← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

ومعنى الملحق الآخر: الفجر هو الضوء المعترض، وليس الرأسي المستطيل، ومعنى الرواية التاسعة: لا يغرنكم هذا البياض العمودي، حتى يستطير أفقياً وينتشر. وهل حصلت هذه الإشارات المختلفة في أوقات ووقائع مختلفة؟ أو الوقعة واحدة عبر عنها بتعبيرات مختلفة؟ يحتمل ويحتمل. والله أعلم. -[فقه الحديث]- ترجم الإمام النووي لهذه الأحاديث بقوله: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك، وهو الفجر الثاني، ويسمى الصادق والمستطير، وأنه لا أثر للفجر الأول في الأحكام، وهو الفجر الكاذب المستطيل كذنب السرحان، وهو الذئب. علق الإمام النووي بقوله [وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر] يشير إلى ما كان عليه التشريع في أول فرض الصوم، ويصوره لنا البراء بن عازب في حديث أخرجه البخاري، فيقول: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار [أي وقت الإفطار بغروب الشمس] فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي [وفي رواية "كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئاً، ولا يشرب، ليله ويومه حتى تغرب الشمس"، وفي أخرى "كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئاً من ذلك، إلى مثلها"] وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار [أي وقته] أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا. ولكن أنطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم .... ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]. اهـ. وتأخر نزول قوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ عاماً كاملاً، كما قيل: وهذا اللفظ هو الذي يبين ويحدد مراد الله من الخيط الأبيض والخيط الأسود، وبدونه تتجه الأفهام إلى الحقيقة، وهي غير مرادة. فدخلت المسألة في قاعدة تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهي مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء، بعضهم يمنعه مطلقاً، لما فيه من شبه العبث، ولما فيه من التكلف بما لا يطاق، ويوجه مسألتنا -كما ادعى الطحاوي- بأنها من باب النسخ، وأن الحكم كان أولاً على ظاهره المفهوم من الخيطين، واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار. قال الطحاوي: ثم نسخ بعد ذلك بقوله "من الفجر" قال الحافظ: ويؤكد ما قاله ما رواه عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات "إن بلالاً أتى النبي ﷺ وهو يتسحر، فقال: الصلاة يا رسول الله، قد والله أصبحت. فقال: يرحم الله بلالاً، لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس".

стр. 2382

وبعضهم يجيزه مطلقاً على أساس أن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويجتهد في فهمه، ويعزم على فعله إذا اتضح المراد منه. وبعضهم يفصل، فيجيز تأخير بيان المجمل دون العام، وبعضهم يعكس. وقال بعض العلماء: الخطاب المحتاج إلى بيان ضربان: أحدهما ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه [فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه سيؤدي إلى العمل بغير مراد الشرع] والثاني ما لا ظاهر له، فقال طائفة من الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب [ليجتهد المخاطب في فهمه، ويعزم على فعله إذا اتضح مراده] ومن هنا قال عياض: يجب التوقف عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان. اهـ. وظاهر الرواية الخامسة والسادسة أن أول أذان ابن أم مكتوم كان علامة للكف، وأن الصائم له أن يأكل ويشرب إلى طلوع الفجر الصادق، فإذا طلع الفجر الصادق وجب الكف، وهذا واضح من الآية والأحاديث الصحيحة، لكن خلافاً وقع في: هل يحرم الأكل والشرب بطلوع الفجر الصادق؟ أو بالعلم بطلوعه وتبينه تمسكاً بظاهر الآية ﴿حتى يتبين لكم ... ﴾ الجمهور على الثاني، وأنه لو أكل ظاناً أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه، لأن الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين، وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: "أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت"، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس قوله "كل ما شككت حتى لا تشك". وقد نقل بعضهم الإجماع على أن غاية إباحة الأكل والشرب طلوع الفجر الصادق أو تبين طلوعه، لكن هذا النقل غير مسلم، وهو متعقب، فهناك من يوجب الإمساك جزءاً من الليل قبل طلوع الفجر بناء على وجوب مقدمة الواجب، وهناك من أباح الأكل والشرب إلى أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت، قال الحافظ ابن حجر: وذهب جماعة من الصحابة -وقال به الأعمش من التابعين وصاحبه أبو بكر بن عياش- إلى جواز السحور إلى أن يتضح الفجر، فروى سعيد بن منصور عن حذيفة قال: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع" وأخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن طريق حذيفة بطرق صحيحة، وروي عن الأعمش أنه قال: "لولا الشهوة لصليت الغداة ثم تسحرت" قال إسحق: هؤلاء رأوا جواز الأكل بعد طلوع الفجر المعترض، حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل. قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء ولا كفارة. انتهى بتصرف من فتح الباري. هذا. وإن مواقيت الصلاة المعلنة في أيامنا تحدد -بناء على علم دقيق- لحظات طلوع الفجر الصادق، فتعلنه موعداً للأذان الثاني للفجر، وعند بدايته يجب الكف عن الأكل والشرب، ويدخل وقت الصبح ومن سمع أول الأذان وفي فمه طعام أو شراب قذفه وتمضمض وصيامه صحيح؛ هذا ما أستريح إليه، وأدين الله عليه. والله أعلم.

стр. 2383

-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - مشروعية السحور وتأخيره؛ ففصل ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحر، والسحور وتأخيره يقوي على الصوم، وفيه رفق بالأمة، وظاهر الأحاديث أن وقته هو الوقت الذي يقع فيه الأذان الأول السابق لطلوع الفجر الصادق، وصحح النووي في أكثر كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثاني. ٢ - قال النووي: وفيه دليل جواز الأكل بعد النية، ولا تفسد نية الصوم به، لأن النبي ﷺ أباح الأكل إلى طلوع الفجر، ومعلوم أن النية لا تجوز بعد طلوع الفجر، فدل على أنها سابقة. وأن الأكل بعدها لا يضر، وهذا هو الصواب المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا، وقال بعض أصحابنا: متى أكل بعد النية أو جامع فسدت ووجب تجديدها، وإلا فلا يصح صومه، وهذا غلط صريح. اهـ. ٣ - مشروعية الأذان للصبح قبل دخول وقته، وقبل طلوع الفجر الصادق: قال الحافظ ابن حجر: إلى مشروعيته مطلقاً ذهب الجمهور، وخالف الثوري وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء به عن الأذان الثاني ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم ثم قال فإن قيل تقدم في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة والأذان قبل الوقت ليس إعلاماً بالوقت؟ فالجواب أن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاماً بأنه دخل أو قارب أن يدخل. اهـ وفي هذا الجواب نظر، لأن التعريف إعلام بالدخول، والأولى أن يقال: إن التعريف للأذان الشرعي المختص بالإعلام عن الوقت، فلا يدخل فيه الإعلام عن قرب الجمعة، ولا إذا خيفت الغيلان في الصحراء، ولا الأذان في أذن المولود ولا الأذان قبل الفجر، فلكل من ذلك هدف آخر غير الإعلام عن دخول الوقت. قال الحافظ: وإنما اختص الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة في أول وقتها مرغب فيه، والصبح يأتي غالباً عقب نوم، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها، ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت. ثم قال: وادعى بعض الحنفية -كما حكاه السروجي منهم- أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيراً أو تسحيراً، كما يقع للناس اليوم. وهذا مردود، لكن الذي يصنعه الناس اليوم محدث قطعاً، وقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشرعي مقدم، ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ أخرى لما التبس على السامعين، وسياق الخبر يقتضي أنه خشي عليهم الالتباس، وادعى ابن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة. وفيه نظر. اهـ وقد ذهب بعضهم إلى التفريق بين الأذان الأول والثاني بذكر "الصلاة خير من النوم" في الأول دون الثاني وقيل في الثاني دون الأول، ولم يرد شيء من ذلك في أحاديث يعتد بها. والله أعلم. ٤ - واستدل بالأحاديث على جواز اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد. قال النووي: قال أصحابنا: إذا احتاج المسجد إلى أكثر من مؤذن اتخذ ثلاثة وأربعة فأكثر بحسب الحاجة، وقد اتخذ عثمان ﵁ أربعة للحاجة عند كثرة الناس. قال: قال أصحابنا: وإذا

стр. 2384

ترتب للأذان اثنان فصاعداً فالمستحب ألا يؤذنوا دفعة واحدة، فإن ضاق الوقت وكان المسجد كبيراً أذنوا متفرقين في أقطاره. قال الحافظ ابن حجر: أذان اثنين معاً منع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أمية، وقال الشافعية: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش. ٥ - وفي الأحاديث جواز أذان الأعمى. قال النووي: أذان الأعمى صحيح، وهو جائز بلا كراهة إذا كان معه بصير، وإن لم يكن معه بصير كره للخوف من غلطه. ٦ - وفيها جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت، وصحح النووي في كتبه أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة. ٧ - واستدل به مالك وبعض العلماء على جواز شهادة الأعمى، وأجاب الجمهور بأن الشهادة يشترط فيها العلم، ولا يحصل علم بالصوت، لأن الأصوات تشتبه، أما الأذان ووقت الصلاة فيكفي فيها الظن. ٨ - وجواز العمل بخبر الواحد. ٩ - وجواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفاً به وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه. ١٠ - وجواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التعريف ونحوه، لا على قصد التنقيص، وهذا أحد وجوه الغيبة المباحة. ١١ - جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه. ١٢ - ومن إشاراته ﷺ في الرواية السابعة وما بعدها الإيضاح في البيان والإشارة كزيادة البيان في التعليم. ١٣ - قال ابن المنير: في حديث عدي وقوله ﷺ : "إن وسادك لعريض، جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلاً، بشرط صحة القصد. والله أعلم

стр. 2385

(٣٠٠) باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر ٢٢٢١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تسحروا، فإن في السحور بركة". ٢٢٢٢ - عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر". ٢٢٢٣ - عن زيد بن ثابت ﵁ قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال خمسين آية. ٢٢٢٤ - عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". ٢٢٢٥ - عن أبي عطية قال دخلت أنا ومسروق على عائشة. فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة. قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا عبد الله (يعني ابن مسعود) قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ زاد أبو كريب والآخر أبو موسى. ٢٢٢٦ - عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂. فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألو عن الخير أحدهما يعجل المغرب

стр. 2386

والإفطار والآخر يؤخر المغرب والإفطار. فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟ قال: عبد الله. فقالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع. -[المعنى العام]- قد يظن بعض المغالين في العبادة أن إطالة زمن الصوم بتعجيل وتقديم السحور أو تركه بالكلية، وتأخير الإفطار عن أول وقته، قد يظن ذلك فضيلة تزيد أجره وثوابه، وهو ظن فاسد، لأن الله تعالى شرع العبادات بموازين تحقق الحكمة منها، فالزيادة فيها قد تفسد حكمتها، لقد رأينا حين صام قوم في السفر وأفطر قوم، وقام المفطرون بخدمة الصائمين قال رسول الله ﷺ "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". وإن هذا الظن الفاسد قد يسول لصاحبه أن الزيادة في الأمر المشروع خير دائماً، والحق غير ذلك، فصلاة الظهر خمساً عمداً يبطلها. ثم إن هذا الظن الفاسد لا يتفق مع شكر الله على رحمته وعفوه وتخفيفه وتيسيره على الأمة، وهو يشبه الإباء والرفض لهذا التيسير. لهذا كان تعجيل الفطر مستحباً، بل كان السحور وأكلة السحر مندوبة، وتأخيرها إلى ما يقرب من طلوع الفجر خير من تعجيلها عند نصف الليل. وما زال المسلمون بخير ما تمسكوا بسنة رسول الله ﷺ في الرخص وأمور التيسير، ويا ويلهم إن أهملوها. سواء أهملوا في أداء ما يؤدى، أو تشددوا فيها، وغلوا في الدين بما ليس فيه. هداهم الله سواء السبيل. -[المباحث العربية]- (فإن في السحور بركة) بفتح السين ما يؤكل في السحر، وبضمها الأكل والفعل. قال الحافظ ابن حجر: هو بفتح السين وضمها لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب الضم، أو البركة لكونه يقوي على الصوم، وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح. (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب) قال النووي: معناه الفارق والمميز بين صيامنا وصيامهم السحور، فإنهم لا يتسحرون، ونحن يستحب لنا السحور. (أكلة السحر) قال النووي: هي السحور، وهي بفتح الهمزة هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه الجمهور، وهو المشهور في روايات بلادنا، وهي عبارة عن المرة الواحدة من الأكل، كالغدوة والعشوة، وإن كثر المأكول فيها، وأما الأكلة بضم الهمزة فهي اللقمة. وادعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضم، ولعله أراد رواية أهل بلادهم فيها بالضم. قال: والصواب الفتح لأنه المقصود هنا.

стр. 2387

(تسحرنا مع رسول الله ﷺ ظاهره أن زيداً كان معه آخرون، لكن في رواية عن أنس "أن نبي الله وزيد بن ثابت تسحرا" قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أن أنساً حضر ذلك لكنه لم يتسحر معهما ولأجل هذا سأل زيدا عن مقدار وقت السحور قال ثم وجدت ذلك صريحا في رواية النسائي وابن حبان، ولفظها "عن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أنس، إني أريد الصيام. أطعمني شيئاً. فجئته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال قال: يا أنس، انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة". قال الحافظ: فعلى هذا فالمراد بقوله "كم كان بين الأذان والسحور" أي أذان ابن أم مكتوم، لأن بلالاً كان يؤذن بليل قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع. اهـ. (قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ ) القائل أنس والمقول له زيد بن ثابت، فعند أحمد عن أنس "قلت لزيد" لكن في رواية للبخاري عن قتادة عن أنس بن مالك أن نبي الله وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة فصليا، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: "قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية، قال الإسماعيلي: والروايتان صحيحتان بأن يكون أنس سأل زيداً، وقتادة سأل أنساً. والمسئول عنه المدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة. (قال خمسين آية) في رواية البخاري "قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" وقدرها الحافظ ابن حجر بثلث خمس ساعة -أي أربع دقائق- قال: ولعلها مقدار ما يتوضأ. (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) قال النووي: معناه لا يزال أمر الأمة منتظماً، وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة، وإذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه، وفي حديث عن أبي هريرة "لا يزال الدين ظاهراً" وظهور الدين مستلزم لدوام الخير. (دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقلنا) القائل مسروق، كما هو صريح الرواية السادسة، لكن اعتبرت موافقة أبي عطية عليه قولا منه، فأسند القول لنفسه وصاحبه. (رجلان من أصحاب محمد ﷺ .... ) في الكلام استفهام مفهوم من المقام، أي يفعل كل منهما كذا وكذا فأيهما على حق؟ . (يعجل الإفطار ويعجل الصلاة) "أل" في الصلاة للعهد الذهني، أي صلاة المغرب. (كلاهما لا يألو عن الخير) أي لا يقصر. ولا يدخر وسعاً في السعي للأجر والثواب. -[فقه الحديث]- قال النووي أجمع العلماء على أن السحور مستحب، وأنه ليس بواجب وترجم البخاري بقوله:

стр. 2388

[باب بركة السحور من غير إيجاب، لأن النبي ﷺ وأصحابه، واصلوا] فاستدل على عدم وجوبه بوقوع الوصال عن النبي ﷺ وأصحابه، ليرفع بذلك شبهة أن الأمر في "تسحروا" للوجوب. واعترض عليه بأن النبي ﷺ نهاهم عن الوصال، والنهي عن الوصال أمر بالأكل. وأجاب ابن المنير بأن النهي عن الوصال لم يكن على سبيل التحريم، وإنما هو نهي إرشاد، لتعليله إياه بالإشفاق عليهم، وإذا ثبت أن النهي عن الوصال للكراهة، وضد نهي الكراهة الاستحباب، ثبت استحباب السحور. اهـ وفي حكم الوصال خلاف يأتي. قال بعضهم: وكان الأولى بالبخاري أن لا يستدل على عدم وجوب السحور، لأن الاستدلال على الحكم إنما يفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعاً، وليس حكم السحور كذلك، واعتذر عنه ابن المنير بأنه لما جاء الأمر به احتاج البخاري أن يبين أنه ليس على ظاهره من الإيجاب، وكذا النهي عن الوصال يستلزم الأمر بالأكل قبل طلوع الفجر، ورد هذا الاعتذار بأن النهي عن الوصال إنما هو أمر بالفصل بين الصوم والفطر، فيتحقق عدم الوصال بالإفطار، دون تعرض للسحور. وقد أفاض العلماء في تلمس وجوه بركة السحور، فقال النووي: وأما البركة في السحور فظاهرة؛ لأنه يقوي على الصيام، وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد في معناه، وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف، وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلى، أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة، أو للتأهب لها حتى يطلع الفجر. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، فذكر بعض ما ذكره النووي، وزاد مخالفة أهل الكتاب واتباع السنة، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذا ذاك أو يجتمع معه على الأكل، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. وقال ابن دقيق العيد: وقع للمتصوفة في مسألة السحور كلام من جهة اعتبار حكمة الصوم، وهي كسر شهوة البطن والفرج، والسحور قد يعارض ذلك، قال: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية فليس بمستحب. اهـ. والأولى أن يقال لهم: إن فترة الإمساك التي شرعها الشارع كفيلة بتحقيق حكمة التشريع، وكفيلة بكسر شهوة البطن والفرج بالقدر الذي أراده العليم الحكيم. ويبدأ السحور -كما قال النووي- من نصف الليل، ويحصل بكثير المأكول وقليله، ويحصل بالماء أيضاً، وقد روى البيهقي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "نعم سحور المؤمن التمر". وأما تعجيل الفطر فمستحب وشرطه التحقق من غروب الشمس. وأما ما رواه مالك والشافعي والبيهقي بأسانيدهم الصحيحة من "أن عمر وعثمان ﵄ كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة، وذلك في

стр. 2389

رمضان، فقال البيهقي في المبسوط: قال الشافعي: كأنهما يريان تأخير الفطر واسعاً، لا أنهما يتعمدان فضيلة في ذلك. ونقل الماوردي أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يؤخران الإفطار، وأجاب بأنهما أرادا بيان جواز ذلك، لئلا يظن وجوب التعجيل. وقد ترجم البخاري في بعض النسخ بباب تعجيل السحور، وساق تحت هذه الترجمة حديث عبد العزيز بن أبي حازم بن سهل بن سعد. قال: كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله ﷺ . واعتذر عنه ابن المنير، فقال: التعجيل من الأمور النسبية، فإن نسب إلى أول الوقت كان معناه التقديم [وليس مراداً هنا] وإن نسب إلى آخره كان معناه التأخير [أي كان معناه الإسراع به قبل الفوات، وهو مراد البخاري، وهو واضح من الحديث الذي ساقه، فليس من التعجيل الذي نحن بصدده، والذي هو الإتيان بالشيء في أول وقته] وإنما سماه البخاري تعجيلاً؛ إشارة منه إلى أن الصحابي كان يسابق سحوره الفجر عند خوف طلوعه وخوف فوات الصلاة بمقدار ذهابه إلى المسجد. اهـ. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - يؤخذ من قوله "قدر خمسين آية" أنهم كانوا يقدرون الأوقات بأعمال البدن، كقولهم قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، وعدل زيد بن ثابت عن ذاك التقدير إلى التقدير بالقراءة لمناسبة ما يحصل في ذلك الوقت فإنه كان وقت العبادة بالتلاوة، ولم يكن وقت حلب أو ذبح. ٢ - وفيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة. ٣ - وفي سحور زيد مع رسول الله ﷺ تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة. ٤ - وجواز المشي بالليل للحاجة، لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي ﷺ قاله الحافظ ابن حجر، واعترض عليه العيني، فقال: لا نسلم نفي بيتوتته مع النبي ﷺ في تلك الليلة التي تسحر فيها مع النبي ﷺ ، ولا يلزم من ذلك أن يبيت معه كل ليلة. اهـ ولو أن البدر العيني اطلع على حديث النسائي وابن حبان السابق في المباحث العربية ما اعترض هذا الاعتراض، ففيه قال رسول الله ﷺ لأنس: انظر رجلاً يأكل معي فدعا زيد بن ثابت، فجاء فتسحر معه، فبيتوتته مع النبي ﷺ في تلك الليلة منفية قطعاً. ٥ - وفيه الاجتماع على السحور. ٦ - وفيه حسن الأدب في العبارة. لقوله "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ولم يقل نحن ورسول الله ﷺ لما يشعر لفظ المعية بالتبعية. قاله الحافظ ابن حجر. ٧ - وفيه أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة السابق في الباب الماضي.

стр. 2390

٨ - وفي حديث أبي عطية ومسروق حرص الصحابة على دقة الاقتداء برسول الله ﷺ . ٩ - وحرصهم على الأفضل والاجتهاد في العبادة. ١٠ - وثناء بعضهم على بعض. ١١ - والستر على من يظن أنه مخطئ، فقد عبرا بـ"رجلان" ولم يقولا: فلان وفلان. ١٢ - وفقه عائشة ﵂ واعتبار الصحابة والتابعين لها على أنها المرجع فيما ينقل عن النبي ﷺ . ١٣ - قال ابن دقيق العيد: في حديث سهل رد على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم. والله أعلم

стр. 2391

(٣٠١) باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار ٢٢٢٧ - عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" لم يذكر ابن نمير فقد. ٢٢٢٨ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في شهر رمضان فلما غابت الشمس، قال "يا فلان انزل فاجدح لنا" قال: يا رسول الله إن عليك نهاراً. قال "انزل فاجدح لنا" قال: فنزل فجدح فأتاه به فشرب النبي ﷺ ثم قال "بيده إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم". ٢٢٢٩ - عن ابن أبي أوفى ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فلما غابت الشمس قال لرجل "انزل فاجدح لنا" فقال: يا رسول الله لو أمسيت. قال "انزل فاجدح لنا" قال: إن علينا نهاراً فنزل فجدح له فشرب ثم قال "إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا (وأشار بيده نحو المشرق) فقد أفطر الصائم". ٢٢٣٠ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم فلما غربت الشمس قال "يا فلان انزل فاجدح لنا" مثل حديث ابن مسهر وعباد بن العوام. ٢٢٣١ - عن ابن أبي أوفى ﵁ عن النبي ﷺ بمعنى حديث ابن مسهر وعباد وعبد الواحد. وليس في حديث أحد منهم في شهر رمضان ولا قوله "وجاء الليل منها هنا" إلا في رواية هشيم وحده. -[المعنى العام]- حدد الله تعالى نهار الصائم بقوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 2392

وقد التبس على البعض مراد الله بالخيط الأبيض والخيط الأسود فبينه رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم وغيره، كما أسلفنا. وفي هذه الأحاديث يبين ﷺ مراد الله من "الليل" الذي جعل غاية ونهاية لنهار الصائم، ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فقد يخفى على البعض أن بدايته غروب الشمس، ويتوهم كما توهم بلال في هذه الأحاديث أن المراد به الظلمة، فأراد ﷺ أن يحدد لهم مراد الشرع بالقول والفعل والإشارة حين كان صائماً في سفر ومعه عدد كبير من صحابته لم يجتمع معه في سفر مثلهم من قبل، كانوا نحو عشرة آلاف، يتوجهون لفتح مكة: فلما غربت الشمس قال لبلال: هات لنا الشراب. قال بلال: ما زال النهار قائماً، والضوء منتشراً. قال له: هات شرابنا. قال بلال: لو انتظرت بعض الوقت يا رسول الله حتى يدخل المساء؟ قال له: هات شرابنا. قال بلال: أرجو الانتظار حتى تدخل قليلاً في المساء؟ قال له: هات شرابنا. فقام بلال فأحضر الشراب وناوله رسول الله ﷺ ، فشرب أمام أصحابه، ثم قال لهم: إذا أقبل الليل من ههنا -وأشار إلى جهة المشرق، وأدبر النهار من ههنا -وأشار إلى جهة المغرب، وغربت الشمس، واختفى قرصها كله حل الفطر للصائم، وتعجيل الفطر شريعتنا، ولا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر. -[المباحث العربية]- (إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس) قال النووي: قال العلماء: كل واحد من هذه الثلاثة يتضمن الآخرين: ويلازمهما، وإنما جمع بينها لأنه قد يكون في واد ونحوه، بحيث لا يشاهد غروب الشمس، فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء. وقال الحافظ ابن حجر: هذه الأمور الثلاثة وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار، فمن ثم قيد بقوله "وغربت الشمس" إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار، وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر. وفي شرح الترمذي: الظاهر الاكتفاء بأحد الثلاثة، لأنه يعرف انقضاء النهار بأحدها. والخلاصة أن ذكر الثلاثة للتأكد من دخول الليل، فإن حصل التأكد بأحدها كفى. (فقد أفطر الصائم) قال النووي: معناه انقضى صومه وتم، ولا يوصف الآن بأنه صائم، فإنه بغروب الشمس خرج النهار، ودخل الليل، والليل ليس محلاً للصوم. اهـ واعترض العلماء على هذا التفسير، وقالوا: إن معنى "فقد أفطر الصائم، أي دخل في وقت الفطر، كما يقال: أنجد إذا أقام بنجد، وأتهم إذا أقام بتهامة، وقال ابن خزيمة: "فقد أفطر الصائم" لفظ خبر ومعناه الأمر، فليفطر الصائم، ورد كلام النووي، فقال: لو كان المراد فقد صار مفطراً كان فطر جميع الصوام واحداً، ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى.

стр. 2393

وضعف الحافظ ابن حجر تفسير النووي فقال: لو كان هذا التفسير معتمداً لكان من حلف أن لا يفطر، فصام، فدخل الليل حنث بمجرد دخوله ولو لم يتناول شيئاً، ورجح التفسير الآخر برواية شعبة، ولفظها "فقد حل الإفطار". (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في شهر رمضان) قال الحافظ ابن حجر: هذا السفر يشبه أن يكون سفر غزوة الفتح، فإن سفر النبي ﷺ في رمضان منحصر في غزوة بدر وغزوة الفتح، ولم يشهد ابن أبي أوفى بدراً، فتعينت غزوة الفتح. (فلما غابت الشمس) في الرواية الرابعة وفي رواية البخاري "فلما غربت الشمس" قال الحافظ ابن حجر: وهي تفيد معنى أزيد من معنى غابت. اهـ لأن الغروب الغياب بانتهاء النهار. (قال: يا فلان) عند أحمد "فدعا صاحب شرابه بشراب" وصاحب شرابه بلال، وأخرجه أبو داود فسماه، ولفظه "فقال: يا بلال. انزل فاجدح لنا ... ". (انزل فاجدح لنا) بالجيم ثم الحاء، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له: المجدح، مجنح الرأس، وقد يكون له ثلاث شعب، يحرك ويقلب به الشراب ليختلط ويسوى للشرب، ولعل الشراب كان في مكان منخفض، فأمر بالنزول. (قال: يا رسول الله إن عليك نهاراً) أي إن النهار مازال يغطينا ويغطيك فكيف آتيك بالشراب؟ وكيف تشرب؟ قال ذلك ظاناً أن الشمس لم تغرب لكثرة الضوء من شدة الصحو، وهو لم يتوقف عناداً وإنما راجع احتياطاً واستكشافاً لحكم المسألة. (فأتاه به) أي بالشراب المجدوح. (ثم قال بيده) أي ثم قال مشيراً بيده. (إذا غابت الشمس من ههنا) أي من هذه الجهة، مشيراً إلى جهة المغرب. (وجاء الليل من ههنا) أي من هذه الجهة، مشيراً إلى جهة المشرق، لأنها البعيدة عن الشمس عند غروبها، فينحسر عنها الضوء أولاً عند الغروب، ويأتيها الضوء أولاً عند الشروق. (فقال: يا رسول الله) لو أمسيت "لو" للعرض، أي أعرض عليك أن تنتظر لتدخل في المساء، ويصح أن تكون شرطية، جوابها محذوف، تقديره لو أمسيت كان أحوط. وظاهر رواية ابن أبي أوفى الأولى أن المراجعة مرة واحدة، فلما أمر الأمر الثاني امتثل. والرواية الثانية ظاهرها كذلك لأنه أضاف عرض الإمساك عند استجابته، أما رواية البخاري فقد أبرزت المراجعة مرتين، وأن الامتثال كان للأمر الثالث ولفظها "انزل فاجدح لنا. قال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ قال: انزل فاجدح لنا. قال: يا رسول الله إن عليك

стр. 2394

نهاراً؟ قال: انزل فاجدح لنا. فنزل فجدح" بل إن رواية أخرى للبخاري تبرز أن المراجعة كانت ثلاث مرات، وأن الامتثال كان للأمر الرابع، ولفظها "يا فلان قم فاجدح لنا. فقال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ قال: انزل فاجدح لنا. قال: يا رسول الله، فلو أمسيت؟ قال: انزل فاجدح لنا. قال: إن عليك نهاراً؟ قال: انزل فاجدح لنا. فنزل فجدح". ومن هنا قال الحافظ ابن حجر: اختلفت الروايات عن الشيباني في المراجعة، وأكثر ما وقع فيها ثلاثاً، وفي بعضها مرتين، وفي بعضها مرة واحدة، وهو محمول على أن بعض الرواة اختصر القصة، وقد جاء أنه ﷺ كان لا يراجع بعد ثلاث. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث: ]- ١ - استحباب تعجيل الفطر. ٢ - وأنه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاً، بل متى تحقق الغروب حل الفطر. ٣ - وجواز الصوم في السفر، وبخاصة من لا تلحقه بالصوم مشقة ظاهرة. ٤ - وتذكير العالم ما يخاف أن يكون قد نسيه. ٥ - وترك المراجعة له بعد ثلاث. ٦ - وجواز الاستفسار والمراجعة، فإن النبي ﷺ لم يعنف الصحابي على عدم المبادرة بالامتثال. ٧ - وحسن خلقه ﷺ . ٨ - وأن الفطر على التمر ليس بواجب، وأن الأمر في حديث الحاكم والترمذي وابن حبان في قوله "من وجد تمراً فليفطر عليه، ومن لا يجد فليفطر على الماء" ليس على الوجوب، وشذ ابن حزم، فأوجب الفطر على التمر، وإلا فعلى الماء، والإجماع على أن ذلك مستحب لا واجب، فيجوز أن يفطر بما تيسر. والله أعلم

стр. 2395

(٣٠٢) باب النهي عن الوصال ٢٢٣٢ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن الوصال. قالوا: إنك تواصل قال "إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى". ٢٢٣٣ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ واصل في رمضان؛ فواصل الناس؛ فنهاهم. قيل له أنت تواصل؟ قال "إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى". ٢٢٣٤ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بمثله ولم يقل في رمضان. ٢٢٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال. فقال رجل من المسلمين فإنك يا رسول الله تواصل. قال رسول الله ﷺ وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال "لو تأخر الهلال لزدتكم" كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. ٢٢٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إياكم والوصال" قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال "إنكم لستم في ذلك مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون". ٢٢٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثله غير أنه قال "فاكلفوا ما لكم به طاقة". ٢٢٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى عن الوصال بمثل حديث عمارة عن أبي زرعة. ٢٢٣٩ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل آخر فقام أيضاً حتى كنا رهطاً. فلما حس النبي ﷺ أنا خلفه جعل

стр. 2396

يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا. قال: قلنا له حين أصبحنا أفطنت لنا الليلة؟ قال: فقال "نعم ذاك الذي حملني على الذي صنعت". قال: فأخذ يواصل رسول الله ﷺ وذاك في آخر الشهر فأخذ رجال من أصحابه يواصلون. فقال النبي ﷺ "ما بال رجال يواصلون. إنكم لستم مثلي. أما والله لو تماد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم". ٢٢٤٠ - عن أنس ﵁ قال: واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال "لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم. إنكم لستم مثلي (أو قال) إني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني". ٢٢٤١ - عن عائشة ﵂ قالت: نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم. فقالوا: إنك تواصل. قال "إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني". -[المعنى العام]- يقول تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. ويقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. ومن رحمة الله بأمة محمد ﷺ أن خفف عليهم مدة الإمساك في الصيام، فجعلها من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بعد أن كان معظم الليل داخلاً في الإمساك، وزيادة في التيسير رغب ﷺ في تعجيل الفطر وتأخير السحور. إن العبادة بهمة ويقظة ونشاط خير من العبادة المشوبة بالملل والسقم، وليس من البر أن يتكلف الإنسان ما لا يطيق، ولا أن يتشدد ويبالغ في العبادة، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "أوغل في الدين برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"، وكثيراً ما كان رسول الله ﷺ يترك الشيء وهو يحب أن يفعله مخافة أن يقتدي به أصحابه فيشق عليهم. وكثيراً ما كان يقدر على ما لا يقدر عليه أتباعه، وكان يكلفه ربه بما لا يكلف به أمته، ومن هذا الوصال في الصيام، والإمساك عن المفطرات يومين متتاليين أو أكثر دون أن يأكل أو يشرب شيئاً، وكيف لا والقرب والمناجاة يغني عن متاع هذه الحياة، والاستغراق في العبادة ينسي الرغبة في الطعام والشراب.

стр. 2397

لقد واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان، وعلم بذلك أصحابه فتأسوا به وواصلوا. فلما علم بوصالهم نهاهم عن هذا التكلف، وقال: لا تواصلوا إياكم والوصال، فكف البعض عن الوصال، وواصل بعض آخر لم يسمعوا النهي، أو ظنوه رحمة وإشفاقاً مع جوازه وفضله، وكرر ﷺ النهي، وكرر الصحابة مراجعته يقولون: إنك تواصل وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فدعنا نسارع إلى الخيرات ونواصل كما تواصل. قال لهم: وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين فقالوا: إنا بنا قوة على الوصال فأذن لنا بالوصال معك. فلما أبوا أن يكفوا عن الوصال، وتمسكوا به رغبة في المزيد من الأجر، واصل بهم يوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من رمضان، فرأوا هلال شوال، فكان الحكم الإفطار الواجب يوم العيد. فقال لهم ﷺ ولو مد الشهر ولم نر هلال شوال لزدتكم وصالاً، حتى تقتنعوا بالممارسة أنكم لا تقدرون عليه، وأنه سيشق عليكم، فلا تغلوا في الدين، وتكلفوا من العمل أيسره وما تطيقونه، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. وصدق قول الله في رسوله ﷺ ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. -[المباحث العربية]- (نهى عن الوصال) عبارة النهي وردت في الرواية الرابعة بلفظ "إياكم والوصال" وفي الرواية الخامسة بلفظ "ما بال رجال يواصلون"؟ وفي رواية للبخاري "إياكم والوصال" مرتين، وعند أحمد "إياكم والوصال" ثلاث مرات، وفي رواية للبخاري بلفظ "لا تواصلوا" والظاهر من مراجعتهم له ﷺ أن النهي تعدد بألفاظ مختلفة. والوصال المراد هنا ترك الأكل والشرب وبقية المفطرات في الليل بين الصومين عمداً بلا عذر، وشذ من خصه بعدم الأكل، وعرفه الحافظ ابن حجر بأنه الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد. (قالوا: إنك تواصل) أي ونحن نرغب في الاقتداء والتأسي بك؟ وفي الرواية الثالثة "فقال رجل من المسلمين" والظاهر أن القائل واحد، ونسب القول للمجموع لرضاهم به، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمه. (إني لست كهيئتكم) في الرواية الثانية "إني لست مثلكم" وفي الثالثة "وأيكم مثلي"؟ وفي الرابعة "إنكم لستم في ذلك مثلي" وكلها متقاربة، تنفي المماثلة بينه وبينهم في هذا الأمر، وبين عدم المماثلة بقوله "إني أطعم وأسقى". (إني أطعم وأسقى) ببناء الفعلين للمجهول، وفي الرواية الثالثة والرابعة "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" وفي السادسة "إني أظل يطعمني ربي ويسقيني" وفي السابعة "إني

стр. 2398

يطعمني ربي ويسقيني" وأصل التعبير بأظل يفيد مواصلة العمل نهاراً، وأصل التعبير بأبيت يفيد مواصلة الشيء ليلاً. قال عنترة: ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل يقصد أنه قد يعيش ليلاً على الجوع، ويعيش على الجوع كذلك نهاراً ولا يرضى بالأكل الذليل، وكذلك أضحى أصل التعبير بها يفيد المواصلة في الضحى، لكن هذه الألفاظ قد تحمل على مطلق الكون من غير نظر إلى الوقت، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً﴾ [النحل: ٥٨]. فإن المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار دون دليل، وعلى هذا يسقط الاعتراض على القول بأن الطعام والشراب حقيقة، إذ قال المعترض إن "ظل" لا يكون إلا في النهار، ولا يجوز أن يكون أكلاً حقيقياً في النهار. هذا وقد اختلف العلماء في معنى "يطعمني ربي ويسقين" هل هو على الحقيقة، وأنه يؤتى بطعام وشراب من الجنة؛ فيأكل ويشرب؟ أو هو كناية عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، على معنى أن الله يعطيه قوة الآكل والشارب، فلا يحصل له جوع ولا عطش؟ أو هو كناية عن قوة التحمل، مع وجود الجوع والعطش والإحساس بهما لكن مع القدرة على تحملهما؟ أو كناية عن الاشتغال عن الجوع والعطش بالاستغراق في المناجاة فلا يحس بهما مع وجودهما؟ أقوالاً يأتي الكلام عنها تفصيلاً في فقه الحديث. (واصل في رمضان فواصل الناس) في الرواية السادسة "واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، وفي الرواية الخامسة "فأخذ يواصل رسول الله ﷺ وذلك في آخر الشهر، فأخذ رجال من الصحابة يواصلون، قال النووي: "في أول شهر رمضان"، كذا هو في كل النسخ ببلادنا، وكذا نقله القاضي عن أكثر النسخ، قال: وهو وهم من الراوي، وصوابه "آخر شهر رمضان"، وهو الموافق للحديث الذي قبله؛ ولباقي الأحاديث. اهـ لكن يمكن الجمع بين الحديثين، وطريق الجمع أن يقال: إنه ﷺ واصل في أول رمضان فواصل بوصاله ناس فنهاهم. وواصل في آخر رمضان فواصل بوصاله ناس آخرون لم يبلغهم النهي الأول، فنهاهم، فلم ينتهوا وأبوا إلا الوصال، فواصل بهم. ففي الرواية السادسة طي وحذف، والعمل بالروايتين على وجه خير من اتهام الراوي بالوهم. (واصل بهم يوماً ثم يوماً) قال الحافظ ابن حجر: ظاهره أن قدر المواصلة بهم كانت يومين. اهـ أقول: إن ظاهره أن قدر المواصلة ثلاثة أيام، لأنه لا يقال: واصل بهم يوماً إلا إذا وصل يوماً بيوم دون إفطار، فقوله "ثم يوماً" أي ثالثاً. (ثم رأوا الهلال) "ال" في "الهلال" للعهد، أي هلال شوال.

стр. 2399

(لو تأخر الهلال لزدتكم) أي لزدتكم وصالاً إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف عنه بتركه. (كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا) في رواية للبخاري "كالتنكيل لهم" والتنكيل المعاقبة، وفي رواية "كالمنكر" وفي رواية كالمنكى من الكناية. قال الحافظ ابن حجر: والأول هو الذي تضافرت عليه الروايات. (فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون) قال الحافظ ابن حجر: "اكلفوا" بسكون الكاف وضم اللام، وقال النووي: هو بفتح اللام، وفي مختار الصحاح كلف بكذا أي أولع به، وبابه طرب، فهو بفتح اللام. (حتى كنا رهطاً) أي جمعاً يقرب من تسعة، فالرهط من ثلاثة إلى تسعة. (فلما حس) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "حس" بغير ألف، ويقع في طرق بعض النسخ "أحس" بالألف، وهو الفصيح الذي جاء به القرآن ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر﴾ [آل عمران: ٥٢]. وأما حس بغير ألف فلغة قليلة، وهذه الرواية تصح على هذه اللغة. (جعل يتجوز في الصلاة) أي يخفف ويقتصر على الجائز المجزي مع بعض المندوبات، قاله النووي. (ثم دخل رحله) أي منزله، قال الأزهري: رحل الرجل عند العرب هو منزله، سواء أكان من حجر أو مدر أو وبر أو شعر أو غيرها. (لا يصليها عندنا) لطولها. (أما والله لو تماد لي الشهر لواصلت) بتشديد الدال قال النووي: هكذا هو في الأصول، وفي بعضها "تمادى" وكلاهما صحيح، وهو بمعنى (مد) في الرواية السادسة. (لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم) جملة "يدع المتعمقون تعمقهم" صفة "وصالاً" وضميرها الرابط محذوف، أي يدع به المتعمقون تعمقهم "والمتعمقون" المتشددون في الأمور، المجاوزون الحدود في قول أو فعل. قال الحافظ ابن حجر: والتعمق المبالغة في تكلف ما لم يكلف به، وعمق الوادي قعره. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في حكم الوصال على خمسة أقوال: القول الأول: أنه مباح لمن لم يشق عليه. نقل ذلك عن عبد الله بن الزبير وروي أنه واصل

стр. 2400

خمسة عشر يوماً، واجتهد لهذا القول بأن النبي ﷺ واصل بأصحابه بعد النهي، فلو كان محرماً لما أقرهم على فعله. وأن النبي ﷺ أراد بالنهي الرحمة لهم والشفقة عليهم والتخفيف عنهم، كما جاء ذلك في حديث عائشة روايتنا السابعة، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم، ولم ينكر على من بلغه أنه فعله، ممن لم يشق عليه. وبأن بعض الصحابة أقدموا على الوصال بعد النهي، فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم. وإلا لما أقدموا عليه. وبأن الرسول ﷺ سوى في علة النهي بين الوصال وبين تأخير الفطر في حديث رواه أحمد والطبراني وغيرهما بإسناد صحيح عن ليلى امرأة بشير الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير، وقال: إن النبي ﷺ نهى عن هذا، وقال: يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فإذا كان الليل فأفطروا" فقد سوى بينهما في أن العلة فعل النصارى، ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر، سوى بعض من لا يعتد به من أهل الظاهر. ومن حيث المعنى وحكمة التشريع أن في الوصال فطماً للنفس وشهواتها وقمعها عن ملذاتها مما يجعله جائزاً لمن لم يشق عليه، ولم يقصد موافقة أهل الكتاب، ولم يكن فعله رغبة عن السنة في تعجيل الفطر. القول الثاني أجازه ابن وهب وأحمد وإسحق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية إلى السحر. واستدلوا بحديث البخاري عن أبي سعيد أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر". ورد أكثر الشافعية على هذا بأن الإمساك إلى السحر ليس وصالاً، بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك في النهار، وإنما أطلق على الإمساك إلى السحر وصالاً لمشابهته الوصال في الصورة ثم إن هذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره، فهو في الحقيقة بمنزلة تأخير عشائه. القول الثالث: أنه حرام، وقد ذهب إليه الأكثرون وصرح بتحريمه ابن حزم، وصححه ابن العربي من المالكية، وقطع به جمهور الشافعية، واحتجوا بأحاديث النهي عن الوصال وهي كثيرة وصحيحة، كما استدلوا بأحاديث تعجيل الفطر المتقدمة، وبأن الوصال من خصوصياته ﷺ لقوله "وأيكم مثلي" فغيره ممنوع منه. وأجابوا عن مواصلته ﷺ بأصحابه بعد النهي أنه لم يكن تقريراً، بل تقريعاً وتنكيلاً -كما جاء في روايتنا الثالثة- فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم، لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أذعن إلى قلوبهم، لما يترتب عليهم من الملل في

стр. 2401

العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح، من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشديد ينافي ذلك. وأجابوا عن أن النهي أريد به الرحمة بأن الرحمة لا تمنع التحريم، وبأن من رحمته لهم أن حرمه عليهم. وعن أن الصحابة أقدموا على الوصال بعد النهي بأنه يحتاج إلى دليل يعتد به، ومن نسب إليهم الوصال ندرة، بل لم يثبت لأحد من الصحابة سوى عبد الله بن الزبير، ولعله تأول أحاديثه بما لا يوافق عليه. وعن التسوية في علة النهي بينه وبين تأخير الفطور بأن الشيء قد يشارك آخر في جزء علة، وينفرد بعلل أخرى، فعلة النهي عن الوصال ليست مخالفة النصارى فحسب، بل ما سبق من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم من وظائف العبادة الأخرى، ومع أنه حرام لا يبطل الصوم كما قال النووي. القول الرابع: أن الوصال مكروه كراهة تحريم، وعليه كثير من الشافعية، وقد نص الشافعي في الأم على أنه محظور. ودليله دليل القائلين بتحريمه. والقول الخامس: أن الوصال مكروه كراهة تنزيه وهو قريب من القائلين بالجواز. هذا وقد أفاض الحافظ ابن حجر في توجيه قوله ﷺ "أبيت يطعمني ربي ويسقيني" فقال: قيل: على الحقيقة، وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، وتعقبه ابن بطال ومن تبعه بأن لو كان كذلك لم يكن مواصلاً، ولو جاءه الطعام والشراب نهاراً لم يكن صائماً. ورد العلماء على اعتراض ابن بطال، فقال بعضهم: إن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره ﷺ في طست من الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام. وقال ابن المنير: الذي يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب، كأكل أهل الجنة في الجنة، والكرامة لا تبطل العادة -ثم قال في موضع آخر: هو محمول على أن أكله وشربه في تلك الحالة كحال النائم الذي يحصل له الشبع والري بالأكل والشرب، ويستمر له ذلك حتى يستيقظ، ولا يبطل بذلك صومه، ولا ينقطع وصاله، ولا ينقص أجره. اهـ. وظاهر هذا التوجيه أن الأكل والشرب ليس حقيقياً، وإنما هو حالة نفسية تنشأ من استغراقه ﷺ في أحواله الشريفة، حتى لا يؤثر فيه حينئذ شيء من الأحوال البشرية. وقريب

стр. 2402

من هذا قول من فسر "يطعمني ربي ويسقيني" أي يشغلني بالتفكير في عظمته والتملي بمشاهدته، والتغذي بمعارفه، وقرة العين بمحبته، والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب، قال ابن القيم: قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني، ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه، الذي قرت عينه بمحبوبه. اهـ. وهذه الحالة مشاهدة فيمن يشغله شاغل مهم عن الأكل. وقال الجمهور: قوله "يطعمني ويسقيني"، مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب، ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب، ويقوي على أنواع الطاعات من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس فالجوع والعطش يحصلان، لكن الإحساس بهما، أو أثرهما منعدم. وبعضهم يقول: المعنى أن الله يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوع ولا عطش، بل لا يجد جوعاً ولا عطشاً، ويضعف هذا القول أنه ينافي حال الصائم، ويفوت المقصود من الصيام والوصال، لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها، قال القرطبي، ويبعده أيضاً النظر إلى حاله ﷺ ، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - استواء المكلفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا ما استثنى بدليل. قاله الحافظ ابن حجر. ٢ - وفيها جواز معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستثنى بسر المخالفة. ٣ - وفيها الاستكشاف عن حكمة النهي. ٤ - وفيها ثبوت خصائصه ﷺ ، وأن عموم قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. مخصوص. ٥ - وفيها أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته، ويبادرون إلى الائتساء به، إلا فيما نهاهم عنه. ٦ - وفيها أن خصائصه لا يتأسى به في جميعها. ٧ - وفيها بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر. ٨ - وفيها النهي عن التشدد في الدين والتكلف والحث على اليسر وما يطيق المسلم. ٩ - وفيها شفقة الرسول ﷺ على أمته، ورحمته بهم. ١٠ - وفيها تعليل الحكم الغريب لتستريح نفس المشتبه. والله أعلم

стр. 2403

(٣٠٣) باب حكم القبلة والمباشرة في الصوم ٢٢٤٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل إحدى نسائه وهو صائم ثم تضحك. ٢٢٤٣ - عن سفيان قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أسمعت أباك يحدث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم؟ فسكت ساعة ثم قال نعم. ٢٢٤٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه؟ . ٢٢٤٥ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه أملككم لإربه. ٢٢٤٦ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لإربه. ٢٢٤٧ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يباشر وهو صائم. ٢٢٤٨ - عن الأسود قال: انطلقت أنا ومسروق إلى عائشة ﵂. فقلنا لها: أكان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم. ولكنه كان أملككم لإربه أو من أملككم لإربه. شك أو عاصم. ٢٢٤٩ - عن الأسود ومسروق أنهما دخلا على أم المؤمنين ليسألانها فذكر نحوه.

стр. 2404

٢٢٥٠ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم. ٢٢٥١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل في شهر الصوم. ٢٢٥٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل في رمضان وهو صائم. ٢٢٥٣ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم. ٢٢٥٤ - عن حفصة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم. ٢٢٥٥ - عن عمر بن أبي سلمة ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ "سل هذه" (لأم سلمة) فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك. فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله ﷺ "أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له". -[المعنى العام]- الإسلام ليس دين تبتل ولا رهبانية، بل هو دين الوسطية، ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]. ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. نعم. من أهداف الصوم تهذيب شهوتي البطن والفرج، والتدريب على السيطرة عليهما، والتحكم فيهما، حتى لا يجرفا المسلم بعنفوانهما إلى المحرمات فأحل الله الأكل والشرب والجماع للصائم

стр. 2405

ليلاً، وحرمها نهاراً، قال جل شأنه ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. ولما كان الجماع ممنوعاً في نهار الصائم كان السؤال يخطر كثيراً. ماذا عن المقدمات؟ والعربي بطبعه عاطفي، حسن العشرة لنسائه، ميال إلى المداعبة، والشريعة الإسلامية بسماحتها تحث على ذلك، لكن من أين يستقى حكم ذلك إذا لم نلجأ إلى أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ لنستكشف منهن حال النبي ﷺ معهن؟ وهكذا كانت الأسئلة عن قبلة الصائم، وعن مباشرته لزوجته دون جماع، وكانت إجابتهن الشافية الكافية التي سنوضحها في فقه الحديث. إن شاء الله. -[المباحث العربية]- (يقبل إحدى نسائه) تقصد نفسها، وعدلت هنا عن المتكلم إلى الغائب حياء، ولا يمنع هذا أن تتكلم عن نفسها بضمير المتكلم في ظرف آخر، كما في الرواية الثالثة. (وهو صائم) جملة حالية، وتشمل صيام الفرض وصيام النفل، لأن الذي يفطر في الفرض يفطر في النفل، أما الروايتان التاسعة والعاشرة فتصريحهما بشهر الصوم رمضان لرفع ما عساه يظن أن ذلك يحصل في النفل والتطوع لما فيه من التسامح وضعف الحيطة فإن الإفطار لمن صام نفلاً مرخص به لمجرد دعوته إلى طعام. (ثم تضحك) معطوف على "قالت" ولعل التعبير بالمضارع من بعض الرواة لاستحضار الصورة، والأصل "ثم ضحكت" كما في لفظ البخاري. قال النووي: قال القاضي: قيل: يحتمل أن ضحكها للتعجب ممن خالف في هذا، وقيل: للتعجب من نفسها، حيث جاءت بمثل هذا الحديث الذي يستحي من ذكره، لا سيما تحديث المرأة به عن نفسها للرجال، لكنها اضطرت إلى ذكره لتبليغ الحديث والعلم، فتتعجب من ضرورة الحال المضطرة لها إلى ذلك. وقيل: ضحكت سروراً بتذكر مكانها من النبي ﷺ ، وحالها معه، وملاطفته لها قال القاضي: ويحتمل أنها ضحكت تنبيهاً على أنها صاحبة القصة، ليكون أبلغ في الثقة بحديثها. اهـ وقد روى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام في هذا الحديث "فضحكت فظننا أنها هي". (فسكت ساعة) أي جزءاً من الزمن، وليس المقصود الساعة المعهودة المحددة بستين دقيقة قال النووي: أي ليتذكر قولها. (وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه) في الرواية الرابعة والخامسة، "وكان أملككم لإربه"، وفي السابعة "أو من أملككم لإربه".

стр. 2406

قال النووي: هذه اللفظة رووها على وجهين، أشهرهما رواية الأكثرين "إربه" بكسر الهمزة وإسكان الراء، والثاني بفتح الهمزة والراء، ومعناه بالكسر الوطر والحاجة، وكذا بالفتح، ولكن المفتوح يطلق أيضاً على العضو، وقال الخطابي: الفتح والكسر معناهما واحد، وهو حاجة النفس ووطرها. قال والإرب أيضاً العضو. اهـ والمعنى أنه ﷺ كان أقدر الناس أو من أقدر الناس على أن يغلب الشهوة، لا أن تغلبه الشهوة، فيوقفها حتى لا تتجاوز إلى إفساد الصوم. (ويباشر وهو صائم) قال النووي: معنى المباشرة هنا اللمس باليد، وهو من التقاء البشرتين. اهـ فهي أعمق من التقبيل. أما المراد بالمباشرة في قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ الجماع، لا ما دونه من قبلة ونحوها، والرسول ﷺ هو المبين عن الله تعالى. (يسألانها) هكذا هو في كثير من الأصول "يسألانها" وهذا واضح جار على المشهور في العربية، لكن في بعض الأصول "ليسألانها" بلام التعليل مع ثبوت نون الأفعال الخمسة. قال النووي: وهي لغة قليلة. (في شهر الصوم) أي وهو صائم صيام الفرض. (فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ... ) سبب قوله هذا القول أنه ظن أن جواز التقبيل للصائم من خصائص الرسول ﷺ ، وأنه لا حرج عليه فيما يفعل، لأنه مغفور له، وفي الموطأ "يحل الله لرسوله ما شاء". (أنا أتقاكم لله وأخشاكم له) فكيف تظنون بي أو تجوزون علي ارتكاب منهي عنه؟ وفي بعض الروايات أن الرسول ﷺ غضب حين قال القائل هذا القول. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في حكم القبلة والمباشرة تقع من الصائم لزوجته، والمقصود من المباشرة هنا -كما قدمنا- التقاء البشرتين بأي وفي أي موضع من الجسد من غير الجماع، فالحكم على القبلة حكم المباشرة. فقال الشافعي وأصحابه: القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى له تركها. ولا يقال إنها مكروهة له. وإنما قالوا: إنها خلاف الأولى في حقه، مع ثبوت أن النبي ﷺ كان يفعلها، لأنه ﷺ كان يؤمن في حقه مجاوزة حد القبلة، ويخاف على غيره مجاوزتها، كما قالت عائشة "وأيكم يملك إربه" "وكان أملككم لإربه" أما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح عند الشافعية وفي غير الأصح عندهم مكروهة كراهة تنزيه، ذكره النووي. وحاصل هذا القول أن القبلة والمباشرة بين الزوجين في الصيام خلاف الأولى لمن علم من تجاربه وسوابقه أنها لا تحرك شهوته، ولا يقال: إن الرسول ﷺ كان يفعل خلاف الأولى على هذا؟

стр. 2407

لأن الأمن في حقه أقوى من الأمن في حق غيره. أما من علم من تجاربه وسوابقه أنها تحرك شهوته فهي حرام في حقه، لأنها -والحالة هذه- تؤدي إلى الإنزال المفسد للصوم، وإفساد الصوم حرام، فما أدى إليه حرام. وعند بعض الشافعية أنها مكروهة في هذه الحالة، لأن تأديتها للإنزال محتملة ظنية، فلا تأخذ حكم الإنزال. وهذا القول أضبط الأقوال في المسألة، ويجتمع عنده ظواهر الأحاديث الواردة. فقد ورد في بعض الروايات أن عروة قال بعد أن سمع الحديث: إني لم أر القبلة تدعو إلى خير، وكذلك رويت هذه الزيادة عن ابن هشام، فأقل ما يؤخذ منها أنها خلاف الأولى. وروايات عائشة ﵂ تفيد أن صنع الرسول ﷺ في هذا ليس مؤشراً للإباحة، فإن استدراكها بقولها: "كان أملككم لإربه" "وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه"؟ دليل على عدم الإباحة. وأوضح من ذلك رواية النسائي "قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا. قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم قالت: إنه كان أملككم لإربه" وليس مرادها بهذا تحريم المباشرة، فعن حكيم بن عقال قال: "سألت عائشة: ما يحرم علي من امرأتي وأنا صائم قالت: فرجها" قال الحافظ: إسناده إلى حكيم صحيح، ويؤدي معناه ما رواه عبد الرزاق عن مسروق "سألت عائشة: ما يحل للرجل من امرأته صائماً؟ قالت كل شيء إلا الجماع". قال الحافظ ابن حجر: فيحمل النهي هنا [قولها للأسود: لا] على كراهة التنزيه، فإنها لا تنافي الإباحة، وقد روي عن حماد: سألت عائشة عن المباشرة للصائم؟ فكرهتها". القول الثاني: نقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها مطلقاً: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ الآية، فمنع المباشرة في هذه الآية نهاراً. قال الحافظ: والجواب عن ذلك أن النبي ﷺ هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهاراً، فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، لا ما دونه من قبلة ونحوها، وممن أفتى بإفطار من قبل وهو صائم عبد الله بن شبرمة، أحد فقهاء الكوفة، ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم. اهـ وقال النووي: حكى الخطابي وغيره عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب أن من قبل قضى يوماً مكان يوم القبلة. اهـ ولعل القائلين بهذا يرون في أحاديث الباب أنها خصوصية للرسول ﷺ . القول الثالث: أن القبلة للصائم مباحة مطلقاً. قال الحافظ: وهو المنقول صحيحاً عن أبي هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة. اهـ وقال النووي: قال القاضي: وقد قال بإباحتها مطلقاً للصائم جماعة من الصحابة والتابعين وأحمد وإسحق وداود. اهـ. قال الحافظ: بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها. اهـ. القول الرابع: أنها مكروهة مطلقاً، وهو مشهور عند المالكية. القول الخامس: أنها مكروهة للشاب دون الشيخ الكبير، وهي رواية عن مالك. قال الحافظ ابن حجر: وهو مشهور عن ابن عباس، أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما، وجاء فيه حديثان

стр. 2408

مرفوعان فيهما ضعف، أخرج أحدهما أبو داود من حديث أبي هريرة، والآخر أحمد من حديث عبد الله بن عمر، اهـ ويرد هذا القول أن عائشة كانت في شبابها حين قبلها رسول الله ﷺ ، وما كان الرسول ﷺ ليوقعها في أمر مكروه -وكان عمر بن أبي سلمة- الذي أجيب في روايتنا الثالثة عشرة شاباً، بل لعله كان أول ما بلغ، مما يدل على أنه لا عبرة بالشيخوخة ولا بالشباب، فقد تتحرك شهوة الشيخ أسرع من شهوة الشاب. القول السادس: التفرقة بين من يملك نفسه وبين من لا يملك نفسه، وهو قريب من القول الأول. قال الترمذي: رأى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلا فلا، ليسلم له صومه، وهو قول سفيان والشافعي. القول السابع: التفرقة بين صيام الفرض وصيام النفل، فتباح في صوم النفل دون الفرض. روى ذلك ابن وهب عن مالك ﵀. والله أعلم. كل ذلك في قبلة الصائم أو مباشرته إذا لم ينزل أو يمذي، أما إذا أنزل أو أمذى فقد قال الحنفية والشافعية: يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الإمذاء، وقال مالك وإسحق: يقضي في كل ذلك ويكفر، إلا في الإمذاء فيقضي فقط، وروى ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل فانعظم [أي انتصب] ولو لم يمذ، ولو لم ينزل. وأنكره غيره عن مالك. وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل أفطر بلا خلاف. قال الحافظ: وفيه نظر فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل. اهـ. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - ما كان عليه رسول الله ﷺ من إرهاف العاطفة نحو أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين. ٢ - وأن رسالته وجديته شيء ومداعبته لأزواجه شيء آخر، فهو في بيته بشر يشتهي ما يشتهيه البشر، بل في درجات البشرية العليا. ٣ - أن القبلة من حق الزوجة على زوجها، وعليه أن يعفها ويملأ عاطفتها بالمداعبة ومقدمات النكاح. ٤ - جواز الإخبار عن مثل هذا مما يجري بين الزوجين على الجملة للضرورة، قال النووي: وأما في غير حال الضرورة فمنهي عنه. ٥ - أنه لا حياء في الدين، فإن عمر بن أبي سلمة سأل رسول الله ﷺ عن قبلة الصائم أمام أمه، وأحال الرسول ﷺ الإجابة على أمه، فأجابته بما يفعله معها رسول الله ﷺ . والله أعلم

стр. 2409

(٣٠٤) باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ٢٢٥٦ - عن أبي بكر قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقص يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصم. فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه. فأنكر ذلك. فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ﵄. فسألهما عبد الرحمن عن ذلك. قال: فكلتاهما قالت كان النبي ﷺ يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمن. فقال مروان عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله. قال: فذكر له عبد الرحمن. فقال أبو هريرة أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس. فقال أبو هريرة سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي ﷺ . قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت: لعبد الملك أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم. ٢٢٥٧ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: قد كان رسول الله ﷺ يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم. ٢٢٥٨ - عن أبي بكر ﵁ أن مروان أرسله إلى أم سلمة ﵂ يسأل عن الرجل يصبح جنباً أيصوم؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من جماع لا من حلم ثم لا يفطر ولا يقضي. ٢٢٥٩ - عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي ﷺ أنهما قالتا: إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم.

стр. 2410

٢٢٦٠ - عن عائشة ﵂ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب. فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم" فقال: لست مثلنا يا رسول الله. قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي". ٢٢٦١ - عن سليمان بن يسار أنه سأل أم سلمة ﵂ عن الرجل يصبح جنباً أيصوم؟ قالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم. -[المعنى العام]- أحل الله ليلة الصيام الرفث إلى النساء وجماع الزوجة إلى الفجر، ومعنى هذا أن الجماع بعد الفجر يبطل الصوم، فعرضت مسألة من جامع قبيل الفجر ولم يغتسل من الجنابة حتى طلع الفجر، هل يصح صومه أو لا يصح، وكان أبو هريرة ممن يعظم شأن الجنابة، لدرجة أنه كان يظن أن الجنب نجس، لا يقابل الطاهرين ولا يصافحهم أو لا يسلم عليهم، فهو الذي انخنس وزاغ عن مقابلة النبي ﷺ في الطريق، فلما سأله ﷺ عن سبب انخناسه؟ قال كنت جنباً. فقال له رسول الله ﷺ . سبحان الله إن المؤمن لا ينجس. وسمع أبو هريرة من الفضل بن العباس ومن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: "من أصبح جنباً فليفطر ولا يصم" وكان هذا الحكم على هواه فأخذ يفتي به وينشره، ويجاهر به رغم أن المسلمين علموا من الرسول ﷺ أن صيام من أصبح جنباً صحيح، سواء كانت الجنابة من حلم أو جماع، وعلم مروان بن الحكم أمير المدينة من جهة معاوية ما يقوله أبو هريرة، فأحب مواجهته وتقريعه وتخويفه، فأرسل إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة ﵄ يسألهما عن الصائم يصبح جنباً، ليصدم أبا هريرة بما لا مرد له؛ فأجابتا بأن الرسول ﷺ كان يصبح جنباً من جماع، ويغتسل بعد الفجر ويصوم، وأن رجلاً استفتاه في ذلك فأجابه بأن صيامه صحيح. وراجعه الرجل فأكد رسول الله ﷺ أن صيام من أصبح جنباً صحيح. وأرسل مروان إلى أبي هريرة من يحرجه ويرد عليه قوله، ولما تأكد أبو هريرة من قول أمي المؤمنين رجع عن مقالته إلى ما قالته عائشة وأم سلمة رضي الله عن الصحابة أجمعين.

стр. 2411

-[المباحث العربية]- (عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر) أصل الإسناد: عن عبد الملك عن أبيه أبي بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا هريرة ... " فالقائل: "سمعت أبا هريرة" أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. (يقص يقول في قصصه) المراد من القصص القول والرواية، وليس ما يتبادر من لفظ القصة ذات الحوادث، فالمعنى: يروى، يقول فيما يرويه. (من أدركه الفجر جنباً فلا يصم) وفي رواية مالك "من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم"، وللنسائي "من أصبح جنباً فلا يصوم ذلك اليوم"، وللنسائي أيضاً "من احتلم من الليل أو واقع أهله، ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم"، وفي رواية "من أصبح جنباً فليفطر". (فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث) أي "لأبيه" فأنكر ذلك القائل "فذكرت" هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وكان الأصل أن يقول: فذكرت ذلك لأبي عبد الرحمن بن الحارث، أو يقول: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث "لأبي" لكنه عبر بضمير الغيبة "لأبيه" بدل ضمير التكلم، فأثار قلقاً في العبارة. قال النووي عنها: وهو صحيح مليح، ومعناه ذكره أبو بكر لأبيه عبد الرحمن، فقوله "لأبيه" بدل من عبد الرحمن، بإعادة حرف الجر. قال القاضي ووقع في رواية ابن ماهان "فذكر ذلك عبد الرحمن لأبيه، وهذا غلط فاحش، لأنه تصريح بأن الحارث والد عبد الرحمن هو المخاطب بذلك، وهو باطل، لأن هذه القصة كانت في ولاية مروان على المدينة في خلافة معاوية، والحارث توفي في طاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة ثمان عشرة. اهـ. (فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه) المتكلم أبو بكر بن عبد الرحمن، وكان الأصل أن يقول: فانطلق أبي عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة، وفي الرواية طي توضحه الرواية الرابعة، والروايات في غير مسلم حاصلها أنه لما أنكر عبد الرحمن ما سمعه من ابنه أبي بكر اجتمعا معاً عند مروان بن الحكم أمير المدينة، فحدثه عبد الرحمن بما يقول أبو هريرة، فقال مروان: أقسمت عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة، فتسألنهما عن ذلك. قال أبو بكر: فذهب عبد الرحمن وذهبت معه .. (حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة) ظاهره أنهما كانتا في مكان واحد، والواقع غير ذلك وأنهما ذهبا إلى عائشة في بيتها فسألاها، ثم ذهبا إلى أم سلمة في بيتها فسألاها. (كان النبي ﷺ يصبح جنباً من غير حلم) "حلم" بضم الحاء، وبضم اللام وإسكانها، وهل يحتلم الأنبياء أو لا يحتلمون؟ . وما فائدة ذكرها؟ سيأتي ذلك في فقه الحديث. (عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول) أي أمرتك أمراً

стр. 2412

جازماً عزيمة محتمة. وفي رواية البخاري "أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة" أي اذهب فقرع أبا هريرة على فتواه، وفي رواية "لتفزعن" بالفاء والزاي، من الفزع، وهو الخوف. (فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله) المتكلم أبو بكر وكان الأصل أن يقول: وأنا حاضر ذلك كله. وفي هذه الرواية طي، توضيحه أن عبد الرحمن كره أن يذهب إلى أبي هريرة، لكن مروان أمير واجب الطاعة، ففي رواية النسائي " قال عبد الرحمن لمروان: إن أبا هريرة لجارئ وإني لأكره أن أستقبله بما يكره، فقال: أعزم عليك لتلقينه"، وفي رواية "فقال عبد الرحمن لمروان: "غفر الله لك، إنه لي صديق، ولا أحب أن أرد عليه قوله". ورواية البخاري تفيد أنهما التقيا بأبي هريرة عفواً، ولم يذهبا إليه قاصدين، فلفظه "ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة"، وكان لأبي هريرة هناك أرض، لكن في رواية مالك "فقال مروان لعبد الرحمن: أقسمت عليك لتركبن دابتي، فإنها بالباب، فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه. قال: فركب عبد الرحمن وركبت معه"، قال الحافظ ابن حجر: فهذا ظاهر في أنه قصد أبا هريرة لذلك، فيحمل قوله "ثم قدر لنا أن نجتمع معه" على المعنى الأعم من التقدير، لا على معنى الاتفاق. اهـ أي ذهبنا قاصدين فكان القدر أن نلقاه ونجتمع به. (فذكر له عبد الرحمن) أي ذكر له ما كان من جواب عائشة وأم سلمة ﵄. وفي رواية للبخاري "فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمراً، ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك، فذكر قول عائشة وأم سلمة". (فقال أبو هريرة: هما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال هما أعلم) في بعض الروايات "هما أعلم برسول الله منا" وفي رواية "فتلون وجه أبي هريرة ثم قال: هكذا حدثني الفضل بن عباس". وفي رواية "سمعت ذلك -أي القول الذي أقوله- من الفضل بن عباس" أي ولم أسمعه من النبي ﷺ ، أي وكنت أفتي به، ولا أنسبه قولاً إلى النبي ﷺ . وفي رواية النسائي "قال أبو هريرة "أخبرنيه أسامة بن زيد". وفي رواية "أخبرنيه فلان وفلان". وفي رواية "أخبرنيه مخبر" قال الحافظ: والظاهر أن هذا من تصرف الرواة، منهم من أبهم الرجلين، ومنهم من اقتصر على أحدهما تارة مبهماً وتارة مفسراً. (فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك) سيأتي توضيحه في فقه الحديث. (إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنباً .... ثم يصوم) "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الحال والشأن محذوف، والجملة بعدها خبر، والتقدير: إن الحال والشأن كان كذا. (تدركني الصلاة وأنا جنب) "ال" في الصلاة للعهد، والمقصود صلاة الفجر.

стр. 2413

-[فقه الحديث]- روي عن أحمد وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال ﷺ "إذا نودي للصلاة" صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم حينئذ" وروى النسائي والطبراني عن عبد الله بن عبد الله بن عمر: قال لي أبو هريرة "كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل جنباً". قال الحافظ: والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرواية الأولى أقوى إسناداً، وهي من حيث الرجحان كذلك، لأن حديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاء عنهما من طرق كثيرة جداً بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي به، وجاء عنه من هذين الطريقين أنه كان يرفعه إلى النبي ﷺ . وكذلك وقع فيما أخرجه عبد الرزاق عن أبي بكر بن عبد الرحمن "سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ " فذكر الحديث، والنسائي عن أبي بكر بن عبد الرحمن "بلغ مروان أن أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ، ولأحمد عن عبد الله بن عمرو القاري "سمعت أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت ما أنا قلت: من أدرك الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله". قال الحافظ: لكن بين أبو هريرة -كما مضى- أنه لم يسمع ذلك من النبي ﷺ ، وإنما سمعه بواسطة الفضل وأسامة. وكان لشدة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك. وأما ما أخرجه بن عبد البر من رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة أنه قال: "كنت حدثتكم: من أصبح جنباً فقد أفطر وأن ذلك من كيس أبي هريرة". فلا يصح ذلك عن أبي هريرة، لأنه من رواية عمر بن قيس وهو متروك. ثم استعرض الحافظ أقوال العلماء في حكم من أصبح جنباً، فقال: نقل الترمذي أنه بقي على مقالة أبي هريرة بعض التابعين، ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه، وجزم بذلك النووي. وأما ابن دقيق العيد فقال: صار ذلك إجماعاً، أو كالإجماع، لكن من الآخذين بحديث أبي هريرة من فرق بين من تعمد الجنابة وبين من احتلم، ومنهم من قال: يتم صومه ويقضي، ومنهم من قال: يقضي استحباباً، ومنهم من قال: يقضي وجوباً في الفرض، ويجزئ في التطوع. ونقل الماوردي أن هذا الاختلاف كله إنما هو في حق الجنب، وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزئه. قال الحافظ: وحمل القائلون بفساد صوم الجنب حديث عائشة وأما سلمة على أنه من الخصائص النبوية، وأجاب الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأنه قد ورد صريحاً ما يدل على عدمها، وهو ما أخرجه مسلم "أن رجلاً جاء النبي ﷺ يستفتيه .... " والحديث روايتنا الخامسة. اـ. ومن الواضح أن الحكم الشرعي على خلاف ما كان يقول أبو هريرة، ومن الثابت أن أبا هريرة رجع عن هذه الفتوى بعد تلك المواجهة، إما لرجحان رواية أمي المؤمنين على رواية غيرهما، وإما لاعتقاده أن خبر أمي المؤمنين ناسخ لخبر غيرهما.

стр. 2414

وقد دافع كثير من العلماء عن موقف أبي هريرة في فتواه أو حديثه. فقد قال ابن خزيمة: إن أبا هريرة لم يغلط، بل أحال على رواية صادق إلا أن الخبر منسوخ، لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصوم كان منع في ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم، فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذ، ثم أباح الله ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه. أهـ. وإلى دعوى النسخ ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد، وقررها ابن دقيق العيد، ورجحها الحافظ ان حجر: وهذا خير دفاع. ومال البخاري إلى الترجيح بين الخبرين، حيث قال: والأول أسند، وتابعه قوم، فقالوا: إن حديث عائشة راجح لموافقة أم سلمة لها على ذلك ورواية الاثنين تقدم على رواية الواحد، ولا سيما وهما زوجتان، وهما أعلم بذلك من الرجال، ولأن روايتهما توافق المنقول، وهو مدلول الآية، والمعقول وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على صائم، فقد يحتلم بالنهار، فيجب عليه الغسل، ولا يحرم عليه، بل يتم صومه إجماعاً، فكذلك إذا احتلم ليلاً، بل هو من باب أولى، وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهاراً. وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز، ونقل النووي هذا عن أصحاب الشافعي. قال الحافظ: ويعكر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر، وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان. اهـ اعتراض مفحم. وجمع بعضهم بحمل حديث أبي هريرة على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوعه عالماً بذلك. قال الحافظ: ويعكر عليه ما رواه النسائي عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه أن أبا هريرة كان يقول: "من احتلم وعلم باحتلامه، ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم". وحكى ابن التين عن بعضهم أن لفظ "لا" سقط من حديث الفضل، وكان في الأصل "من أصبح جنباً في رمضان فلا يفطر" فلما سقط "لا" صار "فليفطر". قال الحافظ: وهذا بعيد. بل باطل، لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث، وأنها يتطرق إليها هذا الاحتمال، وكأن قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلا على اللفظ المذكور. اهـ. هذا، والحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلاً في معنى الجنب. قال النووي: مذهب العلماء كافة صحة صومها إلا ما حكى عن بعض السلف، مما لا يعلم أصح عنه أم لا. اهـ. وحكى ابن دقيق العيد أن في المسألة في مذهب مالك قولين. وحكى ابن عبد البر عن عبد الملك

стр. 2415

بن الماجشون أنها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر، لأنها في بعضه غير طاهرة، قال: وليس كالذي يصبح جنباً، لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - دخول العلماء على الأمراء، ومذاكرتهم إياهم بالعلم. ٢ - قال الحافظ: وفيه فضيلة لمروان بن الحكم، لما يدل عليه الحديث من اهتمامه بالعلم ومسائل الدين. اهـ والظاهر عندي أن مروان اهتم بتخطئة أبي هريرة ومهاجمته. ٣ - وفيها الاستثبات في النقل والرجوع إلى الأعلم، فإن الشيء إذا نوزع فيه رد إلى من عنده علمه. ٤ - وترجيح مروي النساء فيما لهن عليه الاطلاع دون الرجال على مروي الرجال، كعكسه قاله الحافظ. ٥ - وأن المباشر للأمر أعلم به من المخبر عنه. ٦ - والائتساء بالنبي ﷺ في أفعاله ما لم يقم دليل الخصوصية. ٧ - وأن للمفضول إذا سمع من الأفضل خلاف ما عنده من العلم أن يبحث عنه حتى يقف على وجهه. ٨ - وأن الحجة عند الاختلاف في المصير إلى الكتاب والسنة. ٩ - وفيها الحجة بخبر الواحد، وأن المرأة فيه كالرجل. قاله الحافظ، وقد يقال: إن الحجة هنا خبر امرأتين. ١٠ - وفيه فضيلة لأبي هريرة، لاعترافه بالحق، ورجوعه إليه. ١١ - وفيها استعمال السلف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العدول، من غير نكير بينهم، لأن أبا هريرة اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ مع أنه كان يمكنه أن يرويه عن النبي ﷺ دون وساطة. ١٢ - وفيها الأدب مع العلماء. ١٣ - والمبادرة إلى امتثال أمر ذي الأمر إذا كان طاعة، ولو كان فيه مشقة على المأمور. ذكر ذلك كله الحافظ ابن حجر في فتح الباري. والله أعلم. ١٤ - استدل بعضهم بقولها "من غير حلم" على جواز الاحتلام على الأنبياء، وإلا لما كان للاستثناء معنى، والأشهر امتناعه، لأنه من تلاعب الشيطان، وهم منزهون عنه، قال النووي: ويتأولون هذا الحديث على أن المراد يصبح جنباً من جماع ولا يجنب من الاحتلام، لامتناعه منه، ويكون قريباً من قوله تعالى: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ [البقرة: ٦١]. ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحق. اهـ وقيل: إن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد وقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام. والله أعلم

стр. 2416

(٣٠٥) باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ووجوب الكفارة الكبرى فيه، وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر، وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع ٢٢٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله. قال: "وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال "هل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا. قال "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال "فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ " قال: لا. قال: ثم جلس. فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. فقال "تصدق بهذا" قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال "اذهب فأطعمه أهلك". ٢٢٦٣ - عن محمد بن مسلم الزهري بهذا الإسناد مثل رواية ابن عيينة. وقال بعرق فيه تمر وهو الزنبيل ولم يذكر فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ٢٢٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً وقع بامرأته في رمضان فاستفتى رسول الله ﷺ عن ذلك فقال "هل تجد رقبة؟ " قال: لا. قال "وهل تستطيع صيام شهرين؟ " قال: لا. قال "فأطعم ستين مسكيناً". ٢٢٦٥ - عن الزهري بهذا الإسناد أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة ثم ذكر بمثل حديث ابن عيينة. ٢٢٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكيناً.

стр. 2417

٢٢٦٧ - عن عائشة ﵂ أنها قالت جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال احترقت. قال رسول الله ﷺ "لم؟ " قال: وطئت امرأتي في رمضان نهاراً. قال "تصدق تصدق" قال: ما عندي شيء. فأمره أن يجلس. فجاءه عرقان فيهما طعام. فأمره رسول الله ﷺ أن يتصدق به. ٢٢٦٨ - عن عائشة ﵂ قالت: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث وليس في أول الحديث "تصدق تصدق" ولا قوله نهاراً. ٢٢٦٩ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ في المسجد في رمضان. فقال: يا رسول الله احترقت احترقت. فسأله رسول الله ﷺ "ما شأنه" فقال: أصبت أهلي. قال "تصدق" فقال: والله يا نبي الله ما لي شيء وما أقدر عليه. قال "اجلس" فجلس. فبينا هو على ذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام. فقال رسول الله ﷺ "أين المحترق آنفاً؟ " فقام الرجل. فقال رسول الله ﷺ "تصدق بهذا" فقال: يا رسول الله أغيرنا؟ فوالله إنا لجياع ما لنا شيء. قال "فكلوه". -[المعنى العام]- للعبادة حرمة، ولها قدسية، قد يسبقها استعداد لها وتهيؤ كالصلاة، وقد يصاحبها حماية ووقاية، وتحاط بسياج الفضائل كالصوم "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وإفساد العبادة -أية عبادة- متعمداً دون عذر خطأ في حق مشرعها جل شأنه ربما جر إلى الكفر إن وصل إلى الاستهانة بها والاستهتار بمشروعيتها. وللصوم في هذا خصوصية من بين العبادات، فالله يقول في الحديث القدسي "كل عمل يعمله ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي"، إن المفطر متعمداً من غير عذر في نهار رمضان كالمحارب لربه، المفسد لما يخصه جل شأنه، المستهتر بالأجر العظيم الذي

стр. 2418

يتفضل به على الصائم، ولهذا ورد "من أفطر يوماً من رمضان من غير علة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه" أي لا يقوم مقام يوم من رمضان صيام العام كل العام وإن صامه ذاك المفطر، وفي رواية "من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله تعالى له لم يقض عنه وإن صام الدهر كله". وقال عبد الله بن مسعود: لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله. فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه. علم الصحابة قدسية شهر رمضان، وعلموا عظم الجريمة في إفطار يوم منه متعمداً بدون عذر، وعلموا أن الإفطار على الجماع في نهار رمضان متوعد عليه، معاقب عليه بكفارة مغلظة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهريين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. فتحرزوا من الوقوع في هذه الجريمة الكبرى، لكن أعرابياً وقع فيها، لم يملك نفسه إذ حام حول الحمى، إن الصحابة ابتعدوا عن مقدمات الجماع مخافة أن تجرهم إليه، وكانوا يسألون عن القبلة في نهار رمضان، وكانوا يجابون بما يحضهم على البعد عنها، لقد قالت لهم عائشة "إن الرسول ﷺ يقبل أزواجه في رمضان" لكنها أتبعت ذلك بقولها "وأيكم يملك إربه [أي شهوته] كما يملك الرسول ﷺ إربه"؟ ويبدو أن هذا الأعرابي لم يملك نفسه حتى وقع، وجاءته الفكرة بعد السكرة، وأفاق من شهوته على إدراك قبح جريرته، فأسرع إلى رسول الله ﷺ في المسجد، يقول: هلكت يا رسول الله، احترقت يا رسول الله، ما أراني إلا قد هلكت؟ وأخذ يشد في شعره وينتفه، وأخذ يدق صدره بيده، ويلطم وجهه ويحثي التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثبور على نفسه، ويصيح: احترقت، احترقت. فسأله رسول الله ﷺ : مالك؟ ما شأنك؟ ماذا أصابك؟ ويحك؟ ماذا صنعت؟ وما الذي أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان. قال ﷺ : بئسما صنعت، هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، ليس عندي والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا أستطيع، لا أقدر. وهل لقيت ما لقيت، ووقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام؟ قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا أجد، لا أستطيع أن أطعم ستين مسكيناً والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي. قال له ﷺ : اجلس. فجلس الرجل يأمل ﷺ أن يجعل الله لهذا الأمر فرجاً، يأمل أن يأتيه الوحي بشيء فيه، أو يأتيه من مال الصدقات ما يسد به عنه. وكان أن جاء رجل يحمل على حماره زنبيلين: زنبيلاً على يمين حماره وزنبيلاً على يساره، أنزلهما على باب المسجد، فأفرغ أحدهما في الآخر، وقدمه إلى رسول الله ﷺ ، زنبيل مليء بالتمر، يبلغ خمسة عشر صاعاً، يبلغ ستين مداً، قدمه إلى رسول الله ﷺ على أنه صدقة ماله. فقال رسول الله ﷺ : أين الرجل الذي أمرته بالجلوس؟ أين المحترق؟ أين الذي قال آنفاً: احترقت، احترقت؟ فقام الرجل ووقف وأقبل على رسول الله ﷺ . قال له رسول الله ﷺ : خذ هذا التمر فتصدق به على ستين مسكيناً، كفارة لما صنعت، وفكر الرجل: أتصدق به على مساكين؟ ألست أكبر

стр. 2419

مسكين في المدينة؟ فقال: يا رسول الله: أتصدق به على أفقر مني؟ إنني أفقر مسكين في المدينة، والله ما بين جبلي المدينة من هو أفقر منا، فوالله إنا لجياع ما لنا من شيء، والله ما لعيالي من طعام، ما لنا عشاء ليلة. وتعجب ﷺ من ذكاء الرجل، ومن مقاطع كلامه، ومن حسن توصله إلى هدفه، ومن أدبه في طلبه وتوسله، تعجب من ابن آدم وطبعه الذي يتمثل في حال هذا الرجل، لقد جاء خائفاً على نفسه، راغباً في فدائها بكل ما يمكنه، فلما وجد الرخصة واطمأن إلى فدائها طمع في أن يأكل ويستفيد مما أعطيه فداء، لما اطمأن إلى عدم الخسارة طمع في المكسب. تعجب ﷺ ، فضحك وتبسم تبسماً كبيراً حتى ظهرت أنيابه، ثم قال للرجل: خذه فأطعمه أهلك، عد به عليك وعلى عيالك. -[المباحث العربية]- (جاء رجل إلى النبي ﷺ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، ولا يصح قول من قال: إنه سليمان أو سلمة بن صخر البياضي، لأن سلمة جاء مظاهراً لزوجته ووطئها، بخلاف هذه القصة. وفي الرواية السادسة، "أتى رجل رسول الله ﷺ في المسجد في رمضان". (فقال: هلكت) وفي رواية "ما أراني إلا قد هلكت"، وفي رواية "هلكت وأهلكت"، وفي الرواية الخامسة "احترقت"، وفي السادسة "احترقت. احترقت" مرتين، ورواية الاحتراق تفسر رواية الهلاك، وكأنه لما اعتقد أن مرتكب هذا الإثم يعذب بالنار، أطلق على نفسه أنه احترق لذلك، أو مراده أنه سيحترق بالنار يوم القيامة، فجعل المتوقع كالواقع، واستعمل الماضي بدل المستقبل. وفي رواية البيهقي "جاء رجل وهو ينتف شعره، ويدق صدره، ويقول: هلك الأبعد وأهلكت "وهو يدعو بالويل" وفي رواية "يلطم وجهه" وفي رواية "ويحثي على رأسه التراب". (قال: وما أهلكك)؟ في رواية للبخاري "مالك" وفي رواية "ويحك ما شأنك"؟ وفي روايتنا الخامسة "لم"؟ وفي السادسة "فسأله: ما شأنك"؟ وفي رواية "وما الذي أهلكك" وفي رواية "ما ذاك"؟ وفي رواية "ويحك. ما صنعت"؟ وويح كلمة رحمة. اسم فعل. (وقعت على امرأتي في رمضان) في رواية للبخاري "وقعت على امرأتي وأنا صائم"، وفي روايتنا السادسة "أصبت أهلي"، وفي رواية "وقعت على أهلي اليوم"، وفي روايتنا الثانية "وقع بامرأته" وكل ذلك كناية عن الوطء كما جاء صريحاً في روايتنا الخامسة، ولفظها "وطئت امرأتي في رمضان نهاراً". (هل تجد ما تعتق رقبة)؟ "رقبة" منصوب، بدل من "ما"، وفي روايتنا الثانية "هل تجد رقبة؟ "، وفي رواية للبخاري "هل تجد رقبة تعتقها؟ "، وفي رواية "أتجد ما تحرر رقبة؟ "، وفي رواية "أتستطيع أن تعتق رقبة؟ "، وفي رواية "أعتق رقبة"، وفي رواية "بئسما صنعت. أعتق رقبة"، وفي

стр. 2420

رواية "قال النبي ﷺ "من غير عذر ولا سقم؟ قال: نعم، قال: بئس ما صنعت. قال: أجل. ما تأمرني؟ قال: أعتق رقبة". (قال: لا) أي لا أجد رقبة، وفي رواية "ليس عندي"، وفي رواية "والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط". (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين) وفي روايتنا الثانية "وهل تستطيع صيام شهرين؟ "، وفي رواية "فصم شهرين متتابعين". (قال: لا) أي لا أستطيع أن أصوم. وفي رواية "قال: لا أقدر"، وفي رواية "وهل لقيت ما لقيت إلا من الصيام"؟ . (فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً) في الرواية الثانية "فأطعم ستين مسكيناً"، وفي رواية "أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً"؟ . (قال: لا) أي لا أستطيع أن أطعم ستين مسكيناً، وفي رواية "قال: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي". (قال: ثم جلس) في روايتنا الخامسة "فأمره أن يجلس"، وفي رواية "فقال له: اجلس. فجلس" قيل يحتمل أن يكون أمره بالجلوس انتظاراً للوحي في شأنه، ويحتمل أن يكون انتظاراً لورود صدقات يصرف له منها. (فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر) "أتي" بضم الهمزة، مبني للمجهول، والعرق -قال النووي- هو بفتح العين والراء .. هذا هو الصواب المشهور في الرواية واللغة، قال القاضي: ورواه كثير من شيوخنا بإسكان الراء، قال القاضي: والصواب الفتح، ويقال للعرق الزبيل بفتح الزاي من غير نون، والزنبيل بكسر الزاي وزيادة نون، ويقال له القفة، والمكتل بكسر الميم وفتح التاء، والسفيفة، بفتح السين وبالفاءين، والعرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهي ستون مداً، لستين مسكيناً، لكل مسكين مد اهـ وفي بعض كتب اللغة: ويقال العرق أيضاً على السفيفة من الخوص قبل أن يجعل منها زنبيلاً. وفي روايتنا الخامسة "فجاءه عرقان فيهما طعام" قال الحافظ ابن حجر: المشهور في غير مسلم "عرق" ورجحه البيهقي، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة وهو جمع لا نرضاه؛ لاتحاد مخرج الحديث، والأصل عدم التعدد. والذي يظهر أن التمر كان قدر عرق لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة، ليكون أسهل في الحمل، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال: عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال: عرق أراد ما آل إليه. اهـ. فقال: "تصدق بهذا" في روايتنا السادسة "قال رسول الله ﷺ : أين المحترق آنفاً؟ فقام الرجل،
следующие страницы →