Полный текст (6 200 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
(دونكم يا بني أرفدة) بفتح الهمزة وسكون الراء، وفتح الفاء وكسرها والكسر أشهر، لقب للحبشة. وقيل: اسم لجدهم الأكبر. و"دونكم" من ألفاظ الإغراء، والمغرى به محذوف، وتقديره: دونكم هذا اللعب، أي الزموه. وشأن "دونك" أن تقدم على المغرى به، كما قدرنا، وقد جاء تأخيرها عليه شاذاً في قول الشاعر:
أيها الماتح دلوى دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
والماتح بالتاء هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها فيملأ الدلو بيده؟
(حتى إذا مللت قال: حسبك؟ ) أي يكفيك؟ وهو استفهام، والخبر محذوف، أي هل يكفيك هذا القدر؟ بدليل قولها: "قلت: نعم". و"مللت" بكسر اللام الأولى من الملل، وهو السآمة، وفي رواية: "حتى أكون أنا الذي أسأم". وفي معناها روايتنا الخامسة: "حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم".
(جاء حبش يزفنون) بفتح الياء وسكون الزاي وكسر الفاء، بعدها نون، أي يرقصون وهو محمول على وثبهم بسلاحهم، ولعبهم بحرابهم، متمايلين كما يفعل الراقص. يقال: زفن يزفن من باب ضرب، أي رقص.
(أنها قالت للعابين) اللام الأولى لام الجر، والثانية مفتوحة مخففة والعين مشددة مفتوحة، صيغة مبالغة في اللعب، والمعنى أنها قالت لرسول الله ﷺ لأجل جماعة كثيري اللعب، أي من أجلهم وبخصوصهم.
(قال عطاء: فرس أو حبش؟ ) أصل السند: "عن عطاء قال: أخبرني عبيد بن عمير". فكأن عطاء شك فيما سمع، هل سمع أنهم من الفرس أو من الحبشة. أما ابن عتيق فجزم بأنهم حبش. قال العلماء: هو الصواب.
(فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها) "الحصباء" الحصى الصغير، "ويحصبهم" بكسر الصاد، أي يرميهم بها.
-[فقه الحديث]-
المسألة الأساسية المستحقة للبحث الهادئ العميق مسألة الغناء، ويحسن بنا أن نعرض أقوال السلف من العلماء، ثم نعرض ما يفتح الله به.
قال النووي في شرحه للحديث: واختلف العلماء في الغناء، فأباحه جماعة من أهل الحجاز: وهي رواية عن مالك، وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق، ومذهب الشافعي كراهته، وهو المشهور من مذهب مالك، واحتج المجوزون بهذا الحديث، وأجاب الآخرون بأن هذا
стр. 1997
الغناء إنما كان في الشجاعة والقتل والحذق في القتال، ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر، ويحملها على البطال والقبيح. قال القاضي: إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة، والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: "وليستا بمغنيتين" أي ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، كما قيل: الغناء فيه الزنا. وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا من اتخذ ذلك صنعة وكسباً، والعرب تسمى الإنشاد غناء، وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء وفعلوه بحضرة النبي ﷺ ، وفي هذا كله إباحة مثل هذا وما في معناه، وهذا مثله ليس بحرام، ولا يجرح الشاهد. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: واستدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة سماع الغناء، وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة بقولها: "وليستا بمغنيتين". فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ. ثم قال: قال القرطبي: قولها: "ليستا بمغنيتين". أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان شعراً فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من المحرمات لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال والله المستعان. اهـ.
وقال الخطابي: وأما الترنم بالبيت والبيتين وتطريب الصوت بذلك مما ليس فيه فحش أو ذكر محظور فليس مما يسقط المروءة، وحكم اليسير منه خلاف حكم الكثير. اهـ.
وقد اشتهر عن الإمام الغزالي أنه يبيح الغناء، وقد أطال القول في حكم السماع في كتابه الإحياء ننقل نبذاً منه، ثم ننظر الرأي فيها، ومن أراد المطول فليرجع إليه، والله المستعان.
قال: اعلم أن السماع هو أول الأمر، ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد، ويثمر الوجد تحريك الأطراف، إما بحركة غير موزونة، فتسمى الاضطراب، وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص ... ثم عرض لمذاهب العلماء في السماع فقال:
أما نقل المذاهب فقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء ألفاظاً يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه، ثم أخذ يسرد ألفاظهم ليوجهها فيما بعد على أنها لا تدل على التحريم، فقال:
стр. 1998
قال الشافعي ﵀ في كتاب آداب القضاء: إن الغناء لهو يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.
وقال القاضي أبو الطيب: استماعه من المرأة التي ليست بمحرم له لا يجوز عند أصحاب الشافعي ﵀ بحال، سواء أكانت مكشوفة أو من وراء حجاب، وسواء أكانت حرة أو أمة. وقال: قال الشافعي ﵀: صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته. اهـ.
قال: وأما مالك ﵀ فقد نهى عن الغناء، وقال: إذا اشترى جارية، فوجدها مغنية كان له ردها، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابن سعد وحده.
وأما أبو حنيفة ﵁ فإنه كان يكره ذلك، ويجعل سماع الغناء من الذنوب، وكذلك سائر أهل الكوفة، وسفيان الثوري، وحماد، وإبراهيم، والشعبي وغيرهم. اهـ.
ثم أخذ الغزالي جاهداً محاولاً إثبات جواز السماع محاولات تستحق أن ينظر إليها أو يرد عليها، وأبرز أدلته بالنص قوله:
١ - فعل السماع كثير من السلف الصالح، صحابي وتابعي بإحسان.
٢ - لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا، فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية.
٣ - نقل أبو طالب المكي أنه كان لعطاء جاريتان تلحنان، فكان إخوانه يستمعون إليهما. وقال: ورأيت في بعض الكتب محكياً عن الحارث المحاسبي ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره. وقال: وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة لا يكون فيها سماع.
قال: وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع. وحكى عن بعض الشيوخ أنه قال: رأيت أبا العباس الخضر ﵇، فقلت له: ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا؟ فقال: هو الصفو الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء.
وحكى عن ممشاد الدينوري أنه قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله هل تنكر من هذا السماع شيئاً؟ فقال: ما أنكر منه شيئاً، ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن، ويختمون بعده بالقرآن. اهـ.
وهذه الأدلة ينقصها ثبوتها عن أربابها، وأكثرها مروي بصيغة التمريض -نقل وحكى- بالبناء للمجهول، ثم هي -مع ذلك- أفعال لمن أعماله ليست بحجة [أبو مروان القاضي - عطاء - الحارث المحاسبي - أبو الحسن العسقلاني - بعض الشيوخ - ممشاد الدينوري].
ثم يستدل الغزالي بعد ذلك بأن الشرع يمتدح الصوت الحسن ويستنكر الصوت القبيح، وبأن صوت المرأة في غير الغناء ليس بعورة، وبأن الشعر لا يحرم سماعه، وأن الحداء في
стр. 1999
سير الإبل مشهور، وبأن الأنصار استقبلوا هجرة الرسول ﷺ بإنشاد [طلع البدر علينا .... ]. ويستدل من حديث عائشة على الرخصة في الغناء المشبه بمزمارة الشيطان، ويدعى أن الرسول ﷺ بمنعه أبا بكر من الإنكار أباح الغناء.
وهكذا يبدو الغزالي في بحثه وكأنه يبيح الغناء على الإطلاق، وهكذا حاول المتحللون -أو المحللون أو المنحلون- أن يلتقطوا بعض نصوصه كبرهان على حل ما يفعلون، وأخذ شياطينهم ﴿يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٢، ١١٣].
والمحقق يرى أن الإمام الغزالي في ناحية وهؤلاء المحللين في ناحية أخرى، فمقصد الغزالي نوع خاص من المستمعين ونوع خاص من الغناء، فهو يقول: فإن قلت: هل للغناء حالة يحرم فيها؟ فأقول: إنه يحرم بخمسة عوارض: عارض في السمع، وعارض في الآلة، وعارض في نظم الصوت، وعارض في نفس المستمع أو في مواظبته، وعارض في كون الشخص من عوام الخلق، لأن أركان السماع هي المسمع والمستمع وآلة الإسماع.
العارض الأول: أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها وتخشى الفتنة من سماعها، وفي معناها الصبي الأمرد الذي تخشى فتنته، وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة، بل لو كانت المرأة بحيث يفتتن بصوتها في المحاورة من غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومجادلتها ولا سماع صوتها في القرآن أيضاً.
العارض الثاني: في الآلة بأن تكون المزامير والأوتار وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة.
العارض الثالث: في نظم الصوت وهو الشعر، فإن كان فيه شيء من الخنا والفحش والهجو فسماع ذلك حرام، وكذلك ما كان فيه وصف امرأة بعينها فإنه لا يجوز وصف المرأة بين الرجال.
العارض الرابع: في المستمع، وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه، وكان في غرة الشباب فالسماع عليه حرام سواء غلب على قلبه حب شخص معين أو لم يغلب، فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف الصدغ والخد والفراق والوصال إلا ويحرك ذلك شهوته، وينزله على صورة معينة ينفخ الشيطان بها في قلبه فتشتعل فيه نار الشهوة، وغالب القلوب الآن قد فتحها جند الشيطان وغلب عليها، فلا يجوز تحريك شوقها إلى ما لا يحل، وأكثر العشاق والسفهاء من الشباب في وقت هيجان الشهوة لا ينفكون عن إضمار شيء من ذلك، وذلك ممنوع في حقهم لما فيه من الداء الدفين.
العارض الخامس: أن يكون الشخص من عوام الخلق، وهذا إذا اتخذ السماع عادة وقصر عليه أكثر أوقاته، فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته، فإن المواظبة على اللهو جناية. اهـ.
فمن هذه اللقطات يتضح أن الإمام الغزالي مع الجمهور تماماً في غناء اليوم فهو يرى:
أولاً: أن غناء امرأة أمام الرجل غير المحرم حرام، وكذا غناء الصبي الأمرد الذي لا لحية له، وهذا عامة غناء اليوم.
стр. 2000
ثانياً: وأن الغناء بالمزامير والأوتار حرام. وهذا لا يخلو منه غناء اليوم.
ثالثاً: وأن عبارات الغناء إذا اشتملت على الخنا ووصف المرأة بين الرجال حرام. وهو الأصل والكثير في غناء اليوم.
رابعاً: وأن سماع الشباب حرام.
خامساً: وأن سماع العوام إذا كثر فهو حرام.
إذن الغزالي يتكلم عن غناء يشبه الترنم والحداء، وهو لا يكاد يوجد في عالمنا، ويقصد نوعاً خاصاً من المستمعين وهم -كما يقول-: الذين غلب عليهم حب الله تعالى، فالذي يغلب عليه حب الله تعالى يتذكر بسواد الصدغ مثلاً ظلمة الكفر، وبنضارة الخد نور الإيمان، وبذكر الوصال لقاء الله تعالى، وبذكر الفراق الحجاب عن الله تعالى في زمرة المردودين، فالسماع يحدث أحوالاً من المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها، يعرفها من ذاقها وينكرها من ضعف حسه عن ذوقها، وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وجداً، ثم تكون تلك الأحوال أسباباً للصفاء الذي يحصل به مشاهدات ومكاشفات، وهي غاية مطلب المحبين لله تعالى. انتهى كلام الغزالي بتصرف.
أفبعد هذا يقال: إن الغزالي يبيح سماع غناء اليوم؟ ولجماهير مستمعي الغناء اليوم؟ اللهم. لا.
ثم إن الغزالي في هذا البحث عنى السماع وقصده، أما القائم بالغناء فقد استحسن بشأنه عبارة الشافعي، فقال: وقد نص الشافعي في الرجل يتخذه صناعة: لا تجوز شهادته.
قال الغزالي: وذلك لأنه من اللهو المكروه الذي يشبه الباطل، ومن اتخذه صنعة كان منسوباً إلى السفاهة وسقوط المروءة، فإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء، ولا يؤتي لذلك، ولا يؤتي لأجله، وإنما يعرف بالصوت الحسن فيترنم أحياناً لم يسقط هذا مروءته، ولم يبطل شهادته. وحديث الجاريتين في بيت عائشة شاهد على هذا. والله أعلم.
-[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]-
١ - جواز دخول الرجل على ابنته وهي عند زوجها بدون سبق استئذان من الزوج إذا كان له بذلك عادة.
٢ - وتأديب الأب ابنته بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج، إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء. ذكره الحافظ ابن حجر وهو واضح في الرواية الرابعة في قولها: "فانتهرني".
٣ - ومن قول أبي بكر: "أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ". أن مواضع أهل الخير وأهل الفضل والصالحين تنزه عن الهوى واللغو ونحوه، وإن لم يكن فيه إثم. ذكره النووي.
٤ - وفيه أن التابع للكبير إذا رأى بحضرته ما يستنكر أو ما لا يليق بمجلسه ينكره، ولا يكون في ذلك افتيات على الكبير، بل هو أدب ورعاية حرمة وإجلال للكبير من أن يتولى ذلك بنفسه، فلا يقال: كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقره النبي ﷺ ؟
стр. 2001
٥ - وفيه فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون أبو بكر ظن أن النبي ﷺ نام ولا يعلم بالغناء، لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائماً، فخشى أبو بكر أن يستيقظ فيغضب على ابنته، فبادر إلى سد هذه الذريعة.
٦ - في اضطجاعه ﷺ على الفراش، وتحويله وجهه وتسجيه بثوبه إعراض أهل الفضل عن اللهو المباح. قال الحافظ ابن حجر: فعدم إنكاره ﷺ دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره إذ لا يقر على باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتاً وكيفية، تقليلاً لمخالفة الأصل. اهـ.
على أن إنكاره ﷺ لإنكار أبي بكر دليل واضح على إجازته لمثل ذلك.
٧ - واستدل النووي بحالته ﷺ على حسن خلقه ورأفته وحلمه، فقد حول وجهه لئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن.
٨ - وفي قوله: "فإنها أيام عيد". تعليل الأمر والحكم، لأن أبا بكر لما أنكر ما رأى مستصحباً ما تقرر عنده من منع الغناء واللهو أوضح له النبي ﷺ الحكم مقروناً ببيان الحكمة والعلة.
٩ - وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين، ويتبع ذلك مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع التوسعة المباحة التي تحقق لهم بسط النفس وترويح البدن، والتمتع بمتع الحياة الدنيا من المأكل والمشرب والملبس دون إسراف أو تبذير.
١٠ - واستنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم. قال الحافظ ابن حجر: وبالغ الشيخ النسفي من الحنفية فقال: من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً ليوم عيدهم فقد كفر بالله تعالى. اهـ.
١١ - وفي قول عائشة في الرواية الرابعة: "فلما غفل غمزتهما فخرجتا". مراعاة خاطر الكبير، والاستجابة لرغبته، والتنازل عن رغبة النفس، فإنها ﵂ مع ترخيص النبي ﷺ لها في ذلك راعت خاطر أبيها وخشيت غضبه عليها فأخرجتهما.
١٢ - وفيه الاكتفاء بالإشارة المفيدة المغنية عن الكلام بحضرة الكبير.
١٣ - واستدل بقول عائشة في الرواية الثانية: "في أيام منى". أن هذه الأيام وهي -أيام التشريق الثلاثة التي بعد يوم النحر- داخلة في أيام العيد ويجري عليها حكمه في كثير من الأحكام، كجواز التضحية وتحريم الصوم واستحباب التكبير وغير ذلك. قاله النووي.
١٤ - وفي حديث لعب الحبشة جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب. قال القاضي عياض: لأنه إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن والاستلذاذ بذلك. اهـ.
وقال النووي: في الحديث جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن، قال: وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق، وإن كان بغير شهوة ولا
стр. 2002
مخافة فتنة ففي جوازه وجهان لأصحابنا، أصحهما تحريمه، لقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣١] ولقوله ﷺ لأم سلمة وأم حبيبة: "احتجبا عنه". أي عن ابن أم مكتوم، فقالتا: إنه أعمى؟ لا يبصرنا؟ فقال ﷺ : "أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ". وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره. وعلى هذا أجابوا عن حديث عائشة بجوابين، وأقواهما أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع النظر بلا قصد صرفته في الحال، والثاني لعل هذا ما كان قبل نزول الآية في تحريم النظر، وأنها كانت صغيرة قبل بلوغها، فلم تكن مكلفة، على قول من يقول: إن للصغير المراهق النظر. اهـ.
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى رد هذا القول الثاني بأن قولها -في روايتنا الثانية: "يسترني بردائه". دال على أن ذلك كان بعد نزول آية الحجاب، وكذا قولها- في بعض الروايات: "أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي". مشعر بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر، أرادت الفخر عليهن، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها. وفي رواية ابن حبان: أن وفد الحبشة قدم سنة سبع. فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنة. اهـ.
١٥ - واستدل به على الرفق بالمرأة واستجلاب مودتها.
١٦ - وبيان ما كان عليه ﷺ من الرأفة والرحمة وحسن الخلق والمعاشرة بالمعروف.
١٧ - وفي قولها: "حتى كنت أنا التي أنصرف". ملال المحب، وأصرح من حديثنا في ذلك حديث النسائي: "أما شبعت؟ أما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا. لأنظر منزلتي عنده". وفي رواية له: "قلت: يا رسول الله، لا تعجل. فقام، ثم قال: حسبك؟ قلت: لا تعجل. قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه".
١٨ - واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب.
١٩ - واغتفار ذلك في المسجد في أيام العيد، ومنعه الجمهور في المسجد إذ لا يليق به، وجعل الترخيص خاصاً بتلك الحادثة سروراً بقدوم وفد الحبشة.
٢٠ - واستدل من فعل عمر أنه كان مقرراً عندهم تنزيه المساجد عن اللعب.
والله أعلم.
стр. 2003
كتاب الاستسقاء
стр. 2004
(٢٨٠) باب صلاة الاستسقاء، ورفع اليدين بالدعاء
١٧٩٥ - عن عبد الله بن زيد المازني ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة.
١٧٩٦ - عن عباد بن تميم عن عمه قال خرج النبي ﷺ إلى المصلى فاستسقى واستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين.
١٧٩٧ - عن عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى المصلى يستسقي وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه.
١٧٩٨ - عن عباد بن تميم المازني أنه سمع عمه وكان من أصحاب رسول الله ﷺ يقول خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله واستقبل القبلة وحول رداءه ثم صلى ركعتين.
١٧٩٩ - عن أنس ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه.
١٨٠٠ - عن أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه غير أن عبد الأعلى قال يرى بياض إبطه أو بياض إبطيه.
١٨٠١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
١٨٠٢ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو
стр. 2005
دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً، ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال "اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا". قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً. قال ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائماً، فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا. قال فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال "اللهم حولنا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر" فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري.
١٨٠٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ فبينا رسول الله ﷺ يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة إذ قام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال. وساق الحديث بمعناه. وفيه قال "اللهم حوالينا ولا علينا" قال فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت، حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة وسال وادي قناة شهراً، ولم يجئ أحد من ناحية إلا أخبر بجود.
١٨٠٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام إليه الناس فصاحوا وقالوا يا نبي الله قحط المطر واحمر الشجر وهلكت البهائم. وساق الحديث. وفيه من رواية عبد الأعلى فتقشعت عن المدينة. فجعلت تمطر حواليها. وما تمطر بالمدينة قطرة. فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل.
١٨٠٥ - عن أنس ﵁ بنحوه وزاد فألف الله بين السحاب ومكثنا حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله.
١٨٠٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو على المنبر. واقتص الحديث. وزاد فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى.
стр. 2006
١٨٠٧ - عن أنس ﵁ قال: قال أنس أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر. قال فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال "لأنه حديث عهد بربه تعالى".
١٨٠٨ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سر به وذهب عنه ذلك. قالت عائشة فسألته فقال "إني خشيت أن يكون عذاباً سلط على أمتي" ويقول إذا رأى المطر "رحمة".
١٨٠٩ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به". قالت وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا مطرت سري عنه فعرفت ذلك في وجهه. قالت عائشة فسألته فقال "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ﴿فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا﴾
١٨١٠ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم. قالت وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه. فقالت يا رسول الله أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ قالت فقال يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا ﴿هذا عارض ممطرنا﴾
стр. 2007
١٨١١ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور".
-[المعنى العام]-
نعم الله على عباده لا تعد ولا تحصى، وصدق الله العظيم حين يقول: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [النحل: ١٨]. وحين يقول: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ [لقمان: ٢٠]. ولكن الإنسان ينسى المنعم في الوقت الذي يتمتع فيه بنعمه، ويحسبها أحياناً وجهلاً أنها من حقه أو من كده وجهده، ولا يعترف بالحقيقة ولا يحس بقيمة النعمة إلا عند فقدها، وقديماً قيل: الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
عندئذ يلجأ إلى ربه ويدعوه ويستغيث به، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون﴾ [النحل: ٥٣، ٥٤]. وحيث يقول: ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل﴾ [الزمر: ٨]. وحيث يقول: ﴿ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور﴾ [هود: ٩]. نعم شاءت رحمة الله بعباده أن يذكرهم بنعمه بين الحين والحين بحجبها حجب نقصان ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠] شاءت رحمة الله بعباده أن يعيدهم إليه بعد ابتعاد، ويلجئهم إلى دعائه وندائه بعد نسيان، وأن يذكرهم بنعمه عن طريق الفقدان، إذ ليس من مصلحتهم دوام النعمة وبسطها ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير﴾ [الشورى: ٢٧] ومن مظاهر هذه الحكمة الجدب بعد الرخاء، والقحط بعد الغيث، ثم تعود الرحمة بالمطر.
إن الذين يعيشون على الغيث، وتقوم حياتهم على المطر يحسون الحاجة إليه أكثر من غيرهم، ويشعرون بتأخيره يوماً أو أياماً عن موعده ويتحرقون انتظاراً له، وهكذا كثير من أهل الأرض، ومن يستطيع إنزال المطر غير الله؟ ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد﴾ [الشورى: ٢٨].
لقد قحط العرب، وأجدبت أرضهم، وهلكت مواشيهم في عهد رسول الله ﷺ فطلبوا من رسول الله ﷺ أن يطلب من ربه رفع البلاء، وإنزال الغيث، ولم يشأ رسول الله ﷺ أن يسارع بالدعاء قبل أن يستغيث الناس ويشعروا بالحاجة، ويعودوا إلى ربهم، ويحاسبوا أنفسهم، لقد صبر وصابر وهو يحس
стр. 2008
حاجة الناس وشدتهم حتى دخل عليه المسجد أعرابي، وهو ﷺ يخطب الجمعة فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي من العطش وانقطاع المرعى هلك العيال، وهلكت الناس من ضعف الأقوات بحبس المطر، وانقطعت الطرق لعدم سفر التجار بالأقوات. انقطع المطر، وجف الشجر، فاستسق لنا ربك، ادع الله أن يسقينا. فرفع الرسول ﷺ يديه ورفع المسلمون أيديهم، قال: اللهم اسقنا. وقال المسلمون: آمين. وقال: اللهم اسقنا. وقال المسلمون: آمين.
وكانت السماء صافية، لا يحجبها عن الرؤية بيت أو جبل أو شجر، لا يرى الناس فيها سحابة صغيرة، فما أتم رسول الله ﷺ دعاءه حتى تجمعت السحب وثار السحاب كأمثال الجبال، وهطلت الأمطار كأفواه القرب، حتى صعب على المصلين أن يخرجوا من المسجد ليصلوا إلى بيوتهم، وظلت تمطر أسبوعاً حتى خشي على البيوت، فلما كانت الجمعة الأخرى دخل الرجل نفسه المسجد على رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقال: يا رسول الله، كثرة المطر أضربنا، فلم تستطع المواشي أن ترعى، ولم يستطع التجار التنقل بالأقوات. فادع لنا الله أن يمسك المطر، فرفع الرسول ﷺ يديه وقال: اللهم اجعل المطر حوالينا بعيداً عن البيوت، اجعله على الجبال وقيعان الوديان التي تمسكه ليشرب الناس منه عند الحاجة، فأمسكت السماء عن المدينة، وظلت تمطر على الروابي. ومرة أخرى قحط الناس، فخرج رسول الله ﷺ بالمسلمين إلى المصلى بالصحراء فرفع يديه بالدعاء، وصلى ركعتين للاستسقاء ثم خطب الناس، وأمرهم بالتوبة والتقوى وكثرة التضرع لله والدعاء، وهكذا شرعت صلاة الاستسقاء، وضرب ﷺ المثل الأعلى في خشية الله والخوف من العقاب فكان ينزعج للسحاب حتى يمطر، فقد عذب به قوم من البشر، وينزعج للريح والعواصف فقد هلك بها قوم من البشر، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(عبد الله بن زيد المازني) وفي الرواية الثالثة "الأنصاري" قال الحافظ ابن حجر: راوي حديث الاستسقاء عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري الخزرجي، وراوي حديث الأذان عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، وقد اتفقا في الاسم واسم الأب والنسبة إلى الأنصار، ثم إلى الخزرج والصحبة والرواية، وافترقا في الجد.
(فاستسقى) السين والتاء للطلب، أي طلب السقيا، والسقيا بضم السين الاسم من السقى. قال الحافظ: والاستسقاء لغة. طلب سقي الماء من الغير، للنفس أو للغير، وشرعاً: طلبه من الله عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
(وحول رداءه) كان بعض لباس العرب من قطعتين. إزار يلف حول الوسط فيستر من السرة أو ما فوقها بقليل إلى ما يقرب من القدم، ورداء وهو ما يستر النصف الأعلى.
وذكر الواقدي: أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول
стр. 2009
إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما ﷺ في الجمعة والعيدين. اهـ.
والمراد من تحويل الرداء جعل اليمين على الشمال، والشمال على اليمين كما جاء في بعض الروايات، وهذا هو المراد من قوله في الرواية الثانية: "وقلب رداءه". إذ جعل العطاف الأيمن على العاتق الأيسر، والعطاف الأيسر على العاتق الأيمن لا يكون إلا بقلب الباطن ظاهراً والظاهر باطناً، أو قلب الأمام خلفاً والخلف أماماً.
(عن عباد بن تميم عن عمه) عمه هو عبد الله بن زيد المازني الأنصاري السابق الذكر في الرواية الأولى.
(فجعل إلى الناس ظهره) هذا لازم للإمام إذا استقبل القبلة هو والناس.
(كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه) الاستثناء مقدم من تأخير، إذ المراد لا يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أما غير الاستسقاء فيرفع يديه لكن ليس حتى يرى بياض إبطيه.
(حتى يرى بياض إبطه أو بياض إبطيه) شك من الراوي عن أنس فيما قاله أنس. والمعنى لا يختلف.
(أن رجلاً دخل المسجد) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه. اهـ والمراد من المسجد مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة.
(من باب كان نحو دار القضاء) في رواية البخاري "من باب كان وجاه المنبر" أي في مواجهة المنبر.
قال النووي: قال القاضي عياض: سميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب ﵁ الذي كتبه على نفسه وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله استعان ببني عدي، ثم بقريش، فباع ابنه داره هذه لمعاوية، وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اقتصروا فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان. اهـ وغرض الراوي من ذكر هذه العبارة التوثيق من الرواية بذكر ملابساتها.
(هلكت الأموال) المراد بها الماشية، كما هو لفظ بعض الروايات، وفي رواية "هلكت الكراع" بضم الكاف، ويطلق على الخيل وغيرها.
(وانقطعت السبل) وفي رواية "وتقطعت" والمراد بذلك أن الإبل ضعفت عن السفر لقلة القوت، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيتها. وقيل: المراد نفاد ما عند الناس من الطعام، أو قلته، فلا يجدون ما يحملونه وما يجلبونه إلى الأسواق.
стр. 2010
(فادع الله يغثنا) بسكون الثاء مجزوم في جواب الأمر. وفي رواية البخاري "يغيثنا" بالرفع، أي فهو يغيثنا، وفي رواية له أيضاً "أن يغيثنا" ويجوز ضم الياء الأولى على أنه من الإغاثة ويجوز فتحها من الغيث. يقال: غاث وأغاث بمعنى. وقال ابن دريد: الأصل غاثه الله يغوثه غوثاً فأغيث، واستعمل أغاثه. اهـ.
(اللهم أغثنا) قالها ثلاثاً، وفي رواية للبخاري "اللهم اسقنا" كررها ثلاثاً.
(ولا -والله- ما نرى في السماء من سحاب) في رواية "فلا والله" وفي رواية "وأيم الله". والمراد نفي رؤية سحاب متجمع ممطر، لا مطلق سحاب ليصح عطف المغاير في قوله: "ولا قزعة".
(ولا قزعة) بفتح القاف والزاي، أي السحاب المتفرق. قال ابن سيده: القزع قطع من السحاب رقاق. زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف.
(وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار) "سلع" بفتح السين وسكون اللام جبل معروف بالمدينة، وحكى أنه بفتح اللام. أي نحن مشاهدون للجبل وللسماء، ولا يحجبهما عن رؤيتنا لهما بيت ولا دار، ولا نرى هناك سبباً ظاهراً للمطر أصلاً.
(فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس) أي مستديرة، ولم يرد أنها مثله في القدر، إذ جاء في رواية: "فنشأت سحابة مثل رجل الطائر وأنا أنظر إليها". قال الحافظ: فهذا يشعر بأنها كانت صغيرة.
(ثم أمطرت) قال النووي: هكذا هو في النسخ، وكذا جاء في البخاري "أمطرت" بالألف، وهو صحيح، يقال: مطرت وأمطرت لغتان في المطر: وقال بعض أهل اللغة: لا يقال: أمطرت بالألف إلا في العذاب، كقوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم حجارة﴾ [الحجر: ٧٤]. قال: والمشهور الأول، ولفظ "أمطرت" تطلق في الخير والشر.
(ما رأينا الشمس سبتاً) أي قطعة من الزمان، والسبت القطع، والتعبير كناية عن استمرار الغيم الماطر، وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمر المطر والشمس بادية، وقد تحجب الشمس بغير مطر.
قيل: المراد به الأسبوع، من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: جمعة. وفي رواية: "فمطرنا من جمعة إلى جمعة". وفي رواية: "فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد ومن بعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى".
(ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة) أي التي كانت مقبلة، وظاهر التعبير أن هذا الرجل غير الرجل الأول، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة كان الثاني غير الأول، فربما ظن أنس ذلك بعض الوقت، حيث سئل: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري، وربما كان التعبير من غير الغالب لأن هذه القاعدة غالبية.
стр. 2011
والراجح الأول، حيث جاء في رواية عن أنس: "فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى". وهذه الرواية تقتضي الجزم بكون الرجل واحداً. قال الحافظ ابن حجر: فلعل أنساً تذكره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكره.
(فاستقبله قائماً) "قائماً" حال من الفاعل أو من المفعول، وكل من الضمير المستتر والظاهر يصلح للرجل وللرسول ﷺ ، إذ كل منهما كان قائماً مستقبل الآخر.
(هلكت الأموال) بسبب استمرار المطر، أي إن كثرة الماء منع الرعي فهلكت المواشي.
(وانقطعت السبل) بسبب كثرة الماء، فتعذر سلوكها، وفي رواية ابن خزيمة: "احتبس الركبان". وفي رواية للبخاري: "تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي".
(فادع الله يمسكها) يجوز في "يمسكها" الجزم والرفع، كما سبق في "يغثنا". وفي رواية "أن يمسكها". والضمير يعود على الأمطار، أو على السحاب أو على السماء، والعرب تطلق على المطر سماء وفي رواية "أن يمسك عنا الماء" وفي أخرى "أن يرفعها عنا" وفي ثالثة "فادع ربك أن يحبسها عنا، فضحك" وفي رواية "فتبسم" ﷺ .
(اللهم حولنا ولا علينا) في بعض النسخ "حوالينا" قال النووي: وهما صحيحان. اهـ.
وهو معمول لمحذوف، تقديره: اجعل أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور.
وفائدة ذكر "ولا علينا" بعد ما قبله بيان المراد منه، إذ ما حولهم يشمل الطرق التي حولهم، فأراد إخراجها بقوله "ولا علينا". ذكره الحافظ ابن حجر.
(اللهم على الآكام) فيه تحديد المراد بقوله: "حوالينا ولا علينا" والإكام بكسر الهمزة، وتفتح وتمد "آكام" جمع أكمة، بفتح الهمزة والكاف والميم، وهي التراب المجتمع. وقيل: الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير. وقيل: ما ارتفع من الأرض دون الجبل وأعلى من الرابية.
(والظراب) بكسر الظاء، واحدها "ظرب" بفتح الظاء وكسر الراء وهي الروابي الصغار.
(وبطون الأودية) أي منخفضات الأودية التي يتجمع فيها الماء لينتفع به.
(فانقلعت) وفي بعض النسخ "فانقطعت" أي السماء، أو السحابة الماطرة أي أمسكت عن المطر على المدينة، وفي الرواية العاشرة "فتقشعت" أي زالت، وفي الرواية الحادية عشرة "فرأيت السحاب يتمزق". وفي رواية للبخاري "فلقد رأيت السحاب ينقطع يميناً وشمالاً يمطرون -أي أهل النواحي- ولا يمطر أهل المدينة". وفي رواية له "فجعل السحاب يتصدع عن المدينة". وفي الرواية التاسعة "فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت" أي انقطعت السحابة وزالت.
стр. 2012
(أصابت الناس سنة) بفتح السين والنون، أي جدب وقحط.
(حتى رأينا المدينة في مثل الجوبة) بفتح الجيم، وهي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السحاب.
(وسال وادي قناة شهر) بفتح القاف، اسم لواد من أودية المدينة، وعليه زروع لهم، بناحية أحد، أي الوادي المسمى قناة، وفي البخاري "وسال الوادي قناة" وهو صحيح على البدل، وفي رواية للبخاري "وسال الوادي قناة شهراً".
(إلا أخبر بجود) بفتح الجيم، وإسكان الواو، وهو المطر الغزير.
(فقام إليه الناس فصاحوا) هذا لا يعارض سؤال الرجل، لاحتمال أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، ويحتمل أنه نسب ذلك إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه، وعند أحمد: "إذ قال بعض أهل المسجد". وهي ترجح الاحتمال الأول.
(قحط المطر، واحمر الشجر) "قحط" -بفتح القاف وفتح الحاء وكسرها- أمسك، واحمرار الشجر كناية عن يبس ورقه، لعدم شربه الماء، أو لتساقط الورق، فيصير الشجر أعواداً دون ورق أخضر.
(فنظرت إلى المدينة، وإنها لفي مثل الإكليل) بكسر الهمزة وسكون الكاف العصابة، واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك كالتاج، والمراد خلو ما فوق المدينة من السحاب وإحاطته بها من جوانبها وحواليها، وفي رواية لأحمد: "فتقور ما فوق رءوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل".
(فألف الله بين السحاب) أي جمعه ليمطر عليهم.
(ومكثنا) يحبسنا المطر، وفي رواية البخاري: "فمطرنا فما كدنا نصل إلى منازلنا". أي من كثرة المطر.
(حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه يأتي إلى أهله) قال النووي: ضبطناه بوجهين، فتح التاء مع الهاء، وضم التاء مع كسر الهاء، يقال: همه الشيء وأهمه، أي اهتم له، ومنهم من يقول: همه: أذابه، وأهمه: غمه. اهـ.
والمعنى أن كثرة المطر حالت دون وصولهم إلى بيوتهم حتى اهتم القوي -ومن باب أولى الضعيف- كيف سيصل إلى أهله. ولابن خزيمة: "حتى أهم الشاب القريب الدار الرجوع إلى أهله". أي وفضلاً عن العجوز وبعيد الدار. وفي رواية للبخاري: "فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا".
(فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى) "الملاء" بضم الميم وبالمد الواحدة
стр. 2013
ملاءة بضم الميم وهي ثوب معروف، والمعنى تشبيه انحسار السحاب بالملاءة تطوى بعد أن كانت منشورة مبسوطة.
(فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر) أي كشف رسول الله ﷺ بعض بدنه يرفع ثوبه حتى أصاب بدنه بعض المطر.
(قال: لأنه حديث عهد بربه تعالى) أي هذا الماء قريب عهد بخلق الله تعالى، لم تتصل به يد مخلوق.
(عرف ذلك في وجهه) أي عرف أثر ذلك، أي أثر خوفه واهتمامه في وجهه الشريف.
(وأقبل وأدبر) كما يفعل المهموم، يتقدم ويتأخر دون قصد المشي.
(سر وذهب عنه ذلك) أي حصل له سرور بالمطر، وذهب عنه الهم والخوف.
(رحمة) أي يقول عن المطر: هذا رحمة.
(وإذا تخيلت السماء تغير لونه) المخيلة سحابة فيها رعد وبرق، يخيل للرائي أنها ماطرة ويقال: أخالت السماء إذا تغيمت.
(مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته) المستجمع: المجد في الشيء القاصد له. واللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء في سقف الحنك. أي ما رأيت رسول الله ﷺ مبالغاً في الضحك يفتح فمه به حتى يظهر سقف حلقه.
(نصرت بالصبا. وأهلكت عاد بالدبور) "الصبا" بفتح الصاد، الريح الشرقية اللينة. والدبور بفتح الدال، الريح الغربية الجافة الحارة.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: أجمع العلماء على أن الاستسقاء [أي طلب المطر من الله عند الجدب] سنة، واختلفوا هل تسن له صلاة؟ أو لا؟ فقال أبو حنيفة: لا تسن له صلاة، بل يستسقى بالدعاء بلا صلاة، وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة [كروايتنا الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة، وفيها أن الرسول ﷺ استسقى وطلب من الله المطر في خطبة الجمعة، ولم يحدث صلاة خاصة بالاستسقاء] قال: وقال سائر العلماء من السلف والخلف: تسن الصلاة. واحتجوا بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما [كروايتنا الثانية والرابعة وفيها أن الرسول ﷺ خرج إلى المصلى وصلى ركعتين للاستسقاء] قال: وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوي [كروايتنا الأولى والثالثة، وفيهما الخروج والدعاء وتحويل الرداء، وليس فيهما ذكر
стр. 2014
للصلاة، لكن يقوى كلام النووي أن الراوي الذي لم يذكر الصلاة في روايتين هو نفسه الذي ذكر الصلاة في روايتين. مما يؤكد أن ترك الصلاة في روايتيه من قبيل النسيان أو الاكتفاء بذكر بعض ما حدث] وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويعقبه الصلاة للجمعة، فاكتفى بها.
ولو [فرضنا أنه ﷺ اكتفى مرة بالدعاء] لم يصل أصلاً كان بياناً لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة مقدمة، لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينهما.
ثم قال: قال أصحابنا: الاستسقاء ثلاثة أنواع:
أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة.
الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة، أو في أثر صلاة مفروضة وهو أفضل من النوع الذي قبله.
الثالث: وهو أكملها: أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين، ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة وإقبال على الخير، ومجانبة الشر، ونحو ذلك من طاعة لله تعالى.
ثم قال: وصلاة الاستسقاء ركعتان، وهو كذلك بإجماع المثبتين لها، واختلفوا هل هي قبل الخطبة؟ أو بعدها؟ فذهب الشافعي والجماهير إلى أنها قبل الخطبة. قال الليث: بعد الخطبة. وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير. قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير.
قال: واختلف العلماء هل يكبر تكبيرات زائدة في أول صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيد؟ فقال به الشافعي. وقال الجمهور: لا يكبر. واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك. ولم يذكر في رواية مسلم الجهر بالقراءة، وذكره البخاري، وأجمعوا على استحبابه، وأجمعوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام لكن يستحب أن يقال: الصلاة جامعة. انتهى بتصرف.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - استحباب الخروج للاستسقاء إلى الصحراء، لأنه أبلغ في إظهار الافتقار والتواضع، ولأنها أوسع للناس، إذ المفروض خروجهم كلهم، فلا يسعهم الجامع.
٢ - تحويل الرداء والجمهور على استحباب التحويل، واستحب الجمهور أيضاً أن يحول الناس رداءهم بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد بلفظ: "وحول الناس معه". وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك.
واستثنى ابن الماجشون النساء، فقال: لا يستحب في حقهم. وظاهر الرواية الثانية: "فاستسقى واستقبل القبلة، وقلب رداءه". أن التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء، والرواية الثالثة صريحة في ذلك، ولفظها: "وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه".
واختلف في حكمة هذا التحويل، فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه. وتعقبه
стр. 2015
ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه. قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حول رداءك ليتحول حالك. اهـ قال الحافظ ابن حجر: والحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص.
٣ - واستحباب استقبال القبلة عند الدعاء، ويلحق به الوضوء والغسل والقراءة والأذكار والأذان وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل كالخطبة ونحوها.
٤ - ومن الرواية الثانية والرابعة تقديم الخطبة على صلاة الاستسقاء.
٥ - ومن الرواية الخامسة والسادسة استحباب رفع اليدين عند الدعاء. وقال جماعة من الشافعية وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء عملاً بهذا الحديث.
٦ - ومن الرواية الثامنة جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة.
٧ - والقيام في الخطبة.
٨ - وأنها لا تنقطع بالكلام.
٩ - وقيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة لأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس: "كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأل رسول الله ﷺ ".
١٠ - ومشروعية سؤال الدعاء من أهل الخير ومن يرجى منه القبول.
١١ - وأن من أدب سؤال الدعاء بث الحال قبل الطلب لتحصيل الرقة المقتضية لصحة التوجه فترجى الإجابة.
١٢ - وأن على الإمام إجابة السؤال.
١٣ - استحباب الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر، ولا تحويل فيه، ولا استقبال.
١٤ - جواز الاستسقاء منفرداً من غير صلاة.
١٥ - تكرير الدعاء ثلاثاً.
١٦ - واستدل به على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء، وتعقب بأن الناس كانوا يؤمنون فهم يدعون معه.
١٧ - وفيه علم من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه ﵊ متصلاً.
١٨ - وأن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل.
١٩ - وفيه الأخذ بالأسباب والمبادرة بالدعاء والاستغاثة عند الحاجة.
стр. 2016
٢٠ - جواز الدعاء بالاستصحاء وطلب انقطاع المطر، ولا تشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء.
٢١ - وفيه الأدب في الدعاء، حيث لم يدع ﷺ برفع المطر مطلقاً لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع.
٢٢ - وأن من أنعم الله عليه بنعمة لا يصح أن يتسخطها لعارض يعرض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة.
٢٣ - ومن الرواية العاشرة جواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المفضية لذلك.
٢٤ - ومن الرواية الثانية عشرة أنه يستحب عند أول المطر أن يعرض المسلم بعض جسمه له، ويكشف غير عورته ليناله المطر.
٢٥ - وأن المفضول إذا رأى من الفاضل شيئاً لا يعرفه سأله عن سره ليعلمه فيعمل به ويعلمه غيره.
٢٦ - ومن الرواية الثالثة عشرة تتبين شفقة الرسول ﷺ على أمته.
٢٧ - وما يقال من الذكر عن نزول المطر.
٢٨ - ومن الرواية الرابعة عشرة ما يقال من الدعاء إذا عصفت الريح.
٢٩ - وما يقال عند الغيم.
٣٠ - ومن الرواية الخامسة عشرة أدب الرسول ﷺ وضحكه.
والله أعلم
стр. 2017
كتاب الكسوف
стр. 2018
(٢٨١) باب صلاة الكسوف وأن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد
١٨١٢ - عن عائشة ﵂ قالت خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ؛ فقام رسول الله ﷺ يصلي فأطال القيام جداً، ثم ركع فأطال الركوع جداً، ثم رفع رأسه فأطال القيام جداً وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع جداً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال "إن الشمس والقمر من آيات الله وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا. يا أمة محمد إن من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً. ألا هل بلغت؟ " وفي رواية مالك "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله".
١٨١٣ - عن هشام بن عروة بهذا الإسناد وزاد ثم قال "أما بعد فإن الشمس والقمر من آيات الله" وزاد أيضاً ثم رفع يديه فقال "اللهم هل بلغت".
١٨١٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فقام وكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقال "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" ثم سجد (ولم يذكر أبو الطاهر) ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، حتى استكمل
стр. 2019
أربع ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة، وقال أيضاً فصلوا حتى يفرج الله عنكم" وقال رسول الله ﷺ "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم (وقال المرادي أتقدم). ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها ابن لحي وهو الذي سيب السوائب" وانتهى حديث أبي الطاهر عند قوله "فافزعوا للصلاة" ولم يذكر ما بعده.
١٨١٥ - عن عائشة ﵂ أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً "الصلاة جامعة" فاجتمعوا وتقدم فكبر وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
١٨١٦ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
١٨١٧ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه صلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
١٨١٨ - عن الزهري قال كان كثير بن عباس يحدث أن ابن عباس كان يحدث عن صلاة رسول الله ﷺ يوم كسفت الشمس بمثل ما حدث عروة عن عائشة.
١٨١٩ - عن عبيد بن عمير قال حدثني من أصدق (حسبته يريد عائشة) أن الشمس انكسفت على عهد رسول الله ﷺ ؛ فقام قياماً شديداً يقوم قائماً ثم يركع ثم يقوم ثم يركع ثم يقوم ثم يركع ركعتين في ثلاث ركعات وأربع سجدات. فانصرف وقد تجلت الشمس. وكان إذا ركع قال "الله أكبر" ثم يركع وإذا رفع رأسه قال "سمع الله لمن حمده". فقام
стр. 2020
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم كسوفاً فاذكروا الله حتى ينجليا".
١٨٢٠ - عن عائشة ﵂ أن نبي الله ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات.
١٨٢١ - عن عمرة أن يهودية أتت عائشة تسألها، فقالت أعاذك الله من عذاب القبر. قالت عائشة فقلت يا رسول الله يعذب الناس في القبور؟ قالت عمرة فقالت عائشة قال رسول الله ﷺ "عائذاً بالله" ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركباً فخسفت الشمس. قالت عائشة فخرجت في نسوة بين ظهري. الحجر في المسجد. فأتى رسول الله ﷺ من مركبه حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه، فقام وقام الناس وراءه. قالت عائشة فقام قياماً طويلاً، ثم ركع فركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع فركع ركوعاً طويلاً وهو دون ذلك الركوع، ثم رفع وقد تجلت الشمس، فقال "إني قد رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال" قالت عمرة فسمعت عائشة تقول فكنت أسمع رسول الله ﷺ بعد ذلك يتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر.
١٨٢٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في يوم شديد الحر؛ فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه فأطال القيام حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد سجدتين. ثم قام فصنع نحواً من ذاك فكانت أربع ركعات وأربع سجدات. ثم قال "إنه عرض علي كل شيء تولجونه، فعرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفاً أخذته (أو قال تناولت منها قطفاً فقصرت يدي عنه) وعرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك يجر قصبه في النار. وإنهم كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله يريكموهما فإذا خسفا فصلوا حتى تنجلي".
стр. 2021
١٨٢٣ - عن هشام بهذا الإسناد مثله إلا أنه قال "ورأيت في النار امرأة حميرية سوداء طويلة" ولم يقل "من بني إسرائيل".
١٨٢٤ - عن جابر ﵁ قال انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ . فقال الناس إنما انكسفت لموت إبراهيم. فقام النبي ﷺ فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات. بدأ فكبر ثم قرأ فأطال القراءة، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءة دون القراءة الأولى، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءة دون القراءة الثانية، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، ثم انحدر بالسجود فسجد سجدتين، ثم قام فركع أيضاً ثلاث ركعات ليس فيها ركعة إلا التي قبلها أطول من التي بعدها، وركوعه نحواً من سجوده، ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهينا (وقال أبو بكر حتى انتهى إلى النساء) ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه فانصرف حين انصرف وقد آضت الشمس. فقال "يا أيها الناس إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس (وقال أبو بكر لموت بشر)، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا حتى تنجلي. ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه. لقد جيء بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها. وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به. وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً. ثم جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل. فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه".
١٨٢٥ - عن أسماء ﵂ قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فدخلت على عائشة وهي تصلي، فقلت ما شأن الناس يصلون فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت آية؟ قالت نعم. فأطال رسول الله ﷺ القيام جداً حتى تجلاني الغشي، فأخذت قربة من ماء إلى جنبي فجعلت أصب على رأسي أو على وجهي من الماء. قالت فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب رسول الله ﷺ الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
стр. 2022
"أما بعد ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريباً أو مثل فتنة المسيح الدجال (لا أدري أي ذلك قالت أسماء) فيؤتى أحدكم فيقال ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن (لا أدري أي ذلك قالت أسماء) فيقول هو محمد هو رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا. ثلاث مرار. فيقال له نم قد كنا نعلم إنك لتؤمن به، فنم صالحاً. وأما المنافق أو المرتاب (لا أدري أي ذلك قالت أسماء) فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت".
١٨٢٦ - عن أسماء ﵂ قالت أتيت عائشة فإذا الناس قيام وإذا هي تصلي فقلت ما شأن الناس؟ واقتص الحديث بنحو حديث ابن نمير عن هشام.
١٨٢٧ - عن عروة قال لا تقل كسفت الشمس ولكن قل خسفت الشمس.
١٨٢٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت فزع النبي ﷺ يوماً (قالت تعني يوم كسفت الشمس) فأخذ درعاً حتى أدرك بردائه، فقام للناس قياماً طويلاً لو أن إنساناً أتى لم يشعر أن النبي ﷺ ركع ما حدث أنه ركع من طول القيام.
١٨٢٩ - عن ابن جريج بهذا الإسناد مثله، وقال قياماً طويلاً يقوم ثم يركع وزاد، فجعلت أنظر إلى المرأة أسن مني وإلى الأخرى هي أسقم مني.
١٨٣٠ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت كسفت الشمس على عهد النبي ﷺ ففزع، فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه بعد ذلك. قالت فقضيت حاجتي ثم جئت ودخلت المسجد فرأيت رسول الله ﷺ قائماً فقمت معه، فأطال القيام حتى رأيتني أريد أن أجلس، ثم ألتفت إلى المرأة الضعيفة فأقول هذه أضعف مني فأقوم. فركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القيام حتى لو أن رجلاً جاء خيل إليه أنه لم يركع.
١٨٣١ - عن ابن عباس ﵄ قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله
стр. 2023
صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قياماً طويلاً قدر نحو سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد انجلت الشمس. فقال "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله" قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا ثم رأيناك كففت. فقال "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط، ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا بم؟ يا رسول الله قال "بكفرهن" قيل أيكفرن بالله؟ قال "بكفر العشير وبكفر الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً، قالت ما رأيت منك خيراً قط".
١٨٣٢ - عن زيد بن أسلم في هذا الإسناد بمثله غير أنه قال ثم رأيناك تكعكعت.
١٨٣٣ - عن ابن عباس ﵄ قال صلى رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات وعن علي مثل ذلك.
١٨٣٤ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه صلى في كسوف قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد، قال والأخرى مثلها.
١٨٣٥ - عن خبر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال لما انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي بـ (الصلاة جامعة) فركع رسول الله ﷺ ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جلي عن الشمس. فقالت عائشة ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه.
стр. 2024
١٨٣٦ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا وادعوا الله حتى يكشف ما بكم".
١٨٣٧ - عن أبي مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس والقمر ليس ينكسفان لموت أحد من الناس ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموه فقوموا فصلوا".
١٨٣٨ - عن إسمعيل بهذا الإسناد وفي حديث سفيان ووكيع انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس انكسفت لموت إبراهيم.
١٨٣٩ - عن أبي موسى ﵁ قال خسفت الشمس في زمن النبي ﷺ فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة حتى أتى المسجد فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال "إن هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره" وفي رواية ابن العلاء كسفت الشمس وقال "يخوف عباده".
١٨٤٠ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال بينما أنا أرمي بأسهمي في حياة رسول الله ﷺ إذ انكسفت الشمس، فنبذتهن، وقلت لأنظرن إلى ما يحدث لرسول الله ﷺ في انكساف الشمس اليوم، فانتهيت إليه وهو رافع يديه يدعو ويكبر ويحمد ويهلل حتى جلي عن الشمس فقرأ سورتين وركع ركعتين.
١٨٤١ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة في حياة رسول الله ﷺ إذ كسفت الشمس، فنبذتها، فقلت والله لأنظرن إلى ما حدث لرسول الله ﷺ في كسوف الشمس. قال فأتيته وهو قائم في
стр. 2025
الصلاة رافع يديه فجعل يسبح ويحمد ويهلل ويكبر ويدعو حتى حسر عنها. قال فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين.
١٨٤٢ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال بينما أنا أترمى بأسهم لي على عهد رسول الله ﷺ إذ خسفت الشمس ثم ذكر نحو حديثهما.
١٨٤٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آية من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا".
١٨٤٤ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم فقال رسول الله ﷺ "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف".
-[المعنى العام]-
سبحان من خلق الكون وجعل فيه سراجاً وقمراً منيراً، ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً﴾ [الفرقان: ٦٢]. ﴿وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]. ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [يونس: ٥].
شاءت حكمة الله تعالى أن يخلق الشمس كتلة ملتهبة من ظاهرها وباطنها تبعث الحرارة فيما حولها، وترسل أشعة ضوئها لتنعكس نوراً على جرم القمر فيضيء ليلاً لأهل الأرض، وعلى سطح الأرض، فتنشر الحركة والحياة.
شاءت حكمة الله أن تدور الأرض حول نفسها أمام الشمس، وأن تدور في فلك حول الشمس، والقمر كذلك بنظام دقيق قال عنه جل شأنه: ﴿والشمس والقمر بحسبان﴾ [الرحمن: ٥] وقال: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠].
стр. 2026
وكانت نتيجة هذا الدوران، وهذا القانون الإلهي في الكون أن تقع الأرض بين الشمس والقمر فيصبح النصف غير المواجه للشمس مواجهاً للقمر، وتصبح الأرض حينئذ حاجبة لضوء الشمس عن القمر، فيرى أهل النصف المواجه للقمر، يرون القمر مظلماً جزئياً أو كلياً، ويقال حينئذ: خسف القمر. ونتيجة للتحرك والدوران لا يلبث أن يبتعد عن الجرم الحاجب فيعود إليه الضوء.
كما كان نتيجة هذا الدوران، وهذا القانون الإلهي في الكون أن يقع القمر بين الشمس وبين الأرض فيحجب وصول أشعة الشمس وضوئها إلى أهل جزء من الأرض، فلا يرون الشمس في النهار، أو لا يرون جزءاً منها، ويقال حينئذ: كسفت الشمس. ونتيجة للتحرك والدوران المحسوب لا يلبث الجرم الحاجب أن يبتعد، فيعود ضوء الشمس.
علم الله الإنسان حساب هذه الحركات ليعلم عدد السنين وعدد الأيام، علمه الحساب الدقيق الذي يعلم به متى يحصل كسوف الشمس أو القمر؟ من أي شهر؟ وفي أي يوم؟ وفي أية ساعة؟ بل وفي أية دقيقة سيحصل؟ ثم كم دقيقة يستمر هذا الكسوف؟
أصبح علم الفلك في زمننا علماً محسوساً محسوباً حساباً دقيقاً لا مرية فيه، وأصبحت ظاهرة الكسوف للشمس أو القمر ظاهرة يحددها الحساب تحديداً لا يتخلف، ولا خطر منها على البشر. فلم أمر الإسلام عندها بالمبادرة إلى الصلاة والذكر والدعاء؟
إن الله تعالى خلق هذه الظاهرة تذكيراً للبشر بقدرته وهيمنته وفضله ونعمه على عباده، والإنسان لا يعرف قدر النعمة إلا عند فقدها، ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه﴾ [الزمر: ٨].
وذكر الله دعاؤه، والصلاة عند هذه الظاهرة ليس لسرعة الانجلاء، وإنما هو شكر لله على نعمة الضوء وطلب من الله دوامها، كما طلب من المسلم بعد طعامه أن يقول: اللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال". وإن هذه الظاهرة في نفسها تذكر بيوم القيامة وقيام الساعة فهي صورة مصغرة أو مؤقتة لما سيكون، وقد أشار جل شأنه إلى هذا بقوله: ﴿يسأل أيان يوم القيامة فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر﴾ [القيامة: ٦ - ١٠].
لقد كان ﷺ يهتم بهذه الظاهرة، ويخشى الله عندها، ويظهر للمسلمين فزعه خوفاً على أمته وإشفاقاً، فالظواهر الكونية قد تنقلب عقاباً وعذاباً، كما حدث لقوم عاد حين رأوا السحاب وهم جدب فقالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، فكان عذاباً، كان ريحاً فيها عذاب أليم، وإن الذي خلق الظاهرة قادر على استمرارها وإذهاب النعمة منها.
لقد كان ﷺ ينزعج لدرجة العجلة والاهتمام الذي يجعله يأخذ ثوب امرأته بدلاً من ثوبه ويلتحف به ويخرج حتى يدركوه بثوبه.
كان يخرج فينادي مؤذنه لينادي المسلمين: الصلاة جامعة. فيجتمعون في المسجد، حتى النساء والصبيان، يصلي بهم صلاة خاصة. صلاة طويلة يقرأ في القيام الأول ما يقرب أو ما يزيد عن قدر سورة البقرة بعد الفاتحة، ثم يركع ركوعاً طويلاً يقرب من زمن الوقوف، ثم يرفع من الركوع فيقول:
стр. 2027
سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم يظل واقفاً يقرأ الفاتحة وقرآناً قريباً مما قرأ في القيام الأول، ثم يركع ركوعاً طويلاً يقرب من قيامه الثاني يسبح فيه ويحمد، ثم يرفع من الركوع قائلاً: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم للركعة الثانية فيعمل فيها مثل ما عمل في الركعة الأولى، ثم يتشهد ويسلم، ركعتان في كل ركعة ركوعان طويلان وقيامان طويلان، وأحياناً كان يزيد ركوعاً وقياماً فتكون الركعتان في كل منهما ثلاثة من القيام وثلاثة من الركوع، وأحياناً كان يزيد ركوعاً رابعاً فيكون في الركعتين ثمانية من القيام، وثمانية من الركوع، وغاية ما وصلت إليه الزيادة خمسة من القيام وخمسة من الركوع في كل من الركعتين، أما السجود فلم يكن يتغير عن سجود الصلاة.
ثم يخطب الناس، ويحمد الله ويثني عليه ويدعوه ويكثر من دعائه، ويذكر الناس: بقدرة الله ووحدانيته ونعمه التى لا تحصى، ويحذرهم من العقائد الفاسدة في هذه الظاهرة، فإن الشمس والقمر مخلوقان لله، مسيران بأمر الله، مذللان لقانون الله، لا تأثير للبشر وأحداثهم فيهما، فلا ينكسفان لموت عظيم ولا لحياته. هكذا حارب رسول الله ﷺ قولة بعض المسلمين يوم مات ابنه إبراهيم فكسفت الشمس، فقالوا: كسفت لموت إبراهيم. وهكذا بين ﷺ أن موت ابنه كموت بقية البشر، ونقى عقائد المسلمين من الخرافات والأوهام.
-[المباحث العربية]-
الكسوف والخسوف
(خسفت الشمس) وفي كثير من الروايات الآتية "كسفت الشمس" يقال: كسف الشمس وكسفت الشمس، بفتح الكاف والسين، وكسف وكسفت، بضم الكاف وكسر السين، وانكسف وانكسفت الشمس. كما يقال: خسف الشمس وخسفت، بفتح الخاء والسين، وخسف الشمس وخسفت، بضم الخاء وكسر السين، وانخسف وانخسفت الشمس.
ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف، لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذل، ومن الواضح أن ظاهرة الكسوف أو الخسوف للشمس والقمر يجتمع فيها الأمران، التغير إلى سواد ونقصان الضوء أو زواله.
لكن العلماء -والفقهاء منهم خاصة- اختلفوا في استعمال كل من اللفظين، فاشتهر عن كثير منهم استعمال الكسوف للشمس، والخسوف للقمر ويستأنسون بقوله تعالى: ﴿وخسف القمر﴾ [القيامة: ٨]. وحكى القاضي عياض عن بعضهم عكس ذلك، أي استعمال الخسوف للشمس والكسوف للقمر، وهو غلط معارض بلفظ القرآن، ولا يصححه ما جاء في ملحق روايتنا الحادية عشرة من قول عروة: "لا تقل: كسفت الشمس، ولكن قل: خسفت الشمس". فقد قال النووي: هذا قول انفرد به. اهـ والأحاديث الصحيحة الواردة ترده.
стр. 2028
والتحقيق استعمال الكسوف والخسوف مع كل من الشمس والقمر، فقد استعمل كل من اللفظين مع الشمس في أحاديثنا، واستعمال القرآن للخسوف مع القمر لا يمنع من استعماله مع الشمس ولا يمنع من استعمال الكسوف مع القمر.
وقيل: بالكاف مع ابتداء الظاهر، وبالخاء في انتهائها. وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لذهاب بعضه.
وقد ثبت علمياً أن القمر يستمد نوره من ضوء الشمس، كمرآة يقع عليها الضوء فتعكسه، ويخيل للناظر أنها مضيئة، والحقيقة أن القمر جسم مظلم، كما أن الأرض كذلك، ولو أن إنساناً على سطح القمر، على الجزء غير المواجه للشمس، فكان في ليل القمر، لو أنه نظر إلى سطح الأرض المواجه للشمس لرأى الأرض مضيئة، كما يرى أهل الأرض سطح القمر المواجه للشمس.
ولما كان الكل في فلك يسبحون بخلق الله وحكمته وإرادته، ولما كان قانونه الذي أودعه في الكون -جل شأنه- يقضي بأن تقع الأرض أحياناً بين الشمس والقمر، فتحجب ضوء الشمس عن القمر كله أو بعضه، وبأن يقع القمر أحيانا بين الشمس والأرض، فيحجب ضوء الشمس عن رؤية أهل بقعة من الأرض، لما كان الأمر كذلك وقعت ظاهرة كسوف الشمس والقمر لأهل الأرض.
فكسوف القمر حجب ضوء الشمس عنه كلاً أو بعضاً، فيصبح هذا الجزء من القمر مظلماً حقيقة.
أما كسوف الشمس فهو الحيلولة بين وصول ضوئها إلى هذه البقعة من الأرض مع بقاء ضوء الشمس فيها وفي ما بينها وبين القمر فكسوفها ظاهري لا حقيقي.
وقد أشكل على ابن العربي حجب الأصغر للأكبر، فاستشكل حجب القمر للشمس كلياً وهو صغير جداً بالنسبة لها. لكن الإشكال مدفوع بأن الأصغر إذا قرب من الأصغر حجب الكبير جداً، ألا ترى أنك لو وضعت طبقاً صغيراً قريباً من عينيك حجب عنك الأفق الواسع كله؟
إذن كسوف الشمس والقمر ظاهرتان في الكون، خاضعتان لقانونه الذي أودعه الله فيه، يحسب حسابه أهل الحساب. أما لماذا تقام الصلاة ويطلب الدعاء ما دام الأمر كذلك؟ فالتوضيح يأتي في فقه الحديث إن شاء الله.
(في عهد رسول الله ﷺ أي في زمن حياته.
(فأطال القيام جداً) بكسر الجيم، منصوب على المصدر لفعل محذوف أي يجد جداً، والمراد من القيام قيام القراءة.
وفي الرواية الثانية: "فاقترأ ... قراءة طويلة". وفي الرواية الخامسة: "فقام قياماً شديداً". وفي الرواية السابعة: "فقام قياماً طويلاً". وفي الرواية الثامنة: "أطال القيام حتى جعلوا يخرون". وفي الرواية التاسعة: "فأطال القراءة". وفي الرواية الرابعة عشرة: "فقام قياماً طويلاً قدر نحو سورة البقرة". وفي الرواية الواحدة بعد العشرين: "بأطول قيام". والمراد منها كلها واحد، وأن هذا القيام كان أطول من المعهود كثيراً.
стр. 2029
(ثم ركع فأطال الركوع جداً) في الرواية الثانية: "فركع ركوعاً طويلاً". وفي الرواية الثامنة: "ثم ركع فأطال". وفي الرواية التاسعة: "ثم ركع نحواً مما قام". وفي الرواية الواحدة بعد العشرين: "بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاته قط".
(ثم رفع رأسه فأطال القيام جداً) هذا القيام في الصلاة العادية يعرف بالاعتدال من الركوع والرفع منه، والمطلوب فيه الطمأنينة مع استحباب قول: سمع الله لمن حمده. ربنا ولك الحمد. أما في صلاة الكسوف فزيد فيه قراءة أخرى، ففي الرواية الثانية: "ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة، وهي أدنى -أي أقل- من القراءة الأولى". وفي الرواية السابعة: "ثم رفع، فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول". وفي الرواية الثامنة: "ثم رفع فأطال". وفي الرواية التاسعة: "ثم رفع رأسه من الركوع، فقرأ قراءة دون القراءة الأولى". فهو قيام قراءة يسبق الركوع الثاني.
(ثم ركع فأطال الركوع جداً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد) في الكلام طي وحذف قبل قوله: "ثم سجد" والأصل "ثم رفع من الركوع رفع الصلاة العادية، ثم سجد" أي سجدتين بينهما جلسة وطمأنينة كالصلاة المعتادة، ففي الرواية التاسعة: "ثم انحدر بالسجود فسجد سجدتين". ولم تتعرض الروايات لطول السجود، اللهم إلا ما جاء في الرواية الواحدة بعد العشرين من قوله: "فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة قط". مما يوحي بطول السجود أيضاً، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في فقه الحديث.
(ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول) يحتمل أن المراد أن القيام الأول من الركعة الثانية دون القيام الأول من الركعة الأولى، فهو يشبه القيام الثاني من الركعة الأولى، وكذلك الركوع، ويحتمل أن القيام الأول من الركعة الثانية دون القيام الثاني من الركعة الأولى، فيكون كل قيام دون ما سبقه من قيام، وكل ركوع دون ما سبقه من ركوع، وهذا هو الأولى، فقد رواه الإسماعيلي بلفظ: "الأولى فالأولى أطول".
ومن الواضح الذي لا خلاف فيه على كل من القولين السابقين أن الركعة الأولى بقياميها وركوعيها أطول من الركعة الثانية بقياميها وركوعيها، وأن القيام الثاني في كل من الركعتين دون القيام الأول في كل منهما، وكذلك الركوع الثاني في كل من الركعتين دون الركوع الأول في كل منهما.
(ثم سجد ثم انصرف) أي ثم سجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، ثم انصرف.
(وقد تجلت الشمس) أي ظهرت وعاد ضوؤها وانحسرت الظلمة عنها، وزال تغيرها.
وفي الرواية الثانية: "وانجلت الشمس قبل أن ينصرف". وفي الرواية التاسعة: "فانصرف حين انصرف وقد آضت الشمس" أي رجعت إلى حالها.
(فخطب الناس فحمد الله ... إلخ) ليس الحمد وما بعده غير الخطبة وليست الفاء للتعقيب،
стр. 2030
ففي الكلام مجاز المشارفة، أي أشرف على الخطبة فحمد الله، كقولنا: توضأ فغسل وجهه ويديه ورأسه ورجليه، فما بعد الفاء بيان وتفسير لما قبلها.
(إن الشمس والقمر من آيات الله) وفي الرواية الثانية: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله". وفي الرواية الرابعة بعد العشرين: "ولكنهما آية من آيات الله". والآية: العظة والعبرة والعلامة على قدرة الله وحكمته ورحمته.
(وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته) وفي الرواية الخامسة: "لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته". وفي الرواية الواحدة والعشرين: "إن هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا حياته". أما الروايتان الثامنة عشرة والتاسعة عشرة فلم تذكر لفظ "ولا لحياته" وقد استشكل على الروايات التي ذكرت هذه اللفظة بأن السياق إنما ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم ولم يذكروا الحياة. قال الحافظ ابن حجر: والجواب أن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقد أن لا يكون سبباً للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. اهـ أي إن ذكرها للمبالغة في نفي علاقة الكسوف بموت عظيم عن طريق نفي علاقته بالبشر مطلقاً موتاً أو حياة.
(فإذا رأيتموهما) أي رأيتم الشمس والقمر مكسوفين على التتابع، أي إذا رأيتم كسوف أي منهما، وليس المراد رأيتم كسوف الشمس والقمر معاً فإنه من المستحيل -حسب القوانين الإلهية في الكون- وقوع الكسوف فيهما في وقت واحد.
والرواية الثانية: "فإذا رأيتموها". الإفراد، والضمير للآية، وفي الرواية الخامسة: "فإذا رأيتم كسوفاً". أي لأحدهما، وفي الرواية التاسعة: "فإذا رأيتم شيئاً من ذلك" وفي الرواية الرابعة عشرة: "فإذا رأيتم ذلك". أي الكسوف، وفي الرواية الثامنة عشرة: "فإذا رأيتم منها شيئاً". أي من الآيات.
(إن من أحد أغير من الله) "إن" حرف نفي بمعنى "ما" ورواية البخاري: "والله ما من أحد أغير من الله". و"أغير" أفعل تفضيل من الغيرة بفتح الغين. قال الطيبي: وجه اتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: "فاذكروا الله" من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخص منها الزنا لأنه أعظمها في ذلك. وقيل: لما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدها تأثيراً في إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب الغيرة وخالقها . اهـ ومعنى البلاء في الكسوف حجب نعمة الضوء عن البشر ولو لفترة قصيرة.
(أن يزني عبده) حذف حرف الجر قبل "أن" مطرد وكثير، و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، أي لا أحد أغير من الله لزنا عبده، أو من زنا عبده.
(لو تعلمون ما أعلم) من عظيم قدرة الله وانتقامه.
стр. 2031
(ولضحكتم قليلاً) قيل: معنى القلة هنا العدم، أي لم تضحكوا لكثرة الخوف وغلبته واستيلاء الحزن عليكم.
(ألا هل بلغت؟ ) ما أمرت به من التحذير والإنذار وغير ذلك مما أرسلت به، والاستفهام للتقرير، أي أقروا بأنني بلغت.
(فاقترأ) يقال: قرأ قراءة واقترأ اقتراء بمعنى، ولذا جاء بمصدر "قرأ" فقال: "قراءة طويلة".
(حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات) أي استكمل من الركوع أربعة، اثنان في كل ركعة، ومن السجود أربعة، اثنان في كل ركعة، وفي الرواية الرابعة: "أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات". أي أربع ركوعات وأربع سجدات في ركعتين وفي الرواية الثامنة "فكانت أربع ركعات وأربع سجدات" وخالفت في ذلك الرواية التاسعة، فجعلت في كل ركعة من الركعتين ثلاثة من القراءة وثلاثة من الركوع. وسيأتي تفصيل القول فيها.
(وانجلت الشمس قبل أن ينصرف) أي قبل أن ينتهي من الصلاة ويخرج منها وينصرف عنها.
(فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة) أي بادروا بالصلاة، وأسرعوا إليها ملتجئين بذلك إلى الله.
(فصلوا حتى يفرج الله عنكم) "حتى" غائية، أي استمروا وأطيلوا في صلاتكم إلى أن يفرج الله عنكم، أو تعليلية، أي صلوا ليفرج الله عنكم.
والظاهر الأول.
(رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم) أي في وقوفي للصلاة. ففي الرواية التاسعة: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه". أي كل شيء وعدتموه من جنة ونار. وفي الرواية الثامنة: "إنه عرض على كل شيء تولجونه". أي تدخلونه من جنة ونار فعرضت على الجنة وعرضت على النار. وفي حقيقة هذه الرواية وكيفية هذا العرض، قال القاضي عياض: قال العلماء: يحتمل أنه رآهما رؤية عين، كشف الله تعالى عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله ﷺ -في حديث البخاري- "في عرض هذا الحائط" أي في جهته وناحيته، ويحتمل أنه تمثيل لقرب المشاهدة. قالوا: ويحتمل أن يكون رؤية علم وعرض وحي، بإطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلاً ما لم يعرفه قبل ذلك، ومن عظيم شأنهما ما زاده علماً بأمرهما وخشية وتحذيراً ودوام ذكر، ولهذا قال ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً". قال القاضي: والتأويل الأول أولى، وأشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله ﷺ العنقود، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. اهـ ذكره النووي في شرح مسلم.
стр. 2032
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ظاهره أنها رؤية عين، فمنهم من حمله على أن الحجب كشفت له دونها، فرآها على حقيقتها، وطويت المسافة بينهما، حتى أمكنه أن تناول منها، وهذا أشبه بظاهر الخبر، ومنهم من حمله على أنها مثلت له في الحائط، كما تنطبع الصورة في المرآة، فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس الآتي في التوحيد: "لقد عرضت على الجنة والنار آنفاً في عرض الحائط وأنا أصلي". وفي رواية: "لقد مثلت". ولمسلم: "ولقد صورت".
ثم قال: وأبعد من قال: إن المراد بالرؤية رؤية العلم. قال القرطبي: لا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه ﷺ إدراكاً خاصاً به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما.
(حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة) في الرواية الثامنة: "فعرضت على الجنة، حتى لو تناولت منها قطفاً أخذته". أو قال: "تناولت منها قطفاً فقصرت يدي عنه". وفي الرواية التاسعة: "ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل". وفي الرواية الرابعة عشرة: "إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقوداً -أي حاولت أن أتناول- ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا". والقطف بكسر القاف العنقود، وهو فعل بمعنى مفعول، أي مقطوف، كالذبح بكسر الذال يعني المذبوح.
(حين رأيتموني جعلت أقدم) قال النووي: ضبطناه بضم الهمزة وفتح القاف وكسر الدال المشددة، ومعناها أقدم نفسي، أو أقدم رجلي، وضبطه جماعة بفتح الهمزة وإسكان القاف وضم الدال، من الإقدام، وكلاهما صحيح.
(يحطم بعضها بعضاً) أي يكسر بعض وقودها بعضاً، لشدة لهيبها واضطرابها، كأمواج البحر التي يعلو بعضها بعضاً لعنفها وتدافعها.
(ورأيت فيها ابن لحي) بضم اللام وفتح الحاء وتشديد الياء، وفي بعض النسخ عمرو بن لحي.
(وهو الذي سيب السوائب) أي أطلق النوق للأصنام، وجعلها للسدنة ترعى في أي مرعى، لا يعرض لها أحد، ولا يشرب لبنها إلا السدنة وابن السبيل فهي موقوفة على الأصنام، وقد أنكر الله على أهل الجاهلية ذلك فقال: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون﴾ [المائدة: ١٠٣].
(فبعث منادياً الصلاة جامعة) أي بعث من ينادي: الصلاة جامعة.
وهما منصوبان، "الصلاة" على الإغراء، و"جامعة على الحال، أي احضروا الصلاة حال كونها جامعة، أي ذات جماعة، وقيل برفعهما، "الصلاة" على الابتداء، و"جامعة" على الخبر، وفي الرواية الثامنة عشرة "نودي بالصلاة جامعة" بنصب "الصلاة" و"جامعة" كما سبق، ولم يجر بالباء لأن الجملة قصد حكايتها.
стр. 2033
(ركعتين في ثلاث ركعات وأربع سجدات) أي صلى ركعتين فيهما أربع سجدات، وفي كل ركعة ثلاثة من الركوع، كما وضحه تفصيلاً من قبل وهو المراد من قوله في الرواية السادسة: "صلى ست ركعات وأربع سجدات".
(أن يهودية أتت عائشة تسألها) أي تطلب صدقة وإحساناً وبراً فأحسنت عائشة إليها.
(فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر) أي دعت اليهودية لعائشة بهذا الدعاء.
(فقلت: يا رسول الله، يعذب الناس في القبور؟ ) الكلام على الاستفهام لأن عائشة لم تكن تعلم ذلك لعدم سبق الوحي به، وفي رواية البخاري: أيعذب الناس في قبورهم بإبراز همزة الاستفهام.
(قال رسول الله ﷺ عائذاً بالله) قال بعضهم: "عائذاً" منصوب على المصدر الذي يجيء على وزن فاعل، كعافية، أو على الحال المؤكد النائبة مناب المصدر. والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذاً. قال الحافظ: وروي بالرفع، أي أنا عائذ. اهـ.
كأن رسول الله ﷺ استعاذ من قول اليهودية، حيث لم يكن أوحى إليه به.
(ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركباً) "مركبا" بفتح الكاف مصدر ميمى، أي ركب ركوباً ذات صباح، وهذا المركب هو الذي كان النبي ﷺ فيه بسبب موت ابنه إبراهيم.
(فخرجت في نسوة بين ظهري الحجر في المسجد) بفتح الظاء، تثنية ظهر، وفي رواية البخاري "بين ظهراني" قيل: المراد بين ظهر الحجر، والنون والياء زائدتان. وقيل: بل كلمة "ظهراني" كلها زائدة، والأصل بين الحجر، والمراد بالحجر بيوت أزواج النبي ﷺ ، جمع حجرة.
(حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه) أي إلى مكان الإمام.
(إني رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال) وفي الرواية العاشرة: "وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون" أي تمتحنون في القبور امتحاناً شديداً هائلاً كامتحانكم بفتنة الدجال وناره، والمراد من امتحان القبر ما صرح به في الرواية العاشرة من سؤال الملكين للميت: ما علمك بهذا الرجل؟
(فأطال القيام حتى جعلوا يخرون) أي حتى أخذ الصحابة يجلسون في صلاتهم حيث لم يقدروا على مواصلة الوقوف.
(تعذب في هرة لها) أي بسبب هرة لها.
(ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) "خشاش" بفتح الخاء، وحكى القاضي عياض كسرها وضمها، والفتح هو المشهور وهي هوام الأرض وحشراتها، وقيل: صغار الطير، والأول أقرب.
стр. 2034
(ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك) هو عمرو بن لحي، سابق الذكر.
(يجر قصبه في النار) بضم القاف وسكون الصاد وهي الأمعاء، أي يجر أمعاءه في النار، من جريمته التي أجرمها، وتبديله ملة إبراهيم ﵇.
(وإنهم كانوا يقولون) أي وإن بعض أهل الجاهلية الضلال والمنجمين منهم كانوا يعظمون الشمس والقمر، ويقولون: إنهما لا ينكسفان إلا لموت عظيم.
(فصلوا حتى تنجلي) أي حتى تنجلي الآية.
(يوم مات إبراهيم) جمهور أهل السير على أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، قيل: في ربيع الأول. وقيل: في رمضان. وقيل: في ذي الحجة. وقيل: سنة تسع. وقيل: سنة الحديبية.
(فانصرف حين انصرف وقد آضت الشمس) قال النووي: هو بهمزة ممدودة. هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا. قالوا: ومعناه رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف، يقال: آض يئيض إذا رجع. ومنه قولهم: "أيضاً". اهـ.
(مخافة أن يصيبني من لفحها) أي من ضرب لهيبها، ومنه قوله تعالى: ﴿تلفح وجوههم النار﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. قالوا: والنفح دون اللفح، قال تعالى: ﴿ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك﴾ [الأنبياء: ٤٦]. أي أدنى شيء منه.
(وحتى رأيت فيها صاحب المحجن) بكسر الميم عصا منعقفة الطرف. قاله النووي. وفي كتب اللغة: المحجن كالصولجان، يقال: حجنت الشيء وأحجنته إذا جذبته بالمحجن إلى نفسك. وحجنة المغزل بضم الحاء هي المنعقفة في رأسه. والمنعقف المنعطف.
فمحجن الرجل عصا طرفها من جهة الأرض منعطف يجذب الأشياء ويقبض عليها.
(عند أسماء) بنت أبي بكر، أخت عائشة من أبيها.
(قالت: نعم) أي إشارة برأسها أيضاً، لأنها في صلاة.
(حتى تجلاني الغشي) أي أصابني الغشي، بفتح الغين وسكون الشين، وروي أيضاً بكسر الشين وتشديد الياء، وهما بمعنى الغشاوة، قريب من الإغماء، ويحصل بطول القيام في الحر وببذل جهد مع الضعف.
(ما علمك بهذا الرجل؟ ) إنما يقول له الملكان السائلان هذا السؤال، ولا يقولان له: ما علمك بالرسول. امتحاناً له وإغراباً عليه، ليجيب المتمكن الجواب الصحيح، وليضيع غير المتمكن.
(فزع النبي ﷺ يوماً) قال القاضي: يحتمل أن يكون معناه الفزع الذي هو الخوف، كما في
стр. 2035
الرواية الواحدة بعد العشرين: "يخشى أن تكون الساعة". ويحتمل أن يكون معناه الفزع الذي هو المبادرة والإسراع إلى الشيء.
(فأخذ درعاً حتى أدرك بردائه) في الرواية الثالثة عشرة: "فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه بعد ذلك "المراد من الدرع هنا ثوب المرأة، وليس حديد الحرب، والمعنى أنه ﷺ لانزعاجه وشدة سرعته واهتمامه أراد أن يأخذ رداءه فأخطأ وأخذ درع بعض أهل البيت سهواً، ولم يعلم ما فعل لاشتغال قلبه بأمر الكسوف، فلما علم بعض أهل البيت بذلك لحقه بردائه.
(لو أن إنساناً أتى ... إلخ) أي لو أن إنساناً لم يعرف أنه قائم يصلي ما ظن أنه في صلاة لطول وقوفه.
(فقضيت حاجتي، ثم جئت، ودخلت المسجد) أي بعد أن رأت أسماء عائشة تصلي مع الناس خلف رسول الله ﷺ وبعد أن سألتها وفهمت من إشارتها ما جرى، ذهبت إلى بيتها فتوضأت، ثم جاءت ودخلت المسجد، وقامت في صفوف النساء.
(حتى لو أن رجلاً جاء) لم يره قد ركع، ورفع بعد الركوع.
(خيل إليه أنه لم يركع) وأنه في قيام القراءة بعد.
(قدر نحو سورة البقرة) قال النووي: هكذا هو في النسخ "قدر نحو". وهو صحيح. ولو اقتصر على أحد اللفظين لكان صحيحاً. اهـ.
(ورأيت النار فلم أر -كاليوم- منظراً قط) أصل الكلام فلم أر منظراً قط كمنظر اليوم من حيث الفظاعة، فحذف لفظ "منظر" وأدخل التشبيه على اليوم، لبشاعة ما رأى فيه، وبعده عن المنظر المألوف.
(بكفر العشير وبكفر الإحسان) قال النووي: هكذا ضبطناه "بكفر" بالباء الجارة وضم الكاف وإسكان الفاء، قال: والعشير المعاشر كالزوج وغيره. اهـ وعطف كفر الإحسان على كفر العشير للبيان، لأن المقصود كفر إحسان العشير، لا كفر ذات العشير، والمراد بكفر الإحسان تغطيته أو جحده.
(لو أحسنت إلى إحداهن الدهر) الخطاب لكل من يتأتى خطابه، و"الدهر" منصوب على الظرفية، والمراد منه مدة عمر الرجل، أو الزمان كله مبالغة في كفرانهن، وفي رواية البخاري "الدهر كله".
(ثم رأت منك شيئاً) التنوين للتقليل، أي شيئاً قليلاً لا يوافق غرضها من أي نوع كان.
(ثم رأيناك تكعكعت) أي توقفت وأحجمت. قال أهل اللغة: يقال: تكعكع الرجل إذا
следующие страницы →