← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

كتاب الصوم

стр. 2347

(٢٩٧) باب فضل شهر رمضان ٢١٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين". ٢١٧٤ - عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ "إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين". ٢١٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دخل رمضان" بمثله. -[المعنى العام]- فضل الله بعض البشر على بعض، بل فضل بعض الرسل على بعض ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وفضل بعض الأمكنة على بعض ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً﴾ [آل عمران: ٩٦] ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ [الإسراء: ١]. وفضل بعض الأزمنة على بعض ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٣، ٤]. ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر]. والمكان يشرف ويفضل عادة بما يحل فيه من فضائل وخيرات، ويهبط ويحقر بما يقع فيه من شر وسوءات، كذلك الزمان يعظم بما يقع فيه من عظائم الأمور، ويقل شأناً بما يقع فيه من محقراتها، فالمكان والزمان ظرفان لما يقع فيهما. ففضل شهر رمضان شرف بإنزال القرآن فيه، وبتشريع عبادة فيه، هي أشبه بعبادة الملائكة، وهي الصوم والإمساك عن الطعام والشراب وكف الشهوات، فإذا أضفنا إلى ذلك فتح أبواب رحمة الرحمن، وزيادة فضله وإكرامه للصائمين، إذ يقول جل شأنه في الحديث

стр. 2348

القدسي: "كل عمل يعمله ابن آدم له، والحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". رأينا الفضل الواسع الذي يتفضل الله به على عباده في شهر رمضان، فضل تمكين من العبادة، وتيسير لأدائها، وإبعاد لمعوقاتها، وفضل حصار للمحرمات، وتضييق لمسالكها، وتغليق لمنافذها، وحبس لوسوستها وتزيينها وإغوائها، يتمثل ذلك في فتح أبواب الجنة، وغلق أبواب النار، وسلسلة الشياطين، ثم التفضل بالإثابة على القليل كثيراً، والتفضل بالعفو والتسامح والغفران للهفوات "من تطوع بخصلة فيه كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه". فيا فوز من جاهد فيه نفسه، وغنم خيره، ويا حسرة من تكاسل فيه، وحرم فيه فضل الله. -[المباحث العربية]- (كتاب الصوم) الصوم والصيام مصدران لصام يصوم، وهو لغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً﴾ [مريم: ٢٦] فهذا صوم وإمساك عن الكلام، والصوم في شرع الإسلام: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. قاله ابن قدامة. وقيل: هو إمساك المكلف بالنية عن المفطرات. والتعريف الذي يشمل جميع الخلافات الفقهية أن يقال: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة. ذكره في "الفتح". (إذا جاء رمضان) وفي الرواية الثانية "إذا كان رمضان" فكان تامة، و"رمضان" فاعل، وفي رواية للبخاري "إذا دخل شهر رمضان" ودخول رمضان يبدأ بمغرب أول ليلة منه. و"رمضان" اسم للشهر المعروف. قال الزمخشري: رمضان من رمض إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف للعلمية والألف والنون، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. وفي "الغريبين": هو مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش. وفي "المغيث": اشتقاقه من رمضت النصل أرمضه رمضاً إذا جعلته بين حجرين ودققته ليرق، سمي الشهر به لأنه شهر مشقة، ليذكر صائموه ما يقاسي أهل النار فيها. وقيل: من رمضت في المكان يعني احتبست، لأن الصائم يحتبس عما نهي عنه. وقال ابن خالويه: تقول العرب: جاء فلان يغدو رمضاً [بسكون الميم] ورمضاً [بفتحها] وترميضاً ورمضاناً إذا كان قلقاً فزعاً.

стр. 2349

وفي المحكم: جمعه رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمض. والشهر عدد من الأيام، وجمعه أشهر وشهور. وفي "المحكم": الشهر القمر، سمي بذلك لشهرته وظهوره، وسمي الشهر بذلك لأنه يشهر بالقمر وفيه علامة ابتدائه وانتهائه، ويقال: شهر وشهر [بتسكين الهاء وفتحها] والتسكين أكثر. انتهى بتصرف من "عمدة القارئ". وفيه: كانوا يقولون للمحرم المؤتمر، ولصفر ناجر، ولربيع الأول خوان، ولربيع الآخر وبضان، ولجمادى الأول ربى، ولجمادى الآخرة حنين، ولرجب الأصم، ولشعبان عاذل، ولرمضان نائق، ولشوال وعل، ولذي القعدة ورئة، ولذي الحجة برك. اهـ. (فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار) "فتحت" و"غلقت" بضم أولهما، وكسر ثانيهما مشدداً وروي بتخفيف التاء واللام، وفي الرواية الثانية "فتحت أبواب الرحمة، وغلقت جهنم" وفي رواية للبخاري "فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم". قال ابن بطال: المراد من "السماء" الجنة، بقرينة ذكر "جهنم" في مقابله. اهـ وأبواب الرحمة تطلق على أبواب الجنة، ففي الحديث: "قال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي". وقال الحافظ ابن حجر: رواية "أبواب الرحمة" ورواية "أبواب السماء" من تصرف الرواة، والأصل "أبواب الجنة"، وفتح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار قيل: على الحقيقة ورجحه الزين بن المنير والقرطبي على أساس أنه لا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وقيل: على الكناية وجزم به النوربشتي، شارح "المصابيح" فعلى الأول تكون الجنة موجودة الآن على الحالة التي ستكون عليها في الآخرة، ولها سبعة أبواب تفتح وتغلق. وظاهر قوله: "فتحت" و"غلقت" إذا جاء رمضان أن أبواب الجنة كانت مغلقة وأن أبواب جهنم كانت مفتحة في غير رمضان، وهو احتمال، ويحتمل أن أبوابهما تكون مفتحة في غير رمضان، فغلق أبواب جهنم المفتوحة ظاهر، وفتح أبواب الجنة المفتوحة يراد به زيادة فتحها، أو استمرار فتحها، ويحتمل أن أبوابهما تكون مغلقة في غير رمضان، ففتح أبواب الجنة المغلقة ظاهر، وإغلاق أبواب جهنم المغلقة يراد به زيادة الإغلاق وإحكامه، واستمراره. وفائدة الفتح والإغلاق -على هذا- مع أنه لا دخول ولا خروج، ولا فائدة للبشر منهما -فائدة ذلك إعلام الملائكة بدخول شهر رمضان، وتعظيم حرمته. قاله القاضي عياض. وقال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه، ويتلقاه بأريحتيه. اهـ ولا شك أن علم المؤمن أن الجنة المزينة الجميلة المعدة له تفتح أبوابها في هذا الشهر لمضاعفة حسنات الطاعات يزيده نشاطاً للطاعة وحرصاً عليها والتنافس فيها. وعلى القول الثاني: وأن هذا التعبير كناية -ومن المعلوم أن الكناية لفظ أطلق وأريد منه لازم معناه مع صحة إرادة المعنى الأصلي -قال النوربشتي: فتح أبواب السماء كناية

стр. 2350

عن تنزل الرحمة، وإزالة العلق عن مصاعد أعمال العباد، تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام من رجس الفواحش، والتخلص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك سبب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار. اهـ. وقيل: إن ذلك إشارة إلى أن الطريق إلى الجنة في شهر رمضان سهل لأن الأعمال فيه مضاعفة الأجر، والعفو والرحمة فيه تظل العباد. وكل هذه المعاني متقاربة. والله أعلم. (وصفدت الشياطين) بضم الصاد وتشديد الفاء المكسورة، أي شدت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهي بمعنى "سلسلت" في الرواية الثانية، أي شدت بالسلاسل. قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقي السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في رمضان، لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع. فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ. وقال بعضهم: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، فقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم: "صفدت الشياطين ومردة الجن". وفي رواية: "وتغل فيه مردة الشياطين". وهذا على القول بحقيقة التعبير، وأن هناك تصفيداً فعلياً لشياطين حقيقيين. وفائدة هذا التصفيد قيل: منعهم من أذى المسلمين، وإضعاف إغوائهم على المعاصي. وقيل: رفع عذر المكلف، كأنه يقال له: قد كففت الشياطين عنك، فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا في فعل المعصية. ويمكن جعل القول الأول فائدة التصفيد، والقول الثاني فائدة إخبار الصادق ﷺ بالتصفيد. قال القرطبي: فإن قيل: كيف ونحن نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً؟ فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين للصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلهم كما جاء في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيدهم جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية، لأن لذلك أسباباً غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية. أما القول بأن التعبير مراد به الكناية فقيل: إن اشتغال المسلمين بالصوم فيه كف وقمع للشهوات، واشتغالهم بالمحافظة على آداب الصوم من ترك قول الزور والعمل به، واشتغالهم بالذكر وقراءة القرآن بالإضافة إلى تغمد المسلمين بفضل الله ورحمته وعفوه، كل ذلك يجعل الشياطين كأنهم عاجزون مكتوفو اليدين. فتصفيد الشياطين كناية عن عجزهم عن تحقيق أهدافهم من غواية الصائمين وإيقاعهم في الشرور والمعاصي.

стр. 2351

-[فقه الحديث]- في فضل شهر رمضان وردت أحاديث كثيرة، ولئن كان بعضها ضعيف الإسناد فإنها في مجموعها تتعاضد وترتقي إلى الحسن، وهي في مجموعها ترسم صورة مشرقة نورانية لشهر رمضان، تتفق هذه الصورة وصورة التكريم له في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة. من هذه الأحاديث ما رواه الطبراني بلفظ: إن رسول الله ﷺ قال يوماً -وحضر رمضان- "أتاكم رمضان، شهر بركة، يغيثكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله ". وما رواه الطبراني أيضاً بلفظ: "ذاكر الله في رمضان مغفور له، وسائل الله فيه لا يخيب". وما رواه أبو يعلى عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ -وقد أهل رمضان: "لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان". وما رواه ابن عساكر عن أبي هريرة يرفعه قال: "ويغفر فيه إلا لمن نأى. قالوا: ومن نأى يا أبا هريرة؟ قال: الذي يأبى أن يستغفر الله ". وما رواه النسائي بلفظ: "تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، وينادي مناد كل ليلة، يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر". وما رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن سلمان الفارسي قال: خطبنا رسول الله ﷺ آخر يوم من شعبان فقال: "أيها الناس. قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، فرض الله صيامه، وجعل قيام ليله تطوعاً، فمن تطوع فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وهو شهر المواساة، وهو شهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر صائماً كان له عتق رقبة". قيل: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم؟ قال: "يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء، ومن فطر صائماً كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار". وقد أفاض العلماء في جواز أو كراهة قول: "رمضان" بانفراد من غير لفظ: "شهر" لدرجة جعلت البخاري يخصص لذلك باباً فيقول: هل يقال: رمضان؟ أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعاً. ثم أتبع ذلك بقوله: وقال النبي ﷺ : "من صام رمضان". وقال: "لا تقدموا رمضان". ثم أتبع ذلك بحديث الباب: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة". وعنون النسائي لذلك أيضاً، فقال: باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان. ثم أورد

стр. 2352

حديث أبي بكرة مرفوعاً: "لا يقولن أحدكم: صمت رمضان ولا قمته كله". وحديث ابن عباس: "عمرة في رمضان تعدل حجة". وحاصل أقوالهم أنه نقل عن عطاء ومجاهد أنهما كانا يكرهان أن يقولا: رمضان. وإنما يقولان: شهر رمضان. ونقل القول بالكراهة عن أصحاب مالك. واعتمدوا في وجهة نظرهم على ثلاث ركائز: الأولى: أن القرآن الكريم ذكره بعنوان "شهر رمضان". الثانية: ما أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان". الثالثة: احتمال أن يكون حذف كلمة "شهر" من الأحاديث التي وردت بذكر "رمضان" من غيرها، احتمال أن يكون من تصرف الرواة. وجمهور العلماء على جواز ذكر "رمضان" من غير ذكر "شهر" مطلقاً. وأجابوا عن ركائز الذاهبين إلى الكراهة بأن ذكر القرآن للفظ "شهر" وذكر الأحاديث الكثيرة الصحيحة للفظ "رمضان" من غير شهر دليل جواز. أما حديث ابن عدي فهو ضعيف بتصريح المحدثين. وقال كثير من الشافعية وابن الباقلاني: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، وإلا فيكره. قالوا: فيقال: صمنا رمضان، وقمنا رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، وتطلب ليلة القدر في أواخر رمضان، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا كله. قالوا: وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، ودخل رمضان، وأحب رمضان. قال النووي: والصواب أنه لا كراهة في قول: رمضان مطلقاً، والمذهبان الآخران فاسدان، لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت فيه نهي، وقولهم: إنه من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، ولم يصح فيه شيء، وأسماء الله تعالى توقيفية، لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة، وقد ثبتت أحاديث كثيرة في الصحيحين في تسمية رمضان من غير شهر في كلام الرسول ﷺ . اهـ. والله أعلم

стр. 2353

(٢٩٨) باب وجوب الصوم لرؤية هلال رمضان ٢١٧٦ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر رمضان فقال "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أغمي عليكم فاقدروا له". ٢١٧٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فضرب بيديه فقال "الشهر هكذا وهكذا وهكذا (ثم عقد إبهامه في الثالثة) فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين". ٢١٧٨ - عن عبيد الله ﵁ بهذا الإسناد وقال "فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين" نحو حديث أبي أسامة. ٢١٧٩ - عن عبيد الله ﵁ بهذا الإسناد وقال: ذكر رسول الله ﷺ رمضان فقال "الشهر تسع وعشرون، الشهر هكذا وهكذا وهكذا" وقال "فاقدروا له ولم يقل ثلاثين". ٢١٨٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فاقدروا له". ٢١٨١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "الشهر تسع وعشرون. فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن غم عليكم فاقدروا له". ٢١٨٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن غم عليكم فاقدروا له". ٢١٨٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "الشهر تسع وعشرون ليلة لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه إلا أن يغم عليكم فإن غم عليكم فاقدروا له". ٢١٨٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "الشهر هكذا وهكذا وهكذا وقبض" إبهامه في الثالثة. ٢١٨٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "الشهر تسع وعشرون". ٢١٨٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال "الشهر هكذا وهكذا وهكذا عشراً وعشراً وتسعاً". ٢١٨٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "الشهر كذا وكذا وكذا" وصفق بيديه مرتين بكل أصابعهما ونقص في الصفقة الثالثة إبهام اليمنى أو اليسرى. ٢١٨٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "الشهر تسع

стр. 2354

وعشرون" وطبق شعبة يديه ثلاث مرار وكسر الإبهام في الثالثة. قال: عقبة وأحسبه قال "الشهر ثلاثون" وطبق كفيه ثلاث مرار. ٢١٨٩ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا" وعقد الإبهام في الثالثة "والشهر هكذ وهكذا وهكذا" يعني تمام ثلاثين.

стр. 2355

٢١٩٠ - عن الأسود بن قيس بهذا الإسناد ولم يذكر للشهر الثاني ثلاثين. ٢١٩١ - عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلاً يقول الليلة ليلة النصف. فقال له ما يدريك أن الليلة النصف؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول "الشهر هكذا وهكذا (وأشار بأصابعه العشر مرتين) وهكذا (في الثالثة وأشار بأصابعه كلها وحبس أو خنس إبهامه) ". ٢١٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً". ٢١٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غمي عليكم فأكملوا العدد". ٢١٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين". ٢١٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الهلال فقال "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين". ٢١٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه". ٢١٩٧ - عن الزهري أن النبي ﷺ أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهراً.

стр. 2356

قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة ﵂ قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن دخل علي رسول الله ﷺ (قالت بدأ بي). فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن. فقال "إن الشهر تسع وعشرون". ٢١٩٨ - عن جابر ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ اعتزل نساءه شهراً فخرج إلينا في تسع وعشرين. فقلنا: إنما اليوم تسع وعشرون. فقال "إنما الشهر" وصفق بيديه ثلاث مرات وحبس إصبعاً واحدة في الآخرة. ٢١٩٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: اعتزل النبي ﷺ نساءه شهراً فخرج إلينا صباح تسع وعشرين. فقال بعض القوم: يا رسول الله إنما أصبحنا لتسع وعشرين. فقال النبي ﷺ "إن الشهر يكون تسعاً وعشرين" ثم طبق النبي ﷺ بيديه ثلاثاً مرتين بأصابع يديه كلها والثالثة بتسع منها. ٢٢٠٠ - عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهراً. فلما مضى تسعة وعشرون يوماً غدا عليهم (أو راح). فقيل له: حلفت يا نبي الله أن لا تدخل علينا شهراً. قال "إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً". ٢٢٠١ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ضرب رسول الله ﷺ بيده على الأخرى. فقال "الشهر هكذا وهكذا" ثم نقص في الثالثة إصبعاً. ٢٢٠٢ - عن محمد بن سعد عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" عشراً وعشراً وتسعاً مرة.

стр. 2357

٢٢٠٣ - عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام. قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها. واستهل علي رمضان وأنا بالشام. فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر. فسألني عبد الله بن عباس ﵄، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . وشك يحيى بن يحيى في نكتفي أو تكتفي. ٢٢٠٤ - عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة. قال: تراءينا الهلال. فقال بعض القوم هو ابن ثلاث. وقال بعض القوم هو ابن ليلتين. قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين. فقال أي ليلة رأيتموه؟ قال: فقلنا ليلة كذا وكذا. فقال إن رسول الله ﷺ قال "إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه". ٢٢٠٥ - عن أبي البختري قال: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس ﵄ يسأله. فقال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ "إن الله قد أمده لرؤيته فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة". ٢٢٠٦ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال "شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة". ٢٢٠٧ - عن أبي بكرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال "شهرا عيد لا ينقصان" في حديث خالد "شهرا عيد رمضان وذو الحجة".

стр. 2358

-[المعنى العام]- ربط الإسلام بين العبد وربه بالعبادات الواجبة في أوقات مختلفة من أزمنة عمره، فأوجب عبادة واحدة في العمر كله، وهي الحج، وجعل لها أشهراً معلومات، وأوجب عبادة شهر من كل عام، وهي صوم رمضان، وأوجب صلاة خاصة مرة في كل أسبوع، وهي صلاة الجمعة، وأوجب خمس صلوات كل يوم وليلة. وحين ترتبط العبادة بالزمن يحدد المشرع بدايتها ونهايتها. ومما هو معلوم أن الزمن في دنيانا يرتبط بحركة الشمس والقمر والنجوم في أفلاكها فقد خلقها الله خلقاً محكماً في نظام دقيق، لا يختل، ولا يتذبذب تحركه صعوداً أو هبوطاً، لا بمرور الدهور، ولا بزيادة الدافع أو نقصه. إن قوة الدفع التي يصنعها المخلوق تتأثر بعوامل كثيرة ليست من صنعه، أما صنعة الله ﷻ فلا تتأثر إلا بما شاء. ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [يونس: ٥]. ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً﴾ [الإسراء: ١٢]. وحين يعلم العبد البداية والنهاية يستخدم ما يشعره بهذه البداية من الوسائل، فاستخدمت الساعات، ومن قبلها المزاول لتحديد أوقات الصلوات، واستخدمت وسائل العلم المختلفة المتطورة التحديد الزمني الدقيق، واستخدمت الآلات الحديثة للحساب بحيث تحسب في لحظة ما كان حسبه الإنسان في أيام أو سنوات. وشهر رمضان شرع الله صومه، وتحديد بدايته ونهايته يتطلب وسيلة من الوسائل التي يتمكن منها المسلم. و ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٣٣] فحين كانت أمة الإسلام لا تقرأ ولا تكتب ولا تحسب. ولا تدرس منازل القمر وعلم الفلك ربطت هذه العبادة برؤية هلال الشهر، فصدر التشريع الإلهي على لسان محمد ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً". "الشهر -العربي- هكذا - مشيراً بأصابع كفيه- وهكذا- مشيراً بها مرة أخرى. تلك عشرون -وهكذا، وفي الثالثة أخفى إبهامه لتصير تسعاً". هذه إشارة لشهر، وإشارة أخرى لشهر آخر، يصفق بأصابع يديه العشر ثلاث مرات، فالشهر تسع وعشرون ليلة أحياناً، وثلاثون ليلة أحياناً. وعلى هذا التوجيه الكريم صام المسلمون بحكم قاضيهم بدخول الشهر إذا شهد عنده من يكتفي بشهادته أنه رأى الهلال، وبحكم بانتهاء الشهر إذا شهد عنده بأن قدر رؤي هلال الشهر الآخر. وبعد أن صارت أمة الإسلام أمة قارئة كاتبة حاسبة، من أبنائها متخصصون في علم الفلك وحركات الكواكب وعلوم الفضاء تحركت الأسئلة الجادة عن مقصود الشرع بالرؤية، وهل هي وسيلة لعبادة؟ أو مقصودة بالعبادة؟ .

стр. 2359

هل نبقى معتمدين عليها كوسيلة العلم الوحيدة؟ أو نعتمد عليها وعلى غيرها من وسائل العلم القطعية، باعتبارها كثيراً ما يعتورها النقص والخلل؟ . وفي كل عصر نجد المتمسكين بالقديم، المعتزين به، المتهمين لكل جديد بالقصور، المتوجسين منه خيفة، المتشككين في كفاءته وقدرته، كما نجد المسارعين إلى الجديد، الداعين إلى التطور والتخلص من الجمود، والفريق الأول بالنسبة للأمور الشرعية لا يذم، فدافعه ديني وحرص على سلامة العبادة، وتمسك بالنصوص، والفريق الثاني ينفذ إلى حكمة التشريع، وإلى روح العبادة ومقاصدها، وكل مجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، ونحيل بعد ذلك ما تحتاج من معاني أحاديث الباب إلى المباحث العربية وفقه الحديث ففيهما غناء عن التطويل إن شاء الله. -[المباحث العربية]- (لا تصوموا حتى تروا الهلال) أي لا تصوموا رمضان حتى تروا هلاله، والخطاب لأمته، لكن يكفي رؤية واحد منها أو اثنين على ما سيأتي. (ولا تفطروا حتى تروه) أي لا تفطروا في نهاية رمضان حتى تروا هلال شوال. وفي الرواية الثالثة "فلا تصوموا حتى تروه" وفي الرواية الرابعة "فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا". (فإن أغمي عليكم) في الرواية الثالثة "فإن غم عليكم" وفي الرواية الرابعة عشرة "فإن غمي عليكم" "غم" بضم الغين وتشديد الميم، يقال: غممت الشيء إذا غطيته، وغم الهلال أي ستر على الناس، ومنه الغم، لأنه يستر القلب بالحزن، وسمي السحاب غيماً لأنه يستر السماء، و"أغمي" بضم الهمزة وسكون الغين وكسر الميم، و"غمي" بضم الغين وكسر الميم مخففة ومشددة. قال الحافظ ابن حجر: الكل بمعنى. وقال النووي: يقال: غامت السماء وغيمت وأغامت وتغيمت وأغمت. وفي رواية "غبي" بفتح الغين وكسر الباء مخففة من الغباوة، وهي عدم الفطنة، وهي استعارة لخفاء الهلال، وروى "عمي" بالعين، وهو بمعناه. (فاقدروا له) بضم الدال وكسرها، يقال: قدرت الشيء أقدره بضم الدال، وأقدره بكسرها، وقدرته بتشديد الدال، وأقدرته بمعنى واحد، وهو من التقدير، ومنه قوله تعالى: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣]. قاله الخطابي. وفي المعنى المراد قالت طائفة: معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، أي ظنوا أنه تحت السحاب، وأوجب هؤلاء صيام ليلة الغيم. وقال آخرون: معناه قدروه بحساب المنازل، يعني منازل القمر. ومعناه عند الجمهور قدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً، عملاً بالرواية الثانية وفيها "فاقدروا له ثلاثين" والثالثة عشرة، وفيها "فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً" والرابعة عشرة وفيها "فأكملوا العدد" والخامسة عشرة والسادسة عشرة "فعدوا ثلاثين" وللبحث تتمة في فقه الحديث.

стр. 2360

(فضرب بيديه) في الرواية التاسعة "وصفق بيديه" وفي الرواية المتممة للعشرين "ثم طبق بيديه" والمعنى أنه نشر أصابع يديه العشرة واضعاً كفاً على كف، والسبابة على السبابة والوسطى على الوسطى ثم باعد بين الكفين ناشراً الأصابع في مواجهة المخاطبين. (وقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا) أي صفق بيديه ونشرهما مرة ومرة ومرة، وعقد إبهامه في المرة الثالثة، وفي الرواية السابعة "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، قبض إبهامه في الثالثة" وفي الرواية الثامنة "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، عشرا وعشراً وتسعاً" وفي الرواية التاسعة "الشهر كذا وكذا وكذا، وصفق بيديه مرتين بكل أصابعهما، ونقص في الصفقة الثالثة إبهام اليمنى أو اليسرى" وفي الرواية العاشرة "الشهر تسع وعشرون" "وطبق الراوي يديه ثلاث مرار، وكسر الإبهام في الثالثة" وفي الرواية الثانية عشرة "الشهر هكذا وهكذا -وأشار بأصابعه العشر مرتين- وهكذا في الثالثة -وأشار بأصابعه كلها، وحبس أو خنس إبهامه" وفي الرواية التاسعة عشرة "إنما الشهر -وصفق بيديه ثلاث مرات وحبس إصبعاً واحدة في الأخرة" وفي الرواية المتممة للعشرين "الشهر يكون تسعاً وعشرين -ثم طبق النبي ﷺ بيديه ثلاثاً مرتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها" وفي الرواية الثانية والعشرين "ضرب النبي ﷺ بيديه على الأخرى، فقال: الشهر هكذا وهكذا، ثم نقص في الثالثة إصبعاً" وفي ملحقها "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، عشراً وعشراً وتسعاً مرة". وهذه التعبيرات المختلفة لإشاراته ﷺ لا تناقض بينها، وكلها تحكي حالة واحدة، وقصة واحدة، حاصلها أنه ﷺ أشار أولاً بأصابع يديه العشر جميعاً مرتين. وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا المعبر عنه في بعض الروايات بقوله: "تسع وعشرون" وأشار مرة أخرى بأصابع يديه العشر ثلاث مرات، وهو المعبر عنه في ملحق الرواية العاشرة "الشهر ثلاثون -وطبق كفيه ثلاث مرار" لكن أكثر الرواة اقتصر على ذكر حالة قبض الإبهام في الثالثة. (الشهر تسع وعشرون) في الرواية الثالثة "إنما الشهر تسع وعشرون" وفي الرواية السادسة "الشهر تسع وعشرون ليلة" وفي الرواية الثانية عشرة "إن الشهر تسع وعشرون" وفي الرواية المتممة للعشرين "إن الشهر يكون تسعاً وعشرين" وفي الرواية الحادية والعشرين "إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً" ومن المعلوم أن العدد من الثلاث إلى التسع يذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر فإن حذف المعدود جاز تذكير العدد على تقدير معدود مؤنث، وتأنيث العدد على تقدير معدود مذكر وأكثر الروايات على تذكير العدد "تسع" بدون التاء، فتمييزه "ليلة". وقد جاءت الرواية الثالثة بطريق الحصر "إنما" والروايات الأخرى بتعريف "الشهر" مما ظاهره الحصر أيضاً، مع أن الحصر غير مراد قطعاً، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين -وهذا الجواب لا يصلح مع رواية "إنما" لو صح لفظها أو اللام للعهد، والمراد شهر بعينه- كأنه قال: هذا الشهر، أو إنما هذا الشهر- أو هو محمول على الأكثر الأغلب، لقول ابن مسعود: "ما صمنا مع النبي ﷺ تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين". أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد [واستدلال الحافظ ابن حجر بهذا الحديث على

стр. 2361

أكثرية التسع والعشرين غير مسلم، فكما حمل "ما" في "ما صمنا" على أنها موصول يمكن لآخرين أن يحملوها على النفي] لكن إرادة الكثرة -لا الأكثرية- من الحديث صحيحة، فالمعنى "الشهر كثيراً- تسع وعشرون" أو "إنما الشهر -كثيراً- تسع وعشرون" وأشار ابن العربي إلى أن في الأسلوب اكتفاء، فقد جاء بالحصر من جهة أحد طرفيه، وحذف الطرف الآخر، وهو مراد، والمعنى: إنما الشهر تسع وعشرون وثلاثون، أي يكون تسعاً وعشرين، وهو أقل عدد أيامه، ويكون ثلاثين وهو أكثر عدد أيامه، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطاً، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفاً، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلال الهلال. وليس معنى ذلك التناسق بين الشهور، شهر تسع وعشرون وشهر ثلاثون، وإنما المعنى أنه أحياناً يكون كذا وأحياناً يكون كذا، وقد يتوالى شهران وأكثر بحالة واحدة، قال النووي: قالوا: وقد يقع النقص في شهرين وثلاثة وأربعة، ولا يقع في أكثر من أربعة. اهـ. (فلا تصوموا حتى تروه) أي الهلال، لدلالة السياق عليه. (إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب) "إنا" أي العرب، والأولى ما قاله الطيبي: إنه كناية عن جيل العرب الذين قيل فيهم هذا القول. وقيل: أراد نفسه ﷺ . فإن قصد من هذا القول أنه أراد نفسه ومن يشبهه من الأمة في عدم الكتابة والحساب فحسن، وإن قصد منه أنه أراد نفسه فقط معظماً فهو بعيد، لأن الحكم المبني على هذا موجه إلى المكلفين. والأمة بضم الهمزة، وكسرها لغة، وهي في الأصل الجماعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وجد عليه أمة من الناس يسقون﴾ [القصص: ٢٣] وكل جنس من الحيوان أمة، قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ [الأنعام: ٣٨] وتطلق على الطريقة والدين والنحلة، فيقال: فلان لا أمة له، أي لا دين له. وتطلق على الرجل المنفرد بدين، ومنه قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠]. قاله ابن الأثير. و"أمية" منسوبة إلى الأم وتفسيرها "لا نكتب ولا نحسب" لأن الأم والمرأة شأنها ذلك غالباً، أو معناه باقون على ما ولدتنا عليه أمهاتنا. وقال الداودي: "أمة أمية" لم تأخذ عن كتب الأمم قبلها، إنما أخذت عما جاء به الوحي. اهـ وهذا القول بعيد جداً، إذ لو أريد ذلك لقيل: غير أمية، أي غير آخذة عن الأمم، ثم إن إتباعها بقوله: "لا نكتب ولا نحسب" يزيد هذا القول بعداً. وقيل: منسوبون إلى أم القرى، وهو أشد بعداً. والمراد من الحساب هنا حساب النجوم، وحساب سيرها في أفلاكها، قال تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ [يونس: ٥] فإن قيل: إن أمة العرب حينذاك كان فيهم من يكتب ويحسب؟ أجيب بأن الكتابة كانت فيهم عزيزة نادرة، قال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة: ٢] ولم يكونوا يعرفون من ذلك الحساب إلا النزر اليسير المبني على الظن والتخمين، لا على العلم واليقين.

стр. 2362

(الليلة ليلة النصف) أي من رمضان. (ما يدريك أن الليلة النصف) بالرفع خبر "أن" ومعناه أنك لا تدري أن الليلة نصف ليالي الشهر أم لا؟ لأن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين، فلا تكون الليلة ليلة اليوم الذي بتمامه يتم النصف. (وإذا رأيتموه فأفطروا) أي إذا رأيتموه في نهاية رمضان فأفطروا. (فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً) فإن غم عليكم في نهاية رمضان فصوموا اليوم المتمم للثلاثين. وهو معنى ﴿ولتكملوا العدة﴾ [البقرة: ١٨٥] الآتي في الرواية الآتية، أي عدة شهر رمضان. (صوموا لرؤيته) اللام فيها للتأقيت، لا للتعليل، وفيه مجاز المشارفة، لأن وقت الرؤية وهو الليل لا يكون محلاً للصوم، وحتى من قال: إن المراد من الصوم نيته، والليل كله ظرف للنية، أي انووا الصيام، يلزمه كذلك مجاز المشارفة، لأن الناوي ليس صائماً حقيقة، بل مشرف ومقارب للصوم بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى طلوع الفجر. (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين) "لا تقدموا" بفتح التاء والقاف، أي لا تتقدموا، أي لا تستقبلوه بصوم يوم ولا يومين، قيل: ولا بأكثر حتى نصف الشهر، وسيأتي مزيد للبحث في فقه الحديث. (فخرج إلينا صباح تسع وعشرين) قال النووي: أي صباح الليلة بعد تسعة وعشرين يوماً، وهي صبيحة ثلاثين. اهـ أي صبيحة اليوم المتمم للثلاثين. وتوضيح الحادثة أن النبي ﷺ اعتزل نساءه صبيحة يوم، صلى الفجر، ثم دخل المشربة، وأخذ يصلي بالناس كل يوم وكل وقت ثم يصعد، لا يكاد يكلم أحداً، وأنهى الاعتزال، فلم يصعد بعد صلاة فجر اليوم المتمم للثلاثين، فتكون مدة اعتزاله تسعاً وعشرين ليلة وتسعة وعشرين يوماً، ويكون بذلك قد بر بيمينه، فلفظ الشهر يطلق على تسع وعشرين؛ وليس شرطاً أن يكون الاعتزال قد بدأ بليلة أول الشهر، فلم يثبت ذلك في أي من الروايات، ولا مانع من أن يكون الشهر الذي شغل الاعتزال أكثره لا مانع أنه كان تسعة وعشرين يوماً، يشهد لذلك قول عائشة: "أعدهن" ولم تقل: أشاهد الهلال مثلاً، أو لم ينته شهر كذا مثلاً. والروايات كلها تستقيم على هذا، فقول جابر في الرواية التاسعة عشرة: "فخرج إلينا في تسع وعشرين"، معناه في نهاية تسع وعشرين ليلة، وقولهم في الرواية نفسها: "إنما اليوم تسع وعشرون" معناه نهاية تسع وعشرين ليلة، وقولهم في الرواية المتممة للعشرين "فخرج إلينا صباح تسع وعشرين، أي صباح الليلة التاسعة والعشرين، وقولهم: "إنما أصبحنا لتسع وعشرين" أي لتسع وعشرين ليلة، وقول أم سلمة في الرواية الحادية والعشرين: "فلما مضى تسعة وعشرون يوماً" أي تسع وعشرون ليلة "غدا عليهم أو راح".

стр. 2363

(عن كريب أن أم الفضل) "كريب" بضم الكاف وفتح الراء مولى ابن عباس. "وأم الفضل" زوجة العباس ﵃. (واستهل على رمضان وأنا بالشام) "استهل" بضم التاء وكسر الهاء، ومعناه هل، يقال: هل الهلال هلا. ظهر، وهل الشهر: ظهر هلاله. (فرأيت الهلال ليلة الجمعة) أي ورآه الناس كما رأيته، واستقر رمضان بالشام وأصبح الناس هناك صائمين يوم الجمعة. (في آخر الشهر) أل العهد. أي آخر شهر رمضان. (ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال) بالشام؟ وهذا كله توضيح للسؤال نفسه، والخطاب في "رأيتم" مقصود به كريب وأهل الشام. فقوله: "رأيناه" أي أنا وغيري. (أنت رأيته)؟ استفهام حقيقي للتثبت من الرائي. (فلا نزال نصوم) أي سنظل نصوم حسب رؤيتنا. (تراءينا الهلال) أي تكلفنا النظر إلى جهته لنراه، أي قصدنا رؤيته لتقدير عمره. (إن الله مده للرؤية) في الرواية الخامسة والعشرين "إن الله قد أمده لرؤيته". قال النووي: هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها: "فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن الله مده للرؤية". وجميع النسخ متفقة على "مده" من غير ألف في الرواية الأولى، وفي الثانية "قد أمده" بالألف في أوله في جميع النسخ. قال القاضي: قال بعضهم: الوجه أن يكون "أمده" بالتشديد من الإمداد، ومده من الامتداد. قال القاضي: والصواب عندي بقاء الرواية على وجهها، ومعناه أطال مدته إلى الرؤية، وقد يكون "أمده" من المدة التي جعلت له، قال صاحب "الأفعال": أمددتكها أي أعطيتكها. انتهى. فالمعنى أعطاه الله مدة. (فهو لليلة رأيتموه) هذا من تتمة كلام الرسول ﷺ ، أي إن الله أعطاه مدة بقاء في السماء أول ليلة لتتمكنوا من رؤيته، فهو ابن الليلة التي نراه فيها، أي فهو يثبت لليلة التي يرى فيها، وفي الرواية الخامسة والعشرين "فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة" أي فإن لم تروه في أول ليلة مع مد الله له لحصول غيم أو خلافه فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً. (شهرا عيد) فسرهما فيما بعد بقوله "رمضان وذي الحجة" أما ذو الحجة فظاهر أن العيد يقع فيه" فينسب إليه، وأما رمضان فالعيد يليه ويقع في شوال، فإضافته إليه لقربه منه. (لا ينقصان) قال الحافظ ابن حجر: اختلف العلماء في معناه، فمنهم من حمله على ظاهره، فقال: لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبداً إلا ثلاثين. وهذا قول مردود. معاند

стр. 2364

للموجود المشاهد، ويكفي في رده قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة"، فإنه لو كان رمضان أبداً ثلاثين لم يحتج إلى هذا. قال: ومنهم من تأول له معنى لائقاً. وذكر أقوالاً تزيد على سبعة: قيل: لا ينقصان معاً، فلا يكونان في عام ثمانية وخمسين يوماً، إن جاء أحدهما تسعاً وعشرين جاء الآخر ثلاثين ولا بد. نسب هذا إلى أحمد. نقل ذلك الترمذي. قال: قال أحمد: معناه لا ينقصان معاً في سنة واحدة. كما نسب إلى البزار قوله: معناه لا ينقصان جميعاً في سنة واحدة، واستند إلى حديث مرفوع "شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يوماً". قال الطحاوي: حمل الحديث على هذا يدفعه العيان، لأنا قد وجدناهما ينقصان معاً في أعوام. وقيل: لا ينقصان معاً في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وهذا أعدل مما تقدم. وقيل: معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه ﷺ تلك المقالة. نقله القرطبي. والمعنى عليه: لا ينقصان معاً هذا العام. وقيل: معناه لا ينقصان في نفس الأمر في أي عام، لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع. أشار إليه ابن حبان. ولا يخفى بعده. وقيل: معناه لا يليق وصفهما بالنقصان وإن حصل فعلاً النقص الحسي باعتبار العدد، فإن نقص العدد فيها ينجبر بأن كلاً منهما شهر عيد عظيم. وقيل: لا ينقصان في الأحكام، على معنى أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين؛ متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين. جزم به البيهقي وقبله الطحاوي. وقيل: لا ينقصان، أي لا ينقص أحدهما في فضل أيامه عن الآخر. وقيل: لا ينقصان في الفضيلة، سواء أكانا تسعاً وعشرين أم ثلاثين، وهذا يقتضي أن التسوية في الثواب بين الشهر الذي يكون تسعة وعشرين وبين الشهر الذي يكون ثلاثين، فالثواب متعلق بالشهر لا بالأيام فيه. وهذا القول أقرب الأقوال وأحراها بالقبول. وإنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما، وفائدة الحديث رفع ما يقع في القلوب من شك لمن صام تسعة وعشرين أو وقف في غير يوم عرفة إذا لم يحصل تقصير في ابتغاء الهلال. انتهى من فتح الباري بتصرف. -[فقه الحديث]- يجمع هذه الأحاديث تعلقها بالهلال، وإن تشعبت مسائلها إلى شعب نجملها في أربع:

стр. 2365

الأولى: بم يثبت هلال الشهر؟ . الثانية: اختلاف المطالع. الثالثة: صوم يوم الشك. الرابعة: ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام المتفرقة. ١ - أما عن الشعبة الأولى فظاهر الأحاديث توقف ثبوت الهلال على رؤية العين المجردة. وتوقف وجوب الصوم عليها، بل تفيد النهي عن الصوم بدونها، ففي الرواية الأولى والثالثة والسادسة "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه" وفي الروايات الرابعة والخامسة والثالثة عشرة والسادسة عشرة "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" وفي الرواية الثانية والرابعة عشرة "صوموا لرؤيته". ولا خلاف في أن الخطاب في "صوموا" و"لا تصوموا" للأمة، ولكن الخطاب في "تروا" لا يقصد به جميع أفرادها قطعاً، وإنما المراد حتى يثبت برؤية عدل منكم، أو برؤية عدلين منكم، أو برؤية جمع منكم، خلاف بين الفقهاء على أقوال كثيرة. القول الأول: يقبل ويثبت هلال رمضان بعدل ذكر حر واحد، لما رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام النبي ﷺ ، وأمر الناس بالصيام". ولأنه إيجاب عبادة، فقبل من واحد احتياطاً للفرض، ولم يقبل من العبد والمرأة لأنه شهادة كسائر الشهادات، ويشترط لفظ الشهادة، ويختص بمجلس القاضي. أما هلال شوال فلا يقبل فيه إلا شاهدان عدلان، لأنه إسقاط فرض فاعتبر فيه العدد. وهذا القول هو الأصح عند الشافعية، قال النووي: ولا يجوز الفطر بشهادة عدل رأى هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور، فجوزه بعدل. القول الثاني: هو كالقول الأول، إلا أنه يقبل قول العبد والمرأة، على أساس أنه رواية، كرواية الأحاديث. وهذا رأي عند الشافعية. القول الثالث: لا يثبت هلال رمضان إلا بشهادة عدلين، ولا مدخل للنساء والعبيد في هذه الشهادة، ويشترط لفظ الشهادة، ويختص بمجلس القاضي كذا قال بعض الشافعية. القول الرابع: يشترط لثبوت هلال رمضان رجلان أو رجل وامرأتان. حكاه ابن المنذر عن الثوري. ولا خلاف في كل هذا عند الشافعية بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة. القول الخامس: قال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة، ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين. قال: وإن كانت مصحية، لم يثبت رمضان بواحد ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد

стр. 2366

الاستفاضة، واحتج له بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال، وأبصارهم صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد أو اثنان منهم. وأجاب النووي عن هذا الاحتجاج بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا يعرج عليه، ثم إنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم لحسن نظره أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعاً، ولهذا لو شهد برؤيته اثنان أو واحد وحكم به حاكم لم ينقض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع. اهـ. القول السادس: قال أحمد: عند عدم الغيم يصوم بواحد، ويفطر بخبر حر أو حرتين، أما إذا كان بالسماء علة فجمع عظيم يقع العلم بخبرهم. قيل: خمسون، وقيل: مائة، وقيل: أكثر. والصحيح أن خبر الصغير المميز لا يكفي. اللهم إلا عند من يرى أنها رواية ويكتفي بخبر الواحد، أما الكافر والفاسق والمغفل فلا يقبل قولهم بالإجماع بلا خلاف، ولا خلاف في اشتراط العدالة الظاهرة، والخلاف في اشتراط العدالة الباطنة، والأصح قبول رواية المستور. (مسألة) قال النووي: إذا قبلنا في هلال رمضان عدلاً، وصمنا ثلاثين يوماً فلم نر الهلال بعد الثلاثين فهل نفطر؟ قولان. أصحهما نفطر. اهـ. ومع أن ظاهر الأحاديث كما ذكرنا -يرتب ثبوت الهلال على الرؤية، ويرتب الصوم على ثبوت الهلال، وينهى عن الصوم عند عدم الرؤية، ومع أن جمهور العلماء أخذوا بهذا الظاهر، وقالوا: لا نتعبد إلا بالرؤية، بحجة أن الحساب والتنجيم تخمين وظن، يحسن بنا أن نستعرض أقوالهم في ذلك ثم نناقشها لعلنا نصل -بعون الله- إلى ما هو أصلح وأصح بالنظر لحكمة مشروعية الصوم، والله المستعان على ما نقول. قال النووي: إذا غم الهلال وعرف رجل بالحساب أنه من رمضان فوجهان، قال ابن سريج: يلزمه الصوم، لأنه عرف الشهر بدليل، فأشبه من عرفه بالبينة. وقال غيره: لا يصوم، لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية. وقال الدارمي: لا يصوم بقول منجم. وقال قوم: يلزم الصوم. وقال صاحب "البيان": إذا عرف بحساب المنازل أن غداً من رمضان، أو أخبره عارف بذلك فصدقه، فنوى وصام بقوله فوجهان: أحدهما يجزئه، قاله ابن سريج، واختاره القاضي أبو الطيب؛ لأنه سبب حصل له به غلبة ظن، فأشبه ما لو أخبره ثقة عن مشاهدة، والثاني لا يجزئه، لأن النجوم والحساب لا مدخل لها في العبادات. قال: وهل يلزمه الصوم بذلك؟ قال ابن الصباغ: أما الحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، وذكر صاحب "المهذب" أن الوجهين في الوجوب. هذا كلام صاحب "البيان". وقطع صاحب "العدة" بأن الحاسب والمنجم لا يعمل غيرهما بقولهما. وقال المتولي: لا يعمل غير الحاسب بقوله، وهل يلزمه هو الصوم بمعرفة نفسه الحساب؟ فيه وجهان. قال الروياني: من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به على الأصح. وقال البغوي لا يجوز تقليد المنجم في حسابه، لا في الصوم ولا في الفطر. قال النووي: فحصل في المسألة خمسة أوجه: أصحها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك، لكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.

стр. 2367

الثاني: يجوز لهما ويجزئهما. الثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجم. الرابع: يجوز لهما، ويجوز لغيرهما تقليدهما. الخامس: يجوز لهما، ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم. اهـ. وقال العيني عند شرح حديث: "فاقدروا له": المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب النجوم، لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم. وقال عند شرح حديث: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". ظاهره ينفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، إذ لو كان الحكم بعلم من ذلك لقال: فاسألوا أهل الحساب. ثم قال: قال ابن بزيزة: نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم، لأنه حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق الأمر، إذ لا يعرفها إلا القليل. وقال ابن بطال وغيره: إننا لم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم. اهـ. هذه خلاصة ما قيل في عدم الاعتماد على الفلك والحساب عند تقدير الشهور، وهي تعتمد على نقاط، نوردها ثم نناقشها. النقطة الأولى: قوله ﷺ : "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب". وهذه قضية حالة، انتهت، فلم تعد أمة الإسلام أمة أمية، بل أصبحت أمة تكتب وتحسب، فلا يستصحب الحكم المبني عليها لما بعدها. وظاهر الحديث تعليل الاعتماد على رؤية الهلال عليها، والمعلول يدور وراء علته وجوداً وعدماً، فقول العيني: علق الشارع الصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عن أمته في معاناة حساب التيسير، واستمر ذلك بينهم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك هذا القول غير مقبول، إذ يشبه قول من يقول: إن حكم المعلل بعلة يستمر وإن زالت علته. النقطة الثانية: قولهم: [لا نتعبد إلا بالرؤية] وهذه قضية لم يلتزم بها أصحاب هذا القول ولا غيرهم، فقد تعبد جميع المسلمين ويتعبدون بالتقويم الحسابي في أوقات الصلاة، ولم يعودوا يعتمدون على رؤية الفجر الصادق والكاذب حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ولا على رؤية غياب الشفق، ولا أن يصير ظل كل شيء مثله ... إلخ. النقطة الثالثة: حملهم قوله ﷺ : "فإن غم عليكم فاقدروا له" روايتنا الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة على أن المراد بها إكمال العدة ثلاثين يوماً كما جاء في بعض الروايات، فاعتمدوها، وقال العيني: إنها تنفي تعلق الحكم بالحساب أصلاً، إذ لو كان الحكم يعلم من ذلك لقال فاسألوا أهل الحساب. اهـ.

стр. 2368

وهذا تحكم، فللروايات الأولى معنى مستقل "فاقدروا له" يختلف تماماً عن معنى "فأكملوا العدة" إذ إكمال العدة لا يحتاج إلى تقدير، فلم لا نجعل الروايتين لحالتين، حالة يمكن معها التقدير الحسابي لوجود علمائه وحالة يصعب معها التقدير الحسابي فتكمل العدة، ويصبح المعنى فاقدروا له بالحساب إن أمكن، وأكملوا العدة ثلاثين يوماً إن لم تتمكنوا من التقدير، فتعمل الروايتين على مقامين مختلفين، على أن الإمام أحمد وغيره فسروا "فاقدروا له" على أن المراد: فاقدروا له بالحساب. النقطة الرابعة: قول ابن بزيزة: نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم، لأنه حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب. وهذه قضية حالة انتهت أيضاً، وأصبح الفلك والحساب علماً دقيقاً، له قواعده وأصوله التي تنتج نتائج قطعية، فهي تخبر عن موعد الخسوف والكسوف قبل أن يحصل بعام، أو أكثر، ولا يخطئ هذا التحديد جزءاً من الثانية، وهو معتمد على سير الكواكب في أفلاكها، والله تعالى يقول: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ [يونس: ٥]. النقطة الخامسة: قول ابن بطال وغيره: إننا لم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، وقولهم: إن الناس لو كلفوا بالحساب ضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم. وهذه قضية مردودة عليهم، لأن الناس أيضاً لم يكلفوا جميعاً بالرؤية، بل لم يكلف جماهيرهم بالرؤية، ولو كلفوا بها لضاق عليهم، لأنه لا يتمكن منها إلا أفراد، واكتفى الشارع بواحد أو اثنين من الأمة، مع أن علماء الحساب مئات. وإذا سلمنا أننا لم نكلف في عبادتنا مشقة لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] لكن إذا وجدنا بين أيدينا حساباً دقيقاً دون مشقة نتركه ونتكلف المشقة في ترائي الهلال؟ وهل إذا وجدنا بين أيدينا [بوصلة] تحدد جهة القبلة نتركها وننظر إلى الشرق والغرب والشمال والجنوب، ونجتهد في موقعنا من الكعبة لنتجه إليها؟ أيهما أيسر؟ بل أيهما أدق؟ . بل أيهما أكثر احتمالاً للخطأ؟ مائة من العدول يقولون: لم نر الهلال؟ أم قول أهل الحساب أنه لم يولد؟ . هناك مسألة أساسية ينبغي أولاً أن نضعها في الاعتبار، هي أنه لو وافق الحساب الرؤية إثباتاً فلا إشكال، أعني إذا قال الحساب: القمر في السماء، وقال الراءون: رأينا القمر في السماء فلا إشكال ولزم الصوم سواء قلنا: اعتمدنا الحساب، أو قلنا اعتمدنا الرؤية، أو قلنا اعتمدنا الحساب والرؤية معاً، ولو وافق الحساب المترائين نفياً، بأن قالوا: لم نر الهلال، وقال الحساب: إنه لا يوجد الليلة في سمائنا فلا إشكال أيضاً، ولا يثبت الشهر. لكن إذا اختلف الحساب والراءون إثباتاً أو نفياً، فمن نعتمد؟ . هذا الفرض هو الجدير بالبحث.

стр. 2369

وأولاً وأخيراً الناس ملزمون بحكم الحاكم، والحاكم مسئول أمام الله عن اجتهاده وحكمه، فإن استقر عنده صحة شهادة الشاهد المثبت حكم بثبوت الهلال، وإن نفاه أهل الحساب، وإن استقر عنده صحة إثبات الحساب لوجود الهلال حكم بثبوته وإن نفاه المتراءون، والأمر في استقرار النفي عنده كذلك. وحكم الحاكم واجب الطاعة في حق غير الرائي وفي حق غير الحاسب باتفاق العلماء، أما الرائي والحاسب فيلزمان بالعمل بعلمهما. والله أعلم. الشعبة الثانية -اختلاف المطالع: والرواية الثالثة والعشرون صريحة في أن الصحابة اعتمدوا وعملوا باختلاف المطالع، وأن لكل إقليم مطلعه ورؤيته، فهي إذ تحكي أن معاوية وأهل الشام صاموا يوم الجمعة على أنه أول رمضان، بناء على رؤيتهم الهلال، وأن أهل المدينة صاموا يوم السبت على أنه أول رمضان، بناء على رؤيتهم، وأن ابن عباس قرر أن لأهل المدينة رؤيتهم، وحين قيل له: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ رد الكلام على رؤية أهل المدينة، وقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . وللعلماء في هذه المسألة وجوه: الأول: إذا رأوا هلال رمضان في بلد لزم الصوم أهل كل بلد يوافق الرؤيا في المطلع أو يسبقه، دون البلاد التي تتأخر عنه في المطلع، وإنما لزم من سبقه لأن خفاءه عنهم كان بعارض حتما، وإلى هذا ذهب جمهور الشافعية. قال النووي: وهذا أصح الآراء، ووجهه الماوردي بقوله: إن الطوالع والغروب قد تختلف لاختلاف البلدان، وإنما خوطب كل قوم بمطلعهم ومغربهم، ألا ترى الفجر قد يتقدم طلوعه في بلد ويتأخر في بلد آخر؟ وكذلك الشمس قد يتعجل غروبها في بلد ويتأخر في بلد آخر، ثم كل بلد يعتبر طلوع فجره وغروب شمسه في حق أهله، فكذلك الهلال. اهـ. الوجه الثاني: إذا رؤي هلال رمضان في بلد لزم الصوم أهل إقليم بلد الرؤية، دون غيرهم، لأن اللزوم يكون بحكم القاضي بناء على شهادة عدل أو عدلين. الوجه الثالث: إذا رؤي هلال رمضان في بلد لزم الصوم أهل البلاد التي تقع منها دون مسافة القصر. قاله جماعة من الشافعية منهم الفوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون من الخارسانيين، ووجهوه بأن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وإلى تحكيم المنجمين، وقواعد الشرع تأبى ذلك، فوجب اعتبار مسافة القصر التي علق بها الشرع كثيراً من الأحكام. قال النووي: وهذا ضعيف، لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر فالصحيح اعتبار المطالع. الوجه الرابع: إذا رؤي هلال رمضان في بلد لا يلزم الصوم غير أهل بلد الرؤية، نقله ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحق بن راهويه. الوجه الخامس: إذا رؤي هلال رمضان في بلد من بلاد المسلمين لزم الصوم جميع المسلمين في الأرض، لأن فرض الصوم في رمضان لا يختلف باختلاف البلاد، وقد ثبت رمضان.

стр. 2370

حكاه ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد، وقال: ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي يقصد بهما مالكاً وأبا حنيفة (انظر المجموع للنووي). ومن هذا العرض يتضح أن في الأمر اتساعاً؛ بل في العمل بالحساب متسع أيضاً، وبالأخذ بأي قول من أقوال العلماء قبول إن شاء الله. لكن الذي نحب أن ننبه عليه أن لا ترتبط الفتوى بالسياسة، نرضى عن سياسة دولة فنأخذ برؤيتها ونحكم بالصوم، ونختلف معها فلا نأخذ برؤيتها، ونرجئ الصوم فنتبع آخرتنا لهوانا، ونحول ديننا إلى نوازعنا، ونربط شريعتنا بزوابع هي غنية عنها وبريئة منها. والله المستعان. الشعبة الثالثة: صوم يوم الشك، وهو اليوم الذي يعقب التاسع والعشرين من شعبان ويسمى يوم الشك حين لا نجزم أنه من شعبان، أو من رمضان، أما حين الجزم أنه من رمضان فالأمر ظاهر. وصيامه واجب، وحين الجزم بأنه من شعبان فظاهر الرواية السابعة عشرة يمنع صيامه، إذ لفظها: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه". قال النووي: في هذا الحديث التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين، لمن لم يصادف عادة له، أو يصله بما قبله، فإن لم يصله ولا صادف عادة له فهو حرام. هذا هو الصحيح في مذهبنا، لهذا الحديث وللحديث الآخر في سنن أبي داود وغيره: "إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان" فإن وصله بما قبله أو صادف عادة له، كمن كانت عادته صوم يوم الاثنين مثلاً، فصادفه فصامه تطوعاً بنية ذلك جاز، لهذا الحديث، وسواء في النهي عندنا لمن لم يصادف عادته ولا وصله يوم الشك وغيره، فيوم الشك داخل في النهي. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: ويلتحق بالوصل والعادة القضاء والنذر، لوجوب الوفاء بهما بالأدلة القطعية، ولا يبطل القطعي بالظن، ثم عرض للحكمة في منع الصوم قبل رمضان، فقال: والحكمة فيه التقوى بالفطر لرمضان، ليدخل فيه بقوة ونشاط، وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر، لأنه يجوز لمن له عادة. وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد. اهـ. وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. اهـ وهذا الذي قاله إنما يصح لو أن النهي عن التقدم بيوم فقط، أما التقدم بيومين فلا يتأتى فيه قصد الاحتياط. والذي تستريح إليه النفس أن النهي عن استقبال رمضان بصوم إنما أريد به استقباله بما يليق به من قدسية وفضل وميزة عن بقية الشهور، يضعف وصله بغيره من بهجتها ورونقها وانشراح النفس واستعدادها لاستقبال ما تفتح له الجنان، وتغلق له النيران، وتصفد له مردة الشياطين وتضاعف فيه الحسنات إلخ. وأما الاحتياط فيتصور في يوم الشك نفسه، ولمعنى الشك في كونه من رمضان، وفيه

стр. 2371

خلاف بين الفقهاء، وظاهر قوله ﷺ في الرواية الأولى والثالثة والسادسة: "لا تصوموا حتى تروا الهلال" منع صوم يوم الشك، واستدل البخاري على ذلك أيضاً بقول: عمار: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم". قال الحافظ ابن حجر: استدل به على تحريم صوم يوم الشك، لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبل المرفوع حكماً ثم قال: ويدخل في يوم الشك صورة الغيم وغيرها. اهـ وعلى هذا جمهور الشافعية. قال العيني: وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك على أنه من رمضان، وجاء ما يدل على الجواز عن جماعة من الصحابة. قال أبو هريرة: لأن أتعجل صوم يوم أحب إلي من أن أتأخر لأني إذا تعجلت لم يفتني وإذا تأخرت فاتني، ومثله عن عمرو بن العاص. وعن معاوية قال: "لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان". وروى مثله عن عائشة وأسماء بنتي أبي بكر. اهـ. وباعث الشك قد يكون غيماً في السماء أو قترة تحول دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وهذه الحالة لا يسميها الإمام أحمد شكا، ويوجب صوم اليوم على أنه من رمضان، وقال الشافعي: لا يجوز صوم هذا اليوم فرضاً ولا نفلاً مطلقاً، ويصح قضاء وكفارة ونذراً، ونفلاً يوافق عادة. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز صوم هذا اليوم عن فرض رمضان. ويجوز عما سوى ذلك. وللإمام أحمد قول كقول الشافعي، وثالث يقول: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. وقد يكون باعث الشك تقاعد الناس عن رؤية الهلال، أو شهادة بالرؤية لم يقبلها الحاكم، وهذه الحالة هي التي يخص أحمد يوم الشك بها، ويذهب فيها ما يذهب فيها وفي سابقتها الجمهور، ويستدل أحمد بما أخرجه بسنده عن نافع قال: "كان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، وإن حال أصبح صائماً". ونقل ابن المنذر الإجماع على أن صوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة. قال: وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقاً. اهـ. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - من الرواية الثانية وغيرها من تصفيقه ﷺ بأصابع يديه جواز اعتماد الإشارة المفهمة، وجواز استخدامها ولو لغير الخرس والعجم ومن لا يفهم المنطق. ٢ - ومن ربط مواقيت العبادات بالرؤية تيسير التكاليف الشرعية، وأن الدين يسر، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. ٣ - واستدل بالأحاديث على أن الثواب ليس مرتبطاً بكمية المشقة دائماً بل لله أن يتفضل بإلحاق

стр. 2372

الناقص بالتام في الثواب، وأن كل ما ورد من وعد الثواب على صيام رمضان وقيامه حاصل سواء كان ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين. ٤ - واستدل به الإمام مالك في اكتفائه لرمضان بنية واحدة، لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة فاكتفى له بالنية. ٥ - ومن الرواية الثامنة عشرة وما بعدها جواز حلف الرجل أن لا يدخل على زوجته، وأن يعتزلها إذا حصل منها ما يستدعي ذلك، إذ يقول تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ [النساء: ٣٤]. ٦ - وأن اعتزال الرجل لزوجته يمكن أن يكون بترك البيت ولا يكتفي بترك الفراش. ٧ - وأن الإنسان إذا أقسم على شيء وبر يمينه أخذ بأخف الأمور، لا بأشدها. (محلوظة): فرع الإمام النووي في "المجموع" على موضوع هذه الأحاديث بعدة فروع، نذكر منها: (أ) لو رأى هلال رمضان وحده، ولم يؤخذ بقوله وشهادته لزمه الصوم وإن أفطر الناس. (ب) لو رأى هلال شوال وحده، ولم يؤخذ بشهادته أفطر سراً، لئلا يعرض نفسه للتهمة. (جـ) لو شرع في الصوم في بلد ثبتت فيه الرؤية، فسافر إلى بلد لم تثبت فيه الرؤية لا يجوز له الفطر، فإن أقام به حتى استكمل ثلاثين يوماً من حين صام أفطر سراً إن صاموا هم يوم الثلاثين. (د) ولو بدأ السفر مفطراً من بلد لم يثبت فيه رمضان إلى بلد ثبت فيه لزمه الإمساك، فإن أقام رمضان كاملاً حتى العيد أفطر معهم ولزمه بعد العيد قضاء يوم، سواء صاموا ثلاثين أو تسعة وعشرين، وإن رجع إلى بلده الأول في رمضان كان حكمه حكم أهل بلده. (هـ) إذا أخبره من يثق به أنه رأى الهلال، فإن اعتقد صدقه لزمه الصوم، كما إذا رأى الهلال بنفسه. والله أعلم

стр. 2373

(٢٩٩) باب صفة الفجر الذي تتعلق به أحكام الصوم ٢٢٠٨ - عن عدي بن حاتم ﵁ لما نزلت ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين عقالاً أبيض وعقالاً أسود أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله ﷺ "إن وسادتك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار". ٢٢٠٩ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ قال: كان الرجل يأخذ خيطاً أبيض وخيطاً أسود فيأكل حتى يستبينهما حتى أنزل الله ﴿من الفجر﴾ فبين ذلك. ٢٢١٠ - عن سهل بن سعد ﵁ قال لما نزلت هذه الآية ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ قال: فكان الرجل إذا أراد الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رئيهما. فأنزل الله بعد ذلك ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار. ٢٢١١ - عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم". ٢٢١٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم". ٢٢١٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان بلال وابن

стр. 2374

أم مكتوم الأعمى. فقال رسول الله ﷺ "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" قال ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا. ٢٢١٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال (أو قال نداء بلال) من سحوره فإنه يؤذن (أو قال ينادي) بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" وقال "ليس أن يقول هكذا وهكذا (وصوب يده ورفعها) حتى يقول هكذا" (وفرج بين إصبعيه). ٢٢١٥ - عن سليمان التيمي بهذا الإسناد غير أنه قال "إن الفجر ليس الذي يقول هكذا (وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض) ولكن الذي يقول هكذا (ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه) ". ٢٢١٦ - عن سليمان التيمي بهذا الإسناد وانتهى حديث المعتمر عند قوله "ينبه نائمكم ويرجع قائمكم" وقال إسحق: قال جرير في حديثه "وليس أن يقول هكذا ولكن يقول هكذا" (يعني الفجر) هو المعترض وليس بالمستطيل. ٢٢١٧ - عن سمرة بن جندب ﵁ يقول: سمعت محمداً ﷺ يقول "لا يغرن أحدكم نداء بلال من السحور ولا هذا البياض حتى يستطير". ٢٢١٨ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير هكذا". ٢٢١٩ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا" وحكاه حماد بيديه قال يعني معترضاً.

стр. 2375

٢٢٢٠ - عن سوادة قال سمعت سمرة بن جندب ﵁ وهو يخطب يحدث عن النبي ﷺ أنه قال "لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر (أو قال) حتى ينفجر الفجر". -[المعنى العام]- جعل الله للعبادات مواقيت وزعها على الزمان، ليملأ المسلم هذه الأوقات بالعبادة فينسحب أثرها على غيرها من الأوقات، وليدخل في العبادة مرة أخرى بهمة ونشاط. فالصلوات لها مواقيتها، والصيام له مواقيته، له مواقيته بالنسبة للعام، شهر يبدأ برؤية هلاله؛ وينتهي برؤية هلال شوال، وبالنسبة لليوم إمساك يبدأ بطلوع الفجر الصادق وينتهي بغروب شمسه، وغروب الشمس يرى بالعين، ولا يحتاج إلى بيان، ولكن طلوع الفجر، وتمييز لحظة الإمساك الواجب أمر كان يخفى في الإسلام على كثيرين. لقد كتب الصيام من قبل على النصارى، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم، وكتب على المسلمين في أول فرض الصيام مثل ذلك، فكان المسلمون يفعلون كما يفعل أهل الكتاب، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى مغرب الليلة القابلة، وشق ذلك على المسلمين، فخفف الله عنهم، وأنزل جل شأنه: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم .. ﴾ إلى أن قال ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. ففرح بها المسلمون فرحاً شديداً، وظن بعضهم أن المراد بالخيط الحبل، فوضع بعضهم تحت وسادته عقالاً أبيض وعقالاً أسود، وربط بعضهم في رجليه حبلاً أبيض وحبلاً أسود ينظر إليهما إذا أراد الصوم وهو يتسحر، فإذا بان له الأبيض من الأسود في ضوء النهار أمسك، وكان مراد الله بالخيط الأبيض ضوء النهار، وبالخيط الأسود ظلمة الليل، فأنزل قوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ فأخذوا يرقبون السماء وضوء الفجر، وهم يعلمون أن ضوءاً يظهر عمودياً في الأفق يسمونه ذنب السرحان يظهر ثم يعقبه ظلام، ثم يظهر بعد قليل ضوء مستعرض في الأفق ينتشر شيئاً فشيئاً، يميناً وشمالاً، فأي الضوءين مراد القرآن؟ وعند ظهور أيهما يمسك من يريد الصيام؟ . وحدد لهم رسول الله ﷺ المراد بالقول وبالإشارة وبالفعل، جعل بلالاً يؤذن مع الضوء الأول العمودي، وجعل ابن أم مكتوم يؤذن عند بزوغ الضوء الثاني المستعرض، ثم قال لهم: "لا يغرنكم أذان بلال فإنه يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" وقال: لا يغرنكم بياض الأفق الرأسي المستطيل حتى يظهر البياض المستعرض الأفقي المستطير المنتشر، ليس الفجر الذي يظهر ضوؤه

стр. 2376

هكذا، وأشار بيده من أعلى إلى أسفل يرسم عموداً رأسياً، ولكن الفجر هو الذي يظهر ضوؤه هكذا، وأشار بأصابع يديه نحو اليمين والشمال يرسم خطاً أفقياً ممتداً منتشراً. وهكذا وضحت الشريعة وقت الإمساك، وهكذا رحم الله الأمة وخفف عنها وعفا عنها هو مولاها ونعم النصير. -[المباحث العربية]- (عن عدي بن حاتم "لما نزلت") في الكلام حذف، تقديره: عن عدي بن حاتم قال: "لما نزلت .... " وظاهر العبارة أن عدي بن حاتم حضر نزول الآية مسلماً وفعل ما فعل حين نزولها، والواقع غير ذلك، فقد أسلم في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة، والآية نزلت تشريعاً للصوم الذي فرض في أوائل الهجرة؟ . وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإشكال بعدة أجوبة. فقال: إما أن يقال: إن الآية تأخر نزولها عن نزول فرض الصوم، وهو بعيد جداً، وإما أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله "لما نزلت" أي لما تليت علي عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حذف، تقديره لما نزلت الآية، ثم قدمت وأسلمت وتعلمت الشرائع حصل كذا وكذا، وقد روى أحمد عن عدي قال: علمني رسول الله ﷺ الصلاة والصيام فقال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال فأخذت خيطين ... الحديث. اهـ. (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) "حتى" غاية لإباحة الأكل والشرب، و"يتبين" بتشديد الياء كذا للأكثر، ولبعض الرواة "حتى يستبين" فالسين والتاء للصيرورة، أي حتى يصير بيناً وظاهراً عن طريق العين والرؤية، وحقيقة الخيط معروفة، واستعمال الخيطين في الليل والنهار كان شائعاً في الجاهلية قبل الإسلام. وهو من قبيل الاستعارة، بتشبيه لون البياض أو الضوء الذي يعترض في الأفق في وسط ظلمة الليل بالخيط الأبيض، والسواد الممتد حوله من غبش الليل بالخيط الأسود، وهذا هو المراد من الآية. لكن اشتبه هذا المراد على بعض الصحابة، فحملوه على الحقيقة. قال النووي: فعل ذلك من لم يكن ملازماً لرسول الله ﷺ ، بل هو من الأعراب ومن لا فقه عنده، ومن لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار. (من الفجر) قيل تأخر نزولها عما قبلها سنة، وهل هي التي بينت المراد من الخيط الأبيض والخيط الأسود، فيكون من تأخير البيان مع الحاجة إليه ومع بقاء التكليف؟ وتدخل في دائرة اختلاف الأصوليين الذي سنعرضه في فقه الحديث؟ وتكون "من الفجر" حولت الكلام من الاستعارة إلى التشبيه بإظهار المشبه، كما تقول: رأيت أسداً في الحمام، ثم تتبع ذلك بقولك: رجلاً

стр. 2377

من بني سعد، فتكون بذلك قد عدلت عن الاستعارة إلى التشبيه، وكأنك قلت: رأيت رجلاً من بني سعد كالأسد. أو البيان واضح بدونها؟ وليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ ويكون "من الفجر" تعليلاً؟ أي حتى يتبين لكم الخيط الأبيض لأنه من الفجر؟ . وهذا القول أقرب، بدليل أنه لم يقع في حمله على الحقيقة قبل نزول "من الفجر" إلا ندرة من الصحابة. (قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله) في بعض النسخ "قال عدي بن حاتم: يا رسول الله" بحذف لفظ "له" وهو واضح لا إشكال فيه. ولكن في أكثر النسخ "قال له عدي بن حاتم" بذكر "له" قال النووي: وكلاهما صحيح، فمن أثبتها أعاد الضمير إلى معلوم، أو إلى متقدم الذكر عند المخاطب. (إني أجعل تحت وسادتي عقالين) الوسادة المخدة، وهي ما يجعل تحت الرأس عند النوم، والوساد ما يتوسد به، ولو كان التراب، فهو أعم، والعقال بكسر العين الحبل الذي يعقل به البعير، ويطلق على الحبل الذي يضعه بعض العرب على غطاء الرأس، والظاهر أنه المراد هنا، واستخدم عدي العقال ولم يستخدم خيطاً رفيعاً ليتمكن من التمييز بدرجة أسرع. (أعرف الليل من النهار) أي أعرف بالتمييز بينهما الليل من النهار، فإذا ميزتهما بالضوء قلت في نفسي نحن في النهار، وإذا لم أميزهما قلت: نحن مازلنا في الليل. (إن وسادتك لعريض) هكذا هو في بعض النسخ، وفي هذا التعبير لم يتطابق الخبر والمبتدأ تذكيراً وتأنيثاً، فيحمل الخبر على معنى المبتدأ لا على لفظه، ويراد من الوسادة الوساد، كما هو في أكثر النسخ. وفي رواية البخاري في التفسير "إن وسادتك إذاً لعريض"، وفي رواية "إنك لعريض القفا"، وفي رواية أبي داود "فضحك وقال: إن وسادك إذاً لعريض طويل"، وفي رواية أبي عوانة "فضحك وقال: لا. يا عريض القفا". وقد جزم الزمخشري بأن هذه التعبيرات كناية عن الغفلة وعدم الفطنة، فإنه يكنى عن الأبله بعريض القفا، لأن عرض القفا -إذا زاد- دليل الغباوة والحماقة، فقال: إنما وصف عدي بعريض القفا لأنه غفل عن البيان وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة. فكأن الزمخشري جعل عرض الوسادة كناية عن عرض وعظم الرأس والقفا، وجعل عرض القفا كناية عن عدم الفطنة. وقد أنكر القاضي عياض والقرطبي وغيرهما ما ذهب إليه الزمخشري، فقال القرطبي: حمل بعض الناس قوله "إن وسادك لعريض" على الذم لعدي بن حاتم على ذلك الفهم، وكأنهم فهموا أنه نسبه

стр. 2378

إلى الجهل والجفاء وعدم الفطنة، وعضدوا ذلك بقوله: "إنك عريض القفا" وليس الأمر على ما قالوه، لأن عدياً حمل اللفظ على حقيقته التي هي الأصل، حيث لم يتبين له دليل التجوز، ومن فعل ذلك لم يستحق ذماً، ولم ينسب إلى الجهل. اهـ. وقال القاضي عياض: إنما أخذ عدي العقالين وجعلهما تحت رأسه، لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بها هذا، وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله حتى نزل قوله تعالى: "من الفجر، فعلموا أن المراد به بياض النهار وسواد الليل. اهـ. أي أن عدياً لم يحط علماً بقوله "من الفجر" ومن لا يحيط علماً بها لا يؤاخذ على حمل الخيط على حقيقته، كما هو واضح من الرواية الثانية والثالثة. وفي المراد بقوله "إن وسادتك لعريض"، قال بعض العلماء: كني بالوساد عن النوم؛ لأنه يلزم من استعمال الوساد النوم غالباً، فكأنه قال: إن نومك عريض طويل كثير. وقال بعضهم: إنه كناية عن الليل، لأنه يلزم من استعمال الوساد وجود الليل غالباً، فكأنه قال: إن ليلك طويل، لأن الذي يمد الليل إلى أن يميز ببصره في ضوء النهار بين الخيط الأبيض والخيط الأسود يكون قد أضاف إلى الليل جزءاً من النهار، فيطول بذلك ليله. (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) "هو" يعود على "الخيط" أي إنما الخيط الأبيض والخيط الأسود بياض النهار وسواد الليل. (كان الرجل يأخذ خيطاً أبيض وخيطاً أسود) في الرواية الثالثة "فكان الرجل إذا أراد الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض"، فلفظ "الرجل" فيها للجنس الصادق على كثيرين، كما هو لفظ البخاري، ففيه "فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم .... " قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية أحد منهم، ولا يحسن أن يفسر بعضهم بعدي بن حاتم، لأن قصة عدي متأخرة عن ذلك. وجمع بين رواية جعل الخيطين تحت الوسادة وبين ربطهما في الرجلين، فقال لا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون بعضهم فعل هذا، أو يكونوا يجعلونهما تحت الوسادة إلى السحر، ثم يربطونهما في أرجلهم ليشاهدوهما. اهـ. (حتى يتبين له رئيهما) قال النووي: هذه اللفظة ضبطت على ثلاثة أوجه: أحدها: "رئيهما" بكسر الراء، ثم همزة ساكنة، ثم ياء مضمومة، ومعناه منظرهما، ومنه قوله تعالى ﴿أحسن أثاثاً ورئيا﴾ [مريم: ٧٤]. والثاني: "زيهما" بزاي مكسورة، وياء مشددة بلا همزة، ومعناه لونهما. والثالث: "ريهما" بفتح الراء وكسرها وتشديد الياء. قال القاضي: هذا غلط هنا لأن الري هو التابع من الجن، قال فإن صح رواية فمعناه مرئيهما. والله أعلم. اهـ. وفي رواية البخاري "حتى يتبين له رؤيتهما" بضم الراء وتسكين الهمزة ثم ياء وتاء.

стр. 2379

(عن عبد الله) أي ابن عمر، فالراوي عنه ابنه سالم. (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم) أخرج أحمد عن شعبة "إن بلالاً -أو إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل- على الشك، وروي عن شعبة أيضاً "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل" بالجزم من غير شك، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني عن خبيب بن عبد الرحمن، وادعى ابن عبد البر وجماعة من الأئمة بأنه مقلوب وأن الصواب "إن بلالاً يؤذن بليل". ورجح الحافظ ابن حجر في كتاب الأذان أن الروايتين صحيحتان، ونقل جمع بعض العلماء بينهما. باحتمال أن يكون الأذان كان نوباً بين بلال وابن أم مكتوم، فكان النبي ﷺ يعلم الناس أن آذان الأول منهما لا يحرم على الصائم شيئاً، ولا يدل على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني، وجزم ابن حبان بذلك، ولم يبده احتمالاً، وقيل لم يكن نوباً، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلال كان في أول ما شرع الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني النجار قالت: كان بلال يجلس على بيتي، وهو أعلى بيت في المدينة، فإذا رأى الفجر تمطأ ثم أذن" أخرجه أبو داود، ثم أضيف إلى بلال، ابن أم مكتوم، فكان يؤذن بليل، واستمر بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تحمل روايات "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل" ثم في آخر الأمر قدم أذان بلال وأخر أذان ابن أم مكتوم، واستقر الحال على ذلك. وابن أم مكتوم اسمه عمرو، وقيل كان اسمه الحصين فسماه النبي ﷺ عبد الله، قال الحافظ: ولا يمتنع أنه كان له اسمان، وهو قرشي عامري، أسلم قديماً، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، وكان النبي ﷺ يكرمه ويستخلفه على المدينة، وشهد القادسية في خلافة عمر فاستشهد بها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات، وهو الأعمى المذكور في سورة عبس، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وقيل ولد أعمى، فكنيت أمه أم مكتوم لانكتام نور بصره، وقيل: إنه عمي بعد بدر بسنتين، وهذا مردود بظاهر القرآن الكريم في سورة عبس المكية. (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) الإشارة الأولى لبلال والثانية لابن أم مكتوم، وظاهره قرب المساحة بين الأذانين بدرجة يستبعد معها الهدف من الأذان الأول الوارد في الرواية السابعة، ولهذا قال النووي: قال العلماء: معناه أن بلال كان يؤذن قبل الفجر، ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر. اهـ. فالقرب قرب بين النزول والصعود، لا بين الأذانين. والله أعلم. (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره) السحور بفتح السين اسم لما يؤكل في السحر، وبضم السين الحدث والفعل والأكل نفسه، وهما جائزان هنا. (ليرجع قائمكم) "يرجع" بفتح الياء وكسر الجيم المخففة يستعمل لازماً ومتعديا، قال النووي

стр. 2380

لفظة "قائمكم" منصوبة، مفعول "يرجع" بفتح الياء، قال الله تعالى ﴿فإن رجعك الله﴾ [التوبة: ٨٣]. ومعناه أنه إنما يؤذن بليل ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد، فيرد القائم المجتهد إلى راحته، لينام غفوة ليصبح نشيطاً، أو يوتر إن لم يكن أوتر، أو يتأهب للصبح إن احتاج إلى طهارة أخرى، أو نحو ذلك من مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح. (ويوقظ نائمكم) قال النووي: أي ليتأهب للصبح أيضاً، يفعل ما أراد من تهجد قليل، أو إيثار إن لم يكن أوتر، أو سحور إن أراد الصوم، أو اغتسال أو وضوء، أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر. (ليس أن يقول هكذا وهكذا -وصوب يده ورفعها- حتى يقول: هكذا -وفرج بين إصبعيه) وفي ملحق هذه الرواية "إن الفجر ليس الذي يقول هكذا -وجمع أصابعه، ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول: هكذا ووضع المسبحة على المسبحة، ومد يديه"، وفي الملحق الثاني" وليس أن يقول: هكذا، ولكن يقول: هكذا -يعني الفجر- هو المعترض، وليس بالمستطيل"، وفي الرواية الثامنة "ولا هذا البياض حتى يستطير"، وفي الرواية التاسعة "ولا هذا البياض" -لعمود الصبح-. وفي رواية البخاري "وليس أن يقول الفجر أو الصبح -وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل- حتى يقول: هكذا. قال الراوي: بسبابتيه، إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله". وحقيقة الضوء الذي يظهر في الأفق في نهاية الليل تبدو في صورتين في وقتين مختلفين: الصورة الأولى ضوء يظهر في أعلى السماء، ثم ينخفض ويستطيل، فهو ضوء يبدو في الأفق كعمود رأسي من أعلى إلى أسفل وهو الذي تسميه العرب "ذنب السرحان" أي ذنب الذئب، لأنه يتدلى من عجزه ممتداً نحو الأرض، بخلاف ذنب الكلب فإنه بعد أن ينحني يرتفع، وهذا الضوء لا يلبث أن يختفي ويعود مكانه الظلام، ويسمى هذا الضوء بالفجر الكاذب. الصورة الثانية تأتي بعد الأولى بقليل من الزمن، وهي: ضوء يطلع بعرض الأفق ثم يعم الأفق وينتشر ويستطير، ولتطبيق ألفاظ الروايات على هذه الحقيقة يكون معنى الرواية السابعة ليس الفجر أن يقول [القول هنا أطلق على الفعل، أي ليس الفجر أن يظهر] هكذا وهكذا، وصوب يده يعني نكسها وخفضها، ثم رفعها، فرسم بذلك عموداً رأسياً، فهكذا الأولى إشارة إلى خفض اليد، وهكذا الثانية إشارة إلى رفعها إلى أعلى -حتى يقول هكذا. أي حتى يظهر هكذا "وفرج بين أصبعيه يشير إلى انتشار الضوء يميناً وشمالاً. وفي ملحق الرواية "إن الفجر ليس الذي يقول، أي ليس الذي يظهر هكذا -وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض، فرسم بذلك عموداً رأسياً، ولكن الذي يقول، أي ولكن هو الذي يظهر هكذا، ووضع المسبحة من اليد اليمنى على المسبحة من اليد اليسرى، ثم مد اليمنى إلى اليمين، ومد اليسرى إلى اليسار، ورسم بذلك الخط العرضي الأفقي.

стр. 2381

ومعنى الملحق الآخر: الفجر هو الضوء المعترض، وليس الرأسي المستطيل، ومعنى الرواية التاسعة: لا يغرنكم هذا البياض العمودي، حتى يستطير أفقياً وينتشر. وهل حصلت هذه الإشارات المختلفة في أوقات ووقائع مختلفة؟ أو الوقعة واحدة عبر عنها بتعبيرات مختلفة؟ يحتمل ويحتمل. والله أعلم. -[فقه الحديث]- ترجم الإمام النووي لهذه الأحاديث بقوله: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك، وهو الفجر الثاني، ويسمى الصادق والمستطير، وأنه لا أثر للفجر الأول في الأحكام، وهو الفجر الكاذب المستطيل كذنب السرحان، وهو الذئب. علق الإمام النووي بقوله [وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر] يشير إلى ما كان عليه التشريع في أول فرض الصوم، ويصوره لنا البراء بن عازب في حديث أخرجه البخاري، فيقول: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار [أي وقت الإفطار بغروب الشمس] فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي [وفي رواية "كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئاً، ولا يشرب، ليله ويومه حتى تغرب الشمس"، وفي أخرى "كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئاً من ذلك، إلى مثلها"] وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار [أي وقته] أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا. ولكن أنطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم .... ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]. اهـ. وتأخر نزول قوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ عاماً كاملاً، كما قيل: وهذا اللفظ هو الذي يبين ويحدد مراد الله من الخيط الأبيض والخيط الأسود، وبدونه تتجه الأفهام إلى الحقيقة، وهي غير مرادة. فدخلت المسألة في قاعدة تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهي مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء، بعضهم يمنعه مطلقاً، لما فيه من شبه العبث، ولما فيه من التكلف بما لا يطاق، ويوجه مسألتنا -كما ادعى الطحاوي- بأنها من باب النسخ، وأن الحكم كان أولاً على ظاهره المفهوم من الخيطين، واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار. قال الطحاوي: ثم نسخ بعد ذلك بقوله "من الفجر" قال الحافظ: ويؤكد ما قاله ما رواه عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات "إن بلالاً أتى النبي ﷺ وهو يتسحر، فقال: الصلاة يا رسول الله، قد والله أصبحت. فقال: يرحم الله بلالاً، لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس".

стр. 2382

وبعضهم يجيزه مطلقاً على أساس أن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويجتهد في فهمه، ويعزم على فعله إذا اتضح المراد منه. وبعضهم يفصل، فيجيز تأخير بيان المجمل دون العام، وبعضهم يعكس. وقال بعض العلماء: الخطاب المحتاج إلى بيان ضربان: أحدهما ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه [فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه سيؤدي إلى العمل بغير مراد الشرع] والثاني ما لا ظاهر له، فقال طائفة من الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب [ليجتهد المخاطب في فهمه، ويعزم على فعله إذا اتضح مراده] ومن هنا قال عياض: يجب التوقف عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان. اهـ. وظاهر الرواية الخامسة والسادسة أن أول أذان ابن أم مكتوم كان علامة للكف، وأن الصائم له أن يأكل ويشرب إلى طلوع الفجر الصادق، فإذا طلع الفجر الصادق وجب الكف، وهذا واضح من الآية والأحاديث الصحيحة، لكن خلافاً وقع في: هل يحرم الأكل والشرب بطلوع الفجر الصادق؟ أو بالعلم بطلوعه وتبينه تمسكاً بظاهر الآية ﴿حتى يتبين لكم ... ﴾ الجمهور على الثاني، وأنه لو أكل ظاناً أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه، لأن الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين، وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: "أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت"، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس قوله "كل ما شككت حتى لا تشك". وقد نقل بعضهم الإجماع على أن غاية إباحة الأكل والشرب طلوع الفجر الصادق أو تبين طلوعه، لكن هذا النقل غير مسلم، وهو متعقب، فهناك من يوجب الإمساك جزءاً من الليل قبل طلوع الفجر بناء على وجوب مقدمة الواجب، وهناك من أباح الأكل والشرب إلى أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت، قال الحافظ ابن حجر: وذهب جماعة من الصحابة -وقال به الأعمش من التابعين وصاحبه أبو بكر بن عياش- إلى جواز السحور إلى أن يتضح الفجر، فروى سعيد بن منصور عن حذيفة قال: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع" وأخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن طريق حذيفة بطرق صحيحة، وروي عن الأعمش أنه قال: "لولا الشهوة لصليت الغداة ثم تسحرت" قال إسحق: هؤلاء رأوا جواز الأكل بعد طلوع الفجر المعترض، حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل. قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء ولا كفارة. انتهى بتصرف من فتح الباري. هذا. وإن مواقيت الصلاة المعلنة في أيامنا تحدد -بناء على علم دقيق- لحظات طلوع الفجر الصادق، فتعلنه موعداً للأذان الثاني للفجر، وعند بدايته يجب الكف عن الأكل والشرب، ويدخل وقت الصبح ومن سمع أول الأذان وفي فمه طعام أو شراب قذفه وتمضمض وصيامه صحيح؛ هذا ما أستريح إليه، وأدين الله عليه. والله أعلم.

стр. 2383

-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - مشروعية السحور وتأخيره؛ ففصل ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحر، والسحور وتأخيره يقوي على الصوم، وفيه رفق بالأمة، وظاهر الأحاديث أن وقته هو الوقت الذي يقع فيه الأذان الأول السابق لطلوع الفجر الصادق، وصحح النووي في أكثر كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثاني. ٢ - قال النووي: وفيه دليل جواز الأكل بعد النية، ولا تفسد نية الصوم به، لأن النبي ﷺ أباح الأكل إلى طلوع الفجر، ومعلوم أن النية لا تجوز بعد طلوع الفجر، فدل على أنها سابقة. وأن الأكل بعدها لا يضر، وهذا هو الصواب المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا، وقال بعض أصحابنا: متى أكل بعد النية أو جامع فسدت ووجب تجديدها، وإلا فلا يصح صومه، وهذا غلط صريح. اهـ. ٣ - مشروعية الأذان للصبح قبل دخول وقته، وقبل طلوع الفجر الصادق: قال الحافظ ابن حجر: إلى مشروعيته مطلقاً ذهب الجمهور، وخالف الثوري وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء به عن الأذان الثاني ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم ثم قال فإن قيل تقدم في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة والأذان قبل الوقت ليس إعلاماً بالوقت؟ فالجواب أن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاماً بأنه دخل أو قارب أن يدخل. اهـ وفي هذا الجواب نظر، لأن التعريف إعلام بالدخول، والأولى أن يقال: إن التعريف للأذان الشرعي المختص بالإعلام عن الوقت، فلا يدخل فيه الإعلام عن قرب الجمعة، ولا إذا خيفت الغيلان في الصحراء، ولا الأذان في أذن المولود ولا الأذان قبل الفجر، فلكل من ذلك هدف آخر غير الإعلام عن دخول الوقت. قال الحافظ: وإنما اختص الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة في أول وقتها مرغب فيه، والصبح يأتي غالباً عقب نوم، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها، ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت. ثم قال: وادعى بعض الحنفية -كما حكاه السروجي منهم- أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيراً أو تسحيراً، كما يقع للناس اليوم. وهذا مردود، لكن الذي يصنعه الناس اليوم محدث قطعاً، وقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشرعي مقدم، ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ أخرى لما التبس على السامعين، وسياق الخبر يقتضي أنه خشي عليهم الالتباس، وادعى ابن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة. وفيه نظر. اهـ وقد ذهب بعضهم إلى التفريق بين الأذان الأول والثاني بذكر "الصلاة خير من النوم" في الأول دون الثاني وقيل في الثاني دون الأول، ولم يرد شيء من ذلك في أحاديث يعتد بها. والله أعلم. ٤ - واستدل بالأحاديث على جواز اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد. قال النووي: قال أصحابنا: إذا احتاج المسجد إلى أكثر من مؤذن اتخذ ثلاثة وأربعة فأكثر بحسب الحاجة، وقد اتخذ عثمان ﵁ أربعة للحاجة عند كثرة الناس. قال: قال أصحابنا: وإذا

стр. 2384

ترتب للأذان اثنان فصاعداً فالمستحب ألا يؤذنوا دفعة واحدة، فإن ضاق الوقت وكان المسجد كبيراً أذنوا متفرقين في أقطاره. قال الحافظ ابن حجر: أذان اثنين معاً منع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أمية، وقال الشافعية: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش. ٥ - وفي الأحاديث جواز أذان الأعمى. قال النووي: أذان الأعمى صحيح، وهو جائز بلا كراهة إذا كان معه بصير، وإن لم يكن معه بصير كره للخوف من غلطه. ٦ - وفيها جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت، وصحح النووي في كتبه أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة. ٧ - واستدل به مالك وبعض العلماء على جواز شهادة الأعمى، وأجاب الجمهور بأن الشهادة يشترط فيها العلم، ولا يحصل علم بالصوت، لأن الأصوات تشتبه، أما الأذان ووقت الصلاة فيكفي فيها الظن. ٨ - وجواز العمل بخبر الواحد. ٩ - وجواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفاً به وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه. ١٠ - وجواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التعريف ونحوه، لا على قصد التنقيص، وهذا أحد وجوه الغيبة المباحة. ١١ - جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه. ١٢ - ومن إشاراته ﷺ في الرواية السابعة وما بعدها الإيضاح في البيان والإشارة كزيادة البيان في التعليم. ١٣ - قال ابن المنير: في حديث عدي وقوله ﷺ : "إن وسادك لعريض، جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلاً، بشرط صحة القصد. والله أعلم

стр. 2385

(٣٠٠) باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر ٢٢٢١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تسحروا، فإن في السحور بركة". ٢٢٢٢ - عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر". ٢٢٢٣ - عن زيد بن ثابت ﵁ قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال خمسين آية. ٢٢٢٤ - عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". ٢٢٢٥ - عن أبي عطية قال دخلت أنا ومسروق على عائشة. فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة. قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا عبد الله (يعني ابن مسعود) قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ زاد أبو كريب والآخر أبو موسى. ٢٢٢٦ - عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂. فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألو عن الخير أحدهما يعجل المغرب
следующие страницы →