← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

هذا والرواية الأولى والثانية صريحتان في أنهما حديث قدسي، والرواية الثالثة والرابعة صريحتان في أنهما حديث نبوي، وقد علمنا أن الحديث القدسي والحديث النبوي كلاهما عن الله تعالى - على الصحيح - لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣، ٤] وأن الفرق بينهما -على الأصح- من جهتين: الأولى: أن الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله، والحديث النبوي لفظه من عند النبي ﷺ ومعناه من الله. الثانية: أن الحديث القدسي هو ما أضافه النبي ﷺ إلى ربه بخلاف الحديث النبوي. وبناء على ما تقدم نتساءل: هل الروايات الأربع واقعة واحدة؟ وحديث واحد؟ والاختلاف من الرواة؟ بعضهم روى باللفظ، وبعضهم روى بالمعنى؟ أو هي في واقعتين؟ . واقعة الحديث النبوي بمكة؟ وواقعة الحديث القدسي بالحديبية؟ من قال: إن سورة الواقعة كلها مكية، بما فيها قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم ... ﴾ إلى قوله: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢] وهو قول الأكثرين يلتزم أن الروايات الأربع ليست في واقعة واحدة، لأن الرواية الأولى تصرح أنها في الحديبية (أي سنة ست من الهجرة) والرواية الرابعة تصريح بأن الحديث مع نزول الآية. أما على القول باستثناء هذه الآيات من سورة الواقعة، وجعلها مدنية فيمكن اعتبار الروايات الأربع في الحديبية، والاختلاف من الرواة. والله أعلم

стр. 247

(٤٣) باب حب الأنصار من الإيمان ١٣١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "آية المنافق بغض الأنصار. وآية المؤمن حب الأنصار". ١٣٢ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "حب الأنصار آية الإيمان. وبغضهم آية النفاق". ١٣٣ - عن البراء ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق. من أحبهم أحبه الله. ومن أبغضهم أبغضه الله". ١٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر". ومثله. -[المعنى العام]- إذا كانت النصرة في الحق تغرس المحبة، وإذا كان إيواء المهاجر يثبت الفضل والمنة، وإذا كان الدفاع عن الدين في وقت ضعفه وشراسة أعدائه كالقبض على الجمر، وإذا كان بذل النفس والمال في سبيل الدعوة الإسلامية عنوان محبة الله ورسوله، فإن الأوس والخزرج الذين أسلموا، وبايعوا ليلة العقبة واستقبلوا المهاجرين بالمودة، وآووهم، وأشركوهم إياهم في أموالهم، بل تنازلوا لهم عن بعض نسائهم وتآخوا وإياهم أخوة أقوى من أخوة نسبهم، إن هؤلاء أجدر الناس بمحبة من يحب الله ورسوله، وهم أحق المخلوقات بحب من يحب الإسلام فحبهم علامة على حب رسول الله ﷺ ، لأنه ﷺ كان يحبهم وكان يقول لهم: "اللهم أنتم من أحب الناس إلي" ويقول: "لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم" ويقول: "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار".

стр. 248

نعم، قوم آووه ﷺ ونصروه، وتبوءوا الدار والإيمان وأحبوا من هاجر إليهم، ولم يجدوا في صدورهم حاجة مما أوتوا، وآثروا المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكانوا حماة الدعوة الإسلامية وبذلوا في سبيلها أرواحهم ودماءهم. قوم بهذه الصفة لا يبغضهم إلا منافق ولا يحبهم إلا مؤمن، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله، ولا تجد رجلا يبغض الأنصار بصفتهم الأنصار وهو مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، بل إن نطق بالشهادتين وهو بهذه الحالة فهو منافق، لأن علامة الإيمان حب من يحبه الله ورسوله ﷺ . فاللهم اغرس في قلوبنا محبتهم، وارض عنا وعنهم. واحشرنا في زمرتهم، زمرة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. -[المباحث العربية]- (آية المنافق بغض الأنصار) الآية العلامة، والبغض مصدر مضاف لمفعوله، والأصل: بغضه الأنصار، والأنصار جمع ناصر كأصحاب جمع صاحب، أو جمع نصير، كأشراف جمع شريف، واللام فيه للعهد، أي أنصار رسول الله ﷺ ، والمراد بهم الأوس والخزرج، وكانوا يعرفون بابني قيلة بقاف وياء مفتوحتين، وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول الله ﷺ الأنصار، فصار علما عليهم، وأطلق أيضا على أولادهم وخلفائهم ومواليهم. (حب الأنصار آية الإيمان) وفي رواية لأحمد "حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق". -[فقه الحديث]- قدمنا أن من علامات الإيمان وحلاوته أن يحب المؤمن أخاه لا يحبه إلا لله، فحب المؤمن من الإيمان، ولا شك أن الأنصار داخلون في ذاك الحب بل في مقدمته، لكنهم مع دخولهم في هذا العموم خصوا بهذا الحديث، وبهذا التخصيص، زيادة في الاعتناء بهم، والاهتمام بشأنهم، لمزيد فضل لهم. قال الحافظ ابن حجر في سر هذا التخصيص: وخصوا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي ﷺ ومن معه والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق تنويها بعظيم فضلهم وتنبيها على كريم فعلهم وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركا لهم في الفضل المذكور، كل بقسطه. اهـ. والذي يظهر لي أن السر في هذا التخصيص هو خوف الرسول ﷺ من أن ينسى الناس بعده فضل الأنصار، وخصوصا بعد أن يحظى المهاجرون بالخلافة، وبعد أن تأخذ قريش مركزها في الإسلام.

стр. 249

يؤيد هذا وصاياه ﷺ للأنصار إذ قال لهم: "جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار إنكم لأعفة صبر، وإنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض". ويروي البخاري في وصيته ﷺ بالأنصار "أن أبا بكر والعباس ﵄ مرا بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال [العباس أو أبو بكر] ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا [أي ذكروا مجالسهم معه- وكان ذلك في مرض موته ﷺ فخشوا أن يموت من مرضه، فيفقدوا مجلسه] فدخل [أبو بكر أو العباس] على النبي ﷺ ، فأخبره بذلك. قال فخرج النبي ﷺ ، وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي [أي بطانتي وخاصتي] وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم". "أيها الناس: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم". واشتمل الحديث على شقين: الأول: أن حب الأنصار علامة الإيمان والثاني: أن بغض الأنصار علامة النفاق. وقد ورد على الشق الأول أن ظاهره يفيد أن من أحب الأنصار كان مؤمنا ولو لم يصدق الرسول ﷺ بقلبه، لأن علامة الإيمان إذا وجدت وجد الإيمان، مع أن هذا الظاهر غير مراد. ويجاب على هذا الإيراد بأن حب الأنصار حبا حقيقيا من هذه الحيثية أعني من حيثية كونهم ناصروا رسول الله ﷺ لا يكون إلا ممن صدق وآمن برسول الله ﷺ . وقيل في الجواب: إن الحديث قد خوطب به من يظهر الإيمان، أما الكافر فلا يطلب منه حب الأنصار، لأنه مرتكب بكفره ما هو أشد من بغضهم، والجواب الأول أدق. وورد على الشق الثاني أن ظاهره يفيد أن من أبغض الأنصار كان منافقا وإن صدق وأقر. وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذا الإيراد فقال: إنه محمول على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة- وهي كونهم نصروا رسول الله ﷺ أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق، ويقرب هذا الحمل زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم". ثم قال: ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير. فلا يراد ظاهره. اهـ. وهل المطلوب في الحديث حب جميع الأنصار أو حب المجموع الذي لا يضره بغض فرد أو أفراد؟ الظاهر أننا إذا أردنا الحب المنبعث عن النصرة كان المطلوب حب كل واحد منهم أي جميعهم، إذ بغض أي منهم من هذه الجهة ممنوع شرعا.

стр. 250

أما إذا أردنا مطلق الحب بغض النظر عن هذه الجهة فإن المطلوب حب مجموعهم، وفي ذلك يقول ابن التين: المراد حب جميعهم وبغض جميعهم، لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن بغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له فليس داخلا في ذلك. اهـ وهو تقرير حسن. وفي ختام الموضوع نسوق عبارة النووي في شرحه إذ قال: ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي ﷺ ، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارا للإسلام، ثم أحب الأنصار لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه، لسروره بظهور الإسلام، والقيام بما يرضي الله ورسوله ﷺ ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته. والله أعلم

стр. 251

(٤٤) باب حب علي من الإيمان ١٣٥ - عن عدي بن ثابت، عن زر، قال: قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي "أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق". -[المعنى العام]- علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- ابن عم النبي ﷺ ، ولد قبل البعثة بعشر سنين ولازم النبي ﷺ من صغره. ونام مكانه ليلة الهجرة معرضا حياته لخطر المشركين، من أجل الإسلام، ومن أجل رسول الله ﷺ ، وتزوج ابنته فاطمة الزهراء ﵂، فنال حب النبي ﷺ ، وحب الله تعالى بالمبالغة في اتباع دينه، حتى قال عنه ﷺ "إن عليا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك". ولهذا كانت محبته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، وقد عاش -كرم الله وجهه - حتى رأى مخالفيه، وشاهد كثرة معارضيه، وأحس ببغض مبغضيه، وحاول وحاول أصحابه جمع الكلمة، ودعوة المسلمين للالتفاف حوله، بتذكيرهم بمناقبه وفضله، بهذا الحديث وبأمثاله، ولكن الغوغاء كانوا أكثر فعالية، وتيار الفتنة كان أشد تأثيرا، فلم تثمر العظة، ولم تغن النذر، وانحدر بعض من ينتسبون إلى الإسلام إلى اتهامه وطعنه، وتآمروا على اغتياله وقتله، ثم زادوا فحكموا بكفره، وأعلنوا على المنابر التشهير به ولعنه. نكثوا عهد النبي ﷺ ونقضوا وصاياه، وحاربوا حبيبه، وعادوا من فتح الله على يديه خيبر. وقد روى البخاري أن رجلا من الخوارج سأل ابن عمر عن علي فقال له: لا تسأل عن علي، ولكن انظر إلى بيته: بيته أوسط بيوت النبي ﷺ وذكر محاسن عمله، ثم قال له: لعل ذلك يسوؤك؟ قال الرجل: أجل، فإني أبغضه، فقال له ابن عمر: أبغضك الله، وأرغم بأنفك. انطلق فاجتهد على جهدك، أي ابلغ غايتك، واعمل ما في استطاعتك لبغضي أنا الآخر، فإن الذي قلته لك هو الحق الواجب على المسلم. رضي الله عن علي والمهاجرين والأنصار، وأصحاب رسول الله ﷺ ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

стр. 252

-[المباحث العربية]- (عن زر) زر بن حبيش من المعمرين، أدرك الجاهلية، ومات سنة اثنتين وثمانين، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وهو كوفي. (والذي فلق الحبة) يقسم علي بالله الذي شق الحبة وأخرج منها النبات. (وبرأ النسمة) "برأ" بمعنى خلق، والنسمة هي الإنسان، وقيل: هي النفس. (إنه لعهد النبي ﷺ إلي) اسم "إن" ضمير الحال والشأن، و"عهد" مبتدأ، و "إلي" جار ومجرور متعلق بعهد. (أن لا يحبني إلا مؤمن) "أن" حرف مصدري ونصب و"لا" نافية والفعل منصوب بأن و"إلا" ملغاة و"مؤمن" فاعل "يحب" والمصدر المنسبك من "أن" والفعل خبر "عهد" وجملة المبتدأ والخبر خبر "إن" والتقدير: إن الحال والشأن عهد النبي ﷺ عدم حب غير المؤمن لي وبرفع النفي والاستثناء يكون المعنى: عهد النبي ﷺ إلي حب المؤمن لي. (ولا يبغضني إلا منافق) "يبغضني" بضم الياء من أبغض الرباعي، والفعل منصوب عطفا على "يحبني". وصيغة العهد الصادرة عن الرسول ﷺ أنه قال لعلي: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. فحول علي - كرم الله وجهه- الرواية من أسلوب الخطاب إلى المتكلم والمعنى واحد. -[فقه الحديث]- لم يرد في حق أحد من الصحابة مثل ما ورد في مناقب علي -كرم الله وجهه- لا لزيادته على أبي بكر مثلا في الفضائل، فقد سئل النبي ﷺ عن أحب الناس إليه فقال: أبو بكر، وورد عنه قوله: "لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا". ولكن السبب في كثرة ما ورد بالأسانيد الصحيحة في حق علي، ويرجع إلى أن النبي ﷺ كان يخشى عليه مما وقع له من بعده - وهذا علم من أعلام النبوة- وأعلام النبوة لا شك فيها، فقد أخبر عن الفتن ووقعت كما أخبر ﷺ ، فكأنه ﷺ علم بطريق الوحي أن عليا سيخرج عليه كثير من المسلمين، وسيتهمونه بما هو منه بريء، فدعا ﷺ إلى محبته، وحذر من بغضه - كرم الله وجهه- وساعد على انتشار ما ورد تأخر حياة علي، وحرص شيعته على الرفع من شأنه وتعصبهم له في مقابل تعصب مخالفيه ضده.

стр. 253

ويروي التاريخ أن عليا -كرم الله وجهه- قد اتهم بالتقاعس عن نصرة عثمان ﵁ ثم اتهم بإيواء قتلته، وعدم القصاص منهم، وحورب في موقعة الجمل وصفين وغيرهما، وزاد الخطب بخروج الخوارج عليه فبغضوه، بل كفروه، ثم بلغ العنت والطغيان ببني أمية وأتباعهم أن اتخذوا لعنه على المنابر سنة. ذلك التيار المنحرف الضال بعث في أهل السنة التمسك بما ورد من فضائله وإبراز الأحاديث الداعية إلى حبه المحذرة من بغضه. نعم بالغ بعض شيعته في حبه وتقديسه، نتيجة لمبالغة مخالفيه في عداوته وتحقيره وإهانته، والتطرف يخلق التطرف -كما يقولون- فرفعوه إلى درجة النبوة، بل إلى ما هو أعلى من النبوة، ووضعوا في الأحاديث ما ليس منها وأدخلوا في معتقداتهم ما هو كفر صريح. والواجب على المسلم إزاء هذه الفتن أن يحب الإمام عليا ﵁ كرم الله وجهه وأن يمسك عن الخوض فيما وقع من فتن وحروب. وبغض علي والصحابة إن كان من جهة نصرتهم لرسول الله، وحمايتهم لدين الله، فهو كفر لا شك فيه، ونفاق لا مراء فيه، وعليه يحمل الحديث كما مر في حب الأنصار: أما إن كان من غير هذه الجهة، بل من أمر طارئ اقتضى المخالفة، فلا يحكم على صاحبه بالكفر ولا بالنفاق، وعلى هذا الوضع الأخير يحمل ما كان من الصحابة، بعضهم مع بعض في اختلافهم، وفي حروبهم التي وقعت بينهم، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق. نعم الخوارج الذين كفروه يستحقون أن يكفروا، وبكفرهم قال كثير من المتكلمين. وأما مبغضوه ولاعنوه على المنابر فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

стр. 254

(٤٥) باب كفران العشير ١٣٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال "يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار. فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقالت امرأة منهن، جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال "تكثرن اللعن وتكفرن العشير. وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن" قالت: يا رسول الله! وما نقصان العقل والدين؟ قال "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. فهذا نقصان العقل. وتمكث الليالي ما تصلي. وتفطر في رمضان. فهذا نقصان الدين". مثله. مثله. -[المعنى العام]- كان ﷺ يتعهد النساء بالموعظة كما يتعهد الرجال، وكثيرا ما كان يذكرهن باعوجاجهن وأمراضهن ويطلب منهن تحصين أنفسهن وعلاج دائهن، ففي يوم الأضحى أو الفطر قال لهن: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها. وتروي أسماء بنت يزيد -خطيبة النساء- أن رسول الله ﷺ خرج إلى النساء، وهي معهن، فقال: يا معشر النساء. إنكن أكثر حطب جهنم. قالت: فناديت رسول الله ﷺ وكنت عليه جريئة - لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير.

стр. 255

كما كان يصف خلقهن للصحابة ليقوموا اعوجاجهن، وينصحوهن باعتبارهم قوامين عليهن، فقد روي أنه ﷺ بعد صلاة الكسوف قال لأصحابه: أريت النار في عرض هذا الحائط، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن. قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط. والحديث الشريف في مجمله يدعو النساء إلى التخلي عن بذاءة اللسان ونكران الجميل، والتحلي بالصدقة والاستغفار لعل الحسنات يذهبن السيئات. ويكشف لهن أن الله بحكمته قد جعل فرص عبادة النساء أقل من فرص عبادة الرجال، وأن مجال إكثار الحسنات لدى الرجال أفسح من مجاله لدى النساء، فعليهن أن يعوضن ما فقدن بالطبيعة، وأن يحسن استغلال ما هيئ لهن ليكن من أهل الجنة، وينجون من النار. -[المباحث العربية]- (يا معشر النساء) المعشر الجماعة الذين أمرهم واحد، لهم صفة واحدة مشتركة بينهم تجمعهم، فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والنساء معشر، ونقل عن ثعلب أنه مخصوص بالرجال، وهذا الحديث يرد عليه. (فإني رأيتكن أكثر أهل النار) الفاء للتعليل، و"رأى" إن كانت علمية تتعدى إلى مفعولين و"أكثر" مفعولها الثاني، وإن كانت بصرية تتعدى إلى مفعول واحد و"أكثر" منصوب على الحال، ولا يضر إضافته إلى معرفة بناء على أن "أفعل" لا يتعرف بالإضافة. والخطاب في "رأيتكن" ليس المقصود به سامعات الحديث، حتى يحكم عليهن بدخول النار، فقد يكن كلهن من أهل الجنة، وإنما المقصود خطاب المنادى "معشر النساء" فكأنه قال: فإني رأيت معشر النساء أكثر أهل النار والمرئي في النار من النساء من اتصف بالصفات الذميمة، يؤيد ذلك ما وقع في حديث جابر، ولفظه "وأكثر من رأيت فيها من النساء اللاتي إن اؤتمن أفشين، وإن سئلن بخلن، وإن سألن ألحفن، وإن أعطين لم يشكرن". (فقالت امرأة منهن جزلة) بفتح الجيم وسكون الزاي، أي ذات عقل ورأي و"منهن" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة "امرأة" و"جزلة" صفة أخرى، وكان الأولى في الأسلوب أن تقدم الصفة المفردة على شبه الجملة فيقال: فقالت امرأة جزلة منهن. (وما لنا أكثر أهل النار؟ ) "وما لنا" مبتدأ وخبر، والواو للاستئناف و"أكثر" منصوب على الحال المقدرة، والتقدير: وأي شيء حصل لنا مقدرا لنا الكثرة في النار؟ (تكثرن اللعن) اللعن في اللغة الإبعاد والطرد، وفي الشرع الإبعاد من رحمة الله، والمقصود الإكثار من ألفاظ الدعاء على الغير بقصد أو بغير قصد، بسبب أو بغير سبب كاف.

стр. 256

(وتكفرن العشير) ضمن "تكفرن" معنى "تجحدن" فعدى بنفسه، وأصله يتعدى بالباء، والعشير هو الخليط من المعاشرة، وكثر إطلاقه على الزوج لكثرة مخالطته الزوجة، وهو المراد هنا، وفي الكلام مضاف محذوف، والتقدير: تكفرن وتجحدن وتغطين إحسان الزوج وفضله. (وما رأيت من ناقصات عقل ودين) "من" زائدة و"ناقصات" مفعول "رأيت" الأول ومفعولها الثاني "أغلب لذي لب". والعقل قوة يميز الإنسان بها بين حقائق المعلومات. (أغلب لذي لب منكن) أي ما رأيت أشد غلبة لذوي العقول منكن، وفي رواية البخاري "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" وهذا من جملة أسباب كونهن أكثر أهل النار، لأنهن إذا كن سببا لإذهاب عقل الرجل الحازم، حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغي، فقد شاركنه في الإثم وزدن عليه، واللب أخص من العقل، إذ هو الخالص منه والكامل فيه. (وما نقصان العقل والدين؟ ) "ال" في "العقل والدين" للعهد أو عوض عن المضاف إليه، والتقدير: وما نقصان عقلنا وديننا؟ قال الحافظ ابن حجر: كأنه خفي عليهن ذلك حتى سألن عنه، ونفس هذا السؤال دال على النقصان، لأنهن سلمن ما نسب إليهن من إكثار اللعن وكفران العشير، ثم استشكلن كونهن ناقصات. والسؤال عن مظاهر وأدلة نقصان عقلهن ودينهن. (أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد) "أما" حرف شرط وتفصيل، وفي رواية البخاري "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى". (فهذا نقصان العقل) أي فهذا لضعف الضبط المنبئ عن نقصان العقل. (وتمكث الليالي ما تصلي) فيه اكتفاء والأصل: وتمكث الليالي والأيام والمقصود بها ليالي الحيض وأيامه. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في رؤيته ﷺ النساء أكثر أهل النار، هل هي رؤية عين في اليقظة؟ أو رؤية منام؟ أو رؤية علمية؟ . المختار أنها رؤية عين في اليقظة. لكن هل رأى ﷺ النار فعلا على حقيقتها، ورفعت له الحجب وطويت المسافات؟ أو مثلت له؟ ومتى وقع هذا؟ . قال بعضهم إنه ﷺ رأى النار فعلا ليلة الإسراء، ولا إحالة في هذا على مذهب أهل السنة القائلين بأن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، ولا إحالة في أن يخلق الله في نبيه ﷺ إدراكا خاصا به يدرك به الجنة والنار على حقيقتهما.

стр. 257

ويبعد هذا القول أن الرؤية متعلقة بالنساء، وأنهن أكثر أهل النار، وأهل السنة مع قولهم بوجود النار الآن لا يقولون بدخول أهلها فيها إلا بعد البعث والحساب، فرؤية النساء في النار بعيد أن تكون على الحقيقة. والمختار أنها مثلت له ﷺ ، ويؤيده حديث أنس في البخاري "لقد عرضت على الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي" وفي رواية "لقد مثلت" وفي رواية لمسلم "لقد تصورت". وقد وردت رؤيته ﷺ الجنة والنار في صلاة الكسوف ووردت في الإسراء، ووردت في صلاة الظهر، قال الحافظ ابن حجر: ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين بل مرارا على صور مختلفة. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على الصدقة، ويشتد استحبابها في الأعياد، وفي الكرب والشدائد، وعقب المعاصي. ٢ - وأن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتخفف عقاب الذنوب، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]. ٣ - وأنها قد تكفر الذنوب التي بين المخلوقين، لأن في إكثار اللعن وكفران العشير حقوقا للعباد. ٤ - وأن كفران العشير وجحد الإحسان من الكبائر، فإن التوعد بالنار علامة أن المعصية كبيرة. ٥ - وأن المعاصي تسمى كفرا كما أن الطاعات تسمى إيمانا. قال النووى: ويؤخذ من ذلك صحة تأويل الكفر في الأحاديث المتقدمة على ما تأولناها، قال ابن العربي ما حاصله: وخص الحديث إنكار إحسان الزوج بالكفر من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله ﷺ : "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها - وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية - كان ذلك دليلا على تهاونها بحق الله، فلذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يخرج عن الملة. اهـ. ٦ - قال النووي: وفيه أن اللعن أيضا من المعاصي الشديدة القبح، وليس فيه أنه كبيرة، فإنه ﷺ قال: تكثرن اللعن، والصغيرة إذا أكثرت صارت كبيرة، واتفق العلماء على تحريم اللعن، فلا يجوز لعن أحد بعينه، مسلما كان أو كافرا، أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه، كأبي جهل وإبليس، وأما اللعن بالوصف فليس بحرام، كلعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله والظالمين والفاسقين والكافرين، وغير ذلك مما جاءت النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان. اهـ بتصرف. ٧ - وفيه نقصان عقل المرأة عن الرجل، وقد نبه الله تعالى على ضعف ضبط المرأة لحقائق الأمور بقوله: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 258

وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهن على ذلك، لأنه من أصل الخلقة، لكن المقصود التنبيه على ذلك للتحذير من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره، لا على النقص. ٨ - وأن الطاعات تسمى دينا، فقد وصف ﷺ نقص الطاعات بنقص الدين، قال النووي: وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه. ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به، كترك الحائض الصلاة والصوم. وتساءل النووى: هل تثاب الحائض على الصلاة في زمن الحيض، وإن كانت لا تقضيها، كما يثاب المريض والمسافر، ويكتب له في مرضه وسفره مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته وحضره؟ . وأجاب بأن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب، والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها. والحائض ليست كذلك بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة في زمن الحيض فنظيرها مسافر أو مريض كان يصلي النافلة في وقت، ويترك في وقت، غير ناو الدوام عليها، فهذا لا يكتب له في سفره ومرضه بالنسبة للزمن الذي لم يكن يتنفل فيه. اهـ. ٩ - وفيه أن منع الحائض من الصوم والصلاة كان ثابتا بحكم الشرع قبل هذا المجلس. ١٠ - وفيه أن من خلق المرأة الشاذ كثرة اللعن وإنكار الجميل. وقد أوضحت رواية البخاري مدى كفرانها للنعمة، وإصرارها على هذا الجحود إذ قال ﷺ "لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط". وليس معنى هذا أن كل امرأة بهذه الصفة، بل الحكم للغالب والكثير وما هو الشأن، فلا ينافي وجود نساء مثاليات في عفة اللسان وفي الوفاء وشكر الجميل. ١١ - وفيه الإغلاظ في النصح لقصد إزالة الصفة الذميمة، فإن استتباع طلب الصدقة والاستغفار بهذه الأوصاف تغليظ وتحذير. ١٢ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أنه لا يواجه الشخص المعين بما فيه من صفة يعاب عليها، لأن في التعميم تسهيلا على السامع. اهـ. وكأنه يعني أن النبي ﷺ كان من عادته وحكمته إعطاء النصح اللائق بالمخاطب، وبذل هذه النصيحة لأولئك النسوة دليل على أن فيهن من هي بهذه الصفة، فلم يوجه إليها النصح، وساق الكلام على الأسلوب العام سترا لها وكرما. ١٣ - وفيه أن النساء أكثر أهل النار.

стр. 259

١٤ - وفيه وعظ الإمام وأصحاب الولايات وكبراء الناس رعاياهم وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم على الطاعات. ١٥ - وفيه جواز عظة الرجل للنساء وتعليمه لهن أحكام الإسلام وتذكيره لهن بما يجب عليهن، ومحل ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة. ١٦ - وفيه جواز خروج النساء لمجالس العلم، ومحله إذا أمنت الفتنة والمفسدة. ١٧ - وفيه جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين من مالها، كالثلث، خلافا لبعض المالكية، إذ لم ينقل أن أزواجهن كانوا حضورا وصرحوا لهن بالصدقة. ١٨ - وفيه جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان الطالب غير محتاج. ١٩ - وفيه جواز إطلاق "رمضان" من غير إضافة إلى الشهر، وإن كان الاختيار إضافته. ٢٠ - وفيه مراجعة المتعلم للعالم، والتابع للمتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه. ٢١ - وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من الخلق العظيم، والصفح الجميل، والرفق بمن يراجعه. والله أعلم

стр. 260

(٤٦) باب سجود ابن آدم يغيظ الشيطان ١٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي. يقول: يا ويله. (وفي رواية أبي كريب يا ويلي). أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة. وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار". ١٣٧ - وعن الأعمش بهذا الإسناد مثله غير أنه قال "فعصيت فلي النار". -[المعنى العام]- إن الشيطان للإنسان عدو مبين، منذ أن خلق الله آدم أبا البشر، ونفخ فيه من روحه وأمر ملائكته بالسجود، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، ومنذ ذلك الحين وهو مسلط ببني آدم، يعدهم ويمنيهم، ويزين لهم ويغويهم، ويأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ليشاركوه معصية الرب الكريم، فتمتلئ جهنم منه وممن اتبعه منهم أجمعين. إن عدوه الأكبر هو المسلم الذي يتجه إلى ربه بالعبادة، بل إن الذي يرغم أنفه هو المسلم الذي يقرأ القرآن، وكلما وسوس له ليثنيه عن القراءة ازداد فيها، وكلما ذكره بأمور ينساها ليخرجه عن الإخلاص والتوجه طارده واستغرق في مناجاة ربه، والتفكر والتدبر في معانيها، وهكذا تظل المعركة مستمرة، والمجاهدة مشتدة، حتى إذا وصل المسلم في قراءته إلى آية سجدة فسجد خنس الشيطان وانهزم، وانعزل في جانب بعيد من المكان، يندب حظه ويبكي على خسارته، ويتحسر على حاله ومصيره، يندب كما تندب الثكلى، ويعض على أصابع الندم، ويقول: يا ويلتاه. يا مصيبتاه واحسرتاه، واكارثتاه. هذا هو المؤمن أغلبه فيغلبني، وأزين له فيعرض عني، وأدعوه فيرفض دعوتي، وأصادقه فيعاديني، هذا هو المؤمن يقرأ القرآن، رغم أنفي ويستجيب لربه ويسجد لآية السجدة ويعصيني. واحسرتاه، لقد أفلت مني ولم يعد من شيعتي، لقد تخلص من حبائلي ونجا من خديعتي وأصبح من أهل الجنة. واحسرتاه واحسرتاه مرتين، مرة لفشلي في محاولتي، ومرة لوقوعي أنا في المعصية الماحقة، وتكبري على أوامر ربي، مرة لاستحقاقه الجنة، ومرة للحكم علي بالطرد والإبعاد من رحمة الله. فهنيئا للمؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون.

стр. 261

-[المباحث العربية]- (إذا قرأ ابن آدم السجدة) المراد من ابن آدم المؤمن، فهو من العام المراد به مخصوص، وفي الكلام مضاف محذوف، والتقدير: إذا قرأ ابن آدم آية السجدة. (اعتزل الشيطان يبكي) المفعول محذوف، أي اعتزل الشيطان ابن آدم أو الفعل لازم، أي صار الشيطان في عزلة وبعد عن ابن آدم، وجملة "يبكي" في محل النصب على الحال. وهل الاعتزال والبكاء حقيقة؟ أو مجاز عن الخيبة والتحسر؟ قولان وجيهان. (يا ويله) "يا" حرف ندبة، و"ويل" مندوب متوجع منه، وله حكم المنادى، وأصل المقول من الشيطان: يا ويلي بإضافة الويل إلى ياء المتكلم كما صرح به في الرواية الثانية. قال النووي: وهذا التعبير من آداب الكلام، وهو أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء، واقتضت الحكاية رجوع الضمير إلى المتكلم صرف الحاكي الضمير عن نفسه صونا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه. -[فقه الحديث]- ظاهر الحديث أن المراد بالشيطان إبليس، لأنه أمر بالسجود فأبى، لكن يبعد هذا الظاهر استحالة قيام إبليس واحد بإغواء جميع الناس، فكان المقصود بالشيطان أحد جنود إبليس وقوله "أمرت بالسجود" يعني أمر أبوه الأكبر به. وليس اعتزاله مستمرا، مجانبة للمؤمن وخصاما، بل هو مؤقت، نفورا من المؤمن المطيع وانزعاجا من السجود لله، ثم لا يلبث أن يعود موسوسا. وقد احتج أصحاب أبي حنيفة بقوله: "أمر ابن آدم بالسجود" على أن سجود التلاوة واجب على التالي والسامع، ومذهب مالك والشافعي أنه سنة. وأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة منها: أن تسمية هذا أمرا إنما هو من كلام إبليس، فلا حجة فيها، ولا يقويها أن النبي ﷺ حكاها، فقد حكي غيرها من أقوال الكفار وهي باطلة. وأن المراد بالأمر أمر الندب لا أمر الإيجاب. وقد روي أن عمران بن حصين مر بقارئ يقرأ آية سجدة، فمضى عمران ولم يسجد معه. وروى البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة آية سجدة فسجد وسجد الناس، حتى إذا

стр. 262

كانت الجمعة القابلة قرأ بها ثم قال: يا أيها الناس. إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁. وروي عن ابن عمر قوله: إن الله لم يفرض السجود إلا إن شاء. هذا، والمحقق في علاقة هذا الحديث بكتاب الإيمان وزيادته ونقصانه وبباب إطلاق اسم الكفر على المعاصي -كما في الحديث الذي قبله والحديث الذي بعده - المحقق في علاقته بما نحن فيه يجدها ضعيفة. ولا يجدي في هذا الربط محاولة الإمام النووي وقوله: مقصود مسلم ﵀ بذكر هذا الحديث هنا أن من الأفعال ما تركه يوجب الكفر إما حقيقة وإما تسمية، فأما كفر إبليس بسبب السجود فمأخوذ من قول الله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ [البقرة: ٣٤]. لا تجدي هذه المحاولة لأن الحديث لا دلالة فيه على إطلاق لفظ الكفر على تارك السجود، وخصوصا أن المقارنة جاءت مع سجود التلاوة المختلف في وجوبه وندبه. والله أعلم

стр. 263

(٤٧) باب بين المسلم والكفر ترك الصلاة ١٣٨ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". ومثله. -[المعنى العام]- الصلاة عماد الدين، وأفضل الأعمال الصلاة لوقتها، وما افترض الله على خلقه بعد التوحيد أحب إليه من الصلاة، ولذا يقول ﷺ "وجعلت قرة عيني في الصلاة". وإذا كان فضل الصلاة بهذه المنزلة كان تركها من أكبر الكبائر، فما عظم ثواب فعله عظم عقاب تركه، وقد قرن الله الصلاة بالتوحيد في كثير من آيات القرآن، وجعلها أول الشعائر الإسلامية، فهو يقول جل شأنه: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥]. ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣]. ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ [الأعراف: ١٧٠]. ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ [إبراهيم: ٣١]. ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤]. كما قرن الرسول ﷺ الصلاة بالشهادتين في أحاديثه الكثيرة كقوله ﷺ "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ... ". وقد بلغ من اهتمام الشارع بالصلاة أن جعلها الفارق بين المسلم والكافر، لأنها العلامة الواضحة المعلنة عن إسلام المرء في كل يوم، فالشهادتان يكتفى فيهما بالنطق مرة واحدة في العمر مع دوام التصديق، فيحكم بإسلام المسلم إذا نطق، ولا يعرف استمراره على الإسلام إلا بالصلاة، والصلاة وحدها لأن الصوم بين العبد وربه، والزكاة قد يتصدق بها من لا يؤمن بالله وبرسوله جودا وكرما، ثم إنها مرة كل عام، ولأن الحج على المستطيع مرة في العمر، وكان المشركون يقومون بأعماله تقديسا للكعبة والمسجد الحرام. فلم يبق علامة على استمرار إسلام المسلم من بين سائر الأركان إلا الصلاة، ولذا يجعلها الرسول

стр. 264

صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الفارق والحائل بين المسلم وبين الشرك والكفر، فيقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، فالذي يمنع من الكفر عدم ترك الصلاة، فإذا تركت لم يبق حائل بين المرء وبين الكفر، فيدخل في الكفر. بل جعل الإسلام عدم النشاط لها والكسل فيها مظهرا من مظاهر المنافقين، فيقول تعالى: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ [النساء: ١٤٢]. هذه مكانة الصلاة في الإسلام، فأين المسلمون اليوم من دينهم؟ وأين أولياء الأمور من قوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ [طه: ١٣٢]؟ فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ووفق المسلمين للعودة إلى الطريق المستقيم. -[المباحث العربية]- (بين الرجل) أي بين المسلم رجلا كان أو امرأة. (وبين الشرك والكفر) أي بينه وبين أن يصل إلى الشرك والكفر، كما نقول: بيني وبين المسجد خطوتان، فالخطوتان توصلان إلى المسجد. وكذلك الذي يوصل المسلم إلى الكفر ترك الصلاة، وفي رواية أبي نعيم "بين الرجل وبين الشرك أو الكفر" بأو بدل الواو؟ . والشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وقد يخص الشرك بعبادة الأوثان وعبادة غيرها من المخلوقات مع الاعتراف بالله تعالى: ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك، فإنه يشمل الموحد الذي يكفر بمحمد ﷺ ، أو ينكر ما علم من الدين بالضرورة. (ترك الصلاة) أي الصلوات الخمس المفروضة. -[فقه الحديث]- تارك الصلاة منكرا لوجوبها كافر بإجماع المسلمين، خارج عن ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه. وأما تارك الصلاة تكاسلا مع اعتقاد وجوبها -كما هو حال كثير من الناس- ففيه خلاف بين العلماء. فذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهذا القول مروي عن علي -كرم الله وجهه- وهو أحد روايتين عن أحمد بن حنبل، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وهم يحتجون بظاهر الحديث.

стр. 265

وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يكفر، ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي. واحتجوا بقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وليس منهم تارك الصلاة. وذهب مالك والشافعي وجماهير السلف والخلف إلى أنه لا يكفر، بل يفسق ويستتاب، فإن تاب فبها ونعمت، وإلا قتلناه حدا، كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. واحتجوا على عدم كفره بما احتج به أبو حنيفة، وبقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] وبقوله ﷺ "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" و"من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" و"لا يلقى الله تعالى عبد بها غير شاك فيحجب عن الجنة". واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: ٥] وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم". وتأولوا قوله ﷺ "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر، وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو معناه أنه قد يؤول به ترك الصلاة إلى الكفر، أو أن فعله يشبه فعل الكفار. حكاه النووي رحمه الله تعالى. والله أعلم

стр. 266

(٤٨) باب أفضل الأعمال: الإيمان - الجهاد - الحج - والعتق مساعدة الصانع والأخرق - الكف عن الشر ١٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال "إيمان بالله" قال: ثم ماذا؟ قال "الجهاد في سبيل الله" قال: ثم ماذا؟ قال "حج مبرور". وفي رواية محمد بن جعفر قال: "إيمان بالله ورسوله". ١٤٠ - عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله" قال قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال "أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا" قال قلت: فإن لم أفعل؟ قال "تعين صانعا أو تصنع لأخرق" قال قلت: يا رسول الله! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال "تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك". ١٤١ - وعن أبي ذر عن النبي ﷺ بنحوه غير أنه قال "فتعين الصانع أو تصنع لأخرق". -[المعنى العام]- لما دخل الإيمان قلوب الصحابة، وامتزج بأرواحهم ودمائهم أخذوا يتنافسون على عمل الصالحات، ويسألون رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال التي تقرب من الجنة وتباعد من النار، بل التي ترفع الدرجات وتقرب من الله، ليصعدوا في سلم الكمال، وليصلوا إلى أرفع المنازل. فهذا أبو ذر يسأل رسول الله ﷺ فيقول: يا رسول الله أي الصالحات أفضل عند الله؟ قال ﷺ : أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله إيمانا بالغا حد الجزم لا يخالطه شك ولا يساوره قلق. قال: يا رسول الله ثم أي الأعمال أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ قال: الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن الإسلام بالنفس والمال قال: ثم أي الأعمال أفضل بعد الجهاد في سبيل الله؟ قال: الحج

стр. 267

المبرور والمتقبل، الخالي من اللغو والرفث والفسوق والجدال قال: يا رسول الله، من كانت عنده رقاب يريد أن يعتق منها، فأي الرقاب أفضل في العتق؟ قال: أحسنها وأحبها عند صاحبها، وأغلاها ثمنا قال: يا رسول الله، إن لم يكن عندي رقاب أعتقها وأردت المنافسة في الخير، فماذا أفعل؟ قال ﷺ : تساعد الصانع في صنعته، والمحتاج في حاجته، وتعين الضعفاء وأهل البطالة. قال: يا رسول الله، لو أني ضعفت قوتي عن هذه المساعدة، فماذا أفعل لأسهم في الخير؟ قال: تكف شرك عن الناس، وتمسك لسانك وجوارحك عن الأذى، فتحسن بذلك إلى نفسك، وتحميها من السيئات والآثام. -[المباحث العربية]- (سئل رسول الله ﷺ السائل أبو ذر المصرح به في الرواية الثانية، وإنما سأل عن أفضل الأعمال ليلتزمه، كعادة الصحابة في الحرص على الخير. (إيمان بالله) إذا اقتصر في الإيمان على الإيمان بالله أريد منه الإيمان بالله ورسوله، إذ هو المنجي من النار، فالمراد من هذه الرواية هو المراد من رواية "إيمان بالله ورسوله". (ثم ماذا؟ ) مبتدأ والخبر محذوف، أو خبر والمبتدأ محذوف، أي ثم ماذا الأفضل بعد الإيمان بالله؟ . (الجهاد في سبيل الله) في بعض الروايات "ثم جهاد في سبيل الله" فتتوافق الثلاثة في التنكير، ويكون التنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال. ويمكن أن يقال: إن التنكير للتعظيم، وهو يعطي الكمال. قال صاحب الفتح: إن التنكير والتعريف من تصرف الرواة لأن مخرجه واحد. (حج مبرور) أي مقبول، يقال: بر حجك بضم الباء، وبر الله حجك بفتحها، أي قبله، واعترض على هذا التفسير بأن القبول لا اطلاع لأحد عليه حتى يصح قوله ﷺ "أفضل الأعمال الحج المقبول" وأجيب بأن من علامات القبول أن يزداد صاحبه بعده خيرا. والأولى أن يقال: الحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، ومنه برت يمينه إذا سلم من الحنث، وبر بيعه إذا سلم من الخداع. وقيل: هو الصادق الخالص لله تعالى. (أي الرقاب؟ ) جمع رقبة والمراد الرقيق، وإطلاق الرقبة على الرقيق مجاز مرسل مشهور علاقته الجزئية والكلية. (أنفسها عند أهلها) أرفعها وأجودها، وقيل، أكثرها رغبة عند أهلها لمحبتهم فيها قال الأصمعي: مال نفيس أي مرغوب فيه.

стр. 268

(وأكثرها ثمنًا) وفي رواية "أعلاها ثمنا" بالعين المهملة أو بالغين، فأفضل الرقاب من جمعت بين الصفتين. (فإن لم أفعل؟ ) المفعول وجواب الشرط محذوفان للعلم بهما، والتقدير: فإن لم أفعل العتق فماذا أفعل من الخير؟ أي إن لم أقدر على ذلك، فأطلق الفعل وأراد القدرة عليه، وفي رواية "فإن لم أستطع". (تعين صانعا) وفي رواية "الصانع" روي بالصاد المهملة في "صانعا" و"تصنع" من الصنعة، وروي بالضاد المعجمة، وبالهمزة بدل النون، تكتب ياء في الخط من الضياع، والصحيح عند العلماء رواية الصاد المهملة لمقابلته بالأخرق، وإن كان المعنى بالضاد المعجمة صحيحا، إذ معونة الضائع مطلوبة. (أو تصنع لأخرق) الأخرق هو الذي ليس بصانع، يقال: رجل أخرق وامرأة خرقاء لمن لا صنعة له. (أرأيت) أي أخبرني عن جواب هذا الاستفهام وفي دلالة "أرأيت" على أخبرني مجازان. الأول: في الاستفهام الذي هو طلب الفهم، بأن نريد منه مطلق الطلب عن طريق المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق بعد التقييد. الثاني: في "رأي" التي هي بمعنى علم أو أبصر، بأن نريد منها المسبب عن العلم أو الإبصار، وهو الإخبار، عن طريق المجاز المرسل أيضا بعلاقة السببية والمسببية، فيتحصل منهما طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ أخبرني. (إن ضعفت عن بعض العمل) أي لم أستطع عمل الخير المشار إليه صحيا أو ماليا. (فإنها صدقة منك على نفسك) الضمير في "فإنها" عائد على كف الشر باعتباره خصلة وفعلة، أي فإن هذه الخصلة أو الفعلة صدقة، والصدقة في الأصل ما يخرجه المرء من ماله في ذات الله، والمراد منها هنا الثواب. وإذا كف شره عن غيره فكأنه قد تصدق عليه لأمنه منه، فإن كان شرا لا يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم. -[فقه الحديث]- جعل الرسول ﷺ في هذا الحديث أفضل الأعمال الإيمان بالله ثم الجهاد ثم الحج، وفي حديث ابن مسعود الآتي جعل أفضل العمل الصلاة لوقتها ثم الجهاد في سبيل الله، وفي حديث عبد الله بن عمرو: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". وفي حديث أبي موسى: "أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده". وفي حديث عثمان: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وأمثال هذا في الصحيح كثيرة.

стр. 269

وقد اختلف العلماء في الجمع بينها، فقيل: يجوز أن يكون المراد: من أفضل الأعمال كذا، أو من خيرها كذا، أو من خيركم من فعل كذا، فحذفت "من" وهي مرادة، كما يقال: فلان أعقل الناس وأفضلهم ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم. ومن ذلك قوله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله" ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس، ومن ذلك قولهم: أزهد الناس في العالم جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهد منهم فيه. والأولى أن يقال: إن اختلاف جوابه ﷺ مع اتحاد السؤال أو تشابه الأسئلة إنما كان مراعاة لمقتضى الحال، فقد يراعي حال السائل وما هو أنفع له وأخص به فإن كان السائل ذا نجدة فالجهاد في حقه أفضل، وإن كان له والدان يعتمدان عليه لو خرج للجهاد ضاعا فالبر في حقه أفضل، ومن ذلك ما ورد أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الجهاد، فقال: ألك والدان؟ قال: نعم. فقال: ففيهما فجاهد، وإن كان السائل امرأة تسأل عن الجهاد لم يكن بالنسبة لها أفضل الأعمال، ففي البخاري عن عائشة "قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور". وقد يراعي حال المخاطبين والسامعين فيعلم كل قوم بما بهم من حاجة إليه، أو بما لم يكملوه بعد من دعائم الإسلام فقد ورد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة" وقد يراعي ما هو أليق بالزمان، كما لو نزل العدو بأرض المسلمين، وفي وقت الزحف الملجئ والنفير العام، فإن الجهاد حينئذ يجب على الجميع، وإن كان كذلك فالجهاد أولى بالتحريض والتقديم على ما سواه، وكما لو نزلت بالمسلمين ضائقة وفقر وجدب وشدة، فإن إطعام الطعام حينئذ يكون أولى بالتقديم، وبكونه أفضل الأعمال. فكأن الأفضلية أمر نسبي، فما هو أفضل لي قد يكون غيره أفضل لغيري، بل قد يكون الشيء خير الأشياء لي في وقت، وغيره خيرا منه لي في وقت آخر. ومرجع هذا الجواب إلى تقييد كل حديث بالحال والمقام، وهذا الجواب يصلح جوابا عن قول القائل: لم خص هذه الأمور بالذكر من بين سائر خصال الإسلام وشعبه، وكذلك عن قول القائل: لم قدم الجهاد -وليس بركن- على الحج وهو ركن؟ ولا يشكل على هذا الجواب ما جاءت به بعض الروايات من التعبير بحرف "ثم" وهي موضوعة للترتيب، فقد تقتضي الظروف والأحوال هذا الترتيب في مثل هذا، على أنهم قالوا إن الترتيب ترتيب في الذكر، من قبيل قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا﴾ [البلد: ١٢ - ١٧] ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب في الفعل بين الإطعام والإيمان. وكقول الشاعر: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده وإذا صرفنا النظر عن الظروف ومقتضيات الأحوال فإنه لا خلاف في أن أفضل الأعمال الإيمان

стр. 270

بالله ورسوله، لأنه شرط في كلها، وأساس في قبول أي منها، ثم إن شرف الصفة بشرف متعلقها، ومتعلق الإيمان الله ورسوله، ولا يدخل في الإيمان ها هنا الأعمال بسائر الجوارح كالصوم والحج والجهاد وغيرها لكونه جعل قسيما للجهاد والحج، ولا يمنع هذا من تسمية الأعمال المذكورة إيمانا باعتبارها من الإيمان المنجي من النار. أما الشبهة الواردة في عد الإيمان من الأعمال مع أنه التصديق بالقلب عند جمهور المتكلمين. فقد يجاب عنها بأن المراد من الأعمال المسئول عن أفضلها ما هو أعم من عمل القلب وعمل الجوارح، وهذا الجواب خير من قول بعضهم: إن المراد من الإيمان المجعول أفضل هو الذكر الخفي من تعظيم حق الله تعالى وحق رسوله ﷺ وإدامة الذكر وتدبر آيات كتاب الله. وأما عدم ذكر الحج في روايتنا الثانية وعدم ذكر العتق وما بعده في روايتنا الأولى فهو من تصرف الرواة. والله أعلم. وقد أفادت الرواية الثانية أن عتق أنفس الرقاب أفضل من عتق غير الأنفس. وهذا فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما إذا كان معه ألف درهم وأمكن أن يشتري رقبتين مفضولتين أو رقبة نفيسة، فالرقبتان أفضل، وهذا بخلاف الأضحية فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السمن، قال الشافعي: في الأضحية استكثار القيمة مع استقلال العدد أحب إلي من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي العتق استكثار العدد مع استقلال القيمة أحب إلي من استكثار القيمة مع استقلال العدد، لأن المقصود من الأضحية اللحم، ولحم السمين أوفر وأطيب، والمقصود من العتق تكميل حال الشخص وتخليصه من ذل الرق، وتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - حرص الصحابة على تتبع أفضل الأعمال والسؤال عنه لالتزامه. ٢ - حلم النبي ﷺ ورفقه بالسائل حتى ولو تمادى في تساؤله. ٣ - الترغيب فيما ذكر من الأعمال باعتباره أفضل شعب الإيمان. ٤ - فيه حجة لمن جعل الترك والكف عملا وكسبا للعبد. ٥ - استدل بظاهره بعضهم على أنه ليس في الشرع شيء إلا وله أجر أو عليه وزر، والجمهور على خلافه. ٦ - فيه إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس. ٧ - فيه أن الكف عن الشرور والآثام يثاب عليه، والجمهور على أنه يثاب إذا قصد بالترك وجه الله تعالى. ٨ - الحث على فعل الخير مهما أمكن، وليس في الحديث ترتيب فيما تضمنه إنما هو لإيضاح

стр. 271

ما يفعله من عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فمن أمكنه أن يفعل الجميع فليفعل، ومن عجز عن الأعلى انتقل إلى الأدنى. ٩ - أن الشفقة على خلق الله لا بد منها. ١٠ - أخذ منه بعضهم أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع، لأن غير الصانع مظنة الإعانة، فكل أحد يعينه غالبا، بخلاف الصانع، فإنه لشهرته بصنعته يغفل عن إعانته. والله أعلم

стр. 272

(٤٩) باب أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين ١٤٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال "الصلاة لوقتها" قال قلت: ثم أي؟ قال "بر الوالدين" قال قلت: ثم أي؟ قال "الجهاد في سبيل الله" فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه. ١٤٣ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قلت: يا نبي الله! أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال "الصلاة على مواقيتها" قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال "بر الوالدين" قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال "الجهاد في سبيل الله". ١٤٤ - عن أبي عمرو الشيباني قال: حدثني صاحب هذه الدار (وأشار إلى دار عبد الله) قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال "ثم بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال "ثم الجهاد في سبيل الله" قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. وحدثنا شعبة بهذا الإسناد مثله. وزاد: وأشار إلى دار عبد الله وما سماه لنا. ١٤٥ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال "أفضل الأعمال (أو العمل) الصلاة لوقتها، وبر الوالدين". -[المعنى العام]- وفي مجال التنافس في الخير، والسؤال عن أفضل القربات يسأل عبد الله بن مسعود رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ وأي الطاعات أحب إلى الله؟ ويجيبه ﷺ : أحب الأعمال إلى

стр. 273

الله المحافظة على أداء الصلوات في مواقيتها، قال ابن مسعود: ثم ماذا من أعمال الصالحات أحب إلى الله؟ قال رسول الله ﷺ : بر الوالدين ورعاية أمورهما والإحسان إليهما. قال: ثم أي الأعمال بعد بر الوالدين؟ قال: الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الإسلام ونشره بين الأمم. وكان ابن مسعود يرغب في الاسترسال في أسئلته حرصا على الاستزادة من العلم ومعرفة أبواب الخير، لكنه استشعر أو خاف ملل الرسول ﷺ فسكت شفقة منه عليه، وهو يعلم أنه لو سأل زيادة لأجيب. فرضي الله عن ابن مسعود وعن سائر الصحابة الذين قال الله فيهم ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] وصلى الله عليه وسلم على من قال فيه ربه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. -[المباحث العربية]- (أي العمل أفضل) وفي الرواية الثانية "أي الأعمال أقرب إلى الجنة" وفي الرواية الثالثة "أي الأعمال أحب إلى الله" والظاهر أن السؤال كان بالصيغة الأولى، والصيغتان الثانية والثالثة من تصرف الرواة، والرواية بالمعنى والتعبير بالملزوم بدل اللازم. (الصلاة لوقتها) اللام للابتداء كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨]. أي الصلاة لابتداء وقتها، وقيل: للاستقبال كقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]. أي الصلاة مستقبلة وقتها، وقيل: بمعنى "في" أي الصلاة في وقتها. ورواه الدارقطني بلفظ "لأول وقتها" وقال النووي عنها: إنها ضعيفة. وفي روايتنا الثانية: الصلاة على مواقيتها" وفي روايتنا الثالثة كرواية البخاري "الصلاة على وقتها" ويمكن أن يفهم من هذه الرواية أن المقصود أول وقتها، من حيث إن لفظة "على" تقتضي الاستعلاء على جميع الأوقات، فيتعين أول الوقت. والتحقيق أن الاستعلاء المفهوم من لفظ "على" إنما يدل على تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه، ولا يدل على أول الوقت، فالمراد التمكن من أدائها في أي جزء من أجزاء وقتها. (ثم أي) قيل: الصواب أنه غير منون، لأن السائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة، ثم يؤتى بما بعده، وهو مضاف تقديرا، والمضاف إليه محذوف لفظا، والتقدير: ثم أي العمل أفضل، فيوقف عليه بلا تنوين. (بر الوالدين) قال أهل اللغة: بررت والدي - بكسر الراء- أبره- بضمها مع فتح الباء- برا، وأنا بر به - بفتح الباء- وبار، وجمع البر الأبرار وجمع البار البررة، والبر ضد العقوق.

стр. 274

(فما تركت أستزيده) "أن" المصدرية مقدرة، أو الفعل "أستزيده" مسبوك بمصدر من غير سابك على غير قياس، والمصدر مفعول "تركت" والتقدير: فما تركت الاستزادة منه إلا إشفاقا عليه. (إلا إرعاء عليه) بكسر الهمزة وإسكان الراء وبالعين المهملة ممدود، ومعناه إبقاء عليه ورفقا به، وفي رواية الترمذي "فسكت عني رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني" فكأنه فهم منه السآمة، فسكت. (حدثني بهن) مقول عبد الله بن مسعود، وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من أنه باشر السؤال وسمع الجواب. (ولو استزدته) يريد من هذا النوع، وهو مراتب أفضل الأعمال. -[فقه الحديث]- قال ابن بطال: في الحديث أن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها، لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. اهـ. وقد اعترض ابن دقيق العيد على قول ابن بطال وقال: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أولا ولا آخرا، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. اهـ وتعقب بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ "أحب" يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب على التعقيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنائم والناسي، فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبا، لكن إيقاعها في الوقت أحب. اهـ. فتح الباري. ونحن مع ابن بطال في أن أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها لأن مجموع الروايات ["الصلاة لوقتها" و"الصلاة على مواقيتها" و"الصلاة على وقتها"] ترجح أن اللام للابتداء أو للاستقبال كما قلنا، لتتوافق مع الاستعلاء المأخوذ من "على" وتبعد أن اللام بمعنى "في" خصوصا وقد جاء التصريح بأول الوقت" الصلاة في أول وقتها" فيما أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي عن علي بن حفص الذي قال عنه الحافظ ابن حجر: إنه شيخ صدوق من رجال مسلم: وهذا لا يمنع فضل الصلاة في وقتها، لكن الصلاة في أول وقتها أفضل من الصلاة في آخر وقتها ومن جميع الأعمال. أما بر الوالدين فقد وضحه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ [العنكبوت: ٨]. وبقوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤].

стр. 275

واقتضت الآيات الوصية بالوالدين والأمر بطاعتهما ولو كانا كافرين إلا إذا أمرا بالشرك فتجب معصيتهما في ذلك، عملا بقوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان: ١٥]. وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: حلفت أم سعد لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، قالت: زعمت أن الله أوصاك بوالديك، فأنا أمك وأنا آمرك بهذا فنزلت ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ [العنكبوت: ٨]. وفي رواية: "قالت أمه: يا سعد لن آكل ولن أشرب حتى أموت، فتعير بي بين العرب، فيقال لك: يا قاتل أمه. فقال سعد: يا أماه. والله لقد علم العرب أنني أبر الناس بأمي، ولكن لو أن لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما رجعت عن ديني". وقد اختلف العلماء في تقديم حق الأم في البر على الأب، فذهب الجمهور إلى أن للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، أخذا من الحديث الصحيح أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : فقال: "يا رسول الله. من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك" ومن الحديث الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب". قال الجمهور: وكان ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع. فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية. وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ [الأحقاف: ١٥] فسوى بينهما في الوصاية وخص الأم بالأمور الثلاثة. ونقل بعضهم عن مالك أنهما في البر سواء، أخذا مما روي عنه أنه سأله رجل قال: طلبني أبي فمنعتني أمي؟ قال مالك: "أطع أباك ولا تعص أمك" قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى أن برهما سواء، إذ قال الليث حين سئل عن المسألة بعينها، قال: أطع أمك، فإن لها ثلثي البر، قال الحافظ ابن حجر: والصواب رأي الجمهور. وعندي أن بعض الأمهات في بعض البلاد متخلفات العقل، قاصرات في التفكير، قد تأمر ابنها بما يضر دينه ودنياه، وتنهاه عما يصلح حاله. قد تأمره بزواج قريبتها وهو لا يهواها وليست بكفء لحاله، وقد تنهاه عن الزواج لمجرد حرصها على إبقائه في أحضانها، فطاعة الأم، وكذا طاعة الأب -بعد كمال رشد الابن- ليست على الإطلاق. ومع هذا ينبغي على الابن أن يعمل على إرضائهما، مع المحافظة على ما يصلحه في الدين والدنيا. ولا يتعارض هذا الرأي مع بر الوالدين، ولا مع توقف الجهاد على إذن الأبوين، لأن الجهاد الذي يتوقف على إذن الوالدين هو فرض الكفاية، والذي يصير غير واجب على من له

стр. 276

أبوان إذا قام به غيره. وبر الوالدين واجب عيني، فصح توقف هذا الجهاد على إذنهما. على أن هذا الجهاد يحرم الأبوين من البر زمنا قد يطول، بخلاف عصيان بعض أوامرهما لمصلحته، فإنه لا يحرمهما من البر والإحسان، ولا من طاعتهما في تعليماتهما الأخرى. وستأتي تتمة لهذا البحث في شرح الحديث الذي يلي الحديث الآتي. أما عدم ذكر الإيمان بالله في الحديث فقد أجاب عنه ابن دقيق العيد حيث قال: الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث أبي هريرة السابق. أما تقديم الصلاة على البر فلأن الصلاة شكر لله والبر شكر للوالدين، وشكر الله مقدم على شكر الوالدين، موافقة لقوله تعالى: ﴿أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾ [لقمان: ١٤]. وأما تقديم البر على الجهاد فلأن المراد من الجهاد هنا غير فرض العين، وهو يتوقف على إذن الوالدين. بل يقدم بر الوالدين عليه، فقد روى النسائي أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله .. أردت الغزو وجئت لأستشيرك. فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم قال: الزمها" ولمسلم عن عبد الله بن عمرو في نحو هذه القصة "ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما" ولأبي داود عن عبد الله بن عمرو" ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما" ولأبي داود أيضا "ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما". قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن. قال الحافظ ابن حجر بعد أن ساق هذه الأحاديث: واستدل بهذا على تحريم السفر بغير إذنهما، لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى. نعم إن كان سفره لتعلم فرض كفاية ففيه خلاف. اهـ. قال الطبري: إنما خص ﷺ هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات، فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها في غير عذر مع خفة مؤونتها عليه، وعظم فضلها، فهو لما سواها أضيع، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه، كان لغيرهما أقل برا، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين، كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك. فظهر أن الثلاثة تجتمع في أن من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن أعمال البر يفضل بعضها بعضا. ٢ - جواز السؤال عن مسائل متعددة في وقت واحد.

стр. 277

٣ - الرفق بالعالم والتوقف عن الإكثار عليه خشية الملل. ٤ - ما كان عليه الصحابة من تعظيم النبي ﷺ والشفقة عليه. ٥ - ما كان عليه ﷺ من إرشاد المسترشدين ولو شق عليه. ٦ - وفيه حسن المراجعة في السؤال. ٧ - وفيه جواز إخبار الإنسان عما لم يقع أنه لو كان كذا لوقع كذا. ٨ - ويؤخذ من قول الراوي "وأشار إلى دار عبد الله وما سماه لنا" أن الإشارة تنزل منزلة التصريح إذا كانت مفهمة معينة المشار إليه مميزة له عن غيره. والله أعلم

стр. 278

(٥٠) باب أعظم الذنوب الشرك بالله -ثم قتل الابن -ثم الزنا بحليلة الجار ١٤٦ - عن عبد الله ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال قلت له: إن ذلك لعظيم. قال قلت: ثم أي؟ قال "ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك" قال قلت: ثم أي؟ قال "ثم أن تزاني حليلة جارك". ١٤٧ - عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله ﵁ قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ قال "أن تدعو لله ندا وهو خلقك" قال: ثم أي؟ قال "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك" قال: ثم أي؟ قال "أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تصديقها ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ [الفرقان: ٦٨]. -[المعنى العام]- وكما حرص الصحابة ﵃ على معرفة أفضل الأعمال التي تقرب من الجنة ليعملوا بها حرصوا على معرفة أعظم الذنوب وأكبرها وترتيبها في العظم ليجتنبوها، وليتقوا النار بالبعد عنها. فهذا عبد الله بن مسعود الذي سأل رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال في الحديث السابق يسأله عن أعظم الذنوب عند الله، فيقول له ﷺ : أعظم الذنوب عند الله أن تشرك بالله وتجعل له ندا، مع أنه لا شريك له، خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك، واستعظم عبد الله بن مسعود هذه الجريمة، فقال: حقا يا رسول الله إن ذلك الذنب لعظيم جدا، فأخبرني عن الذنب الذي يليه في العظم؟ قال ﷺ : أعظم الذنوب بعد الإشراك بالله أن تقتل ولدك وتئده في الحفرة خشية إملاق، وخوف أن يأكل معك، ويشاركك طعامك. قال ابن مسعود: ثم أي الذنوب أعظم بعد الإشراك وقتل الأولاد؟ قال ﷺ : أعظم الذنوب بعد الإشراك وقتل الأولاد أن تزني بزوجة جارك، وتنتهك حرمات الجوار، وترتكب الزنا مع من يجب عليك حمايتها من الفاحشة، ووقايتها من السوء، وأنزل الله تعالى مصداقا لهذا الحديث قوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر

стр. 279

ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]. -[المباحث العربية]- (أي الذنب أعظم؟ ) أي أشد عقوبة، وكذا "أي الذنب أكبر"؟ أي عقوبة. والسؤال عن أعظم الذنوب ليقع التحرز منه أكثر من غيره. (أن تجعل) المخاطب عبد الله بن مسعود، وهو غير مقصود والمعنى أن يجعل الإنسان لله ندا، والمصدر المنسبك من أن والفعل خبر مبتدأ محذوف، تقديره أعظم الذنب جعلك. (لله ندا) الند بكسر النون وتشديد الدال، ويقال له: النديد أيضا هو نظير الشيء الذي يعارضه في أموره، فهو أخص من المثل، لأنه المثل المناوئ من ند إذا نفر وخالف، فإن قيل: يلزم أن يكون غير المناوئ غير منهي عنه لأنه لا يلزم من النهي عن الأخص النهي عن الأعم مع أن المثل منهي عن اتخاذه خالف أو لم يخالف؟ أجيب، بأن التعبير بالند من قبيل قوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦] اهـ قاله الأبي، وقال الجوهري: ند الشيء من يشاركه في جوهره، أما المثل فيقال في أي مشاركة سواء كانت في الجوهر أو في غيره، فكل ند مثل وليس كل مثل ندا. أما الضد فهو أحد المتقابلين، والمتقابلان هما الشيئان المختلفان اللذان لا يجتمعان في شيء واحد، فالضد والند يتوافقان في المعارضة، فالند معارض والضد معارض، ويختلفان في المشاركة، فالند مشارك في الجوهر والضد غير مشارك. اهـ بتصرف. (وهو خلقك) الضمير لله تعالى، والجملة حالية لتقبيح الجعل. (ثم أي؟ ) يعني أي شيء أعظم؟ فالتنوين للعوض، و"ثم" ليست للترتيب في الزمان، إذ لا يتصور فيه، ولا في الرتبة لأن شرطه كون المعطوف أعظم، بل هي للترتيب في الإخبار. قاله الأبي، وفيه: لأن الترتيب كما يكون تصاعديا يكون تنازليا، لكن يبدو أنه لما فسر (ثم أي؟ ) بقوله: ثم أي شيء أعظم؟ ، قال ما قال. والتحقيق أن معناه: ثم أي شيء أقل عظما؟ فثم للترتيب الرتبي. (أن يطعم معك) بفتح الياء: أي يأكل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [الإسراء: ٣١] أي فقر. وذكر الإطعام لأنه كان الأغلب في حال العرب، ومعنى "مخافة أن يطعم معك" أي من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي، أو من جهة البخل مع سعة الرزق، والأول هو الموافق للآية. (أن تزاني) أي أن تزني برضاها، فالمفاعلة من الجانبين، ولعله أشد قبحا من اغتصابها لما فيه من إفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني. (حليلة جارك) بالحاء المهملة أي زوجته، سميت بذلك لكونها تحل له، وقيل: لكونها تحل معه.

стр. 280

(فأنزل الله تصديقها) هذا من كلام ابن مسعود، أي تصديق هذه الحالة وتلك المراتب. (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) المراد من الدعاء النداء أو العبادة أو الاعتقاد. ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ المراد من "التي حرم الله" قتلها، هي المعصومة، وقوله "إلا بالحق" استثناء من عموم الأحوال أي محقين في قتلها. ﴿ومن يفعل ذلك﴾ الإشارة إلى كل واحد من الذنوب السابقة، لا إلى مجموعها لأن من يفعل واحدا منها يلق أثاما. ﴿يلق أثاما﴾ أي عقوبة، وقيل: "نكالا" وقيل: جزاء إثمه. -[فقه الحديث]- لا خلاف بين أهل الإسلام أن الإشراك بالله أعظم الزنوب على الإطلاق، والجمهور على أن القتل بغير حق أكبر الكبائر بعد الشرك، وأما ما سواهما من الزنا، واللواط، وعقوق الوالدين، والسحر، وقذف المحصنات، والفرار يوم الزحف، وأكل الربا، وغير ذلك من الكبائر، فلها تفاصيل وأحكام ومراتب تختلف باختلاف الأحوال والمفاسد المترتبة عليها. وإذا كان قتل النفس بغير حق يلي الإشراك بالله فأقبحه قتل الابن، لأنه ضد ما جبلت عليه طبيعة الآباء من الرقة، فلا يقع إلا من جافي الطبع، لا سيما إذا كان القتل عن طريق الدفن حيا كما كانوا يفعلون. فذكر الولد قيد في كون القتل أقبح، وكون الدافع مخافة أن يطعم معك زيادة في هذا القبح. ولا خلاف في أن الزنا مطلقا من أقبح وأعظم الذنوب، لكنه قد تلابسه ملابسات تزيد من قبحه، وتضاعف من عقوباته، فمثلا: الزنا بالأم في الحرم في الأشهر الحرم غير الزنا بأجنبية في غير الحرم وفي غير الأشهر الحرم، فللأول عقوبات متعددة (عقوبة كون المزني بها محرما، بل أقرب المحارم، وعقوبة انتهاك حرمة المسجد الحرام، وعقوبة انتهاك حرمة الأشهر الحرم) ولم يأت الحديث بهذا التنظير لأنه فرضي بعيد الوقوع، وإنما نظر بحليلة الجار، لأن الغالب أن الرجل إنما يزاني من قرب مكانه وأمكن لقاؤه، ونبه بالحليلة على عظم حق الجار، وأنه يجب أن يغار المسلم على حليلة جاره من الفاحشة مثل ما يغار على حليلة نفسه، وليس القبح قاصرا على الحليلة، بل يشمل الزنا بأم أو أخت أو بنت الجار، فذكر الحليلة جرى على الغالب. أما ذكر الجار فهو لشدة القبح، لأنه يحمل إثم انتهاك حرمة الجار وإبطالا لحقه، وقد ورد "لأن يزني أحد بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". وكانت العرب تمتدح بصون حرم الجار، فقال عنترة: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها

стр. 281

والجار إنما يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية القبح. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن كلا من الثلاثة (أن تجعل لله ندا .. وأن تقتل ولدك ... وأن تزاني حليلة جارك) على ترتيبها في العظم، ولو جاز أن يكون فيما لم يذكره شيء يتصف بكونه أعظم منها لما طابق الجواب السؤال. نعم يجوز أن يكون فيما لم يذكر شيء يساوي ما ذكر، فيكون التقدير: في المرتبة الثانية بعد الإشراك قتل الابن وما يكون في الفحش مثله، وفي المرتبة الثالثة الزنا بحليلة الجار وما يكون في الفحش مثله أو نحوه، لكن يستلزم أن لا يكون فيما لم يذكر في المرتبة الأولى أو الثانية شيء هو أعظم مما ذكر في المرتبة الثالثة، ولا محذور في ذلك. انتهى بتصرف. ويؤخذ مما قال: أن هناك ذنوبا أعظم من المرتبة الثالثة ولم تذكر هذه الذنوب، ولو أنها ذكرت لسبقت الزنا بحليلة الجار، فكأن الترتيب هكذا بين هذه الثلاثة إن اقتصر عليها، وقد سبق أن قلنا: إن الإشراك أعظم الذنوب على الإطلاق وإن قتل الولد يليه ثم يختلف عظم الذنوب بعد ذلك باختلاف الملابسات والأضرار المترتبة عليها. والآية التي نزلت تصديقا لترتيب هذه الذنوب تعرضت للتوبة وأنها ترفع الآثام، إذ تقول: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وإذا تركنا جانبا رأي الخوارج الذين يكفرون صاحب المعصية، ورأي المعتزلة الذين يخرجونه من الإيمان ويحكمون بخلوده في النار، إذا تركنا جانبا هذين الرأيين وجدنا أهل السنة على أن كلا من القاتل والزاني تقبل توبته، ونقل عن ابن عباس القول بعدم قبول توبة القاتل المتعمد، إذ روى أحمد، والطبري، وابن ماجه عن سالم بن أبي الجعد قال: كنت عند ابن عباس بعد ما كف بصره، فأتاه رجل فقال: ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا قال: "جزاؤه جهنم خالدا فيها". وساق الآية إلى "عظيما" قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملا صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبة والهدى؟ ويؤيد هذا الرأي ما أخرجه أحمد والنسائي عن معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، والرجل يقتل مؤمنا متعمدا". قال الحافظ ابن حجر: وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: "فجزاؤه جهنم" أي إن شاء الله أن يجازيه، تمسكا بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] ثم قال: ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أتى تمام المائة فقال له: لا توبة لك، فقتله فأكمل به مائة، ثم جاء آخر فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ الحديث. وهو مشهور. وإذا ثبت ذلك لمن قبلنا فمثله لهذه الأمة أولى، لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم. والله أعلم

стр. 282

(٥١) باب أكبر الكبائر الإشراك بالله -وعقوق الوالدين- وشهادة الزور ١٤٨ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا) الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وشهادة الزور، (أو قول الزور) " وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. ١٤٩ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، في الكبائر قال "الشرك بالله. وعقوق الوالدين. وقتل النفس. وقول الزور". ١٥٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر (أو سئل عن الكبائر) فقال "الشرك بالله. وقتل النفس. وعقوق الوالدين" وقال "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قال "قول الزور (أو قال شهادة الزور) " قال شعبة: وأكبر ظني أنه شهادة الزور. -[المعنى العام]- ومرة أخرى يسأل الصحابة رسول الله ﷺ عن أكبر الكبائر، ومرة أخرى يجيب ﷺ جوابا يختلف عن الجواب الأول مراعاة لمقتضيات الأحوال. نعم اتفق الجوابان على أن أعظم الذنوب وأكبر الكبائر الإشراك بالله. واختلف الجوابان في الثاني والثالث، فالحديث السابق جعل المرتبة الثانية قتل الولد، والثالثة الزنا بحليلة الجار، وهذا الحديث في روايته الأولى جعل المرتبة الثانية عقوق الوالدين، والثالثة شهادة الزور، وفي روايتيه الثانية والثالثة أضاف قتل النفس، مرة بعد عقوق الوالدين، ومرة قبله ومع أن الحديث في مجموع رواياته قد قدم عقوق الوالدين على شهادة الزور، فإنه أعطاها من الأهمية ما يجعلها في الدرجة العليا من الكبائر، لما يلابسها من أخطار جسام، فمرة نبه إلى هذه الأهمية باعتدال الجلسة، واستجماع وسائل اليقظة والانتباه، ومرة كرر شهادة الزور مسبوقة بأداة التوكيد والاستفتاح، ومرة صدرها بتوكيد خاص (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) عافانا الله منها ومن الكبائر عامة، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

стр. 283

-[المباحث العربية]- (ألا أنبئكم) بالتشديد والتخفيف، أي ألا أخبركم و"ألا" - بفتح الهمزة وتخفيف اللام- للتنبيه والإشارة إلى أهمية ما بعدها، وهو في الأصل مركب من همزة الاستفهام و"لا" النافية، وهل فهمه الصحابة على الاستفهام فأجابوا؟ أو حمله الرسول على التنبيه فأخبر دون أن يجيبوا؟ الظاهر الأول، لرواية البخاري في كتاب الأدب "قلنا: بلى يا رسول الله" ويكون حذفه من رواياتنا اختصارا من الرواة. (بأكبر الكبائر) جمع كبيرة، وهي الفعلة القبيحة، فهي في الأصل صفة لموصوف محذوف، وفي المراد منها شرعا خلاف يأتي في فقه الحديث. (ثلاثا) مفعول لقال. أي قال لهم ﷺ ذلك ثلاث مرات وكرره على عادته في تكرير الشيء ثلاث مرات تأكيدا وتنبيها للسامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره. (الإشراك بالله) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يراد به مطلق الكفر [فيشمل منكر الألوهية، ومثبتها مع إنكار الرسالة واليوم الآخر] ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود لا سيما في جزيرة العرب، فذكر تنبيها على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يراد به خصوصه، إلا أنه يرد على هذا الاحتمال أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم من الشرك، وهو التعطيل فيترجح الاحتمال الأول. اهـ. (وعقوق الوالدين) -بضم العين المهملة- مشتق من العق: وهو القطع، يقال: عق والده يعقه- بضم العين- فهو عاق: وهو الذي شق عصا الطاعة لوالديه، هذا قول أهل اللغة، وأما حقيقة العقوق المحرم شرعا، ففيه خلاف طويل يأتي في فقه الحديث. (وشهادة الزور، أو قول الزور) أصل "الزور" تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وقد يضاف إلى القول، فيشمل الكذب والباطل، وقد يضاف إلى الشهادة فيخص بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه: لابس ثوبي زور، ومنه تسمية الشعر الموصول زورا، وجاء في رواية "قول الزور أو شهادة الزور" بتقديم القول على الشهادة، وفي رواية بالواو بدل "أو" وفي رواية "شهادة الزور" وفي رواية "ألا قول الزور" دون عطف إحداهما على الأخرى، وسيأتي طريق الجمع بين هذه الروايات. (وكان متكئا فجلس) وفي رواية "وجلس وكان متكئا" الاتكاء: الاضطجاع على الجنب، أو هو الاعتماد على الشيء بالجنب واليد، كوضع اليد على وسادة مع تجافي الجنب عن الأرض، فالاضطجاع اتكاء وزيادة. وجلوسه ﷺ من اتكائه يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئا، وذلك يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه وسيأتي سبب الاهتمام به.

стр. 284

(فما زال يكررها) أي يكرر هذه العبارة، أو هي "شهادة الزور". (حتى قلنا: ليته سكت) أي حتى قلنا ذلك في أنفسنا دون نطق، أي حتى تمنينا سكوته. -[فقه الحديث]- قرن الله تعالى العقوق بالشرك في قوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤]. وقرن قول الزور بالشرك في قوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]. أما عقوق الوالدين المحرم شرعا فقل من ضبطه. قال الإمام الشيخ أبو محمد بن عبد السلام: لم أقف في عقوق الوالدين، وفيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما في كل ما يأمران به وينهيان عنه باتفاق العلماء. وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه: العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد - أو نحوه - تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات قال: وليس قول من قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير إذنهما مخالفا لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق. وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات، فعلا وتركا، واستحبابها في المندوبات وفرض الكفاية كذلك، ومنه تقديمها عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمه ليمرضها مثلا بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمر عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها وغير ذلك أن لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة كالصلاة أول الوقت أو في الجماعة. أما شهادة الزور أو قول الزور فقد قال ابن دقيق العيد: إن عطف الشهادة على القول ينبغي أن يكون تأكيدا للشهادة، لأنا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقا كبيرة، وليس كذلك، فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده. وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، لأن كل شهادة زور قول زور بغير عكس. قال الحافظ ابن حجر: والأولى ما قاله ابن دقيق العيد، ويؤيده وقوع الشك في ذلك في بعض الروايات، مما يدل على أن المراد شيء واحد، وهو شهادة الزور. وظاهر قوله ﷺ في الرواية الثالثة: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور"

стр. 285

ظاهره أنه خص أكبر الكبائر بقول الزور، وليس هذا الظاهر مرادا، لأن الشرك أكبر منه بلا شك، وكذا القتل، ثم إن الرواية الأولى تؤذن بأن الثلاثة المذكورات مشتركات في ذلك، فلا بد من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محمول على الكفر فإن الكافر شاهد بالزور وعامل به. الثاني: أنه محمول على المستحل، فيصير بذلك كافرا. الثالث: أن كلمة "من" مقدرة كما تقدم في نظائره أي ألا أنبئكم بما هو من أكبر الكبائر. قال النووي: وهذا الثالث هو الظاهر أو الصواب، فأما حمله على الكفر فضعيف، لأن هذا خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في الحقوق، وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فكان معروفا عندهم، ولا يتشكك أحد من أهل القبلة في ذلك، فحمله على الكفر يخرجه من الفائدة. وإنما اهتم ﷺ بشهادة الزور فوق اهتمامه بسائر الكبائر لأنها أسهل وقوعا على الناس، والتهاون بها أكثر، ومفسدتها أيسر وقوعا فإن الشرك ينبو عنه المسلم، والعقوق ينبو عنه الطبع، وأما شهادة الزور فإن الحوامل عليها كثيرة، كالعداوة والحسد وغيرها، ومفسدتها متعدية إلى غير الشاهد، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمها، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك. وكان الزور من الكبائر لأنه يتوصل به إلى إتلاف النفس والمال وتحريم الحلال وتحليل الحرام. وظاهر الأحاديث أنه لا فرق في كون شهادة الزور كبيرة بين أن تكون بحق عظيم أو حقير، حتى لو أتلف بها اليسير، وقال عز الدين: إنما ذلك إذا أتلف بها خطير، وقد يضبط بنصاب السرقة، فإن نقص احتمل أن يكون من الكبائر فطاما عن هذه المفاسد، وسدا للباب. وقد اختلفت الروايات فيما يلي الشرك من الكبائر، ففي بعضها العقوق، وفي بعضها القتل، وفي بعضها السحر، وقد ذكرت بعض الروايات أمورا لم تذكرها الأخرى. قال النووي: ووجه الجمع أنه إنما اختلف جوابه ﷺ في ذلك، لأن جوابه كان بحسب ما الحاجة إلى بيانه حينئذ أمس، أي لكثرة ارتكابه أو خوف مواقعته. وقال الطحاوي: يضم ما جعل ثاني الشرك في طريق إلى ما جعل ثانيا في الأخرى، ويجعلان في درجة واحدة من الإثم، وكذا ما جعل ثالثا. اهـ. والتحقيق أن الشيء الواحد قد يختلف في الإثم باختلاف ظروفه وملابساته وما يترتب عليه من مفاسد، فالغيبة بالقذف كبيرة، ولا تساويها الغيبة بقبح الهيئة مثلا، والعقوق بالضرب كبيرة، ولا يساويه العقوق بمخالفة أمرهما في الأكل والشرب مثلا، وقتل النفس الصالحة التي تختل بقتلها أمور المسلمين في المسجد الحرام وفي الأشهر الحرم كبيرة، ولا يساويه قتل نفس فاجرة ترتاح من شرورها كثرة من الآمنين.
следующие страницы →