← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

(يقول: حين تبوءوا مقاعدهم من النار) أي يقول عن الموتى: إنهم يسمعون حين تبوءوا مقاعدهم من النار في قبورهم. واتخذوا منازلهم فيها. (لما جاء رسول الله ﷺ قتل ابن حارثة) أي لما جاءه نعيهم وخبر قتلهم واستشهادهم، وخلاصة أمرهم أن رسول الله ﷺ بعث سنة ثمان من الهجرة سرية عددها ثلاثة آلاف مقاتل إلى أرض البلقاء من أطراف الشام فيما عرف بغزوة مؤتة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس. فتلاقوا مع الكفار فاقتتلوا، فقتل زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتى قتل، فأخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح الله على يديه. (جلس يعرف فيه الحزن) قال الطيبي: كأنه كظم الحزن فظهر ما لا بد للجبلة البشرية منه. (قالت: وأنا أنظر من صائر الباب) القائل عائشة، و"صائر الباب" و"صير الباب" شقه الذي يعد للنظر منه. (فأتاه رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وكأنه أبهم عمداً لما وقع في حقه من غض عائشة منه. اهـ أي من قولها له: أرغم الله أنفك. (إن نساء جعفر ... ) أي امرأته أسماء بنت عميس، ومن حضر عندها من أقاربها وأقارب جعفر، ومن في معناهن، وخبر "إن" في هذه الرواية محذوف لدلالة المقام عليه، والمعنى: فعلن كذا وكذا من البكاء والنوح مثلاً، وعند ابن حبان: "قد أكثرن من بكائهن". (فذهب) أي فنهاهن، فرجع، فأتاه ﷺ . (قالت: فزعمت أن رسول الله قال) الزعم يطلق على ما لا أصل له وعلى الأمر المحقق، ومنه "زعم جبريل أنه لن تموت نفس قبل أن تستوفى". وهو المراد هنا، والمعنى قالت عمرة: قالت عائشة: قال ﷺ . (اذهب فاحث في أفواههن من التراب) "فاحث" بضم الثاء وكسرها يقال: حثا يحثو، وحثا يحثى، و"من" تبعيضية، وخص الأفواه دون الأعين مثلاً لأنها محل النوح، وهل الأمر على حقيقته وأنه مطلوب منه أن يحمل في يده تراباً يقذفه في أفواههن؟ الظاهر أن عائشة فهمت ذلك فقالت للرجل ما قالت، ولكن الأولى حمل الأمر على الكناية عن المبالغة والزجر، كأنه قال له: اذهب فاكتم أفواههن بوعيدهن بالخيبة وضياع الأجر. ومن التوجيهات الحسنة هنا ما قيل من أن الأمر للتعجيز، أي إن كنت تستطيع فعل كذا فافعل لكنك لا تستطيع فكف عن المتابعة واسكت. (أرغم الله أنفك) أي ألصقه بالرغام -بفتح الراء- وهو التراب ويقصد بهذه العبارة الدعاء بالإهانة والإذلال. ودعت عليه لما فهمت من إحراجه النبي ﷺ بإلحاحه وإلحافه وتردده عليه.

стр. 2067

(والله ما تفعل) أي لن تفعل. والظاهر أن الرجل المذكور كان يدخل ويعنف النسوة المذكورات. (وما تركت رسول الله ﷺ من العناء) بفتح النون، أي المشقة والتعب، وفي ملحق الرواية "من العي" بكسر العين وتشديد الياء، وهو هنا بمعنى العناء. فكأنها تقول له: لا أنت نجحت في رسالتك من الإنكار والتأديب ولا أنت تركت رسول الله ﷺ حتى يعذرهن ويشفق عليهن لحرارة مصابهن. (فما وفت منا امرأة إلا خمس) قال القاضي عياض: معنى الحديث لم يف ممن بايع النبي ﷺ مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه النسوة إلا المذكورات، لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمسة. اهـ. (وابنة أبي سبرة امرأة معاذ -أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ) "ابنة أبي سبرة" بفتح السين وسكون الباء الموحدة، والشك من أحد الرواة، قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر لي أن الرواية بواو العطف أصح. اهـ. وبالعطف يصبحن أربعاً، أم سليم أم أنس، وأم العلاء امرأة من الأنصار، وابنة أبي سبرة ولعل اسمها أم كلثوم الوارد في بعض الروايات عند الطبراني، وامرأة معاذ بن جبل واسمها أم عمرو، أما الخامسة فقيل: لعلها أم عطية راوية الحديث، ورد بأنها كانت لا تعد نفسها لذلك، لأنها في يوم الحرة لم تزل النساء بها حتى قامت معهن. ويوم الحرة كان في أيام يزيد بن معاوية، قتل فيه من الأنصار من لا يحصى عدده ونهبت المدينة الشريفة، وبذل فيها السيف ثلاثة أيام. وقيل: لعلها كانت تعد نفسها حين روت الحديث قبل يوم الحرة، وأصبحت لا تعد نفسها بعد يوم الحرة، ويؤيده رواية الطبراني: "فما وفت غيري وغير أم سليم ... ". -[فقه الحديث]- البكاء دمع العين، وقد يصاحبه من القول أو الفعل ما هو مكروه أو حرام. ولتحرير الأحكام الفقهية نقول: أولاً: حزن القلب ودمع العين من غير أن يصاحبهما سخط على القضاء، أو جزع شديد في القلب، أو اعتراض نفسي على القدر، ومن غير أن يصاحبهما قول أو فعل يغضب الرب، هذا النوع لا شيء فيه شرعاً. على معنى أنه مباح باعتباره مسايراً للطبيعة البشرية، بل قد يكون ممدوحاً شرعاً إذا

стр. 2068

نبع من العاطفة المشروعة، والرحمة التي أنزلها الرحمن في قلوب الرحماء، والتي بها يتراحم الخلق. ومن هذا القبيل بكاء النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم، وقوله: "إن القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون". وبكاؤه ﷺ عندما رفع إليه ابن ابنته وهو في حضرة الموت، وقوله في روايتنا الثانية: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". وبكاؤه ﷺ وبكاء أصحابه عند عيادتهم لسعد بن عبادة في روايتنا الثالثة وقوله: "إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب". وبناء على هذا يحمل ما ورد من مؤاخذات على البكاء أو من نهي عنه على أنه لم يكن من هذا النوع، بل كان مصاحباً لممنوع شرعي، وإن اختلفت درجات المنع باختلاف الفعل. فبكاء المرأة على قبر صبيها -في روايتنا السادسة- محمول على أنه كان مصاحباً للصراخ والعويل والهلع، وحال المرأة وردها العنيف على رسول الله ﷺ وجواب الرسول ﷺ بما يوحي أنها فقدت الصبر قرينة على ذلك. وبكاء حفصة على أبيها -عمر ﵄ كما ما جاء في روايتنا السابعة، وبكاء صهيب على عمر، كما جاء في روايتنا الحادية عشرة محمول على أنه كان مصاحباً للصراخ والصياح والعويل، بدليل ما جاء في روايتنا التاسعة: "لما طعن عمر أغمي عليه، فصيح عليه" وما جاء في روايتنا العاشرة: "جعل صهيب يقول: وا أخاه" وروايتنا الثانية عشرة: "أن عمر لما طعن عولت عليه حفصة". وإذا كان دمع العين وحزن القلب مشروعاً عند موت عزيز، كان من غير المقبول عقلاً وشرعاً أن يعذب الله الميت بفعل مشروع للحي. فلا يدخل مثل هذا قطعاً في الحديث "إن الميت ليعذب ببكاء الحي". ثانياً: أفعال الجاهلية التي ورد النهي عنها وجاء فيها الوعيد الشديد حرام بإجماع العلماء، بل هي من الكبائر، ومنها ضرب الخدود، وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، ففي الصحيح: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". رواه البخاري. وعند ابن ماجه وصححه ابن حبان: "أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور". ومنها حلق المرأة شعر رأسها ورفع التراب، والصياح، والصراخ، والنياحة والندبة، والولولة، وتلطيخ الوجه بالأزرق، وشنق الرقبة بشق من الثياب، وغير ذلك كإحداد المرأة أكثر من ثلاث على غير زوج أو أكثر من أربعة أشهر وعشرة على زوج.

стр. 2069

في كل ذلك وردت أحاديث صحيحة ومحتج بها. ويلحق بهذا إحداد الرجل بإطلاق شعره وشعر لحيته والامتناع عن الغسل وعن أنواع معينة من الطعام والشراب، ولكن حرمة هذا الأخير لا تبلغ حرمة ما سبق من أفعال النساء. وكل هذا واضح من الأدلة، ولا تعارض ولا نزاع فيه. وإنما المشكل في هذا الباب عذاب الميت بصراخ أهله عليه، والأحاديث ظاهرها التعارض، فأحاديث عمر وابن عمر صريحة في عذاب الميت، وأحاديث عائشة رافضة لعذابه ببكاء أهله، قاطعة بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، والعلماء في هذا الإشكال يخوضون بعضهم يؤيد عمر وابنه، وبعضهم يؤيد عائشة، وبعضهم يحاول الجمع والتوفيق. فالفريق الأول لا يوافق عائشة من وجوه: الأول: أن عائشة ﵂ نافيه، والنافي الدقيق ينفي العلم ولا ينفي الوقوع، فما كان لها أن تقول في روايتنا الثالثة عشرة: "لا. والله ما قال رسول الله ﷺ قط: إن الميت يعذب ببكاء أحد". وما كان لها أن تقول في روايتنا الرابعة عشرة: "لا. والله ما حدث رسول الله ﷺ إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد"؛ لأنها لم تحط بجميع أقواله ﷺ في جميع أوقات حياته، وكانت الدقة أن تقول: لا أعلم أنه قال كذا، وإنما أعلم أنه قال كذا. حينئذ لا يلزم من عدم علمها بشيء عدم وقوعه. كما لا يلزم من سماعها قولا عدم سماع غيرها لقول آخر. الثاني: قال القرطبي: إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان، أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً، بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح. الثالث: قال الداودي: رواية ابن عباس عن عائشة [روايتنا الرابعة عشرة] أثبتت ما نفته عمرة وعروة عنها [فرواية عمرة السابعة عشرة من رواياتنا تنفي أن يعذب ميت ببكاء الحي، ورواية عروة الخامسة عشرة والسادسة عشرة من رواياتنا تنفي أن يعذب الميت ببكاء أهله عليه، فالروايتان تنفيان عذاب أي ميت ببكاء أهله، ورواية ابن عباس الثالثة عشرة والرابعة عشرة من رواياتنا تثبت زيادة عذاب لبعض الموتى ببكاء أهله إلا أنها خصته بالكافر، لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذاباً ببكاء أهله. فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء؟ ]. الرابع: أن عائشة حين روت حديث عمر، وحديث ابنه لم تعارضهما بحديث مخالف لهما في الحكم، بل بما استشعرته من معارضة القرآن، وهذا فهم منها يقابله فهم سائغ آخر في تفسير الآية كما سيأتي. والفريق الثاني لا يوافق ابن عمر في أن الميت يعذب بسبب بكاء أهله، فهم يرون أنه لا يعذب أي ميت بسبب بكاء أحد عليه، وإلى هذا جنح بعض الشافعية، وقد رواه أبو يعلى عن أبي هريرة من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال أبو هريرة: "والله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد، فعمدت امرأته سفهاً وجهلاً فبكت عليه، ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة"؟ .

стр. 2070

وهذا الفريق بعضهم يرد الحديث رداً كما فعلت عائشة، وبعضهم يقبله ويؤوله، فيجعل الباء في "ببكاء أهله" للحال، لا للسببية، أي إن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه. وذلك أن شدة بكائهم غالباً إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدئ بالسؤال عذاب القبر، فكأن معنى الحديث: إن الميت يعذب في حالة بكاء أهله عليه، وعلى هذا يكون خاصاً ببعض الموتى. قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه من التكلف. اهـ. وبعضهم يقبله ويؤوله: فيقول: إن معنى "يعذب ببكاء أهله" "أي يعذب بالفعل الذي يذكرونه به، وذلك أن الأفعال التي يعددون بها عليه غالباً تكون من المحرمات المنهي عنها، فهي قبائح في الشرع ومحاسن في زعمهم كقولهم: يا سبع الجبال، يا مخيف الرجال، يا كاتم الأنفاس، يا شديد البأس. ويرون ذلك شجاعة وفخراً. وهي وإن كانت شجاعة لكنها صرفت في غير طاعة، وقد يعددون عليه بالجود الذي أنفقه في المعاصي، فهو يعذب بصنيعه الذي يمدحونه به، أي يعذب بما يبكى عليه به. واختار هذا التأويل ابن حزم وطائفة. وعلى هذين التأويلين لا يعذب أي ميت بسبب بكاء أهله. كما ذهبت عائشة. الفريق الثالث: يجمع بين الحديثين، فيقيد كلا منهما بقيد يرفع التعارض بينهما. وقد اتجهت قيودهم ثلاثة اتجاهات: ١ - اتجاه تقييد العذاب على معنى أنه يعذب بنوع ولا يعذب بنوع، أي المثبت نوع، والمنفي نوع آخر، فالمثبت توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، كما روي في مسند الإمام أحمد من حديث أبي موسى مرفوعاً: "الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه؟ واناصراه؟ واكاسياه؟ جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟ " والمنفي عذاب النار. أو المثبت تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة، والمنفي عذاب الآخرة. ٢ - واتجاه تقييد الزمان والمكان على معنى يعذب في البرزخ ولا يعذب يوم القيامة. حكاه الكرماني وحسنه. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥] فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب. ٣ - واتجاه تقييد الميت بصفة، على معنى: (أ) يعذب ببكاء أهله من أهمل نهي أهله عن ذلك قبل موته وهو يعلم أنهم لهم بذلك عادة، ويعلم ما جاء في النهي عن النوح، ولا يعذب من ليس كذلك. قال ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح، وعرف أن أهله من شأنهم يفعلون ذلك، ولم يعلمهم بتحريمه، ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه، لا بفعل غيره بمجرده.

стр. 2071

(ب) أو على معنى يعذب ببكاء أهله من أوصى بالنياحة، ولا يعذب ببكاء أهله من لم يوص، واعترض عليه بأن من أوصى عذب، سواء أعمل أهله بالوصية أم لم يعملوا. وأجيب بأن عذابه إن عملوا فوق عذابه إن لم يعملوا. قال بهذا التأويل كثير من الشافعية وغيرهم. وقال السمرقندي: أنه قول عامة أهل العلم. ونقله النووي عن الجمهور، وهو مؤيد بحديث: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها". وموافق لظاهر قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] ولا يعترض عليه بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فإن العذاب حينئذ على وزر نفسه. وقال الحافظ ابن حجر في ختام بحث هذه المسألة: ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات، فينزل على اختلاف الأشخاص، بأن يقال مثلاً: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته، وبالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنعه، ومن كان ظالماً فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضياً بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله، واحتاط فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم، من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث]- ١ - من إرسال إحدى بناته ﷺ في الرواية الثانية جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر رجاء بركتهم ودعائهم. ٢ - وإخبار من يستدعى بالأمر الذي يستدعى من أجله. ٣ - وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت، ليقع وهو مستشعر بالرضا، مقاوم للحزن بالصبر. ٤ - من عدم مبادرته ﷺ بإجابة الدعوة جواز المبالغة في إظهار التسليم لله. ٥ - وأن من دعي لمثل ذلك، لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة. ٦ - ومن إقسامها جواز الإلحاح، وقسم الرجاء في مثل هذه الأمور. ٧ - واستحباب إبراز القسم. ٨ - وعيادة المريض، ولو كان مفضولاً أو صبياً صغيراً. ٩ - ومن قيام سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل مع النبي ﷺ ، جواز المشي إلى التعزية والعيادة بغير إذن صاحبها، بخلاف الوليمة. ١٠ - ومن سؤال سعد استفهام التابع من إمامه عما يشكل مما يتعارض ظاهره. ١١ - ومن بكاء الرسول ﷺ جواز البكاء من غير نوح ونحوه.

стр. 2072

١٢ - ومن إجابته ﷺ الترغيب في الشفقة على خلق الله والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب وجحود العين. ١٣ - ومن الرواية الثالثة والرابعة استحباب عيادة المريض. ١٤ - وعيادة الفاضل للمفضول. ١٥ - وعيادة القاضي والعالم لأتباعه. ١٦ - وما كان عليه الصحابة ﵃ من الزهد في الدنيا والتقليل منها، وعدم الاهتمام بفاخر اللباس. ١٧ - وجواز المشي حافياً. ١٨ - ومن استئخار قوم سعد تكريم الزائر، وأهل الفضل، والتوسعة لهم. ١٩ - ومن الرواية السادسة ما كان عليه ﷺ من التواضع والرفق بالجاهل. ٢٠ - ومسامحة المصاب، وقبول اعتذاره. ٢١ - وملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٢٢ - وأن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس. ٢٣ - وأن من أمر بمعروف، ينبغي له أن يقبل ولو لم يعرف الآمر. ٢٤ - وأن الجزع من المنهيات، لأمره لها بالتقوى، مقروناً بالصبر. ٢٥ - والترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة، ونشر الموعظة. ٢٦ - واستدل به على جواز زيارة القبور سواء كان الزائر رجلاً أو امرأة، وستأتي في باب مستقل. ٢٧ - وأن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه، ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على الأيام يسلو، وحكى عن بعضهم أن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته، وجميل صبره. ٢٨ - ومن الرواية السابعة والثامنة المبادرة بنهي الأهل عن المنكر لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ [التحريم: ٦] وقوله ﷺ : "كلكم راع ومسئول عن رعيته". ٢٩ - ومن الرواية الثالثة عشرة استحباب الجلوس والاجتماع لانتظار الجنازة. ٣٠ - ومن جلوس عبد الله بن أبي مليكة بين عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وهما أفضل منه بالصحبة والعلم والفضل والصلاح والنسب والسن وغير ذلك جواز جلوس المفضول بين الفاضلين لعذر. قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن المكان الذي جلس فيه ابن عباس كان أوفق.

стр. 2073

٣١ - ومن حرص ابن عباس على الجلوس عند ابن عمر حرص أهل الفضل أن يجلسوا إلى أهل الفضل. ٣٢ - ومن قول عائشة: "لا. والله ما قال .... " جواز الحلف بغلبة الظن بقرائن، وإن لم يقطع الإنسان. قال النووي: وهذا مذهبنا. ٣٣ - ومن قول ابن عباس: "والله أضحك وأبكى " التعقيب على الآراء وتأييدها بما يحضر من القرآن. ٣٤ - ومن سكوت ابن عمر حرصه على عدم الجدل والمماراة. ٣٥ - ومن دعاء عائشة لعمر وابنه قبل تخطئتهما أدب أم المؤمنين وإحسانها لمن يتأذى بقولها. ٣٦ - ومن الرواية السابعة عشرة حسن ظن الصحابة بعضهم ببعض، وعدم تكذيب بعضهم بعضاً والتماس العذر لمن أخطأ. ٣٧ - ومن الرواية التاسعة التحذير والتنفير من الفخر في الأنساب. ٣٨ - والطعن في الأنساب. ٣٩ - والاستسقاء بالنجوم. ٤٠ - والنياحة، وهي حرام بالإجماع وهي من الأجنبيات عن الميت أشد إثماً. ٤١ - وفيها صحة التوبة ما لم يمت المكلف، ولم يصل إلى الغرغرة. ٤٢ - وفيها أن جزاء يوم القيامة من جنس العمل، فقد كانت النائحة تلبس السواد وتولول وتحرك يديها يمينا وشمالاً وأعلى وأسفل. ٤٣ - ومن الرواية المتممة للعشرين وجلوسه ﷺ يعرف فيه الحزن استحباب إظهار الحزن. قال العلماء: إظهار الحزن أبلغ في الصبر وأزجر للنفس، لكن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من النوح والشهيق ونحوها، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب. ٤٤ - ومن نهي نساء جعفر عن البكاء، أخذ بعضهم جواز النهي عن الأمر المباح عند خشية إفضائه إلى محرم، لكن الظاهر أنه كان في بكائهن زيادة على القدر المباح، فالنهي للتحريم، بدليل أنه كرره وبالغ فيه، وأمر بعقوبتهن إن لم يسكتن. ٤٥ - وفي الحديث جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار. ٤٦ - وجواز نظر النساء المتحجبات إلى الرجال الأجانب. ٤٧ - وتأديب من نهي عما لا ينبغي له فعله إذا لم ينته. ٤٨ - وجواز اليمين لتأكيد الخبر. ٤٩ - ومن الرواية الواحدة بعد العشرين تحريم النوح وتعظيم قبحه والاهتمام بإنكاره، والزجر عنه لأنه

стр. 2074

مهيج للحزن ورافع للصبر، ومظهر من مظاهر عدم التسليم للقضاء، ومنقبة للمذكورات اللائي كن من الوفيات بالبيعة. ٥٠ - أما الرواية الثالثة والعشرون فقد قال النووي: فيها الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة كما هو ظاهر، ولا تحل النياحة لغيرها ولا لها في غير آل فلان. كما هو صريح في الحديث وللشارع أن يخص من العموم ما شاء. قال: فهذا هو صواب الحكم في هذا الحديث. واستشكل القاضي عياض وغيره هذا الحديث، وقالوا فيه أقوالاً عجيبة. قال: ومقصودي التحذير من الاغترار بها، حتى إن بعض المالكية قال: النياحة ليست بحرام، بهذا الحديث وقصة نساء جعفر، قال: وإنما المحرم ما كان معه شيء من أفعال الجاهلية، كشق الجيوب، وخمش الخدود، ودعوى الجاهلية. والصواب ما ذكرناه أولاً، وأن النياحة حرام مطلقاً وهو مذهب العلماء كافة، وليس فيما قاله هذا القائل دليل صحيح، لما ذكرنا، انتهى. والله أعلم

стр. 2075

(٢٨٤) باب نهي النساء عن اتباع الجنائز وغسل الميت وكفنه ١٨٨٢ - عن أم عطية ﵂ قالت: كنا ننهى عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. ١٨٨٣ - عن أم عطية ﵂ قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. ١٨٨٤ - عن أم عطية ﵂ قالت دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته. فقال "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني" فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال "أشعرنها إياه". ١٨٨٥ - عن أم عطية ﵂ قالت مشطناها ثلاثة قرون. ١٨٨٦ - عن أم عطية ﵂ قالت: توفيت إحدى بنات النبي ﷺ . وفي حديث ابن علية قالت أتانا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته. وفي حديث مالك قالت دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته بمثل حديث يزيد بن زريع عن أيوب عن محمد عن أم عطية. ١٨٨٧ - عن أم عطية ﵂ بنحوه غير أنه قال "ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" فقالت حفصة عن أم عطية وجعلنا رأسها ثلاثة قرون. ١٨٨٨ - عن أم عطية ﵂ قالت اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً. قال وقالت أم عطية مشطناها ثلاثة قرون.

стр. 2076

١٨٨٩ - عن أم عطية ﵂ قالت لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، قال لنا رسول الله ﷺ "اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً، واجعلن في الخامسة كافوراً أو شيئاً من كافور فإذا غسلتنها فأعلمنني" قالت فأعلمناه، فأعطانا حقوه، وقال "أشعرنها إياه". ١٨٩٠ - عن أم عطية ﵂ قالت أتانا رسول الله ﷺ ونحن نغسل إحدى بناته فقال "اغسلنها وتراً خمساً أو أكثر من ذلك" بنحو حديث أيوب وعاصم. وقال في الحديث قالت فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث قرنيها وناصيتها. ١٨٩١ - عن أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ حيث أمرها أن تغسل ابنته، قال لها ابدأن "بميامنها ومواضع الوضوء منها". ١٨٩٢ - عن أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لهن في غسل ابنته "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". ١٨٩٣ - عن خباب بن الأرت قال هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله نبتغي وجه الله؛ فوجب أجرنا على الله. فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه؛ فقال رسول الله ﷺ : "ضعوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر" ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها. ١٨٩٤ - عن عائشة ﵂ قالت كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة. أما الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنها

стр. 2077

اشتريت له ليكفن فيها، فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها فباعها وتصدق بثمنها. ١٨٩٥ - عن عائشة ﵂ قالت أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب سحول يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص. فرفع عبد الله الحلة فقال أكفن فيها، ثم قال لم يكفن فيها رسول الله ﷺ وأكفن فيها فتصدق بها. ١٨٩٦ - عن أبي سلمة أنه قال سألت عائشة زوج النبي ﷺ ، فقلت لها في كم كفن رسول الله ﷺ ؟ فقالت في ثلاثة أثواب سحولية. ١٨٩٧ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت سجي رسول الله ﷺ حين مات بثوب حبرة. ١٨٩٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ يحدث أن النبي ﷺ خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلاً، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وقال النبي ﷺ "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه". -[المعنى العام]- حمداً لله وشكراً أن كرم بني آدم، كرمهم أحياء وأمواتاً. خلقهم في أحسن تقويم، وستر عوراتهم في دنياهم، وشرع لهم النظافة وإزالة الخبث، والتجمل بالثياب والطيب، فكانوا في دنياهم أطهر وأنقى وأطيب ما على ظهر البسيطة.

стр. 2078

وكرمهم أمواتاً، وللموت وحشة، وللميت رهبة، ولمنظره بعد الموت فزع ورعب وخوف، إنه شبح التحول والفناء، شبح ذوبان الجمال والبهاء، شبح البلى والعودة إلى التراب، فجاءت الشريعة بإغماض عينيه، وضم فكيه وتسجيته وتغطيته تغطية كاملة محكمة من قمة رأسه إلى أسفل قدميه، هكذا سجي رسول الله ﷺ حين مات، حتى إذا تهيأ أهله لدفنه وجب غسله، يقوم بتغسيله من يمتهن هذه المهنة أو أقرب أهله إليه، في مكان مستور عن أعين الناس، يرش بشيء من الطيب لما عساه يظهر من ريح كريه ينشأ عن الموت ومخارج الميت، يغسل بماء نقي طاهر يوضع به أو معه بعض المنظفات ذات الرائحة الطيبة، فتغسل مخارجه جيداً بعد ضغط رفيق على البطن لإخراج القريب من الفضلات، حتى إذا نقي الموضع غسل الجسم وتراً، لأن الله يحب الوتر ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً حتى يتأكد من النظافة، ثم يجفف برفق، ثم تحشى الفتحات بالقطن الممسك المضمخ بالطيب ثم تربط، ويسرح شعر الرأس كما كان يسرح في الدنيا، ويضفر شعر المرأة، بهذا أمر رسول الله ﷺ من قامت بغسل ابنته زينب ﵂. ثم يكفن بأنظف الثياب لا بأغلاها ثمناً، إنها للتراب وللبلى، فالمغالاة فيها إضاعة للمال في غير المشروع، إن الكفن يقصد به الستر أولاً، والتكريم ثانياً، والحجب المؤقت لما يتساقط وينزف من الميت بسبب التحلل ثالثاً، فجوده في نظافته وعدد لفات الجسم به، ولقد كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض من الأقمشة القطنية. وتكفن المرأة في خمسة أثواب، يلبس الرجل القميص إن كان هناك قميص، وتلف على رأسه عمامة بدون "طربوش" فالمقصود بها لفافة حول الرأس، وتغطى المرأة بإزار يغطي أسفلها، وتلبس درعاً شبيهاً بالقميص القصير، ويسدل الخمار على وجهها من أعلى رأسها، ثم يلف الرجل أو المرأة في لفافة تحيط بجسمه أكثر من دورة، ثم يلف بلفافة ثانية كالتي قبلها، ثم بثالثة مثلها، ثم تجمع اللفائف عند الرأس، ويرد زائدها على الوجه والصدر، وعند القدمين والساقين، ثم تشد الأكفان على الجسد بأربطة تحفظ من الانفكاك عند الحمل، وتفك من حول الجسد بعد وضعه في القبر. وهكذا يظل الإنسان بين بني آدم مكرماً حتى يوارى، يظل مستوراً حتى يستره قبره الستر الحصين، يظل مقبول الرائحة حتى يكتم قبره عن أنوف الناس تغيره المحتوم، يظل حسن الصورة في نفوس أهله ومحبيه بل وأعدائه حتى لحظة وداعه وفراقه، تظل ابتسامته في مخيلتهم، وجماله ونضارته في أفئدتهم، وحبه والميل إليه في قلوبهم، فيبقى الشوق إلى رؤيته ويزداد، ويطول الحنين إليه ويعز الفراق، وتمتد الصلة والوصل في النفوس ويطول ارتباط الإنسان بالإنسان والأحياء بالأموات. والله نسأل حسن الختام.

стр. 2079

-[المباحث العربية]- (كنا ننهى عن اتباع الجنائز) أي ومازلنا، بدليل ملحق الرواية "نهينا"، والناهي رسول الله ﷺ ، فعند الإسماعيلي "نهانا رسول الله ﷺ ". (ولم يعزم علينا) بضم الياء، مبني للمجهول، أي ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. قال الطبري: المراد لم يعزم علينا كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباعها بحصول القيراط ونحو ذلك. اهـ فكأنه يميل إلى الإباحة. قال الحافظ ابن حجر: والأول أظهر. (عن أم عطية) واسمها نسيبة، صحابية فاضلة ممن بايعن رسول الله ﷺ وكانت غاسلة للميتات. (دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته) في الرواية الخامسة "أتانا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته". وفي رواية "دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته". وفي الرواية الثامنة "لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لنا رسول الله ﷺ .... ". وفي الرواية العاشرة "أمرها رسول الله ﷺ أن تغسل ابنته". وتصور الموقف أن رسول الله ﷺ أمرها وأخريات أن يغسلن ابنته فدخلن للغسل، فأتاهن ﷺ ودخل عليهن في حجرة الغسل، وقال لهن ما قال. والرواية الثامنة صريحة في أن البنت المتوفاة زينب ﵂ أكبر بنات النبي ﷺ ، زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة وعلي، توفيت أول سنة ثمان من الهجرة. وقد حكى ابن التين عن الداودي أنه جزم بأن البنت المذكورة أم كلثوم زوج عثمان، والصواب أنها زينب، نعم ورد في بعض الروايات عن أم عطية قولها: كنت فيمن غسل أم كلثوم. لكن يحتمل أنها حضرت غسل زينب وأم كلثوم، فإنها كانت تقوم بالتغسيل. (ثلاثاً أو خمساً) "أو" للتنويع هنا، وفي الرواية السادسة والسابعة "أو سبعاً". وأساس التنويع الإنقاء، فالمعنى ثلاثاً إن حصل بهن الإنقاء وإلا فخمساً وإلا فسبعاً. (أو أكثر من ذلك) الكاف في ذلك مكسورة، لأن الخطاب لأم عطية. (إن رأيتن ذلك) الأكثر لازماً للإنقاء، والخطاب للغاسلات. (بماء وسدر) متعلق بقوله: "اغسلنها". وظاهر أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل. (واجعلن في الآخرة كافوراً) في بعض الروايات "في الأخيرة" أي في الغسلة الأخيرة.

стр. 2080

(أو شيئاً من كافور) شك من الراوي في أي اللفظين قيل. (فإذا فرغتن فآذنني) أمر لجماعة الإناث، والفعل آذن بمعنى أعلم، وفي الرواية السادسة "فإذا غسلتنها فأعلمنني" قالت: فأعلمناه. (فألقى إلينا حقوه) في الرواية الثامنة "فأعطانا حقوه"، "الحقو" بكسر الحاء وفتحها مع سكون القاف الإزار. (أشعرنها إياه) أي ألبسنها هذا الإزار، واجعلنه شعاراً، والشعار هو الذي يلي شعر الجسد، وقد فسره أيوب الراوي عن ابن سيرين الراوي عن أم عطية، فقال: الففنها فيه، فالمراد من إشعارها الإزار لفها فيه، وليس مجرد وضعه عليها للقرينة الدالة على ذلك. (مشطناها ثلاثة قرون) يقال: مشطت الماشطة إذا سرحت الشعر، والقرون جمع قرن، وهي الخصلة من الشعر، و"ثلاثة" منصوب على نزع الخافض، أي بثلاث قرون، أو على الظرفية، أي في ثلاثة قرون، والمعنى جعلنا شعرها ثلاث ضفائر بعد أن حللناه وغسلناه وسرحناه، وفي الرواية التاسعة "فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث. قرنيها وناصيتها" أي جعلت ناصيتها ضفيرة وجعل شعر كل جانب من جانبي رأسها ضفيرة، وألقيت الضفائر الثلاث خلفها كما جاء في رواية البخاري. (اغسلنها وتراً. ثلاثاً أو خمساً) تفسير الوتر وبيانه بقوله "ثلاثاً أو خمساً" يوحي ظاهره أن أقل الوتر ثلاث، وليس كذلك، فالواحدة وتر، والله وتر يحب الوتر، فالبيان هنا للمراد من الغسل وأن مقصوده الإنقاء ولا يحصل بالواحدة غالباً. (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) قيل: المراد الوضوء الحقيقي بحيث توضأ أولاً، ثم يعاد غسل تلك الأعضاء عند الغسل، وقيل: يبدأ بأعضاء الوضوء عند الغسل تشريفاً لها. والثاني أظهر. قاله الحافظ ابن حجر. (نبتغي وجه الله) في رواية البخاري "نلتمس وجه الله" أي لا نبتغي ولا نقصد دنيا. (فوجب أجرنا على الله) في رواية البخاري "فوقع أجرنا على الله" أي حق لنا الأجر عند الله شرعاً بحكم وعده ﷻ ، والمراد بالأجر الحسنيان غنيمة الدنيا وأجر الآخرة أو إحدى الحسنيين. (فمنا من مضى) أي استشهد، أو قضى دنياه زاهداً. (لم يأكل من أجره شيئاً) أي لم يدرك الغنائم، أو لم يكسب من الدنيا ولم يقتن منها شيئاً، وقصر نفسه على الزهد في متاعها. ومقابل "فمنا" سيأتي في آخر الحديث "ومنا من أينعت له ثمرته". (منهم مصعب بن عمير) كان من أثرياء مكة، ومن أنعم الناس عيشاً فيها، وألينهم لباساً،

стр. 2081

وأحسنهم جمالاً، وكان فتاها المدلل، أسلم وأوذي وهاجر إلى المدينة في مقدمة من هاجر إليها، وعاش في المدينة في ثوب مرقع لا يجد غيره. (قتل يوم أحد) عن نيف وأربعين سنة. (إلا نمرة) أي كساء. وقيل: كساء مخطط تلبسها العجوز، ربما اتزر به صاحبه، وربما ارتداه، وكان لأكثرهم نمرتان، يتزر بإحداهما ويرتدي بالأخرى. (واجعلوا على رجليه الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء، نبت عشبي أعواد رقاق دقاق، إذا جف ابيض، ناعم الملمس، طيب الرائحة، ينبت في السهول، ويكثر بأرض الحجاز يشبه ما هو المعروف بالحلفاء في بعض البلاد. (ومنا من أينعت له ثمرته) "أينعت" بفتح الهمزة وسكون الياء وفتح النون، يقال: ينع الثمر فهو يانع، وكذا أينع إذا نضج. والكلام كناية عن طيب الدنيا والتمتع بها. (فهو يهدبها) بفتح الياء وسكون الهاء وكسر الدال وحكي تثليثها آخره باء أي يجتنيها. (سحولية من كرسف) "سحولية" بفتح السين وضمها والفتح أشهر، وهي ثياب بيض نقية لا تصنع إلا من القطن، قيل: منسوبة إلى قرية باليمن كانت تصنعها. والكرسف بضم الكاف هو القطن. وفي الرواية الرابعة عشرة "ثلاثة أثواب سحول يمانية". وفي رواية للبيهقي "سحولية جدد". (ليس فيها قميص ولا عمامة) معناه لم يكفن في قميص ولا عمامة، أي لم يكن مع الثلاثة أثواب شيء آخر. وقيل: معناه ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة ولا معدودين منها، وإنما هما زائدان عليها. وسيأتي الخلاف في فقه الحديث تبعاً لهذين التفسيرين. (أما الحلة) بضم الحاء وتشديد اللام، وهي إزار ورداء، ولا تكون الحلة إلا من اثنين. (فإنما شبه على الناس) بضم الشين وكسر الباء المشددة، ومعناه اشتبه عليهم. (في الحلة يمنية) قال النووي: ضبطت هذه اللفظة في مسلم على ثلاث أوجه: أحدها بفتح الياء الأولى، منسوبة إلى اليمن. والثاني "يمانية" بتخفيف الياء الثانية منسوبة إلى اليمن أيضاً. والثالث "يمنة" بضم الياء وإسكان الميم، وهي على هذا مضافة "حلة" مضاف، و"يمنة" مضاف إليه. قال الخليل: هي ضرب من برود اليمن. (سجي) بضم السين وتشديد الجيم المكسورة، ومعناه غطي جميع بدنه. (بثوب حبرة) بكسر الحاء وفتح الباء، وهو برد يماني، يقال: برد حبير وبرد حبرة، على الوصف، وعلى الإضافة، وقيل: هو ما كان من البرود مخططاً موشياً.

стр. 2082

(قبض ليلاً فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلاً) أي كفن غير كامل الستر، والعبارة تفيد أنه قبض وكفن ودفن في ليلة واحدة، وتشير إلى أن الكفن غير الساتر سبب في الدفن ليلاً. (حتى يصلى عليه) بضم الياء مبني للمجهول، والعبارة تشير إلى سبب آخر للنهي عن الدفن بالليل. (إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك) لخوف زحام أو خوف حر على المشيعين، أو خوف تغير لبدن الميت أو نحو ذلك من الضرورات، وفي المسألة تفصيل يأتي في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- أما تشييع النساء للجنازة فظاهر روايتنا الأولى أنه غير مستحب، قال النووي: ومذهب أصحابنا أنه مكروه وليس بحرام، لهذا الحديث. قال القاضي: قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة. وأجازه مالك وكرهه للشابة. اهـ قال الحافظ ابن حجر. ولا يخفى أن محل النزاع إنما هو حيث تؤمن المفسدة. وأما غسل الميت فقد قال النووي في المجموع: غسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين، إذا فعله البعض سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم. أما فيمن يتولى غسل الميت فقال: قال أصحابنا: الأصل في غسل الميت أن يغسل الرجال الرجال، والنساء النساء، فإن كان الميت رجلاً فأولى الناس به أولاهم بالصلاة عليه وزوجته، فإن لم يكن له زوجة فأولاهم الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم وعلى هذا الترتيب، وإن كان له زوجة جاز لها غسله بلا خلاف عندنا. وبه قالت الأئمة كلهم إلا رواية عن أحمد، وهل تقدم على رجال العصبات؟ . وجهان: أصحهما عند الأكثرين: يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأقارب، ثم الرجال الأجانب، ثم الزوجة، ثم النساء المحارم. والثاني: تقدم الزوجة عليهم. وإذا ماتت المرأة جاز للزوج غسلها بلا خلاف عند الشافعية، والخلاف في تقديمه، فقيل: يقدم على الرجال والنساء. وقيل: يقدم النساء والمحارم من الرجال عليه. وقيل: يقدم على الرجال ويؤخر عن النساء. وهو الأصح. ثم قال النووي: قال الشيخ أبو حامد: مذهبنا أن المرأة إذا ماتت كان حكم نظر الزوج إليها بغير شهوة باقياً، وزال حكم نظره بشهوة، بخلاف فرقة الطلاق فإنه ينقطع بها حكم النظر. اهـ بهذا يقول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: ليس للزوج غسل زوجته، واحتج له بأن الزوجية زالت فأشبه المطلقة البائن.

стр. 2083

أما غسل الرجل بنته أو أمه أو غيرهما من محارمه فهو جائز عند مالك والشافعي، فإنها كالرجل بالنسبة إليه في العورة والخلوة، ومنعه أبو حنيفة وأحمد. أما غسل المرأة الصبي وغسل الرجل الصبية، فقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمرأة أن تغسل الصبي الصغير. وقال الحسن: تغسله إذا كان فطيماً أو فوقه بقليل. وقال مالك وأحمد: ابن سبع سنين. وقال الشافعية: تغسله ما لم يبلغ حداً يشتهى. اهـ. وقد تعارفت أغلب الأعراف على ممارسة امرأة هذه المهمة للنساء وممارسة رجل لها للرجال، على اعتبار أن من له الحق قد تنازل عنه وفوض الغاسل أو الغاسلة، وهذا أفضل من حيث إتقان الغسل وإحكامه غالبا، وها هي أم عطية في أحاديث الباب تقوم بغسل زينب بنت النبي ﷺ مع وجود زوجها وأختها وأبيها ﷺ . وأما في كيفية الغسل، واجباته ومستحباته وآدابه، فقال العلماء: ١ - يستحب المبادرة إلى الغسل والتجهيز له عند تحقق الموت. ٢ - يستحب أن يحمل الميت إلى موضع خال مستور، لا يدخله أحد إلا الغاسل ومن لا بد من معونته. وقال بعضهم: إن للولي أن يدخل ذلك الموضع إن شاء، وإن لم يغسل ولا أعان، اعتماداً على ما جاء في بعض الروايات في أن العباس حضر غسل النبي ﷺ ولم يشترك ولم يعن، لأن الذين تولوا الغسل علي والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد يناول الماء. ٣ - يجهز الماء في إناء كبير ليغرف منه، وأن يكون قريباً من المغتسل والشافعية على أن الماء البارد أولى، لأنه يشد البدن، والساخن يرخيه، إلا أن يحتاج إلى المسخن لشدة البرد، أو لوسخ وغيره، وعند أبي حنيفة المسخن أولى بكل حال. ٤ - يستحب أن يوضع بالمكان طيب فائح، لئلا تظهر رائحة ما يخرج. ٥ - يستحب وضع السدر في الماء ففي الرواية الأولى "بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً"، وفي الرواية الخامسة "واجعلن في الخامسة كافوراً". قال ابن المنير: قوله في الحديث: "بالماء والسدر" جعلهما معاً آلة لغسل الميت، وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل. اهـ وعليه فيعد الماء كله في إناء واحد يخلط بالسدر، ويغسل به جميع المرات، وبه قال أحمد. وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء [أي قليل] ويخضخض إلى أن تخرج رغوته، ويدلك به جسده، ثم يصب عليه الماء القراح، فهذه غسلته. اهـ وعليه فينبغي إعداد إناء به ماء قليل يوضع فيه السدر، وآخر به ماء كثير يضاف. وعن ابن سيرين: يغسل بالماء والسدر مرتين، والثالثة بالماء والكافور، فيعد على هذا إناءان، أحدهما ماء بالسدر، والثاني ماء بالكافور، وهذا أقرب الأوضاع لحديث أم عطية.

стр. 2084

وقيل: يغسل الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر. أو العكس، والثالثة بالماء والكافور، فيعد على هذا ثلاثة مياه. وهذا أقرب إلى الطهارة والنظافة ولا يأباه حديث أم عطية. ومن المعلوم أن السدر للتنظيف فيحل محله المنظفات الحديثة كالصابون، وأن الكافور للرائحة فيحل محله كل طيب. وقيل: في الكافور خاصية تجعله أولى فلا يستبدل به غيره إذا تيسر. ٦ - يستحب أن يوضع الميت على لوح أو سرير هيئ لذلك، وأن يكون رأسه أعلى لينحدر الماء. ٧ - وأن يلبس قميصاً واسعاً يغسل فيه من تحته، فإن لم يجد قميصاً أو تعذر غسله تحت قميص ستر منه ما بين السرة والركبة. قال أبو حنيفة: الأولى أن يجرد، ويروى مثله عن مالك، وحينئذ يلقى خلقة على فرجه، وفخذه مكشوفة. ٨ - لا يجوز للغاسل ومعاونيه النظر إلى عورته، ويستحب عدم النظر إلى سائر بدنه إلا فيما لا بد له منه. ٩ - ولا يجوز أن يمس عورته، لأنه إذا لم يجز النظر فالمس أولى، والمستحب أن لا يمس سائر بدنه. ١٠ - ولهذا يستحب أن يعد الغاسل قبل الغسل خرقا نظيفة، يلف بها يديه كلما احتاج. ١١ - وأول ما يبدأ به بعد وضعه على المغتسل أن يجلسه إجلاساً رفيقاً بحيث لا يعتدل، ويكون مائلاً إلى ورائه، ويمرر يده اليسرى على بطنه تمريراً بليغاً، ليخرج ما فيه من الفضلات، والمعين يصب عليه الماء لئلا تظهر رائحة ما يخرج. ١٢ - ثم يرده إلى هيئة الاستلقاء، ويغسل بيساره -وهي ملفوفة- دبره ومذاكيره كما يستنجي الحي، ثم يلقي تلك الخرقة، ويغسل يديه بماء وصابون. وبعضهم يرى أن يغسل كل سوأة بخرقة، وهو أبلغ في التنظيف. ١٣ - إذا فرغ من غسل سوأتيه أدخل أصبعه في فمه، وأمرها على أسنانه بشيء من الماء، وهذا بمنزلة السواك، وكذا يدخل إصبعه في منخريه بشيء من الماء ليزيل ما فيها من الأذى. ثم يوضئه كما يتوضأ الحي ثلاثاً ثلاثاً، ويراعى المضمضة والاستنشاق مع إمالة رأسه لئلا يصل الماء إلى بطنه خلافاً للحنفية حيث قالوا: لا يستحب وضوؤه أصلاً. وقيل: إن مذهب أبي حنيفة أن الميت يوضأ، لكن لا يمضمض ولا يستنشق لتعذر إخراج الماء من الأنف والفم. ومن قال: لا يستحب الوضوء. يوجه ما جاء في الروايتين الثامنة والتاسعة من قوله ﷺ : "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". فيقول: إن الوضوء لم يرد الأمر به مجرداً، وإنما البداءة بأعضاء الوضوء، كما يشرع في غسل الجنابة. ١٤ - وإذا فرغ من توضيئه غسل رأسه ثم لحيته بالماء والصابون، وسرحهما بمشط واسع الأسنان

стр. 2085

وبرفق حتى لا ينتف شيء، وإن نتف رده إليه، ويستحب ضفر شعر المرأة ثلاث ضفائر، كما هو صريح أحاديث أم عطية. ١٥ - ثم يضجعه على جنبه الأيسر ويصب الماء على شقه الأيمن، ثم يضجعه على شقه الأيمن فيصب الماء على شقه الأيسر، فهذه غسلة واحدة، وهي الواجبة، والمستحب أن يغسله ثلاثاً، فإن لم يتم النقاء بها زاد حتى صار سبعاً، كما جاء في الرواية الخامسة، ولم يرد في شيء من الروايات الزيادة على السبع. وروي عن مالك أنه لا اعتبار بالعدد، وإنما المعتبر الإنقاء. ويلاحظ ما قدمناه في أنواع الماء عند الغسلات. ويتعهد الغاسل مسح بطن الميت في كل مرة بأرفق مما قبلها، ولو خرجت نجاسة بعد الغسل أزيلت ولم يعد الغسل على الصحيح. ١٦ - فإذا ما انتهى من غسله نشفه وبالغ في التنشيف كيلا تبتل أكفانه فيسرع إليه الفساد. أما كفن الميت فأحاديث الباب يصور كفن مصعب بن عمير، وكفن رسول الله ﷺ . قال العلماء: أقل الكفن ثوب واحد ساتر لجميع البدن. وقال بعضهم: إن الواجب قدر ما يستر العورة، لأن الميت ليس آكد حالاً من الحي، والواجب في الحي ستر العورة لا غير، والظاهر من حديث مصعب وجوب ستر جميع البدن وإلا لما غطيت رجلاه بالإذخر، وسواء أردنا ثوباً ساتراً لجميع البدن أو ساتراً للعورة فإنه حق لله تعالى، لا تنفذ وصية الميت إذا أوصى بعدمه. والمستحب للرجال ثلاثة أثواب بيض من القطن أو الكتان، ويحرم أن تكون من الحرير للرجال. والمستحب للمرأة خمسة أثواب، ولا يحرم عليها الحرير، وما زاد على الثوب الواحد فهو بمنزلة ثياب التجمل للحي، فلو أوصى بعدمها نفذت الوصية. والزيادة على ذلك سرف، والمغالاة في الكفن مكروهة على الإطلاق. ومن لا مال له يكفن من بيت المال، ويقتصر على ثوب واحد على الأصح. وعند بعض الفقهاء: أن أكمل الكفن للرجال قميص وعمامة وثلاث لفائف سوابغ. وأكمل الكفن للنساء إزار وخمار وثلاث لفائف. وقيل: إزار ودرع وخمار وثوبان. أما كيفية التكفين فقد قال العلماء: ١ - يبسط أحسن اللفائف وأوسعها، ويذر عليه الطيب، وتبسط الثانية فوقها ويرش عليها الطيب، وتبسط الثالثة فوقها ويرش عليها الطيب، ثم يوضع الميت فوقها مستلقياً على ظهره. ٢ - يؤخذ قدر من القطن المحلوج ويجعل عليه طيب ويدس في إليتيه حتى يتصل بحلقة الدبر ليرد ما عساه ينزل منه عند التحريك.

стр. 2086

٤ - يأخذ شيئاً من القطن المحلوج ويضع عليه طيباً ويجعله على منافذ البدن من المنخرين والأذنين والجراحات النافذة إن كانت هناك جراحات. ٥ - يرش الطيب على أعضاء السجود: الجبهة والأنف وباطن الكفين والركبتين والقدمين إكراماً لها. ٦ - بالنسبة للرجل يلبس القميص إن كان هناك قميص، وتلف العمامة إن كانت هناك عمامة. وبالنسبة للمرأة يلف الإزار ويلبس الدرع ويسدل الخمار إن وجد شيء من ذلك، ثم يلف الميت في اللفافة الأولى الملاصقة له بأن يلف الكفن عليه، فيثنى الثوب على شقه الأيمن، ثم يثنى الطرف الأيمن على شقه الأيسر، ثم تلف اللفافة الثانية، ثم تلف اللفافة الثالثة. ٧ - إذا لف الكفن عليه جمع عند رأسه، ورد على وجهه وصدره إلى حيث يبلغ، وما فضل عند رجليه يجعل على القدمين والساقين. ٨ - تشد الأكفان على الميت بشداد، خشية انفكاكها عند الحمل. فإذا وضع في القبر نزع الرباط. ٩ - يرش عليه شيء من الطيب. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما سبق]- ١ - من الرواية الثالثة أخذ بعضهم أن النساء أحق بغسل المرأة من الزوج. وبه قال أبو حنيفة، والجمهور على خلافه. وفي بعض الكتب أن فاطمة ﵂ أوصت زوجها علياً ﵁ بذلك، وكان بحضرة الصحابة ولم ينكر أحد، وقد سئل ابن مسعود عن فعل علي فقال: إنها زوجته في الدنيا والآخرة. ٢ - وفيها استحباب استعمال السدر والكافور في حق الميت، ويلحق به المسك وما شابهه من طيب. ٣ - ومن الإشعار بالحقو جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. ٤ - قال النووي: وفيه التبرك بآثار الصالحين ولباسهم. اهـ وحقيقته أن فيه التبرك بآثار النبي ﷺ ولباسه. قال الحافظ ابن حجر: قيل: الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولا ليكون قريب عهد من جسده الشريف ﷺ . ٥ - ومن قوله: "إن رأيتن". أن عدد الغسلات مرتبط بالإنقاء. قال النووي: ليس معناه التخيير وتفويض ذلك إلى شهوتهن. ٦ - ومن دخوله ﷺ عليهن وهن يغسلن جواز دخول الأب ولو لم يغسل أو يساعد في الغسل.

стр. 2087

٧ - ومن الرواية الرابعة استحباب تمشيط شعر رأس الميت وضفره إن كان طويلاً. ٨ - ومن الرواية العاشرة استحباب تقديم الميامن في غسل الميت وسائر الطهارات. ٩ - واستحباب وضوء الميت خلافاً للحنفية. ١٠ - ومن حديث مصعب بن عمير دليل على أن الكفن من رأس المال وأنه مقدم على الديون، لأن النبي ﷺ أمر بتكفينه في نمرته، ولم يسأل هل عليه دين مستغرق أم لا؟ . قاله النووي. ١١ - وفيه دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس، وجعل النقص مما يلي الرجلين، فإن ضاق عن ذلك سترت العورة، فإن فضل شيء جعل فوقها إلى الصدر، فإن ضاق عن العورة سترت السوأتان، لأنهما أهم وهما الأصل في العورة. ذكره النووي. ١٢ - قال النووي: وقد يستدل بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة فقط، ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن. قال: فإن قيل: لم يكونوا متمكنين من جميع البدن، لقوله: "لم يوجد له غيرها" فجوابه أن معناه لم يوجد مما يملك الميت إلا نمرة، ولو كان ستر جميع البدن واجباً لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه إن لم يكن له قريب تلزمه نفقته، فإن كان وجب عليه. قال: فإن قيل: كانوا عاجزين عن ذلك لأن القضية جرت يوم أحد، وقد كثرت القتلى من المسلمين وشغلوا بهم وبالخوف من العدو وغير ذلك؟ فجوابه أنه يستبعد من حال الحاضرين المتولين دفنه ألا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب ونحوها. اهـ. ١٣ - واستدل بالحديث على وجوب تكفين الميت، وهو إجماع المسلمين. ١٤ - ومن الرواية الثالثة عشرة من رفض عبد الله بن أبي بكر أن يحتفظ بالحلة لكفنه حرص الصحابة على الاقتداء به ﷺ في أدق الأمور. ١٥ - ومن الرواية السادسة عشرة استحباب تسجية الميت. قال النووي في المجموع: يستحب خلع ثياب الميت التي مات فيها، بحيث لا يرى بدنه، ثم يستر جميع بدنه بثوب خفيف، ولا يجمع عليه أطباق الثياب، حتى لا يتسارع إليه الفساد، ويجعل أطراف الثوب الساتر تحت رأسه، وأطرافه الأخرى تحت رجليه لئلا ينكشف. ١٦ - ويؤخذ من الرواية السابعة عشرة استحباب إحسان كفن الميت. قال النووي: قال العلماء: وليس بإحسانه السرف فيه والمغالاة ونفاسته، وإنما المراد نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه وكونه من جنس لباسه في الحياة غالباً، لا أفخر منه ولا أحقر. اهـ. ١٧ - والنهي عن دفن الميت ليلا إلا لضرورة، وقد أخذ بهذا الظاهر الإمام أحمد في رواية عنه فقال بكراهة دفن الميت ليلاً. وبالغ في ذلك ابن حزم، فقال: لا يجوز أن يدفن أحد ليلاً إلا عن ضرورة، وكل من دفن ليلاً مما جاء في الأحاديث فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام أو خوف حر أو خوف تغير أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلاً. اهـ.

стр. 2088

وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في الأصح عنه إلى أن دفن الميت بالليل يجوز، واحتجوا بما ثبت من أن رسول الله ﷺ دفن ليلاً، وأن عمر دفن أبا بكر ليلاً، ثم دخل المسجد فأوتر، وأن علي بن أبي طالب دفن فاطمة ليلاً، وبما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: "رأى ناس ناراً في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر". وأجابوا عن حديثنا بأجوبة: منها أن القصد من هذا النهي أن لا يتساهل الناس في أكفان موتاهم، فإن قوماً كانوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم ليلاً، فنهوا عن ذلك. وارتباط الدفن ليلاً بالكفن غير الطائل في الحديث يشير إلى ذلك. ومنها أن النهي عن الدفن بالليل كان لإتاحة الفرصة لأكبر عدد من المسلمين ليصلوا على الميت، إذ الدفن نهاراً يحضره كثيرون من الناس بخلاف الليل. قال القاضي: العلتان صحيحتان. قال: والظاهر أن النبي ﷺ قصدهما معاً. اهـ. ومنها: أن النهي كان لإتاحة الفرصة لأن يصلي على المسلمين رسول الله ﷺ ، لما يكون لهم في ذلك من الفضل والخير ببركة صلاته عليهم، فإن صلاته عليهم بركة ورحمة ونور في قبورهم، كما ورد في الحديث، ويرشح هذا الحديث الصحيح في المرأة السوداء التي دفنت ليلاً، فسأل عنها، قالوا: توفيت ليلاً فدفناها في الليل. قال: "ألا آذنتموني؟ ". قالوا. كانت ظلمة. قال: "دلوني على قبرها". فذهب فصلى عليها، فلم ينكر عليهم دفنها ليلاً، وإنما كان همه الصلاة عليها. والله أعلم. (ملحوظة) هناك بعض الأحكام المتعلقة بالموضوع لم تتعرض لها أحاديث الباب ومن تمام الفائدة ذكرها، منها: ١ - ينبغي أن يبادر الورثة إلى قضاء دينه، وتنفيذ وصيته. ٢ - يستحب تليين مفاصله بعد الموت وبعد الغسل. ٣ - ما ذكر بشأن غسل الميت، إنما هو في حق غير الشهيد في قتال الكافرين لأنه لا يغسل إلا إذا كان جنباً فيغسل عند أحمد وأبي حنيفة. ٤ - وكذا لو احترق مسلم، أو قدم العهد بموته، ولو غسل لتهرى، فإنه لا يغسل حينئذ، بل ييمم إن أمكن. بخلاف ما لو كان على بدنه قروح وخيف من غسله تسارع البلى إليه بعد الدفن، فإنه يغسل، ولا مبالاة بما يكون بعده، فالكل صائرون إلى البلى. ٥ - اشترط العلماء فيمن يغسل المسلم أن يكون مسلماً وأن لا يكون قاتلاً للميت. ٦ - وقالوا: ينبغي أن يكون الغاسل أميناً، لأنه لو لم يكن أميناً لم نأمن من ألا يستوفي الغسل، وربما ستر ما يظهر من جميل، أو يظهر ما يرى من قبح.

стр. 2089

٧ - ويستحب للغاسل أن يكتم ما قد يرى من عيب في بدن الميت، وإن رأى ما يكره لم يجز له أن يتحدث به، وإن رأى من الميت ما يعجبه تحدث به. ٨ - ويستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل، والأصح عند الشافعية أن الغسل من غسل الميت آكد من غسل الجمعة وغيره. ٩ - إذا مات المحرم بالحج أو العمرة حرم تطييبه وأخذ شيء من شعره أو ظفره وحرم ستر رأس الرجل وإلباسه مخيطاً، وحرم ستر وجه المرأة. بهذا قال الشافعية وأحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: يطيب ويلبس المخيط كسائر الموتى. ١٠ - يجوز أن يعد المسلم كفناً لنفسه، وبخاصة إذا قصد إعداده من خالص ماله وأكثره حلاً، أو لخاصية تبرك بعمل صالح ونحوه. والله أعلم

стр. 2090

(٢٨٥) باب تشييع الميت واتباع جنازته ١٨٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير (لعله قال) تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم". ١٩٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ غير أن في حديث معمر قال لا أعلمه إلا رفع الحديث. ١٩٠١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير وإن كانت غير ذلك كان شراً تضعونه عن رقابكم". ١٩٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط: ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" قيل وما القيراطان؟ قال "مثل الجبلين العظيمين" انتهى حديث أبي الطاهر وزاد الآخران. قال ابن شهاب: قال سالم بن عبد الله بن عمر وكان ابن عمر يصلي عليها ثم ينصرف؛ فلما بلغه حديث أبي هريرة قال لقد ضيعنا قراريط كثيرة. ١٩٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إلى قوله الجبلين العظيمين ولم يذكرا ما بعده. وفي حديث عبد الأعلى حتى يفرغ منها. وفي حديث عبد الرزاق حتى توضع في اللحد. ١٩٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثل حديث معمر وقال "ومن اتبعها حتى تدفن".

стр. 2091

١٩٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط فإن تبعها فله قيراطان" قيل وما القيراطان؟ قال "أصغرهما مثل أحد". ١٩٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من صلى على جنازة فله قيراط ومن اتبعها حتى توضع في القبر فقيراطان" قال قلت يا أبا هريرة وما القيراط؟ قال "مثل أحد". ١٩٠٧ - عن نافع قال: قيل لابن عمر ﵄ إن أبا هريرة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول "من تبع جنازة فله قيراط من الأجر" فقال ابن عمر أكثر علينا أبو هريرة، فبعث إلى عائشة فسألها، فصدقت أبا هريرة فقال ابن عمر لقد فرطنا في قراريط كثيرة. ١٩٠٨ - عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه كان قاعداً عند عبد الله بن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة، فقال يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد" فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت. وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول. فقال قالت عائشة صدق أبو هريرة فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال لقد فرطنا في قراريط كثيرة. ١٩٠٩ - عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال "من صلى على جنازة فله قيراط فإن شهد دفنها فله قيراطان القيراط مثل أحد". ١٩١٠ - عن قتادة بهذا الإسناد مثله وفي حديث سعيد وهشام سئل النبي ﷺ عن القيراط؟ فقال "مثل أحد".

стр. 2092

١٩١١ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال "ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" قال فحدثت به شعيب بن الحبحاب فقال حدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ . ١٩١٢ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان، فقال يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس. قال فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته. فقال تقول هم أربعون. قال نعم. قال أخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه" وفي رواية ابن معروف عن شريك بن أبي نمر عن كريب عن ابن عباس. ١٩١٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال مر بجنازة فأثني عليها خير، فقال نبي الله ﷺ "وجبت. وجبت. وجبت" ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقال نبي الله ﷺ "وجبت. وجبت. وجبت" قال عمر فدى لك أبي وأمي مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت وجبت. وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ "من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض". ١٩١٤ - عن أبي قتادة بن ربعي ﵁ أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ مر عليه بجنازة فقال "مستريح ومستراح منه" قالوا يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه؟ فقال "العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب".

стр. 2093

١٩١٥ - عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ وفي حديث يحيى بن سعيد "يستريح من أذى الدنيا ونصبها إلى رحمة الله". -[المعنى العام]- لا شك أن الموت يثير الفزع عند محبي الميت وأهله، كلنا نؤمن به، ونؤمن بأنه حق، ونؤمن بأنه باب يدخله كل حي، لكننا ننساه أو نتلهى عنه بمتاع الحياة الدنيا، ولذلك نصدم به ونصاب بالفزع والهلع عندما يقضي على عزيز، إن لحظاته لحظات التسليم للقضاء والقدر، لحظات التسليم بالقدرة القاهرة، لحظات التسليم بالعجز وعدم الحول، من هنا كان الموت عبرة وذكرى، ومن هنا شرع القيام للجنازة وأجر على المشاركة في تجهيزها وتشييعها والصلاة عليها ودفنها، ففي ذلك من الاعتبار والاتعاظ ما يدفع للعمل الصالح والاستعداد لمثل ذلك المصير، فضلاً عما في ذلك من إعانة لأهل الميت ومساعدة لهم، ومشاركة في مصابهم، يضاف لكل ذلك ما يعود على الميت نفسه من هذه المشاركة، إذ الصلاة عليه دعاء له، وذكره والأسى بفراقه ثناء واستغفار وشفاعة، نرجو له بها الفضل من الله والرحمة والرضوان. وإذا كانت هذه المهام من خصوصيات الرجال فلأن استعدادهم يناسبها دون النساء اللائي يتصفن بالعاطفة الغالبة وبسرعة الانفعال والتأثر الشديد بالموقف الصعب. لهذا نهي عن اتباع النساء الجنائز، ولم يشرع في حقهن الصلاة على الميت ولا دفنه، أما الرجال فقد استنفروا لتشييع الجنائز، ورغبوا في ذلك، ووعدوا بالأجر الكبير، من تبع الجنازة حين تخرج من بيتها إلى أن يصلى عليها فله قيراط من الأجر يزن جبل أحد، ومن تبع الجنازة مما بعد الصلاة عليها حتى ينتهى من دفنها فله من الأجر ما يزن جبل أحد. وكان النبي ﷺ يحرص على ذلك أمام أصحابه. كما كان يعلمهم ويحثهم، ويأمرهم أن يقفوا إذا مرت الجنازة عليهم، وأن يكثروا من الثناء على الميت بما يعلمون من صلاح حاله وأن يمسكوا عن مساوئه، فإنهم شهداء الله في الأرض، فمن كثرت حسناته ومعاملاته الطيبة كان ذكره جميلاً، ويستر الله له ما لا يعلمون، ويغفر له ما يسترون. فاللهم اجعلنا خيراً مما يظنون واغفر لنا ما لا يعلمون، واجعل لنا لسان صدق وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. -[المباحث العربية]- (أسرعوا بالجنازة) المراد من الجنازة هنا الميت، لأنه الذي يوصف بالصلاح، والمراد من الإسراع شدة المشي، أي فوق سجية المشي المعتاد وفي الكلام مضاف محذوف، أي بحملها إلى

стр. 2094

قبرها. وقيل: المعنى أسرعوا بتجهيزها فهو أعم من التشييع. قال النووي: الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: "كان شراً تضعونه عن رقابكم". ورد بأن الحمل على الرقاب قد يعبر به عن الأمور المعنوية، كما تقول: حمل فلان على رقبته ذنوباً، ويؤيده أن حمل الميت لا يقوم به كل المشيعين، بل بعضهم، ويؤيده حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره". أخرجه الطبراني. والحق أن كلا الأمرين مطلوب، والخلاف في المراد منهما هنا. وهو أمر سهل. (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها) "يصلى" باللام المشددة المفتوحة مبني للمجهول، وفي بعض الروايات بكسرها، مبني للمعلوم. أي من حضر خروجها والصلاة عليها، فابتداء الشهادة من أول خروجها من بيتها، ففي رواية لأحمد: "فمشى معها من أهلها". (فله قيراط) بكسر القاف، وأصله بكسر القاف وتشديد الراء لأن جمعه قراريط، فأبدل أحد الراءين ياء، والقيراط في الموزونات جزء من اثنى عشر جزءاً من الدرهم. وقيل: ربع سدس درهم، أي جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الدرهم. وقيل: نصف عشر دينار. وقيل: جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الدينار، فهو اسم لجزء من كل يختلف باختلاف أعراف البلاد، وهو هنا إشارة إلى جزء من الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه وغسله وجميع ما يتعلق به. (ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) قيراط الصلاة وقيراط التشييع، فالمعنى مجموع ما له قيراطان، وليس المراد أن القيراطين غير القيراط الأول. وقيل: قيراطان غير قيراط الصلاة. (مثل الجبلين العظيمين) في الرواية الثالثة "أصغرهما مثل أحد"، وفي الرواية السادسة "كل قيراط مثل أحد" والمقصود من التشبيه عظم قدر القيراط من الأجر، ورفع ما يتوهم من صغر وزنه في تقديرهم على حسب عرفهم. قال الحافظ ابن حجر: في حديث واثلة عند ابن عدي "كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد". فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المرتب على ذلك العمل. اهـ. (أكثر علينا أبو هريرة) أي أكثر علينا في ذكر الأجر، أو أكثر علينا الرواية، والمقصود أنه خاف عليه النسيان والاشتباه للكثرة، ولم يتهمه ابن عمر. (فبعث إلى عائشة فسألها فصدقت أبا هريرة) في الرواية السادسة تفصيل للإرسال، وفي بعض الروايات ما يفيد أن خباباً بعد أن جاء بتصديق عائشة أخذ أبو هريرة بيد ابن عمر فانطلقا حتى أتيا عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك الله. أسمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره، فقالت: اللهم نعم. فقال أبو هريرة: لم يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الوادي ولا صفق بالأسواق، وإنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ أكلة يطعمنيها، أو كلمة يعلمنيها. قال ابن عمر: كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه.

стр. 2095

(لقد فرطنا في قراريط كثيرة) أي قصرنا وضيعنا، وفي بعض الأصول "لقد ضيعنا قراريط كثيرة" أي من عدم المواظبة على حضور الدفن، ففي الرواية الثانية أن ابن عمر كان يصلي على الجنازة ثم ينصرف. (وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد) (فضرب ابن عمر بالحصى) قال النووي: ضبطناه الأول "حصباء" والثاني "بالحصى" مقصور، جمع حصاة، وهكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها عكسه وكلاهما صحيح والحصباء هي الحصى. (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين) الأمة الجماعة، وقدرت في هذه الرواية بمائة. (يبلغون مائة كلهم يشفعون له) جملة "كلهم يشفعون له" صفة لمائة، أي مائة شافعين له. (إلا شفعوا فيه) أي إلا جعلهم الله شفعاء له. (أخرجوه) أي قال ابن عباس: أخرجوا ابني الميت للصلاة عليه، حيث وصل عدد المصلين الأربعين. (فيقوم على جنازته أربعون) أي فيقوم للصلاة على جنازته أربعون رجلاً. (مر بجنازة) بضم الميم مبني للمجهول، وفي رواية للبخاري "مرت جنازة" بالبناء للمعلوم. (فأثني عليها خير) "فأثني" بضم الهمزة مبني للمجهول، و"خير" بالرفع نائب فاعل، وفي نسخ البخاري "خيراً" مع بناء "أثنى" للمجهول، قال العلماء: وهي خطأ، وبعضهم وجهها على أن "خيراً" منصوب بنزع الحافض، أي بخير ونائب الفاعل هو الجار والمجرور. وعند الحاكم تفسير ما أبهم من الخير. ففيه: "مر بجنازة، فقال: ما هذه الجنازة؟ قالوا: جنازة فلان الفلاني، كان يحب الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها". وفي رواية له أيضاً: "فقال بعضهم: لنعم المرء، لقد كان عفيفاً مسلماً". (وجبت. وجبت. وجبت) ثلاث مرات. والتكرار فيه لتأكيد الكلام المبهم ليحفظ ويكون أبلغ. والمراد من الوجوب: الثبوت والضمير للجنة، وقد صرح بها فيما بعد. (فأثنى عليها شراً) قال أهل اللغة: الثناء يستعمل في الخير، لا يستعمل في الشر، واستعماله في الشر هنا على سبيل المشاكلة، كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] وعند الحاكم تفسير ما أبهم من شر، وفيه: "فقال بعضهم: بئس المرء كان. إن كان لفظاً غليظاً". (أنتم شهداء الله في الأرض) كررت في الأصول ثلاث مرات، والمراد المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص

стр. 2096

بالصحابة، لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة، بخلاف من بعدهم، ثم قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين. -[فقه الحديث]- تشييع الجنازة فرض كفاية، ولا شك في عظم أجره، من حيث أنه مطلوب شرعي، وهل فيه قضاء حق لأولياء الميت، فلا ينصرف المشيع إلا بإذنهم؟ ذهب إلى هذا مالك ﵀، وله شاهد من أحاديث بأسانيد ضعيفة، منها ما أخرجه عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها، فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها". ومنها ما أخرجه أحمد والبزار والعقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "من تبع جنازة فحمل من علوها، وحثا في قبرها، وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين". والذي عليه معظم أئمة الفتوى أنه ليس على الجنازة إذن، ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط. والتشييع الكامل يبدأ بالانتظار حتى تخرج الجنازة من بيتها فيصاحبها إلى مكان الصلاة عليها، فيصلي عليها، ويصاحبها إلى حين تدفن ويغلق عليها قبرها ويدعو لها ثم ينصرف. ولما كان التشييع بهذه الصورة لا يستطيعه كثير من المسلمين أشارت الأحاديث إلى تجزئة الأجر بتجزئته، فروايات الباب تجعل لنهاية الصلاة عليه أجراً، ولبقية التشييع أجراً. وإذا كانت الرواية الثالثة والرابعة قد جعلتا القيراط أجراً لمن صلى عليها فإن الرواية الثانية ولفظها: "من شهد الجنازة حتى يصلي عليها"، والرواية السادسة ولفظها: "من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها". هاتان الروايتان تجعلان القيراط لمن خرج معها من بيتها إلى انتهاء الصلاة عليها. ومقتضاهما أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة وبهذا قال جماعة من العلماء، لكن الحافظ ابن حجر يقول: والذي يظهر لي أن القيراط يحصل أيضاً لمن صلى فقط، لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى. اهـ وهذا تحقيق دقيق يعمل كل الأحاديث على ظاهرها. والله أعلم. ومن شهدها من بيتها وصلى وتبعها حتى نهاية الدفن فله قيراطان كما هو صريح الرواية الثانية. وبهذا جزم كثير من العلماء، وجزم بعض المتقدمين بأن من شهد بعد الصلاة وحتى نهاية الدفن فله قيراطان غير قيراط الصلاة أخذاً من ظاهر الروايات الرابعة والخامسة والسابعة، وجمهور العلماء يوجه هذه الروايات بأن المراد منها قيراطان أي بالأول. ومقتضى هذا أن القيراطين إنما يحصلان لمن كان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فإن صلى مثلاً وذهب إلى القبر وحده فحضر الدفن لم يحصل له إلا قيراط واحد. قاله النووي. ومقتضاه أن من اقتصر على التشييع فلم يصل ولم يشهد الدفن فلا قيراط له، وإن حصل له أجر آخر غير القراريط المذكورة.

стр. 2097

وهل القيراط الثاني متوقف على فراغ الدفن؟ أو يكفي لحصوله مجرد الوضع في اللحد؟ أو يكفي انتهاء الدفن دون انتظار إهالة التراب؟ قيل بكل ذلك، ووردت الأخبار بكل منها، والأول هو أصح الأوجه عند الشافعية. وقد يستدل بعبارة "من تبع جنازة" الواردة في الباب من ذهب إلى أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، لأن ذلك هو حقيقة الاتباع حساً وهو قول أبي حنيفة. ورجح الجمهور المشي أمامها، وحملوا الاتباع هنا على الاتباع المعنوي أي المصاحبة، وهو أعم من أن يكون أمامها أو خلفها أو غير ذلك، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد، قالوا: والأحاديث الواردة بالمشي خلفها غير ثابتة، قال البيهقي: الآثار في المشي أمامها أصح وأكثر. اهـ قالوا: ولأن الحي شفيع الميت، والشفيع يتقدم على المشفوع له. وهناك من يرى التوسعة وعدم الالتزام، فيسوى بين أمامها وخلفها، فقد سئل أنس بن مالك عن المشي في الجنازة فقال: أمامها وخلفها وعن يمينها وشمالها. إنما أنتم مشيعون". قالوا: وذلك لما علم من تفاوت أحوال الناس في المشي، وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه، لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوى عليه. لكن الأساس القرب من الجنازة، لأن من بعد عنها لا يصدق عليه أنه مشي أمامها أو خلفها فشرط القرب، فقد شهد عبد الرحمن بن قرط -وكان صحابياً من أهل الصفة وكان والياً على حمص في زمن عمر- ناساً تقدموا على الجنازة وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوضعت ثم رماهم بالحجارة حتى اجتمعوا إليه، ثم أمر بها فحملت، ثم قال: بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها. أما الركوب في تشييع الجنازة فقد قال العلماء: إن السنة لا يركب، لأن النبي ﷺ ما ركب في عيد ولا في جنازة، هذا في الذهاب أما في العودة والانصراف فلا بأس به، وروايتنا المتممة للثلاثين صريحة في ذلك. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - يؤخذ من الرواية الأولى الأمر بالإسراع بالجنازة، للحكمة التي ذكرها ﷺ ، قال ابن قدامة: إن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء. وشذ ابن حزم فقال بوجوبه. والمراد بالإسراع شدة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف، وهو قول الحنفية. وعن الشافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد، ومال القاضي عياض إلى نفي الخلاف، فقال: من استحبه أراد الزيادة على المشي المعتاد، ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرمل. قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أنه يستحب الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيع، لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم. وقال القرطبي: مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن، لأن التباطؤ قد يؤذي، وربما أدى إلى التباهي والاختيال.

стр. 2098

٢ - واستحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد التحقق من موته. ٣ - وترك مصاحبة الأشرار وأهل البطالة وغير الصالحين. ٤ - وحمل الجنازة على أعناق الرجال، وإن كانت الميتة امرأة، قال ابن رشد، جواز ذلك للنساء، وإن كان يؤخذ بالبراءة الأصلية، لكنه معارض بأن في الحمل على الأعناق والأمر بالإسراع مظنة الانكشاف غالباً، وهو مباين للمطلوب منهن من التستر، مع ضعف نفوسهن عن مشاهدة الموتى غالباً، فكيف الحمل؟ مع ما يتوقع من صراخهن عند حمله ووضعه وغير ذلك من وجوه المفاسد. قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد ما هو أصرح في منعهن، فقد أخرج أبو يعلى من حديث أنس قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى نسوة، فقال: "أتحملنه؟ " قلن لا. قال: "أتدفنه؟ ". قلن: لا. قال: "ارجعن مأزورات غير مأجورات". قال النووي: لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه ما تقدم، ولأن الجنازة لا بد أن يشيعها الرجال، فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال، فيفضي إلى الفتنة. اهـ على أن ضعف النساء بالنسبة إلى الرجال من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى دليل. ٥ - ومن الرواية الثانية وما بعدها استحباب التشييع والصلاة، وعظم ثواب ذلك، إذا احتسب ذلك. ففي الصحيح: "من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين". قال الحافظ ابن حجر: والتقييد بالإيمان والاحتساب لا بد منه، لأن ترتب الثواب على العمل يستدعي سبق النية فيه، فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجردة أو على سبيل التزلف والمحاباة. ٦ - ويؤخذ من مواقف ابن عمر وأبي هريرة ما كان الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات. ٧ - وأن إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم. ٨ - واستغراب العالم ما لم يصل إلى علمه. ٩ - وعدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ. ١٠ - وما كان عليه الصحابة من التثبت في الحديث النبوي والتحرز فيه والتنقيب عليه. ١١ - وفيه فضيلة لابن عمر من حرصه على العلم وتأسفه على ما فاته من العمل الصالح. ١٢ - وأنه لا بأس بضرب الحصا. ١٣ - وفيه تميز أبي هريرة في الحفظ. ١٤ - ويؤخذ من الرواية الثامنة والتاسعة فضيلة كثرة عدد المصلين على الجنازة، وستأتي في الباب التالي. ١٥ - ويؤخذ من الرواية العاشرة فضيلة هذه الأمة "شهداء الله في الأرض".

стр. 2099

١٦ - وإعمال الحكم بالظاهر، قال بعضهم: ليس المعنى أن الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم ولا العكس، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيراً رأوه منه، فكان ذلك علامة على كونه من أهل الجنة، وبالعكس. وقال النووي: قال بعضهم: معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقاً للواقع فهو من أهل الجنة، فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه. قال: والصحيح أنه على عمومه، وأن من مات منهم فألهم الله تعالى الناس الثناء عليه بخير كان دليلاً على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا إلهام يستدل به على تعينها، وبهذا تظهر فائدة الثناء. اهـ وعقب ابن حجر فقال: وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم عن أنس مرفوعاً: "ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، إلا قال الله تعالى: "قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون". ثم قال: وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك لكن إنما يقع في حق من غلب شره على خيره. وقال الداودي: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدو لا تقبل. اهـ. ١٧ - واستدل بالحديث على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة، قال النووي: فإن قيل: كيف بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري: "ولا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا". فالجواب أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر، للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شراً كان مشهوراً بنفاق أو نحوه. اهـ. وقيل في الجمع بين الحديثين: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من سمعه. وقيل: إن هذا الذي وقع كان على معنى الشهادة، والمنهي عنه ما كان على معنى السب، وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتاً. ١٨ - والحديث أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة وأن أقل أصلها اثنان ١٩ - قال ابن العربي: وفيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال. ٢٠ - قال النووي: وفيه استحباب توكيد الكلام المهم بتكراره ليحفظ وليكون أبلغ. ٢١ - يؤخذ من الرواية الحادية عشرة أن الموت خير للمؤمن الطائع وللفاجر، أما المؤمن فيستريح من نصب الدنيا، أما الفاجر فمستراح منه يستريح منه العباد بانقطاع أذاه عنهم، ومن ظلمه لهم، وارتكابه المنكرات، لأنهم إن أنكروها قاسوا مشقة ذلك، وربما نالهم منه ضرر، وإن سكتوا عنه أثموا ويستريح منه الدواب، لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا تطيقه، ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك، ويستريح منه البلاد والشجر، لأنها تمنع المطر بمعصيته.

стр. 2100

(٢٨٦) باب الصلاة على الميت والقيام للجنازة ١٩١٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات. ١٩١٧ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال نعى لنا رسول الله ﷺ النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال استغفروا لأخيكم قال ابن شهاب وحدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله ﷺ صف بهم بالمصلى فصلى فكبر عليه أربع تكبيرات. ١٩١٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعاً. ١٩١٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "مات اليوم عبد لله صالح أصحمة" فقام فأمنا وصلى عليه. ١٩٢٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أخاً لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه" قال فقمنا فصفنا صفين. ١٩٢١ - عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أخاً لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه" (يعني النجاشي) وفي رواية زهير "إن أخاكم".

стр. 2101

١٩٢٢ - عن الشعبي أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعد ما دفن فكبر عليه أربعاً. قال الشيباني فقلت للشعبي من حدثك بهذا؟ قال الثقة عبد الله بن عباس هذا لفظ حديث حسن. وفي رواية ابن نمير قال انتهى رسول الله ﷺ إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعاً. قلت لعامر من حدثك؟ قال الثقة من شهده ابن عباس. ١٩٢٣ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بمثله وليس في حديث أحد منهم أن النبي ﷺ كبر عليه أربعاً. ١٩٢٤ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في صلاته على القبر نحو حديث الشيباني ليس في حديثهم وكبر أربعاً. ١٩٢٥ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قبر. ١٩٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد (أو شاباً) ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها (أو عنه)، فقالوا مات قال "أفلا كنتم آذنتموني". قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال "دلوني على قبره". فدلوه، فصلى عليها، ثم قال "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم". ١٩٢٧ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان زيد يكبر على جنائزنا أربعاً وإنه كبر على جنازة خمساً، فسألته؛ فقال كان رسول الله ﷺ يكبرها.

стр. 2102

١٩٢٨ - عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع". ١٩٢٩ - عن عامر بن ربيعة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه". ١٩٣٠ - عن نافع بهذا الإسناد نحو حديث الليث بن سعد غير أن حديث ابن جريج قال النبي ﷺ "إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه إذا كان غير متبعها". ١٩٣١ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع". ١٩٣٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع". ١٩٣٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال مرت جنازة فقام لها رسول الله ﷺ وقمنا معه فقلنا يا رسول الله إنها يهودية فقال "إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا".

стр. 2103

١٩٣٤ - عن جابر ﵁ قال: قام النبي ﷺ لجنازة مرت به حتى توارت. ١٩٣٥ - عن جابر ﵁ قال: قام النبي ﷺ وأصحابه لجنازة يهودي حتى توارت. ١٩٣٦ - عن ابن أبي ليلى أن قيس بن سعد وسهل بن حنيف كانا بالقادسية فمرت بهما جنازة فقاما. فقيل لهما إنها من أهل الأرض، فقالا إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل إنه يهودي فقال "أليست نفساً". ١٩٣٧ - عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد وفيه فقالا كنا مع رسول الله ﷺ فمرت علينا جنازة. ١٩٣٨ - عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ أنه قال رآني نافع بن جبير ونحن في جنازة قائماً وقد جلس ينتظر أن توضع الجنازة. فقال لي ما يقيمك؟ فقلت أنتظر أن توضع الجنازة لما يحدث أبو سعيد الخدري. فقال نافع فإن مسعود بن الحكم حدثني عن علي بن أبي طالب أنه قال قام رسول الله ﷺ ثم قعد. ١٩٣٩ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال في شأن الجنائز إن رسول الله ﷺ قام ثم قعد وإنما حدث بذلك لأن نافع بن جبير رأى واقد بن عمرو قام حتى وضعت الجنازة. ١٩٤٠ - عن علي ﵁ قال رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا وقعد فقعدنا. يعني في الجنازة.

стр. 2104

١٩٤١ - عن جبير بن نفير سمعه يقول سمعت عوف بن مالك يقول صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، أو من عذاب النار" قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. ١٩٤٢ - عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ (وصلى على جنازة) يقول "اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار" قال عوف فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت. ١٩٤٣ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال صليت خلف النبي ﷺ وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء فقام رسول الله ﷺ للصلاة عليها وسطها. ١٩٤٤ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلاماً فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالاً هم أسن مني. وقد صليت وراء

стр. 2105

رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة وسطها. وفي رواية ابن المثنى، قال حدثني عبد الله بن بريدة، قال فقام عليها للصلاة وسطها. ١٩٤٥ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال أتي النبي ﷺ بفرس معرورى فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله. ١٩٤٦ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح ثم أتي بفرس عري فعقله رجل، فركبه، فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه. قال فقال رجل من القوم إن النبي ﷺ قال "كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح أو قال شعبة لأبي الدحداح". -[المعنى العام]- إذا مات الميت كان حقاً على أهله ومحبيه ومعارفه بل وغير معارفه من المسلمين أن يجتمعوا لجنازته ويصلوا عليه، ففي ذلك أجر لهم، ونفع للميت بالصلاة والدعاء، وكلما كثر المصلون عليه كلما كان دعاؤهم أقرب، ونفعهم أعم، وشفاعتهم له مقبولة. يحدث بهذا رسول الله ﷺ فيقول: "ما من مسلم ولا مسلمة يموت فيقوم بالصلاة على جنازته أربعون رجلاً مسلماً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه وقبل دعاءهم له". إن الصلاة على الميت هدفها الأساسي الدعاء للميت، وهو مقبل على ظلمة القبر وعلى ما قدم من عمل. وقد كرم رسول الله ﷺ النجاشي لما مات بدعوة أصحابه للصلاة عليه، فخرج بهم إلى المصلى، وصفهم خلفه، وأمهم، وصلى بهم الجنازة أربع تكبيرات، يقرأ الفاتحة بعد الأولى، ويصلي على النبي ﷺ بعد الثانية، ويدعو للميت وللمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة، ويسلم بعد الرابعة. كما كرم ﷺ امرأة سوداء كانت تنظف المسجد فماتت، فسأل عنها، فقالوا: ماتت. فغضب وعاتبهم أن صغروا شأنها، فلم يعلموه بموتها، وقال لهم: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها صلاة الجنازة وهي في قبرها. وقد أثر عنه ﷺ في صلاته أدعية كثيرة للميت بالرحمة والمغفرة وإنزاله منزلاً مباركاً وإدخاله الجنة.
следующие страницы →