Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
(وشجرهم الناس برماحهم) المراد من "الناس" المسلمون جيش علي ﵁، أي طاعنهم المسلمون برماحهم، ومدوها إليهم، وكان هذا السلاح سبباً في الغلبة، حيث يقتل الرمح قبل وصول السيف، يقال: شجره إذا نازعه، ومنه التشاجر في الخصومة.
(وقتل بعضهم على بعض) أي قتلوا وتكدست القتلى طبقات، بعضهم فوق بعض لكثرتهم.
(وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان) أي قتل الخوارج وكانوا بضعة آلاف، ولم يقتل من أصحاب علي سوى رجلين، قيل: لم ينج منهم عشرة، ولم يصب من جيش علي ﵁ عشرة.
(فقال علي ﵁ التمسوا فيهم المخدج) أي ناقص اليد، وفي بعض الروايات "المخرج" بالراء بدل الدال أي منزوع اليد، مفصول الذراع.
(فالتمسوه فلم يجدوه فقام علي .... فوجده مما يلي الأرض) في الرواية التاسعة عشرة "فالتمس فوجد، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت" وفي الرواية الثامنة والعشرين "فلما قتلهم علي قال: انظروا [أي التمسوا المخدج] فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال: ارجعوا .. ثم وجدوه في خربة، فأتوا به فوضعوه بين يديه" وفي رواية "فالتمسه علي فلم يجده، ثم وجده بعد ذلك تحت جدار علي هذا النعت" وفي رواية الطبري "فقال علي اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه .... فطلبوه، فوجدوه في وهدة من الأرض، عليه ناس من القتلى"، ولا تنافي بين الروايات فمجموعها يفيد أن علياً ﵁ طلب منهم أن يبحثوا عن المخدج في القتلى، فلم يجدوه في البحث السطحي الأول، فهو واحد بين أربعة أو ستة آلاف قتيل، تكدس بعضهم على بعض، ولثقة علي في حديث رسول الله ﷺ أصر على وجوده، وقام معهم بنفسه يبحث، وأخذوا يجولون طبقات القتلى وينظرون في الطبقات السفلى، فكان فوقه قتيلان في أرض منخفضة في خربة، في أحضان جدار، فجاءوا به يسحبونه إلى مقر القيادة ليراه الناس، فيثقوا أنهم على الحق، وأن من قتلوا كانوا على الباطل، ويزدادوا يقيناً بصدق رسول الله ﷺ ، وأمام هذه المعاينة كان أبو سعيد الخدري، الذي سمع أوصاف المخدج من لسان رسول الله ﷺ ، كان يحلف ويقول: أشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأتي به، ونظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت.
(كلمة حق أريد بها باطل) لا حكم إلا لله، وفي القرآن ﴿إن الحكم إلا لله﴾ [الأنعام: ٥٧] كلمة حق، وكل حاكم بالحق فحكمه من الله ولله، فإذا أريد اتهام الحاكم بالانحراف قيل له: لا حكم إلا لله، يعرض ببطلان حكمه، وكانوا يكفرون علياً بقبوله التحكيم، كما سيأتي في فقه الحديث.
(يتيه قوم قبل المشرق) يقال: تاه يتوه ويتيه إذا ضل، أي يذهبون عن الصواب، وعن طريق الحق.
стр. 2312
-[فقه الحديث]-
تتناول هذه الأحاديث موضوعين أساسيين: إعطاء المؤلفة قلوبهم، والتحريض على قتل الخوارج.
ولأدنى مناسبة نظم الإمام مسلم أحاديث المؤلفة قلوبهم مع أحاديث الزكاة، ربما لأنها تشتمل على سؤال العطاء، أو الحرص عليه، وربما لأن للمؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة يشبه نصيبهم من الفيء، فساق أحاديثهم في الفيء، ولم يصح عنده حديث لهم في الزكاة.
ولضعف المناسبة وجدنا الإمام البخاري لا يذكر هذه الأحاديث في كتاب الزكاة، وإنما يذكرها في كتاب فرض الخمس، باب قسمة الإمام.
أما الموضوع الثاني فيكاد يكون استطراداً عن الموضوع الأول، لأدنى ملابسة، وهي أن رأساً من رءوس الخوارج اعترض على قسمة رسول الله ﷺ عطاء بين أربعة من المؤلفة قلوبهم.
ولضعف هذه الملابسة وجدنا الإمام البخاري يذكر هذه الأحاديث في كتاب اشتباه المرتدين، باب قتال الخوارج والملحدين.
وسنعتبر الأحاديث من رقم (١) إلى نهاية رقم (١٤) خاصة بالموضوع الأول، والأحاديث من رقم (١٥) إلى النهاية خاصة بالموضوع الثاني والله الموفق. إعطاء المؤلفة قلوبهم
المسألة الأساسية في المجموعة الأولى من الأحاديث إعطاء المؤلفة قلوبهم، وهل كان يعطيهم ﷺ من أصل الغنيمة؟ أو من الخمس؟ .
والأحاديث الخمسة الأولى لا توهم العطاء من أصل الغنيمة، فلا إشكال بالنسبة لها، وإنما الإشكال في إعطائه ﷺ المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن. فقال القرطبي في "المفهم": الإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه، وقد قال للأعرابي في هذه الغزوة: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس مردود فيكم"، أخرجه أبو داود والنسائي. والذي رجحه القرطبي جزم به الواقدي. ويذهب الطبري هذا المذهب فيقول: استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبي ﷺ كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال: وهو مردود، بدليل القرآن والآثار الثابتة.
ويميل القاضي عياض إلى هذا فيقول: ليس في هذه الأحاديث تصريح بأنه ﷺ أعطاهم قبل إخراج الخمس، وأنه لم يحسب ما أعطاهم من الخمس، قال: والمعروف في باقي الأحاديث أنه ﷺ إنما أعطاهم من الخمس، ففيه أن للإمام صرف الخمس، وتفضيل الناس فيه، على ما يراه، وأن يعطي الواحد منه الكثير، وأنه يصرفه في مصالح المسلمين، وله أن يعطي الغني منه لمصلحة. اهـ كذلك اختار أبو عبيد أنه كان من الخمس.
стр. 2313
فهذا الفريق يرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن كان من الخمس، ودليله تطبيق أصول الشريعة، وإجراء ما حصل على قواعدها، وتأويل أو توجيه ما يوهم غير ذلك مما ورد في أحاديثها.
والجمهور على أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن خاصة كان من أصل الغنيمة، لأن النصوص الثابتة في الأحاديث ظاهرة في هذا ومن الصعب تأويلها، وفي حملها على غير ظاهرها تمحل وتعسف.
أولاً: لأن الأنصار يعلمون أن الخمس لله ورسوله، فلو أن الإعطاء كان من الخمس لما اعترضوا، ولما غضبوا هذه الغضبة التي وافقهم عليها رؤساؤهم.
ثانياً: جمع الرسول ﷺ لهم، وخطابته فيهم، والاعتذار إليهم بما اعتذر، ولو أن الإعطاء كان من الخمس لذكرهم بحقه، ولم يكن هناك حاجة إلى الترضية والاعتذار.
ثالثاً: قول الأنصار في الرواية الثامنة: "إن هذا لهو العجب. إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم". وقولهم في الرواية التاسعة: "إذا كانت الشدة فنحن ندعى لها، وتعطي الغنائم غيرنا". واضح وصريح في أنهم يعتبرون ما أعطى للمؤلفة غنائم لهم، وليس الخمس الذي هو من حق الرسول ﷺ .
رابعاً: أصرح من هذا ما جاء في الرواية التاسعة من قول أنس: "فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً".
خامساً: لو أن الأنصار أخذوا من الغنيمة شيئاً لرجعوا بالشاة والبعير وما قيل لهم: "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والإبل وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون".
أمام هذه النصوص ذهب الجمهور إلى أن الإعطاء من الغنيمة خاص بهذه الواقعة لأحد أمرين: إما مراعاة لمصلحة أهم، وإما لسبب خاص في هذه الغنيمة، عن الأمر الثاني يقول الحافظ ابن حجر: وقيل: إنما كان تصرف في الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار، فرد الله أمر الغنيمة لنبيه ﷺ . اهـ.
والمحقق في سير المعركة يرى أن أساس النصر فيها كان ثبات رسول الله ﷺ ، وأن الكثرة لم تغن شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولوا مدبرين، فأساس النصر ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾ [التوبة: ٢٦] فكانت الغنائم حقاً لله ورسوله، وإذا كان لم يستخدم هذا الحق في الانتصارات السابقة التي تدخلت فيها الملائكة فلا يلزم ألا يستخدمه هنا لمصلحة أهم.
وعن الأمر الثاني يطنب ابن القيم، فيقول: اقتضت حكمة الله أن فتح مكة كان سبباً لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام، وكانوا يقولون: دعوه وقومه، فإن غلبهم دخلنا في
стр. 2314
دينه، وإن غلبوه كفونا أمره. فلما فتح الله عليه استمر بعضهم في ضلاله، فجمعوا له، وتأهبوا لحربه، وكان من الحكمة في ذلك أن يظهر أن النصر لله ورسوله، لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل ولا بانكفاف قومه عن قتاله.
ثم لما قدر الله عليه من غلبته إياهم قدر وقوع هزيمة المسلمين مع كثرة عددهم وقوة عدتهم، ليتبين لهم أن النصر الحق إنما هو من عنده، لا بقوتهم، ولو قدر أن يغلبوا الكفار ابتداء لرجع من رجع منهم شامخ الرأس متعاظماً فقدر هزيمتهم، ثم أعقبهم النصر، ليدخلوا مكة كما دخلها النبي ﷺ يوم الفتح متواضعاً متخشعاً، واقتضت حكمته أيضاً أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي فيه من الطبع البشري في محبة المال، فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم، وتجتمع على محبته، لأنها جبلت على حب من أحن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصوراً عليهم، بخلاف قسمته على المؤلفة، لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سبباً لدخولهم في الإسلام وسبباً لتقوية قلب من دخل فيه، كان في ذلك عظيم المصلحة. ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلاً ولا كثيراً مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه، فحرك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى رئيسهم أن يخرجوا معهم أموالهم ونساءهم، فكان ذلك سبباً لتصير غنيمة للمسلمين.
ثم اقتضت تلك الحكمة أن تقسم الغنائم في المؤلفة، ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثم كان من تمام التأليف رد من سبي من نسائهم وذراريهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام، فدخلوا طائعين راغبين وجبر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب، فصرف عنهم شر من كان يجاورهم من أشد العرب، من هوازن وثقيف بما دفع بهم من الكسرة، وبما قيض لهم من الدخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها وكثرتها، وأما الأنصار فبالاعتذار لهم، وتوضيح الحكمة لكبرائهم شرح الله صدورهم، ورجعوا مذعنين، ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله ﷺ إلى بلادهم ومجاورته لهم حياً وميتاً، وهذا دأب الحكيم، يعطي كل أحد ما يناسبه. انتهى ملخصاً.
-[ما يؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - ويؤخذ من الحديث الأول مداراة أهل الجهالة والقسوة، وتألفهم إذا كان فيه مصلحة.
٢ - وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة.
٣ - واستحباب اتقاء الاتهام بالبخل، وإن كان ظاهر الكرم.
٤ - تنبيه الكبير إلى ما يعتقد أنه خير.
٥ - توضيح المعلم للمتعلم حكمة التصرف، وإن كان في ذلك كشف لبعض الأستار.
٦ - ومن الحديث الثاني احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، والتجاوز عن جفاء الجفاة.
стр. 2315
٧ - ودفع السيئة بالحسنة.
٨ - وإعطاء المؤلفة قلوبهم.
٩ - والعفو عمن ارتكب كبيرة لا حد فيها بجهله.
١٠ - وإباحة الضحك عند الأمور التي يتعجب منها في العادة.
١١ - وبيان حلمه ﷺ ، وصبره على الأذى في النفس والمال، وخلقه الجميل من الصفح والإغضاء.
١٢ - ومن الحديث الثالث استئلاف أهل اللسان ومن في معناهم بالعطية والكلام الطيب، ففي بعض روايات الصحيح "وكان في خلقه شدة".
١٣ - وفيه الاكتفاء في الهبة بالقبض.
١٤ - واستدل به على جواز شهادة الأعمى، لأن النبي ﷺ عرف صوت مخرمة، فاعتمد به على معرفته وخرج إليه معه القباء الذي خبأ له.
١٥ - واستنبط منه بعض المالكية جواز الشهادة على الخط، وتعقب بأن الخطوط تشتبه أكثر ما تشتبه الأصوات.
١٦ - وفيه رد على من زعم أن المسور لا صحبة له.
١٧ - ومن الحديث الخامس الفرق بين الإيمان والإسلام، وليس فيه إنكار كونه مؤمناً، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان، وأن لفظ الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلوم بحكم الظاهر وأما الإيمان فباطن، لا يعلمه إلا الله تعالى. قال النووي: وقد زعم صاحب التحرير أن في هذا الحديث إشارة إلى أن الرجل لم يكن مؤمناً، وليس كما زعم، بل فيه إشارة إلى الإيمان، فإن النبي ﷺ قال في جواب سعد: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه" ومعناه أعطي من أخاف عليه لضعف إيمانه أن يكفر، وأدع غيره ممن هو أحب إلي منه، لما أعلمه من طمأنينة قلبه، وصلابة إيمانه.
١٨ - وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافاً للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا خطأ ظاهر يرده إجماع المسلمين والنصوص في إكفار المنافقين، وهذه صفتهم.
١٩ - وفيه الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما ليس بمحرم.
٢٠ - وفيه مراجعة المسئول في الأمر الواحد.
٢١ - وفيه تنبيه المفضول الفاضل على ما يراه مصلحة.
٢٢ - وفيه أن الفاضل لا يقبل ما يشار عليه به مطلقاً، بل يتأمله. ذكره النووي، وقال: فإن لم تظهر مصلحته لم يعمل به.
стр. 2316
٢٣ - وفيه الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه.
٢٤ - وفيه أن الإمام يصرف المال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم.
٢٥ - وفيه أنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين إلا من ثبت فيه نص كالعشرة وأشباههم. وهذا مجمع عليه عند أهل السنة.
٢٦ - وفيه جواز الأمر إلى أحد الحاضرين لمصلحة، وليس من المناجاة الممنوعة، لوجود أكثر من واحد. قال النووي: وفيه التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون به، فقد يكون في المجاهرة به مفسدة.
٢٧ - ومن الحديث السادس إلى الرابع عشر حسن أدب الأنصار، فحين غضبوا قالوا: يغفر الله لرسول الله.
٢٨ - وحين سئلوا تركوا المماراة والجدل والتمسك بحقهم.
٢٩ - وحسن اعتذارهم عما بدر، إذ بينوا أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبابهم، لا عن شيوخهم أو ساداتهم ورجالاتهم.
٣٠ - وإقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه.
٣١ - وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق.
٣٢ - وفيها المعاتبة، واستعطاف المعاتب، وإزالة عتبه برفق.
٣٣ - والاعتذار والاعتراف.
٣٤ - وأن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء.
٣٥ - وأن له أن يعطي الغني للمصلحة.
٣٦ - وأن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك.
٣٧ - ومشروعية الخطبة عند حدوث أمر سواء أكان خاصاً أم عاماً.
٣٨ - وجواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة.
٣٩ - وتسلية من فاته شيء من الدنيا بما سيحصل له من ثواب في الآخرة.
٤٠ - والحض على طلب الهداية والألفة.
٤١ - وأن المنة على الإنسانية لله ولرسوله ﷺ .
٤٢ - وتقديم جانب الآخرة على الدنيا.
٤٣ - والصبر عما فات منها رجاء ادخاره في الآخرة.
стр. 2317
٤٤ - وفيها مناقب عظيمة للأنصار، لما جاء من ثناء الرسول ﷺ عليهم.
٤٥ - وفيها علم من أعلام النبوة قوله: "ستلقون بعدي أثرة".
٤٦ - وبقوله في الرواية السابعة: "إن ابن أخت القوم منهم". استدل من يورث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وآخرين، ومذهب مالك والشافعي وآخرين أنهم لا يرثون، وأجابوا بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي التوريث، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطاً وقرابة، ولم يتعرض للإرث، وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرهم بحضرته، ونحو ذلك. ذكره النووي.
٤٧ - ومن الرواية التاسعة أن النصر من الله، وأن الكثرة في العدد والعدة قد لا تغني شيئاً.
٤٨ - والحث على عدم الاغترار بالقوة والعدد.
٤٩ - وفيه شجاعة النبي ﷺ ورباطة جأشه وثقته بربه.
٥٠ - وجواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله، قال الحافظ ابن حجر: ولا يقال: كان النبي ﷺ متيقناً النصر، لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حق، لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه، آخذ بلجام بغلته، وليس هو في اليقين مثل النبي ﷺ ، واستشهد في تلك الحالة أيمن بن أم أيمن. اهـ.
٥١ - وفيها فرار الصحابة في المعركة لعذر، قال الطبري: الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود، وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة.
٥٢ - ومن إكمال المائة لعباس بن مرداس اتقاء اللسان وحماية العرض وتأليف ضعيف الإيمان.
٥٣ - ومن الرواية الثانية عشرة وقبلها السادسة إثبات الحوض في الآخرة.
٥٤ - ومن الرواية الثالثة عشرة جواز النقل على وجه النصيحة، لأن النبي ﷺ لم ينكر على ابن مسعود نقله ما نقل، بل غضب من قول المنقول عنه.
قال الحافظ ابن حجر: إن المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد، أما من يقصد النصيحة ويتحرى الصدق، ويجتنب الأذى فلا.
٥٥ - وحلمه ﷺ وصبره وتأسيه بموسى ﵇، امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]. الخوارج والحض على قتالهم
هذا هو الموضوع الثاني: وتتناوله الأحاديث من رقم (١٥) من هذه المجموعة.
والمسألة الأساسية فيها: نشأة الخوارج، وفرقهم، ومعتقداتهم، وما آل إليه أمرهم، وحكم علماء المسلمين فيهم، ثم نذكر ما يؤخذ من الأحاديث من أحكام أخرى.
стр. 2318
يقول الحافظ ابن حجر: أصل الخوارج أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان؛ بل كانوا ينكرون عليه أشياء، ويتبرءون منه، وكان يقال لهم: القراء. لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي، واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة علي، وكفر من قاتله من أهل الجمل، ولما خرج علي من الكوفة لقتال أهل الشام خرجوا مع علي، وحاربوا بصفين معه، فلما كاد أهل الشام أن ينهزموا رفعوا المصاحف على الرماح، ونادوا: ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، فترك جمع كثير ممن كان مع علي -وخصوصاً هؤلاء القراء- القتال بسبب ذلك تديناً، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ [آل عمران: ٢٣] فلما اتفق أهل الشام وأهل العراق على التحكيم، وكتبوا في ذلك كتاباً كتب فيه: هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين على معاوية امتنع أهل الشام من ذلك، وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك [تأسياً برسول الله ﷺ في صلح الحديبية] أنكر الخوارج على علي أمرين:
الأول: أنه خلع ثوب الإمارة.
الثاني: أنه قبل التحكيم، فعند أحمد أنهم قالوا له: "انسلخت من قميص ألبسكه الله، ومن اسم سماك الله به ثم حكمت الرجال في دين الله"، ولا حكم إلا لله. ولما رجع علي بجيشه إلى الكوفة انتظاراً لحكم المحكمين فارقه هؤلاء القراء، وخرجوا إلى مكان يقال له: حروراء، ومن ثم قيل لهم: الحرورية. وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء اليشكري، وشبث [بفتح الشين والباء بعدها ثاء] التميمي، فأرسل علي إليهم عبد الله بن عباس، فناظرهم، فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم علي، فناشدهم فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران.
لكنهم أشاعوا في الكوفة أن علياً تاب من قبوله التحكيم، ولذلك رجعوا معه، وجاء رجل إلى علي فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله. فقال لهم علي: كلمة حق يراد بها باطل [إذ كانوا يقصدون رفض التحكيم، والانخلاع من حكم علي] فقال لهم علي: لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم في الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فساداً.
لكنهم خرجوا من الكوفة متسربين شيئاً بعد شيء حتى اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم علي يطلب منهم الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر، لرضاه بالتحكيم، ويتوب.
ثم قرروا إرغام الناس على عقيدتهم، وقرروا أن من لا يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله، وانتقلوا إلى تنفيذ القرار، فاستعرضوا الناس، فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت، وكان والياً لعلي على بعض البلاد ومعه سرية وهي حامل، فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد، فأرسل إليهم علي رسولاً يطلب منهم تحديد قاتل ابن خباب، فقتلوا رسوله، وقالوا:
стр. 2319
كلنا قتلناه، فخرج إليهم علي بالجيش الذي كان قد هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة.
هذا هو الميدان الذي تتحدث عنه أحاديث الباب.
أما بقية أمرهم فإن من بقي منهم أخذ يدعو للعقيدة، وأخذ ينضم إليه سراً من ينضم، ولم يظهر أحد منهم في خلافة علي، إلى أن قتل علي بعد أن دخل في صلاة الصبح على يد رجل منهم هو عبد الرحمن بن ملجم.
ثم لما وقع الصلح بين الحسن ومعاوية ظهرت فرقة منهم، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له: النجيلة، ثم عملوا لدعوتهم في الخفاء في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول مدة حكم معاوية وابنه يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق، وولي الخلافة عبد الله بن الزبير. ظهر الخوارج بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نجدة بن عامر، وزاد نجدة على عقيدتهم أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر، ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادراً، وإن لم يكن قادراً فقد ارتكب كبيرة وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقاً، وفتكوا بمن ينسب إلى الإسلام قتلاً وسبياً ونهباً. فمنهم من يفعل ذلك مطلقاً بغير دعوة منهم ومنهم من يدعو أولاً، ثم يفتك.
ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة بقتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم، وتقلل جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية ودخلت طائفة منهم المغرب [ومازال حتى اليوم من يعتقد عقيدتهم].
ثم قال: وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف -بكسر الميم وسكون الخاء وفتح النون بعدها فاء- كتاباً لخصه الطبري في تاريخه، وصنف في أخبارهم أيضاً الهيثم بن عدي كتاباً، ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري كتاباً كبيراً، وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه "الكامل".
ثم قال: قال القاضي أبو بكر بن العربي: الخوارج صنفان: أحدهما يزعم أن عثمان وعلياً وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بالتحكيم كفار. والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار. وقال غيره: بل الصنف الأول مفرع عن الصنف الثاني، لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم: ذهب نجدة بن عامر من الخوارج إلى من أتى صغيرة عذب بغير النار، ومن أدمن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار، وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد، فأنكر الصلوات الخمس، وقال: الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي، ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأن من قال: لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله، ولو اعتقد الكفر بقلبه. وقال أبو منصور
стр. 2320
البغدادي في المقالات: عدة فرق الخوارج عشرون فرقة. وقال ابن حزم: أسوؤهم حالاً الغلاة المذكورون، وأقربهم إلى أهل الحق الأباضية.
أما عن حكم العلماء على الخوارج فقد قال الغزالي في "الوسيط" تبعاً لغيره في حكم الخوارج وجهان:
أحدهما: أنه كحكم أهل الردة.
الثاني: أنه كحكم أهل البغي. ورجح الرافعي الأول.
قال الحافظ ابن حجر: وليس الذي قاله مطرداً في كل خارجي، فإنهم على قسمين، أحدهما من تقدم ذكره، والثاني من خرج في طلب الملك، لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضاً: قسم خرجوا غضباً للدين من أجل جور الولاة، وترك عملهم بالسنة النبوية، فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسن بن علي وأهل المدينة في الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط، سواء كانت فيهم شبهة أم لا، وهم البغاة. اهـ.
والحق أن لفظ: "طائفة خارجة" و"خوارج" في أصل اللغة يعم من ذكرهم الحافظ ابن حجر وغيرهم، إلى أكثر من عشرين فرقة، فينبغي أن يرتبط الحكم على كل فرقة بما هي عليه، من حيث العقيدة، ومن حيث العمل، فمن أنكر شيئاً علم من الدين بالضرورة، ولو لم يخرج على الحاكم حكم عليه بالردة، ومن خرج على الإمام بشبهة أو بدون شبهة لمنازعة الحكم فهم بغاة، ولو لم ينكروا ما علم من الدين بالضرورة، وقد حفظ القرآن لهم وصف المؤمنين حين قال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩].
والذي أميل إليه أن الخوارج الموصوفين في أحاديث الباب مرتدون، وإن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبالغوا في العبادة والزهد وقراءة القرآن، فالرواية السابعة عشر تقول: "قوم يتلون كتاب الله رطباً، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود".
وفي الرواية الثامنة والتاسعة عشرة: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم -أو حلوقهم- أو تراقيهم، يمرقون من الدين -أو من الإسلام- كما يمرق السهم من الرمية". وفي الرواية السابعة والعشرين: "يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم". وفي الرواية الخامسة والعشرين: "فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة. وفي الرواية التاسعة والعشرين: "يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة".
فهذه الأحاديث تصرح بكفرهم وارتدادهم، وتحث على قتالهم وقتلهم، أما كون الذين قاتلهم
стр. 2321
وقتلهم علي بن أبي طالب ﵁ هم المقصودين بالحديث فموضوع آخر، وحتى مع آية المخدج فإن الحكم يعم كل من على شاكلتهم، ووجود المخدج ضمن طائفة ليس علامة على أنهم كذلك، فقد كان في جيش علي ﵁ وحارب معه في الجمل وصفين. إنما العلامة قتله فيهم -كما هو واضح من الرواية السابعة والعشرين والثامنة والعشرين، وأساس الحكم عقيدتهم وأعمالهم.
وقد ضرب العلماء بسهم وافر في هذه المسألة، حتى قال القاضي عياض: كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالاً عند المتكلمين من غيرها، حتى توقف بعض الفضلاء فيها، واعتذر بعضهم بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها أمر عظيم في الدين واعتذر آخرون بأن هؤلاء القوم لم يصرحوا بالكفر، وإنما قالوا أقوالاً لا تؤدي إلى الكفر. وقال الغزالي في كتاب "التفرقة بين الإيمان والزندقة": والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إلى ذلك سبيلاً، فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد. وقد استعرض الحافظ ابن حجر كثيراً من آراء العلماء المكفرين لهم وغير المكفرين، نوردها بتصرف:
أقوال غير المكفرين:
(أ) قال الحافظ ابن حجر: ذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق، وأن حكم الإسلام يجرى لهم، لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا لتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم، والشهادة عليهم بالكفر والشرك.
(ب) وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام.
(ج) وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين، لقوله [في روايتنا الثامنة عشرة]: "فيتمارى في الفوقة، هل علق بها من الدم شيء". لأن التماري من الشك، وإذ وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين. قال: وقد سئل علي عن أهل النهر: هل كفروا؟ فقال: من الكفر فروا -قال الحافظ ابن حجر: وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم، ثم قال: وفي احتجاجه بقوله "يتمارى في الفوق" نظر، فإن في بعض الروايات [روايتنا العشرين] "وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة" وفي بعضها [روايتنا التاسعة عشرة]: سبق الفرث والدم". قال: وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أو لا؟ ثم تحقق أنه لم يعلق به بالسهم ولا بشيء منه من المرمي شيء، ويمكن أن يحمل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويقول في قوله: "يتمارى" إشارة إلى بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء.
стр. 2322
(د) وقال القرطبي في "المفهم": والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث. ثم قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئاً.
أقوال المكفرين:
(أ) قال الحافظ ابن حجر: استدل بالأحاديث من قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاري، حيث قرنهم بالملحدين [إذ قال في الترجمة: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم] وأفرد عنهم المتأولين بترجمة.
(ب) صرح القاضي ابن العربي في "شرح الترمذي"، فقال: الصحيح أنهم كفار، لقوله ﷺ : "يمرقون من الإسلام" ولقوله: "لأقتلنهم قتل عاد" وفي لفظ: "ثمود" وكل منهما إنما هلك بالكفر، ولقوله: "هم شر الخلق" ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار، فكانوا هم أحق بالاسم منهم.
(جـ) قال الشيخ تقي الدين السبكي في "فتاويه": احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة، لتضمنه تكذيب النبي ﷺ في شهادته لهم بالجنة. قال: وهو عندي احتجاج صحيح، لأنا نعلم تزكية من كفروه علماً قطعياً إلى حين موته، وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم وفي الحديث الصحيح: "من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما". وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ممن لا تصريح بالجحود فيه، بعد أن فسروا الكفر بالجحود، ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالاً، والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم، كما لا ينجي الساجد لصنم ذلك.
(د) وقال الطبري في "تهذيبه": في الأحاديث رد على قول من قال: لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالماً. فإنه باطل لقوله: "يقرءون القرآن ويمرقون من الإسلام، ولا يتعلقون منه بشيء" ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آيات القرآن على غير المراد منه، ويؤيد القول المذكور الأمر بقتلهم مع حديث ابن مسعود: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" وفيه: "التارك لدينه المفارق للجماعة".
فهذه ثلاثة مذاهب في الحكم على الخوارج المذكورين في أحاديث الباب ومن على شاكلتهم، مذهب يكفرهم، ومذهب يفسقهم ولا يكفرهم، ومذهب يتوقف ولا يحكم بهذا ولا بذاك.
قال القرطبي في "المفهم": فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون، ويقتلون، وتسبى أموالهم، وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي، إذا شقوا العصا، ونصبوا الحرب، فأما من استسر منهم ببدعة، فإذا ظهر عليه وغلب هل يقتل مع الاستتابة؟ أو لا يقتل؟ بل يجتهد في رد بدعته؟ اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم. اهـ.
стр. 2323
وقال القاضي: أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأي الجماعة، وشقوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم، لكن لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع منهزمهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا تباح أموالهم، وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يقاتلون، بل يوعظون ويستتابون من بدعتهم وباطلهم، وهذا كله ما لم يكفروا ببدعتهم، فإن كانت بدعة مما يكفرون بها جرت عليهم أحكام المرتدين، وأما البغاة الذين لا يكفرون فيرثون ويورثون، ودمهم في حال القتال هدر، وكذا أموالهم التي تتلف في القتال، والأصح أنهم لا يضمنون أيضاً ما أتلفوه على أهل العدل في حال القتال من نفس ومال، وما أتلفوه من نفس ومال في غير حال القتال يضمنوه، ولا يحل الانتفاع بشيء من دوابهم وسلاحهم في حال الحرب عندنا وعند الجمهور، وجوزه أبو حنيفة. والله أعلم.
-[ويؤخذ من مجموعة هذه الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - في قوله في الحديث الخامس عشر: "إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم" جواز ترك قتال الخوارج على أنهم من المؤلفة قلوبهم. قال العلماء: وهذا إذا لم يظهروا رأيهم، وينصبوا للناس القتال، فإن فعلوا وجب قتالهم، وعدم قتل الرسول ﷺ لهذا وأصحابه لأنهم لم يظهروا ما وراءهم، فلو قتل ظاهر الصلاح عند الناس قبل استحكام الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام.
نعم لو اعتقدت فرقة مذهب الخوارج مثلاً، ولم ينصبوا حرباً جاز للإمام الإعراض عنهم إذا رأى المصلحة في ذلك.
وقال ابن بطال نقلاً عن المهلب: التألف إنما كان في أول الإسلام، إذ كانت الحاجة ماسة لذلك، لدفع مضرتهم، فأما إذا أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف، إلا أن تنزل بالناس حاجة لذلك، فلإمام الوقت ذلك.
وحكى الطبري الإجماع على الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الإمام ما لم ينصب لذلك حرباً، أو يستعد لذلك، وقال: بشرط أن لا يكفر باعتقاده، وأسند إلى عمر بن عبد العزيز "أنه كتب في الخوارج بالكف عنهم ما لم يسفكوا دماً حراماً، أو يأخذوا مالاً، فإن فعلوا فقاتلوهم، ولو كانوا ولدي". ومن طريق ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما يحل في قتال الخوارج؟ قال: إذا قطعوا السبيل، وأخافوا الآمن".
٢ - وفي الأحاديث أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم، بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق. ذكره الحافظ ابن حجر.
٣ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الأحاديث علم من أعلام النبوة حيث أخبر بما وقع قبل أن يقع. وذلك أن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة، فقالوا: نفى لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين.
стр. 2324
٤ - خطورة الجهل بالدين والاستبداد بالرأي.
٥ - قال ابن هبيرة: وفي الأحاديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن في قتالهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظ رأس المال أولى.
٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفيها التحذير من الغلو في الديانة والتنطع في العبادة، وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سمحة، وإنما ندب الشدة على الكفار، والرأفة بالمؤمنين.
٧ - وجواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل.
٨ - ومن نصب الحرب فقاتل عن اعتقاد فاسد.
٩ - ومن خرج يقطع الطرق ويخيف السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد.
قال الحافظ: وأما من خرج عن طاعة إمام جائر، أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور، ولا يحل قتاله، وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته.
١٠ - وأخذ بعضهم من قوله: "سيماهم التحالق" في الرواية المتممة للعشرين، ذم استئصال شعر الرأس، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون المراد بيان صفتهم الواقعة، دون إرادة ذمها، قال النووي: واستدل بعض الناس على كراهة حلق الرأس بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، وإنما هو علامة لهم والعلامة قد تكون بمباح، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ رأى صبياً قد حلق بعض رأسه، فقال: "احلقوه كله أو اتركوه كله". وهذا صريح في إباحة حلق الرأس، لا يحتمل تأويلاً. قال أصحابنا: حلق الرأس جائز بكل حال، لكن إن شق عليه تعهده بالدهن والتسريح استحب له حلقه، وإن لم يشق استحب تركه. اهـ.
١١ - وفيها أنه لا يكتفى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله. قاله الحافظ.
١٢ - وفيها منقبة عظيمة لعلي ﵁ وأنه كان الإمام الحق وأنه كان على الصواب في قتال من قاتله في حروبه في الجمل وصفين وغيرهما. قاله الحافظ.
١٣ - وفي استحلاف عبيدة السلماني لعلي في الرواية السابعة والعشرين التثبت من الأمر الغريب، لتأكيده عند السامعين، وليطمئن قلب المستحلف.
١٤ - وحلف المستحلف لتحقيق تلك الغاية المشروعة.
١٥ - ووثوق علي ﵁ من ذاكرته وحفظه لأوصاف المخدج، وعند الطبري أن علي بن أبي طالب قال لأصحابه بعد المعركة: دخلت على رسول الله ﷺ ، وليس عنده إلا عائشة، فقال: "كيف أنت وقوم يخرجون من قبل المشرق، وفيهم رجل كأن يده ثدي حبشية؟ " قال علي: ناشدتكم الله هل
стр. 2325
أخبرتكم بأنه فيهم؟ قالوا: نعم، قال: فجئتموني؛ فقلتم، ليس فيهم، فحلفت لكم أنه فيهم، ثم أتيتموني به تسحبونه كما نعت لي؟ فقالوا: اللهم نعم. فهلل علي وكبر.
١٦ - قال النووي عند شرحه للرواية الخامسة والعشرين من قوله: "أحداث الأسنان: سفهاء الأحلام". يستفاد أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب، وقوة العقل.
قال الحافظ ابن حجر: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة. اهـ.
والله أعلم
стр. 2326
(٢٩٥) باب لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد ﷺ وتحل لهم الهدية
٢١٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه. فقال رسول الله ﷺ "كخ كخ. ارم بها. أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟ ".
٢١٥٤ - وعن شعبة بهذا الإسناد وقال "أنا لا تحل لنا الصدقة؟ ".
٢١٥٥ - وعن شعبة في هذا الإسناد كما قال ابن معاذ "أنا لا نأكل الصدقة؟ ".
٢١٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، ثم أرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها".
٢١٥٧ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ "والله إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي (أو في بيتي)، فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة (أو من الصدقة) فألقيها".
٢١٥٨ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ وجد تمرة فقال "لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها".
٢١٥٩ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بتمرة بالطريق فقال "لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها".
٢١٦٠ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ وجد تمرة فقال "لولا أن تكون صدقة لأكلتها".
стр. 2327
٢١٦١ - اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين (قالا لي وللفضل بن عباس) إلى رسول الله ﷺ فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدي الناس وأصابا ما يصيب الناس. قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما. فذكرا له ذلك. فقال علي بن أبي طالب: لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل. فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا فوالله لقد نلت صهر رسول الله ﷺ فما نفسناه عليك. قال علي أرسلوهما فانطلقا واضطجع علي. قال: فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال "أخرجا ما تصرران" ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش. قال: فتواكلنا الكلام ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون. قال: فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلمه. قال: وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. قال: ثم قال "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس. ادعوا لي محمية (وكان على الخمس) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب" قال فجاءاه فقال لمحمية "أنكح هذا الغلام ابنتك" (للفضل بن عباس) فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث "أنكح هذا الغلام ابنتك" (لي) فأنكحني وقال لمحمية "أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا". قال الزهري ولم يسمه لي.
٢١٦٢ - عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب والعباس بن عبد المطلب ﵄ أنهما قالا لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن عباس ائتيا رسول الله ﷺ وساق الحديث بنحو حديث مالك. وقال فيه فألقى علي رداءه ثم اضطجع عليه، وقال أنا أبو حسن القرم والله لا أريم مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به إلى رسول الله ﷺ . وقال في الحديث ثم قال لنا "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" وقال أيضاً ثم قال رسول الله ﷺ "ادعوا لي محمية ابن جزء" وهو رجل من بني أسد كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس.
стр. 2328
٢١٦٣ - عن جويرية زوج النبي ﷺ ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها فقال "هل من طعام؟ " قالت: لا والله يا رسول الله ما عندنا طعام إلا عظم من شاة أعطيته مولاتي من الصدقة. فقال "قربيه فقد بلغت محلها".
٢١٦٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: أهدت بريرة إلى النبي ﷺ لحماً تصدق به عليها فقال "هو لها صدقة. ولنا هدية".
٢١٦٥ - عن عائشة ﵂ وأتي النبي ﷺ بلحم بقر فقيل هذا ما تصدق به على بريرة فقال "هو لها صدقة ولنا هدية".
٢١٦٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كانت في بريرة ثلاث قضيات كان الناس يتصدقون عليها وتهدي لنا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال "هو عليها صدقة ولكم هدية فكلوه".
وبمثل ذلك.
٢١٦٧ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بمثل ذلك غير أنه قال "وهو لنا منها هدية".
٢١٦٨ - عن أم عطية ﵂ قالت: بعث إلي رسول الله ﷺ بشاة من الصدقة
стр. 2329
فبعثت إلى عائشة منها بشيء فلما جاء رسول الله ﷺ إلى عائشة قال "هل عندكم شيء؟ " قالت: لا إلا أن نسيبة بعثت إلينا من الشاة التي بعثتم بها إليها. قال "إنها قد بلغت محلها".
٢١٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أتي بطعام سأل عنه فإن قيل هدية أكل منها وإن قيل صدقة لم يأكل منها.
-[المعنى العام]-
إن الصدقة من ألوان المذلة على الآخذ. مهما غلف هذا اللون بغلاف المواساة الشرعي، وليس أدل على ذلك من طلب الشريعة لإخفائها حين إعطائها "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١].
وفي محاولة من الإسلام لرفع مذلة الآخذ للمعطي طلب تسليمها للإمام، وطلب من الإمام أخذها من الأغنياء ولو بالقوة، وأشار إلى أنها حق معلوم للسائل والمحروم، وحذر المعطي من المن على الفقير بها من جرح مشاعره بأي مظهر من مظاهر الجرح، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .... الآية. لكن هذه المحاولات على كثرتها -وإن خففت لون مذلة الآخذ لم تغير الحقيقة، وأنها أوساخ الناس، أو غسلات أوساخهم، فهي مكفرة لذنوبهم، مطهرة لهم ولأموالهم.
من هنا يترفع عنها ذوو الشرف والجاه، ويأبى أخذها أو طلبها ذوو النفوس الأبية، وإن عضهم الفقر بأنيابه ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣].
وأي البشر أشرف من محمد ﷺ وآله؟ أليسوا صفوة خلقه كما جاء في الحديث الصحيح القائل: "إن الله اصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
فليس عجباً -والحالة هذه- أن يجيء التشريع الإسلامي بقوله ﷺ : "إنا لا نأكل الصدقة". "إنا لا تحل لنا الصدقة". "إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد". بل بالغ ﷺ في نفوره من تناوله أو تناول أهله لها في هذه الأحاديث بثلاثة مظاهر.
المظهر الأول: زجره للحسن بن علي مرة، وللحسين مرة أخرى حين أخذ كل منهما تمرة من تمر الصدقة، وهما طفلان صغيران لم يميزا بعد؛ كانا يلعبان في المسجد، وتمر الصدقة كومة فيه، ولقد بدا عنف هذا الزجر حين جاء بلفظ: كخ. كخ. وبلهفة الخوف والرهبة، وبسرعة منع هذا الحدث باليد، إذ أدخل ﷺ إصبعه في فم الطفل وهو يلوك
стр. 2330
التمرة فأخرجها من فمه؛ ثم أتبع ذلك بزجر وتأنيب آخر، يخاطب الطفل كأنه رجل كبير: "أما علمت أنا لا نأكل الصدقة"؟ .
المظهر الثاني: تحرزه الشديد من الوقوع فيها، وبعده عن مجرد الاشتباه فيها، وترك ما يريب بخصوصها إلى ما لا يريب، بل التأكد من بعدها لمجرد خطورها على البال، فهو ﷺ يجد التمرة الواحدة في الطريق، فيرفعها ليأكلها، فيخطر بباله احتمال كونها من الصدقة، فيعطيها لصاحبه ولا يأكلها، وهو يدخل بيته فيجد فيه تمرة، أو يجد على فراشه تمرة، وهو يعلم أن الناس لا يدخلون الصدقة بيته، لكن الاحتمال الضعيف وأنها من الصدقة يمنعه من أكلها؛ بل وصل الورع به والمبالغة في التحرز أنه كان إذا قدم إليه طعام سألهم: من أين؟ أمن الصدقة هو؟ فإن قيل: من الصدقة. لم يأكل منه، وإن قيل: هدية. أكل منه.
المظهر الثالث: إبعاد بني هاشم عنها لدرجة إبعادهم عن العمالة فيها، إن العامل له أجره على ما يعمل، وإن جباة الزكاة وسعاتها لهم أجرتهم مقابل جهدهم، لكن لما كانت أجرتهم من الصدقة، وكان لهم سهم كمصرف من مصارف الزكاة بنص القرآن: ﴿والعاملين عليها﴾ [التوبة: ٦٠] وجدنا. ﷺ يترفع بالفضل ابن عمه العباس، وبعبد المطلب بن ربيعة ابن عمه الحارث بن عبد المطلب أن يؤمرهما على الصدقات، وليؤديا ما يؤدي الناس، ويصيبا من الأجر مثلما يصيب الناس، يترفع بهما عن هذه المهمة، ويرفض طلبهما لها، ويقول: "إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد". ﷺ .
أليس في ذلك القدوة الحسنة للمسلمين أن يترفعوا عن الذلة والمهانة، وعن مد الأيدي إلى المسلمين أو غير المسلمين؟ أليس في ذلك الدعوة إلى العزة والكرامة لتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؟ هل للمتسولين الذين يملئون ساحات الأولياء ويشغلون الطرقات ويحرجون ويحرجون أن يتعظوا ويكفوا أيديهم؟ ويعودوا إلى دينهم؟ وإلى تعاليم رسولهم؟ .
اللهم اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. (آمين).
-[المباحث العربية]-
(أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة) في رواية لأحمد عن أبي هريرة قال: "كنا عند رسول الله ﷺ وهو يقسم تمراً من تمر الصدقة والحسن في حجره"، فهذه الرواية تبين أن الحسن كان طفلاً، كما تبين ظروف أخذ التمرة.
(فجعلها في فيه) في بعض الروايات "فلم يفطن له النبي ﷺ حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي ﷺ شدقه"، وفي رواية "فلما فرغ حمله على عاتقه، فسال لعابه، فرفع رأسه، فإذا تمرة في فيه". وفي الفم لغات، تثليث الفاء مع تخفيف الميم، وفتح الفاء وضمها مع تشديد الميم، والقصر.
стр. 2331
(كخ. كخ) مكرر مرتين للتأكيد، وفيها ست لغات، فتح الكاف مع سكون الخاء، ومع كسر الخاء منوناً وغير منون، وكسر الكاف مع حالات الخاء الثلاث، وهي كلمة يزجر بها الصبيان عن المستقذرات، أو عند ما لا ينبغي الإتيان به، ومعناها اتركه، وارم به، قيل: عربية، وقيل: أعجمية. وقال الداودي: هي عجمية معربة، بمعنى بئس. وقد أشار إلى هذا البخاري في باب من تكلم بالفارسية والرطانة. وزاد في رواية البخاري "ليطرحها" بدل "ارم بها". وفي رواية لأحمد "فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة فحرك خده، وقال: القها يا بني. القها يا بني". ولا مانع من أن يكون ﷺ قد جمع للصبي هذه الكلمات وهذه الحركات، عند محاولته إخراج التمرة من فم الصبي.
(أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟ ) في رواية البخاري "أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة"؟ وفي ملحق روايتنا "أنا لا تحل لنا الصدقة" وفي رواية للبخاري "أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة"؟ وفي رواية له أيضاً "أما تعرف"؟ والاستفهام للتعجب، والمعنى عجب! ! كيف خفي عليك هذا الأمر مع ظهوره، وهذه اللفظة تقال في الشيء الواضح، وإن لم يكن المخاطب بذلك عالماً به، أو لم يكن أهلاً لأن يسبق له العلم به، كما هنا.
(اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب) أي اجتمع ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب مع عمه العباس بن عبد المطلب، وكان اجتماعهما لقاء لا بتدبير مسبق لهذا الأمر، وصادف وجود الغلامين ابنيهما الفضل وعبد المطلب.
(فكلماه) المراد به محذوف، أي فكلماه أن يعينهما على الصدقة.
(فأمرهما على الصدقة) التعبير بالماضي للطمع في تحقق الوقوع، والأصل ليؤمرهما على الصدقة.
(فأديا ما يؤدي الناس) "ال" في "الناس" للعهد، والمراد بهم العاملون على الصدقات، والمراد من الموصول ما يؤديه العاملون من المطالبة بالزكاة وتحصيلها وتوريدها.
(وأصابا مما يصيب الناس) أي وأصابا من سهم العاملين عليها الذي يصيب منه العاملون.
(لو بعثنا) "لو" للتمني فلا تحتاج إلى جواب، أي ليتنا نفعل كذا وكذا، أو شرطية وجوابها محذوف، أي لو بعثنا وحصل كذا وكذا كان خيراً.
(فوقف عليهما) أي فوقف بجوارهما ومعهما متمكناً من كلامهما.
(فذكرا له ذلك) الذاكر واحد، ونسب إليهما لموافقة الآخر.
(لا تفعلا) المفعول محذوف، أي لا تفعلا الإرسال. أي لا ترسلا.
(فوالله ما هو بفاعل) الضمير للرسول ﷺ ، والمراد من الفعل المنفي استجابته صلى الله عليه
стр. 2332
وسلم. أي ما رسول الله ﷺ بمستجيب لطلبكما، ولعله كان يعلم الحكم الشرعي، ولذلك أقسم، ولم يشأ أن يخبرهما به ليتأكدا بنفسهما، لأنه كان يخشى أن يتهم بما اتهم به فعلاً من المنافسة.
(فانتحاه ربيعة) أي فأخذه ناحية بعيدة عن عمه، لعله بذلك يستدر مساعدته، أو الكف عن معارضته، فهو زوج ابنة الرسول ﷺ ، وحبه وكانت استجابة علي ﵁ لذلك أنه لم ينصرف لشأنه وحال سبيله، حتى لا يظن به أنه تسبب في المنع.
(والله ما تصنع هذا) أي ما تقول "والله ما هو بفاعل" ولا تفعلا.
(إلا نفاسة منك علينا) قال النووي: معناه إلا حسداً منك لنا. اهـ والأولى أن يقال: إلا منافسة منك.
(لقد نلت صهر النبي ﷺ فما نفسناه عليك) قال النووي: هو بكسر الفاء: أي ما حسدناك ذلك. اهـ والأولى أن يقال: فما تنافسنا معك على هذا الأمر، وما تسابقنا عليه، بل قدرنا ما هو خير لك خيراً لنا.
(فانطلقا) كان الظاهر أن يقول "فانطلقنا" فالمتكلم هو المنطلق، ولكنه جرد من نفسه غائباً، وعاد إلى ضمير المتكلم عند قوله.
(سبقناه إلى الحجرة) التي سيدخلها بعد الصلاة، وكانت حجرة زينب بنت جحش -كما سيأتي- وكأنهما كانا يعلمان خط سيره.
(أخرجا ما تصرران) قال النووي: هذا هو في معظم الأصول ببلادنا "تصرران" بضم التاء وفتح الصاد وكسر الراء المشددة، وبعدها راء أخرى، ومعناه تجعلانه في صدوركما من الكلام؟ وكل شيء جمعته فقد صررته، ووقع في بعض النسخ "تسرران"؟ بالسين، من السر، أي ما تقولانه لي سراً؟ . وذكر القاضي عياض مع هاتين الروايتين روايتين. إحداهما "تصدران"؟ بإسكان الصاد وبعدها دال، ومعناه ماذا ترفعان إلي؟ والثانية "تصوران" بفتح الصاد وتشديد الواو مكسورة. قال النووي: والصحيح ما قدمناه عن معظم نسخ بلادنا.
(فتواكلنا الكلام) أي وكل كل منا الكلام للآخر، أي قال هذا لهذا: تكلم. وقال ذلك لهذا: تكلم، رهبة وحرجاً من كل منهما.
(ثم تكلم أحدنا) لم يشأ أن يعينه، وهو عنده معين بيقين، لأن شأنهم الستر فيما يجرح، وفي عدم الاستجابة لمطلبهم جرح، فيفهم من هذا أن المتكلم كان الفضل.
(وقد بلغنا النكاح) أي صلاحية النكاح والإنجاب، أي بلغنا الحلم، كقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح .... ﴾ [النساء: ٦].
стр. 2333
(فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلمه) أي أن نعيد الكلام والطلب إليه.
(وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب: أن لا تكلماه) "تلمع" بضم التاء وإسكان اللام وكسر الميم، من ألمع الرباعي، ويجوز فتح التاء والميم من لمع الثلاثي، يقال: ألمع ولمع إذا أشار بثوبه أو بيده، وفي بعض النسخ "تلمع إلينا" وكان ذلك بعد الأمر بالحجاب، فلم يرياها، وإنما رأوا تحرك الحجاب بتحريك يدها يميناً وشمالاً. وإنما فعلت ذلك لترشدهما إلى ما ينبغي، بناء على سبق معرفتها بحاله ﷺ ، وأن سكوته عن مطلب معناه عدم إجابته.
(إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد) وهما إذا عملا عليها أخذا منها، ولو في مقابل العمل.
(إنما هي أوساخ الناس) قال النووي: معناه أن الصدقة تطهير لأموال الناس نفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] فهي كغسالة الأوساخ، وهذا القول منه ﷺ كالتنبيه على العلة في منعها عن آل محمد ﷺ ، وسيأتي مزيد لذلك في فقه الحديث.
(ادعوا لي محمية -وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب) يريد ﷺ أن لا يردهما خائبين، وأن يبدلهما خيراً مما طلبا. فمحمية -بميم مفتوحة ثم حاء ساكنة، ثم ميم مكسورة ثم ياء مفتوحة مخففة، ابن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة، ويقال -جزي- بكسر الزاي، ويقال -جز- بتشديد الزاي، كل ذلك بفتح الجيم- رجل قديم الإسلام من مهاجرة الحبشة من بني زبيد، وقيل: من بني أسد.
(فأنكحه) أي قبل إنكاحه وأعلن ذلك لرسول الله ﷺ تمهيداً للعرض على الزوجة وحضور الشاهدين.
(وقال لنوفل بن الحارث ... ) معنى هذا أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث تزوج ابنة عمه نوفل بن الحارث.
(وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا) "كذا وكذا" كناية عن مبالغ حددها رسول الله ﷺ ، لم يشأ الراوي أن يذكر المبلغ المأمور به.
وكأنهما طلبا العمل ليستعينا به على تحصيل صداق للزواج، فلما كان العمل المطلوب غير جائز منحا الصداق، قيل: من سهم ذوي القربى من الخمس، لأنهما من ذوي القربى، وقيل: من سهم النبي ﷺ من الخمس.
(وقال: أنا أبو حسن القرم) قال النووي هو بتنوين "حسن" وأما "القرم" فبالراء [الساكنة بعد القاف المفتوحة] مرفوع [خبر بعد خبر، أو صفة "أبو حسن"] والقرم من الرجال السيد المعظم. قال الخطابي: معناه المقدم في المعرفة بالأمور والرأي، والمقصود من هذا أن علياً ﵁ يشعرهم
стр. 2334
ويؤكد لهم أنه من أهل العلم ببواطن الأمور، ومن أهل الخبرة والرأي، وأن ما قال لهم عن عدم موافقة النبي ﷺ سيقع.
قال النووي: هذا أصح الأوجه في ضبطه "القرم" وهو المعروف في نسخ بلادنا، والثاني "القوم" بالواو، بإضافة "حسن" إلى "القوم" ومعناه عالم القوم، وذو رأيهم، والثالث "أبو حسن" بالتنوين، و"القوم" بالواو، مرفوع، أي أنا من علمتم رأيه أيها القوم. وهذا ضعيف، لأن حروف النداء لا تحذف في نداء "القوم" ونحوه. اهـ.
(والله لا أريم مكاني) أي لا أفارق مكاني، و"أريم" بفتح الهمزة وكسر الراء.
(حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما) أي بجواب ما بعثتما، قال الهروي: يقال: كلمته فما رد على حورا ولا حويرا، أي جواباً، قال: ويجوز أن يكون معناه الخيبة، وأصل الحور الرجوع إلى النقص. قال القاضي: وهذا أشبه بسياق الحديث.
وأما "ابناكما". فهكذا ضبطناه بالتثنيه، ووقع في بعض الأصول "أبناؤكما" بالجمع، قال: وهو وهم، والصواب الأول. قال: ويصح على مذهب من يجعل أقل الجمع اثنين. اهـ.
(ما عندنا من طعام إلا عظم من شاة) أي عظم بلحمه، وليس المقصود عظماً بدون لحم.
(أعطيته مولاتي من الصدقة) أي أعطيته من الصدقة جاريتي ومعتوقتي.
(قربيه، فقد بلغت محلها) أي قربيه لآكله: فقد زال عنه حكم الصدقة وصار حلالاً لنا، "ومحلها" بكسر الحاء، أي بلغت الصدقة مكانها الذي يجب أن تصله، وهي تنتقل الآن منه بصفة أخرى، وقيل: معنى محلها مكان حلها، أي حيث يحل أكلها، من حل الشيء حلالاً.
(عن عائشة: وأتي النبي ﷺ بلحم بقر) قال النووي: هكذا هو في كثير من الأصول المعتمدة، أو أكثرها "أتي" بغير واو، وكلاهما صحيح والواو عاطفة على بعض من الحديث لم يذكره هنا. اهـ.
و"بريرة" بفتح الباء وكسر الراء، إحدى جواري عائشة أو معتوقاتها، والمعطوف عليه مذكور في حديث البخاري، ولفظه "عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد مواليها
-[أي ساداتها، وكانت لعتبة بن أبي لهب] أن يشترطوا ولاءها، فذكرت عائشة للنبي ﷺ ، فقال لها النبي ﷺ : اشتريها [أي والشرط باطل، لأنه مخالف للشرع] فإنما الولاء لمن أعتق. قالت: وأتي النبي ﷺ بلحم .. " إلى آخر الحديث، أي قالت: حصل في شأن بريرة كذا وأتي النبي.
(كان في بريرة ثلاث قضيات) جمع قضية، أي كان للشرع ثلاثة أحكام بسبب ثلاث قضايا تخص بريرة. ذكرت هنا الحكم الأول "هو عليها صدقة ولكم هدية" والحكم الثاني في حديث البخاري المذكور قريباً "الولاء لمن أعتق" والحكم الثالث التخيير في فسخ النكاح حين أعتقت تحت عبد.
(إلا أن نسيبة بعثت إلينا) قال النووي: هي "نسيبة" بضم النون وفتح السين، وإسكان الياء، ويقال أيضاً: "نسيبة" بفتح النون وكسر السين، وهي أم عطية.
стр. 2335
-[فقه الحديث]-
تتعرض هذه الأحاديث بصفة أساسية إلى حكم أكل النبي ﷺ من الصدقة، وإلى حكم إعطاء آله ﷺ من الصدقة.
أما الأول: فإن جمهور العلماء على أن الصدقة محرمة على رسول الله ﷺ ، نقل بعضهم الإجماع على ذلك. وفي "المغني": الظاهر أن الصدقة فرضها ونفلها محرمة على رسول الله ﷺ . وروايتنا تؤكد ذلك، ففي ملحق الرواية الأولى "أما علمت أنا لا تحل لنا الصدقة"؟ وفي الرواية الثامنة "وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد".
وقد قيل في علة المنع: إنها لتشريفه ﷺ ، فإن الصدقة أوساخ الناس، كما جاء في الرواية الثامنة، وبيان ذلك أنها مطهرة للملاك ولأموالهم، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ فهي كغسالة الأوساخ.
ثم إن أخذ الصدقة مذلة، كما جاء في حديث: "اليد العليا خير من اليد السفلى" ولرسول الله ﷺ اليد العليا.
وقيل: لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته وعلاماتها، فلم يجز الإخلال به. إذ روي في حديث سلمان يخبر عن أوصافه ﷺ في كتبهم قال: "إنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة". وقيل: لأنه لو أخذها لطال لسان الأعداء بأن محمداً يدعونا إلى ما يدعونا إليه ليأخذ أموالنا، فكان رد الشبهة قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً﴾ [الأنعام: ٩٠]. ذكره العيني.
والأولى اعتبار هذه الأمور كلها كحكمة التشريع، وعند الحكيم علم ما شرع.
أما أن ابن تيمية ذكر في الصدقة على رسول الله ﷺ وجهين، وأن للشافعي فيها قولين، وأن لأحمد قولاً في حل صدقة التطوع له ﷺ ، وأنه إنما تركها ﷺ تنزهاً، فهذه الأقوال تردها الأحاديث الصحيحة الكثيرة المشهورة، بل البالغة حد التواتر المعنوي. والله أعلم.
وأما الثاني: وهو إعطاء آله ﷺ من الصدقة فهناك خلاف بين الأئمة والعلماء في المراد من الآل، أهم بنو هاشم خاصة؟ أم هم بنو عبد المطلب؟ أم المراد بهم بنو قصي؟ أم بنو غالب؟ أم قريش كلها؟ وهل المراد بهم من كانوا في زمنه ﷺ ؟ أم هم ومن أتى ويأتي من نسلهم إلى يوم القيامة؟ وهل المراد الفقراء منهم؟ أم هم ومن اتصف بصفة أخرى كالعاملين عليها؟ وهل لا يأخذون من الصدقة وإن منعوا من الخمس؟ أم يعطون من الصدقة إذا منعوا من الخمس؟ وهل الحكم يعم الزكاة المفروضة والصدقة المندوبة؟ أو لا يشمل المندوبة؟ وهل لا يأخذون من صدقات المسلمين عامة؟ أم يجوز أن يأخذ الهاشمي من صدقة الهاشمي؟ وهل يلحق بهم مواليهم؟ أم لا يلحقون؟ وفي كل ذلك خلاف بين الفقهاء نعرضه بإيجاز.
стр. 2336
نسب النبي ﷺ ، هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن كنانة إلخ .... فهاشم جده الثاني ﷺ ، والقائلون بأن المراد بآله بنو هاشم خاصة هم الحنفية وجمهور المالكية وجمهور الحنابلة، فيدخل في ذلك دخولاً أولياً آل علي، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث، لأنهم بنو عبد المطلب الذي هو من بني هاشم.
ولهاشم أخ يسمى بالمطلب، أدخل الشافعية وبعض المالكية بنيه مع بني هاشم، باعتبارهم في درجة واحدة، ولحديث: "إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد. وشبك بين أصابعه"، رواه البخاري، وقد سوى بينهم ﷺ في استحقاق الخمس، وهو حكم واحد يتعلق بذوي القربى، فاستوى فيه الهاشمي والمطلبي.
ويرد الحنفية بأن إعطاء بني المطلب من الخمس إنما كان لموالاتهم ونصرتهم، لا لمجرد قرابتهم، أو لذلك مع القرابة، بدليل قوله ﷺ : "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام"، فقد اشتركوا مع بني هاشم في دخولهم الشعب معه ﷺ فلا يقاس على الخمس الزكاة، ولا يقاس بنو المطلب على بني هاشم لأن بني هاشم أشرف وأقرب للنبي ﷺ .
وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي، وقال أيضاً: هم عترته الأقربون الذين ناداهم حين أنزل الله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] وهم آل عبد المطلب، وهاشم وعبد مناف، وغالب. وقيل: قريش كلها.
وجمهور العلماء على أن المراد بهم من كانوا في زمنه ﷺ ، ومن أتى ويأتي بعدهم إلى يوم القيامة، ونسب إلى الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة القول بأن الحرمة مخصوصة بزمانه ﷺ .
وذهب كثير من العلماء إلى أنهم لا يعطون من الصدقة بأي صفة من صفات مصارف الزكاة، ولو كانوا عاملين عليها، وروايتنا السابعة والثامنة واضحة في ذلك، وللشافعية وجهان مشهوران مبنيان على أن ما يأخذه العامل على الزكاة من قبيل الأجرة؟ أم من الصدقة؟ فمن قال أنه من قبيل الأجرة من حيث تقديره بأجرة المثل وأنه على وجه العوض أجاز للهاشمي أن يكون عاملاً على الصدقة، ويجيب عن روايتنا بأنهما منعا لأنهما سألا، أو تورعاً وتنزهاً، ومن قال أنه من قبيل الصدقة، لأنه يشبهها من حيث عدم اشتراط عقد الإجارة، ولا مدة معلومة، ولا عمل معلوم منع أن يكون العامل على الزكاة هاشمياً.
وعلى هذا قيل: إذا تبرع الهاشمي بعمله بلا عوض، أو دفع الإمام أجرته من بيت المال جاز بلا خلاف.
قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": يجوز كونه هاشمياً ومطلبياً إذا أعطاه من سهم المصالح.
стр. 2337
ولو منعت بنو هاشم حقهم من خمس الخمس بأن انقطع سهمهم من الخمس لخلو بيت المال من الفيء والغنيمة، أو لاستيلاء الظلمة واستبدادهم بها، جاز أخذهم من الزكاة عند بعض العلماء، أما عند الجمهور، وهو الأصح عند الشافعية فإنها لا تحل، لأن الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله ﷺ ، وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس، وقيل: إن منعوا حقهم من الخمس جاز الدفع إليهم من الزكاة، لأنهم إنما حرموا الزكاة لحقهم في خمس الخمس، فإذا منعوا الخمس وجب أن يدفع إليهم من الزكاة، وقيد بعضهم إعطاءهم من الزكاة بحال الضرورة كسائر المحرمات.
هذا. ويفرق بعضهم بين الزكاة المفروضة والصدقة المندوبة، فبعض الحنفية وبعض المالكية وفي رواية عن أحمد، وفي وجه عند الشافعية: أن الصدقة على وجه الصلة والتطوع يجوز إعطاؤها لبني هاشم بخلاف الزكاة المفروضة، قالوا: لأنهم منعوا الزكاة لأنها من أوساخ الناس، وصدقة التطوع ليست كذلك، وبعض المالكية يجوزون إعطاء الزكاة المفروضة لبني هاشم دون صدقة التطوع، بدعوى أن الواجب حق لازم، لا يلحق بأخذه ذلة، بخلاف التطوع.
والراجح من هذه الأقوال المنع من غير تفريق بين الواجبة والمندوبة، فأحاديث الباب عامة في الصدقة "أما علمت أنا لا نأكل الصدقة"؟ "أنا لا تحل لنا الصدقة"، "لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها". فهذا كله يرجح عدم التفرقة بين الصدقة الواجبة والمندوبة، والله أعلم.
وحكي عن أبي يوسف والحنابلة أنها لا تحل من بعضهم لبعض، ولا تحل لهم من غيرهم. ورجح ابن تيمية أنه يجوز لبني هاشم. الأخذ من زكاة الهاشمين، قالوا: إن موجب المنع رفع يد الأدنى عن الأعلى، فأما الأعلى على مثله فلا.
والتحقيق أنه لا فرق بين صدقة الهاشمي وصدقة غيره، وعموم الأحاديث تؤكد ذلك، ولم يثبت أن هاشمياً أخذ الزكاة من هاشمي. قال الطبري عن مقالة أبي يوسف: لا القياس أصاب، ولا الخبر اتبع، وذلك أن كل صدقة وكل زكاة أوساخ الناس، وغسالة ذنوب من أخذت منه، هاشمياً أو غيره. ولم يفرق الله ولا رسوله بين شيء منها بافتراق حال المأخوذ منه.
أما موالي بني هاشم، أي عتقاؤهم فقد ذهب أبو حنيفة وأحمد وابن الماجشون المالكي وبعض الشافعية إلى أن الزكاة تحرم عليهم، لحديث أبي رافع أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: [وهو من موالي بني هاشم] اصحبني كيما تصيب منها. فقال: حتى آتي رسول الله ﷺ ، فأسأله. فانطلق إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم منهم". أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح.
وقال الجمهور: يجوز لهم أخذ الصدقة، لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولذلك لم يعوضوا بخمس الخمس.
قال الحافظ ابن حجر: ومنشأ الخلاف قوله: "منهم" هل يتناول المساواة في حكم تحريم الصدقة؟ أو لا؟ ويرى الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام، فلا دليل فيه على تحريم الصدقة.
стр. 2338
ومال الحافظ ابن حجر إلى التحريم، فرد على الجمهور بقوله: لكن الحديث ورد على سبب الصدقة، وقول العلماء: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ اتفقوا فيه على أنه لا يخرج السبب، واختلافهم في هل يختص بالسبب أو لا؟ فالحديث دليل على المنع.
هذا، وروايتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة واضحات في أن موالي أزواج النبي ﷺ تحل لهن الصدقة، ولا خلاف في ذلك، لكن هل ذلك لأن الأزواج أنفسهن لا يدخلن في آل محمد ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة؟ فمواليهن من باب أولى؟ أو الأزواج يدخلن، ولا يدخل مواليهن بالنص؟ .
نقل ابن بطال: أن الأزواج لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء. لكن اعترض عليه بحديث عن عائشة قالت: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة". وإسناده إلى عائشة حسن كما قال الحافظ ابن حجر.
وظاهر الأحاديث وواقع حياة الرسول ﷺ وحكمة التشريع تؤيد دخولهن في تحريم أخذ الصدقة، فلم يثبت أنهن أعطين من الصدقة في حين ثبت إعطاء مواليهن منها، ولو وقع مرة واحدة لذكر، على أن قوله في الرواية الثانية عشرة: "هو عليها صدقة ولكم هدية فكلوه". واضح في دخولهن في المنع، ثم لو أبيح لهن لعادت الصدقة إلى رسول الله ﷺ ، لأن نفقتهن لازمة عليه.
ورغم أنني أميل إلى دخول أزواج النبي ﷺ في الحظر لا أرى دخول زوجة هاشمي آخر فيه إذا كانت غير هاشمية، ولا دخول ولد هاشمية من غير هاشمي. والله أعلم.
-[ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من الرواية الأولى، من زجر الحسن أن الصبيان يوقون ما يوقاه الكبار، ويمنعون من تعاطي المحرم، وهذا واجب الولي، وإن كانوا غير مكلفين، ليتدربوا على ذلك.
٢ - واستنبط بعضهم منه منع الصغيرة من الزينة إذا اعتدت.
٣ - ومن قوله: "أما علمت ... إلخ" الإعلام بسبب النهي.
٤ - وبمخاطبة من لا يميز، لقصد إسماع من يميز، لأن الحسن إذ ذاك كان طفلاً. قاله الحافظ ابن حجر.
٥ - والمبالغة في الزجر لتفخيم الأمر، والاهتمام بالحكم.
٦ - ومن ملابسات الحديث دفع الصدقات إلى الإمام.
٧ - والانتفاع بالمسجد في الأمور العامة، فقد كانت الصدقات تجمع فيه.
٨ - وجواز إدخال الأطفال المساجد.
٩ - ومن الروايات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة استعمال الورع، لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال. لكن الورع تركها.
стр. 2339
١٠ - ومن الرابعة والخامسة أن التمرة ونحوها من محقرات الأمور لا يجب تعريفها عند اللقطة، بل يباح أكلها والتصرف فيها في الحال، لأنه ﷺ إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة، لا لكونها لقطة. قال النووي: وهذا الحكم متفق عليه، وعلله أصحابنا وغيرهم بأن صاحبها في العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع.
١١ - ومن الرواية السابعة من أخذ النبي ﷺ بآذان الغلامين تواضعه ﷺ ومداعبته وبشاشته وعطفه.
١٢ - ومن قوله: "أخرجا ما تصرران". يتضح ذكاؤه ﷺ وألمعيته، ثم أدبه في رفع الحرج عن الآخرين، وفتح باب القول لهم لتصريحهم بما في نفوسهم.
١٣ - من قولهما: أنت أبر الناس .... إلخ أدب تقديم الثناء على طلب الحاجة.
١٤ - ومن قوله: "ادعوا لي محمية ونوفل". إرضاء السائل وطالب الحاجة، وجبر خاطره بمساعدة أخرى إذا لم تمكن المساعدة المطلوبة.
١٥ - ومن طلبه ﷺ من محمية ونوفل أن ينكحا الغلامين، تأثيره ﷺ في حياة الصحابة، وتدخله في المصالح الخاصة.
١٦ - ومدى استجابة الصحابة لإرشاداته ﷺ دون تردد.
١٧ - ومن الرواية الرابعة عشرة تحريم الصدقة على رسول الله ﷺ دون الهدية. قالوا: وإنما يأكل الهدية دون الصدقة لأن الهدية تبعث على التآلف، وتدعو غالباً إلى المحبة، وقد جاء في الحديث: "تهادوا تحابوا". ومن الجائز أن يثيب عليها بأفضل منها، فتتباعد المنة، وترفع الذلة.
١٨ - ومن الروايات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة تحويل الصدقة عن كونها صدقة وعن كونها أوساخ الناس بمجرد قبض المتصدق عليه لها، لأنه حينئذ يجوز له بيعها وهبتها لصحة ملكه لها. فجاز للرسول ﷺ وللهاشمي أكله منها.
١٩ - وأن الأشياء المحرمة لعلل معلومة إذا ارتفعت عنها تلك العلل حلت.
٢٠ - وأن التحريم في الأشياء ليس لعينها، بل لصفة فيها.
والله أعلم
стр. 2340
(٢٩٦) باب الدعاء للمتصدق وإرضاء السعاة
٢١٧٠ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال "اللهم صل عليهم" فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته فقال "اللهم صل على آل أبي أوفى".
٢١٧١ - عن شعبة بهذا الإسناد غير أنه قال "صل عليهم".
٢١٧٢ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم وهو عنكم راض".
-[المعنى العام]-
من أسمى أهداف الإسلام الحرص على حسن العلاقة من المتعاملين، ويزيد اهتمامه بذلك حين يكون أحد المتعاملين قريباً من السلطة أو له نوع من الولاية، ويزداد اهتماماً إذا كانت الأمور تقديرية تختلف فيها الأنظار، ويصبح الوضع أشد حساسية إذا كان المشرع أحد أطراف المعاملة وهنا يتوفر كل دواعي الاهتمام.
فالسعاة وهم العاملون على الزكاة رسل الحاكم وعملاؤه وممثلوه في مهمتهم، والحاكم في ذاك الوقت رسول التشريع، والقضية أخذ أموال، والنفس البشرية بطبيعتها تضن به وتحرص عليه.
حقاً هناك قواعد واضحة للمعاملة، تقول في كل كذا كذا، ولا تؤخذ كرائم الأموال ونفائسها وأعزها عند المالك، وتحذير للعامل من الظلم فيقول: "واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب". كل ذلك قائم، ولكن هناك أيضاً اختلاف أنظار في سن الماشية، وفي جودة أو رداءة نموها، في قوتها أو ضعفها، وفي سمنها أو هزالها، وقد يوجد خلاف أيضاً إذا كانت كثيرة في عدها، والأمر نحو ذلك في الزروع والثمار، وبخاصة ما طريقه الخرص والتقدير.
فكان من الضروري أن يحصل خلاف بين العامل على الصدقة وبين رب المال، وكان كثيراً ما
стр. 2341
يقع في نفس كل منهما أنه مظلوم، ويخطر في نفس المالك أن العامل يأخذ أكثر من الحق. ويخطر في نفس العامل أن المالك يتهرب من الحق، فيشكو كل منهما الآخر.
فماذا يفعل المشرع والحاكم أمام هذه الشكاوي؟ إنه لم يأل جهداً في وصيته لهم حين يبعثهم، لدرجة أن يطلب منهم الدعاء لرب المال بالبركة والإخلاف، ولا يدخر وسعاً في مراقبة تصرفاتهم ومحاسبتهم، لكن الطرف الثاني في حاجة إلى التنبيه والوعظ والتذكير والإيقاظ، إنه في حاجة إلى أن يواجه شح نفسه، ويهذب من حرصه، ويروض طباعه وسلوكه على السخاء والبذل وحسن الأداء والعطاء" ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩].
إن النفس البشرية جبلت على حب الأخذ دون الإعطاء، وهي حين تدفع الزكاة يغيب عنها أنها تأخذ أكثر مما تعطي، يغيب عنها أنها تأخذ عشرة أمثال ما تعطي، يغيب عنها أن الصدقة تقع في يمين الرحمن قبل أن تقع في يد آخذها، فيربيها -جل شأنه- لصاحبها حتى تكون مثل الجبل، يغيب عنها أن إرضاء الآخذ إرضاء للرب .
من هنا كانت أحاديثنا توصي رب المال بإرضاء السعاة، وإذا أمعنا النظر وجدنا إرضاء السعاة في مصلحة المالك نفسه وليس في مصلحة السعاة.
لنفترض حين الاختلاف والشكوى. لنفترض السعاة على صواب مرة وعلى خطأ مرة أخرى، ثم ننظر من المستفيد؟ حين يكون السعاة على حق فيما أخذوا ستخلو عهدة المالك، وينجو من النار، ويثاب ولو رغم أنفه.
وحين يكون السعاة على خطأ وقد أخذوا أكثر من الحق، سيضيع على المالك نفع دنيوي، وسيعطى بدله نفعاً أخروياً، سيكون قد اشترى كثيراً بقليل ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ [النساء: ٧٧] ودائماً بزائل، بل لن يضيع عليه نفع دنيوي في حقيقة الأمر وإن ظن ذلك صورة وشكلاً، فالزكاة نماء لا نقص، لأن الله تعالى يمحق الربا ويربي الصدقات، ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [سبأ: ٣٩].
فهل يوصي المشرع السعاة بالتساهل مع أرباب الأموال، أو يوصي أرباب الأموال بإرضاء السعاة والمسارعة إلى الاستجابة لهم؟ أي الأمرين خير لأرباب الأموال؟ .
لقد اختار المشرع ما هو خير لهم، فقال: "ارضوا مصدقيكم". السعاة الذين يحملون صدقتكم، واستجاب الصحابة لهذه الوصية إذ عرفوا أنها في صالحهم، وها هو الصحابي الجليل جرير بن عبد الله راوي الحديث يقول: "ما صدر عني مصدق، وما انصرف عني ساع، وما رحل من عندي عامل زكاة بعد أن سمعت هذا الحديث -إلا وهو عني راض".
﵃ أجمعين، وصلى وسلم على مبلِّغ الرسالة الأمين.
стр. 2342
-[المباحث العربية]-
(اللهم صل عليهم) الصلاة في اللغة الدعاء، وهو من قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادعوا لهم بالخير والبركة والإحسان ونحو ذلك. والصلاة من الله الرحمة والمغفرة والإحسان فمعنى "اللهم صل على آل أبي أوفى" اللهم بارك لهم وأحسن إليهم.
(فأتاه أبي أبو أوفى) عبد الله بن أبي أوفى من أصحاب بيعة الرضوان، مات سنة سبع وثمانين، وهو آخر من توفى بالكوفة من الصحابة.
(بصدقته) أي بزكاته.
(اللهم صل على آل أبي أوفى) آل الرجل أهله، وفرقوا بين الآل والأهل بأن الآل تقال عن الأشراف فلا يقال: آل الحجام مثلاً، لكن يقال: أهل الحجام وآل الأمير.
ولما كان المطلوب الدعاء للمتصدق، وليس الدعاء للآل قيل: إن لفظ "آل" هنا زائد مقحم، وقيل إن الآل قد يذكر ويراد ذات الشخص، كما قيل ذلك في حديث أبي موسى الأشعري: "لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود". فقد قيل: إن المراد من آل داود، داود نفسه.
(إن ناساً من المتصدقين) بفتح الصاد المخففة وتشديد الدال المكسورة، والمصدق هنا هو الذي يأخذ الصدقات، وهو الساعي الذي يعينه الإمام لقبضها، والسعاة هم العاملون على الزكاة.
(ملحوظة): ذكر الإمام مسلم رحمه الله تعالى في باب جزاء مانع الزكاة حديث رقم بلفظ: "جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن ناساً من المصدقين، يأتوننا فيظلموننا، فقال رسول الله ﷺ "ارضوا مصدقيكم" قال جرير: ما صدر عني مصدق منذ سمعت هذا إلا وهو علي راض". ونحن نشرحه هنا.
(يأتوننا فيظلموننا) أي يأتوننا لقبض الزكاة، فيأخذون أكثر مما هو مطلوب منا.
(ما صدر عني مصدق) أي ما ذهب عني مصدق، وما رجع عني عامل الزكاة.
-[فقه الحديث]-
هدف الحديثين تنبيه العاملين على الزكاة بأن يحسنوا معاملة أرباب الأموال وأن يكرموهم بالدعاء لهم، وتنبيه أرباب الأموال بأن يحسنوا لقاء العاملين على الزكاة، ويستجيبوا لمطالبهم، بانشراح صدر، وبساطة وجه ليعودوا راضين.
جمعتهما في باب واحد لأنهما تنبيه لمتعاملين في معاملة واحدة، والترابط واضح بينهما.
أما عن الحديث الأول فيقول النووي: مذهبنا المشهور ومذهب العلماء كافة أن الدعاء لدافع
стр. 2343
الزكاة سنة مستحبة، وليس بواجب، وقال أهل الظاهر: هو واجب. قال: وبه قال بعض أصحابنا، واعتمدوا الأمر في الآية: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] جعلوا الأمر في "صل" للوجوب، وعمموه للأمة. قال: قال الجمهور: الأمر في حقنا للندب، لأن النبي ﷺ بعث معاذاً وغيره لأخذ الزكاة ولم يأمرهم بالدعاء. قال: وقد يجيب الآخرون بأن وجوب الدعاء كان معلوماً لهم من الآية الكريمة. قال: وأجاب الجمهور أيضاً بأن دعاء النبي ﷺ لدافع الزكاة وصلاته عليه سكن له بخلاف دعاء غيره ﷺ . اهـ والراجح رأى الجمهور، وأن الدعاء للمزكي مستحب، لأن الزكاة تقع الموقع وإن لم يدع، وقياساً على استيفاء جميع الحقوق إذ لا يجب على مستوفي الحق الدعاء لمؤدي الحق. والله أعلم.
ولا يتعين لفظ الصلاة في دعاء آخذ الزكاة للمزكي، بل ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور إلى أنه لا يصلى على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استقلالاً، فلا يقال: اللهم صل على آل أبي بكر، ولا على آل عمر، ولكن يصلي عليهم تبعاً، كما جاء في التشهد: "اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"، وقد أجاز الإمام أحمد الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً، استدلالاً بهذا الحديث، ويجيب عنه الجمهور بأن هذا خاص به ﵊، فالصلاة عليه حقه، يعطيه لمن يشاء، وليس لغيره ذلك.
قال النووي: وأما قول الساعي: اللهم صل على فلان. فكرهه جمهور أصحابنا، وهو مذهب ابن عباس ومالك وجماعة من السلف، وقال جماعة من العلماء يجوز ذلك بلا كراهة، لهذا الحديث، قال أصحابنا: لا يصلى على غير الأنبياء إلا تبعاً، لأن الصلاة في لسان السلف مخصوصة بالأنبياء، صلاة الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا [ ] مخصوص بالله فكما لا يقال: محمد وإن كان عزيزاً جليلاً لا يقال: أبو بكر ﷺ وإن صح المعنى، قال: واختلف أصحابنا في النهي عن ذلك، هل هو نهي تنزيه أو محرم؟ أو مجرد أدب؟ على ثلاثة أوجه، الأصح الأشهر أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار لأهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال: وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أئمة الشافعية: السلام في معنى الصلاة، ولا يفرد به غير الأنبياء، لأن الله تعالى قرن بينهما، ولا يفرد به غائب، ولا يقال: قال فلان ﵇. وأما المخاطبة به لحي أو ميت فسنة، فيقال: السلام عليكم أو سلام عليك أو عليكم. والله أعلم. اهـ.
وقال النووي في "المجموع": ويستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار، فيقال: ﵁، أو رحمة الله عليه، أو ﵀، ونحو ذلك، وأما ما قاله بعض العلماء أن قول: [﵁] مخصوص بالصحابة، ويقال في غيرهم [﵀] فقط فليس كما قال، ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه ودلائله أكثر من أن تحصى، فإن كان المذكور صحابياً ابن صحابي قال [﵄] ليشمله وأباه جميعاً. اهـ.
стр. 2344
أما صيغة الدعاء التي استحبها الشافعي لتقال لدافع الزكاة فهي أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت.
وهدف الحديث الثاني الوصايا بالسعاة وطاعة ولاة الأمور، وجمع كلمة المسلمين، وصلاح ذات البين، قال النووي: وهذا كله ما لم يطلب الساعي جوراً فلا موافقة له ولا طاعة، لقوله ﷺ في حديث أنس في "صحيح البخاري": "فمن سئلها على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط". واختلف أصحابنا في معنى قوله ﷺ : "فلا يعط". فقال أكثرهم: لا يعطى الزيادة، بل يعطى الواجب. وقال بعضهم: لا يعطى شيئاً أصلاً، لأنه يفسق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا يعطى شيئاً، بل يخرج الواجب بنفسه أو يدفعه إلى ساع آخر، وهذا إذا طلب الزائد بغير تأويل، كمن طلب شاتين عن شاة، فأما من طلب زيادة بتأويل، بأن كان مالكياً، يرى أخذ الكبيرة عن الصغار فإنه يعطى الواجب بلا خلاف، ولا يعطى الزائد، لأنه لا يفسق ولا يعصي والحالة هذه. والله أعلم.
ويتعلق بهذا الحديث أمور ذكرها النووي في "المجموع":
الأول: قال: قال أصحابنا: يجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الصدقات، لأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة، ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يبخل، فوجب أن يبعث من يأخذ.
الثاني: قال: واتفقوا على أنه يشترط في الساعي أن يكون مسلماً حراً عدلاً، فقيهاً في أبواب الزكاة. ولا يشترط فقهه في غير ذلك.
الثالث: قال: قال الشافعي والأصحاب: للمالك أن يفرق زكاة ماله الباطن بنفسه، وهذا لا خلاف فيه. ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين. قال: والأموال الباطنة هي الذهب والفضة والركاز وعروض التجارة وزكاة الفطر [وإنما سميت باطنة لأنها لا يعرف حدودها وقيمتها إلا صاحبها غالباً].
ثم قال: وله أن يوكل في صرف الزكاة التي له تفريقها بنفسه [أي زكاة الأموال الباطنة] فإن شاء وكل في الدفع إلى الإمام أو الساعي، وإن شاء وكل في الدفع إلى الأصناف الثمانية، وإنما جاز التوكيل في ذلك مع أنها عبادة لأنها تشبه قضاء الديون، ولأنه قد تدعو الحاجة إلى الوكالة، لغيبة المال عن المالك، وسواء وكله في دفعها من مال الموكل أو من مال الوكيل، فهما جائزان بلا خلاف.
ثم قال: وله صرفها [أي زكاة الذهب والفضة والركاز وعروض التجارة وزكاة الفطر] إلى الإمام والساعي، فإن كان الإمام عادلاً أجزأه الدفع إليه بالإجماع، وإن كان جائراً أجزأه على المذهب الصحيح المشهور. اهـ.
ولست مع هذا القول المشهور، فإنه والحالة هذه قد دفع زكاته باختياره لمن يعلم أنه لن يضعها في مكانها وحقها، فلا يخلو من التبعة، ولا تقع زكاته موقعها.
لكن إن طلبها الإمام الجائر دفعها إليه، وتخلو عهدته، لأن طاعته واجبة.
стр. 2345
ثم قال: وهل الأفضل التفريق بنفسه أو الدفع إلى الإمام العادل؟ [ومازال الكلام في زكاة الذهب والفضة والركاز وعروض التجارة وزكاة الفطر] فيه وجهان، أصحهما عند الجمهور الدفع إلى الإمام، لأنه يتيقن سقوط الفرض بهذا الدفع، بخلاف تفريقه بنفسه، فقد يصادف التفريق غير مستحق، ولأن الإمام أعرف بالمستحقين، وبالمصالح، ويقدر الحاجات، وأعرف بمن أخذ من قبل ومن لم يأخذ. ولأن الإمام يقصد من المحتاجين والمستحقين لها.
وظاهر نص الشافعي أن تفريقها بنفسه أفضل، فقد قال في "المختصر": وأحب أن يتولى الرجل قسمها بنفسه، ليكون على يقين من أدائها عنه. والله أعلم.
أما الأموال الظاهرة، وهي الماشية والزروع والثمار ففي تفريقها بنفسه أو دفعها إلى الإمام قولان:
القول الأول: يجب دفعها إلى الإمام، وإن كان الإمام جائراً، فإن فرقها بنفسه لزمه الضمان إن طلبها الإمام، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ولأنه مال للإمام فيه حق المطالبة، فوجب الدفع إليه، كالخراج والجزية، ولأنه مع الجور نافذ الحكم، وتسقط تبعة المزكي ولو كان الإمام جائراً.
فقد روى الإمام أحمد في "مسنده" عن أنس ﵁ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال: "نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله ولك أجرها، وإثمها على من بدلها". وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: "اجتمع عندي نفقة فيها صدقة -يعني بلغت نصاب الزكاة- فسألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري أن أقسمها أو أدفعها إلى السلطان؟ فأمروني جميعاً أن أدفعها إلى السلطان، ما اختلف علي منهم أحد". وفي رواية: "فقلت لهم: هذا السلطان يفعل ما ترون، فأدفع إليه زكاتي؟ فقالوا كلهم: نعم. فادفعها". رواه سعيد بن منصور في "مسنده".
وروى أبو داود عن جابر بن عتيك الصحابي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سيأتيكم ركب مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وارضوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم".
وروى البيهقي بإسناد صحيح أو حسن عن ابن عمر ﵄ قال: "ادفعوا صدقاتكم إلى من ولاه الله أمركم، فمن بر فلنفسه، ومن أثم فعليها".
وروى البيهقي أيضاً بإسناد صحيح أو حسن عن قزعة مولى زياد بن أبيه أن ابن عمر قال: "ادفعوها إليهم وإن شربوا الخمر". ولا خلاف في سقوط التبعة عن المالك في هذه الحالة وإن جار الإمام".
القول الثاني: في زكاة الأموال الظاهرة أن المالك له تفريقها بنفسه وإن كان الأفضل دفعها إلى الإمام خروجاً من خلاف من أوجبه، لكنه إن فرقها لا يضمن. انتهى بتصرف.
والله أعلم
стр. 2346
كتاب الصوم
стр. 2347
(٢٩٧) باب فضل شهر رمضان
٢١٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين".
٢١٧٤ - عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ "إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".
٢١٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دخل رمضان" بمثله.
-[المعنى العام]-
فضل الله بعض البشر على بعض، بل فضل بعض الرسل على بعض ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وفضل بعض الأمكنة على بعض ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً﴾ [آل عمران: ٩٦] ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ [الإسراء: ١].
وفضل بعض الأزمنة على بعض ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٣، ٤]. ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر].
والمكان يشرف ويفضل عادة بما يحل فيه من فضائل وخيرات، ويهبط ويحقر بما يقع فيه من شر وسوءات، كذلك الزمان يعظم بما يقع فيه من عظائم الأمور، ويقل شأناً بما يقع فيه من محقراتها، فالمكان والزمان ظرفان لما يقع فيهما.
ففضل شهر رمضان شرف بإنزال القرآن فيه، وبتشريع عبادة فيه، هي أشبه بعبادة الملائكة، وهي الصوم والإمساك عن الطعام والشراب وكف الشهوات، فإذا أضفنا إلى ذلك فتح أبواب رحمة الرحمن، وزيادة فضله وإكرامه للصائمين، إذ يقول جل شأنه في الحديث
стр. 2348
القدسي: "كل عمل يعمله ابن آدم له، والحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". رأينا الفضل الواسع الذي يتفضل الله به على عباده في شهر رمضان، فضل تمكين من العبادة، وتيسير لأدائها، وإبعاد لمعوقاتها، وفضل حصار للمحرمات، وتضييق لمسالكها، وتغليق لمنافذها، وحبس لوسوستها وتزيينها وإغوائها، يتمثل ذلك في فتح أبواب الجنة، وغلق أبواب النار، وسلسلة الشياطين، ثم التفضل بالإثابة على القليل كثيراً، والتفضل بالعفو والتسامح والغفران للهفوات "من تطوع بخصلة فيه كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه".
فيا فوز من جاهد فيه نفسه، وغنم خيره، ويا حسرة من تكاسل فيه، وحرم فيه فضل الله.
-[المباحث العربية]-
(كتاب الصوم) الصوم والصيام مصدران لصام يصوم، وهو لغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً﴾ [مريم: ٢٦] فهذا صوم وإمساك عن الكلام، والصوم في شرع الإسلام: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. قاله ابن قدامة. وقيل: هو إمساك المكلف بالنية عن المفطرات. والتعريف الذي يشمل جميع الخلافات الفقهية أن يقال: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة. ذكره في "الفتح".
(إذا جاء رمضان) وفي الرواية الثانية "إذا كان رمضان" فكان تامة، و"رمضان" فاعل، وفي رواية للبخاري "إذا دخل شهر رمضان" ودخول رمضان يبدأ بمغرب أول ليلة منه. و"رمضان" اسم للشهر المعروف.
قال الزمخشري: رمضان من رمض إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف للعلمية والألف والنون، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته.
وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر.
وفي "الغريبين": هو مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش.
وفي "المغيث": اشتقاقه من رمضت النصل أرمضه رمضاً إذا جعلته بين حجرين ودققته ليرق، سمي الشهر به لأنه شهر مشقة، ليذكر صائموه ما يقاسي أهل النار فيها.
وقيل: من رمضت في المكان يعني احتبست، لأن الصائم يحتبس عما نهي عنه.
وقال ابن خالويه: تقول العرب: جاء فلان يغدو رمضاً [بسكون الميم] ورمضاً [بفتحها] وترميضاً ورمضاناً إذا كان قلقاً فزعاً.
стр. 2349
وفي المحكم: جمعه رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمض.
والشهر عدد من الأيام، وجمعه أشهر وشهور. وفي "المحكم": الشهر القمر، سمي بذلك لشهرته وظهوره، وسمي الشهر بذلك لأنه يشهر بالقمر وفيه علامة ابتدائه وانتهائه، ويقال: شهر وشهر [بتسكين الهاء وفتحها] والتسكين أكثر.
انتهى بتصرف من "عمدة القارئ". وفيه: كانوا يقولون للمحرم المؤتمر، ولصفر ناجر، ولربيع الأول خوان، ولربيع الآخر وبضان، ولجمادى الأول ربى، ولجمادى الآخرة حنين، ولرجب الأصم، ولشعبان عاذل، ولرمضان نائق، ولشوال وعل، ولذي القعدة ورئة، ولذي الحجة برك. اهـ.
(فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار) "فتحت" و"غلقت" بضم أولهما، وكسر ثانيهما مشدداً وروي بتخفيف التاء واللام، وفي الرواية الثانية "فتحت أبواب الرحمة، وغلقت جهنم" وفي رواية للبخاري "فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم". قال ابن بطال: المراد من "السماء" الجنة، بقرينة ذكر "جهنم" في مقابله. اهـ وأبواب الرحمة تطلق على أبواب الجنة، ففي الحديث: "قال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي". وقال الحافظ ابن حجر: رواية "أبواب الرحمة" ورواية "أبواب السماء" من تصرف الرواة، والأصل "أبواب الجنة"، وفتح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار قيل: على الحقيقة ورجحه الزين بن المنير والقرطبي على أساس أنه لا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وقيل: على الكناية وجزم به النوربشتي، شارح "المصابيح" فعلى الأول تكون الجنة موجودة الآن على الحالة التي ستكون عليها في الآخرة، ولها سبعة أبواب تفتح وتغلق.
وظاهر قوله: "فتحت" و"غلقت" إذا جاء رمضان أن أبواب الجنة كانت مغلقة وأن أبواب جهنم كانت مفتحة في غير رمضان، وهو احتمال، ويحتمل أن أبوابهما تكون مفتحة في غير رمضان، فغلق أبواب جهنم المفتوحة ظاهر، وفتح أبواب الجنة المفتوحة يراد به زيادة فتحها، أو استمرار فتحها، ويحتمل أن أبوابهما تكون مغلقة في غير رمضان، ففتح أبواب الجنة المغلقة ظاهر، وإغلاق أبواب جهنم المغلقة يراد به زيادة الإغلاق وإحكامه، واستمراره.
وفائدة الفتح والإغلاق -على هذا- مع أنه لا دخول ولا خروج، ولا فائدة للبشر منهما -فائدة ذلك إعلام الملائكة بدخول شهر رمضان، وتعظيم حرمته. قاله القاضي عياض. وقال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه، ويتلقاه بأريحتيه. اهـ ولا شك أن علم المؤمن أن الجنة المزينة الجميلة المعدة له تفتح أبوابها في هذا الشهر لمضاعفة حسنات الطاعات يزيده نشاطاً للطاعة وحرصاً عليها والتنافس فيها.
وعلى القول الثاني: وأن هذا التعبير كناية -ومن المعلوم أن الكناية لفظ أطلق وأريد منه لازم معناه مع صحة إرادة المعنى الأصلي -قال النوربشتي: فتح أبواب السماء كناية
стр. 2350
عن تنزل الرحمة، وإزالة العلق عن مصاعد أعمال العباد، تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام من رجس الفواحش، والتخلص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك سبب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار. اهـ.
وقيل: إن ذلك إشارة إلى أن الطريق إلى الجنة في شهر رمضان سهل لأن الأعمال فيه مضاعفة الأجر، والعفو والرحمة فيه تظل العباد. وكل هذه المعاني متقاربة. والله أعلم.
(وصفدت الشياطين) بضم الصاد وتشديد الفاء المكسورة، أي شدت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهي بمعنى "سلسلت" في الرواية الثانية، أي شدت بالسلاسل.
قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقي السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في رمضان، لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع. فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ. وقال بعضهم: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، فقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم: "صفدت الشياطين ومردة الجن". وفي رواية: "وتغل فيه مردة الشياطين".
وهذا على القول بحقيقة التعبير، وأن هناك تصفيداً فعلياً لشياطين حقيقيين.
وفائدة هذا التصفيد قيل: منعهم من أذى المسلمين، وإضعاف إغوائهم على المعاصي. وقيل: رفع عذر المكلف، كأنه يقال له: قد كففت الشياطين عنك، فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا في فعل المعصية. ويمكن جعل القول الأول فائدة التصفيد، والقول الثاني فائدة إخبار الصادق ﷺ بالتصفيد.
قال القرطبي: فإن قيل: كيف ونحن نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً؟ فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين للصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلهم كما جاء في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيدهم جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية، لأن لذلك أسباباً غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية.
أما القول بأن التعبير مراد به الكناية فقيل: إن اشتغال المسلمين بالصوم فيه كف وقمع للشهوات، واشتغالهم بالمحافظة على آداب الصوم من ترك قول الزور والعمل به، واشتغالهم بالذكر وقراءة القرآن بالإضافة إلى تغمد المسلمين بفضل الله ورحمته وعفوه، كل ذلك يجعل الشياطين كأنهم عاجزون مكتوفو اليدين. فتصفيد الشياطين كناية عن عجزهم عن تحقيق أهدافهم من غواية الصائمين وإيقاعهم في الشرور والمعاصي.
следующие страницы →