Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
١٩٢٢ - عن الشعبي أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعد ما دفن فكبر عليه أربعاً. قال الشيباني فقلت للشعبي من حدثك بهذا؟ قال الثقة عبد الله بن عباس هذا لفظ حديث حسن. وفي رواية ابن نمير قال انتهى رسول الله ﷺ إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعاً. قلت لعامر من حدثك؟ قال الثقة من شهده ابن عباس.
١٩٢٣ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بمثله وليس في حديث أحد منهم أن النبي ﷺ كبر عليه أربعاً.
١٩٢٤ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في صلاته على القبر نحو حديث الشيباني ليس في حديثهم وكبر أربعاً.
١٩٢٥ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قبر.
١٩٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد (أو شاباً) ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها (أو عنه)، فقالوا مات قال "أفلا كنتم آذنتموني". قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال "دلوني على قبره". فدلوه، فصلى عليها، ثم قال "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم".
١٩٢٧ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان زيد يكبر على جنائزنا أربعاً وإنه كبر على جنازة خمساً، فسألته؛ فقال كان رسول الله ﷺ يكبرها.
стр. 2102
١٩٢٨ - عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع".
١٩٢٩ - عن عامر بن ربيعة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه".
١٩٣٠ - عن نافع بهذا الإسناد نحو حديث الليث بن سعد غير أن حديث ابن جريج قال النبي ﷺ "إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه إذا كان غير متبعها".
١٩٣١ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع".
١٩٣٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع".
١٩٣٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال مرت جنازة فقام لها رسول الله ﷺ وقمنا معه فقلنا يا رسول الله إنها يهودية فقال "إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا".
стр. 2103
١٩٣٤ - عن جابر ﵁ قال: قام النبي ﷺ لجنازة مرت به حتى توارت.
١٩٣٥ - عن جابر ﵁ قال: قام النبي ﷺ وأصحابه لجنازة يهودي حتى توارت.
١٩٣٦ - عن ابن أبي ليلى أن قيس بن سعد وسهل بن حنيف كانا بالقادسية فمرت بهما جنازة فقاما. فقيل لهما إنها من أهل الأرض، فقالا إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل إنه يهودي فقال "أليست نفساً".
١٩٣٧ - عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد وفيه فقالا كنا مع رسول الله ﷺ فمرت علينا جنازة.
١٩٣٨ - عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ أنه قال رآني نافع بن جبير ونحن في جنازة قائماً وقد جلس ينتظر أن توضع الجنازة. فقال لي ما يقيمك؟ فقلت أنتظر أن توضع الجنازة لما يحدث أبو سعيد الخدري. فقال نافع فإن مسعود بن الحكم حدثني عن علي بن أبي طالب أنه قال قام رسول الله ﷺ ثم قعد.
١٩٣٩ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال في شأن الجنائز إن رسول الله ﷺ قام ثم قعد وإنما حدث بذلك لأن نافع بن جبير رأى واقد بن عمرو قام حتى وضعت الجنازة.
١٩٤٠ - عن علي ﵁ قال رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا وقعد فقعدنا. يعني في الجنازة.
стр. 2104
١٩٤١ - عن جبير بن نفير سمعه يقول سمعت عوف بن مالك يقول صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، أو من عذاب النار" قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.
١٩٤٢ - عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ (وصلى على جنازة) يقول "اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار" قال عوف فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت.
١٩٤٣ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال صليت خلف النبي ﷺ وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء فقام رسول الله ﷺ للصلاة عليها وسطها.
١٩٤٤ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلاماً فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالاً هم أسن مني. وقد صليت وراء
стр. 2105
رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة وسطها. وفي رواية ابن المثنى، قال حدثني عبد الله بن بريدة، قال فقام عليها للصلاة وسطها.
١٩٤٥ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال أتي النبي ﷺ بفرس معرورى فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله.
١٩٤٦ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح ثم أتي بفرس عري فعقله رجل، فركبه، فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه. قال فقال رجل من القوم إن النبي ﷺ قال "كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح أو قال شعبة لأبي الدحداح".
-[المعنى العام]-
إذا مات الميت كان حقاً على أهله ومحبيه ومعارفه بل وغير معارفه من المسلمين أن يجتمعوا لجنازته ويصلوا عليه، ففي ذلك أجر لهم، ونفع للميت بالصلاة والدعاء، وكلما كثر المصلون عليه كلما كان دعاؤهم أقرب، ونفعهم أعم، وشفاعتهم له مقبولة. يحدث بهذا رسول الله ﷺ فيقول: "ما من مسلم ولا مسلمة يموت فيقوم بالصلاة على جنازته أربعون رجلاً مسلماً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه وقبل دعاءهم له".
إن الصلاة على الميت هدفها الأساسي الدعاء للميت، وهو مقبل على ظلمة القبر وعلى ما قدم من عمل. وقد كرم رسول الله ﷺ النجاشي لما مات بدعوة أصحابه للصلاة عليه، فخرج بهم إلى المصلى، وصفهم خلفه، وأمهم، وصلى بهم الجنازة أربع تكبيرات، يقرأ الفاتحة بعد الأولى، ويصلي على النبي ﷺ بعد الثانية، ويدعو للميت وللمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة، ويسلم بعد الرابعة.
كما كرم ﷺ امرأة سوداء كانت تنظف المسجد فماتت، فسأل عنها، فقالوا: ماتت. فغضب وعاتبهم أن صغروا شأنها، فلم يعلموه بموتها، وقال لهم: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها صلاة الجنازة وهي في قبرها.
وقد أثر عنه ﷺ في صلاته أدعية كثيرة للميت بالرحمة والمغفرة وإنزاله منزلاً مباركاً وإدخاله الجنة.
стр. 2106
وكان ﷺ يصلي صلاة الجنازة في المصلى، لحماية المسجد من التلوث، ولسعة المصلى مما يسمح للكثرة من المسلمين بحضور الصلاة، كما صلى بعض صلوات الجنازة بالمسجد لبيان الجواز. وقد عنيت عائشة أم المؤمنين ﵂ واهتمت بالصلاة على سعد بن أبي وقاص؛ فطلبت من المشيعين أن يدخلوا بجنازته المسجد لتصلي هي وأمهات المؤمنين اعترافاً بفضله وجهاده في الإسلام وتكريماً له، فقد كان ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان أحد الستة الذين رشحهم عمر للخلافة من بعده، وفتح فارس وبنى الكوفة، وابتعد عن الفتنة، واعتزل دخانها، حتى مات ﵁ وعن أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والقيام للجنازة كان من باب تقديس الموت، وزيادة الاعتبار به، والخشوع والخضوع له، والتسليم. يجريانه على رقاب العباد، ثم نسخ الأمر بالقيام للجنازة مخافة أن يتحول هدفه إلى تقديس الميت نفسه واحترامه وإن كان فاسقاً، وفي فقه الحديث شرح وإيضاح يغني عن التطويل.
-[المباحث العربية]-
(نعى للناس النجاشي) "نعى" بفتح النون وفتح العين، ينعى بفتح العين أيضاً، يقال: نعاه ينعاه نعياً، والنعى الإشعار بموت الميت، و"النجاشي" بفتح النون وكسرها، والياء مخففة على الصواب وحكى تشديدها. وهو لقب لكل من ملك الحبشة، فقوله في الرواية الثانية: "صاحب الحبشة" أي ملكها، وكان اسم هذا الملك "أصحمة" بفتح الهمزة وإسكان الصاد، وفتح الحاء، المذكور في الرواية الثالثة والرابعة ووقع في مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث تسميته "صحمة" بفتح الصاد وإسكان الحاء. وقيل "صمحة" بتقديم الميم على الحاء. قال النووي: الأول هو الصواب المعروف في كتب الحديث والمغازي وغيرها.
وفي كتاب الطبقات لابن سعد، أنه لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية سنة ست من الهجرة، أرسل كتاباً إلى النجاشي سنة سبع في المحرم، فأخذ كتاب النبي ﷺ فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض تواضعاً، ثم أسلم وكتب إلى النبي ﷺ بذلك. وأسلم على يدي جعفر بن أبي طالب.
(في اليوم الذي مات فيه) النجاشي، وعلم موته بطريق الوحي، وكان يوم موته في رجب سنة تسع من الهجرة.
(فخرج بهم إلى المصلى) المراد بالمصلى موضع معد للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين الذي كان ببطحان.
(وكبر أربع تكبيرات) أي صلى بأصحابه صلاة الجنازة بعد أن صفهم خلفه صفين، كما هو واضح من الرواية الخامسة.
стр. 2107
(صلى على قبر بعد ما دفن) أي بعد دفن الميت فيه بزمن قصير.
(إلى قبر رطب فصلى عليه) أي على الميت المقبور فيه، قال النووي: المراد أنه جديد، وترابه بعد لم تطل مدته فييبس.
(الثقة. من شهده. ابن عباس) أخبار لمبتدأ محذوف. والتقدير: المحدث بهذا الثقة. المحدث بهذا من شهده. المحدث بهذا ابن عباس.
(أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد) أي تكنسه.
(أو شاباً) كان يقم المسجد، والشك من الراوي.
(أفلا كنتم آذنتموني) أي أعلمتموني، والاستفهام إنكاري توبيخي أي ما كان ينبغي أن لا تعلموني، أي كان ينبغي أن تعلموني.
(كان زيد) أي ابن أرقم، جاء مبيناً في رواية أبي داود.
(فقوموا لها حتى تخلفكم) بضم التاء وفتح الخاء وتشديد اللام المكسورة أي تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز، لأن المراد حاملوها.
(إن الموت فزع) قال القرطبي: معناه أن الموت يفزع منه، إشارة إلى استعظامه. ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن هنا استوى فيه كون الميت مسلماً أو غير مسلم. اهـ. وقيل: الموت ذو فزع، فأخبر بالمصدر مبالغة نحو: زيد عدل.
(إنها من أهل الأرض) لما فتح المسلمون هذه البلاد أقروا أهلها على عملها، فظلوا أهل الأرض وهم أهل ذمة. فالمعنى إنها من غير المسلمين؟ .
(أليست نفساً؟ ) هذا التعليل لا يعارض "إن الموت فزع" ففي الحاكم: "إنما تقومون إعظاماً للذي يقبض النفوس".
(فقام عليها وسطها) بإسكان السين، قيل: يتناول العجيزة أيضاً، لأنه أعم من الوسط بفتح السين.
(بفرس معرورى) بفتح الميم وسكون العين وفتح الراء وسكون الواو وفتح الراء، آخره ألف، مقصور، أي عار، قال أهل اللغة: أعروريت الفرس إذا ركبته عرياً، فهو معرورى.
(فعقله رجل) معناه أمسكه وحبسه عن الحركة للرسول ﷺ .
(فجعل يتوقص) أي يتوثب.
стр. 2108
(كم من عذق معلق في الجنة) العذق هنا بكسر العين، وهو الغصن من النخلة، وأما العذق بفتحها فهو النخلة بكمالها، وليس مراداً هنا، والمعنى كثير من أغصان النخلة المحملة بالثمار المدلاة.
(لابن الدحداح) قال ﷺ هذا القول عند انصرافه من دفن ابن الدحداح.
قالوا: وسبب هذا الأجر أن يتيماً خاصم أبا لبابة في نخلة، فبكى الغلام، فقال النبي ﷺ لأبي لبابة: "أعطه إياها ولك بها عذق في الجنة". فقال: لا. فسمع بذلك أبو الدحداح، فاشتراها من أبي لبابة بحديقة له، ثم قال للنبي ﷺ : ألي بها عذق إن أعطيتها اليتيم؟ قال: "نعم". فأعطاه إياها. فقال النبي ﷺ : كم عذق معلق في الجنة لأبي الدحداح أو لابن الدحداح".
-[فقه الحديث]-
تتعرض أحاديث الباب للصلاة على الميت، وكيفيتها، وحكم الصلاة على القبر، وعلى الغائب، وفي المصلى أو المسجد، ثم تتعرض للقيام للجنازة.
وصلاة الجنازة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. قال النووي: وقد نقلوا الإجماع على وجوبها إلا ما حكى عن بعض المالكية أنه جعلها سنة، وهذا متروك لا يلتفت إليه. قال: وفي أقل ما يسقط به الفرض قيل: صلاة رجل واحد. وقيل: رجلان. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة.
ولا يشترط فيها الجماعة، وإذا لم يحضره إلا النساء وجب عليهن الصلاة عليه، ويسقط الفرض بفعلهن حينئذ، سواء كان الميت رجلاً أو امرأة.
ويشترط لصحتها ما يشترط للصلاة، من طهارة الحدث، وطهارة النجس في البدن والثوب والمكان، وستر العورة، واستقبال القبلة. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم لها مع وجود الماء إذا خاف فوتها إن اشتغل بالوضوء، وهو رواية عن أحمد. وقال الشيعة: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة مع إمكان الوضوء والتيمم لأنها دعاء.
والسنة أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة بلا خلاف عند الشافعية، لأنه بذلك يسترها عن الناس، والرواية الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون صريحة في ذلك، وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقاً، وإنما هو حكاية أمر وقع. وقال مالك: يقوم من المرأة عند منكبيها، أما الرجل فقيل: كالمرأة. ووصف كونها امرأة في الحديث غير معتبر، كوصف كونها نفساء. وقيل: يقف عند رأسه، وهو مذهب الشافعي وأحمد والمشهور عند الحنفية. وقال مالك: يقف عند وسط الرجل. وقال الحسن البصري: يقف حيث شاء من الرجل والمرأة. ولا خلاف في أن مكان الوقوف سنة، فلو خالف الأحوال المذكورة صحت الصلاة.
وأما كيفيتها: فعند الشافعية أربع تكبيرات، ينوي وجوباً عند التكبيرة الأولى الصلاة على هذا
стр. 2109
الميت، أو هؤلاء الموتى، إن كانوا جمعاً، والتكبيرات الأربع أركان، ولا تصح هذه الصلاة إلا بهن، يقرأ الفاتحة بعد الأولى، وقراءة الفاتحة ركن على الصحيح، وفي مكانها وكونها بعد الأولى مستحب على الصحيح. وفي استحباب قراءة سورة بعدها خلاف، وكذا الاستعاذة ودعاء الاستفتاح واتفقوا على أنه يجهر بالتكبير والسلام، وعلى أنه يسر بالقراءة نهاراً، وعلى أنه يسر بغير القراءة من الصلاة على النبي ﷺ والدعاء ليلاً ونهاراً. واختلفوا في الجهر بالقراءة ليلاً، ورجح النووي الإسرار.
ويصلي على النبي ﷺ بعد الثانية، وهي واجبة في المشهور عن الشافعية. وفي قول أنها سنة، وأقلها: اللهم صل على محمد. واستحب بعضهم التحميد قبل الصلاة على النبي ﷺ .
ويدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة، وهو فرض في صلاة الجنازة وركن من أركانها، بل هو القصد الأساسي منها، وهل يشترط تخصيص الميت بالدعاء، أو يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ويدخل فيه الميت ضمناً؟ قولان، وأقله ما يصدق عليه الدعاء، أما أكمله فقد وردت فيه أحاديث منها روايتنا السادسة والعشرون والسابعة والعشرون، وقد التقط الشافعي من مجموع الأحاديث دعاء ورتبه واستحبه ولفظه: "اللهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبابه فيها إلى كلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، والقه برحمتك ورضاك، وقه فتنة القبر وعذابه وافسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين.
ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ومن الأدعية الواردة في ذلك: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام والإيمان".
فإن كان الميت صبياً أو صبية اقتصر على الدعاء الأخير، وضم إليه: "اللهم اجعله فرطاً لأبويه، وسلفاً وذخراً، وعظة واعتباراً، وشفيعاً، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره".
ويسلم بعد الرابعة، وقيل: يدعو بعد الرابعة وقبل السلام للمؤمنين والوارد: "اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله".
والصحيح عند الشافعية تسليمتان، وبه قال أبو حنيفة، وقال أكثر العلماء هي تسليمة واحدة.
قال النووي في المجموع: كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس أم أربع أم غير ذلك -يشير إلى روايتنا الثانية عشرة- ثم انقرض ذلك الخلاف، واجتمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة ولا نقصان.
стр. 2110
أما رفع الأيدي عند التكبير فقد أجمعوا على استحبابه في أول تكبيرة واختلفوا في غيرها، فعن الشافعي وأحمد الرفع في كل تكبيرة، وعن الحنفية في الأولى، واختلفت الروايات عن مالك.
أما صلاة الجنازة على القبر فالشافعية وأحمد على أنه من فاتته الصلاة على الميت وأراد الصلاة عليه في القبر جاز بلا خلاف، وخلافهم في المدة المسموح بالصلاة فيها بعد الدفن، ثلاثة أيام؟ شهر؟ ما لم يبل جسده؟ يصلي عليه أبداً.
وروايتنا السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة دليل الجواز: وظاهرها عدم التباعد الزمني بين الدفن، وبين الصلاة على القبر، وإن سبقت الصلاة على الميت.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يصلى على الميت إلا مرة واحدة، ولا يصلى على القبر إلا أن يدفن بلا صلاة، وإلا أن يكون الولي غائباً فصلى غيره عليه ودفن فللولي أن يصلي على القبر.
وقال أبو حنيفة: لا يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام من دفنه، وقال أحمد: إلى شهر.
وأما الصلاة على الميت الغائب فقد قال النووي: مذهبنا جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد، سواء كان في جهة القبلة أم في غيرها، ولكن المصلي يستقبل القبلة. ولا فرق بين أن تكون المسافة بين البلدين قريبة أو بعيدة، أما إذا كان الميت في البلد. فالجمهور على أنه لا يجوز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده لأن النبي ﷺ لم يصل على حاضر في البلد إلا بحضرته.
قال الرافعي: وينبغي أن لا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع. وقيل: تجوز صلاة الغائب في البلد كالغائب البعيد.
ومنع أبو حنيفة ومالك الصلاة على الغائب، [وأحاديث الباب روايتنا الأولى والثانية وما بعدها] تؤيد الشافعية، وردهم عليها بأن الأرض طويت بين يدي النبي ﷺ خيالات، ولو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة في تلك القضية، وأنه لو كان شيء من ذلك لتوافرت الدواعي لنقله. اهـ.
وذهب أحمد وجمهور السلف إلى ما ذهب إليه الشافعية، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له وهو إذا كان ملففاً يصلى عليه، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر بذلك الوجه الذي يدعى له به وهو ملفف؟ ودافع بعض من كره الصلاة على الغائب بأن النجاشي كان بأرض ليس بها من يصلي عليه.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا محتمل. إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار على أنه لم يصل عليه في بلده أحد.
وقال بعضهم: إن ذلك خاص بالنجاشي، لأنه لم يثبت أنه ﷺ على ميت غائب غيره، وقد مات كثير من الصحابة، وهم غائبون عنه، وسمع بهم فلم يصل عليهم، ولعله قصد بالصلاة على النجاشي إشاعة أنه مات مسلماً.
ورد بأن النبي ﷺ صلى على زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وقد استشهدا في غزوة مؤته.
стр. 2111
أما صلاة الجنازة بالمسجد فقد استدل الحنفية بروايتنا الأولى والثانية على أنه لا يصلى على ميت في مسجد جماعة، وبه قال مالك، إذ في الحديث أنه أخبرهم بموت النجاشي في المسجد، وخرج بهم إلى المصلى للصلاة عليه هناك، وأجابوا عن حديث عائشة [الآتي برقم ١٠، ١١ من الباب التالي] باحتمال أن يكون قد صلى بالمسجد لعذر المطر أو الاعتكاف.
والشافعية والحنابلة على أن الصلاة على الميت في المسجد صحيحة جائزة لا كراهة فيها، إذا لم يخف تلويث المسجد، ورواياتنا العاشرة والحادية عشرة من الباب الآتي واضحة في الجواز وعدم الكراهة، وأجابوا عن أدلة المخالفين بأنه ليس فيها صيغة نهي، وباحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمر آخر بل الظاهر أنه خرج بهم إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذي يصلون عليه، وقالوا: إنه قد ثبت أن النبي ﷺ صلى في المسجد على ابني بيضاء، فكيف يترك الصريح لأمر محتمل. والله أعلم.
وأما القيام للجنازة فيتصور في مكانين:
الأول: القيام لها إذا مرت على من ليس معها.
والثاني: قيام من كان معها إلى أن توضع.
أما الأول: فصريح الأحاديث الأمر بالقيام من حين يراها إلى أن تمر عليه وتغيب عنه، أو توضع عنده إن كان في المسجد مثلاً، وسواء في ذلك جنازة المسلم وجنازة غيره كما هو ظاهر من الرواية السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة، قال الحافظ ابن حجر: قال أكثر الصحابة والتابعين باستحباب القيام، كما نقله ابن المنذر، وهو قول أحمد، وقال بعض السلف: يجب القيام. اهـ.
وقال النووي: المشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحباً، وقالوا: هو منسوخ بحديث علي، [يشير إلى روايتنا الثالثة بعد العشرين وما بعدها وفيها "قام ثم قعد"، و"قام فقمنا، وقعد فقعدنا"] واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحب، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعود بياناً للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا، لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذر. اهـ.
وإلى عدم الاستحباب والقول بالنسخ ذهب مالك وأبو حنيفة. وقال أحمد في رواية عنه وبعض المالكية: هو مخير.
وأما قيام من يشيعها عند القبر فقال جماعة من الصحابة والسلف: لا يقعد حتى توضع. وبه قال أحمد، وللشافعية ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القيام للجنازة مكروه.
الثاني: أن المشيع بالخيار بين القيام والقعود.
الثالث: يستحب أن يقوم ولا يقعد حتى توضع. قال النووي: هذا هو المختار. اهـ.
стр. 2112
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - يؤخذ من الرواية الثامنة والتاسعة من الباب السابق أن كثرة المصلين على الجنازة تشفع للميت، وقال النووي: في الجمع بين اختلاف العدد في الروايات يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به. ويحتمل أيضاً أن يقال: هذا مفهوم عدد، ولا يحتج به جماهير الأصوليين فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول شفاعة ما دون ذلك.
٢ - ويؤخذ من نعى النجاشي استحباب الإعلام بالميت، لا على صورة نعي الجاهلية، بل مجرد إعلام الصلاة عليه وتشييعه وقضاء حقه في ذلك. قال النووي: والذي جاء من النهي عن النعي ليس المراد به هذا، وإنما المراد نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وغيرها.
قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة.
الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة. فهذه تكره.
الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحوها. فهذا يحرم. اهـ.
ووجه ابن المنير نعى النجاشي على هذا بأنه كان غريباً في ديار قومه، فكان للمسلمين من حيث الإسلام أخاً، فكانوا أخص به من قرابته.
٤ - وفي نعي الرسول ﷺ للنجاشي في اليوم الذي مات فيه علم من أعلام النبوة، لما هو معلوم من البعد بين أرض الحبشة والمدينة.
٥ - ويؤخذ من الرواية الخامسة من صف المسلمين صفوفاً، أن للصفوف على الجنازة تأثيراً، لأن الظاهر أن الذين خرجوا معه ﷺ لم يكن ليضيق بهم فضاء المصلى لو صفوا فيه صفاً واحداً، ومع ذلك فقد صفهم.
٦ - ويؤخذ من الرواية الحادية عشرة فضل خدمة المسجد وكنسه.
٧ - وما كان عليه ﷺ من التواضع والرفق بأمته.
٨ - وتفقد أحوالهم.
٩ - والقيام بحقوقهم والاهتمام بمصالحهم في دنياهم وآخرتهم.
١٠ - وحرصه ﷺ على عدم تصغير أحد منهم.
١١ - ومن قوله: "أفلا كنتم آذنتموني". استحباب الإعلام بالميت.
١٢ - وفيه عذاب القبر.
١٣ - ومن الرواية السادسة والعشرين الاستعاذة من عذاب القبر وعذاب النار.
стр. 2113
١٤ - ويؤخذ من الرواية الثامنة والعشرين إثبات الصلاة على النفساء.
١٥ - ويؤخذ من الرواية الواحدة والثلاثين إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة. قال النووي: وإنما يكره الركوب في الذهاب معها.
١٦ - وجواز مشي الجماعة مع كبيرهم الراكب، وأنه لا كراهة فيه في حقهم، ولا في حقه إذا لم يكن فيه مفسدة. قال النووي: وإنما كره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للمتابعين أو خيف إعجاب ونحوه.
١٧ - أنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه.
١٨ - وفيه منقبة عظيمة لابن الدحداح ﵁.
والله أعلم
стр. 2114
(٢٨٧) باب القبور وزيارتها
١٩٤٧ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص قال: -في مرضه الذي هلك فيه- الحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله ﷺ .
١٩٤٨ - عن ابن عباس ﵄ قال جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء (قال مسلم) أبو جمرة اسمه نصر ابن عمران وأبو التياح واسمه يزيد بن حميد ماتا بسرخس.
١٩٤٩ - عن ثمامة بن شفي قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها.
١٩٥٠ - عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
١٩٥١ - عن حبيب بهذا الإسناد وقال ولا صورة إلا طمستها.
١٩٥٢ - عن جابر ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه.
стр. 2115
١٩٥٣ - عن جابر ﵁ قال نهي عن تقصيص القبور.
١٩٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر".
١٩٥٥ - عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
١٩٥٦ - عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها".
١٩٥٧ - عن عباد بن عبد الله بن الزبير أن عائشة أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد.
١٩٥٨ - عن عائشة ﵂ أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد. فبلغهن أن الناس عابوا ذلك. وقالوا ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد. فبلغ ذلك عائشة، فقالت ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد.
стр. 2116
١٩٥٩ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه. فأنكر ذلك عليها. فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه (قال مسلم) سهيل بن دعد وهو ابن البيضاء أمه بيضاء.
١٩٦٠ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ (كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" (ولم يقم قتيبة قوله "وأتاكم").
١٩٦١ - عن عبد الله بن كثير بن المطلب أنه سمع محمد بن قيس يقول سمعت عائشة تحدث فقالت ألا أحدثكم عن النبي ﷺ وعني؟ قلنا بلى.
وعن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوماً ألا أحدثكم عني وعن أمي. قال فظننا أنه يريد أمه التي ولدته. قال: قالت عائشة ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا بلى. قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع. فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وانتعل رويداً، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويداً، فجعلت درعي في رأسي واختمرت، وتقنعت إزاري. ثم انطلقت على إثره. حتى جاء البقيع. فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات. ثم انحرف فانحرفت. فأسرع فأسرعت. فهرول فهرولت. فأحضر فأحضرت. فسبقته فدخلت. فليس إلا أن اضطجعت. فدخل، فقال "ما لك يا عائش؟ حشيا رابية" قالت: قلت لا شيء. قال "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير" قالت: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته. قال "فأنت
стр. 2117
السواد الذي رأيت أمامي" قلت: نعم. فلهدني في صدري لهدة أوجعتني. ثم قال "أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله" قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله. نعم. قال "فإن جبريل أتاني حين رأيت. فناداني. فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك. ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك. وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي. فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم" قالت: قلت كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون".
١٩٦٢ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول (في رواية أبي بكر): السلام على أهل الديار (وفي رواية زهير) السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية.
١٩٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي. واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".
١٩٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي. واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور فإنها تذكر الموت".
١٩٦٥ - عن ابن بريدة ﵁ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ "نهيتكم عن زيارة
стр. 2118
القبور فزوروها. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم. ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً" قال ابن نمير في روايته عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.
١٩٦٦ - عن جابر بن سمرة قال أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه.
-[المعنى العام]-
من الأرض نشأنا، وإلى باطن الأرض نعود، ومنها نبعث على خير إن شاء الله، وصدق جل شأنه حيث يقول: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥].
والمتدبر في مصير الكائنات الحية التي تدب على الأرض يجدها تموت وتبقى على سطح الأرض لا تواري غالباً، حتى تفنى وتتحلل وتذروها الرياح أو يأكل بعضها بعضاً، إلا الإنسان فقد كرمه ربه في حياته ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١] يحكي القرآن الكريم قصة الدفين الأول حين قتل قابيل هابيل ثم حمله على كتفه طويلاً، ماذا يفعل في جثته؟ أيتركها للطير والسباع وهو أخوه؟ أم يظل يحملها وقد أوشكت على التغير؟ ﴿فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي﴾ [المائدة: ٣١]؟ فحفر حفرة لأخيه فواراه التراب، وهكذا كرم الله بني آدم بعد موتهم بدفنهم في قبور.
وقطعت الإنسانية أشواطاً بعيدة في بناء قبورها حتى رأينا أهرامات الفراعنة وفنها وخيالها، وجاء الإسلام بمواصفات للقبور لا مبالغة في تحصينها ولا إفراط ولا إسراف في تزيينها، فلا نفع للميت من مباهجها، ولا مبالغة في إهمالها، ولا تفريط في إعدادها وصيانتها، فتكريم الميت وحمايته أهم أهدافها، فلا تجصص القبور ولا يبنى عليها، ولا تقدس فيصلى إليها، وتحترم فلا يجلس عليها، ولا تداس بالنعال، بل ولا يستند إليها، وأن تعمق الحفرة حتى لا تنبش فيعرض الميت للسباع، وتغطى بكثير من التراب حتى لا تظهر ولا تنتشر الريح بين الأحياء.
فكانت القبور في الإسلام ثلاثة أشكال: حجرة صغيرة تحت الأرض مبنية ومسقوفة، يدفن فيها الميت فوق ترابها ثم يغلق عليه بابها. الشكل الثاني: يشق في وسط تلك الحجرة شق على قدر الميت طولاً وعرضاً ثم يوضع الميت، ثم ينصب عليه طوب غير محروق، أو حجارة بحيث يكون بينها وبين الجسد فاصل، ثم يهال فوق الحجارة التراب بقدر ما خرج من الحفرة.
стр. 2119
الشكل الثالث كالثاني لكن الشق يكون في جانب، لا في الوسط، في جانب مائل نحو الحائط بل تحت الحائط وهو ما يعرف باللحد.
بهذه الصورة البسيطة، وفي هذه الديار المتواضعة يرقد الجسد الذي عاش دنياه على الحرير، والجسد الذي افترش في دنياه التراب والغبراء، والتحف السماء، يرقد الجسد الذي ملك في دنياه القصور، والجسد الذي سكن الخربات والطرقات والخيام ومهدمات الدور.
كل ما سيأخذه الإنسان من سطح الأرض المتسع نصف متر في مترين، بل قد يشاركه في هذا الحيز آخرون على مر الزمان.
فهل من مدكر؟ إن لم نتعظ بالقول فها هي قبور الآباء والأجداد، شرع الله زيارتها، والاتعاظ بمن فيها، لقد وجدوا ما وعدهم ربهم حقاً، ولم يبق معهم سوى عملهم، ونحن على الطريق سائرون، وإلى ما انتهوا إليه منتهون، فقط نحن مؤجلون، لكننا لا محالة لاحقون.
نزورهم إذا تذكرناهم، ونزورهم إذا ودعنا إليهم من لحقهم، فماذا نقول في زيارتنا لهم؟ راجين أن يقول لنا مثله من بعدنا إذا صرنا معهم؟ السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين نحن إلى غد مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. نسأل الله لنا ولكم العافية.
اللهم إنهم فارقوا من كانوا يحبون، وخرجوا من الدنيا وسعتها إلى ضيق القبر وعذابه. اللهم إنهم نزلوا بك وأنت خير منزول به، إن عاقبتهم فبذنبهم، وإن عفوت عنهم فأنت أهل العفو، وأنت غني عن عذابهم، وهم فقراء إلى رحمتك، اللهم من كان محسناً منهم فاشكر حسنته وزد في إحسانه، ومن كان مسيئاً فاغفر له وتجاوز عن سيئاته.
اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. واسبغ علينا وعليهم رحمتك يا أرحم الراحمين.
-[المباحث العربية]-
(الحدوا لي لحداً، وانصبوا على اللبن نصباً) أصل الإلحاد: الميل والعدول عن الشيء، واللحد هنا بفتح اللام وضمها: هو الشق في الأرض على قدر الميت طولاً وعرضاً من غير تضييق، وبعمق يسمح بنصب لبنات عليه تغطيه على هيئة القبو، أو لبنات طوال تغطي عرضه بميل من أحد جانبيه إلى الآخر، كما يسمح العمق بعد ذلك بتغطية اللبنات بكمية من التراب تمنع خروج الريح أو الهوام وسمى هذا الشق لحداً لأنه يعمل في جانب القبر مائلاً عن وسطه.
وفعل "الحدوا" هنا فعل أمر، مبدوء بهمزة وصل مع فتح الحاء، أو همزة قطع مع كسر الحاء.
(فأمر .... بقبره فسوى) بضم السين وكسر الواو المشددة، أي جعل مستوياً مع الأرض.
стр. 2120
(أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته) أي أزلته من سطح الأرض، أو أزلت معالمه وجعلته حجراً كأي حجر.
(ولا قبراً مشرفاً) أي مرتفعاً عن الأرض.
(نهى أن يجصص القبر) أي يدهن ويطلى بالجص، وفي الرواية السادسة "نهى عن تقصيص القبور" بالقاف وصادين، والتقصيص هو التجصيص، والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد هي الجص.
(سهيل بن بيضاء) في الرواية التاسعة عشرة "ابني بيضاء سهيل وأخيه" قال العلماء: بنو بيضاء ثلاثة إخوة، سهيل وسهل وصفوان، وأمهم البيضاء اسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري، كان سهيل قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وغيرها، توفي سنة تسع من الهجرة ﵁. ذكره النووي. وأما أخوه الذي صلى عليه رسول الله ﷺ فقد استشهد ببدر.
(قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج آخر الليل إلى البقيع) هكذا هو في الأصل، ولم أجد تعليقاً عليه من الشارحين، وهو يفيد تكرار خروج رسول الله ﷺ إلى البقيع في كل ليلة يكون فيها عند عائشة، وهو غير مراد قطعاً، إذ القصة عن واقعة وقعت، كما تحكي الرواية الثالثة عشرة.
و"ليلتها" بالرفع فاعل "كان" التامة.
(السلام عليكم دار قوم مؤمنين) "دار" منصوب على النداء بتقدير مضاف، أي يا أهل دار قوم مؤمنين، ويجوز أن يكون منصوباً على الاختصاص، ويجوز جره على البدل من الضمير في "عليكم". والدار في اللغة يطلق على الربع، سواء أكان مسكوناً أم خراباً غير مأهول.
(وأتاكم ما توعدون) التعبير بالمضارع لاستحضار الصورة، والأصل وقد أتاكم ما وعدكم ربكم من جزاء أعمالكم ومن رحمته وفضله.
(غداً مؤجلون) أي مصيرنا كمصيركم، ولكننا مؤجلون إلى الغد.
(وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون) اللحوق واقع لا شك فيه، فلا يليق أن يعلق على المشيئة، إذ مشيئته حاصلة لن تتخلف، لهذا جعله بعضهم لخصوص هذا المكان، كأنه قال: وإنا لاحقون بكم في هذه القبور بهذه الأمكنة إن شاء الله، وإن شاء غيرها فالأمر له. وقيل: إن التعليق غير مراد، والمراد بذكر هذه الجملة التبرك.
(اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) كأنه قال: اللهم اغفر لأهل هذه القبور والبقيع والبقعة:
стр. 2121
المكان، و"الغرقد" اسم شجر كثير الشوك ويسمى بالعوسج، والمراد ببقيع الغرقد هنا مدفن أهل المدينة، سمي باسم الشجر الذي كان فيه قبل إزالته واتخاذه مدفناً.
(انقلب) أي رجع من الخارج.
(فلم يلبث إلا ريثما) بفتح الراء والثاء، أي مقدار ما ظن ... إلخ.
(ظن أن قد رقدت) "أن" مخففة من الثقيلة. واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة "قد رقدت" خبرها، أي ظن أن الحال والشأن قد نمت واستغرقت في النوم وأصبحت في غيبة عن حركاته.
(فأخذ رداءه رويداً) أي قليلاً قليلاً، أي بلطف وهدوء لئلا يزعجها ويوقظها من نومها. فتحس وحشة حين يتركها منفردة في ظلمة الليل ووسطه.
(وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً) أي أغلقه.
(وتقنعت إزاري) هو هكذا في الأصول، والتقدير: تقنعت بإزاري أي تغطيت به وجعلته قناعاً ساتراً.
(ثم انحرف) عن البقيع نحو المسكن عائداً.
(فأحضر فأحضرت) بفتح الهمزة والضاد بينهما حاء ساكنة. والإحضار: العدو، أي الجري فوق الهرولة.
(مالك يا عائش؟ ) حذف التاء من "عائشة" للترخيم، فيجوز في الشين الفتح على الانتظار والضم على عدم الانتظار، "ومالك"؟ مبتدأ وخبر، بمعنى أي شيء حصل لك حالة كونك؟ .
(حشيا رابية) بفتح الحاء وسكون الشين بعدها ياء فألف مقصورة، كان حقها أن تكتب ياء كسلمى لكنها وقعت بعد ياء، وهو النهيج، وتتابع الشهيق والزفير بسرعة وصوت نتيجة للجري، يقال: امرأة حشيا، وحشية، ورجل حشيان. "ورابية" أي مرتفعة البطن، والمقصود ارتفاع وانخفاض بسبب النهيج.
(لا شيء) أي لا شيء يورثني ما تقول. وفي بعض النسخ "لا بي شيء" أي ليس بي شيء، وفي بعضها "لأي شيء"؟ باللام الداخلة على "أي" الاستفهامية، أي لأي شيء تقول هذا؟ قال القاضي عياض: والأول أصوب.
(فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ ) يطلق السواد على الإنسان، فيقال: السواد الأعظم، أي الناس الكثيرون. والكلام هنا على الاستفهام.
(فلهدنى) بفتح الهاء والدال، وروى "فلهزنى" بالزاي بدل الدال، وهما متقاربان، يقال: لهده
стр. 2122
ولهذه بالدال والذال مع تخفيف الهاء وتشديدها، أي دفعه. ويقال: لهزه إذا ضربه بجمع كفه في صدره، ويقرب منهما لكزه ووكزه.
(أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ ) الاستفهام إنكاري توبيخي أي ما كان ينبغي أن تظني أن رسول الله يظلمك، والحيف: الميل عن العدل وعن الطريق المستقيم.
(مهما يكتم الناس يعلمه الله. نعم) صدقت نفسها وأكدت قولها: مهما يكتم الناس يعلمه الله، كأنها بعد ما قالته قالت: هذا حق.
(فإن جبريل أتاني حين رأيت) أي حين رأيت انقلابي ووضعي ردائي وخلعي نعلي ووضعي لهما عند رجلي وبسطي طرف إزاري على فراشي واضطجاعي.
(فناداني) أي من خارج الدار.
(فأخفاه منك) أي فأخفى نداءه منك.
(فأجبته فأخفيته منك) أي فأخفيت جوابي وأسررت به.
(قتل نفسه بمشاقص) وهي سهام عراض، واحدها مشقص بكسر الميم وفتح القاف.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر شوارد الباب في أربع نقاط:
القبر وصفته المشروعة، ودفن الميت وكيفيته، وزيارة القبور، وما يؤخذ من الأحاديث.
أما القبر: فهو حجرة صغيرة تحت الأرض، تحفر، ثم تبنى، ثم تسقف بسقف معقود هرمي أو بسقف عادي. قال النووي في المجموع: ويستحب أن يعمق القبر لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال لهم يوم أحد: "احفروا وأوسعوا وأعمقوا". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال: ويستحب أن يكون عمقه قامة وبسطة، بحيث يقف فيه رجل معتدل القامة ويرفع يديه إلى فوق رأسه ما أمكنه. ثم قال: قال الأصحاب: لاستحباب تعميقه ثلاث فوائد: أن لا ينبشه سبع، ولا تظهر رائحته، وأن يتعذر -أو يتعسر- نبشه على من يريد سرقة كفنه.
وأقل ما يجزئ حفرة تكتم رائحة الميت ويعسر على السباع غالباً نبشه والوصول إلى الميت. اهـ
ودفن الميت ثلاثة أنواع: القبر وهذا وصفه، فيوضع الميت على أرضه، واللحد وقد سبق وصفه في المباحث العربية، وأنه شق بجانب القبر تحت جداره والشق وهو حفرة كالنهر، يبني جانباها على قدر الميت، ويسقف عليه باللبن أو بأي سقف، ويرفع السقف قليلاً بحيث لا يمس الميت، قال الشافعي في الأم: ورأيتهم عندنا -يعني في مكة شرفها الله- يضعون على السقف الإذخر ثم يضعون عليه التراب. اهـ.
стр. 2123
وظاهر الرواية الأولى أن الدفن في اللحد أفضل، حيث أوصى به سعد بن أبي وقاص، وحيث إنه الذي صنع برسول الله ﷺ . قال النووي في المجموع: أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد وفي الشق جائزان -أي وكذا القبر- لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل للحديث المشار إليه -وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل. اهـ والقبر كالشق.
وقد ذكر النووي في المجموع مسائل تتعلق بالقبر منها:
١ - أنه يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه -على معنى أنه يوضع فوق القبر ترابه الذي أخرج منه بالحفر، فيرتفع عن سطح الأرض بمقداره.
قال الشافعي والأصحاب، إنما قلنا: يستحب أن لا يزاد لئلا يرتفع القبر ارتفاعاً كثيراً. قال الشافعي: فإن زاد فلا بأس. قال الأصحاب: معناه أنه ليس بمكروه، ولكن المستحب تركه. قال النووي: فإن قيل: هذا مخالف لحديث علي ﵁ قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته" -روايتنا الرابعة: فالجواب ما أجاب به أصحابنا، قالوا: لم يرد التسوية بالأرض، وإنما أراد تسطيحه، جمعا بين الأحاديث. اهـ. ولا شك أن هذا خلاف ظاهر الحديث فالتسوية جعل الشيء مساوياً لشيء، وتسوية المشرف جعله غير مشرف على ما حوله، فظاهر الحديث تسوية القبور بالأرض. أما أن الأمر للوجوب أو للندب أو للأولى فهذا أمر آخر. والله أعلم.
٢ - ومنها أن نص الشافعي على أن تستطيح القبر أفضل، وهو مذهب مالك وداود. وقال أبو حنيفة وأحمد: التسنيم أفضل، ويستدل لهم بما ثبت في صحيح البخاري عن سفيان التمار قال: "رأيت قبر النبي ﷺ مسنماً". ورد بأن القبر غير عما كان، فكان أول الأمر مسطحاً، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك أصلح فجعل مسنماً.
٣ - ومنها أنه يستحب أن يوضع عند رأسه علامة من حجر أو خشبة أو غيرهما، قاله الشافعي وسائر أصحابه. وقيل: علامتان. أحدهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه.
٤ - ومنها أنه يكره أن يجصص القبر -وروايتنا الخامسة والسادسة صريحتان في ذلك، ويكره أن يكتب عليه اسم صاحبه أو غير ذلك، وأن يبنى عليه. قال النووي: وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يكره. والله أعلم.
النقطة الثانية كيفية دفن الميت، وقد ذكر النووي في ذلك مسائل:
إحداها: أن مذهب الشافعي أنه يسن أن يوضع رأس الميت من الطرف الذي سيكون فيه رجله ثم يسل من جهة رأسه سلاً رفيقاً، وهو مذهب أحمد: وقال أبو حنيفة: يدخل بعرضه من ناحية القبلة. وقال مالك: كلاهما سواء.
ثانيتها: يستحب لمن يتولى الدفن أن يقول عند إدخال الميت القبر: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ .
стр. 2124
ثالثتها: قال النووي: يجب وضع الميت في القبر مستقبل القبلة. وقيل: استقبال القبلة به مستحب ليس بواجب. قال: والصحيح الأول. واتفقوا على أنه يستحب أن يضطجع على جنبه الأيمن. فلو اضطجع على الأيسر مستقبل القبلة جاز، وكان خلاف الأفضل.
رابعتها: يستحب أن يوسد رأسه لبنة أو حجراً ونحوهما، ويفضي بخده الأيمن إلى اللبنة ونحوها أو إلى التراب، ومعناه أن ينحى الكفن عن خده ويوضع على التراب، ويستحب أن يجعل خلفه شيئاً من لبن أو غيره يسنده ويمنعه من أن يقع على قفاه، ويكره أن يجعل تحته مخدة أو ثوب، أو يجعل في تابوت إلا إذا كانت الأرض ندية فلا يكره.
وقد شذ من قال: لا بأس أن يبسط تحت جبينه شيء مستدلاً بروايتنا الثانية وفيها يقول ابن عباس: "جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء".
قال النووي: وقد أجابوا عن ذلك بأنه لم يكن ذلك الفعل صادراً من جملة الصحابة ولا برضاهم ولا بعلمهم، وإنما فعله شقران مولى رسول الله ﷺ وقال: "كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله ﷺ ".
خامستها: يستحب لكل من على القبر أن يمكث بعد الدفن زمناً يدعو للميت ويستغفر له.
فقد روى مسلم وصية عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة -وقد سبق في كتاب الإيمان- قال: "فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع رسل ربي". وقال بعض الشافعية: يستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، واستحبوا قراءة أول سورة البقرة وآخرها. وقد روى أبو داود والبيهقي بإسناد جيد عن عثمان قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الرجل يقف عليه، وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل".
النقطة الثالثة زيارة القبور: والروايات الثانية عشرة وما بعدها تدل على استحبابها، والدعاء لأهلها والترحم عليهم، قال النووي: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، وهو قول العلماء ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة، وكانت زيارتها منهياً عنها أولاً، ثم نسخ، ثبت في صحيح مسلم عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" -روايتنا السابعة عشرة- زاد أحمد: "ولا تقولوا هجراً". وكان النهي أولاً لقرب عهدهم من الجاهلية، فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة. ثم قال: قال أصحابنا: ويستحب للزائر أن يدنو من القبر المزور بقدر ما كان يدنو من صاحبه لو كان حياً وزاره.
وأما النساء فالذي قطع به الجمهور أنها مكروهة لهن كراهة تنزيه. وقال بعض المحققين: إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح على ما جرت من عادتهن حرم. قال: وعليه يحمل حديث: "لعن الله زوارات القبور" رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. وإن كانت
стр. 2125
زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة كره، إلا أن تكون عجوزاً لا تشتهى فلا يكره كحضور الجماعة في المساجد. اهـ واستحسنه الإمام النووي، ثم قال: ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة لظاهر الحديث. اهـ.
والذي تميل إليه النفس أن زيارة النساء للقبور بدافع الاعتبار والدعاء والاستغفار لا تكره مطلقاً لذاتها، أما إذا لابسها شيء من الممنوعات شرعاً منعت بالدرجة التي بها الملابس كراهة أو تحريماً، فروايتنا الثالثة عشرة وفيها عائشة تسأل عما تقول عند زيارتها القبور؟ وفيها تعليم الرسول ﷺ ما تقول: "قولي: السلام عليكم أهل الديار ... إلخ". دليل واضح على المشروعية، وأقلها الجواز وعدم الكراهة. ثم إن المرأة التي رآها رسول الله ﷺ تبكي ولدها عند القبر لم ينهها رسول الله ﷺ عن الزيارة، وإنما أمرها بالصبر. مما يؤكد ما ذهبنا إليه من عدم الكراهة، والله أعلم.
قال النووي: قال أصحابنا: ويستحب للزائر أن يسلم على أهل المقابر ويدعو لمن يزوره ولجميع أهل المقبرة، والأفضل أن يكون السلام والدعاء بما ثبت في الحديث، ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر، ويدعو لهم عقبها. ونص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب، ولا يستلم القبر بيده، ولا يقبله ولا يمسح القبر، ولا يمسه، فإن ذلك عادة النصارى. وقد صح النهي عن تعظيم القبور، وصح في ذلك الوعيد الشديد.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - يؤخذ من الرواية الأولى تفضيل اللحد على القبر، وقد مضى الكلام عليه.
٢ - وأخذ منها البغوي من الشافعية جواز فرش مثل القطيفة في القبر.
قال النووي: وهذا شاذ ونص الشافعي وجميع الأصحاب وغيرهم من العلماء على كراهته، وقد مضى الحديث في ذلك.
٣ - ويؤخذ من الرواية الرابعة وجوب تحطيم التماثيل وطمسها على المقابر أو بعيدة عنها.
٤ - ويؤخذ من الرواية الخامسة والسابعة منع الجلوس على القبر.
قال النووي: وكذا الاستناد إليه والاتكاء عليه، كل ذلك مكروه عندنا وعند أبي حنيفة وأحمد. وقال مالك: لا يكره.
٥ - ومن الرواية الخامسة النهي عن البناء على القبور. قال النووي: البناء على القبر إن كان في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام. قال الشافعي في الأم: ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى.
٦ - ومن الرواية الثامنة والتاسعة النهي عن الصلاة إلى القبر، أي جعله في قبلة المصلى.
٧ - ومن الرواية الثالثة عشرة طبيعة الغيرة في النساء، وأن ما يجري بدافعها في حدود مغتفر.
стр. 2126
٨ - ومن لهده ﷺ لعائشة جواز مثل ذلك في مثل هذه الظروف.
٩ - وأن جبريل ﵇ لا يدخل على مكشوف العورة.
١٠ - وجواز إخفاء الزوج عن زوجته ما يثير قلقها.
١١ - وحرص الزوج على راحة زوجته وعدم إزعاجها في نومها.
١٢ - ومن الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة جواز زيارة المشركين في الحياة، وزيارة قبورهم بعد الوفاة. لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، وقد قال الله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ [لقمان: ١٥].
١٣ - والنهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض: سبب زيارته ﷺ قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله: "فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت".
١٤ - ومن الرواية السابعة عشرة نسخ النهي الوارد في حديث وفد عبد القيس الذي سبق في كتاب الإيمان من النهي عن النبذ في الدباء والحنتم والنقير والمقير ونحوها من الأسقية.
١٥ - وفي الرواية الثامنة عشرة دليل لمن يقول: لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه. قال النووي: ومذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وجماهير العلماء أنه يصلى عليه، وأجابوا عن الحديث بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي ﷺ الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجراً لهم عن التساهل في الاستدانة، وأمر أصحابه بالصلاة عليه: "صلوا على صاحبكم". قال القاضي: مذهب العلماء كافة، الصلاة على كل مسلم، ومحدود، وقاتل نفسه، وولد الزنا. وعن مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجراً لهم. وقال أبو حنيفة: لا يصلى على محارب، ولا على قتيل الفئة الباغية.
ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير. وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار فقال مالك والشافعي والجمهور: لا يغسل ولا يصلى عليه. وقال أبو حنيفة: لا يغسل ويصلى عليه.
والله أعلم
стр. 2127
كتاب الزكاة
стр. 2128
(٢٨٨) باب النصاب ومقدار الزكاة
١٩٦٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. ولا فيما دون خمس ذود صدقة. ولا فيما دون خمس أواق صدقة".
ومثله.
١٩٦٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وأشار النبي ﷺ بكفه بخمس أصابعه. ثم ذكر بمثل حديث ابن عيينة.
١٩٦٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. وليس فيما دون خمس ذود صدقة. وليس فيما دون خمس أواق صدقة".
١٩٧٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة".
١٩٧١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق. ولا فيما دون خمس ذود صدقة. ولا فيما دون خمس أواق صدقة".
стр. 2129
١٩٧٢ - عن إسماعيل بن أمية بهذا الإسناد مثل حديث ابن مهدي ويحيى بن آدم، غير أنه قال (بدل التمر) ثمر.
١٩٧٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة. وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة".
١٩٧٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ قال "فيما سقت الأنهار والغيم العشور. وفيما سقي بالسانية نصف العشر".
١٩٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
١٩٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ (قال عمرو) عن النبي ﷺ (وقال زهير يبلغ به) "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
١٩٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".
١٩٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ "ما ينقم ابن
стр. 2130
جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله. وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله. وأما العباس فهي علي ومثلها معها". ثم قال "يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟ ".
-[المعنى العام]-
شاء الله الحكيم الخبير أن يرزق بعض الناس من أيدي الناس، وأن يهب الغنى لقوم ليعطوا قوماً آخرين، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة أغنياء، لا يحتاج أحد لأحد، لكن لمصلحة البشر فضل بعضهم على بعض في الرزق، ليثاب الغنى المعطى عن عطائه، ويثاب الفقير على صبره ورضاه بقدره، جعل للفقراء حقاً في مال الأغنياء، وحق معلوم للسائل والمحروم، يؤخذ من الأغنياء فيرد إلى الفقراء، أوحى إلى نبيه مقدار حق الفقير في مال الغني، وهو قليل من كثير وكان من الحكمة أن يجعل نصاباً يعد الغني به غنياً: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" أي ليس على من لم يملك أربعمائة قدح من القمح أو الشعير أو الذرة أو التمر أو الزبيب زكاة.
"وليس فيما دون خمس ذود صدقة". أي ليس على من لم يملك خمسة من الإبل زكاة.
"وليس فيما دون خمس أواق صدقة". أي ليس على من لم يملك خمس أواق من الفضة زكاة.
"وليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". فلا زكاة على السيد في عبيده وخيله، وهكذا أوضح الشرع الحكيم نصاب الزكاة وما به يعتبر الغني غنياً، وما يجب عليه من حق للفقير.
أما القدر المشروع، والحق المعلوم فهو العشر من الزروع والثمار التي تسقى بماء المطر دون كفاح أو تعب للزراع، ونصف العشر من الزروع والثمار التي تسقى بالآلات [الساقية أو الطنبور أو الدلو أو نحوها].
ومع وضوح الحق الشرعي للفقير في مال الغني أعان الشارع الحاكم على النفوس الأمارة بالسوء، طلب الله من رسوله ﷺ أن يأخذ من أموال الأغنياء حقوق الفقراء: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣].
إن النفس البشرية شحيحة بما تملك، والشيطان يعدها الفقر، ويأمرها بالبخل والشح، وقليل منها الذي يجود من تلقاء نفسه.
ومن هنا كان ﷺ يطلب حقوق الفقراء، ويبعث السعاة والعمال إلى القبائل في بلادهم ومضاربهم يجبون الزكاة، وكان يختار لهذه المهمة كبار المسلمين، لبعد الشبهة عنهم من جهة، ولقوة إيمانهم وقوة شخصيتهم من جهة أخرى، فيستحي منهم من يستحي، ويخشاهم من يخشى.
وكان من هؤلاء السعاة العاملين على الزكاة عمر بن الخطاب، خرج بأمر النبي ﷺ إلى القوم، فمر
стр. 2131
بابن جميل وقد أغناه الله بعد فقر، آتاه من الإبل والبقر والغنم ما شاء، طالبه عمر بحق الفقراء، فبخل وتولى وأعرض وامتنع عن الدفع، ونصحه عمر فلم يسمع لنصح. تحول عمر إلى خالد بن الوليد الفارس المشهور سيف الله المسلول، فوجد عنده خيلاً كثيرة، وأسلحة وفيرة، فطالبه بزكاتها؛ فقال خالد: لقد حبستها للجهاد. فأصر عمر على أخذ زكاتها، فلم يستجب خالد. فانصرف إلى العباس عم النبي ﷺ وعنده مال كثير، طلب منه الزكاة فاعتذر له. فذهب عمر إلى النبي ﷺ يشكو ثلاثتهم، فغضب ﷺ على ابن جميل وقال: كيف ينسى أنه كان فقيراً فأغناه الله؟ واعتذر عن خالد والعباس. أما خالد فلا زكاة على ماله الذي حبسه في سبيل الله. وأما العباس فهو عمي والعم كالوالد وأنا أتحمل وألتزم عنه ما لزمه ومثله معه، لكنه قد أسلفنا زكاة ماله عامين، هذا العام والعام القابل.
وعلم الصحابة والمسلمون أن الزكاة لا عذر لأحد في عدم أدائها ولو كان عم رسول الله ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) أي زكاة، أي ليس في ذلك قدر محدد مفروض شرعاً. والصدقة في الشرع وإن كانت تطلق على الزكاة الواجبة وعلى العطاء المتطوع به، بل شاعت عرفاً في التطوع، لكنها هنا مراد بها الزكاة المفروضة، والشرع يستعملها كثيراً كذلك، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾ [التوبة: ٦٠].
"والأوسق" جمع وسق بفتح الواو وكسرها، لغتان، والفتح أشهر، ويجمع كذلك على "أوساق" كما هو لفظ الرواية الثالثة، والوسق: مكيال للحبوب كان يستخدم في العصر الأول، ويقدر بستين صاعاً، والصاع: مكيال كان معروفاً ومستعملاً أيضاً، ويقدر بأربعة أمداد. والمد كذلك مكيال، ويقدر بملء كفين لإنسان معتدل الخلقة، وقد اختلف مسمى هذه المكاييل في العراق عنها في المدينة، فصاع المدينة خمسة أرطال وثلث الرطل بالبغدادي، وصاع العراق ثمانية أرطال بالبغدادي، وسواء كان المكيالان مختلفين حجماً على الحقيقة، أم متساويين حجماً، والخلاف لفظي سببه اختلاف وزن الأرطال، أو قدر قوم المكيل بموزون أثقل، والآخر بموزون أخف. سواء أكان هذا أم ذاك فالذي يعنينا تقدير النصاب بما هو معلوم لنا في العصر الحديث، وقد قدره عالم موثوق به بأربعمائة قدح، وهي أربعة أرادب وويبة بالكيل المصري، فالكيلة المصرية على هذا ستة آصع، وهي تساوي أربعة وعشرين مداً.
والنصاب بالوزن أربعون وأربعمائة وألف رطل من القمح، ويوازي ثلاثة وخمسين وستمائة كيلو جراماً تقريباً، فالصاع بالوزن (٢.٦) كيلو جراماً.
وهذه المقادير تقريبية إذ بعض الحبوب أثقل من بعض، وبعض حفنات الرجال تغاير حفنات البعض.
стр. 2132
(ولا فيما دون خمس ذود صدقة) الذود بفتح الذال وسكون الواو من الثلاثة إلى العشرة عند الأكثر، وقيل: إلى التسعة وهي كالنفر والرهط، لا واحد لها من لفظها، ولفظ "خمس" هنا بدون تاء. قال سيبويه: تقول ثلاث ذود، لأن الذود مؤنث. وقال النووي: رواه بعضهم "خمسة ذود" وكلاهما لرواة كتاب مسلم، والأول أشهر، وكلاهما صحيح في اللغة لانطلاقه على المذكر والمؤنث. اهـ والمنقول أنه مؤنث. فإثبات التاء في خمسة على المعنى والتأويل، وحكى في "خمس ذود" تنوين "خمس" على جعل "ذود" بدلاً منه، والمعروف إضافة "ذود" إلى "خمس" والإضافة بيانية، أي خمس هي ذود، كما تقول ثلاثة نفر، أي ثلاثة هم نفر. وتمييز العدد هنا محذوف، والأصل خمس من الإبل، أو ذود من الإبل كما صرح به في الرواية الخامسة.
(ولا فيما دون خمس أواق صدقة) تمييز العدد محذوف، صرح به في الرواية الخامسة "من الورق". قال النووي: هكذا هو في الرواية الأولى "أواقي" بالياء، وفي باقي الروايات "أواق" بحذف الياء، وكلاهما صحيح. قال أهل اللغة: الأوقية بالهمزة وتشديد الياء جمعها أواقي بتشديد الياء، وأواقي بتخفيف الياء، وأواق بحذفها: قال ابن السكيت في الإصلاح: كل ما كان من هذا النوع، واحده مشدداً جاز في جمعه التشديد والتخفيف، ومنه السرية والسراري.
ثم قال النووي: وأجمع أهل الحديث والفقه وأئمة أهل اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهماً، وهي أوقية الحجاز. قال القاضي عياض: ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي ﷺ وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البيوعات والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قال: وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانق، قول باطل، وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وكانت صغاراً وكباراً، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزناً واحداً لا يختلف، وأعياناً، ليستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم.
قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كانت تعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها؟ وحقوق العباد؟ ولهذا كانت الأوقية معلومة.
قال النووي: هذا كلام القاضي. وقال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية والإسلام. اهـ.
هذا، ولتحديد الأوقية ونصاب الفضة والذهب بحوث مستفيضة وآراء متشعبة عرض كثير منها الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه -فقه الزكاة- وانتهى إلى أن الدرهم ٢.٩٧٥ من الجرامات، فنصاب الفضة (٥٩٥) خمسة وتسعون وخمسمائة من الجرامات المعروفة في زماننا.
стр. 2133
وأن المثقال من الذهب وزنه (٤.٢٥) أربعة جرامات وربع الجرام فنصاب الذهب (٨٥) خمسة وثمانون جراماً.
وأولى الآراء بالقبول أن تقدر العملات الورقية المتداولة بالذهب، فعلى تقدير أن ثمن الجرام من الذهب الخالص (٢٥) خمسة وعشرون جنيهاً مصرياً في هذه الأيام يكون النصاب (٢١٢٥) خمسة وعشرين ومائة وألفين من الجنيهات المصرية، ويخرج منها ربع العشر.
(خمسة أوساق من تمر) قال النووي: وهو صحيح، جمع وسق بكسر الواو، كحمل وأحمال، وقد سبق أن الوسق بفتح الواو وبكسره. اهـ.
(خمس أواق من الورق) قال أهل اللغة: يقال: ورق، وورق بكسر الراء وإسكانها، والمراد به هنا الفضة كلها، مضروبها وغيره. واختلف أهل اللغة في أصله، فقيل: يطلق في الأصل على جميع الفضة. وقيل: هو حقيقة المضروب دراهم، ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازاً، وهذا قول كثير من أهل اللغة. ذكره النووي.
(وفيما سقى بالسانية نصف العشر) "السانية" الإبل التي يستقى عليها، وفي رواية البخاري "وما سقى بالنضح نصف العشر"، أي ما سقى باستخراج الماء بآلة أو بحيوان، فذكر الإبل كالمثال.
(ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) في إحدى روايتي البخاري "في غلامه" بدل "في عبده" وهما بمعنى الرقيق.
(بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة) أي بعثه ساعياً قابضاً للصدقات، والتعبير مشعر بأنها صدقة الفرض، لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة. وسيأتي تفصيل لذلك في فقه الحديث.
(فقيل) قائل ذلك عمر بن الخطاب ﵁ كما صرح به في بعض روايات البخاري.
(منع ابن جميل) المفعول محذوف، أي منع الزكاة، وامتنع عن دفعها. قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه.
(ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله) "ما ينقم" بكسر القاف، أي ما ينكر، أو ما يكره، وكان فقيراً فأغناه الله بما أفاء على رسوله وبما أبيح للمسلمين من الغنائم، وبرفع النفي والاستثناء يصبح المعنى: ينكر ابن جميل أنه كان فقيراً فأغناه الله؟ وإذا كان لا ينكر ذلك فلم يمتنع عن أداء الزكاة؟ .
(وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً) بادعائكم أنه منع أداء واجب عليه، والمقصود خالد بن الوليد.
стр. 2134
(قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله) "احتبس" أي حبس، و"الأدراع" جمع درع، والأعتاد جمع عتد بفتح العين والتاء، كأزمان جمع زمن وهو ما يتأهب به للحرب من سلاح وخيل وآلات، أي وقف ملابسه الحربية ودوابه في سبيل الله، فلا زكاة عليه فيها، فليس مانعاً لما وجب عليه.
(وأما العباس فهي علي) أي لازمة لي ألتزم بإخراجها عنه.
(ومثلها معها) أي وألتزم بمثل ما وجب عليه بالإضافة إلى ما وجب.
(أما شعرت) أي ما علمت علماً محسوساً يمس البدن ويحسه الإنسان.
(أن عم الرجل صنو أبيه) أي مثل أبيه، فابن أخيه مثل ابنه.
-[فقه الحديث]-
أحاديث الباب تعرضت لزكاة أنواع الزروع والثمار، وزكاة الماشية، وزكاة الفضة، وليس معنى ذلك عدم الزكاة فيما لم تتعرض له، فليس فيها حصر ولا قصر، وقد أجمع العلماء على وجوب الزكاة في بعض ما لم يذكر كالذهب واختلفوا في بعض آخر، كما سيأتي.
ومن هنا سنتناول موضوع الزكاة بصفة عامة، محاولين استيفاء دليل كل فريق، وعلى الله قصد السبيل.
وقبل الخوض في الخلاف نؤكد ما هو معلوم من أنه لا خلاف في مشروعية صدقة التطوع في أي صنف من الأموال، وأن مراد من قال بعدم وجوب الزكاة في صنف ما أن مالكه لا يأثم بالامتناع من التصدق. فالخلاف في إثم الممتنع من زكاة الأصناف المختلف فيها وعدم إثمة، وليس في مشروعية الصدقة والإثابة عليها.
ويمكن تقسيم الأموال المتداولة بين الناس إلى خمسة أقسام:
مزروعات ومواشي ونقد وعروض تجارة وركاز:
أما المزروعات: فيقسمها العلماء إلى: ثمار وزروع، وهذا التقسيم للضبط، وإلا فالثمار نتاج شجر مزروع، لكنها لما كان النتاج متكرراً مع بقاء أصل الشجرة فرق بينه وبين النتاج الذي يقطع مع شجره.
والثمار كثيرة الأنواع منها ثمر النخل وثمر الكرم والتين والتفاح والسفرجل والرمان والخوخ والمشمش والجوز واللوز والموز والبرتقال واليوسفي والليمون والمانجو والكمثرى وغيرها كثير وكثير.
والشافعية على أن الزكاة تجب في ثمر النخل والكرم فقط، ولا تجب فيما سوى ذلك من الثمار،
стр. 2135
ويستدلون بما رواه أبو داود والترمذي والنسائي أن رسول الله ﷺ قال: "في الكرم أنها تخرص كما يخرص النخل، فتؤدى زكاته زبيباً كما تؤدى زكاة النخل تمراً".
قالوا: ولأن ثمرة النخل والكرم تعظم منفعتهما، لأنهما من الأقوات والأموال المدخرة المقتاتة وتجب الزكاة في الزروع عند الشافعية في كل ما يقتات به عادة وفي غير الضرورة كالحنطة والشعير والدخن والذرة والأرز والعدس واللوبيا والحمص والباقلا، ولا تجب في الكمون والكراويا والكزبرة والسمسم وبذر القطن وبذر الكتان وبذر الفجل وغير ذلك مما يشبهه، كما لا تجب في الخضراوات والبقول والقثاء والبطيخ ونحوها.
قال النووي: وبهذا كله قال مالك وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة وزفر: يجب العشر في كل ما أخرجته الأرض إلا الحطب والقصب الفارسي والحشيش الذي ينبت بنفسه.
قال العبدري: وقال الثوري وابن أبي ليلى: ليس في شيء من الزروع زكاة إلا التمر والزبيب والحنطة والشعير. وقال أحمد: يجب العشر في كل ما يكال ويدخر من الزرع والثمار، فأما ما لا يكال كالقثاء والبصل والخيار والبطيخ والرياحين وجميع البقول فليس فيها زكاة.
وقال داود: ما أنبتته الأرض ضربان: موسق، وغير موسق، فما كان موسقاً وجبت الزكاة فيما بلغ منه خمسة أوسق، ولا زكاة فيما دونها، وما كان غير موسق ففي قليله وكثيره الزكاة فتحصل من هذا:
١ - وجوب الزكاة في النخل والعنب والحنطة والشعير عند الجميع.
٢ - يضيف الشافعية والمالكية وأبو يوسف ومحمد إلى ما سبق كل ما يقتات به عادة ويدخر من الحبوب كالأرز والذرة والحمص.
٣ - يعمم الإمام أحمد الزكاة في كل ما يكال ويدخر من الزروع والثمار.
٤ - يستقل أبو حنيفة بالقول بوجوب الزكاة في جميع الثمار، وفي الخضراوات، ويشاركه في ذلك داود الظاهري ولا يوافقه الشافعية والمالكية والحنابلة.
وقد حاول بعض العلماء ترجيح مذهب أبي حنيفة باعتباره أنفع للفقير، وهذا الاعتبار مردود، لأن المشرع أعلم بالفقير وأرحم به من كل المخلوقات، فالاعتبار للشرع أولاً، ولا اعتبار لشيء ورد الشرع بخلافه.
والغريب أنه قال عن حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". إنه ضعيف مع أنه في الصحيحين متفق عليه.
إن مذهب أبي حنيفة يعوزه الدليل، بل هو مخالف للدليل الشرعي، فقد روى البيهقي حديث معاذ عن الخضر وأن رسول الله ﷺ عفا عنها. قال النووي: ورواه الترمذي مختصراً: أن معاذاً كتب إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الخضراوات وهي البقول، فقال: "ليس فيها شيء". قال الترمذي: ليس إسناده بصحيح. قال: وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا شيء. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل
стр. 2136
العلم، أنه ليس في الخضراوات صدقة. وقال البيهقي بعد أن روى هذا الحديث وأحاديث مراسيل: هذه الأحاديث كلها مراسيل إلا أنها طرق مختلفة، فيؤكد بعضها بعضاً، ومعها قول الصحابة ﵃. اهـ.
وأقوى ما يرد به على أبي حنيفة أن الخضراوات كانت تزرع في المدينة في عهده ﷺ ولم يثبت أنه أخذ منها زكاة، وبالتالي لم يثبت أنه أعطى فقيراً كمية من البصل أو الثوم كزكاة مثلاً، ولو حصل مرة لنقل إلينا، على أن الأصل عدم الوجوب، والوجوب لا يثبت إلا بالدليل، ولا دليل، والإمام مالك، وهو الذي يعتمد عمل أهل المدينة، قال بعدم وجوب الزكاة في الخضراوات مما يؤكد أن عمل أهل المدينة على خلاف مذهب أبي حنيفة. والله أعلم.
وقد اختلف الشافعية في وجوب الزكاة في الزيتون بناء على أن الشافعي قال في القديم: تجب فيه الزكاة، معتمداً قول ابن عباس: "في الزيتون الزكاة". وقال في الجديد: لا زكاة فيه، لأنه ليس بقوت فأشبه الخضراوات.
قال النووي: والقولان مشهوران، والأصح أنه لا زكاة فيه.
قال البيهقي: ولم يثبت في الزيتون إسناد تقوم به حجة، والأصل عدم الوجوب، ولا زكاة فيما لم يرد فيه حديث صحيح، أو كان في معنى ما ورد به حديث صحيح. اهـ
أما الإمام مالك: فلم يتردد في القول بوجوب الزكاة في الزيتون.
وألحق بالزروع والثمار العسل على اعتبار أن النحل يعيش غالباً في الأشجار ويقتات من الزروع والثمار، وقد اختلف في زكاته الشافعية على قولين: أصحهما: عدم الوجوب، لأنه لم يثبت بوجوبه خبر صحيح، ولأنه مائع خارج من حيوان، فأشبه اللبن، واللبن لا زكاة فيه بالإجماع، وعلى هذا القول الإمام مالك، أما أبو حنيفة فقال بوجوب الزكاة في العسل إذا لم يكن بأرض خراج، وأما الإمام أحمد فقال بوجوب الزكاة فيه سواء أكان في أرض خراجية أو غير خراجية، وأدلتهم مبسوطة في كتب الفروع.
وقد بينت الرواية السادسة مقدار ما يخرج من زكاة الزروع والثمار، وهو العشر فيما سقى بغير مئونة، ونصف العشر فيما سقى بمئونة ثقيلة كالنواضح والدواليب. قال النووي: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين. ونقل البيهقي الإجماع فيه.
كما وضحت الروايات الخمس الأولى أنه لا زكاة إلا إذا بلغ الزرع أو الثمر نصاباً وهو خمسة أوسق، وقد وضحنا الوسق والنصاب في المباحث العربية.
وقال النووي: وتضم ثمار العام الواحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب وإن اختلفت أوقاته، ولا خلاف أن ثمرة العام الثاني لا تضم إلى الأول في إكمال النصاب.
بقى في زكاة الزروع والثمار مسألتان:
стр. 2137
الأولى: أنه لو كانت الأرض مؤجرة فهل تجب الزكاة على المالك؟ أو على المستأجر؟ أو على كل منهما؟ .
قال النووي: وإذا أجر أرضه فمذهبنا أن عشر زرعها على المستأجر الزارع، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة يجب على صاحب الأرض.
ولو استعار أرضاً فزرعها فعشر الزرع على المستعير عندنا وعند العلماء كافة، وعند أبي حنيفة روايتان، أشهرهما هذا، والثانية على المعير. وهذا عجب. اهـ.
والشيخ القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة" يرى المالك والمستأجر شريكين في إخراج الزكاة (يقصد المستأجر بالنقود المحددة) ويوزع نصيب كل منهما توزيعاً جديداً أيضاً، فيقول: إيجار الأرض عشرين جنيهاً مثلاً، وأخرجت من القمح عشر أرادب، وكان الأردب يساوي خمسة جنيهات. فيكون مقدار الخارج ١٠×٥= ٥٠ جنيهاً، فإنه يخرج عن ستة أرادب فقط، والأربعة الأخرى تطرح مقابل الإيجار.
والجزء الذي طرح من نصيب المستأجر الزارع -وهو ما يقابل الأجرة من المحصول والذي أعفي من زكاته- دخل في نصيب المالك وأدى عنه الزكاة الواجبة، وهو أحق بها وأولى بأدائها من المستأجر في هذا القدر.
وهذا الرأي يميل نحو مذهب أبي حنيفة إلى حد كبير، وكل ما يرد على أبي حنيفة يرد عليه، يرد عليه محاذير أخرى لا ترد على أبي حنيفة، فأبو حنيفة حينما جعل الزكاة على المالك ربطها بنتاج أرضه وملكه، ترتفع بارتفاع ما أعطى الله، وتنخفض بانخفاضه، فتكون شكراً ونماء، وإن كانت الزيادة لم تعد على المالك حينئذ، لكنها ستعود إليه في سمعة أرضه وزيادة الرغبة فيها بخلاف هذا الرأي الجديد، فالزكاة على أجرة محددة زادت الغلة والعطية من الله للزارع أو نقصت ما دامت تبلغ نصاباً، فتحولت الزكاة بالنسبة للمالك حينئذ إلى زكاة النقود بدلاً من زكاة الزروع، فلا يقبل عقلاً ولا شرعاً حينئذ أن يدفع المالك عشر الإيجار أو نصف عشره -كما قرر صاحب الرأي- وإنما زكاته الشرعية ربع العشر إن كانت عليه زكاة في هذا المال.
أما قياس الأجرة العينية المحددة التي يتقاضاها المالك من المستأجر على المقدار غير المحدد الذي يحصل عليه المالك في المزارعة، فهو قياس فاسد، فشتان بين المقيس والمقيس عليه، شتان بين قابل للزيادة والنقص وبين ما لا يقبل.
إن أبا حنيفة لم يوجب على المالك زكاة إذا لم تخرج الأرض ما يزكى، ومقتضى هذا الرأي أن المالك يدفع زكاة ما حصل عليه من الأجرة ولو لم تخرج الأرض شيئاً، إذ لا فرق بالنسبة له بين أن تنتج الأرض أو لا تنتج.
تلك محاذير توجه إلى هذا الرأي بالإضافة إلى كل المحاذير الموجهة لأبي حنيفة، وهي كثيرة ووجيهة، ومذكورة في كتب الفروع، فمن أرادها فليرجع إليها.
стр. 2138
المسألة الثانية: الزكاة والخراج: والخراج هو ما يدفعه واضع يده على أرض ملك للدولة في مقابل الانتفاع بها لا على طريق الإجارة.
قال النووي: وتكون الأرض خراجية في صورتين.
إحداهما: أن يفتح الإمام بلدة عنوة وقهراً [أي حارب أهلها المسلمين ولم يعقدوا معهم صلحاً، بل حكم بينهم وبين المسلمين السيف وحده، فتصبح أموال البلد ملكاً وغنيمة] المفروض أن يقسمها الإمام بين الغانمين، لكنه قد يعوضهم عنها بعوض آخر، ثم يقفها على المسلمين [جميعاً، المعاصرين والذين لم يلحقوا بهم، أي تصبح ملكاً للدولة] ويضرب عليها خراجاً [نقداً أو غلة يقدر حسب طاقة الأرض، يدفعه للدولة أهل الأرض الأولون -بعد أن يقرهم الإمام عليها- في مقابل انتفاعهم واستثمارهم لها].
الثانية: أن يفتح بلدة صلحاً على أن الأرض للمسلمين [ملكاً] ويسكنها الكفار بخراج معلوم، فالأرض تكون فيئاً للمسلمين، والخراج أجرة لها، لا تسقط بإسلامهم، وكذا إذا انجلى الكفار عن بلدة، وقلنا: إن الأرض تصير وقفاً على المسلمين، يضرب عليها خراج يؤديه من سكنها، مسلماً كان أو ذمياً.
قال: وأما البلاد التي فتحت قهراً وقسمت أرضها بين الغانمين، وثبتت في أيديهم، وكذا التي أسلم أهلها عليها، والأرض التي أحياها المسلمون فكلها عشرية، وأخذ الخراج منها ظلم. اهـ.
قال صاحب المغني: لم نعلم شيئاً مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر، فإن رسول الله ﷺ قسم نصفها، فصار ذلك لأهله "الذين قسم عليهم" لا خراج عليه. وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء اهـ.
هذه الأرض الخراجية التي يدفع واضعو اليد عليها خراجاً للدولة يجب عليهم أن يخرجوا زكاة ما يخرج منها عند الجمهور.
قال النووي: اتفق الأصحاب على أن الخراج لا يسقط الزكاة، وبه قال جمهور العلماء.
قال ابن المنذر: هو قول أكثر العلماء، وممن قال به: مالك والليث وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة: لا يجتمع عشر وخراج، فلا زكاة عليها. اهـ.
وساق النووي أدلة أبي حنيفة ورد عليها بما لا يسمح به المقام.
أما زكاة الماشية: فلا تجب إلا في ثلاثة أنواع منها، هي: الإبل والبقر والغنم، لأن الأخبار وردت بإيجاب الزكاة فيها، ولأن الإبل والبقر والغنم تكثر منافعها، ويطلب نماؤها بالكبر والنسل، فاحتملت المواساة في الزكاة، ولا تجب فيما سوى ذلك من المواشي كالبغال والحمير، وفي زكاة الخيل خلاف يأتي تفصيله قريباً. وللزكاة في هذه الأنواع شرطان متفق عليهما وشرطان مختلف فيهما نعرضها بإيجاز:
стр. 2139
الشرط الأول: أن تبلغ نصاباً وقد حددت الروايات الأولى والثانية والرابعة والخامسة نصاب الإبل بخمس، وحددت رواية البخاري النصاب لكل، وما يؤخذ منها للزكاة في حديث طويل، قسمه البخاري على الأبواب كل قطعة منه في الباب المناسب، ولا خلاف بين العلماء في اشتراط هذا الشرط، فليس فيما دون النصاب زكاة بالإجماع المستند إلى الأحاديث الصحيحة.
الشرط الثاني: أن يحول الحول على النصاب، لأن ما دون الحول يحتمل المواساة ولا يعتبر صاحبه من الأغنياء، فإن نقص أثناء الحول ولو واحدة من المواشي ولو لفترة قصيرة لم تجب الزكاة. قال صاحب المهذب: فإن كان عنده نصاب فهلك منه واحد أو باعه انقطع الحول، فإن نتج له واحد أو رجع إليه ما باعه استأنف الحول، وإن نتجت واحدة ثم هلكت واحدة لم ينقطع الحول، لأن الحول لم يخل من نصاب.
وقال النووي: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن بقاء الماشية في ملكه حولاً كاملاً شرط الزكاة، فلو زال الملك في لحظة من الحول ثم عاد انقطع الحول، واستأنف الحول من حين يجدد الملك. اهـ.
وإذا كان عنده نصاب من الماشية فتوالدت أثناء الحول ضمت إلى الأمهات في الحول وعدت معها إذا تم حول الأمهات، وأخرج عنها وعن الأمهات زكاة المال الواحد، لما رواه مالك في الموطأ والشافعي بإسنادهما الصحيح عن عمر ﵁ أنه قال: "أعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يديه". وعن علي ﵁: "عد الصغار مع الكبار". ولأنه من نماء النصاب وفوائده، فلم ينفرد بالحول.
فالصغار تضم إلى الكبار في الحول، وتزكى لحولها، وتجعل كأنها موجودة معها في جميع الحول بشرطين:
أن تولد قبل تمام حول الكبار، وأن تكون الكبار بدونها نصاباً، ولا تضم للحول صغار مشتراة. هذا مذهب الشافعية. وقال أبو حنيفة: تضم الصغار إلى النصاب، سواء كانت متولدة منه أم اشتراها وتزكى بحول الكبار.
وقال مالك: إذا كان عنده عشرون من الغنم -أي دون النصاب- فولدت أثناء الحول وبلغت نصاباً زكى الجميع من حين ملك الكبار، وإن اشترى صغاراً مولودة من غير كباره لم تضم.
وعن أحمد رواية كمالك، ورواية كالشافعية.
وقال داود: لا زكاة في السخال -أي الصغار- سواء كانت تابعة أم مستقلة، ولا ينعقد عليها حول، لأن اسم الشاة لا يقع عليها غالباً.
الشرط الثالث: أن تكون سائمة، أي راعية في كلأ مباح أكثر العام، وقد ورد وصف السوم في صحيح البخاري، ولفظه: "في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين منها شاة".
وقيس الإبل والبقر في اشتراط السوم على الغنم، وما ورد من أحاديث مطلقة خالية من السوم فهو محمول على ما ورد فيه السوم حملاً للمطلق على المقيد.
стр. 2140
هذا ما قاله الجمهور، وأوجب مالك الزكاة في المعلوفة واعتبرها كالسائمة سواء بسواء عملاً بالأحاديث المطلقة، وأجاب عن الأحاديث التي ورد فيها السوم بأنها خرجت مخرج الغالب، وليس قيداً وشرطاً.
الشرط الرابع: أن لا تكون الإبل أو البقر عاملة في الحرث وسقي الزرع وحمل الأمتعة والماء، أما ما كان معداً للعمل فهو كالثياب والعبيد والدار والدابة مقصود به نفع مالكه وكفايته وحاجته، فلا زكاة فيه عند جمهور الفقهاء، وخالفهم مالك فقال بوجوب الزكاة فيها، ولم يفرق بين العاملة وغير العاملة كما لم يفرق بين السائمة وغير السائمة.
أما الخيل فلا زكاة فيها مطلقاً عند الشافعية وأبي يوسف ومحمد وأحمد وحكى عن مالك والليث أيضاً. أما أبو حنيفة فيوافق الجمهور في الخيل المعدة للركوب أو للجهاد أو للحمل، فلا زكاة عليها سواء أكانت سائمة أو غير سائمة، ويخالفهم في الخيل التي تربى للنسل والنتاج، فيوجب فيها الزكاة بشرط أن تكون إناثاً كلها، أو ذكوراً وإناثاً، أما إذا كانت كلها ذكوراً فلا زكاة فيها عنده لعدم صلاحيتها للتناسل والنمو والتكثير. ويعتبر فيها الحول دون النصاب. قال: ومالكها بالخيار، إن شاء أعطى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها.
وحجة الجمهور حديث أبي هريرة -روايتنا السابعة: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". وهو متفق عليه، فالذكور والإناث والمعد للركوب والمعد للتناسل كل ذلك يستوي في الدخول في كونه "فرسه" وما يدعيه البعض من أن قوله: "فرسه". يشعر أنه فرسه الذي يركبه ويجاهد عليه ادعاء بعيد، بل العكس هو الصحيح، فإن الفرس الذي يركبه والذي يجاهد عليه يمكن إضافته إلى وظيفته، فيقال: فرس الركوب وفرس الجهاد، ولا كذلك المعد للنسل، فليس له إلا أن يقال عنه "فرسه".
كما أن تأييد أبي حنيفة بأن ظاهر الحديث وعمومه لكل فرس غير مراد بدليل اتفاقهم على إيجاب الزكاة فيما اتخذ للتجارة من الخيل، هذا التأييد لا يفيد، لأن كل العروض التي لا زكاة فيها -ومنها الخيل- إذا استعملت في التجارة وجبت فيها الزكاة، وموطن النزاع الخيل في غير التجارة والحديث صريح في عدم وجوب الزكاة فيها.
وأما قولهم: إن السكوت عن إيجاب الزكاة فيها بلفظ صريح لا يدل على عدم الوجوب جزماً، فقد أوجب النبي ﷺ الزكاة في نقود الفضة بالنص الصريح، ولم يصح عنه في الذهب مثل ذلك، ففي هذا القول بعد شديد عن موطن النزاع، لأن الذي معنا ليس سكوتاً عن إيجاب الزكاة فيها بلفظ صريح بل الذي معنا نفي وجوب الزكاة فيها بلفظ صريح ومتفق عليه.
وأما استدلالهم بحديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال: في الخيل السائمة في كل فرس دينار. فهو لا ينهض لمقاومة الحديث الصحيح، فقد قال الدارقطني: تفرد به عورك وهو ضعيف جداً. والله أعلم.
وأما النصاب وما يؤخذ زكاة من هذه الأصناف فقد حددتها السنة النبوية قولاً وعملاً:
следующие страницы →