← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

(ولضحكتم قليلاً) قيل: معنى القلة هنا العدم، أي لم تضحكوا لكثرة الخوف وغلبته واستيلاء الحزن عليكم. (ألا هل بلغت؟ ) ما أمرت به من التحذير والإنذار وغير ذلك مما أرسلت به، والاستفهام للتقرير، أي أقروا بأنني بلغت. (فاقترأ) يقال: قرأ قراءة واقترأ اقتراء بمعنى، ولذا جاء بمصدر "قرأ" فقال: "قراءة طويلة". (حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات) أي استكمل من الركوع أربعة، اثنان في كل ركعة، ومن السجود أربعة، اثنان في كل ركعة، وفي الرواية الرابعة: "أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات". أي أربع ركوعات وأربع سجدات في ركعتين وفي الرواية الثامنة "فكانت أربع ركعات وأربع سجدات" وخالفت في ذلك الرواية التاسعة، فجعلت في كل ركعة من الركعتين ثلاثة من القراءة وثلاثة من الركوع. وسيأتي تفصيل القول فيها. (وانجلت الشمس قبل أن ينصرف) أي قبل أن ينتهي من الصلاة ويخرج منها وينصرف عنها. (فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة) أي بادروا بالصلاة، وأسرعوا إليها ملتجئين بذلك إلى الله. (فصلوا حتى يفرج الله عنكم) "حتى" غائية، أي استمروا وأطيلوا في صلاتكم إلى أن يفرج الله عنكم، أو تعليلية، أي صلوا ليفرج الله عنكم. والظاهر الأول. (رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم) أي في وقوفي للصلاة. ففي الرواية التاسعة: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه". أي كل شيء وعدتموه من جنة ونار. وفي الرواية الثامنة: "إنه عرض على كل شيء تولجونه". أي تدخلونه من جنة ونار فعرضت على الجنة وعرضت على النار. وفي حقيقة هذه الرواية وكيفية هذا العرض، قال القاضي عياض: قال العلماء: يحتمل أنه رآهما رؤية عين، كشف الله تعالى عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله ﷺ -في حديث البخاري- "في عرض هذا الحائط" أي في جهته وناحيته، ويحتمل أنه تمثيل لقرب المشاهدة. قالوا: ويحتمل أن يكون رؤية علم وعرض وحي، بإطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلاً ما لم يعرفه قبل ذلك، ومن عظيم شأنهما ما زاده علماً بأمرهما وخشية وتحذيراً ودوام ذكر، ولهذا قال ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً". قال القاضي: والتأويل الأول أولى، وأشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله ﷺ العنقود، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. اهـ ذكره النووي في شرح مسلم.

стр. 2032

وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ظاهره أنها رؤية عين، فمنهم من حمله على أن الحجب كشفت له دونها، فرآها على حقيقتها، وطويت المسافة بينهما، حتى أمكنه أن تناول منها، وهذا أشبه بظاهر الخبر، ومنهم من حمله على أنها مثلت له في الحائط، كما تنطبع الصورة في المرآة، فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس الآتي في التوحيد: "لقد عرضت على الجنة والنار آنفاً في عرض الحائط وأنا أصلي". وفي رواية: "لقد مثلت". ولمسلم: "ولقد صورت". ثم قال: وأبعد من قال: إن المراد بالرؤية رؤية العلم. قال القرطبي: لا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه ﷺ إدراكاً خاصاً به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما. (حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة) في الرواية الثامنة: "فعرضت على الجنة، حتى لو تناولت منها قطفاً أخذته". أو قال: "تناولت منها قطفاً فقصرت يدي عنه". وفي الرواية التاسعة: "ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل". وفي الرواية الرابعة عشرة: "إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقوداً -أي حاولت أن أتناول- ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا". والقطف بكسر القاف العنقود، وهو فعل بمعنى مفعول، أي مقطوف، كالذبح بكسر الذال يعني المذبوح. (حين رأيتموني جعلت أقدم) قال النووي: ضبطناه بضم الهمزة وفتح القاف وكسر الدال المشددة، ومعناها أقدم نفسي، أو أقدم رجلي، وضبطه جماعة بفتح الهمزة وإسكان القاف وضم الدال، من الإقدام، وكلاهما صحيح. (يحطم بعضها بعضاً) أي يكسر بعض وقودها بعضاً، لشدة لهيبها واضطرابها، كأمواج البحر التي يعلو بعضها بعضاً لعنفها وتدافعها. (ورأيت فيها ابن لحي) بضم اللام وفتح الحاء وتشديد الياء، وفي بعض النسخ عمرو بن لحي. (وهو الذي سيب السوائب) أي أطلق النوق للأصنام، وجعلها للسدنة ترعى في أي مرعى، لا يعرض لها أحد، ولا يشرب لبنها إلا السدنة وابن السبيل فهي موقوفة على الأصنام، وقد أنكر الله على أهل الجاهلية ذلك فقال: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون﴾ [المائدة: ١٠٣]. (فبعث منادياً الصلاة جامعة) أي بعث من ينادي: الصلاة جامعة. وهما منصوبان، "الصلاة" على الإغراء، و"جامعة على الحال، أي احضروا الصلاة حال كونها جامعة، أي ذات جماعة، وقيل برفعهما، "الصلاة" على الابتداء، و"جامعة" على الخبر، وفي الرواية الثامنة عشرة "نودي بالصلاة جامعة" بنصب "الصلاة" و"جامعة" كما سبق، ولم يجر بالباء لأن الجملة قصد حكايتها.

стр. 2033

(ركعتين في ثلاث ركعات وأربع سجدات) أي صلى ركعتين فيهما أربع سجدات، وفي كل ركعة ثلاثة من الركوع، كما وضحه تفصيلاً من قبل وهو المراد من قوله في الرواية السادسة: "صلى ست ركعات وأربع سجدات". (أن يهودية أتت عائشة تسألها) أي تطلب صدقة وإحساناً وبراً فأحسنت عائشة إليها. (فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر) أي دعت اليهودية لعائشة بهذا الدعاء. (فقلت: يا رسول الله، يعذب الناس في القبور؟ ) الكلام على الاستفهام لأن عائشة لم تكن تعلم ذلك لعدم سبق الوحي به، وفي رواية البخاري: أيعذب الناس في قبورهم بإبراز همزة الاستفهام. (قال رسول الله ﷺ عائذاً بالله) قال بعضهم: "عائذاً" منصوب على المصدر الذي يجيء على وزن فاعل، كعافية، أو على الحال المؤكد النائبة مناب المصدر. والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذاً. قال الحافظ: وروي بالرفع، أي أنا عائذ. اهـ. كأن رسول الله ﷺ استعاذ من قول اليهودية، حيث لم يكن أوحى إليه به. (ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركباً) "مركبا" بفتح الكاف مصدر ميمى، أي ركب ركوباً ذات صباح، وهذا المركب هو الذي كان النبي ﷺ فيه بسبب موت ابنه إبراهيم. (فخرجت في نسوة بين ظهري الحجر في المسجد) بفتح الظاء، تثنية ظهر، وفي رواية البخاري "بين ظهراني" قيل: المراد بين ظهر الحجر، والنون والياء زائدتان. وقيل: بل كلمة "ظهراني" كلها زائدة، والأصل بين الحجر، والمراد بالحجر بيوت أزواج النبي ﷺ ، جمع حجرة. (حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه) أي إلى مكان الإمام. (إني رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال) وفي الرواية العاشرة: "وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون" أي تمتحنون في القبور امتحاناً شديداً هائلاً كامتحانكم بفتنة الدجال وناره، والمراد من امتحان القبر ما صرح به في الرواية العاشرة من سؤال الملكين للميت: ما علمك بهذا الرجل؟ (فأطال القيام حتى جعلوا يخرون) أي حتى أخذ الصحابة يجلسون في صلاتهم حيث لم يقدروا على مواصلة الوقوف. (تعذب في هرة لها) أي بسبب هرة لها. (ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) "خشاش" بفتح الخاء، وحكى القاضي عياض كسرها وضمها، والفتح هو المشهور وهي هوام الأرض وحشراتها، وقيل: صغار الطير، والأول أقرب.

стр. 2034

(ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك) هو عمرو بن لحي، سابق الذكر. (يجر قصبه في النار) بضم القاف وسكون الصاد وهي الأمعاء، أي يجر أمعاءه في النار، من جريمته التي أجرمها، وتبديله ملة إبراهيم ﵇. (وإنهم كانوا يقولون) أي وإن بعض أهل الجاهلية الضلال والمنجمين منهم كانوا يعظمون الشمس والقمر، ويقولون: إنهما لا ينكسفان إلا لموت عظيم. (فصلوا حتى تنجلي) أي حتى تنجلي الآية. (يوم مات إبراهيم) جمهور أهل السير على أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، قيل: في ربيع الأول. وقيل: في رمضان. وقيل: في ذي الحجة. وقيل: سنة تسع. وقيل: سنة الحديبية. (فانصرف حين انصرف وقد آضت الشمس) قال النووي: هو بهمزة ممدودة. هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا. قالوا: ومعناه رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف، يقال: آض يئيض إذا رجع. ومنه قولهم: "أيضاً". اهـ. (مخافة أن يصيبني من لفحها) أي من ضرب لهيبها، ومنه قوله تعالى: ﴿تلفح وجوههم النار﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. قالوا: والنفح دون اللفح، قال تعالى: ﴿ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك﴾ [الأنبياء: ٤٦]. أي أدنى شيء منه. (وحتى رأيت فيها صاحب المحجن) بكسر الميم عصا منعقفة الطرف. قاله النووي. وفي كتب اللغة: المحجن كالصولجان، يقال: حجنت الشيء وأحجنته إذا جذبته بالمحجن إلى نفسك. وحجنة المغزل بضم الحاء هي المنعقفة في رأسه. والمنعقف المنعطف. فمحجن الرجل عصا طرفها من جهة الأرض منعطف يجذب الأشياء ويقبض عليها. (عند أسماء) بنت أبي بكر، أخت عائشة من أبيها. (قالت: نعم) أي إشارة برأسها أيضاً، لأنها في صلاة. (حتى تجلاني الغشي) أي أصابني الغشي، بفتح الغين وسكون الشين، وروي أيضاً بكسر الشين وتشديد الياء، وهما بمعنى الغشاوة، قريب من الإغماء، ويحصل بطول القيام في الحر وببذل جهد مع الضعف. (ما علمك بهذا الرجل؟ ) إنما يقول له الملكان السائلان هذا السؤال، ولا يقولان له: ما علمك بالرسول. امتحاناً له وإغراباً عليه، ليجيب المتمكن الجواب الصحيح، وليضيع غير المتمكن. (فزع النبي ﷺ يوماً) قال القاضي: يحتمل أن يكون معناه الفزع الذي هو الخوف، كما في

стр. 2035

الرواية الواحدة بعد العشرين: "يخشى أن تكون الساعة". ويحتمل أن يكون معناه الفزع الذي هو المبادرة والإسراع إلى الشيء. (فأخذ درعاً حتى أدرك بردائه) في الرواية الثالثة عشرة: "فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه بعد ذلك "المراد من الدرع هنا ثوب المرأة، وليس حديد الحرب، والمعنى أنه ﷺ لانزعاجه وشدة سرعته واهتمامه أراد أن يأخذ رداءه فأخطأ وأخذ درع بعض أهل البيت سهواً، ولم يعلم ما فعل لاشتغال قلبه بأمر الكسوف، فلما علم بعض أهل البيت بذلك لحقه بردائه. (لو أن إنساناً أتى ... إلخ) أي لو أن إنساناً لم يعرف أنه قائم يصلي ما ظن أنه في صلاة لطول وقوفه. (فقضيت حاجتي، ثم جئت، ودخلت المسجد) أي بعد أن رأت أسماء عائشة تصلي مع الناس خلف رسول الله ﷺ وبعد أن سألتها وفهمت من إشارتها ما جرى، ذهبت إلى بيتها فتوضأت، ثم جاءت ودخلت المسجد، وقامت في صفوف النساء. (حتى لو أن رجلاً جاء) لم يره قد ركع، ورفع بعد الركوع. (خيل إليه أنه لم يركع) وأنه في قيام القراءة بعد. (قدر نحو سورة البقرة) قال النووي: هكذا هو في النسخ "قدر نحو". وهو صحيح. ولو اقتصر على أحد اللفظين لكان صحيحاً. اهـ. (ورأيت النار فلم أر -كاليوم- منظراً قط) أصل الكلام فلم أر منظراً قط كمنظر اليوم من حيث الفظاعة، فحذف لفظ "منظر" وأدخل التشبيه على اليوم، لبشاعة ما رأى فيه، وبعده عن المنظر المألوف. (بكفر العشير وبكفر الإحسان) قال النووي: هكذا ضبطناه "بكفر" بالباء الجارة وضم الكاف وإسكان الفاء، قال: والعشير المعاشر كالزوج وغيره. اهـ وعطف كفر الإحسان على كفر العشير للبيان، لأن المقصود كفر إحسان العشير، لا كفر ذات العشير، والمراد بكفر الإحسان تغطيته أو جحده. (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر) الخطاب لكل من يتأتى خطابه، و"الدهر" منصوب على الظرفية، والمراد منه مدة عمر الرجل، أو الزمان كله مبالغة في كفرانهن، وفي رواية البخاري "الدهر كله". (ثم رأت منك شيئاً) التنوين للتقليل، أي شيئاً قليلاً لا يوافق غرضها من أي نوع كان. (ثم رأيناك تكعكعت) أي توقفت وأحجمت. قال أهل اللغة: يقال: تكعكع الرجل إذا

стр. 2036

أحجم وجبن وتأخر ونكص على عقبيه. وفي أصل الرواية الرابعة عشرة "كففت"، وفي رواية البخاري "كعكعت". (ثمان ركعات في أربع سجدات) أي صلى ركعتين، في كل ركعة أربعة من الركوع وسجدتان. (فركع ركعتين في سجدة) المراد من الركعة هنا الركوع، ومن السجدة الركعة، أي صلى ركوعين في ركعة. (بينما أنا أرمي بأسهمي) في الرواية الثالثة بعد العشرين "كنت أرتمي بأسهم لي"، وفي ملحقها "بينما أنا أرتمي بأسهم لي"، وكلها بمعنى أرمي، أي كان يتدرب على رمي السهام، أو كان يصطاد بالسهام. (فنبذتهن) أي فتركت السهام. (حتى حسر عنها) أي كشف عنها وعاد ضوؤها، وهو بمعنى "جلي عنها". -[فقه الحديث]- صلاة الكسوف مشروعة باتفاق، والخلاف بين الفقهاء في حكمها، والجمهور على أنها سنة مؤكدة، وحكى عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة. ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية أنها واجبة. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح. قال النووي: ومذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أنه يسن فعلها جماعة. وقال العراقيون: فرادي. وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره. اهـ. أما وقتها فمن ابتداء الكسوف إلى أن ينجلي، سواء أكان ذلك في ليل أو في أي وقت من نهار، لأن الصلاة في الأحاديث علقت بالرؤية "فإذا رأيتموها فصلوا". والرؤية ممكنة في كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعي ومن تبعه. واستثنى الحنفية أوقات الكراهة، وهو مشهور مذهب أحمد، وعن المالكية وقتها من حل النافلة إلى الزوال، وفي رواية إلى صلاة العصر. قاله الحافظ ابن حجر. وقال: ورجح الأول بأن المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله، فيفوت المقصود. اهـ قال: ولو انجلت قبل أن يشرع في الصلاة سقطت الصلاة، ولو في أثناء الصلاة أتمها على الهيئة المذكورة. اهـ. وقال النووي عن حديث ابن سمرة: هذا مما يستشكل ويظن أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، فهو [أي ما في روايتنا

стр. 2037

الثانية والعشرين] محمول على أنه وجده في الصلاة، كما صرح به في الرواية [الثالثة والعشرين] ثم جمع الراوي جميع ما جرى في الصلاة من دعاء وتكبير وتهليل وتسبيح وتحميد وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميما للصلاة، فتمت جملة الصلاة ركعتين، أولهما في حال الكسوف، والثانية بعد الانجلاء. اهـ. أما كيفيتها فقد قال النووي: واختلفوا في صفتها: والمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان، أما السجود فسجدتان غيرهما، سواء تمادى الكسوف أم لا. وبهذا قال مالك وأحمد وجمهور علماء الحجاز وغيرهم، وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل، عملا بظاهر حديث ابن سمرة أن النبي ﷺ صلى ركعتين [روايتنا الثانية بعد العشرين والثالثة بعد العشرين]. قال: وحجة الجمهور حديث عائشة من رواية عروة وعمرة [روايتنا الأولى والثانية والثالثة والرابعة والسابعة] وحديث جابر [روايتنا الثامنة] وابن عباس [روايتنا الرابعة عشرة] وابن عمرو بن العاص [روايتنا السابعة عشرة] أنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان وسجدتان. قال ابن عبد البر: وهذا أصح ما في الباب. وحملوا حديث ابن سمرة بأنه مطلق [صلى ركعتين ولم يبين كيفيتهما ولا الركوع فيهما] وهذه الروايات تبين المراد به. ثم تكلم عن الروايات التي زادت ركوعاً ثالثاً، كروايتنا الخامسة والسادسة والتاسعة، والتي زادت ركوعاً رابعاً، كروايتنا الخامسة عشرة والسادسة عشرة، فقال: وذكر مسلم في رواية عن عائشة وعن ابن عباس وعن جابر: ركعتين في كل ركعة ثلاث ركعات، ومن رواية ابن عباس: وصلى ركعتين في كل ركعة أربع ركعات. قال الحافظ: الروايات الأولى أصح، ورواتها أحفظ وأضبط، ولأبي داود من رواية أبي بن كعب: "ركعتين في كل ركعة خمس ركعات". وقد قال بكل نوع بعض الصحابة. وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين وجماعة من غيرهم: هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف، ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف، فزاد عدد الركعات، وفي بعضها أسرع الانجلاء فاقتصر، وفي بعضها توسط بين الإسراع والتأخر فتوسط في عدده. وهذا التوجيه بعيد، لأن تأخر الانجلاء لا يعلم في الركعة الأولى، والروايات متفقة على أن عدد الركوع في كل من الركعتين سواء، فهذا يدل على أن عدد الركوع مقصود من أول الحال. والأولى ما قاله جماعة من العلماء من أنه جرت صلاة الكسوف في أوقات متعددة، واختلاف صفتها محمول على بيان جواز جميع ذلك، فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة. وهذا أقوى [وبه أخذ الحنابلة]. قال: واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة واختلفوا في القيام الثاني، فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه، وقال بعض المالكية: لا يقرأ الفاتحة في القيام الثاني.

стр. 2038

قال: واتفقوا على استحباب إطالة القراءة والركوع فيها، كما جاءت الأحاديث، ولو اقتصر على الفاتحة في كل قيام وأدى طمأنينته في كل ركوع صحت صلاته، وفاته الفضيلة. قال: واختلفوا في إطالة السجود، فقال جمهور أصحابنا: لا يطوله، بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات. وقال المحققون منهم: يستحب إطالته نحو الركوع الذي قبله، للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك. اهـ. ولعله يشير إلى روايتنا التاسعة، وفيها: "وركوعه نحو من سجوده". أو الرواية السابعة عشرة، وفيها تقول عائشة: "ما ركعت ركوعاً قط، ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه". لكن بقية الروايات لم تصف السجود بالطول حين أبرزت وصف القيام والركوع بالطول الشديد، مما يرجح الرأي القائل بعدمه. -[ويؤخذ من أحاديث الكتاب]- ١ - من الرواية الأولى، من قوله: "فقام رسول الله ﷺ يصلي". أن النبي ﷺ كان يحافظ على الوضوء، فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال، وفيه نظر، لجواز أن يكون في الرواية حذف، فليس نصا في أنه كان على وضوء. ذكره الحافظ ابن حجر. ٢ - ومن قوله: "فخطب الناس". مشروعية الخطبة في الكسوف، وهي دليل للشافعي وأصحاب الحديث، حيث قالوا: يستحب بعد الصلاة خطبتان. وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك. والحنفية يقولون: ليس في الكسوف خطبة ويقولون عن الأحاديث المثبتة بأنه ﷺ لم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقب هذا القول بأن الأحاديث الصحيحة صرحت بالخطبة، وذكرت كثيراً من شرائطها من الحمد والثناء والموعظة بمواعظ أخرى، كالتخويف من النار، وما رأى فيها، والترغيب في الجنة وما رأى فيها، وعذاب القبر، وكفران العشير. ونحو ذلك. والمشهور عند المالكية أن لا خطبة لها. قال الحافظ ابن حجر: والعجب أن مالكاً روى حديث هشام وفيه التصريح بالخطبة ولم يقل بها أصحابه. اهـ. ٣ - وأن الخطبة لا تفوت بالانجلاء، بخلاف ما لو انجلت قبل أن يشرع في الصلاة، فإنه يسقط الصلاة والخطبة. ٤ - وأن الخطبة تفتتح بحمد الله والثناء عليه، ومذهب الشافعي أن لفظة (الحمد لله) متعينة، فلو قال معناها لم تصح خطبته. ذكره النووي. ٥ - وفيه إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما.

стр. 2039

٦ - ومن الحث على التكبير والدعاء والصلاة والصدقة الحث على الطاعات عند البلاء، واستدفاع البلاء بالذكر والدعاء وغيرهما من القربات. ٧ - ومن قوله ﷺ : "يا أمة محمد". إشفاقه ﷺ ، كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه، بقوله: يا بني. كذا قيل. وكان قضية ذلك أن يقول: يا أمتي. لكن عدل عن ذلك لما في الإضافة إلى الضمير من الإشعار بالتكريم مما لا يتناسب ومقام التخويف والتحذير، ومثله: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً". ٨ - ويؤخذ منه أيضاً أن الواعظ ينبغي له حال وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه [إذ لم يقل: يا أمة رسول الله] بل يبالغ في التواضع لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه. وقبوله لوعظه. ٩ - ومن التنبيه على غيرة الله على المعاصي يؤخذ أن التخويف بغضب الله حين البلاء أكثر تأثيراً لرقة القلب وإخلاص الذكر واستجابة الدعاء، وهذا الأسلوب خير أسلوب للوعظ. قال الحافظ ابن حجر: فيه ترجيح التخويف في الخطبة على التوسع في الترخيص. ١٠ - ومن تخصيص الزنا بالذكر من بين المعاصي يؤخذ قبح هذه المعصية ومدى تسببها في غضب الله. ١١ - ومن تعبيره ﷺ : "عبده وأمته". يؤخذ حسن أدبه ﷺ مع الله تعالى لتنزهه عن الزوجة والأهل الذين تتعلق بهم الغيرة غالباً. ١٢ - ومن الكلام عن الضحك والبكاء يؤخذ الزجر عن كثرة الضحك والحث على البكاء، والتحقق مما يصير إليه المرء بعد الموت. ١٣ - ومن قوله "ألا هل بلغت؟ ". تحريض الأمة على حفظ الشريعة وتبليغها والقيام عليها. ١٤ - وفي الحديث استحباب رفع اليدين عند الدعاء. ١٥ - ومن الرواية الثانية من خروجه ﷺ إلى المسجد استحباب صلاة الكسوف في المسجد الذي تصلي فيه الجمعة، وفي الرواية الثالثة عشرة: "ثم جئت ودخلت المسجد، فرأيت رسول الله ﷺ قائماً فقمت معه .... إلخ". وفي الرواية الواحدة بعد العشرين: "حتى أتى المسجد فقام يصلي ... إلخ". فالمراد من "مصلاه" في الرواية السابعة مكان الإمام من مسجده ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: وصح أن السنة في صلاة الكسوف أن تصلي في المسجد، ولولا ذلك لكانت صلاتها في الصحراء أجدر برؤية الانجلاء. ١٦ - وفي الأحاديث صلاتها جماعة، وهو أمر مستحب، وليس شرطاً لصحتها، فتصح فرادى. قال الحافظ ابن حجر: وإن لم يحضر الإمام الراتب أم لهم بعضهم، وبه قال الجمهور. وقال الثوري: إن لم يحضر الإمام صلوا فرادى.

стр. 2040

١٧ - وتقديم الإمام في الموقف. ١٨ - وتعديل الصفوف. ١٩ - ومن الدعاء بعد الرفع من الركوع، قال النووي: ويستحب أن يقول في كل رفع من ركوع: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويجمع بين هذين اللفظين، وهو مذهب الشافعي ومن وافقه، وهو مستحب عندنا للإمام والمأموم والمنفرد. ٢٠ - ومن قوله: "فإذا رأيتموها فافزعوا". يؤخذ استحباب المبادرة بصلاة الكسوف. ٢١ - وفي الحديث أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان، وهو مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة، وهذا مبني على أن الرؤية حقيقية لما هو واقع الآن. ٢٢ - ومن تأخره ﷺ حين رأى جهنم يؤخذ مشروعية التأخر والبعد عن مواطن العذاب والهلاك. ٢٣ - واستدل بذكر ابن لحي على أن بعض الناس معذب في نفس جهنم اليوم. ٢٤ - وفي الرواية الثالثة دليل للشافعي ومن وافقه أنه يستحب أن ينادى لصلاة الكسوف بنداء: "الصلاة جامعة" وأجمعوا على أن لا يؤذن لها ولا يقام. ٢٥ - وفي الرواية الرابعة دليل لأبي يوسف ومحمد وأحمد في قولهم باستحباب الجهر في صلاة كسوف الشمس والقمر. والجمهور على أنه لا جهر في كسوف الشمس، وحمل بعضهم قول عائشة: "جهر في صلاة الخسوف بقراءته". على كسوف القمر. قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر بلفظ: "كسفت الشمس". اهـ. وقال النووي: واحتج الآخرون بأن الصحابة قدروا القراءة بقدر سورة البقرة [في روايتنا الرابعة عشرة] ولو كانت القراءة جهراً لعلم قدرها دون تقدير. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن الجهر والإسرار سواء. ٢٦ - ومن قوله: "يخوف الله عباده". يؤخذ أن الظاهرة السيئة -وإن كانت على وفق قوانين الله في الكون- يقصد بها التخويف، لأن الابتلاء بحجب النعمة يذكر بفضلها حين وجودها، ويخوف من ذهابها، فمن أسرار حكمة الكسوف التخويف، وكان -جل شأنه- قادراً على جعل الأفلاك والدوران بحيث لا يحجب شيء الآخر، وهو قادر جل شأنه على إيقاف حركتها واستمرار حجب الضوء، كما هو صريح قوله: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون﴾ [القصص: ٧١]. ٢٧ - وفي الرواية السابعة ثبوت عذاب القبر وفتنته، وهو مذهب أهل الحق. ٢٨ - مشروعية التعوذ من عذاب القبر.

стр. 2041

٢٩ - ومن الرواية الثامنة من عذاب صاحبة الهرة أخذ بعضهم المؤاخذة بالصغائر، قال القاضي عياض: ليس في الحديث أنها عذبت بالنار، ويحتمل أنها كانت كافرة، فزيد في عذابها بذلك. ورد عليه النووي فقال: الصواب المصرح به في الحديث أنها عذبت بسبب الهرة، وهو كبيرة، لأنها ربطتها وأصرت على ذلك حتى ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، كما هو مقرر في كتب الفقه وغيرها: وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة. اهـ. ٣٠ - ويؤخذ من تقدمه وتأخره ﷺ في الصلاة في الرواية التاسعة أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، والخلاف في ضبط العمل القليل فالشافعية ضبطوه بما دون الثلاث خطوات متتابعات، وقالوا: الثلاث متتابعات تبطل الصلاة، ويتأولون الحديث على أن الخطوات كانت متفرقة، لا متوالية ويستطيعون أن يدعوا أنها كانت أقل من ثلاث، ومن الصعب قبول هذا التأويل، لأن التوالي عندهم وقوعها في ركن واحد، ولا شك أن تقدمه وتأخره ﷺ كان في ركن واحد، وهو ركن القيام للقراءة، فالحديث واضح مع غير الشافعية. ٣١ - ويؤخذ من الرواية العاشرة استحباب صلاة الكسوف للنساء ولا خلاف يذكر فيه، لكن الخلاف في صلاتهن الكسوف جماعة أو في المسجد، فعن الثوري وبعض الحنفية: يصلين فرادى. وفي المدونة: تصلي المرأة في بيتها وتخرج المتجالة. أي كثيرة الخروج والتجول، نقيض ذوات الخدور، وعن الشافعية: يخرج الجميع إلا من كانت بارعة الجمال. وعن بعض الفقهاء أن الكسوف إنما يخاطب به من يخاطب بالجمعة، وهو ضعيف. وقد ناقش بعضهم في الاستدلال على استحباب صلاة الكسوف للنساء في المسجد بصلاة عائشة وأسماء، فقال: إن أسماء إنما صلت في حجرة عائشة لكن الرواية الثالثة عشرة تشير إلى أن صلاتها كانت بالمسجد فهي تقول "فقضيت حاجتي ثم جئت ودخلت المسجد فرأيت رسول الله ﷺ قائماً، فقمت معه". ثم إن نساء أخريات كانت تصلي بالمسجد، ففي الرواية نفسها: "حتى رأيتني أريد أن أجلس، ثم ألتفت إلى المرأة الضعيفة، فأقول: هذه أضعف مني، فأقوم". ٣٢ - ويؤخذ من استمرار أسماء في الصلاة مع حصول الغشي، أن الغشي لا ينقض الوضوء مادام العقل ثابتاً. ذكره النووي. ٣٣ - وفي تأخيره ﷺ حتى ينتهي إلى النساء دليل على أن النساء يصلين خلف الرجال. ٣٤ - وفي إشارة عائشة من غير أن تنطق يؤخذ منع الكلام في الصلاة. ٣٥ - وأن الإشارة لا تبطل الصلاة، قال النووي: ولا كراهية فيها إذا كانت لحاجة. ٣٦ - وفي الرواية الرابعة عشرة من سؤال الصحابة عما رأوه اهتمامهم بحركاته ﷺ وسكناته. ٣٧ - وسؤال التابع ومراجعة المتعلم للعالم فيما لا يدركه فهمه، وجواز استفهامه عن علة الحكم.

стр. 2042

٣٨ - ومعجزة ظاهرة للنبي ﷺ . ٣٩ - وما كان عليه ﷺ من نصح أمته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرهم. ٤٠ - وبيان العالم ما يحتاج إليه التلميذ. ٤١ - وجواز إطلاق الكفر على كفران الحقوق مما لا يخرج من الملة، وإن لم يكن ذلك الشخص كافراً بالله تعالى. ٤٢ - وذم كفران الحقوق. ٤٣ - ووجوب شكر النعم. ٤٤ - وأن أهل التوحيد يعذبون على المعاصي. قال الحافظ ابن حجر: ووقع في حديث جابر ما يدل على أن المرئي في النار من النساء من اتصف بصفات ذميمة، ولفظه: "وأكثر من رأيت فيها من النساء اللائي إن ائتمن أفشين، وإن سئلن بخلن، وإن سألن ألحفن، وإن أعطين لم يشكرن". ٤٥ - ومن الرواية الواحدة بعد العشرين يؤخذ ما ينبغي للمسلم من تذكر الساعة وأهوال القيامة كلما رأى آية في الكون. قال النووي عن قول الراوي: "فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة". هذا قد يستشكل من حيث أن الساعة لها مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها، لم تكن وقعت، كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار، والدجال، وأشياء أخر لا بد من وقوعها قبل الساعة كفتوح الشام والعراق ومصر وغيرها، وإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله، وغير ذلك من الأمور المشهورة في الأحاديث الصحيحة. قال: ويجاب عنه بأجوبة. أحدها: لعل هذا الكسوف كان قبل إعلام النبي ﷺ بهذه الأمور. الثاني: لعله خشي أن يكون بعض مقدماتها. الثالث: أن الراوي ظن أن النبي ﷺ يخشى أن تكون الساعة، وليس يلزم من ظنه أن يكون النبي ﷺ خشي ذلك حقيقة، بل خرج النبي ﷺ مستعجلاً مهتماً بالصلاة وغيرها من أمر الكسوف، مبادراً إلى ذلك. وربما خاف أن يكون نوع عقوبة، كما كان ﷺ عند هبوب الريح تعرف الكراهة في وجهه، ويخاف أن يكون عذاباً، فظن الراوي خلاف ذلك، ولا اعتبار بظنه. اهـ. ٤٦ - في الرواية الثانية والثالثة بعد العشرين دليل للشافعية في رفع اليدين في القنوت، ورد على من يقول: لا ترفع الأيدي في دعوات الصلاة. ٤٧ - في اقتران القمر بالشمس في الأحاديث، وفي قوله: "فإذا رأيتموها فصلوا". دليل للشافعي وجميع الفقهاء أصحاب الحديث في استحباب الصلاة لكسوف القمر على هيئة صلاة كسوف الشمس. وقال مالك وأبو حنيفة: لا تسن لكسوف القمر هكذا، وإنما تسن ركعتان كسائر الصلوات فرادى. والله أعلم

стр. 2043

كتاب الجنائز

стр. 2044

(٢٨٢) باب عيادة المريض، وما يقال عند الموت ١٨٤٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". ١٨٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". ١٨٤٧ - عن أم سلمة ﵂ أنها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله، ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها. إلا أخلف الله له خيراً منها" قالت فلما مات أبو سلمة، قلت أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ . ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . قالت أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له. فقلت إن لي بنتاً وأنا غيور. فقال "أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة". ١٨٤٨ - عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها" قالت فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله لي خيراً منه رسول الله ﷺ . ١٨٤٩ - عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 2045

يقول بمثل حديث أبي أسامة وزاد قالت فلما توفي أبو سلمة قلت من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ . ثم عزم الله لي فقلتها قالت فتزوجت رسول الله ﷺ . ١٨٥٠ - عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات. قال "قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة" قالت فقلت فأعقبني الله من هو خير لي منه محمداً ﷺ . ١٨٥١ - عن أم سلمة ﵂ قالت دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" فضج ناس من أهله؛ فقال "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" ثم قال "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه". ١٨٥٢ - عن خالد الحذاء بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال "واخلفه في تركته" وقال "اللهم أوسع له في قبره" ولم يقل "افسح له" وزاد قال خالد الحذاء ودعوة أخرى سابعة نسيتها. ١٨٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره؟ " قالوا بلى. قال "فذلك حين يتبع بصره نفسه". -[المعنى العام]- لذكر الموت رهبة، ولشبحه فزع، رغم الإيمان به، واليقين بأنه باب لا بد من دخوله، نشيع اليوم من كان معنا بالأمس، ونفتقد في غمضة عين من كان بيننا يأمل كآمالنا ويبني طول حياة كبنائنا.

стр. 2046

ليست العبرة في أن نتذكر الموت، فإننا نراه بعيوننا بين الحين والحين، بل قد تفقد الرؤية الكثيرة الاتعاظ والاعتبار، فالرجل الذي يمتهن دفن الموتى لا يتأثر بالموت، وإنما العبرة أن يدفعنا هذا التذكر إلى العمل لما بعد الموت، وأن نستحي من الله حق الحياء، فنحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى. وإن عيادة المريض وسيلة إلى العبرة والمؤانسة، عبرة للزائر ومؤانسة للمريض، وإن حضور من أدركه الموت أكثر اتعاظاً، فالزائر يرى الميت وقد تحشرجت أنفاسه، وضاق صدره بروحه، ويراه وقد بلغت الحلقوم، ينظر إليه ولا يستطيع مساعدته بشيء، ينظر الحبيب الحي إلى حبيبه وقد شخص بصره وتجمدت جفونه، فلا يملك إلا أن يغمض له عينيه، وإلا أن يلقنه لا إله إلا الله محمد رسول الله. لا يملك المسلم الحبيب أو القريب إلا أن يقول ما أمره الله به: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦]، وأن يقول ما أرشده إليه رسوله الكريم ﷺ : "اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها". فإنه إن قال ذلك أخلفه الله خيراً من مصيبته وآجره على صبره، قد يظن الحبيب أن مصابه أعظم من أن يخلف ويعوض بخير مما فقد، فيعز عليه أن يقول: اخلف لي خيراً منها، كما فعلت السيدة أم سلمة حين مات زوجها وأبو أولادها، أبو سلمة، لقد قالت: ليس في المسلمين من هو خير من أبي سلمة حتى يخلفه، إنه كان أول المهاجرين من مكة إلى المدينة، ومن أوائل من أسلم وهاجر الهجرتين فليس هناك مثله فضلا عمن هو خير منه فصعب عليها أن ينطق لسانها بدعوة اللهم اخلفني خيرا من مصيبتي لكنها جاهدت نفسها فقالتها فكانت النتيجة أن ذهب إليها عمر يخطبها لنفسه فاعتذرت فذهب إليها أبو بكر يخطبها لنفسه فاعتذرت فأرسل إليها رسول الله ﷺ يخطبها لنفسه، فأشفقت عليه من تبعاتها، وقالت: إني امرأة مسنة وغيور، وذات عيال؛ فقال لها ﷺ : أما سنك فأنا أكبر منك وأما غيرتك فأسأل الله أن يذهب بها، وأما عيالك فلهم الله ورسوله، فتزوجها ﷺ . إن المصابين وأهل الميت إذا صبروا واحتسبوا واستسلموا ودعوا الله تعالى جزاهم خيراً وأخلفهم خيراً، وإذا ما دعوا للميت بالخير وبأن يوسع الله له في قبره، وأن يغفر له، وأن يرفع درجته فإننا نرجو أن يجيب الله دعاءهم وأن يرحم ميتهم وأن يدخله الجنة. بهذا رسم الإسلام استقبال الموت، وحضور الموت، والاستعداد للموت. فاللهم أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وأمتنا ما كان الموت خيراً لنا. وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، إنك سميع مجيب. -[المباحث العربية]- (كتاب الجنائز) بفتح الجيم لا غير جمع جنازة بالفتح والكسر، لغتان والكسر أفصح. وقيل: بالكسر اسم للنعش، وبالفتح اسم للميت. وقالوا: لا يقال: نعش إلا إذا كان عليه الميت.

стр. 2047

(لقنوا موتاكم) في الكلام مجاز المشارفة، أي الأحياء المشرفين على الموت وليس الأموات بالفعل، أي من قرب موته، من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ [يوسف: ٣٦] والتلقين: التذكرة والدعوة إلى القول والنطق، وليس عن طريق الطلب المباشر للنطق، وإنما ينطق من حضر الموت بالشهادتين نطقاً يسمع به الميت كأنه يدعوه للنطق بها. (لا إله إلا الله) الجملة مقصود لفظها مفعول "لقنوا" وعبارة "لا إله إلا الله" أصبحت لقباً يقصد به الشهادتان شرعاً. (اللهم أجرني في مصيبتي) يقال: أجره الله أي: أعطاه أجره وجزاء صبره، وهو مقصور "أجره" لا يمد، فلا يقال: آجره الله، وحكى القاضي المد. (وأخلف لي خيراً منها) "أخلف" بهمزة قطع وكسر اللام. قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله: أخلف الله عليك، أي رد عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله بأن ذهب والد أو عم أو أخ قيل له: خلف الله عليك، بغير ألف، أي كان الله خليفة منه عليك. نقله النووي عن أهل اللغة. (فلما مات أبو سلمة) اسمه عبد الله بن عبد الأسد بن هلال. أسلم هو وزوجه مع السابقين، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى والثانية. شهد مع رسول الله ﷺ غزوة بدر، وغزوة أحد، ورمي فيها بسهم في عضده، ثم شفي من جرحه، لكنه عاوده الألم فمات منه على رأس ثلاث سنين من الهجرة. (أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ ) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا أحد من المسلمين خير من أبي سلمة، وذلك في تقديرها. (أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ فهو أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانت هجرته قبل بيعة العقبة الثانية. (أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له) في بعض الروايات أنه ﷺ أرسل عمر إليها يخطبها له ﷺ ، فلما اعتذرت نهرها عمر وقال: أنت التي تردين رسول الله ﷺ ؟ فيحتمل أنه ﷺ أرسل حاطباً بعد عمر. (فقلت: إن لي بنتاً) فقد توفي أبو سلمة وهي حامل في بنته "زينب" فلما وضعتها وانقضت عدتها خطبت، وفي رواية: "إنني ذات عيال". ولدت بالحبشة ابنها "سلمة" وولدت بالمدينة ابنها عمر، وابنتها درة، ثم ابنتها المقصودة هنا "زينب". (وأنا غيور) يقال: امرأة غيرى وغيور، ورجل غيور وغيران، قال النووي: وقد جاء فعول في صفات المؤنث كثيراً كقولهم: امرأة عروس وعروب وضحوك.

стр. 2048

وفي رواية: "وأنا امرأة مسنة" وقصدها الاعتذار برفق، وإنها تخشى على رسول الله ﷺ من حالها. (فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها) أي أن يغني البنت عن أمها بكفالته ﷺ لها، وظاهر الرواية أنه ﷺ قال ذلك بعيداً عنها، لكن بعض الروايات قالت: "فاستأذن على رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهاباً، فسلكت يدي منه، وأذنت لرسول الله ﷺ ، ووضعت له وسادة من أدم حشوها ليف فقعد إليها، فقال: أما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك، وأما ما ذكرت من غيرتك فإني أرجو الله أن يذهبها عنك -فكانت في النساء كأنها ليست منهن لا تجد من الغيرة شيئاً- وأما ما ذكرت من صبيتك فإن الله سيكفيهم". فلعل روايتنا بأسلوب الغيبة تصرف من الرواة. (وأدعو الله أن يذهب بالغيرة) بفتح الغين، يقال: أذهب الله الشيء وذهب به، وفي القرآن الكريم: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة: ١٧]. (ثم عزم الله لي) أي خلق في عزماً، أو خلق لي عزماً. (إذا حضرتم المريض -أو الميت-) "أو" شك من الراوي، والمراد من الميت من أشرف على الموت. (فقولوا خيراً) أي ادعو له بخير. (فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات) في الرواية الخامسة أن رسول الله ﷺ حضر وفاة أبي سلمة فقولها: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات ليس للإخبار بموته، ولعله للتوجع وإظهار الحزن. (وقد شق بصره) فعل وفاعل. قال النووي: "شق" بفتح الشين، و"بصره" بالرفع فاعل "شق" هكذا ضبطناه، وهو المشهور، وضبطه بعضهم "بصره" بالنصب وهو صحيح أيضاً، والشين مفتوحة بلا خلاف. قال أهل اللغة: يقال: شق بصر الميت، وشق الميت بصره، ومعناه شخص وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد إليه طرفه. (فأغمضه) أي فأغمض عيني أبي سلمة. (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) الروح يذكر ويؤنث، قال النووي: معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظراً أين يذهب. اهـ. ومعناه أن الروح يرى، وهو بعيد، فالأولى أن يكون المعنى إن الروح إذا قبض تبعه قبض البصر وامتناع الرؤية فتتوقف العين عن الإبصار مع انفتاحها.

стр. 2049

(فضج ناس من أهله) بالبكاء وبالدعاء بالويل والهلاك والخيبة. (واخلفه في عقبه في الغابرين) أي الباقين من عقبه. (واخلفه في تركته) أي أهله وأولاده. (وقال: "اللهم أوسع له في قبره" ولم يقل "افسح له") توثيق بالرواية، وإعلام بالمحافظة على ألفاظها. (شخص بصره) بفتح الشين والخاء، أي تصلب. (فذلك حين يتبع بصره نفسه) أي يذهب إبصاره تبعاً لذهاب نفسه وروحه عن جسده. -[فقه الحديث]- قال الحافظ ابن حجر: أورد البخاري وغيره كتاب الجنائز بين الصلاة والزكاة لتعلقها بهما -أي لتعلق الجنائز بالصلاة من حيث الصلاة على الميت وبالزكاة من حيث عهدة الميت المالية واستحقاق الزكاة كدين في تركته -ولأن الذي يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك أهمه الصلاة عليه- فالصلاة على الميت أهم ما يفعل به وله- لما فيها من فائدة الدعاء له بالنجاة من العذاب، ولا سيما عذاب القبر. اهـ. -[ويؤخذ من الأحاديث: ]- ١ - من الرواية الخامسة عيادة المريض، قال النووي في شرح المهذب: عيادة المريض سنة متأكدة، والأحاديث الصحيحة مشهورة في ذلك. ويستحب أن يعم بعيادته الصديق والعدو، ومن يعرفه ومن لا يعرفه، وفي عيادة المريض الكافر خلاف، وينبغي أن تكون العيادة غباً، لا يواصلها كل يوم، اللهم إلا أقارب المريض وأصدقاؤه ونحوهم ممن يأتنس بهم أو يتبرك بهم أو يشق عليهم إذا لم يروه كل يوم، ويكره أن يطيل القعود عنده لما فيه من إضجاره والتضييق عليه. ٢ - ويستحب للعائد أن يدعو للمريض، إن رجا شفاءه دعا له بالشفاء، فعن أنس أنه قال لثابت: "ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى. قال: اللهم رب الناس، مذهب البأس، اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقماً". رواه البخاري. وعن سعد بن أبي وقاص قال: "عاودني النبي ﷺ فقال: اللهم اشف سعداً. اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً". رواه مسلم. ٣ - وإن لم يرج شفاءه ورآه منزولاً به، استحب أن يلقنه الشهادتين كما جاء في الرواية الأولى. ويستحب أن يكون الملقن غير متهم، وغير عدو أو حاسد، وأن يكون أشفق الحاضرين عليه، وأن لا يلح عليه في النطق بالشهادتين لئلا يضجر فيقول: لا أقول أو يتكلم بكلام قبيح، وإذا أتى بالشهادتين مرة لا يعاود ما لم يتكلم بعدهما بكلام آخر، للحديث الصحيح: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".

стр. 2050

٤ - ومن الرواية الخامسة استحباب إغماض عين الميت، ويتولى ذلك أرفقهم به، ويستحسن أن يقال حال الإغماض: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ . ورد ذلك عند البيهقي في السنن الكبرى بإسناد صحيح، زاد العلماء أنه يستحب شد لحييه بعصابة عريضة تجمع جميع لحييه، ثم تشد العصابة على رأسه، لأنه إذا لم يفعل به ذلك استرخى لحيه، وانفتح فمه، فقبح منظره، وربما دخل إلى فمه شيء من الهوام. ٥ - ويستحب أن يدعو أهله بالدعاء الوارد في الروايات: " ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، اللهم اغفر لنا وله وأعقبنا منه عقبة حسنة". ٦ - وأن يدعو للميت بما ورد في الرواية الخامسة. ٧ - ومن الرواية الرابعة أنه يستحب لمن حضر الميت أن يقول خيراً، من دعاء له، واستغفار وطلب اللطف والتخفيف، وذكر محاسنه، والثناء عليه، وأن يقرأ عنده سورة يس، وأن يطلب منه الدعاء. ٨ - وفيها أن الملائكة تحضر الميت وتؤمن على ما يقوله الحاضرون. ٩ - وفي الرواية الخامسة ثبوت عذاب القبر. ١٠ - واستحباب الدعاء للميت بنوره وتوسعته. ١١ - أخذ القاضي عياض من قوله في الرواية الخامسة: "إن الروح إذا قبض". أن الموت ليس بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال وتغير حال، وإعدام الجسد دون الروح. ١٢ - قال القاضي عياض: وفي قوله: "يتبع بصره نفسه". مع قوله: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر". حجة لمن يقول: الروح والنفس بمعنى. ١٣ - وفي قوله في الرواية الخامسة: "إن الروح إذا قبض". دليل لمذهب بعض المتكلمين ومن وافقهم أن الروح جسم لطيف متخلل في البدن، وتذهب الحياة من الجسد بذهابه، وليس عرضاً كما يقول البعض، ولا دماً كما يقوله آخرون. قاله النووي. ١٤ - وهناك أمور مهمة تتعلق بالميت أو بمن أشرف على الموت، وبمن يكونون حوله، ذكرها النووي في المجموع ويحسن بنا ذكر أهمها: (أ) من ذلك أنه يستحب لكل أحد أن يكثر ذكر الموت، لما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا ذكر هاذم اللذات -يعني الموت". وينبغي ذلك في حالة المرض بصفة أشد استحباباً ليرق قلبه، فيرجع إلى ربه ويقبل على الطاعات، ويرد المظالم والحقوق، وليكن في ذكره صباح مساء ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك".

стр. 2051

(ب) ويستحب للمريض ومن به سقم أن يصبر، وفي الكتاب والسنة كثير في فضل الصبر، ويكفي في فضله قوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠] ويكره له كثرة الشكوى، وقال بعضهم: ويكره له التأوه والأنين. قال النووي: والصواب أنه لا كراهة فيه، ولكن الاشتغال بالتسبيح وغيره أولى. (ج) والتداوي مشروع، فقد روى أبو داود عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بالحرام". وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء". وفي مسلم عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله ". وفي أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أسامة بن شريك قال: أتيت رسول الله ﷺ -وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير- فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله: نتداوى؟ قال: "تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم". (د) ويستحب للمريض ومن حضرته أسباب الموت ومعاناته أن يحسن الظن بالله تعالى راجياً العفو والرحمة. (هـ) ويستحب للحاضر عند المحتضر أن يطمعه في رحمة الله تعالى ويحثه على تحسين ظنه بربه وأن يذكر له الآيات والأحاديث الواردة في الرجاء وينشطه لذلك. (و) ويستحب أن يستقبل به القبلة، قال النووي: وهذا مجمع عليه وفي كيفيته المستحبة وجهان: أحدهما: على قفاه وبطن قدميه إلى القبلة، ويرفع رأسه قليلاً ليصير وجهه إلى القبلة. ثانيهما: وهو الأصح عند الأكثرين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والمنصوص عليه للشافعي أن يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة وكالموضوع في اللحد، فإن لم يمكن لضيق المكان أو غيره، فعلى جنبه الأيسر إلى القبلة، فإن لم يمكن فعلى قفاه. (ز) ويجوز لأهل الميت وأصدقائه تقبيل وجهه. والله أعلم

стр. 2052

(٢٨٣) باب البكاء على الميت ١٨٥٤ - عن أم سلمة ﵂ قالت: لما مات أبو سلمة قلت غريب وفي أرض غربة لأبكينه بكاء يتحدث عنه. فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله ﷺ وقال "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتاً أخرجه الله منه؟ " مرتين فكففت عن البكاء فلم أبك. ١٨٥٥ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً لها في الموت. فقال للرسول "ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب" فعاد الرسول فقال إنها قد أقسمت لتأتينها. قال فقام النبي ﷺ وقام معه سعد ابن عبادة ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم. فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة، ففاضت عيناه. فقال له سعد ما هذا يا رسول الله؟ قال "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". ١٨٥٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال "أقد قضى؟ " قالوا لا يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا. فقال "ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا (وأشار إلى لسانه) أو يرحم". ١٨٥٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال كنا جلوساً مع

стр. 2053

رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فسلم عليه ثم أدبر الأنصاري. فقال رسول الله ﷺ "يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة؟ " فقال صالح. فقال رسول الله ﷺ "من يعوده منكم؟ " فقام وقمنا معه ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص نمشي في تلك السباخ حتى جئناه فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين معه. ١٨٥٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الصبر عند الصدمة الأولى". ١٨٥٩ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبي لها. فقال لها "اتقي الله واصبري". فقالت: وما تبالي بمصيبتي. فلما ذهب. قيل لها إنه رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين. فقالت يا رسول الله لم أعرفك. فقال "إنما الصبر عند أول صدمة" أو قال "عند أول الصدمة". ١٨٦٠ - حدثنا شعبة بهذا الإسناد نحو حديث عثمان بن عمر، بقصته وفي حديث عبد الصمد مر النبي ﷺ بامرأة عند قبر. ١٨٦١ - عن عبد الله ﵁ أن حفصة بكت على عمر، فقال "مهلاً يا بنية ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟ ". ١٨٦٢ - عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه". ١٨٦٣ - عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه"

стр. 2054

١٨٦٤ - عن ابن عمر ﵄ قال لما طعن عمر أغمي عليه، فصيح عليه. فلما أفاق قال: أما علمتم أن رسول الله ﷺ قال "إن الميت ليعذب ببكاء الحي". ١٨٦٥ - عن أبي بردة عن أبيه قال: لما أصيب عمر جعل صهيب يقول وا أخاه. فقال له عمر يا صهيب أما علمت أن رسول الله ﷺ قال "إن الميت ليعذب ببكاء الحي". ١٨٦٦ - عن أبي موسى قال لما أصيب عمر أقبل صهيب من منزله حتى دخل على عمر فقام بحياله يبكي. فقال عمر علام تبكي؟ أعلي تبكي؟ قال إي والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين. قال والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال "من يبكى عليه يعذب". قال فذكرت ذلك لموسى ابن طلحة؛ فقال كانت عائشة تقول إنما كان أولئك اليهود. ١٨٦٧ - عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب لما طعن عولت عليه حفصة؛ فقال يا حفصة أما سمعت رسول الله ﷺ يقول "المعول عليه يعذب؟ ". وعول عليه صهيب؛ فقال عمر يا صهيب أما علمت "أن المعول عليه يعذب؟ ". ١٨٦٨ - عن عبد الله بن أبي مليكة قال كنت جالساً إلى جنب ابن عمر، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان. فجاء ابن عباس يقوده قائد. فأراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما. فإذا صوت من الدار. فقال ابن عمر -كأنه يعرض على عمرو أن يقوم فينهاهم- سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" قال فأرسلها عبد الله مرسلة. فقال ابن عباس كنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو برجل نازل في ظل شجرة. فقال لي اذهب فاعلم لي من ذاك الرجل، فذهبت فإذا هو صهيب. فرجعت إليه فقلت إنك أمرتني أن أعلم لك من ذاك وإنه صهيب. قال مره فليلحق بنا، فقلت إن معه أهله، قال وإن كان

стр. 2055

معه أهله (وربما قال أيوب مره فليلحق بنا) فلما قدمنا لم يلبث أمير المؤمنين أن أصيب فجاء صهيب يقول وا أخاه وا صاحباه، فقال عمر ألم تعلم أو لم تسمع (قال أيوب أو قال أو لم تعلم أو لم تسمع) أن رسول الله ﷺ قال "إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله". قال فأما عبد الله فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال ببعض. فقمت فدخلت على عائشة فحدثتها بما قال ابن عمر، فقالت لا والله ما قاله رسول الله ﷺ قط "إن الميت يعذب ببكاء أحد" ولكنه قال إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً، وإن الله لهو ﴿أضحك وأبكى﴾ ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ قال أيوب قال ابن أبي مليكة حدثني القاسم بن محمد قال لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر، قالت إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ. ١٨٦٩ - عن عبد الله بن أبي مليكة قال توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة. قال فجئنا لنشهدها. قال فحضرها ابن عمر وابن عباس. قال وإني لجالس بينهما. قال جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي. فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجهه ألا تنهى عن البكاء، فإن رسول الله ﷺ قال "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه". فقال ابن عباس قد كان عمر يقول بعض ذلك ثم حدث فقال صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل شجرة. فقال اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت فإذا هو صهيب. قال فأخبرته. فقال ادعه لي. قال فرجعت إلى صهيب. فقلت ارتحل فالحق أمير المؤمنين. فلما أن أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول وا أخاه وا صاحباه. فقال عمر يا صهيب أتبكي علي؟ وقد قال رسول الله ﷺ "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه". فقال ابن عباس فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة؛ فقالت يرحم الله عمر لا والله ما حدث رسول الله ﷺ "إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد" ولكن قال "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه". قال وقالت عائشة حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى. قال وقال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكى. قال ابن أبي مليكة فوالله ما قال ابن عمر من شيء.

стр. 2056

١٨٧٠ - عن ابن أبي مليكة كنا في جنازة أم أبان بنت عثمان وساق الحديث ولم ينص رفع الحديث عن عمر عن النبي ﷺ كما نصه أيوب وابن جريج وحديثهما أتم من حديث عمرو. ١٨٧١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إن الميت يعذب ببكاء الحي". ١٨٧٢ - ذكر عند عائشة ﵂ قول ابن عمر الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئاً فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال "أنتم تبكون وإنه ليعذب". ١٨٧٣ - عن هشام عن أبيه قال ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي ﷺ "إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه". فقالت وهل إنما قال رسول الله ﷺ "إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن". وذاك مثل قوله إن رسول الله ﷺ قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال "إنهم ليسمعون ما أقول". وقد وهل إنما قال "إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق" ثم قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ يقول حين تبوءوا مقاعدهم من النار. ١٨٧٤ - عن عائشة ﵂ وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول إن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها؛ فقال "إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها".

стр. 2057

١٨٧٥ - عن علي بن ربيعة قال أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب؛ فقال المغيرة ابن شعبة سمعت رسول الله ﷺ يقول "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة". ١٨٧٦ - عن مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب". ١٨٧٧ - عن عائشة ﵂ قالت: لما جاء رسول الله ﷺ قتل ابن حارثة وجعفر ابن أبي طالب وعبد الله بن رواحة؛ جلس رسول الله ﷺ يعرف فيه الحزن. قالت وأنا أنظر من صائر الباب (شق الباب) فأتاه رجل فقال يا رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن؛ فأمره أن يذهب فينهاهن، فذهب، فأتاه فذكر أنهن لم يطعنه. فأمره الثانية أن يذهب فينهاهن. فذهب ثم أتاه فقال والله لقد غلبننا يا رسول الله. قالت فزعمت أن رسول الله ﷺ قال "اذهب فاحث في أفواههن من التراب". قالت عائشة فقلت أرغم الله أنفك والله ما تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ وما تركت رسول الله ﷺ من العناء. ١٨٧٨ - عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد نحوه وفي حديث عبد العزيز وما تركت رسول الله ﷺ من العي.

стр. 2058

١٨٧٩ - عن أم عطية ﵂ قالت أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح فما وفت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ. ١٨٨٠ - عن أم عطية ﵂ قالت أخذ علينا رسول الله ﷺ في البيعة ألا تنحن فما وفت منا غير خمس منهن أم سليم. ١٨٨١ - عن أم عطية ﵂ قالت لما نزلت هذه الآية ﴿يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً﴾ ... ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ قالت كان منه النياحة. قالت فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال رسول الله ﷺ "إلا آل فلان". -[المعنى العام]- لا شك أن البكاء طبيعة من طبائع الإنسان، فالإنسان يفرح ويحزن، وللفرح أعراضه، وللحزن أعراضه، وأبرز أعراض الحزن البكاء، وأبرز أعراض الفرح الضحك والانبساط، ودمعة العين ليست مظهراً أو عرضاً فقط، وإنما هي منفسة عن نفس الحزين، مبردة لحرارة المصيبة، مخففة للوعات الفؤاد، فالبكاء دواء، وكبته وكظمه في وقت يحتاجه داء خطير العواقب، كثيراً ما يورث عقدة نفسية أو أضرارا جسيمة، وأشد المصائب موت عزيز، وفقد حبيب، لهذا كثر البكاء عند الموت، وقل أو ندر عند فقد مال أو ضياعه، أو عند الأمراض والأسقام ربما لأن المال يذهب ويعود، والأمراض والأسقام تشفى وتزول، أما الميت فلا يعود. وأكثر ما يتأثر بالحزن النساء، لأن عواطفهن تغلب عقولهن، فهن أشد من الرجال حساسية، وهن أسرع وأقوى من الرجال انفعالاً. لهذا عرفن بالصراخ والصياح والعويل عند الموت، واشتهرن بالهلع والجزع والولولة، وزاد عندهن الأسى ففقدن التوازن والانضباط، فشققن الثياب، ولطخن الوجوه بالنيلة والألوان السوداء والزرقاء، وحلقن الشعور ولبسن السواد، وشنقن أنفسهن بالخمار، وتكونت منهن فرق يجدن إثارة الحزن بالكلمات والنغمات والنياحات تدعى هذه الفرق فتجيب، وتتصنع الأسى واللوعة والحرقة فتلهب حناجر الأخريات وصراخ الباكيات.

стр. 2059

وتطورت هذه الظاهرة حتى أصبحت علامة على وفاء أهل الميت لميتهم ومظهراً من مظاهر معزتهم له، ورمزاً لقيمته عندهم، حتى قال طرفة بن العبد: إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الثوب يا ابنة معبد وجاء الإسلام وتلك عادة العرب، ووجدنا أم سلمة ﵂ وهي من السابقات إلى الإسلام المهاجرة مع زوجها إلى الحبشة مرتين ثم إلى المدينة- وجدناها حين مات زوجها من جراحة أصابته في غزوة أحد. وجدناها تقول: غريب وفي أرض غربة، ولأبكينه بكاء يتحدث به الركبان، وقامت وتهيأت للصراخ وللألوان، وأعدت العدة لاستقبال النادبات المساعدات، ودخل رسول الله ﷺ عليها فوعظها أن لا تفعل، وقال لها: ما من عبد تصيبه مصيبة فيصبر ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها. إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها، قال لها: قولي: اللهم اغفر لي وله، واعقبني منه عقبى حسنة. فاستسلمت وكفت عن البكاء والصراخ، واستقبل النبي ﷺ إحدى المساعدات النادبات فقال لها: إياك أن تدخلي الشيطان بيتاً أخرجه الله منه، فلا ندبة ولا عويل. وأخذ الإسلام ينشر نوره وتعاليمه المتمثلة في الرضا بالقضاء، والصبر عند البأساء، وفي الإيمان بأن كل شيء حتى نفوسنا ملك لله، لقد أرسلت إليه ﷺ إحدى بناته تخبره أن ابناً لها يموت وفي النزع الأخير، وتطلب حضوره إليها يواسيها ويخفف عنها وتحصل به البركة والرحمة، فأرسل إليها يقول: اعلمي أن لله ما أعطى، هو الذي وهبك هذا الولد فتمتعت به أياماً، كان عارية وأمانة لديك، فإن أخذه فهو حقه وله ما أخذ، وكل أجل عنده في كتاب، فاصبري واطلبي من الله أن يحسب صبرك عليه في صحيفتك. فأرسلت إليه تقسم عليه أن يأتيها، فأتاها ومعه بعض أصحابه، فرفع إليه الصبي، فأخذه بين يديه، فرأى صدره يعلو ويهبط، ونفسه تتحشرج في حلقومه، وأمه بجواره تكاد تموت حزناً وكمداً، فسقطت العبرات على خد رسول الله ﷺ ، وظن الصحابة الحاضرون أن الإسلام ينهي عن البكاء والدمع، فقال أحدهم: ما هذا يا رسول الله؟ تبكي؟ وتنهانا عن البكاء؟ قال: إنما نهيتكم عن هذا، وأمسك بلسانه، أما الدمع فهو أثر الإحساس والرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده، والمسلم يرحم، ومن لا يرحم لا يرحم. ووضع الإسلام قواعده على لسان رسوله ﷺ ، زيارة للمريض ومواساة زيارة من كبير المسلمين لصغيرهم، وزيارة عامتهم لعامتهم ولسادتهم. لقد أخذ جمعاً من أصحابه لزيارة سعد بن عبادة في مرضه، وكان أهله حوله فلما رأوا رسول الله ﷺ تفسحوا له واستأخروا، ففاض دمعه نابعاً من تأثره وانفعاله ورحمته، ومرة أخرى شرح لأصحابه: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بما فوق هذا من فعل الجاهلية. ورأى امرأة تصرخ وتولول عند قبر صبي لها فقال لها: اتقي الله واصبري فإن الصبر الكامل المستحق للجزاء الوفير هو ما كان على مصاب جلل حين يفاجئ المحبين.

стр. 2060

وكان لا بد من محاربة عادات الجاهلية، وأبرزها ما كانوا يعتقدونه من أن المبالغة في ندبته والبكاء عليه، والمغالاة في مظاهر الحزن ينفعه ويعلي من قدره، فأراد الإسلام أن يغرس فيهم نقيض عقيدتهم، فقال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" فإن كنتم تحبونه فلا تعذبوه بصراخكم، "المعول عليه يعذب" فلا تعذبوا أحبابكم"، ومن نيح عليه فإنه يعذب بما نيح يوم القيامة". وكان لا بد أن يحذر النائحات، فقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تبعث يوم القيامة وهي تلبس ثياباً من قطران تصيبها بالجرب. احذروا معشر المسلمين أربعاً من خصال الجاهلية: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، وربط المطر بالنجوم، ونسيان الذي يرسل السحاب، والنياحة على الموت. وهكذا حارب الإسلام الهلع والجزع عند الموت، حارب مظاهر عدم التسليم ومظاهر عدم الرضا بالقضاء. غرس الإيمان في نفوس المؤمنين بأن لله ما أعطى، ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار ولكل أجل كتاب، وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. -[المباحث العربية]- (غريب وفي أرض غربة) أي فليس معه من الأهل من يبكيه غيري، لأنه من أهل مكة ومات في أوائل الهجرة بالمدينة، والمقصود بهذه الجملة تعليل بكائها الهائل الذي اعتزمته. (لأبكينه بكاء يتحدث عنه) "يتحدث" بالبناء للمجهول، أي يتحدث الركبان وأهل البلاد عن عظمه. (فكنت قد تهيأت للبكاء عليه) أي لبست لباس الباكيات وأعددت المناديل ومشقوق الثياب والخمار ونحو ذلك مما يستعمله الصائحات النادبات. (إذ أقبلت امرأة من الصعيد) أصل الصعيد ما كان على وجه الأرض واستعمل في الأرض البعيدة، والمراد هنا عوالي المدينة. (تريد أن تسعدني) بضم التاء وسكون السين، أي تساعدني في البكاء والنوح والندبة. (فاستقبلها رسول الله) ﷺ لعله كان بالداخل حين دخلت، ففي الرواية الخامسة من الباب السابق أنه ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه. (أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتاً أخرجه الله منه)؟ الاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي أن تدخلي، ولعله ﷺ علم ذلك من الوحي، لأن أم سلمة لم تكن كفت عن البكاء ولا التهيؤ للنوح.

стр. 2061

(فكففت عن البكاء فلم أبك) ليس المراد من البكاء هنا دمع العين، إذ ليس ذلك من الشيطان، وإنما المراد به ما يصاحبه من صراخ وعويل فمعنى "كففت" هنا أحجمت وامتنعت، وليس المعنى أنها كانت تنوح فتوقفت. (فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه) أي تطلب حضوره إليها. (وتخبره أن صبياً لها في الموت) ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح خلافاً في المقصود بابنة النبي ﷺ ، وفي المقصود بابنها، فقال: هي زينب كما وقع في مصنف ابن أبي شيبة، وابنها قيل: هو علي بن أبي العاص بن الربيع، فقد اتفق أهل العلم بالنسب على أن زينب لم تلد لأبي العاص إلا علياً وأمامة فقط، ثم استبعد أن يكون الابن علياً، لأن أهل العلم بالأنساب ذكروا أنه عاش حتى ناهز الحلم وأن النبي ﷺ أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال له "صبي" عرفاً، وإن جاز لغة، كما استبعد أن يكون المراد بالولد أمامة ابنتها رغم النص عليها في رواية أحمد، فإن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبي ﷺ عاشت بعد النبي ﷺ حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند علي حتى قتل عنها. وارتضى الحافظ ابن حجر أن يراد بالولد أمامة، ففي رواية أبي داود: "أن ابني أو ابنتي" وأنها كانت قاربت أن تقبض، فأكرم الله نبيه ﵊ بأن عافى ابنها أو ابنتها في ذلك المرض، وذكر الحافظ ابن حجر قولاً آخر أن المراد من بنت النبي ﷺ رقية، وأن المراد من ابنها هو عبد الله بن عثمان بن عفان، وأسند هذا القول للبلاذري في الأنساب، ونقل الحافظ عن مسند البزار أن المقصود بابنة النبي ﷺ فاطمة. قال: فعلى هذا فالابن المذكور محسن بن علي بن أبي طالب. قال: وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيراً في حياة النبي ﷺ قال: فهذا أولى أن يفسر به إن ثبت أن القصة كانت لصبي ولم يثبت أن المرسلة زينب لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب. انتهى بتصرف. (فقال للرسول) الذي أرسلته ابنته. (أن لله ما أخذ) ظاهره أنه ﷺ فهم أن الصبي قد مات، فالتقدير: إن هذا الذي أخذ منكم كان له، لا لكم، فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغي أن لا يجزع من استردت منه وديعة أو عارية، ولكن آخر الحديث أن الصبي كانت نفسه تعلو وتهبط في صدره، فالمراد أنه فهم حضور الموت لا انتهاءه، أي إن أخذه الله فإن لله ما أخذ، وإن أبقاه فإن لله ما أبقى. (وله ما أعطى) معناه أن ما وهبه لكم ليس خارجاً عن ملكه، بل هو ملكه يفعل فيه ما يشاء. (وكل شيء عنده بأجل) أي كل من انقضى أجله فمحال تقدمه أو تأخره عنه، أو كل شيء من الأخذ والإعطاء بأجل معلوم، فإذا علمتم ذلك كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم. قال الحافظ ابن

стр. 2062

حجر: وقدم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخراً في الواقع لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذي أخذه هو الذي كان قد أعطاه، و"ما" مصدرية في الموضعين، ويحتمل أن تكون موصولة، أي لله ما أخذه من الأولاد، وله ما أعطى منهم. (مسمى) أي معلوم مقدر. (فلتصبر ولتحتسب) أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليحسب لها ذلك من عملها الصالح. (وانطلقت معهم) المتحدث أسامة بن زيد. (فرفع إليه الصبي) في بعض روايات الصحيح "فدفع بالدال بدل الراء، وفي بعضها "فلما دخلنا ناولوا رسول الله ﷺ الصبي". (ونفسه تقعقع كأنها في شنة) القعقعة حكاية صوت الشيء اليابس إذا حرك، وأصل "تقعقع" تتقعقع، فحذفت إحدى التاءين، والشنة بفتح الشين وتشديد النون: القربة القديمة الجافة اليابسة كجلد الطبل، فكأنه شبه البدن اليابس وحركة الروح فيه، بما يطرح في الجلد الجامد من ماء ونحوه. أي روحه لها صوت وحشرجة كصوت الماء إذا ألقي في قربة جافة. (ففاضت عيناه) كناية عن تساقط الدمع. (ما هذا يا رسول الله؟ ) في رواية "أتبكي وتنهى البكاء"؟ . (هذه رحمة) الإشارة إلى الدمعة، وفي الكلام مضاف محذوف، أي أثر رحمة. (وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومتقضاه أن رحمة الله تختص بمن اتصف بالرحمة وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، ولكن عند أبي داود: "الراحمون يرحمهم الرحمن". والراحمون جمع راحم فيدخل فيه أدنى رحمة. ذكره الحافظ ابن حجر. (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له) اشتكى أي مرض وضعف وتألم "وشكوى" بغير تنوين. ولم تكن مرض الموت فقد شفي وعاش بعدها. (فأتى رسول الله ﷺ يعوده) "فأتى" مبني للمعلوم، و"رسول الله" فاعل، والقائل عبد الله بن عمر، وظاهره أن ابن عمر كان عند سعد، لكن الرواية الرابعة صريحة في أن ابن عمر كان عند النبي ﷺ ، فالمعنى: فأتى رسول الله ﷺ سعداً. وجملة "يعوده" تعليلية أو حال. (فلما دخل عليه وجده في غشية) بفتح الغين وكسر الشين وتشديد الياء، وضبطه بعضهم بإسكان الشين وتخفيف الياء أي إغماء من الكرب والشدة والغاشية هي الداهية من شر أو مرض.

стр. 2063

وقيل: في جماعة من أهله الذين يغشونه للخدمة والمؤانسة والمواساة. ويؤيده ظاهر الرواية الرابعة قوله: "فاستأخر قومه من حوله". (فقال: أقد قضى؟ ) أي أقد انتهى ومات؟ (ألا تسمعون؟ ) أي أحضكم على السماع. أي اسمعوا. وكأنه فهم من بعضهم إنكار بكائه. (فقال: صالح) السؤال عن حالته الصحية لما علم من مرضه، فلعل المراد صالح للحياة من الصلاحية لا من الصلاح ضد الفساد والسوء. (ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص) أي ما على أكثرنا هذه الأشياء لفقرنا أو زهدنا. (الصبر عند الصدمة الأولى) أصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. و"ال" في "الصبر" للكمال، أي الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل ما كان عند مفاجأة المصيبة لما فيه من صعوبة ومشقة. (أتى على امرأة تبكي على صبي لها) في ملحق الرواية "مر النبي ﷺ بامرأة عند قبر". قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها ولا اسم صاحب القبر. (اتقي الله واصبري) قال الطيبي: "اتقي الله" توطئة لقوله: "واصبري" كأنه قيل لها: خافي غضب الله إن لم تصبري. (فقالت: وما تبالي بمصيبتي) أي أنت لا تبالي بمصيبتي. وفي رواية للبخاري: "إليك عني" أي تنح وابعد، وفي أخرى له: "فإنك خلو من مصيبتي". وعند أبي يعلى: "يا عبد الله إني أنا الحرى الثكلى، ولو كنت مصاباً عذرتني". (فأخذها مثل الموت) أي أخذها كرب وخوف ورهبة مثل الذي يأخذ المريض عند الموت. (أن حفصة بكت على عمر) أي صرخت وعولت كما جاء في الرواية الثانية عشرة. (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) ظاهره أن الباء للسببية، وأن بكاء الأهل سبب لتعذيبه، وجعلها بعضهم للحال. أي أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك لأن شدة بكائهم غالباً إنما يقع عند دفنه، وفي تلك الحال يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فكأن المعنى: أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سبباً لتعذيبه، ولا يخفى ما في هذا التأويل من بعد وتكلف، وإن كانت الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة تؤيده. وقيل: إن اللام في "الميت" للعهد، والمراد به الكافر، كما هو ظاهر الرواية الرابعة عشرة، وقيل: للعهد والمراد به ميت معين، أي إن هذا الميت يعذب ببكاء أهله، لأنه أوصاهم بذلك مثلاً، والتفاصيل تأتي في فقه الحديث.

стр. 2064

(لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: واأخاه) "وا" حرف ندبة والألف في "أخاه" مزيدة لتطويل مد الصوت، والهاء هاء السكت. والمراد من الإصابة الطعنة التي مات فيها. و"صهيب" أصله من بلاد الموصل، سبي في غارة للروم على بلاده وهو غلام صغير اشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه، ثم أسلم بمكة، وهو من السابقين الأولين المعذبين في الله، هاجر إلى المدينة، ومات بها سنة ثمان وثلاثين. (فقام بحياله) أي بحذائه وجواره. (عولت عليه حفصة) يقال: عول عليه وأعول عليه، أي صوت وبكى بصوت. (فإذا صوت من الدار) أي صراخ وصياح. (قال: فأرسلها عبد الله مرسلة) أي أطلق عبد الله بن عمر جملة: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" إطلاقاً، لم يقيدها بيهودي كما قيدتها عائشة، ولا بوصية كما قيد آخرون، ولا قال: "ببعض بكاء أهله" كما روى أبوه عمر بن الخطاب. (فقال ابن عباس ... ) قصد ابن عباس بما سيروي أن يرد على ابن عمر إطلاقه العبارة دون قيد بأن أباه عمر قيدها "ببعض بكاء أهله". وفي رواية للبخاري "فقال ابن عباس: قد كان عمر ﵁ يقول بعض ذلك". (كنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) في رواية للبخاري "صدرت مع عمر ﵁ من مكة" أي عقب أداء الحج. (حتى إذا كنا بالبيداء) "البيداء" هي المفازة -أي الصحراء الواسعة المهلكة، والمراد منها هنا صحراء ما بين مكة والمدينة. (ألم تعلم أو لم تسمع؟ قال أيوب: أو قال: أولم تعلم؟ أولم تسمع) "أو" شك من الراوي في أي العبارات ذكر فقوله: "ألم تعلم" الأولى استفهام عن العلم بدون واو بين الهمزة ولم، وقوله: "لم تسمع" الأولى بدون الهمز وبدون الواو وبينهما "أو" على معنى الاستفهام عن السمع، وقوله: "أولم تسمع" الثانية استفهام عن العلم بهمزة فواو مفتوحة، وقوله: "أولم تسمع" الثانية استفهام عن السمع بهمزة فواو مفتوحة، والاستفهام للتقرير، والهدف التوثيق بالرواية بمحاولة الحفاظ على أداء اللفظ المسموع. (قال: فأما عبد الله فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال "ببعض") القائل هو ابن أبي مليكة مقارناً بين ما سمعه من ابن عمر، وبين ما سمعه من ابن عباس عن عمر، وهذا الكلام معترض بين كلامي ابن عباس، فقوله بعد ذلك: "فقمت" من كلام ابن عباس.

стр. 2065

(فقمت فدخلت) في الرواية الرابعة عشرة "فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة". (وإن الله لهو أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى) ظاهره أن الجملتين عن عائشة، والحق أن الأولى عن ابن عباس كما هو صريح ملحق الرواية الرابعة عشرة، ومعناها أن الدمع لا يملكه ابن آدم ولا تسبب له فيه فلا يؤاخذ فاعله فضلاً عن الميت. ومعنى الآية الثانية أنه لا تحمل نفس لم تذنب وزر نفس أذنبت. (إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين) بالتثنية، أي هما لا يتعمدان الكذب، ولا يليق بمسلم أن يكذبهما. (ولكن السمع يخطئ) تعتبر خطأ حكمهما في سمعهما لا في حفظهما. (إذ هو بركب تحت ظل شجرة) "الركب" أصحاب الإبل في السفر وهو للعشرة فما فوقها. (حسبكم القرآن) أي كافيكم ما جاء في القرآن بهذا الخصوص. (فوالله ما قال ابن عمر من شيء) قال الطيبي وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة فسكت مذعناً. وقال الزين بن المنير: سكوته لا يدل على الإذعان فلعله كره المجادلة في هذا المقام. (سمع شيئاً فلم يحفظه) أي فأخطأ سمعه، أو نسي ما سمعه جيداً. (وهل) بفتح الواو وكسر الهاء، وفتحها، أي غلط ونسي. (وذاك مثل قوله ... ) تؤكد عائشة خطأ ابن عمر في روايته تعذيب الميت ببكاء أهله بأنه أخطأ كذلك في روايته إسماع الموتى، حيث روى البخاري عن ابن عمر: أن النبي ﷺ اطلع على أهل القليب فقال: "وجدتم ما وعد ربكم حقاً"؟ فقيل له: أتدعو أمواتاً؟ فقال: "ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون". (قام على القليب يوم بدر) "القليب" بفتح القاف وكسر اللام: البئر العادية القديمة، والمراد هنا قليب بدر. (وفيه قتلى بدر من المشركين) ورؤساؤهم أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة. (وقد وهل) أخطأ ابن عمر في روايته أن النبي ﷺ قال: "إنهم ليسمعون ما أقول". (إنما قال: إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق) فهي تنفي أن يكون الرسول ﷺ أخبر بأن الموتى يسمعون، وتثبت أنهم يعلمون ما سمعوه قبل الموت.

стр. 2066

(يقول: حين تبوءوا مقاعدهم من النار) أي يقول عن الموتى: إنهم يسمعون حين تبوءوا مقاعدهم من النار في قبورهم. واتخذوا منازلهم فيها. (لما جاء رسول الله ﷺ قتل ابن حارثة) أي لما جاءه نعيهم وخبر قتلهم واستشهادهم، وخلاصة أمرهم أن رسول الله ﷺ بعث سنة ثمان من الهجرة سرية عددها ثلاثة آلاف مقاتل إلى أرض البلقاء من أطراف الشام فيما عرف بغزوة مؤتة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس. فتلاقوا مع الكفار فاقتتلوا، فقتل زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتى قتل، فأخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح الله على يديه. (جلس يعرف فيه الحزن) قال الطيبي: كأنه كظم الحزن فظهر ما لا بد للجبلة البشرية منه. (قالت: وأنا أنظر من صائر الباب) القائل عائشة، و"صائر الباب" و"صير الباب" شقه الذي يعد للنظر منه. (فأتاه رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وكأنه أبهم عمداً لما وقع في حقه من غض عائشة منه. اهـ أي من قولها له: أرغم الله أنفك. (إن نساء جعفر ... ) أي امرأته أسماء بنت عميس، ومن حضر عندها من أقاربها وأقارب جعفر، ومن في معناهن، وخبر "إن" في هذه الرواية محذوف لدلالة المقام عليه، والمعنى: فعلن كذا وكذا من البكاء والنوح مثلاً، وعند ابن حبان: "قد أكثرن من بكائهن". (فذهب) أي فنهاهن، فرجع، فأتاه ﷺ . (قالت: فزعمت أن رسول الله قال) الزعم يطلق على ما لا أصل له وعلى الأمر المحقق، ومنه "زعم جبريل أنه لن تموت نفس قبل أن تستوفى". وهو المراد هنا، والمعنى قالت عمرة: قالت عائشة: قال ﷺ . (اذهب فاحث في أفواههن من التراب) "فاحث" بضم الثاء وكسرها يقال: حثا يحثو، وحثا يحثى، و"من" تبعيضية، وخص الأفواه دون الأعين مثلاً لأنها محل النوح، وهل الأمر على حقيقته وأنه مطلوب منه أن يحمل في يده تراباً يقذفه في أفواههن؟ الظاهر أن عائشة فهمت ذلك فقالت للرجل ما قالت، ولكن الأولى حمل الأمر على الكناية عن المبالغة والزجر، كأنه قال له: اذهب فاكتم أفواههن بوعيدهن بالخيبة وضياع الأجر. ومن التوجيهات الحسنة هنا ما قيل من أن الأمر للتعجيز، أي إن كنت تستطيع فعل كذا فافعل لكنك لا تستطيع فكف عن المتابعة واسكت. (أرغم الله أنفك) أي ألصقه بالرغام -بفتح الراء- وهو التراب ويقصد بهذه العبارة الدعاء بالإهانة والإذلال. ودعت عليه لما فهمت من إحراجه النبي ﷺ بإلحاحه وإلحافه وتردده عليه.

стр. 2067

(والله ما تفعل) أي لن تفعل. والظاهر أن الرجل المذكور كان يدخل ويعنف النسوة المذكورات. (وما تركت رسول الله ﷺ من العناء) بفتح النون، أي المشقة والتعب، وفي ملحق الرواية "من العي" بكسر العين وتشديد الياء، وهو هنا بمعنى العناء. فكأنها تقول له: لا أنت نجحت في رسالتك من الإنكار والتأديب ولا أنت تركت رسول الله ﷺ حتى يعذرهن ويشفق عليهن لحرارة مصابهن. (فما وفت منا امرأة إلا خمس) قال القاضي عياض: معنى الحديث لم يف ممن بايع النبي ﷺ مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه النسوة إلا المذكورات، لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمسة. اهـ. (وابنة أبي سبرة امرأة معاذ -أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ) "ابنة أبي سبرة" بفتح السين وسكون الباء الموحدة، والشك من أحد الرواة، قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر لي أن الرواية بواو العطف أصح. اهـ. وبالعطف يصبحن أربعاً، أم سليم أم أنس، وأم العلاء امرأة من الأنصار، وابنة أبي سبرة ولعل اسمها أم كلثوم الوارد في بعض الروايات عند الطبراني، وامرأة معاذ بن جبل واسمها أم عمرو، أما الخامسة فقيل: لعلها أم عطية راوية الحديث، ورد بأنها كانت لا تعد نفسها لذلك، لأنها في يوم الحرة لم تزل النساء بها حتى قامت معهن. ويوم الحرة كان في أيام يزيد بن معاوية، قتل فيه من الأنصار من لا يحصى عدده ونهبت المدينة الشريفة، وبذل فيها السيف ثلاثة أيام. وقيل: لعلها كانت تعد نفسها حين روت الحديث قبل يوم الحرة، وأصبحت لا تعد نفسها بعد يوم الحرة، ويؤيده رواية الطبراني: "فما وفت غيري وغير أم سليم ... ". -[فقه الحديث]- البكاء دمع العين، وقد يصاحبه من القول أو الفعل ما هو مكروه أو حرام. ولتحرير الأحكام الفقهية نقول: أولاً: حزن القلب ودمع العين من غير أن يصاحبهما سخط على القضاء، أو جزع شديد في القلب، أو اعتراض نفسي على القدر، ومن غير أن يصاحبهما قول أو فعل يغضب الرب، هذا النوع لا شيء فيه شرعاً. على معنى أنه مباح باعتباره مسايراً للطبيعة البشرية، بل قد يكون ممدوحاً شرعاً إذا

стр. 2068

نبع من العاطفة المشروعة، والرحمة التي أنزلها الرحمن في قلوب الرحماء، والتي بها يتراحم الخلق. ومن هذا القبيل بكاء النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم، وقوله: "إن القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون". وبكاؤه ﷺ عندما رفع إليه ابن ابنته وهو في حضرة الموت، وقوله في روايتنا الثانية: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". وبكاؤه ﷺ وبكاء أصحابه عند عيادتهم لسعد بن عبادة في روايتنا الثالثة وقوله: "إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب". وبناء على هذا يحمل ما ورد من مؤاخذات على البكاء أو من نهي عنه على أنه لم يكن من هذا النوع، بل كان مصاحباً لممنوع شرعي، وإن اختلفت درجات المنع باختلاف الفعل. فبكاء المرأة على قبر صبيها -في روايتنا السادسة- محمول على أنه كان مصاحباً للصراخ والعويل والهلع، وحال المرأة وردها العنيف على رسول الله ﷺ وجواب الرسول ﷺ بما يوحي أنها فقدت الصبر قرينة على ذلك. وبكاء حفصة على أبيها -عمر ﵄ كما ما جاء في روايتنا السابعة، وبكاء صهيب على عمر، كما جاء في روايتنا الحادية عشرة محمول على أنه كان مصاحباً للصراخ والصياح والعويل، بدليل ما جاء في روايتنا التاسعة: "لما طعن عمر أغمي عليه، فصيح عليه" وما جاء في روايتنا العاشرة: "جعل صهيب يقول: وا أخاه" وروايتنا الثانية عشرة: "أن عمر لما طعن عولت عليه حفصة". وإذا كان دمع العين وحزن القلب مشروعاً عند موت عزيز، كان من غير المقبول عقلاً وشرعاً أن يعذب الله الميت بفعل مشروع للحي. فلا يدخل مثل هذا قطعاً في الحديث "إن الميت ليعذب ببكاء الحي". ثانياً: أفعال الجاهلية التي ورد النهي عنها وجاء فيها الوعيد الشديد حرام بإجماع العلماء، بل هي من الكبائر، ومنها ضرب الخدود، وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، ففي الصحيح: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". رواه البخاري. وعند ابن ماجه وصححه ابن حبان: "أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور". ومنها حلق المرأة شعر رأسها ورفع التراب، والصياح، والصراخ، والنياحة والندبة، والولولة، وتلطيخ الوجه بالأزرق، وشنق الرقبة بشق من الثياب، وغير ذلك كإحداد المرأة أكثر من ثلاث على غير زوج أو أكثر من أربعة أشهر وعشرة على زوج.

стр. 2069

في كل ذلك وردت أحاديث صحيحة ومحتج بها. ويلحق بهذا إحداد الرجل بإطلاق شعره وشعر لحيته والامتناع عن الغسل وعن أنواع معينة من الطعام والشراب، ولكن حرمة هذا الأخير لا تبلغ حرمة ما سبق من أفعال النساء. وكل هذا واضح من الأدلة، ولا تعارض ولا نزاع فيه. وإنما المشكل في هذا الباب عذاب الميت بصراخ أهله عليه، والأحاديث ظاهرها التعارض، فأحاديث عمر وابن عمر صريحة في عذاب الميت، وأحاديث عائشة رافضة لعذابه ببكاء أهله، قاطعة بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، والعلماء في هذا الإشكال يخوضون بعضهم يؤيد عمر وابنه، وبعضهم يؤيد عائشة، وبعضهم يحاول الجمع والتوفيق. فالفريق الأول لا يوافق عائشة من وجوه: الأول: أن عائشة ﵂ نافيه، والنافي الدقيق ينفي العلم ولا ينفي الوقوع، فما كان لها أن تقول في روايتنا الثالثة عشرة: "لا. والله ما قال رسول الله ﷺ قط: إن الميت يعذب ببكاء أحد". وما كان لها أن تقول في روايتنا الرابعة عشرة: "لا. والله ما حدث رسول الله ﷺ إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد"؛ لأنها لم تحط بجميع أقواله ﷺ في جميع أوقات حياته، وكانت الدقة أن تقول: لا أعلم أنه قال كذا، وإنما أعلم أنه قال كذا. حينئذ لا يلزم من عدم علمها بشيء عدم وقوعه. كما لا يلزم من سماعها قولا عدم سماع غيرها لقول آخر. الثاني: قال القرطبي: إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان، أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً، بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح. الثالث: قال الداودي: رواية ابن عباس عن عائشة [روايتنا الرابعة عشرة] أثبتت ما نفته عمرة وعروة عنها [فرواية عمرة السابعة عشرة من رواياتنا تنفي أن يعذب ميت ببكاء الحي، ورواية عروة الخامسة عشرة والسادسة عشرة من رواياتنا تنفي أن يعذب الميت ببكاء أهله عليه، فالروايتان تنفيان عذاب أي ميت ببكاء أهله، ورواية ابن عباس الثالثة عشرة والرابعة عشرة من رواياتنا تثبت زيادة عذاب لبعض الموتى ببكاء أهله إلا أنها خصته بالكافر، لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذاباً ببكاء أهله. فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء؟ ]. الرابع: أن عائشة حين روت حديث عمر، وحديث ابنه لم تعارضهما بحديث مخالف لهما في الحكم، بل بما استشعرته من معارضة القرآن، وهذا فهم منها يقابله فهم سائغ آخر في تفسير الآية كما سيأتي. والفريق الثاني لا يوافق ابن عمر في أن الميت يعذب بسبب بكاء أهله، فهم يرون أنه لا يعذب أي ميت بسبب بكاء أحد عليه، وإلى هذا جنح بعض الشافعية، وقد رواه أبو يعلى عن أبي هريرة من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال أبو هريرة: "والله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد، فعمدت امرأته سفهاً وجهلاً فبكت عليه، ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة"؟ .

стр. 2070

وهذا الفريق بعضهم يرد الحديث رداً كما فعلت عائشة، وبعضهم يقبله ويؤوله، فيجعل الباء في "ببكاء أهله" للحال، لا للسببية، أي إن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه. وذلك أن شدة بكائهم غالباً إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدئ بالسؤال عذاب القبر، فكأن معنى الحديث: إن الميت يعذب في حالة بكاء أهله عليه، وعلى هذا يكون خاصاً ببعض الموتى. قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه من التكلف. اهـ. وبعضهم يقبله ويؤوله: فيقول: إن معنى "يعذب ببكاء أهله" "أي يعذب بالفعل الذي يذكرونه به، وذلك أن الأفعال التي يعددون بها عليه غالباً تكون من المحرمات المنهي عنها، فهي قبائح في الشرع ومحاسن في زعمهم كقولهم: يا سبع الجبال، يا مخيف الرجال، يا كاتم الأنفاس، يا شديد البأس. ويرون ذلك شجاعة وفخراً. وهي وإن كانت شجاعة لكنها صرفت في غير طاعة، وقد يعددون عليه بالجود الذي أنفقه في المعاصي، فهو يعذب بصنيعه الذي يمدحونه به، أي يعذب بما يبكى عليه به. واختار هذا التأويل ابن حزم وطائفة. وعلى هذين التأويلين لا يعذب أي ميت بسبب بكاء أهله. كما ذهبت عائشة. الفريق الثالث: يجمع بين الحديثين، فيقيد كلا منهما بقيد يرفع التعارض بينهما. وقد اتجهت قيودهم ثلاثة اتجاهات: ١ - اتجاه تقييد العذاب على معنى أنه يعذب بنوع ولا يعذب بنوع، أي المثبت نوع، والمنفي نوع آخر، فالمثبت توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، كما روي في مسند الإمام أحمد من حديث أبي موسى مرفوعاً: "الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه؟ واناصراه؟ واكاسياه؟ جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟ " والمنفي عذاب النار. أو المثبت تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة، والمنفي عذاب الآخرة. ٢ - واتجاه تقييد الزمان والمكان على معنى يعذب في البرزخ ولا يعذب يوم القيامة. حكاه الكرماني وحسنه. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥] فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب. ٣ - واتجاه تقييد الميت بصفة، على معنى: (أ) يعذب ببكاء أهله من أهمل نهي أهله عن ذلك قبل موته وهو يعلم أنهم لهم بذلك عادة، ويعلم ما جاء في النهي عن النوح، ولا يعذب من ليس كذلك. قال ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح، وعرف أن أهله من شأنهم يفعلون ذلك، ولم يعلمهم بتحريمه، ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه، لا بفعل غيره بمجرده.
следующие страницы →