير من السلف، وصلوا فيها، وكرهها بعضهم. وقيل: إنما يصح فيها الجمعة إذا كانت مباحة لكل أحد، فإن كانت مخصوصة ببعض الناس ممنوعة من غيرهم لم تصح فيها الجمعة، لخروجها عن حكم الجامع.
٣٤ - ويؤخذ من قوله في الرواية الثالثة والأربعين: "إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج". ما ذهب إليه الشافعية من أن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره، ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة.
٣٥ - وأن الفصل بين الفريضة والنافلة يحصل أيضاً بالكلام، ولكن كونه بالانتقال أفضل.
(ملحوظات) هناك أحكام فقهية خاصة بصلاة الجمعة، من المهم في هذا المقام ذكرها باختصار، وهي:
١ - ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن إذن السلطان بصلاة الجمعة سنة، وأنها تصح من غير إذنه ومن غير حضوره، سواء أكان السلطان في البلد أم لا.
وقال أبو حنيفة: لا تصح الجمعة إلا خلف السلطان أو نائبه أو بإذنه متى قدر على استئذانه، واحتج له بأنها لم تقم في زمن النبي ﷺ إلى الآن إلا بإذن السلطان أو نائبه، ولأن تجويزها بغير إذنه يؤدي إلى فتنة.
стр. 1973
ورد هذا الاحتجاج بالقياس على الإمامة في سائر الصلوات، إذ لا يشترط فيها إذن السلطان، وبأن الفعل هنا خرج مخرج البيان، وكون الناس في الأعصار يقيمون الجمعة بإذن السلطان لا يلزم منه بطلانها إذا أقيمت من غير إذنه، وأما قولهم: إن إقامتها بغير إذنه يؤدي إلى فتنة فغير مسلم.
٢ - ذهب الشافعية إلى أن الجمعة لا تصح إلا في أبنية يستوطنها صيفاً أو شتاءً من تنعقد بهم الجمعة، سواء أكان البناء من أحجار أو أخشاب أو سعف، وسواء أكانت البلاد كباراً ذات أسواق أو صغاراً. أما أهل الخيام الذين يتنقلون دون استقرار فلا تجب عليهم الجمعة، ولا تصح منهم مستقلين، وبهذا قال مالك وأحمد.
ولا يشترط إقامتها في مسجد، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة، فلا تصح في صحراء. وقال أبو حنيفة: لا تصح الجمعة إلا من أهل مصر، وتصح منهم ولو في صحراء كالعيد.
٣ - جمهور الشافعية على أن تعدد المساجد التي تصلى فيها الجمعة في المدينة الواحدة جائز إذا كثر الناس أو شق اجتماعهم في موضع منها، ولا يجوز جمعتان في بلد لا يعسر الاجتماع فيه في مكان، وحكي هذا عن مالك وأبي حنيفة. وقال محمد بن الحسن: يجوز جمعتان. وقال أحمد: إذا عظم البلد كبغداد والبصرة جاز جمعتان فأكثر إن احتاجوا، وإلا فلا يجوز أكثر من جمعة واحدة. ٤ - ولا تجب الجمعة على صبي ولا مجنون ولا امرأة، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنها لو حضرت وصلت الجمعة جاز. ولا تجب على المسافر وتصح منه، ولا تجب على خائف على نفسه أو ماله، ومن لا جمعة عليه مخير بين الظهر والجمعة.
٥ - وقد أجمع العلماء على أن الجمعة لا تصح من منفرد، وأن الجماعة شرط في صحتها، وشرط الشافعية أن يكون العدد أربعين ممن تنعقد بهم الجمعة، وبه قال أحمد في رواية، وفي رواية أخرى: شرط خمسين. وقال أبو حنيفة: تنعقد بأربعة أحدهم الإمام. وقال أبو يوسف: تنعقد بثلاثة أحدهم الإمام. وقال داود: تنعقد باثنين أحدهما الإمام.
٦ - ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن المسبوق في صلاة الجمعة إن أدرك الإمام في الركوع من الثانية فقد أدرك الجمعة، فإذا سلم الإمام أضاف ركعة أخرى، وإذا لم يدرك الركوع فقد فاتته الجمعة، فإذا سلم الإمام أتم ظهراً. قال أبو حنيفة: من أدرك التشهد مع الإمام أدرك الجمعة، فيصلي بعد سلام الإمام ركعتين وتمت جمعته، بل حكى عن أبي حنيفة: أنه إن أحرم قبل سلام الإمام كان مدركاً للجمعة، بل حكى عن أبي حنيفة: أنه لو سلم الإمام ثم سجد للسهو فأدركه مأموم في سجود السهو أدرك الجمعة.
والله أعلم.
стр. 1974
كتاب العيدين
стр. 1975
(٢٧٨) باب صلاة العيد وخطبته
١٧٧١ - عن ابن عباس ﵄ قال شهدت صلاة الفطر مع نبي الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب. قال فنزل نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء ومعه بلال، فقال: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً﴾ فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم قال حين فرغ منها "أنتن على ذلك؟ " فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن نعم يا نبي الله. لا يدرى حينئذ من هي. قال "فتصدقن" فبسط بلال ثوبه ثم قال هلم فدى لكن أبي وأمي، فجعلن يلقين الفتخ والخواتم في ثوب بلال.
١٧٧٢ - عن ابن عباس ﵄ قال أشهد على رسول الله ﷺ لصلى قبل الخطبة. قال ثم خطب فرأى أنه لم يسمع النساء فأتاهن فذكرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة وبلال قائل بثوبه فجعلت المرأة تلقي الخاتم والخرص والشيء.
١٧٧٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال إن النبي ﷺ قام يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فلما فرغ نبي الله ﷺ نزل وأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقين النساء صدقة. قلت لعطاء زكاة يوم الفطر؟ قال لا، ولكن صدقة يتصدقن بها حينئذ تلقي المرأة فتخها ويلقين ويلقين. قلت لعطاء أحقاً على الإمام الآن أن يأتي النساء حين يفرغ فيذكرهن؟ قال إي لعمري إن ذلك لحق عليهم وما لهم لا يفعلون ذلك؟ .
١٧٧٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة
стр. 1976
يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم. ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، فقال "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم" فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال "لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير" قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن.
١٧٧٥ - عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. ثم سألته بعد حين عن ذلك؟ فأخبرني. قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة.
١٧٧٦ - عن عطاء أن ابن عباس ﵄ أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر فلا تؤذن لها. قال فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه وأرسل إليه مع ذلك إنما الخطبة بعد الصلاة وإن ذلك قد كان يفعل. قال فصلى ابن الزبير قبل الخطبة.
١٧٧٧ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة.
١٧٧٨ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة.
١٧٧٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس أو كانت له حاجة
стр. 1977
بغير ذلك أمرهم بها. وكان يقول "تصدقوا تصدقوا تصدقوا" وكان أكثر من يتصدق النساء ثم ينصرف. فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم فخرجت مخاصراً مروان حتى أتينا المصلى، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبراً من طين ولبن فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت أين الابتداء بالصلاة؟ فقال لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم. قلت كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم (ثلاث مرار ثم انصرف).
١٧٨٠ - عن أم عطية ﵂ قالت أمرنا (تعني النبي ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين.
١٧٨١ - عن أم عطية ﵂ قالت كنا نؤمر بالخروج في العيدين والمخبأة والبكر، قالت الحيض يخرجن فيكن خلف الناس يكبرن مع الناس.
١٧٨٢ - عن أم عطية ﵂ قالت أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال "لتلبسها أختها من جلبابها".
١٧٨٣ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خرصها وتلقي سخابها.
١٧٨٤ - عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال كان يقرأ فيهما بـ (ق والقرآن المجيد) و (اقتربت الساعة وانشق القمر).
стр. 1978
١٧٨٥ - عن أبي واقد الليثي ﵁ قال سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله ﷺ في يوم العيد؟ فقلت بـ (اقتربت الساعة) و (ق والقرآن المجيد).
-[المعنى العام]-
شرع الله العيد للمسلمين مظهراً من مظاهر التمتع الحلال بالحياة الدنيا وزينتها، وفترة زمنية يتجه بها المسلم إلى بعض الشهوات، وبعض الملذات وبعض وسائل الترويح والابتهاج والسرور.
لكن الشريعة الإسلامية تحرص دائماً أن تحيط هذه الشهوات بالروحانية وأن تخلط الابتهاج والسرور الدنيوي بمزيج من العمل الأخروي حتى لا تتمحض الإنسانية إلى الشهوانية، والآدمية إلى البهيمية، فتراها تشرع وقت الإقبال على الأكل تسمية الله، بل تشرع الاستعاذة بالله، والتسمية عند بدء الشهوة بالنساء.
من هذا المنطلق شرعت في أيام العيد أن تبدأ بالتجمع، ليس بتجمع اللهو والمرح، ولكنه تجمع العبادة والطاعة والذكر والتكبير والصلاة والعظات.
تجمع يدعى إليه كل مسلم ومسلمة، حتى التي يحرم عليها المسجد للحيض وحتى الشابة التي يكسوها الحياء والأدب، وحتى التي اعتادت الخدر، ولزمت البيت، وحتى ذوات الأعذار عن الجماعات. وحتى التي لا جلباب لها يمكنها من حضور هذا المشهد ولو أن تستعير جلباباً من صاحبتها.
هكذا أمر رسول الله ﷺ أن يخرج إلى ساحة الرحمة والرضوان في الصحراء العواتق الشابات، والمقصورات ذوات الخدور المخبآت، والبكر والعجوز. الكل يخرج إلى مصلى العيد، تصلي من تصح منها الصلاة، وتجلس المعذورة خلف المصليات تسمع الوعظ، وتحضر الخير، وتستظل بالرحمات الإلهية.
يبدأ التجمع بصلاة ركعتين سنة عيد الفطر، أو سنة عيد الأضحى، دون أذان ولا إقامة، ودون نافلة قبلهما أو بعدهما، تتميزان عن الركعتين العاديتين بكثرة التكبير، وبقراءة سورة ﴿ق والقرآن المجيد﴾ بعد الفاتحة في الركعة الأولى، وسورة ﴿اقتربت الساعة﴾ بعد الفاتحة في الركعة الثانية. لما فيها من عظات بالموت والبعث ومشاهد القيامة، ولما فيها من الوعيد الشديد. ثم يخطب الإمام، يذكر الناس بالصدقة في عيد الفطر، وبالأضحية والإحسان في عيد الأضحى. هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ ، بل كان لا يكتفي بسماع النساء لخطبته، ولكنه كان إذا انتهى من الخطبة طلب من الرجال الجلوس في
стр. 1979
أماكنهم ثم يشق صفوفهم حتى يأتي صفوف النساء ومعه بلال، يعظهن، ويقرأ عليهن بيعة النساء، فيأخذ عليهن العهد أن لا يعصين رسول الله ﷺ إذا أمرهن بمعروف، ويخوفهن من النار إذا استجبن لطبيعتهن وأكثرن الشكوى وأنكرن جميل صاحب الجميل وفضل صاحب الفضل، ويوضح لهن أن الكثرة غير الشاكرة من النساء جعلتهن أكثر أهل النار، وليس كالصدقة عمل يطفئ غضب الرب ويغفر الذنب، وليس كالصدقة شيء يحمي من النار "اتقوا النار ولو بشق تمرة". ولذلك كانت دعوته للنساء في العيدين بالصدقة، وكانت النساء فضليات، رقيقات القلوب مسرعات للإجابة، فكن يخلعن حليهن من آذانهن وصدورهن وأيديهن، يلقين بها في ثوب بلال حين بسطه ليقبض فيه صدقاتهن.
وظل الأمر على ذلك في عهد أبي بكر وعمر وعثمان. فلما كان عهد معاوية وولاته من الأمويين، ولما أدخلوا في خطبهم سب من لا يستحق السب ومدح من لا يستحق الثناء نفر الناس، وأصبحوا يتقاعسون عن الحضور فأحدث الولاة لصلاة العيد أذاناً، فكان المسلمون يحضرون الصلاة معهم، ثم ينصرفون فلا يستمعون لخطبهم، فقدم الولاة الخطبة على الصلاة ليلزموا الناس بالسماع، واستنكر فضلاء الصحابة تغيير هذه السنة، وأنكروا على الولاة صنيعهم لكن الولاة لم يستجيبوا لهم، ومضوا في بدعتهم، اللهم إلا ما كان من ابن الزبير فترة بيعته، حيث أعاد الخطبة إلى مكانها، ولم يؤذن للصلاة.
وهكذا كان اهتمام المسلمين بالعيد، وبصلاة العيد، وبخطبة العيد، ويتجمع المسلمين لاستقبال يوم العيد بشكر الله، وتكبيره، والثناء عليه أن هداهم للإيمان فكانوا صادقين.
-[المباحث العربية]-
(كتاب العيدين) قال النووي: قالوا: وسمي عيداً لعوده وتكراره. وقيل: لعود السرور فيه. وقيل: تفاؤلاً بعوده على من أدركه. كما سميت القافلة -حين خروجها- قافلة أي راجعة، تفاؤلاً بقفولها سالمة. وهو من عاد يعود عوداً وعيداً، كقال يقول قولاً وقيلاً، وجمع على أعياد، وأصله واوى للزوم الياء في المفرد، وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب.
(شهدت صلاة الفطر) أي حضرتها وصليتها.
(فنزل نبي الله) معطوف على محذوف، أي فصلى رسول الله ﷺ ، ثم خطب فنزل، فهذا النزول كان بعد الانتهاء من الخطبة، كما هو صريح الرواية الثالثة، خلافاً لما قاله القاضي من أن هذا النزول كان أثناء الخطبة.
(كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده) "يجلس" بضم الياء وفتح الجيم وتشديد اللام المكسورة، أي يأمرهم بالجلوس مشيراً بيده، والغرض من ذكر الراوي لهذه الجملة التوثيق من الرواية، وأنه يستحضرها، ويستحضر الصورة والهيئة التي حصلت حينئذ كأنها ماثلة أمامه، ينظر إليها.
(ثم أقبل يشقهم) من مكان الخطبة إلى صفوف الرجال يشق طريقه بينهم.
стр. 1980
(حتى جاء النساء ومعه بلال) جملة "ومعه بلال" حال من فاعل "جاء" أي جاء مستصحباً بلالاً، وكان بلال خادماً لرسول الله ﷺ .
(أنتن على ذلك؟ ) حرف الاستفهام محذوف، والمشار إليه ما وقعت عليه المبايعة، أي أنتن مبايعات على هذه الأمور؟
(لا يدري حينئذ من هي) "يدري" بفتح الياء، مبني للمعلوم، قال النووي: هكذا وقع في جميع نسخ مسلم "حينئذ" وهو تصحيف، وصوابه: "حسن" وهو حسن بن مسلم الراوي عن طاوس الراوي عن ابن عباس.
(قال: فتصدقن) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا بايعتن على ذلك فتصدقن.
(ثم قال: هلم) القائل بلال بعد أن بسط ثوبه، أي قال: أقبلن بالصدقة في ثوبي المبسوط. و"هلم" اسم فعل أمر، ويلزم هذه الحالة من الإفراد مع المثنى والجمع والمذكر والمؤنث على اللغة الفصحى.
(فدى لكن أبي وأمي) قال النووي: "فدى" مقصور، بكسر الفاء وفتحها، و"لكن" بفتح اللام وضم الكاف وتشديد النون.
(يلقين الفتخ والخواتيم) "الفتخ" بضم الفاء والتاء، واحدها فتخة، كقصب واحدة قصبة. واختلف في المراد بها، فقيل: الخواتيم الكبار. وقيل: الخواتيم التي لا فصوص لها، فعطف الخواتيم على الفتخ من قبيل عطف الأعم على الأخص. وقيل: الفتخ حلقات كانت تلبس في أصابع الأرجل، فعطف الخواتيم عليها عطف مغاير، لأن الخواتيم عند الإطلاق تنصرف إلى ما يلبس في أصابع اليدين، والخواتيم جمع خاتم. قال النووي: وفيه أربع لغات. فتح التاء وكسرها، وخاتام وخيتام.
(أشهد على رسول الله لصلى قبل الخطبة) المراد من الشهادة هنا الحلف، أو شهادة المشاهد، وجملة "لصلى ... " جواب القسم، أو المشهود عليه أي أحلف لقد صلى، أو أشهد أنه قد صلى قبل الخطبة.
(وبلال قائل بثوبه) أي وبلال باسط ثوبه، كما هو لفظ الرواية الثالثة نزل الفعل وبسط الثوب منزلة القول في الدلالة على المطلوب ففتح الثوب للتلقي فيه، فهو في قوة هاتوا والقوا هنا.
(فجعلت المرأة تلقي الخاتم والخرص والشيء) "الخرص" بضم الخاء وحكى كسرها الحلقة الصغيرة من الحلي، سواء مما يوضع في إصبع اليد كالمعروف في أيامنا بالدبلة، أو مما يوضع في الرجل أو الأذن أو الأنف. وقيل: هو القرط إذا كان بحبة واحدة، وعطف "الشيء" على الخاتم ليعم أصناف الحلي الأخرى، أو المراد به ما جاء في الرواية الرابعة "من أقرطتهن" التي تعلق في شحمة الأذن، وفي رواية البخاري: "تلقي خرصها
стр. 1981
وسخابها"، وفي روايتنا الثالثة عشرة: "وتلقي سخابها". قال في فتح الباري: والسخاب: قلادة من عنبر أو قرنفل أو غيره، ولا يكون فيه خرز. وقيل: هو خيط فيه خرز، وسمي سخاباً لصوت خرزه عند الحركة، مأخوذ من السخب، وهو اختلاط الأصوات.
(يلقين النساء صدقة) قال النووي: هكذا هو في النسخ "يلقين" وهو جائز على تلك اللغة القليلة الاستعمال، ومنها حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة". وقولهم: أكلوني البراغيث. اهـ والأصل أن نون النسوة هنا ضمير فاعل "يلقين" فالجمع بين الضمير وبين الاسم الظاهر جعل بعض النحاة يعربونه علامة جمع والفاعل الاسم الظاهر، وجعل بعضهم يعربونه الفاعل والاسم الظاهر بدل منه.
(زكاة الفطر؟ ) أي هل كانت الصدقة التي يلقينها صدقة الفطر؟
(تلقي المرأة فتخها، ويلقين ويلقين) قال النووي: هكذا هو في النسخ مكرر "ويلقين ويلقين" وهو صحيح، ومعناه ويلقين كذا، ويلقين كذا، كما ذكر في باقي الروايات. اهـ فليس العطف للتكرار والتأكيد، وإنما لمغايرة المفعول.
(أحقاً على الإمام الآن؟ ) أي زمن ابن جريج وعطاء، وما بعده من الأزمان، و"حقاً" مصدر منصوب بفعل محذوف، أي يحق حقاً.
(إي. لعمري) "إي" همزة مكسورة بعدها ياء، معناها: نعم. والقسم بعدها يؤكدها. وفي القرآن: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي﴾ [يونس: ٥٣].
(فقامت امرأة من سطة النساء) قال النووي: هكذا هو في النسخ "سطة" بكسر السين وفتح الطاء المخففة، وفي بعض النسخ "واسطة النساء" قال القاضي: معناه من خيارهن، والوسط العدل والخيار، قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم، وأن صوابه "من سفلة النساء"، وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، والنسائي في سننه، وفي رواية لابن أبي شيبة: "امرأة ليست من علية النساء". وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده قوله بعده: "سفعاء الخدين". هذا كلام القاضي.
قال النووي: وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد من خيار النساء كما فسره القاضي، بل المراد امرأة من وسط النساء، أي جالسة وسطهن. قال الجوهري وغيره من أهل اللغة. يقال: وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي توسطتهم. اهـ.
(سفعاء الخدين) بفتح السين، أي في خديها تغير وسواد.
(لأنكن تكثرن الشكاة) بفتح الشين، أي الشكوى.
(وتكفرن العشير) أي المعاشر والمخالط، وحمله بعضهم على الزوج، وحمله آخرون على الأعم. والمراد أنهن يجحدن الإحسان.
стр. 1982
(يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن) جمع قرط بضم القاف وسكون الراء، وهو كل ما علق بشحمة الأذن من ذهب أو خرز، ويقال في جمعه: قراط كرمح ورماح. قال القاضي: قيل: الصواب "قرطتهن" بحذف الألف -وضم القاف وسكون الراء- وهو المعروف في جمع قرط، كخرج وخرجة، وقال: ولا يبعد صحة "أقرطة" ويكون جمع الجمع، أي جمع قراط، ولا سيما وقد صح في الحديث.
(ولا نداء ولا شيء) أي ولا شيء يقوم مقام النداء من ناقوس أو غيره من وسائل الإعلام، والمراد من النداء المنفي هنا، النداء بلفظ غير لفظ الأذان والإقامة، لعطفه عليهما.
(فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس) أي إن كانت له رغبة في إرسال طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات ذكرها.
(حتى كان مروان بن الحكم) أي أميراً على المدينة من قبل معاوية.
(فخرجت مخاصراً مروان) قال النووي: أي مماشياً له يده في يدي. هكذا فسروا. اهـ يستبعد النووي بذلك ما هو مشهور في المخاصرة من التفاف الذراع حول الوسط والخاصرة.
(حتى أتينا المصلى) مصلى العيد في المدينة آنئذ، على مسافة ألف ذراع من باب المسجد.
(فإذا كثير بن الصلت) بن معاوية الكندي، تابعي كبير، ولد في عهد النبي ﷺ ، وقدم المدينة فسكنها وحالف بني جمح، وقد صح سماعه من عمر فمن بعده.
(قد بنى منبراً من طين ولبن) اللبن بكسر الباء قطع من طين جف وتحجر، والمراد من الطين هنا ما يوضع بين القطع الجافة لتتماسك الحائط. قال الزين بن المنير: وإنما اختاروا أن يكون باللبن لا من الخشب، لكونه يترك في الصحراء في غير حرز، فيؤمن عليه النقل، بخلاف خشب منبر الجامع.
(أين الابتداء بالصلاة؟ ) قال النووي: هكذا ضبطناه على الأكثر، وفي بعض الأصول "ألا ابتداء بالصلاة" بألا التي للاستفتاح، وكلاهما صحيح، والأول أجود في هذا الموطن.
(ثم انصرف) مروان نحو المنبر، تاركاً مكان الصلاة. وقيل: انصرف أبو سعيد عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة. وفي رواية البخاري: "أنه صلى مع مروان".
(عن أم عطية قالت: أمرنا -يعني النبي ﷺ هذه الرواية بالبناء للمعلوم، بفتح الهمزة وفتح الميم وفتح الراء، فالفاعل في قولها ضمير يعود على المعهود ذهناً، وهو النبي ﷺ ، كما أفصح بعض الرواة بتسمية الآمر، والرواية عند البخاري: "أمرنا" بالبناء للمجهول.
(أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور) "نخرج" بضم النون من أخرج، و"العواتق" مفعول، قال أهل اللغة: العواتق جمع عاتق، وهي الجارية البالغة. وقيل: التي قاربت
стр. 1983
البلوغ. وقيل: هي التي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج. قالوا: سميت عاتقاً لأنها عتقت من امتهانها في الخروج في الحوائج. و"ذوات الخدور" أي المتسترات بالبيوت اللائي لا يخرجن، فالمراد من الخدور البيوت. وقيل: الخدر ستر يكون في ناحية البيت.
(وأمر الحيض) "أمر" بفتح الهمزة، و"الحيض" بضم الحاء وتشديد الياء المفتوحة جمع حائض.
(كنا نؤمر بالخروج) أي معشر النساء.
(والمخبأة والبكر) بالرفع عطفاً على ضمير نائب الفاعل، والمراد من "المخبأة" ذات الخدر، والمراد "بالبكر" العاتق كما جاء في الرواية السابقة.
(إحدانا لا يكون لها جلباب) الخمار أشبه ما يسمى بالطرحة في محيطنا تغطي به المرأة رأسها، وينسدل خلف ظهرها وفوق صدرها، والجلباب قيل: هو الخمار. وقيل: هو الخمار لكنه أقصر وأعرض من الخمار. وقيل: هو ثوب واسع تغطي به صدرها وظهرها. وقيل: هو كالملاء والملحفة.
(لتلبسها أختها من جلبابها) اللام لام الأمر، والمراد بالأخت الأخت في الإسلام، و"من" تبعيضية، أي لتلبسها مسلمة بعض جلبابها، أي جلباباً من جلابيبها، وليس المراد قطعة من جلباب، والمراد الإلباس على سبيل الهبة دون إعادة، ويصح أن يكون على سبيل العارية.
وفي رواية للبخاري: "قالت: يا رسول الله، على إحدانا بأس -إذا لم يكن لها جلباب- أن لا تخرج؟ فقال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها".
-[فقه الحديث]-
تتعرض أحاديث الباب إلى نقاط أساسية تتعلق بصلاة العيدين.
الأولى: حكم صلاة العيد والمعلوم أن الرسول ﷺ وخلفاءه الراشدين حافظوا عليها، ومن هذه المواظبة ذهب الحنفية إلى أنها واجبة، واستدل بعضهم على وجوبها بقوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] فقال: المراد صلاة العيد، والأمر للوجوب، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال. وذهب الشافعية إلا أنها سنة مؤكدة، وبه قال مالك في الصحيح عنه. وذهب الحنابلة إلى أنها فرض كفاية، إذا امتنع أهل موضع من إقامتها قوتلوا عليها كسائر فروض الكفاية، وبه قال مالك في رواية عنه.
الثانية: أنه لا أذان ولا إقامة، وقد صرحت الروايات الرابعة والخامسة والسادسة بذلك. قال النووي: وهو إجماع العلماء اليوم، وهو المعروف من فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، قال: ويستحب أن يقال فيها: الصلاة جامعة. بنصب "الصلاة" على الإغراء، ونصب "جامعة" على الحال. اهـ فقول
стр. 1984
الحديث في الرواية الخامسة: "ولا نداء ولا شيء". يتأول على أن المراد، لا أذان ولا إقامة ولا نداء في معناهما، ولا شيء من ذلك. قاله النووي. ونقل عن الشافعي أنه قال: واجب أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول في الأعياد وما جمع الناس من الصلاة: الصلاة جامعة، أو الصلاة، فإن قال: هلموا إلى الصلاة، أو حي على الصلاة، أو قامت الصلاة، كرهنا له ذلك. اهـ.
وجمهور الفقهاء على أنه لا يقال أمام صلاة العيد شيء من الكلام أصلاً، وظاهر رواياتنا الخامسة تؤيدهم: "لا أذان ... ولا إقامة، ولا نداء ولا شيء". قال مالك في الموطأ: سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله ﷺ إلى اليوم، وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا. اهـ.
واختلف في أول من أحدث الأذان لصلاة العيد، والصحيح أنه معاوية وتبعه عاملاه زياد بالبصرة، ومروان بالمدينة.
الثالثة: كونها في مصلى في الصحراء لا في المسجد، وظاهر من الروايات أن ذلك كان صنيع رسول الله ﷺ مع المواظبة منذ شرعت صلاة العيد في السنة الثانية من الهجرة حتى لقى الرفيق الأعلى، وكذا الخلفاء الراشدون بعده مع فضيلة مسجده ﷺ ، ولا خلاف في صحتها في المسجد وإنما الخلاف في المستحب أو الأفضل. وجمهور الفقهاء على استحبابها في صحراء قريبة، إلا بمكة، فتصلى بالمسجد الحرام، قيل: لسعته. وقيل: لفضل البقعة، ومشاهدة الكعبة. قال النووي: وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار. اهـ والحنابلة على كراهة صلاة العيد بالجامع في غير مكة إلا لعذر كمطر ونحوه، لما روى أبو داود عن أبي هريرة قال: "أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد". قالوا: وإنما صلى أهل مكة في المسجد لسعته، وإنما خرج النبي ﷺ إلى الصحراء والمصلى لضيق المسجد، فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع. قاله النووي.
ومقتضى كلام الشافعي، أن العلة تدور على الضيق والسعة، لا لذات الخروج إلى الصحراء، لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أولى.
الرابعة: أنه يشرع للعيد خطبة، وأن موقعها بعد الصلاة، وصريح الروايات أن الأمر كان على ذلك زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان. والرواية التاسعة تشير إلى أن أول من خطب للعيد قبل الصلاة مروان بن الحكم، حين كان والياً على المدينة من قبل معاوية، لكن روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم -كالعادة- فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك، فلعل عثمان فعل ذلك أحياناً لمصلحة.
وروي أن عمر فعل ذلك، لكن هذه الرواية لم تصح، وروي أن أول من قدم الخطبة على الصلاة معاوية. وروي أنه زياد بالبصرة.
وجمع بأن أول من فعل ذلك معاوية وتابعه عاملاه زياد بالبصرة ومروان بالمدينة. وقد أوضحت بعض الروايات دافع الأمويين لتقديم الخطبة، وهو أن الناس في زمنهم كانوا
стр. 1985
يتعمدون ترك سماع خطبتهم، لما فيها من سب من لا يستحق السب والإفراط في مدح بعض الناس، وقد زاد البخاري في مثل روايتنا التاسعة قول ابن مروان: "إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة".
وأيا كان أول من فعل ذلك، وأياً كان الدافع، فالصلاة صحيحة بعد الخطبة، والرواية التاسعة تدل على ذلك، فقد صلى أبو سعيد الخدري خلف مروان بعد الخطبة، ولولا صحتها لما صلاها معه. قال النووي: واتفق أصحابنا على أنه لو قدمها على الصلاة صحت، ولكنه يكون تاركاً للسنة مفوتاً للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتها عليها، لأن خطبة الجمعة واجبة، وخطبة العيد مندوبة. اهـ
وبناء على هذا لا يجب حضور الخطبة وإن كان مستحباً، يؤكد ذلك، ما رواه ابن ماجه بإسناد ثقات عن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع النبي ﷺ العيد، فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب".
الخامسة: خروج النساء إلى مصلى العيد، وفيه خلاف بين الفقهاء، وظاهر الرواية العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، استحباب إخراج النساء إلى المصلى، حتى الشابات والمخبآت والحيض، على أن يكون الحيض بعيدات عن مصلى المسلمين غير مختلطات بالطاهرات، وهذا المنع منع تنزيه لا تحريم، لأن المصلى ليس مسجداً حتى يحرم على الحائض.
قال النووي عن خروج النساء إلى مصلى العيد: قال أصحابنا: يستحب إخراج النساء غير ذوات الهيئات والمستحسنات في العيدين، دون غيرهن، وأجابوا على إخراج ذوات الخدور والمخبأة بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم، ولهذا صح عن عائشة ﵂: "لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل". قال القاضي عياض: واختلف السلف في خروجهن للعيدين، فرأى جماعة ذلك حقاً عليهن، منهم أبو بكر وعلي وابن عمر وغيرهم ﵃ ومنهم من منعهن ذلك، منهم عروة والقاسم ويحيى الأنصاري ومالك في رواية عنه وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة ومنعه مرة أخرى. اهـ.
وعبارة الشافعي في الأم: وأحب شهود العجائز وغير ذوات الهيئة الصلاة. ورواها بعضهم بغير واو العطف، أي وأحب شهود العجائز غير ذوات الهيئة. وحجة المانعين مطلقاً حديث عائشة وتغير الزمان، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه منسوخ، وأن ذلك كان أول الإسلام والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهاباً للعدو، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك.
وقال الحافظ ابن حجر: والأولى أن يخص خروج النساء بمن يؤمن عليها وبها الفتن، ولا يترتب على حضورها محذور، ولا تزاحم الرجال في الطرق ولا في المجامع. اهـ.
وقال البدر العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ: الغالب في هذا الزمان الفتنة والفساد، فينبغي أن يمنعن عن ذلك مطلقاً. اهـ.
стр. 1986
والذي تستريح إليه النفس، أن خروج النساء للعيد مستحب في حد ذاته لهذه الأحاديث الصحيحة، فإن لم تؤمن الفتنة وخشيت المفسدة من الخروج على المرأة أو منها منع، ولو للعجائز وذوات الهيئات غير الحسنة، فلكل ساقطة في الحي لاقطة، والقاعدة المعتمدة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فحكم خروج النساء للعيد ونحوه يختلف باختلاف الظروف والأحوال والآثار المترتبة عليه، والاحتياط منعه في هذه الأزمان، والله أعلم.
السادسة: التكبير يوم العيد، والرواية الحادية عشرة صريحة في مشروعية التكبير، ولفظها: "الحيض يخرجن، فيكن خلف الناس يكبرن مع الناس". قال النووي: فيه دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مجمع عليه. اهـ.
والخلاف بين الفقهاء في أوقاته وكيفيته، وله مواطن:
الموطن الأول: في عيد الفطر، من مغرب ليلة العيد إلى الخروج لصلاة العيد، والشافعية على استحبابه.
الموطن الثاني: إذا خرج من بيته إلى الصلاة حتى يبلغ المصلى أو حتى يجلس الإمام، استحبه جماعة من الصحابة والسلف، فكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، فيرفعون أصواتهم. وقد روي أن ابن عمر كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حتى يأتي المصلى يوم العيد، ثم يكبر بالمصلى، حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير، وكان يرفع صوته حتى يبلغ الإمام. رواه الدارقطني. وهو مستحب عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه فقالوا بقول الجمهور. قال بعضهم: والقياس أن يكبر في العيدين جميعاً لأن صلاتي العيدين لا تختلفان في التكبير فيهما، والخطبة بعدهما، وسائر سننهما، فكذلك التكبير في الخروج إليهما.
الموطن الثالث: التكبير قبل قراءة الفاتحة في صلاته في العيدين، وهو مستحب عند الفقهاء، لكنه سبع في الأولى غير تكبيرة الإحرام، وخمس في الثانية غير تكبيرة القيام عند الشافعية، ووافقهم مالك وأحمد في الثانية، وقالوا: سبع في الأولى إحداهن تكبيرة الإحرام. وقال أبو حنيفة: خمس في الأولى بتكبيرة الإحرام، وأربع في الثانية بتكبيرة القيام.
وجمهور العلماء يرى أن هذه التكبيرات متوالية متصلة. وقال عطاء والشافعي وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى.
الموطن الرابع: التكبير في افتتاح الخطبة، ويستحب في افتتاح الأولى تسع تكبيرات متواليات، وفي افتتاح الثانية سبع تكبيرات متواليات، ويكثر في خطبتي العيد من التكبير.
أما تكبير الناس بتكبير الإمام في الخطبة فمالك يراه، وغيره يأباه.
الموطن الخامس: التكبير في عيد الأضحى، وللعلماء فيمن يستحب له اختلاف كبير، فمنهم من قصره على أعقاب الصلوات المكتوبات وغير المكتوبات، ومنهم من قصره على أعقاب المكتوبات،
стр. 1987
ومنهم من خصه بالرجال دون النساء، ومنهم من خصه بالجماعة دون المنفرد، ومنهم من خصه بالمؤداة دون المقضية، ومنهم من خصه بالمقيم دون المسافر، ومنهم من خصه بساكن المصر دون ساكن القرية، ونختار شمول الجميع، والآثار تؤيده.
كذلك اختلف العلماء في ابتدائه، فمنهم من جعل ابتداءه صبح يوم عرفة، ومنهم من جعل ابتداءه ظهر يوم عرفة، ومنهم من جعله عصر يوم عرفة، ومنهم من جعله صبح يوم النحر، ومنهم من جعله ظهر يوم النحر.
واختلفوا في انتهائه، فقيل: إلى ظهر يوم النحر. وقيل: إلى عصره. وقيل: إلى ظهر ثانية. وقيل: إلى صبح آخر أيام التشريق. وقيل: إلى ظهره. وقيل إلى عصره.
قال الحافظ ابن حجر: ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي ﷺ حديث. والله أعلم.
وأما صيغة التكبير فقيل: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر كبيراً. وبعضهم يزيد: "ولله الحمد".
وقيل: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وقيل: الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله. الله أكبر. الله أكبر. ولله الحمد.
ولم يثبت في شيء من ذلك حديث.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن وما يستحب لهن، وحثهن على الصدقة.
٢ - ظاهر الرواية الرابعة أنه يلزم خطيب العيد أن يفعل ذلك، لكن قال ابن بطال: أما إتيانه إلى النساء، ووعظهن، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد خاص به ﷺ عند العلماء، لأنه أب لهن، وهم مجمعون على أن الخطيب لا يلزمه خطبة أخرى للنساء، ولا يقطع خطبته ليتمها عند النساء.
وقال القاضي عياض: هذا الذي قاله عطاء غير موافق عليه، ولم يرتض النووي قول القاضي عياض، وقال: بل يستحب إذا لم يسمعهن أن يأتيهن بعد فراغه، ويعظهن ويذكرهن.
وجمهور العلماء على أن محل ذلك إذا أمنت الفتنة والمفسدة بالنسبة للواعظ والموعوظ وغيرهم.
٣ - من الرواية الأولى مشروعية تجليس المصلين لمصلحة، كتأمين وصول النساء إلى بيوتهن وحمايتهن من اختلاط الرجال بهن.
٤ - جواز استصحاب الإمام لرجل عند ذهابه للنساء، إذا دعت الحاجة إليه، والمعلوم أن بلالاً كان خادم رسول الله ﷺ والقائم على قبض الصدقات.
٥ - أخذ العهد على الطاعة في المعروف قبل الأمر به، فقد قرأ ﷺ آية
стр. 1988
المبايعة بهدف تذكيرهن بقوله تعالى: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ [الممتحنة: ١٢] ثم قال بعد ذلك: "أنتن على ذلك"؟ .
٦ - أن جواب الواحد كاف عن الجماعة إذا لم يعترض عليه، ولم يمنع من اعتراضهم مانع، فقد أجابت امرأة واحدة عن النساء.
٧ - وفيه دليل على الاكتفاء في الجواب بنعم وتنزيلها منزلة الإقرار.
٨ - جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان الطالب غير محتاج. قال الحافظ ابن حجر: وأخذ منه الصوفية جوازاً ما اصطلحوا عليه من الطلب من المريدين، ولا يخفى ما يشترط فيه من أن المطلوب له يجب أن يكون غير قادر على التكسب مطلقاً أو لما لا بد له منه. اهـ.
٩ - وبسط الثوب لجمع الصدقة فيه.
١٠ - جواز التفدية بالأب والأم.
١١ - ملاطفة العامل للصدقة لمن يدفعها إليه.
١٢ - فيه دليل على رفيع مقام النساء اللائي حضرن عظة الرسول ﷺ حيث بادرن إلى الصدقة بما يعز عليهن من حليهن، مع ضيق الحال في ذلك الوقت.
١٣ - وأن صدقة التطوع لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، بل يكفي فيها المعاطاة، لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال ولا من غيره، وهو الصحيح من مذهب الشافعية. لكن أكثر الحنفية يقولون بافتقارها إلى الإيجاب والقبول باللفظ كالهبة.
١٤ - وفيه دلالة واضحة للشافعية والجمهور، القائلين بجواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على ثلث مالها، لأن النبي ﷺ لم يسألهن هل استأذن أزواجهن في ذلك أم لا؟ وهل هذا خارج من الثلث أو لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل.
وقال مالك: لا يجوز لهذا الزيادة على ثلث مالها إلا برضاء زوجها.
قال القرطبي: ولا يقال في هذا: إن أزواجهن كانوا حضوراً، لأن ذلك لم ينقل، ولو نقل، فليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك، لأن من ثبت له الحق فالأصل بقاؤه حتى يصرح بإسقاطه، ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك. اهـ.
١٥ - ويؤخذ من الرواية الرابعة أن الصدقة من دوافع العذاب، لأنه أمرهن بالصدقة، ثم علل بأنهن أكثر أهل النار.
١٦ - وبذل النصيحة، والإغلاظ لمن احتيج في حقه إلى ذلك.
١٧ - وذم من يجحد إحسان ذي الإحسان.
١٨ - وفيه دليل على أن الصدقات العامة إنما يصرفها في مصارفها الإمام.
стр. 1989
١٩ - ويؤخذ من الرواية التاسعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان المنكر عليه والياً.
٢٠ - وأن الإنكار باليد لمن أمكنه مطلوب، ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد.
٢١ - وحلف العالم على صدق ما يخبر به.
٢٢ - والمباحثة في الأحكام، قال ابن بطال: إن تقديم مروان للخطبة ليس تغييراً للسنة، لأن المجتهد قد يؤدي اجتهاده إلى ترك الأولى إذا كان فيه المصلحة. وقال البدر العيني: حمل أبو سعيد فعل النبي ﷺ على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتذر عن ترك الأولى بما ذكره من تغير حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة، وهو استماع الخطبة، أولى من المحافظة على هيئة فيها ليس من شرطها.
٢٣ - وجواز عمل العالم بخلاف الأولى الذي يدعو إليه، لأن أبا سعيد حضر الخطبة ولم ينصرف.
٢٤ - ويؤخذ من الرواية العاشرة والحادية عشرة استحباب خروج النساء إلى شهود العيدين، سواء كن شواب أم لا، وذوات هيئات أو لا، وقد سبق تفصيل القول في ذلك بما يغني عن المزيد.
٢٥ - وانعزال النساء عن الرجال إذا خرجن وحضرن مجامع العبادة، خوفاً من فتنة أو نظرة أو فكر ونحوه. قاله النووي.
٢٦ - وأن من شأن العواتق والمخدرات عدم البروز إلا فيما إذن لهن، وأن ذلك من مظاهر التكريم وعدم التبذل.
٢٧ - ويؤخذ من الرواية الثانية عشرة استحباب حضور مجامع الخير، ودعاء المسلمين وحلق الذكر، والعلم ونحو ذلك.
٢٨ - والحث على حضور العيد لكل أحد، حيث طلب ممن لا جلباب لها أن تستعير جلباباً لتحضر به العيد، فغيرها ممن لا عذر له أولى بالحضور.
٢٩ - واستحباب إعداد المرأة جلباباً لها للخروج به في المناسبات.
٣٠ - ومشروعية عارية الثياب، على أساس أن المراد بالإلباس المأمور به إلباس على طريق العارية التي ترد بعد انتهاء المهمة. وقال النووي: الصحيح أن معناه لتلبس جلباباً لا يحتاج إلى عارية. اهـ أي على سبيل الهبة، ويؤيد الأول رواية الترمذي: "فلتعرها أختها من جلابيبها".
٣١ - فيه الحث على المواساة والتعاون على البر والتقوى.
٣٢ - ويؤخذ من الرواية الثالثة عشرة أنه لا سنة للعيد، لا قبلها ولا بعدها، وفي المسألة خلاف طويل، واستدل به مالك على كراهة الصلاة قبل العيد وبعده للإمام والمأمومين، وواضح أن الحديث لم يتعرض للمأمومين فلا دلالة فيه بالنسبة لهم، واستدل به الشافعي في الأم على أنه يجب على
стр. 1990
الإمام أن لا يتنفل قبل صلاة العيد أو بعدها، وفسره الرافعي بأنه يكره له ذلك، وقيده بعضهم بالمصلى.
أما المأمومون فلا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها، والحنفية يصلون قبلها لا بعدها، والحسن البصري ومالك في رواية عنه وجماعة يصلون بعدها لا قبلها، وأحمد لا يصلي قبلها ولا بعدها. ويجيب من يجيز للإمام والمأمومين التنفل قبلها وبعدها بأن الحديث لا دلالة فيه على المواظبة، فيحتمل اختصاصه بالمصلى دون البيت، ثم إنه لا يلزم من ترك الصلاة كراهتها، والأصل أن لا منع حتى يثبت المنع. والله أعلم.
٣٣ - في الرواية الرابعة عشرة والخامسة عشرة دليل الشافعي وموافقيه على أنه تسن القراءة في العيدين بسورتي ﴿اقتربت الساعة﴾ و ﴿ق والقرآن المجيد﴾
قال العلماء: والحكمة في قراءتهما ما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث والإخبار عن القرون الأولى، وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر. قاله النووي.
والله أعلم
стр. 1991
(٢٧٩) باب اللهو واللعب والغناء يوم العيد
١٧٨٦ - عن عائشة ﵂ قالت دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث. قالت وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ "يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا".
١٧٨٧ - عن هشام بهذا الإسناد وفيه جاريتان تلعبان بدف.
١٧٨٨ - عن عائشة ﵂ أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان، ورسول الله ﷺ مسجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر؛ فكشف رسول الله ﷺ عنه وقال "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد". وقالت رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون وأنا جارية. فاقدروا قدر الجارية العربة الحديثة السن.
١٧٨٩ - عن عائشة ﵂ والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ ، يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو.
١٧٩٠ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه. فدخل أبو بكر فانتهرني وقال مزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال "دعهما". فلما غفل غمزتهما فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت رسول الله ﷺ ، وإما قال "تشتهين تنظرين؟ " فقلت نعم. فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول "دونكم يا بني أرفدة" حتى إذا مللت قال "حسبك؟ " قلت نعم قال "فاذهبي".
стр. 1992
١٧٩١ - عن عائشة ﵂ قالت جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد. فدعاني النبي ﷺ ، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم.
١٧٩٢ - عن هشام بهذا الإسناد ولم يذكرا في المسجد.
١٧٩٣ - عن عائشة ﵂ أنها قالت للعابين وددت أني أراهم. قالت فقام رسول الله ﷺ وقمت على الباب أنظر بين أذنيه وعاتقه وهم يلعبون في المسجد. قال عطاء فرس أو حبش. قال وقال لي ابن عتيق بل حبش.
١٧٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله ﷺ بحرابهم إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، فقال له رسول الله ﷺ "دعهم يا عمر".
-[المعنى العام]-
الإسلام: دين الوسيطة ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسطية في شرع الله هي الفضيلة، فالشجاعة مثلاً وسط بين التهور والجبن، وفضيلة الكرم والسخاء وسط بين السفه والإسراف والتبذير وبين الشح والتقتير ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩]، والحياة المشروعة في الدنيا أن تعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، ولآخرتك كأنك تموت غداً، وأن تبتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا، ولقد نعى الله على قوم حولوا دنياهم إلى متع وشهوات وماديات، ونعى على قوم حولوا دنياهم إلى رهبانية ابتدعوها ما كتبها الله عليهم.
وإذا كان الإسلام قد استفتح أيام العيد بالتكبير والتهليل والذكر والصلاة والخطبة، فإنه شرع من البهجة والسرور والمرح في هذه الأيام، ما يلبي حاجة الجسم ورغبة النفس، وإذا كان الوقار قد وضع كبار المسلمين في إطار ديني يترفع بهم عن اللهو فإنه حال بينهم وبين التحكم ومنع ذوي الأهواء
стр. 1993
والمتع من الصبية والجواري والشباب والشابات من أن يتمتعوا ويمرحوا وينعموا باللهو واللعب والأغاني إلى حد ما.
نعم. ما أعظم سمو الإسلام، وما أجمل سماحته ويسره ورقته وعطفه. يتجلى هذا في معاملة الرسول ﷺ لأهله يوم العيد، وفي معاملته لعائشة بالذات ﵂، لقد تزوجها صغيرة، فقدر حاجتها إلى هذا اللون من الحياة كان يراها تلعب بالصلصال، وترسم به البيوت والحيوان، فيضاحكها ويبتسم ويدخل عليها في أيام العيد، في أيام التشريق، فيجد معها جاريتين تضربان الدف وتغنيان، وعائشة تسمع وتنتشي وتهتز طرباً وسروراً، فلا يلتفت إليهن لئلا يحرجهن، ويعرض عنهن حتى يتيح لهن المضي في لهوهن، وينتحي ناحية من البيت، ينام فيها على فراشه بعيداً عنهن، ويغطي رأسه ووجهه حتى لا يسمع الطبل والغناء.
ويدخل أبو بكر أبوها، وهو يعلم قدر رسول الله ﷺ وما ينبغي أن يكون عليه حال بيته من الإجلال والوقار، فيرى الجاريتين، ويسمع الدف والغناء فينهر عائشة ويزجر الجاريتين، مزمارة الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ هذا لا يليق، ويكشف رسول الله ﷺ عن وجهه، ويوجه اللوم إلى أبي بكر، دعهما يا أبا بكر، فلكل قوم عيد، واليوم من أعيادنا، ويغتفر في الأعياد ما لا يغتفر في غيرها، وينشغل أبو بكر مع رسول الله ﷺ ، فتنتهز عائشة هذه الفرصة فتغمز الجاريتين فتنصرفان.
ألا يعجب أعداء الإسلام إلى هذا الجمع بين السماحة وبين الوقار والالتزام؟ حقاً إنه الإسلام.
ولم يكتف ﷺ بالاستجابة إلى رغبة زوجته، وبالإغضاء عن لهوها في بيت النبوة، بل يتجاوز ذلك إلى أن يدعوها لرؤية اللهو وسماعه ويشجعها ويساعدها عليه.
سمع في يوم عيد صوت صبيان فنظر من باب بيته نحو الصوت، فرأى رجالاً من الحبشة يلعبون بالعصى، كأن بعضهم يضرب بعضاً ويحاول المضروب أن يحمي نفسه من العصا بعرض عصاه وهي لعبة معروفة في البلاد، يرى ذلك فينادي عائشة: هل تحبين رؤية الحبشة يرقصون ويلعبون بالعصى؟ فتقول: نعم أحب ذلك. فيقول لها: تعالى، وقفي ورائي، وانظري وأنت تتسترين بي، فتضع رأسها على كتفه، وخدها على خده، تنظر إلى الحبشة من بين كتفه وأذنه ﷺ ، فإذا طال الوقت سألها: أيكفيك ذلك؟ فتقول: لا تعجل، فإني ما زلت أرغب، فينتظر ثم يقول: أيكفيك ذلك؟ فتقول: لا تعجل، فما زلت أرغب، فينتظر حتى تسأم هي، وتطلب الانصراف، فينصرف بها ﷺ ورضي الله عن أم المؤمنين عائشة وعن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(وعندي جاريتان من جواري الأنصار) الجارية في النساء كالغلام في الرجال، يقال على من دون البلوغ فيهما، وتطلق الجارية على الحرة أو الأمة. أما الجاريتان هنا فكانتا أمتين، فقد جاء في رواية الطبراني من حديث أم سلمة أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت.
стр. 1994
(تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث) وفي ملحق الرواية: "تلعبان بدف" وفي الرواية الثانية: "تغنيان وتضربان" وفي رواية: "تدففان" أي تضربان بالدف، وفي رواية النسائي: "بدفين" والدف بضم الدال وفتحها، والضم أشهر ويقال له: الكربال بكسر الكاف، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه جلاجل فهو المزهر، وكأن الجاريتين تضرب كل منهما على دف، وترققان صوتهما بالأقوال والأشعار التي قالها الأنصار بعضهم لبعض، من فخر، أو هجاء. والغناء بكسر الغين ما يسمع، وبفتح الغين النفع. و"بعاث" بضم الباء وتخفيف العين، ونقل بالغين المعجمة، وهو ممنوع من الصرف، وقد يصرف، وهو اسم حصن للأوس وحوله مزرعة لهم. ويوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب في الجاهلية، كانت فيه مقتلة عظيمة، وانتصر فيه الأوس على الخزرج، ولحسان بن ثابت وغيره من الخزرج، وكذا لقيس بن الحطيم وغيره من الأوس في ذلك أشعار كثيرة.
(وليستا بمغنيتين) أي لم تتخذا الغناء صناعة وعادة، ولم تعرفا به.
(أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ ) وفي رواية أحمد: "فقال: يا عباد الله. المزمور عند رسول الله ﷺ "؟ . والمزمور بضم الميم الأولى وفتحها، ويقال له أيضاً: مزمار بكسر الميم، مشتق من الزمير، وهو الصوت بصفير. وقال ابن سيده: يقال: زمر يزمر زميراً وزمراناً، غنى في القصب. وفي كتاب ابن التين: الزمر الصوت الحسن، ويطلق على الغناء أيضاً. اهـ.
وسميت به الآلة المعروفة التي يزمر بها. والجار المجرور" أبمزمور الشيطان" متعلق بمحذوف، والتقدير: أتلعبن بمزمور الشيطان؟ وأضافه إلى الشيطان من حيث أنه يلهي ويشغل القلب عن ذكر الله.
(وذلك في يوم عيد) وفي الرواية الثانية: "في أيام منى" وهي أيام التشريق الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، وهي داخلة في أيام العيد، ولها حكمه في كثير من الأحكام كالأضحية، والتكبير فيها، وتحريم صومها.
(إن لكل قوم عيداً) أي إن لكل طائفة من الملل المختلفة عيداً يتمتعون فيه بالبهجة والسرور واللهو المباح.
(تغنيان وتضربان) أي بالدف.
(مسجى بثوبه) أي ملتف ومغطى به، وفي الرواية الرابعة: "فاضطجع على الفراش وحول وجهه". أي عن الجاريتين وعن الغناء، وكأن التغطية بالثوب لزيادة الحجب والبعد عن الغناء.
(فانتهرهما أبو بكر) أي زجر الجاريتين، وفي رواية للبخاري: "فانتهرني". أي زجرني، وكأنه زجرها لتقريرها ذلك وزجرهما لفعلهما.
(فكشف رسول الله ﷺ عنه) أي كشف الغطاء عن نفسه، والتفت إلى أبي بكر في جهة
стр. 1995
الجاريتين، وهذا معنى قولها في الرواية الرابعة: "فأقبل عليه رسول الله ﷺ " وفي رواية في الصحيح: "فكشف النبي ﷺ عن وجهه". وفي رواية: "فكشف رأسه".
(يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة) في الرواية الرابعة: "فأقامني وراءه، خدي على خده". وفي الرواية الخامسة: "فوضعت رأسي على منكبه". وفي الرواية السادسة: "وقمت على الباب بين أذنيه وعاتقه". وفي رواية: "فوضعت ذقني على عاتقه وأسندت وجهي إلى خده". وفي رواية: "أنظر بين أذنيه وعاتقه". وكل هذه الروايات تعطى صورة واحدة متكاملة، وهي أنها وقفت خلفه على باب حجرتها المطل على المسجد، مستترة به وبردائه، فوضعت رأسها على منكبه، ذقنها على العاتق، ووجهها ملتصق بوجهه ﷺ وخدها على خده. "والحبشة" الرجال المنتسبون إلى البلاد المعروفة، ويطلق عليهم "السودان" كما جاء في الرواية الرابعة.
(وهم يلعبون) في الرواية الثالثة: "يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ ". والحراب بكسر الحاء جمع حربة، وهي معروفة، "والدرق" بفتح الدال والراء جمع درقة، وهي الترس الذي يتخذ من الجلود.
(وأنا جارية) أي صغيرة السن دون البلوغ، فقد دخل بها ﷺ وهي بنت تسع سنين، وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة على الصحيح، وذكرت ذلك اعتذاراً عن حبها للهو.
(فاقدروا قدر الجارية العربة الحديثة السن) "فاقدروا" بضم الدال وكسرها. لغتان من التقدير، والفاء جواب شرط مقدر، أي حيث قدر رسول الله ﷺ عذري ورغبتي فقدروا عذر أمثالي. "والعربة" بفتح العين وكسر الراء أي المشتهية للعب المحبة له.
(حريصة على اللهو) منصوب على الحال.
(وكان يوم عيد يلعب السودان ... ) هذا حديث آخر، ذكره بعض الرواة مستقلاً، وجمعه مع حديثنا بعض الرواة. وقد جاء في رواية: "وقالت عائشة: كان يوم عيد، إلخ".
(فإما سألت رسول الله ﷺ وإما قال: تشتهين تنظرين) قال الحافظ ابن حجر: هذا تردد منها فيما كان وقع له، هل كان أذن لها في ذلك ابتداء منه؟ أو عن سؤال منها؟ وهذا بناء على أن "سألت" بسكون اللام على أنه من كلامها، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، فيكون من كلام الراوي. قال: وقد اختلفت الروايات عنها في ذلك، ففي رواية النسائي: "سمعت لغطاً وصوت صبيان، فقام النبي ﷺ ، فإذا حبشة تزفن -أي ترقص- والصبيان حولها، فقال: يا عائشة. تعالي فانظري". ففي هذا أنه ابتدأها، وفي رواية مسلم -روايتنا السادسة-: "أنها قالت: وددت أني أراهم". ففي هذا أنها سألت، ويجمع بينهما بأنها التمست منه ذلك فأذن لها. اهـ.
و"أن" المصدرية مقدرة قبل فعل "تنظرين" وكذا همزة الاستفهام قبل فعل "تشتهين" والتقدير: أتشتهين النظر؟
стр. 1996
(دونكم يا بني أرفدة) بفتح الهمزة وسكون الراء، وفتح الفاء وكسرها والكسر أشهر، لقب للحبشة. وقيل: اسم لجدهم الأكبر. و"دونكم" من ألفاظ الإغراء، والمغرى به محذوف، وتقديره: دونكم هذا اللعب، أي الزموه. وشأن "دونك" أن تقدم على المغرى به، كما قدرنا، وقد جاء تأخيرها عليه شاذاً في قول الشاعر:
أيها الماتح دلوى دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
والماتح بالتاء هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها فيملأ الدلو بيده؟
(حتى إذا مللت قال: حسبك؟ ) أي يكفيك؟ وهو استفهام، والخبر محذوف، أي هل يكفيك هذا القدر؟ بدليل قولها: "قلت: نعم". و"مللت" بكسر اللام الأولى من الملل، وهو السآمة، وفي رواية: "حتى أكون أنا الذي أسأم". وفي معناها روايتنا الخامسة: "حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم".
(جاء حبش يزفنون) بفتح الياء وسكون الزاي وكسر الفاء، بعدها نون، أي يرقصون وهو محمول على وثبهم بسلاحهم، ولعبهم بحرابهم، متمايلين كما يفعل الراقص. يقال: زفن يزفن من باب ضرب، أي رقص.
(أنها قالت للعابين) اللام الأولى لام الجر، والثانية مفتوحة مخففة والعين مشددة مفتوحة، صيغة مبالغة في اللعب، والمعنى أنها قالت لرسول الله ﷺ لأجل جماعة كثيري اللعب، أي من أجلهم وبخصوصهم.
(قال عطاء: فرس أو حبش؟ ) أصل السند: "عن عطاء قال: أخبرني عبيد بن عمير". فكأن عطاء شك فيما سمع، هل سمع أنهم من الفرس أو من الحبشة. أما ابن عتيق فجزم بأنهم حبش. قال العلماء: هو الصواب.
(فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها) "الحصباء" الحصى الصغير، "ويحصبهم" بكسر الصاد، أي يرميهم بها.
-[فقه الحديث]-
المسألة الأساسية المستحقة للبحث الهادئ العميق مسألة الغناء، ويحسن بنا أن نعرض أقوال السلف من العلماء، ثم نعرض ما يفتح الله به.
قال النووي في شرحه للحديث: واختلف العلماء في الغناء، فأباحه جماعة من أهل الحجاز: وهي رواية عن مالك، وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق، ومذهب الشافعي كراهته، وهو المشهور من مذهب مالك، واحتج المجوزون بهذا الحديث، وأجاب الآخرون بأن هذا
стр. 1997
الغناء إنما كان في الشجاعة والقتل والحذق في القتال، ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر، ويحملها على البطال والقبيح. قال القاضي: إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة، والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: "وليستا بمغنيتين" أي ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، كما قيل: الغناء فيه الزنا. وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا من اتخذ ذلك صنعة وكسباً، والعرب تسمى الإنشاد غناء، وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء وفعلوه بحضرة النبي ﷺ ، وفي هذا كله إباحة مثل هذا وما في معناه، وهذا مثله ليس بحرام، ولا يجرح الشاهد. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: واستدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة سماع الغناء، وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة بقولها: "وليستا بمغنيتين". فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ. ثم قال: قال القرطبي: قولها: "ليستا بمغنيتين". أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان شعراً فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من المحرمات لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال والله المستعان. اهـ.
وقال الخطابي: وأما الترنم بالبيت والبيتين وتطريب الصوت بذلك مما ليس فيه فحش أو ذكر محظور فليس مما يسقط المروءة، وحكم اليسير منه خلاف حكم الكثير. اهـ.
وقد اشتهر عن الإمام الغزالي أنه يبيح الغناء، وقد أطال القول في حكم السماع في كتابه الإحياء ننقل نبذاً منه، ثم ننظر الرأي فيها، ومن أراد المطول فليرجع إليه، والله المستعان.
قال: اعلم أن السماع هو أول الأمر، ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد، ويثمر الوجد تحريك الأطراف، إما بحركة غير موزونة، فتسمى الاضطراب، وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص ... ثم عرض لمذاهب العلماء في السماع فقال:
أما نقل المذاهب فقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء ألفاظاً يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه، ثم أخذ يسرد ألفاظهم ليوجهها فيما بعد على أنها لا تدل على التحريم، فقال:
стр. 1998
قال الشافعي ﵀ في كتاب آداب القضاء: إن الغناء لهو يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.
وقال القاضي أبو الطيب: استماعه من المرأة التي ليست بمحرم له لا يجوز عند أصحاب الشافعي ﵀ بحال، سواء أكانت مكشوفة أو من وراء حجاب، وسواء أكانت حرة أو أمة. وقال: قال الشافعي ﵀: صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته. اهـ.
قال: وأما مالك ﵀ فقد نهى عن الغناء، وقال: إذا اشترى جارية، فوجدها مغنية كان له ردها، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابن سعد وحده.
وأما أبو حنيفة ﵁ فإنه كان يكره ذلك، ويجعل سماع الغناء من الذنوب، وكذلك سائر أهل الكوفة، وسفيان الثوري، وحماد، وإبراهيم، والشعبي وغيرهم. اهـ.
ثم أخذ الغزالي جاهداً محاولاً إثبات جواز السماع محاولات تستحق أن ينظر إليها أو يرد عليها، وأبرز أدلته بالنص قوله:
١ - فعل السماع كثير من السلف الصالح، صحابي وتابعي بإحسان.
٢ - لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا، فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية.
٣ - نقل أبو طالب المكي أنه كان لعطاء جاريتان تلحنان، فكان إخوانه يستمعون إليهما. وقال: ورأيت في بعض الكتب محكياً عن الحارث المحاسبي ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره. وقال: وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة لا يكون فيها سماع.
قال: وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع. وحكى عن بعض الشيوخ أنه قال: رأيت أبا العباس الخضر ﵇، فقلت له: ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا؟ فقال: هو الصفو الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء.
وحكى عن ممشاد الدينوري أنه قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله هل تنكر من هذا السماع شيئاً؟ فقال: ما أنكر منه شيئاً، ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن، ويختمون بعده بالقرآن. اهـ.
وهذه الأدلة ينقصها ثبوتها عن أربابها، وأكثرها مروي بصيغة التمريض -نقل وحكى- بالبناء للمجهول، ثم هي -مع ذلك- أفعال لمن أعماله ليست بحجة [أبو مروان القاضي - عطاء - الحارث المحاسبي - أبو الحسن العسقلاني - بعض الشيوخ - ممشاد الدينوري].
ثم يستدل الغزالي بعد ذلك بأن الشرع يمتدح الصوت الحسن ويستنكر الصوت القبيح، وبأن صوت المرأة في غير الغناء ليس بعورة، وبأن الشعر لا يحرم سماعه، وأن الحداء في
стр. 1999
سير الإبل مشهور، وبأن الأنصار استقبلوا هجرة الرسول ﷺ بإنشاد [طلع البدر علينا .... ]. ويستدل من حديث عائشة على الرخصة في الغناء المشبه بمزمارة الشيطان، ويدعى أن الرسول ﷺ بمنعه أبا بكر من الإنكار أباح الغناء.
وهكذا يبدو الغزالي في بحثه وكأنه يبيح الغناء على الإطلاق، وهكذا حاول المتحللون -أو المحللون أو المنحلون- أن يلتقطوا بعض نصوصه كبرهان على حل ما يفعلون، وأخذ شياطينهم ﴿يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٢، ١١٣].
والمحقق يرى أن الإمام الغزالي في ناحية وهؤلاء المحللين في ناحية أخرى، فمقصد الغزالي نوع خاص من المستمعين ونوع خاص من الغناء، فهو يقول: فإن قلت: هل للغناء حالة يحرم فيها؟ فأقول: إنه يحرم بخمسة عوارض: عارض في السمع، وعارض في الآلة، وعارض في نظم الصوت، وعارض في نفس المستمع أو في مواظبته، وعارض في كون الشخص من عوام الخلق، لأن أركان السماع هي المسمع والمستمع وآلة الإسماع.
العارض الأول: أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها وتخشى الفتنة من سماعها، وفي معناها الصبي الأمرد الذي تخشى فتنته، وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة، بل لو كانت المرأة بحيث يفتتن بصوتها في المحاورة من غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومجادلتها ولا سماع صوتها في القرآن أيضاً.
العارض الثاني: في الآلة بأن تكون المزامير والأوتار وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة.
العارض الثالث: في نظم الصوت وهو الشعر، فإن كان فيه شيء من الخنا والفحش والهجو فسماع ذلك حرام، وكذلك ما كان فيه وصف امرأة بعينها فإنه لا يجوز وصف المرأة بين الرجال.
العارض الرابع: في المستمع، وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه، وكان في غرة الشباب فالسماع عليه حرام سواء غلب على قلبه حب شخص معين أو لم يغلب، فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف الصدغ والخد والفراق والوصال إلا ويحرك ذلك شهوته، وينزله على صورة معينة ينفخ الشيطان بها في قلبه فتشتعل فيه نار الشهوة، وغالب القلوب الآن قد فتحها جند الشيطان وغلب عليها، فلا يجوز تحريك شوقها إلى ما لا يحل، وأكثر العشاق والسفهاء من الشباب في وقت هيجان الشهوة لا ينفكون عن إضمار شيء من ذلك، وذلك ممنوع في حقهم لما فيه من الداء الدفين.
العارض الخامس: أن يكون الشخص من عوام الخلق، وهذا إذا اتخذ السماع عادة وقصر عليه أكثر أوقاته، فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته، فإن المواظبة على اللهو جناية. اهـ.
فمن هذه اللقطات يتضح أن الإمام الغزالي مع الجمهور تماماً في غناء اليوم فهو يرى:
أولاً: أن غناء امرأة أمام الرجل غير المحرم حرام، وكذا غناء الصبي الأمرد الذي لا لحية له، وهذا عامة غناء اليوم.
стр. 2000
ثانياً: وأن الغناء بالمزامير والأوتار حرام. وهذا لا يخلو منه غناء اليوم.
ثالثاً: وأن عبارات الغناء إذا اشتملت على الخنا ووصف المرأة بين الرجال حرام. وهو الأصل والكثير في غناء اليوم.
رابعاً: وأن سماع الشباب حرام.
خامساً: وأن سماع العوام إذا كثر فهو حرام.
إذن الغزالي يتكلم عن غناء يشبه الترنم والحداء، وهو لا يكاد يوجد في عالمنا، ويقصد نوعاً خاصاً من المستمعين وهم -كما يقول-: الذين غلب عليهم حب الله تعالى، فالذي يغلب عليه حب الله تعالى يتذكر بسواد الصدغ مثلاً ظلمة الكفر، وبنضارة الخد نور الإيمان، وبذكر الوصال لقاء الله تعالى، وبذكر الفراق الحجاب عن الله تعالى في زمرة المردودين، فالسماع يحدث أحوالاً من المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها، يعرفها من ذاقها وينكرها من ضعف حسه عن ذوقها، وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وجداً، ثم تكون تلك الأحوال أسباباً للصفاء الذي يحصل به مشاهدات ومكاشفات، وهي غاية مطلب المحبين لله تعالى. انتهى كلام الغزالي بتصرف.
أفبعد هذا يقال: إن الغزالي يبيح سماع غناء اليوم؟ ولجماهير مستمعي الغناء اليوم؟ اللهم. لا.
ثم إن الغزالي في هذا البحث عنى السماع وقصده، أما القائم بالغناء فقد استحسن بشأنه عبارة الشافعي، فقال: وقد نص الشافعي في الرجل يتخذه صناعة: لا تجوز شهادته.
قال الغزالي: وذلك لأنه من اللهو المكروه الذي يشبه الباطل، ومن اتخذه صنعة كان منسوباً إلى السفاهة وسقوط المروءة، فإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء، ولا يؤتي لذلك، ولا يؤتي لأجله، وإنما يعرف بالصوت الحسن فيترنم أحياناً لم يسقط هذا مروءته، ولم يبطل شهادته. وحديث الجاريتين في بيت عائشة شاهد على هذا. والله أعلم.
-[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]-
١ - جواز دخول الرجل على ابنته وهي عند زوجها بدون سبق استئذان من الزوج إذا كان له بذلك عادة.
٢ - وتأديب الأب ابنته بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج، إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء. ذكره الحافظ ابن حجر وهو واضح في الرواية الرابعة في قولها: "فانتهرني".
٣ - ومن قول أبي بكر: "أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ". أن مواضع أهل الخير وأهل الفضل والصالحين تنزه عن الهوى واللغو ونحوه، وإن لم يكن فيه إثم. ذكره النووي.
٤ - وفيه أن التابع للكبير إذا رأى بحضرته ما يستنكر أو ما لا يليق بمجلسه ينكره، ولا يكون في ذلك افتيات على الكبير، بل هو أدب ورعاية حرمة وإجلال للكبير من أن يتولى ذلك بنفسه، فلا يقال: كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقره النبي ﷺ ؟
следующие страницы →