Полный текст (6 200 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
والجار إنما يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية القبح.
قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن كلا من الثلاثة (أن تجعل لله ندا .. وأن تقتل ولدك ... وأن تزاني حليلة جارك) على ترتيبها في العظم، ولو جاز أن يكون فيما لم يذكره شيء يتصف بكونه أعظم منها لما طابق الجواب السؤال. نعم يجوز أن يكون فيما لم يذكر شيء يساوي ما ذكر، فيكون التقدير: في المرتبة الثانية بعد الإشراك قتل الابن وما يكون في الفحش مثله، وفي المرتبة الثالثة الزنا بحليلة الجار وما يكون في الفحش مثله أو نحوه، لكن يستلزم أن لا يكون فيما لم يذكر في المرتبة الأولى أو الثانية شيء هو أعظم مما ذكر في المرتبة الثالثة، ولا محذور في ذلك. انتهى بتصرف.
ويؤخذ مما قال: أن هناك ذنوبا أعظم من المرتبة الثالثة ولم تذكر هذه الذنوب، ولو أنها ذكرت لسبقت الزنا بحليلة الجار، فكأن الترتيب هكذا بين هذه الثلاثة إن اقتصر عليها، وقد سبق أن قلنا: إن الإشراك أعظم الذنوب على الإطلاق وإن قتل الولد يليه ثم يختلف عظم الذنوب بعد ذلك باختلاف الملابسات والأضرار المترتبة عليها.
والآية التي نزلت تصديقا لترتيب هذه الذنوب تعرضت للتوبة وأنها ترفع الآثام، إذ تقول: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
وإذا تركنا جانبا رأي الخوارج الذين يكفرون صاحب المعصية، ورأي المعتزلة الذين يخرجونه من الإيمان ويحكمون بخلوده في النار، إذا تركنا جانبا هذين الرأيين وجدنا أهل السنة على أن كلا من القاتل والزاني تقبل توبته، ونقل عن ابن عباس القول بعدم قبول توبة القاتل المتعمد، إذ روى أحمد، والطبري، وابن ماجه عن سالم بن أبي الجعد قال: كنت عند ابن عباس بعد ما كف بصره، فأتاه رجل فقال: ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا قال: "جزاؤه جهنم خالدا فيها". وساق الآية إلى "عظيما" قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملا صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبة والهدى؟
ويؤيد هذا الرأي ما أخرجه أحمد والنسائي عن معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، والرجل يقتل مؤمنا متعمدا". قال الحافظ ابن حجر: وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: "فجزاؤه جهنم" أي إن شاء الله أن يجازيه، تمسكا بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] ثم قال: ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أتى تمام المائة فقال له: لا توبة لك، فقتله فأكمل به مائة، ثم جاء آخر فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ الحديث. وهو مشهور. وإذا ثبت ذلك لمن قبلنا فمثله لهذه الأمة أولى، لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم.
والله أعلم
стр. 282
(٥١) باب أكبر الكبائر الإشراك بالله -وعقوق الوالدين- وشهادة الزور
١٤٨ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا) الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وشهادة الزور، (أو قول الزور) " وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
١٤٩ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، في الكبائر قال "الشرك بالله. وعقوق الوالدين. وقتل النفس. وقول الزور".
١٥٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر (أو سئل عن الكبائر) فقال "الشرك بالله. وقتل النفس. وعقوق الوالدين" وقال "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قال "قول الزور (أو قال شهادة الزور) " قال شعبة: وأكبر ظني أنه شهادة الزور.
-[المعنى العام]-
ومرة أخرى يسأل الصحابة رسول الله ﷺ عن أكبر الكبائر، ومرة أخرى يجيب ﷺ جوابا يختلف عن الجواب الأول مراعاة لمقتضيات الأحوال.
نعم اتفق الجوابان على أن أعظم الذنوب وأكبر الكبائر الإشراك بالله. واختلف الجوابان في الثاني والثالث، فالحديث السابق جعل المرتبة الثانية قتل الولد، والثالثة الزنا بحليلة الجار، وهذا الحديث في روايته الأولى جعل المرتبة الثانية عقوق الوالدين، والثالثة شهادة الزور، وفي روايتيه الثانية والثالثة أضاف قتل النفس، مرة بعد عقوق الوالدين، ومرة قبله ومع أن الحديث في مجموع رواياته قد قدم عقوق الوالدين على شهادة الزور، فإنه أعطاها من الأهمية ما يجعلها في الدرجة العليا من الكبائر، لما يلابسها من أخطار جسام، فمرة نبه إلى هذه الأهمية باعتدال الجلسة، واستجماع وسائل اليقظة والانتباه، ومرة كرر شهادة الزور مسبوقة بأداة التوكيد والاستفتاح، ومرة صدرها بتوكيد خاص (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) عافانا الله منها ومن الكبائر عامة، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
стр. 283
-[المباحث العربية]-
(ألا أنبئكم) بالتشديد والتخفيف، أي ألا أخبركم و"ألا" - بفتح الهمزة وتخفيف اللام- للتنبيه والإشارة إلى أهمية ما بعدها، وهو في الأصل مركب من همزة الاستفهام و"لا" النافية، وهل فهمه الصحابة على الاستفهام فأجابوا؟ أو حمله الرسول على التنبيه فأخبر دون أن يجيبوا؟ الظاهر الأول، لرواية البخاري في كتاب الأدب "قلنا: بلى يا رسول الله" ويكون حذفه من رواياتنا اختصارا من الرواة.
(بأكبر الكبائر) جمع كبيرة، وهي الفعلة القبيحة، فهي في الأصل صفة لموصوف محذوف، وفي المراد منها شرعا خلاف يأتي في فقه الحديث.
(ثلاثا) مفعول لقال. أي قال لهم ﷺ ذلك ثلاث مرات وكرره على عادته في تكرير الشيء ثلاث مرات تأكيدا وتنبيها للسامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره.
(الإشراك بالله) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يراد به مطلق الكفر [فيشمل منكر الألوهية، ومثبتها مع إنكار الرسالة واليوم الآخر] ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود لا سيما في جزيرة العرب، فذكر تنبيها على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يراد به خصوصه، إلا أنه يرد على هذا الاحتمال أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم من الشرك، وهو التعطيل فيترجح الاحتمال الأول. اهـ.
(وعقوق الوالدين) -بضم العين المهملة- مشتق من العق: وهو القطع، يقال: عق والده يعقه- بضم العين- فهو عاق: وهو الذي شق عصا الطاعة لوالديه، هذا قول أهل اللغة، وأما حقيقة العقوق المحرم شرعا، ففيه خلاف طويل يأتي في فقه الحديث.
(وشهادة الزور، أو قول الزور) أصل "الزور" تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وقد يضاف إلى القول، فيشمل الكذب والباطل، وقد يضاف إلى الشهادة فيخص بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه: لابس ثوبي زور، ومنه تسمية الشعر الموصول زورا، وجاء في رواية "قول الزور أو شهادة الزور" بتقديم القول على الشهادة، وفي رواية بالواو بدل "أو" وفي رواية "شهادة الزور" وفي رواية "ألا قول الزور" دون عطف إحداهما على الأخرى، وسيأتي طريق الجمع بين هذه الروايات.
(وكان متكئا فجلس) وفي رواية "وجلس وكان متكئا" الاتكاء: الاضطجاع على الجنب، أو هو الاعتماد على الشيء بالجنب واليد، كوضع اليد على وسادة مع تجافي الجنب عن الأرض، فالاضطجاع اتكاء وزيادة.
وجلوسه ﷺ من اتكائه يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئا، وذلك يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه وسيأتي سبب الاهتمام به.
стр. 284
(فما زال يكررها) أي يكرر هذه العبارة، أو هي "شهادة الزور".
(حتى قلنا: ليته سكت) أي حتى قلنا ذلك في أنفسنا دون نطق، أي حتى تمنينا سكوته.
-[فقه الحديث]-
قرن الله تعالى العقوق بالشرك في قوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤]. وقرن قول الزور بالشرك في قوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠].
أما عقوق الوالدين المحرم شرعا فقل من ضبطه. قال الإمام الشيخ أبو محمد بن عبد السلام: لم أقف في عقوق الوالدين، وفيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما في كل ما يأمران به وينهيان عنه باتفاق العلماء.
وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه: العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد - أو نحوه - تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات قال: وليس قول من قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير إذنهما مخالفا لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق.
وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات، فعلا وتركا، واستحبابها في المندوبات وفرض الكفاية كذلك، ومنه تقديمها عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمه ليمرضها مثلا بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمر عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها وغير ذلك أن لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة كالصلاة أول الوقت أو في الجماعة.
أما شهادة الزور أو قول الزور فقد قال ابن دقيق العيد: إن عطف الشهادة على القول ينبغي أن يكون تأكيدا للشهادة، لأنا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقا كبيرة، وليس كذلك، فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده. وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، لأن كل شهادة زور قول زور بغير عكس. قال الحافظ ابن حجر: والأولى ما قاله ابن دقيق العيد، ويؤيده وقوع الشك في ذلك في بعض الروايات، مما يدل على أن المراد شيء واحد، وهو شهادة الزور.
وظاهر قوله ﷺ في الرواية الثالثة: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور"
стр. 285
ظاهره أنه خص أكبر الكبائر بقول الزور، وليس هذا الظاهر مرادا، لأن الشرك أكبر منه بلا شك، وكذا القتل، ثم إن الرواية الأولى تؤذن بأن الثلاثة المذكورات مشتركات في ذلك، فلا بد من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه محمول على الكفر فإن الكافر شاهد بالزور وعامل به.
الثاني: أنه محمول على المستحل، فيصير بذلك كافرا.
الثالث: أن كلمة "من" مقدرة كما تقدم في نظائره أي ألا أنبئكم بما هو من أكبر الكبائر.
قال النووي: وهذا الثالث هو الظاهر أو الصواب، فأما حمله على الكفر فضعيف، لأن هذا خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في الحقوق، وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فكان معروفا عندهم، ولا يتشكك أحد من أهل القبلة في ذلك، فحمله على الكفر يخرجه من الفائدة.
وإنما اهتم ﷺ بشهادة الزور فوق اهتمامه بسائر الكبائر لأنها أسهل وقوعا على الناس، والتهاون بها أكثر، ومفسدتها أيسر وقوعا فإن الشرك ينبو عنه المسلم، والعقوق ينبو عنه الطبع، وأما شهادة الزور فإن الحوامل عليها كثيرة، كالعداوة والحسد وغيرها، ومفسدتها متعدية إلى غير الشاهد، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمها، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك.
وكان الزور من الكبائر لأنه يتوصل به إلى إتلاف النفس والمال وتحريم الحلال وتحليل الحرام.
وظاهر الأحاديث أنه لا فرق في كون شهادة الزور كبيرة بين أن تكون بحق عظيم أو حقير، حتى لو أتلف بها اليسير، وقال عز الدين: إنما ذلك إذا أتلف بها خطير، وقد يضبط بنصاب السرقة، فإن نقص احتمل أن يكون من الكبائر فطاما عن هذه المفاسد، وسدا للباب.
وقد اختلفت الروايات فيما يلي الشرك من الكبائر، ففي بعضها العقوق، وفي بعضها القتل، وفي بعضها السحر، وقد ذكرت بعض الروايات أمورا لم تذكرها الأخرى.
قال النووي: ووجه الجمع أنه إنما اختلف جوابه ﷺ في ذلك، لأن جوابه كان بحسب ما الحاجة إلى بيانه حينئذ أمس، أي لكثرة ارتكابه أو خوف مواقعته.
وقال الطحاوي: يضم ما جعل ثاني الشرك في طريق إلى ما جعل ثانيا في الأخرى، ويجعلان في درجة واحدة من الإثم، وكذا ما جعل ثالثا. اهـ.
والتحقيق أن الشيء الواحد قد يختلف في الإثم باختلاف ظروفه وملابساته وما يترتب عليه من مفاسد، فالغيبة بالقذف كبيرة، ولا تساويها الغيبة بقبح الهيئة مثلا، والعقوق بالضرب كبيرة، ولا يساويه العقوق بمخالفة أمرهما في الأكل والشرب مثلا، وقتل النفس الصالحة التي تختل بقتلها أمور المسلمين في المسجد الحرام وفي الأشهر الحرم كبيرة، ولا يساويه قتل نفس فاجرة ترتاح من شرورها كثرة من الآمنين.
стр. 286
فاختلف جوابه ﷺ في ترتيب الكبائر التي تلي الشرك لأن كلا مما يليه في بعض الروايات يكون أحق بأن يكون ثانيا في بعض الأحوال.
ولا انحصار لأكبر الكبائر في عدد معين، كما أنه لا انحصار للكبائر كذلك في عدد محدود، فقد سئل ابن عباس عن الكبائر: أسبع هي؟ فقال: هي إلى سبعين (ويروى: إلى سبعمائة) أقرب.
ولا خلاف في تقسيم الذنوب إلى كبائر وأكبر الكبائر، ولكن الخلاف في تقسيمها إلى كبائر وصغائر، فقد ذهبت طائفة منهم أبو إسحاق الإسفراييني إلى أنه ليس في الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس وحكاه القاضي عياض عن المحققين، واحتجوا بأن كل مخالفة لله فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة، ونسبه ابن بطال إلى بعض الأشعرية فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء، وخالفهم من الأشعرية أبو بكر بن الطيب وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال بعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلها كبائر، قالوا: ولا ذنب عندنا يغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة.
وذهب الجمهور إلى انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. قال النووي: قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة إلى القول بأن من الذنوب كبائر ومنها صغائر.
وقال الغزالي: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه.
وقال القرطبي: ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله عنه كبيرة لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ [النجم: ٣٢].
وقوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] في المنهيات صغائر وكبائر، وفرق بينهما في الحكم إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن. اهـ.
قال النووي بعد اختياره رأي الجمهور: واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا منتشرا، فروي عن ابن عباس: أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصري.
وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار في الآخرة، أو أوجب فيه حدا في الدنيا، وممن نص على هذا الأخير الإمام أحمد، ومن الشافعية الماوردي.
وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخرى، منها قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكثراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة. وقول الحليمي: كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، وقال الرافعي: هي ما أوجب الحد واستشكل بأن كثيرا مما وردت النصوص بكونه كبيرة لا حد فيه كالعقوق.
стр. 287
ومن أحسن الضوابط، وهو الذي تستريح إليه النفس، ما قال القرطبي في المفهم، ونصه: الراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب، أو علق عليه حد، أو شدد النكير عليه فهو كبيرة. اهـ.
ومما ورد النص بكونه كبيرة (غير ما ورد في حديثنا) السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات، واليمين الفاجرة، والإلحاد في الحرم أو استحلال البيت الحرام، وشرب الخمر، والسرقة، والتعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة، والغلول، والزنا، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، والبهتان، والألد الخصم، والمنان، والديوث، ومن غير منار الأرض، والنميمة، والغيبة، وترك التنزه عن البول، والنهبة، ومنع فضل الماء، ومن أتى حائضا أو كاهنا، والتسبب في لعن الوالدين، وما لم يرد فيه نص على كونه كبيرة مع كونه كبيرة لا ضابط له، وما نشك في كونه كبيرة يجب البعد عنه حذرا أن يكون كذلك.
قال الواحدي: ما لم ينص الشارع على كونه كبيرة فالحكمة في إخفائه أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة. كإخفاء ليلة القدر. اهـ.
وهذا ومع إيماننا بانقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر يجب أن نستشعر أن الذنب قد يعد بالنسبة إلى حق الأقران والزملاء صغيرة، ولكنه في حق الملك يكون كبيرة، والرب أعظم من عصي، فكل ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم.
ثم إن الإصرار على الصغيرة، والإكثار من الصغائر يجعلها كبائر، لأن نفس الإصرار على العصيان كبيرة، ولأن التكرار أو الإكثار من الصغائر يؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، فقد روي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما ﵄: "لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار" قال ابن عبد السلام: وحد الإصرار هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بدينه، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك. أما ما يحمل على فلتات النفس أو اللسان، ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهو صغيرة، على أن ما يعد صغيرة في حق البعض قد يعد كبيرة في حق الآخرين، فهفوة الجهلاء والفاسقين ليست كهفوة العلماء والصالحين، وما لا يعد معصية في حق العامة قد يعد ذنبا في حق الأنبياء، ومن هنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله: "أكبر الكبائر" انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه أن في الذنوب صغائر وكبائر، ولا يلزم من كون الذي ذكر أنه أكبر الكبائر استواؤها، فإن الشرك بالله أعظم من جميع ما ذكر معه.
قال الحافظ ابن حجر: وفي استنباطه من الحديث أن في الذنوب صغائر وكبائر نظر، لأن من قال: كل ذنب كبيرة فالكبائر والذنوب عنده متواردات على شيء واحد، فكأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر الذنوب؟
стр. 288
٢ - التحريض على مجانبة كبائر الذنوب.
٣ - الزجر عن فعل ما ينهى عنه.
٤ - تغليظ أمر شهادة الزور، لما يترتب عليها من المفاسد، وإن كانت مراتبها متفاوتة، وفي معناها كل ما كان زورا من تعاطي المرء ما ليس له أهلا.
٥ - قال المهلب: يجوز للعالم والمفتي والإمام الاتكاء في مجلسه بحضرة الناس لألم يجده في بعض أعضائه، أو لراحة يرتفق بذلك، ولا يكون ذلك في عامة جلوسه. اهـ وأقول: إن محل ذلك حيث يرضى جلساؤه به ويحبونه، أما حيث يتأفف منه الجلساء ويستنكرونه ويحملونه على الإهمال وسوء الأدب فلا يجوز.
٦ - استحباب إعادة الموعظة ثلاثا لتفهم.
٧ - انزعاج الواعظ في وعظه ليكون أبلغ في الوعي عنه.
٨ - إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجا.
٩ - تمني عدم غضبه لما يترتب على الغضب من تغيير مزاجه.
١٠ - ما كان عليه الصحابة من كثرة الأدب معه ﷺ والمحبة له والشفقة عليه. والله أعلم.
هذا وللحديث صلة وثيقة بشرح الحديث الآتي فليراجع.
والله أعلم
стр. 289
(٥٢) باب السبع الموبقات
١٥١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال "الشرك بالله. والسحر. وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. وأكل مال اليتيم. وأكل الربا. والتولي يوم الزحف. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
-[المعنى العام]-
لم يكن رسول الله ﷺ ينتظر كل مرة أسئلة أصحابه ليجيب عليها، بل كثيرا ما كان يستغل الظروف، وينتهز الفرص ليلقي النصيحة على مسامع الصحابة، ويغرس في نفوسهم الخوف من الله واستعظام المعاصي، مستخدما في ذلك أسلوب تغليظ الأمر، والاهتمام بمفاسده، ففي الحديث السابق يقول: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ وفي هذا الحديث يقول: اجتنبوا واحذروا القرب من السبع المهلكات. ويرتاع الصحابة، وتقشعر أبدانهم من هذا الوصف المخيف، فيقول قائلهم: وما هن يا رسول الله؟ فيقول:
أولها: الشرك بالله الخالق القادر واهب الحياة وسابغ النعم.
وثانيها: السحر والتغرير وخداع المسلمين وتزوير خلق الله.
وثالثها: قتل النفس المعصومة التي حرم الله قتلها.
ورابعها: أكل مال اليتيم واستغلال ضعفه وعجزه عن الدفاع عن نفسه.
وخامسها: أكل الربا واستغلال حاجة المحتاج والزيادة عليه في القرض.
وسادسها: الفرار جبنا أمام أعداء الإسلام حين القتال، وبث روح الخور والوهن في نفوس المسلمين المقاتلين.
وسابعها: الاستهتار بأعراض المسلمين وتناولهم باللسان وطعنهم وقذفهم بالزنا من غير دليل.
والحق أن كل كبيرة مما بعد الشرك تهز بنيان المجتمع الإسلامي، وتنخر في عظامه، وتقوض صرحه، وتفتت تماسكه، وتوقد النار التي تأتي عليه.
ولو أننا عدنا إلى ديننا القويم، واجتنبنا هذه الموبقات وأمثالها لكانت لنا العزة والكرامة
стр. 290
والسيادة، ولكننا ارتكبنا كل الموبقات، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه من الذل والهوان، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١]. ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ [الإسراء: ١٦].
فاللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، يا رب العالمين.
-[المباحث العربية]-
(اجتنبوا السبع الموبقات) أي ابتعدوا عنها، وهو أبلغ من "اتركوا" و"الموبقات" المهلكات من "وبق" بفتح الباء إذا هلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم موبقا﴾ [الكهف: ٥٢] ووصف الكبائر بالمهلكات لأنها سبب لإهلاك مرتكبها.
(السحر) يطلق على ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبي أي خادعته واستملته، ومنه سحر العيون لاستمالتها النفوس، والطبيعة ساحرة، وحديث "إن من البيان لسحرا" ويطلق على ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦] وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصية، "كالمغنطيس" وسيأتي الكلام عن حقيقة السحر في فقه الحديث.
(أكل مال اليتيم) المراد من الأكل الاستيلاء، لا خصوص الأكل، وعبر عنه بالأكل الغالب، واليتم لغة: الانفراد، واليتيم في الأناسي من فقد أباه، وفي البهائم من فقد أمه بشرط الصغر فيهما، وقال الزمخشري: لا يشترط الصغر لغة إلا أنه غلب استعماله في الصغير، قال: وحديث "لا يتم بعد بلوغ" تعليم شريعة لا تعليم لغة.
(وأكل الربا) أي تعاطيه بالأخذ أو الإعطاء، والربا لغة: الزيادة من ربا يربو، والزيادة إما في نفس الشيء، كقوله تعالى: ﴿اهتزت وربت﴾ [الحج: ٥] وإما في مقابله كدرهم بدرهمين. قيل: هو حقيقة فيهما، وقيل: حقيقة في الأول مجاز في الثاني.
(والتولي يوم الزحف) التولي: هو الانصراف والفرار، ويوم الزحف يوم القتال، وهل المراد به ساعة القتال أو وقت الدخول في أرض العدو؟ قولان.
(وقذف المحصنات) أي رميهن بالزنا، والمحصنات - بكسر الصاد وفتحها قراءتان سبعيتان، وقد ورد الإحصان في الشرع على خمسة أقسام: العفة، والإسلام، والنكاح والتزويج، والحرية، والمراد هنا الحرائر العفيفات.
(الغافلات) عن الفواحش، أو عما قذفن به، ووصف "الغافلات" لتغليظ الذنب، وليس قيدا للاحتراز يبيح قذف غير الغافلات.
стр. 291
-[فقه الحديث]-
يزيد الحديث عن الحديث السابق بخمس كبائر: السحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات.
١ - أما السحر: فقد اختلف فيه: قيل هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وإليه ذهب بعض الشافعية وبعض الحنفية وابن حزم الظاهري، ويؤيدهم ظاهر قوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦].
وقال الجمهور: إن للسحر حقيقة. قال النووي: وهو الصحيح، وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. اهـ.
وعلى القول بأن للسحر حقيقة هل يقع به انقلاب عين: بأن يتحول الشيء من حقيقة إلى حقيقة أخرى، كأن يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟ أو تأثيره فقط على الشخص المقصود، بحيث يغير مزاجه، ويؤثر في حواسه ووجدانه، فيرى الحلو مرا، والأبيض أصفر والساكن متحركا، والجميل قبيحا، والقبيح جميلا، والمحبوب مكروها، والمكروه محبوبا؟
أكثر الجمهور على الثاني، وذهبت طائفة قليلة إلى الأول، وهو ضعيف.
والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة- على القول بأن له حقيقة- أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالبا اتفاقا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي. ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على يد فاسق.
قال الحافظ ابن حجر: وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه. فإن كان متمسكا بالشريعة، متجنبا للموبقات، فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر.
أما إنكار السحر إنكارا كليا فهو مكابرة، فالآيات والأحاديث المثبتة له لا يسهل تأويلها، من ذلك قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ [البقرة: ١٠٢] والآيات الكثيرة الخاصة بسحرة فرعون.
ومن ذلك ما رواه البخاري من أن النبي ﷺ سحره رجل من بني زريق يقال له: لبيد بن العصم حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله.
ومع هذا ينبغي ألا نغفل عن أن كثيرا مما يطلق عليه السحر مما يفعله المشعوذة والدجالون في عصرنا الحاضر لا حقيقة له، وهو نصب واحتيال ينبني على خداع الجهلة والبسطاء بخفة في
стр. 292
الحركة، أو استخدام لخواص الأشياء التى يجهلها الراءون. وفي ذلك يقول القرطبي: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته وأكثرها تخيلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾ [الأعراف: ١١٦] مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا. اهـ.
وقال أبو بكر الرازي في الأحكام: أخبر الله تعالى أن الذي ظنه موسى من أنها تسعى لم يكن سعيا وإنما كان تخييلا، وذلك أن عصيهم كانت مجوفة قد ملئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابا وجعلوا لها آزاجا، ثم ملئت نارا فلما طرحت على ذلك الموضع، وحمى الزئبق حركها، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصي صارت تتحرك بحركته. فظن من رآها أنها تسعى ولم تكن تسعى حقيقة. اهـ.
أما حكم السحر فقد قال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرا، ومنه ما لا يكون كفرا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، فهو كفر وإلا فلا. وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه، وإلا يقتل، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر، وعن مالك: الساحر كافر، يقتل بالسحر ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق، قال عياض: وبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين.
قال الحافظ ابن حجر: وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر عن غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فإن كان لا يتم - كما زعم بعضهم - إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل له أصلا. والله أعلم.
٢ - وأما أكل مال اليتيم ففيه يقول الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ [النساء: ١٠] ويقول: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا﴾ [النساء: ٢] ويقول: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] ولا خلاف في أن أكل الأجنبي من مال اليتيم كبيرة، قل الأكل أو كثر. وإنما الخلاف في ولي اليتيم والقائم على ماله هل له أن يأكل منه أو لا؟ .
وظاهر الحديث العموم فيشمل الولي وغير الولي، وسواء في ذلك كون الولي غنيا أو فقيرا، وبه قال قوم، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ أجابوا بأن المراد بالغني والفقير في هذه الآية اليتيم، أي إن كان اليتيم غنيا فلا يسرف وليه في الإنفاق عليه، وإن كان اليتيم فقيرا فليطعمه من ماله بالمعروف، ولا دلالة في الآية على أكل الولي من مال اليتيم.
стр. 293
كما أجابوا بجواب آخر: قالوا: وإن أردنا بالغني والفقير الولي، فإنه أمر للولي أن يأكل من مال نفسه بالمعروف، ولا يبذر خوف أن يحتاج فيمد يده إلى مال اليتيم، أو أنه أمر الولي أن يقتر على اليتيم خوف أن يحتاج، أو أنه يبيح للولي أن يأكل على وجه السلف، كما قال عمر: أنزلت نفسي في مال الله منزلة ولي يتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت.
وهذا الرأي ضعيف وهذه التفاسير بعيدة.
والجمهور على أن للولي أن يأكل من مال اليتيم بقدر عمالته في مال اليتيم، لكنهم اختلفوا، فقال بعضهم: يأكل عند الحاجة، وقال بعضهم: إن كان ذهبا أو فضة لم يجز أن يأخذ منه شيئا، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة، وقال بعضهم: إن خدم المال وقام به أكل بقدر أجرته غنيا كان أو فقيرا، ومذهب الشافعي أنه يجوز للولي أن يأخذ أقل الأمرين من أجرته أو نفقته.
والذي نرتضيه إزاء هذا الاختلاف، وفي هذا العصر الذي لا يكاد يوجد فيه من يعمل في مال اليتيم دون مقابل، أنه يجوز للولي أن يأخذ من مال اليتيم أجر المثل، إذا خدم المال وقام بتنميته واستثماره، وليحذر أن يزيد عن حقه، بل ليأخذ أقل أجر يمكن أن يأخذه مثله مقابل مثل عمله، يؤيدنا في هذا الرأي أن التهديد والوعيد والتخويف إنما هو من أكل مال اليتيم ظلما، وأخذ الأجر مع الاحتياط لا يسمى ظلما، بل حقا وعدلا.
وأما قولة عمر فهي من قبيل الورع، مثلها في قوله تعالى: ﴿فليستعفف﴾ وطلب العفة هنا طلب التورع وفعل الأولى.
والسر في التشديد في أكل مال اليتيم مع أن أكل أموال الناس ظلما من الكبائر أيضا أن اليتيم لا يستطيع الدفاع عن حقه غالبا، كما أن وليه قد منح سلطانا على ماله، والنفس أمارة بالسوء، ثم اليتيم مصاب بفقد والده، فلا يجمع له بين اليتم واغتصاب ماله. ومن هنا كانت رعاية مال اليتيم والعطف عليه من أفضل القربات، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى.
٣ - وأما الربا ففي تحريمه يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. ولا خلاف بين العلماء في أن الربا من الكبائر (آكله وموكله) ويلحق بهما شاهد الربا وكاتبه لإعانتهما على أكله، وقد جاء في مسلم من حديث جابر: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم في الإثم سواء".
وروى الطبري عن قتادة "إن ربا أهل الجاهلية أن يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاد وأخر عنه".
وعن مالك عن زيد بن أسلم في تفسير الآية "كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل
стр. 294
على الرجل حق إلى أجل، فإذا حل قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذ وإلا زاده في حقه وزاده الآخر في الأجل".
قال الأبي والسنوسي: والربا حقيقة وعادة إنما يستعمل في ربا الفضل والنساء وفيهما جاء التشديد في الآي والأحاديث. وهما المرادان في الحديث وإطلاقه على كل حرام مجاز. فلا يحمل الحديث عليه. إذ لا يصدق على كل حرام أنه كبيرة. اهـ.
٤ - وأما التولي يوم الزحف ففيه يقول الله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٦] وقد نزلت هذه الآية بشأن أهل بدر. وقد أمر المسلمون أن يقف الواحد منهم أمام عشرة من الكفار. بقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٦٥] ثم خفف ما فيها بقوله تعالى: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦] فرفع الحرج عن التولي إذا بلغ العدو أكثر من الضعف. والتولي الذي هو كبيرة هو التولي ساعة القتال، أو بعد دخول العدو أرضنا والتهيؤ لقتاله، أما التولي بعد الدخول في أرض العدو وقبل القتال ففي كونه كبيرة نظر، والظاهر أنه وإن حرم فإنه لا يبلغ حرمة الكبائر.
٥ - وأما قذف المحصنات ففيه يقول الله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ [النور: ٢٣] والمراد القذف بالزنا خاصة.
أما القذف بغير الزنا كالرمي بالسرقة والقتل وشهادة الزور، إلخ، فهو حرام لكنه ليس من هذا القبيل من الكبائر، ولا يختص القذف بالمتزوجات بل حكم البكر كذلك بالإجماع، كما انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء.
وقد بين الله حد القذف في قوله: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤].
وقد اقتصر الحديث هنا على سبع، ولم يذكر فيها ما ذكره في الحديث السابق تحت عنوان أكبر الكبائر، من عقوق الوالدين وشهادة الزور، ولم يذكر فيها الزنا بحليلة الجار، وقد ذكره في الحديث الذي قبله تحت عنوان أعظم الذنوب، كما ذكرت روايات أخرى كبائر غير المذكورة هنا، فرواية الطبراني ذكرت "التعرب بعد الهجرة" بدل "السحر" وذكرت رواية أخرى "اليمين الفاجرة" بدل "السحر" وفي البخاري في الأدب "الكبائر تسع" فذكر السبع المذكورة هنا وزاد "الإلحاد في الحرم، وعقوق الوالدين" وأخرج الإسماعيلي القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: هن عشرة فذكر السبعة وزاد "عقوق الوالدين واليمين الغموس، وشرب الخمر" وحذفت رواية لأبي حاتم مال اليتيم وزادت العقوق والتعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة.
وفي حديث لابن عباس "الغيبة، والنميمة، وترك التنزه من البول" وعند ابن أبي حاتم
стр. 295
ذكر "النهبة" وعند البزار "منع فضل الماء" وعند أبي داود والترمذي عن أنس رفعه "نظرت في الذنوب فلم أر أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل فنسيها" وأخرج الترمذي "من أتى حائضا أو كاهنا فقد كفر".
ثم بعد ذلك هناك ذنوب لم تذكر أعظم من بعض ما ذكر، كشتم الرب ، وشتم رسول الله ﷺ ، والاستهانة بالرسل ﵈، وتكذيب واحد منهم، وتضميخ الكعبة بالعذرة، وإلقاء المصحف في قاذورة، كل ذلك كبائر أكبر من كثير مما ذكر.
وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو أمسك مسلما لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو دل الكفار على عورات المسلمين، مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته، ويسبون حرمهم وأطفالهم ويغنمون أموالهم، فإن مفسدة ذلك أعظم من التولي يوم الزحف بغير عذر، مع كونه معدودا من الكبائر، وكذا لو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه، فهو غير ما إذا كذب عليه ليأخذ منه تمرة مثلا وهكذا.
وأمام هذا الوضع نحتاج إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصارعلى سبع: وأجيب بأن مفهوم العدد ليس بحجة.
قال الحافظ ابن حجر: وهو جواب ضعيف، وقيل: أعلم ﷺ أولا بالمذكورات السبع، ثم أعلم بما زاد، فيحسب بالزائد، وهذا الجواب لا يفيد أمام الذنوب الكبائر التي لم ترد في الأحاديث، والتي ذكرنا منها أمثلة لها.
والأولى أن يقال: إن الاقتصار وقع بحسب المقام، وما ذكر إنما هو تنبيه على ما لم يذكر.
ويعجبنا في هذا المقام قول ابن عبد السلام: إذا أردت أن تعرف الكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت على أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو زادت عليه فهي من الكبائر.
-[ويؤخذ من الحديث.]-
١ - أن المعاصي مهلكة لصاحبها في الدنيا والآخرة.
٢ - التشويق بذكر العدد قبل تفصيله ليتمكن تفصيله في النفس فضل تمكن.
٣ - تغليظ حرمة السحر لقرنه بالشرك.
٤ - تعظيم قتل النفس بغير حق.
٥ - التحذير من أكل مال اليتيم.
٦ - ومن أكل الربا.
٧ - التنفير من التولي والفرار يوم الزحف.
٨ - التحذير من الرمي بالفاحشة وقذف المحصنات واتهامهن بغير بينة.
والله أعلم.
стр. 296
(٥٣) باب من الكبائر شتم الرجل والديه
١٥٢ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم. يسب أبا الرجل، فيسب أباه. ويسب أمه، فيسب أمه".
-[المعنى العام]-
إعظاما لحق الأبوين، وتقديرا لهما، وصيانة لمقامهما، يحذر ﷺ من إيذائهما بأي نوع من أنواع الإيذاء، قل أو كثر، قصد أو لم يقصد، ووجها به أو لم يواجها به، باشره الابن أو تسبب فيه، فيقول ﷺ : إن من أكبر الذنوب أن يشتم الرجل والديه أو أحدهما، ويستعظم الصحابة هذا الفعل القبيح، ويستبعدون وقوعه، لأن الطبع السليم يأباه ولا يقربه، فيقول قائلهم: أو يحدث ذلك يا رسول الله؟ وكيف يحدث أن يشتم الرجل أباه؟ فيقول ﷺ : ليس شرطا أن يتعاطى الابن سب والديه مباشرة، فقد يتسبب فيه فيسب أبا رجل آخر، فيسب هذا الآخر أباه ويزيد المسبوب شتم أم الساب، أو يسب الرجل أم رجل آخر فيسب هذا الآخر أمه، فمن فعل ذلك فكأنما سب والديه.
فما أرفع آداب الإسلام. وما أبعد المسلمين عنها في هذا العصر الذي تسمع فيه عن ضرب الأبناء للأمهات، وقتل الآباء من أجل عرض الدنيا الحقير.
-[المباحث العربية]-
(من الكبائر) في رواية البخاري "إن من أكبر الكبائر".
(شتم الرجل والديه) التعبير بالرجل جرى على الغالب، فالحكم كذلك بالنسبة للمرأة، والتعبير بالوالدين من قبيل الشأن والكثير أيضا، إذ الحكم شامل لمن يؤدي فعله إلى شتم أحد الوالدين فقط. وقد جاء في رواية البخاري "أن يلعن الرجل والديه" والمراد من اللعن فيها الشتم، وفي رواية أخرى "من الكبائر عند الله أن يسب الرجل والده".
стр. 297
(قالوا: يا رسول الله) القائل واحد: ونسب القول للمجموع لرضاهم به وموافقتهم عليه، فأحدهم قائل فعلا، والآخرون قائلون حكما، وفي رواية البخاري "قيل: يا رسول الله" بالبناء للمجهول.
(وهل يشتم الرجل والديه؟ ) "يشتم" -بكسر التاء- والاستفهام استبعادي، والمعنى: نستبعد أن يشتم الرجل والديه، وفي رواية البخاري "وكيف يلعن الرجل والديه" ففيها استبعاد وتعجب وسؤال عن كيفية وقوع هذا الأمر العجيب.
(يسب أبا الرجل) في هذه الرواية إضمار الفاعل، وفي رواية البخاري بإظهاره، ولفظها "يسب الرجل أبا الرجل" والاستفهام عن الشتم والجواب بالسب والمراد منهما واحد هنا.
(ويسب أمه فيسب أمه) ظاهر هذه الرواية أن سب الأب يؤدي إلى سب الأب، وسب الأم يؤدي إلى سب الأم، وهو واضح وكثير، وراوية البخاري " يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" وظاهرها أن سب الأب يؤدي إلى سب الأب والأم زيادة من المسبوب، وهو كثير الوقوع أيضا.
-[فقه الحديث]-
لا خلاف في أن سب الوالدين والتسبب في سبهما من أفراد عقوق الوالدين، ولا خلاف في أن العقوق من الكبائر، ولكن المشكل رواية البخاري التي تصرح بأن من أكبر الكبائر التسبب في شتم الوالدين، فإذا كان التسبب في شتمهما من أكبر الكبائر، فكيف يكون حكم مباشرة شتمهما؟ لهذا كانت رواية مسلم أقرب إلى الحكم الصحيح فالتسبب في شتمهما من الكبائر، ومباشرة شتمهما من أكبر الكبائر، إذ ليس فعل السبب كفعل المسبب على كل حال، وهو لم يقصد شتم أبيه، فلا يأخذ حكم من شتمه قاصدا، ويمكن توجيه رواية البخاري بأن لفظ "أكبر" نسبي، فما هو من أكبر الكبائر قد يوجد ما هو أكبر منه، فالتسبب من أكبر الكبائر ومباشرة الشتم أكبر منه.
وإنما كان شتم الوالدين من أكبر الكبائر، لأن شتم الأجنبي كبيرة وشتم الوالدين أقبح منه فيكون من أكبر الكبائر.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - سد الذرائع.
٢ - وأن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨].
٣ - وأن من تسبب في شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء.
٤ - وفيه جعل فعل السبب كفعل المسبب فيمنع بيع العنب لمن يتخذه خمرا، والحرير لمن يلبسه، والسلاح لمن يقطع به الطريق.
стр. 298
٥ - وفيه العمل بالغالب، لأن الذي يسب أبا الرجل يجوز أن يسب الآخر أباه، ويجوز ألا يفعل، لكن الغالب أن يجيبه بمثل قوله.
٦ - وفيه مراجعة التلميذ لشيخه فيما يقوله مما يشكل عليه.
٧ - وفيه ما كان عليه الصحابة من حميد الأخلاق، إذ استبعدوا حصول هذا الفعل القبيح، وإلا فهو بعدهم كثير.
٨ - وفيه إثبات الكبائر.
٩ - وفيه دليل على عظم حق الأبوين.
والله أعلم
стр. 299
(٥٤) باب تحريم الكبر
١٥٣ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: "إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس".
١٥٤ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، "لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء".
١٥٥ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ ، قال "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".
-[المعنى العام]-
رغم ما كان عليه الصحابة في أول الإسلام من الفقر، ورغم ما كان عليه أوائل الصحابة من الانكسار والتواضع، فإن رسول الله ﷺ كان يخشى القلة من زعماء القبائل حين يؤمنون، كان يخشى أن يصطحبوا معهم ما كانوا عليه من زهو على أفراد قبيلتهم وكبرياء على ضعفائهم، ومبدأ الإسلام الذي نادى به لأول وهلة: الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣].
من أجل هذا حذر الرسول ﷺ من الكبر، وخوف المتكبرين، وأوعدهم أنهم لا يدخلون الجنة، بل لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر، ويتوهم بعض السامعين من الصحابة أن من الكبر حب الثوب الحسن والنعل الحسنة، فيقول أحدهم: يا رسول الله إن بعضنا يحب أن يكون ثوبه حسنا جميلا، ويحب أن يكون نعله غالية متينة، فهل هذا من الكبر فنتحاشاه؟ فيقول ﷺ : ذلك ليس بكبر، إن الكبر هو إنكار الحق، والترفع على الناس، أما حب الجمال فهو مشروع لأن الله جميل، خلق الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، بشرط ألا يحقر الآخرين، فإن ترفع عن الناس بما أعطاه الله حرمه الله نعمته وجعل مأواه جهنم وبئس المصير.
стр. 300
-[المباحث العربية]-
(مثقال ذرة من كبر) قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] قال: إذا وضعت يدك على الأرض ثم رفعتها فكل واحدة مما لزق من التراب ذرة.
وقيل: هي واحدة الهباء الذي يرى طائرا في شعاع الشمس الداخل من ثقب.
(قال رجل) قيل: هو مالك بن مرارة الرهاوي، وقيل: هو عبد الله بن عمرو بن العاص.
(إن الله جميل) الجميل من البشر هو الحسن الصورة، وحسنها يستلزم السلامة من النقص. فإطلاقة على الله من باب هذا اللازم، وقيل: معناه جميل الفعال، وقيل: إن معناه أن أمره حسن جميل، وقيل: معناه أن له صفات الجمال والكمال، وقيل: جميل بمعنى مجمل، أي جمل صوركم وأحسن خلقكم.
(يحب الجمال) أي يحب منكم التجمل في الهيئة.
(الكبر بطر الحق) قيل: الكبر العظمة، يقال تكبر بمعنى تعاظم، وقيل: الكبر غير العظمة إذ الكبر يقتضي متكبرا عليه، والعظمة لا تقتضي متعاظما عليه، فقد يتعاظم الإنسان في نفسه. والبطر الإبطال، فمعنى "بطر الحق" إبطال الحق والبعد عنه، قال الزجاج: هو التكبر عن الحق فلا يقبله، وقال الأصمعي: هو الحيدة عن الحق فلا يراه حقا، والأنسب في الحديث تفسير الزجاج، وأن المراد إنكار الحق ترفعا وتجبرا.
(غمط الناس) بفتح الغين وإسكان الميم، ورواه الترمذي "غمص" بالصاد بدل الطاء وهما بمعنى واحد، ومعناه احتقارهم، يقال في الفعل منه غمطه بفتح الميم يغمطه بكسرها، وغمطه بكسر الميم يغمطه بفتحها.
(مثقال حبة خردل) "الخردل": نبات له حب أسود مقرح صغير جدا يضرب به المثل في الصغر بين الحبوب، والواحدة خردلة. وليس المقصود من الذرة حجمها على سبيل الحقيقة، وليس المقصود من الخردلة وزنها على سبيل الحقيقة، بل المراد منهما المبالغة في الصغر.
-[فقه الحديث]-
تنحصر نقاط الحديث في خمس:
١ - الكبر ومظاهره.
٢ - التجمل في الهيئة واللباس ومدى موافقته للشرع.
стр. 301
٣ - إطلاق لفظ الجميل على الله.
٤ - توجيه نفي دخول المتكبر الجنة وتوجيه نفي دخول المؤمن النار.
٥ - ما يؤخذ من الحديث.
١ - أما الكبر فقد نهى الله تعالى عنه بقوله: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا﴾ [الإسراء: ٣٧] وبقوله: ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩].
وذكر جل شأنه عاقبة المستكبرين بقوله: ﴿فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦].
كما حذر الرسول ﷺ من الكبر في هذا الحديث وفيما رواه مسلم من قوله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" وفيما رواه أيضا في موضع آخر من قوله ﷺ : "بينما رجل يتبختر، يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
وواجبنا في هذا المقام تحديد مفهوم الكبر المذموم حتى لا تلتبس به العزة والمحافظة على الكرامة.
إن الكبر - كما يوضحه الحديث- بطر الحق وغمط الناس، والبطر: الطغيان عند النعمة، بمعنى عدم التوجه إلى المنعم بالشكر، والاعتداد بالنفس والترفع عن الناس كما قال عاد: (من أشد منا قوة) والاعتقاد بأنها من صنعه كما قال قارون: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: ٧٨] والاغترار بأنها ستدوم. وأنه ما أوتيها إلا لأنه الأحق بهما كما قال صاحب الجنتين حين دخل جنته وهو ظالم لنفسه: ﴿ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦] إن الكبر هو الترفع عن الناس، سواء كان متمتعا فعلا بمظاهر الرفعة، أو كانت أكفه في التراب، ورأسه في السماء، لكنه من العائل الفقير أشد قبحا منه من الغني صاحب السلطان، بل إن الكبر الإحساس - ولو في أعماق النفس- بالزهو والخيلاء والترفع عمن حوله من الناس وإن لم تظهر آثار ذلك في معاملته لهم، لكنه مع التعالي في المعاملة أشد قبحا. فهو في هذه الحالة يكسب الإثم من الله والمقت من الناس.
فالتواضع المطلوب هو لين الجانب لمن يساويك أو لمن هو دونك. أما الاستكانة لمن هو فوقك فكثيرا ما تكون ضعفا وجبنا وذلة وصغارا.
وأما العزة فهي وضع النفس الموضع اللائق بها، والمحافظة عليها من الضعة وصيانة الكرامة عن
стр. 302
مواطن الذل والهوان: وفيها يقول الله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك للناس﴾ ومن العزة الترفع على أهل الكبر، والاعتزاز بالإسلام على أعداء الإسلام.
٢ - وليس من قبيل الكبر لبس الجميل من الثياب، وتحسين الهيئة والصورة، ما لم يصحبه عجب في النفس، وخيلاء في الإحساس والشعور، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]. ويقول ﷺ فيما رواه البخاري "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة" ويقول ابن عباس: "كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة".
نعم وردت أحاديث تنهى عن جر الثياب، لكنها مقيدة بالجر على سبيل الخيلاء، فقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء" وقال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال ﷺ : "لست ممن يصنعه خيلاء".
فالتقييد بجر الثياب خرج مخرج الغالب، والذم موجه إلى البطر والتبختر ولو لمن شمر ثوبه، إذ الحديث الذي معنا يمتدح أن يحب الرجل ثوبه الحسن ونعله الحسنة. قال الحافظ ابن حجر: والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه مستحضرا لها شاكرا عليها، غير محتقر لمن ليس له مثله لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان في غاية النفاسة، فقد أخرج الترمذي قوله ﷺ : "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
أما من أحب ذلك ليتعظم به على صاحبه فهو المذموم، لما أخرجه الطبري من حديث علي "إن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك صاحبه فيدخل في قوله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا﴾ [القصص: ٨٣].
فمدار الذم الكبر والعجب والخيلاء لا جمال الثوب أو نفاسته، بل إن التجمل والتطيب ولبس أحسن ما عند المرء من الثياب من مقاصد الشرع الحنيف عند المجتمعات، كالجمع والأعياد ولقاء الوفود والكبراء، ففي الموطأ "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته" إذ بذلك تقبل النفوس، وتجتمع القلوب، وتتآلف الناس، ويترابط المجتمع، وليست مجالسة نافخ الكير كمجالسة حامل المسك، فقد أخرج النسائي وأبو داود عن عوف بن مالك عن أبيه أن النبي ﷺ قال له - ورآه رث الثياب-: "إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك" فالسنة أن يلبس المرء ثيابا تليق بحاله من النفاسة والنظافة ليعرفه المحتاجون للطلب منه مع مراعاة القصد وترك الإسراف، اللهم إلا إذا أثار هذا اللباس في الناس مظنة الكبر والخيلاء عند صاحبه فيحسن التخلي عنه لرفع الاتهام، وليست مظاهر الكبر وبواعثه محصورة في الثياب وحسن الهيئة، فقد يغتر ويزهو العالم بعلمه، والغني بماله، وذو الجاه بجاهه، والقوي بسواعده وعضلاته، وإنما أفضنا في اللباس لأنه الذي يظهر به الخيلاء غالبا.
стр. 303
٣ - ولفظ "جميل" كما ورد في هذا الحديث الصحيح ورد أيضا في حديث الأسماء الحسنى، وفي تسمية الله به خلاف، باعتباره ورد بخبر الآحاد، والمختار جواز إطلاقه على الله تعالى، ومن العلماء من منعه. قال إمام الحرمين: ما ورد الشرع بإطلاقه في أسماء الله تعالى وصفاته أطلقناه، وما منع الشرع من إطلاقه منعناه، وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم، فإن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحليل أو تحريم لكنا مثبتين حكما بغير الشرع. وقال: ثم لا يشترط في جواز الإطلاق ورود ما يقطع به الشرع (أي الخبر المتواتر) ولكن ما يقتضي العمل وإن لم يوجب العلم فإنه كاف. اهـ.
وقال الإمام النووي: اختلف أهل السنة في تسمية الله تعالى ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به ولا يمنعه الشرع، فأجازه طائفة، ومنعه آخرون إلا أن يرد به شرع مقطوع به، من نص كتاب الله أو سنة متواترة، أو إجماع على إطلاقه، فإن ورد خبر واحد فقد اختلفوا فيه، فأجازه طائفة، وقالوا: الدعاء به والثناء من باب العمل، وذلك جائز بخبر الواحد، ومنعه آخرون لكونه راجعا إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل على الله تعالى، وطريق هذا القطع.
وقال القاضي عياض: والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقول الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠].
٤ - وأما قوله ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقد اختلف في توجيهه، فذكر الخطابي فيه وجهين. أحدهما: أن المراد التكبر عن الإيمان، فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا إذا مات عليه. والثاني: أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال الله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ [الأعراف: ٤٣، الحجر: ٤٧]. قال النووي: وهذان التأويلان فيهما بعد، فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق، فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة إن جازاه. وقيل: معناه أن هذا جزاؤه لو جازاه، وقد يتكرم بأنه لا يجازيه، بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة، إما أولا وإما ثانيا بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها، وقيل: لا يدخلها مع المتقين الداخلين أول وهلة.
وأما قوله ﷺ : "لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فالمراد به أنه لا يدخل النار دخول خلود فيها كدخول الكفار، وسيأتي مزيد بحث لهذه النقطة في الحديث اللاحق إن شاء الله.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - تحريم الكبر وأنه من الكبائر.
٢ - ما كان عليه الصحابة من حرص على النظافة والتجمل حتى في النعل.
стр. 304
٣ - أن حب الثوب الحسن والنعل الحسنة وتجمل الهيئة والصورة ليس من الكبر، ما لم يصحبه ترفع عن الحق وعن الناس.
٤ - جواز إطلاق لفظ الجميل على الله تعالى.
٥ - يستدل بقوله: "مثقال حبة خردل من ايمان" على أن الإيمان يزيد وينقص.
والله أعلم
стр. 305
(٥٥) باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار
١٥٦ - عن عبد الله ﵁ (قال وكيع: قال رسول الله ﷺ : وقال ابن نمير سمعت رسول الله ﷺ يقول) "من مات يشرك بالله شيئا دخل النار" وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة".
١٥٧ - عن جابر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ ، رجل فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ فقال "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار".
١٥٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار".
١٥٩ - عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال "أتاني جبريل ﵇. فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق".
١٦٠ - عن أبي ذر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ ، وهو نائم. عليه ثوب أبيض. ثم أتيته فإذا هو نائم. ثم أتيته وقد استيقظ. فجلست إليه. فقال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" ثلاثا. ثم قال في الرابعة "على رغم أنف أبي ذر" قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.
стр. 306
-[المعنى العام]-
المؤمن الكيس من جمع بين الخوف والرجاء، يخاف الآخرة ويخاف الخاتمة والمصير وعدل ربه، ويخاف محاسبته على ما قدمت يداه، واضعا نصب عينيه قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٣٠].
ويرجو رحمة ربه التي وسعت كل شيء، ويطمع في فضل الله وإحسانه ﴿وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٤ - ١٥].
وقد جاءت النصوص الإسلامية بمجموعة تبعث على الخوف في نفوس المؤمنين فتدفع إلى العمل الصالح، وتقوي العزائم وتشحذ الهمم، كقوله جل شأنه: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ [المطففين: ١ - ٥]. ﴿ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم موصدة في عمد ممددة﴾ [الهمزة: ١ - ٩]. ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
ويقول ﷺ : "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" ومر ﷺ على قبرين فقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس".
كما جاءت النصوص بمجموعة تنشر الطمع والرجاء في عفو الله، وتجعل أبواب الجنة مفتوحة أمام عامة المؤمنين، بل أمام العصاة منهم وتجعل أبواب النار محجوبة عمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. يقول جل شأنه: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣]. ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ [النساء: ١١٠]. ويقول تعالى في الحديث القدسي: "عبدي. لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة".
وهذا أبو ذر يحدثنا فيقول: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة"، واستعظم أبو ذر دخول الجنة للعصاة، ودفعته شدة نفرته من المعاصي أن يقول لرسول الله ﷺ : أيدخل الجنة من قال لا إله إلا الله وإن زنى وإن سرق؟ وأجابه ﷺ : نعم يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق. وزادت غرابة
стр. 307
أبي ذر فأعاد: وإن زنى وإن سرق؟ وأعاد الرسول ﷺ الجواب: وإن زنى وإن سرق، يكرر أبو ذر استفهام التعجب ثلاثا ويكرر رسول الله ﷺ جواب الرجاء، ويختم ثالث أجوبته بقوله: على رغم أنف أبي ذر. ويهز أبو ذر رأسه متعجبا، ويخرج ممسكا بأنفه وهو يردد "على رغم أنف أبي ذر".
كما جاءت النصوص أيضا بطرف يجمع بين الخوف والرجاء. يقول جل شأنه في صفة المؤمن: ﴿يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه﴾ [الزمر: ٩]. ويقول: ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾ [غافر: ٣].
وبهذا يرسم الإسلام الطريق الصحيح، خوف يجعل السابقين لا يأمنون العاقبة، ويدفع عمر بن الخطاب [وهو المبشر بالجنة وقصورها وحورها] إلى أن يقول: لئن نادى مناد أن كل الناس يدخلون الجنة إلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الواحد. ويدفع أبا بكر [حبيب حبيب الله] إلى أن يقول: لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمي في الجنة.
ورجاء يجعل العاصي الذي لم يعمل خيرا قط وعمل عمره بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيكون من أهل الجنة.
نعم. الطريق الصحيح خوف ورجاء، وعمل وأمل، فمن اقتصر على الخوف وأنكر الرجاء كان قانطا من رحمة الله، يائسا من روح الله. و ﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧].
ومن اقتصر على الرجاء، وطرح الخوف من الله وحسابه كان جاهلا، مغترا، مستهترا بوعيد الله.
وما أحسن جواب ابن منبه حين قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى.
ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك وما أسنان المفتاح إلا العمل مع الإيمان.
جعلنا الله من المؤمنين العاملين، الراجين الخائفين، إنه سميع مجيب.
-[المباحث العربية]-
(من مات يشرك بالله شيئا) جملة "يشرك" حال من فاعل "مات" و"شيئا" مفعول به، أي يشرك معبودا كالأصنام أو مفعول مطلق، أي إشراكا ما، وفي رواية "من مات وهو يدعو من دون الله ندا" قال القرطبي: الشرك أن يتخذ مع الله شريكا في الإلهية، لكن صار نفي الشرك بحكم العرف عبارة عن الإيمان الشرعي.
(وقلت أنا) الضمير المنفصل تأكيد للضمير المتصل.
(ومن مات) معطوف على محذوف، تقديره: قلت أنا: من مات يشرك بالله شيئا دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، حاكيا الأولى منشئا الثانية.
стр. 308
(ما الموجبتان) بكسر الجيم، أي ما هي الكلمة أو الخصلة الموجبة للجنة؟ والكلمة أو الخصلة الموجبة للنار؟
(من لقي الله) أي من مات، كما ورد في بعض الروايات.
(فبشرني أنه) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف (وحذف الجار قبل "أن" مطرد) أي فبشرني بدخول من مات ... الجنة.
(من أمتك) أي من أمة الإجابة، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، أي من أمة الدعوة.
(قلت: وإن زنى وإن سرق) قال ابن مالك: لا بد من تقدير أداة الاستفهام، والتقدير: أو إن زنى دخل الجنة؟ وقدر غيره: أيدخل الجنة وإن زنى؟ وحذف جواب الشرط مبالغة للعلم به وتتميما لمعنى الإنكار.
(قال: وإن زنى وإن سرق) جواب الشرط محذوف للعلم به، أي وإن زنى وإن سرق دخل الجنة.
(على رغم أنف أبي ذر) "رغم" بفتح الراء وضمها وكسرها، وقوله: "وإن رغم أنف أبي ذر" هو بفتح الغين وكسرها، ذكره الجوهري، وهو التراب، فمعنى أرغم الله أنفه ألصقه بالرغام، أي أذله، ومعنى "على رغم أنف أبي ذر" أي على ذل منه لوقوع الأمر مخالفا لما يريد، وقيل معناه: على كراهة منه، فهو من قبيل الكناية، أي إطلاق اللفظ وإرادة لازم معناه.
-[فقه الحديث]-
قد يبدو لأول وهلة أن موضوع هذا الحديث قد سبق ذكره في الجزء الأول في باب "من مات على التوحيد دخل الجنة" ولكن بعد إمعان النظر يتضح أن ذكره هناك كان القصد منه جانب الرجاء، وإن تعرض هناك بالتبع إلى جانب الخوف، وذكره هنا مقصود منه جانب الخوف وإن كان سيتعرض لجانب الرجاء على سبيل التبعية.
وقد روينا في فقه الحديث هناك قوله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك إلا دخل الجنة" وقوله: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة". وقوله لأبي هريرة: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة". وقوله: "حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله يبغي بذلك وجه الله".
وقلنا: لما كان موضوع هذه الأحاديث يتعلق بالعصاة من المسلمين كان من الضروري بيان المذاهب في حكمهم، وموقف كل مذهب من هذه الأحاديث ونحوها:
стр. 309
١ - وقد ذهب الخوارج إلى أن المعصية تضر الإيمان، وتجعل صاحبها كافرا مخلدا في النار، وإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
٢ - وذهب المعتزلة إلى أن العاصي بالكبيرة مخلد في النار، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا بأنه كافر وإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وهذه الأحاديث تدفع هذين المذهبين وتردهما، وحديث أبي ذر الذي معنا قاطع في إبطالهما، مبعد تأويلاتهما الزائفة.
٣ - وذهب غلاة المرجئة إلى أن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وهذه الأحاديث وما معنا هنا وإن كان ظاهرها في مجموعها يوافقهم لكن في بعضها ما يرد عليهم، كقوله: "غير شاك" وقوله: "مستيقنا بها قلبه" وقوله: "وهو يعلم أن لا إله إلا الله" كل هذه النصوص ترد ما ذهبوا إليه، وتوجب اعتقاد القلب، فضلا عن الآيات القاطعة بأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
٤ - وقال بعضهم: إن مجرد معرفة القلب نافعة وإن لم ينطق بالشهادتين، وظاهر قوله في بعض الروايات، "وهو يعلم" يؤيدهم لكن يعارضهم لفظ "من كان آخر كلامه" ولفظ "من قال" ولفظ "ما من عبد قال" إذ فيها طلب القول. وجمعا بين الأحاديث وجب القول بأنه لا ينفع الاعتقاد وحده، ولا ينفع النطق وحده.
٥ - ومذهب أهل السنة - وهو الذي يعنينا، ونحرص على عدم تعارضه مع الأحاديث وهو الذي نؤمن بأنه الحق- أن العاصي الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله مستيقنا بها قلبه، هو مؤمن وإن ارتكب الكبائر، ومصيره الجنة وإن عوقب بالنار على ذنوبه ويقولون:
بما أن النصوص تظاهرت ودلت دلالة قطعية على أن بعض العصاة المؤمنين يعذبون فإنه ينبغي ألا تؤخذ أحاديث الباب على ظاهرها ولا على عمومها، وأنه ينبغي أن تحمل محملا يتفق والنصوص المتظاهرة القطعية.
وللوصول إلى هذه الغاية تعددت توجيهاتهم، فمنهم من قال:
أ - إن هذه الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض، وينسب هذا القول إلى ابن المسيب كما يعزى إلى ابن شهاب قوله: ثم نزلت بعد ذلك الفرائض وأمور نرى الأمر قد انتهى فمن استطاع ألا يغتر فلا يغتر.
وفي هذا القول نظر. بل قال النووي: إنه ضعيف باطل لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع باتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة، وكانت الصلاة وأكثر الواجبات قد تقرر فرضها، ويؤيد النووي في رد هذا القول ذكر الزنا والسرقة في حديث أبي ذر.
ب - وقال بعضهم: إن مطلق هذه الأحاديث مقيد بمن عمل عملا صالحا، لقوله تعالى:
стр. 310
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ... ﴾ ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١١٠].
جـ- وقال بعضهم: إن مطلق هذه الأحاديث مقيد بمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، تائبا مقبول التوبة ثم مات على ذلك.
قال بعض المحققين: قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث ذريعة إلى طرح التكاليف وإبطال العمل ظنا أن ترك الشرك كاف، وهذا يستلزم طي بساط الشريعة وإبطال الحدود، وأن الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية لا تأثير له، فلا ينبغي التمسك بأحاديث الرجاء وحدها لأنه -وقد ثبت كذلك أحاديث الخوف - يجب ضم بعضها إلى بعض فإنها كلها حينئذ في حكم الحديث الواحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها.
د - وقيل: إن أحاديث الباب خرجت مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعات ويجتنب المعاصي، فكأنه قال: الغالب والشأن فيمن قال: لا إله إلا الله مخلصا أن يدخل الجنة وتحرم عليه النار.
هـ- وأظهر الأقوال وأحراها بالقبول أن المراد من دخول الجنة في الأحاديث أنه المآل عاجلا أو آجلا، من غير دخول النار للبعض وبعد دخول النار للبعض الآخر، من غير دخول النار لمن مات تائبا مقبول التوبة، أو سليما من المعاصي، أو شمله عفو الله ورحمته، وبعد دخول النار لمن أذنب وأخذ بذنبه، ففي الحديث: "من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه".
قال النووي: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وأن من مات موقنا بالشهادتين يدخل الجنة، فإن كان دينا أو سليما من المعاصي دخل الجنة برحمة الله، وحرم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهي أو بعضها ومات عن غير توبة فهو في خطر المشيئة، وهو بصدد أن يمضي عليه الوعيد إلا أن يشاء الله أن يعفو عنه فإن شاء أن يعذبه فمصيره الجنة.
وقال الزين ابن المنير: حديث أبي ذر ونحوه من أحاديث الرجاء التي أفضى الاتكال عليها ببعض الجهلة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره، فإن القواعد استقرت على أن حقوق الآدميين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان، ولكن لا يلزم من عدم سقوطها ألا يتكفل الله بها عمن يريد أن يدخله الجنة، ومن هنا رد رسول الله ﷺ على أبي ذر استبعاده.
والحديث الأول (حديث ابن مسعود) وقع كذلك في أصول صحيح مسلم وصحيح البخاري "وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" ووجد في بعض أصول مسلم المعتمدة عكس هذا قال رسول الله ﷺ : "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وقلت أنا: ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار".
стр. 311
قال الحافظ ابن حجر: والصواب رواية الجماعة (أي الرواية الأولى) لأن جانب الوعيد ثابت بالقرآن، وجاءت السنة على وفقه، فلا يحتاج إلى استنباط، ولا يصح أن يقول فيه: وقلت أنا: فالمرفوع الوعيد والموقوف الوعد.
والظاهر أن ابن مسعود استنبط جملة الوعد (وهو لم يسمعها) من جهة أنه ليس إلا جنة أو نار، فإذا انتفت إحداهما وجبت الأخرى. وقال القاضي عياض: لم يسمع ابن مسعود من النبي ﷺ إلا إحداهما، وضم إليها ما علمه من كتاب الله تعالى ووحيه، أو أخذه من مقتضى ما سمعه من النبي ﷺ اهـ ومعنى هذا أن ابن مسعود لم يسمع الرواية الثانية المذكورة في حديثنا (رواية جابر) التي ذكرت اللفظين.
قال الإمام النووي: وهذا الذي قاله القاضي عياض فيه نقص حيث إن اللفظين قد صح رفعهما من حديث ابن مسعود، فالجيد أن يقال: سمع ابن مسعود اللفظين من النبي ﷺ ولكنه في وقت حفظ إحداهما وتيقنها عن النبي ﷺ ولم يحفظ الأخرى. فرفع المحفوظة وضم إليها الأخرى، وفي وقت آخر حفظ الأخرى، ولم يحفظ الأولى مرفوعة فرفع المحفوظة وضم الأخرى إليها، فهذا جمع ظاهر بين روايتي ابن مسعود، وفيه موافقة لرواية غيره في رفع اللفظين.
قال الحافظ ابن حجر تعقيبا على قول النووي: هذا الذي قاله محتمل بلا شك، لكن فيه بعد مع اتحاد مخرج الحديث، فلو تعدد مخرجه إلى ابن مسعود لكان احتمالا قريبا. اهـ.
وحكمه ﷺ على من مات يشرك بالله شيئا بدخول النار هو على عمومه بإجماع المسلمين، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق بينه وبين الكتابي (اليهودي والنصراني) وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها، ثم حكم بكفره لجحده ما يكفر جحده وغير ذلك. ذكره النووي.
والحكمة في اقتصار أبي ذر على الزنا والسرقة من بين الكبائر الإشارة إلى جنس حق الله تعالى وحق العباد، وكأن أبا ذر استحضر قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" لأن ظاهره معارض لظاهر هذا الحديث كما أنه ثبت لديه الوعيد بدخول النار لمن عمل بعض الكبائر، وبعدم دخول الجنة لمن عمل بعض الكبائر أيضا، فلهذا استغرب الحكم ووقع منه الاستفهام.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن أصحاب الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار.
٢ - أن غير الموحدين لا يدخلون الجنة.
٣ - ومن الرواية الخامسة يؤخذ استحباب لبس الثوب الأبيض، وقد أخرج أحمد "عليكم بالثياب
стр. 312
البيض فالبسوها فإنها أطيب وأطهر" وفي رواية: (فإنها من خير ثيابكم) وفائدة وصف أبي ذر لثوب النبي ﷺ وقوله: "أتيته وهو نائم" "ثم أتيته وقد استيقظ" الإشارة إلى استحضاره القصة بما فيها ليدل ذلك على إتقانه لها.
٤ - وفيه المراجعة في العلم بما تقرر عند الطالب في مقابلة ما يسمعه مما يخالف ذلك.
٥ - وفيه تقوى أبي ذر، واستعظامه المعاصي، وشدة نفرته من معصية الله وأهلها، وليس فيه كراهة أبي ذر لدخول العاصي الجنة، ولا ممانعة منه لذلك، وإنما صور بهذه الصورة لحرصه على الطاعات.
٦ - وفيه أن الطالب إذا ألح في المراجعة يزجر بما يليق به أخذا من قوله: "على رغم أنف أبي ذر".
والله أعلم
стр. 313
(٥٦) باب تحريم قتل الكافر بعد قوله: لا إله إلا الله .
١٦١ - عن المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار. فقاتلني. فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها. ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله. أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ "لا تقتله" قال فقلت: يا رسول الله إنه قد قطع يدي. ثم قال ذلك بعد أن قطعها. أفأقتله؟ قال رسول الله ﷺ "لا تقتله. فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله. وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".
١٦٢ - وأما معمر ففي حديثه فلما أهويت لأقتله قال لا إله إلا الله.
١٦٣ - عن المقداد بن عمرو بن الأسود الكندي ﵁ وكان حليفا لبني زهرة، وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ ، أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار؟ ثم ذكر بمثل حديث الليث.
-[المعنى العام]-
ما أروع سماحة الإسلام، وما أسمى قيمه وتشريعه، كلمة واحدة تعصم وتحمي الأموال، وتمحو ما تقدم من سيئات، كلمة واحدة تجب ما قبلها، كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله ".
لقد كان الكفار يقتتلون مع المسلمين، فإذا دارت الدائرة عليهم، ووجدوا أنفسهم أمام قتل محقق، وأموالهم وذرياتهم أمام سبي حتمي قالوها فحقنوا بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم، عملا بقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله".
وعظم هذا الحكم في نفس المقداد وهو الفارس المغوار، ذو الأنفة والمنعة والشجاعة والإقدام، ففرع على هذا الحكم مسألة ظن أن حكمها يفلت من هذا الحكم العام فسأل رسول الله ﷺ ، فقال أخبرني يا رسول الله:
стр. 314
لو لقيت رجلا من الكفار، فقاتلني، فقطع إحدى يدي بسيفه، ثم لاذ واعتصم مني بشجرة أو حجر، فتمكنت منه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. أسلمت لله. أأقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ : لا تقتله، قال: يا رسول الله ما قالها إلا بعد أن أهويت سيفي إليه لأقتله، أأقتله؟ قال ﷺ : لا تقتله. قال: يا رسول الله إنه قطع يدي، أأقتله؟ قال ﷺ : إن قتلته في هذه الحالة كنت بمنزلته ومشابها له قبل إسلامه، وكان هو بعد إسلامه مشبها لك قبل أن تقتله فإنك تكون بعد قتلك له آثما، كما كان هو قبل إسلامه، وإنه يكون بعد قولها نقيا من الآثام كما كنت أنت قبل قتلك إياه.
-[المباحث العربية]-
(عن المقداد بن الأسود) المقداد هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة. هذا نسبه الحقيقي. تبناه في الجاهلية الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف، فنسب إلى الأسود، وصار به أشهر وأعرف، فلفظ (ابن) قبل الأسود يكتب بالألف، لأنه ليس واقعا بين علمين متناسلين ثانيهما أب للأول، ومثله عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم وعبد الله بن أبي ابن سلول، ومحمد بن علي ابن الحنفية، وإسحاق بن إبراهيم ابن راهويه، ومحمد بن يزيد (ابن ماجه) بالألف، وأن يعرب بإعراب الابن المذكور أولا:
فأم مكتوم زوجة عمرو، وسلول زوجة أبي، والحنفية زوجة علي وراهويه هو إبراهيم والد إسحق، وماجه هو يزيد فهما لقبان.
والمقداد من أوائل من أسلم، قال عبد الله بن مسعود ﵁:
أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة، منهم المقداد، وهاجر إلى الحبشة. قاله النووي: وله موقف مشهود في بدر.
(أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار) أي أخبرني، وفي بعض الأصول "أرأيت لقيت" بحذف "إن" قال النووي: والأول هو الصواب. وفي رواية: "أرأيت ... إلى لقيت كافرا فاقتتلنا".
(فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها) هذا على وجه التمثيل، وقصده أو إحدى رجلي بالسيف أو بغيره.
(ثم لاذ مني بشجرة) التجأ إليها واعتصم مني، وذكر الشجرة على سبيل المثال ونحوها.
(أفأقتله) الفاء مؤخرة من تقديم، وهي فاء جواب الشرط لكون الجملة استفهامية، والأصل فأ أقتله، فقدمت همزة الاستفهام.
(فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) في معناها أقوال كثيرة تأتي في فقه الحديث.
стр. 315
(قبل أن يقول كلمته التي قال) عائد الصلة [مفعول قال] محذوف تقديره: التي قالها.
(فلما أهويت لأقتله) أي ملت. يقال هويت وأهويت إليه باليد والسيف كلاهما لازم، والهمزة ليست للتعدية، وقيل: أهويته أملته، وقال بعض أهل اللغة: الإهواء التناول باليد والضرب.
(قال: لا إله إلا الله) كناية عن الشهادتين، وقيل: هي وحدها كافية في الكف عن قائلها.
-[فقه الحديث]-
ظاهر سياق هذا الحديث أن الواقعة حصلت للمقداد، وأن رجلا كافرا قد ضرب إحدى يديه بالسيف فقطعها، لكن قال الحافظ ابن حجر: إن نفس الأمر بخلافه، وإن المقداد سأل عن الحكم في ذلك لو وقع، وقد استدل به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها، وما نقل عن بعض السلف من كراهة ذلك، محتجين بقوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١] فإنه محمول على السؤال عن الأمور التي يندر وقوعها أما ما يمكن وقوعها عادة فيشرع السؤال عنها للتعلم وتوقي الخطأ فيها. قال ابن العربي: والاحتجاج بالآية على هذا جهل، لأنها إنما هي فيما يسوء الجواب عنه.
وقد روى البزار عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النبي ﷺ : كيف لك بلا إله إلا الله غدا؟ وأنزل الله قوله ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ [النساء: ٩٤].
فإن صحت هذه الرواية - وهي لا تكاد تصح- حمل سؤاله على المراجعة في نفس الجلسة ظنا منه أن القتل في مقابلة قطع اليد جائز، وأن منع القتل بعد لا إله إلا الله حماية للنفس والمال، يشهد لذلك إعادته السؤال مرتين -متعجبا- عن قاطع اليد، والذي يدعونا إلى هذا الحمل أنه من المستبعد أن يسمع الحكم بالنهي عن القتل بعد الشهادة ولو تعوذا ثم يفعل نقيضه فيقتل متعوذا.
وليست مراجعة المقداد في حديثنا من قبيل كراهته للحكم ومما نعته له، بل من قبيل التعجب والغرابة، لمخالفته ما كان يظن وما كان يتوقع، ووجهة نظره من زاويته معقولة، فقد تستغل (لا إله إلا الله) لفرار الكفار من سطوة المؤمنين وعقابهم، دون أن يكون لها أصل في قلوبهم، ووجهة نظر الإسلام أكثر دقة وفقها، فإن الله وحده هو العالم بالقلوب، وقد أمرنا بالعمل بالظاهر والله يتولى السرائر.
ولعل المقداد لم يكن سمع حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" أو لعله فهم منه "حتى يقولوا لا إله إلا الله" في غير تعوذ وفي غير جناية منهم واعتداء. وقد اختلف العلماء في
стр. 316
المعنى المراد من قوله ﷺ للمقداد: "فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".
فذهب المهلب إلى أن معناه: إنك بقصدك لقتله عمدا آثم، كما كان هو بقصده لقتلك آثما، فأنتما في حالة واحدة من العصيان. اهـ.
ومعناه: إن قتلته كنت آثما كحاله قبل الإسلام، وهو بعد إسلامه صار نقيا كحالك قبل أن تقتل، فالمشابهة في مطلق الإثم والنقاء من الإثم لا في الكفر.
وقيل: المراد إن قتلته مستحلا لقتله بعد سماعك الحكم فأنت بمنزلته قبل أن يسلم، أي فأنت كافر، وهو بعد قولها مسلم، بمنزلتك قبل أن تقتل، وهذا تأويل بعيد.
وقيل: معناه إنه مغفور له بشهادة التوحيد، كما أنك مغفور لك بشهود بدر. وهذا التأويل أكثر بعدا من سابقه، فإنه إن صح بالنسبة للجملة الأولى "فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله" فإنه لا يصح بالنسبة للثانية "وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".
ونقل ابن التين عن الداودي أنه قال: يفسره حديث ابن عباس الذي رواه البخاري "قال": قال النبي ﷺ للمقداد: إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل".
والمعنى على هذا أنك إن قتلته يحتمل أن يكون بمنزلتك في مكة، وأنك كنت في مكة بمنزلته في قومه من حيث إخفاء الإيمان.
وقيل: إن هذه العبارة لم يقصد منها معناها الحقيقي، وإنما قصد منها الإغلاظ بظاهر اللفظ للردع والزجر.
وقال الإمام النووي: أحسن ما قيل وأظهره ما قاله الإمام الشافعي وابن القصار المالكي وغيرهما أن معناه: فإنه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله إلا الله كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله. قال ابن القصار: يعني لولا عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك. ونحن مع الإمام النووي في أن هذا المعنى أوضح التوجيهات وأحراها بالقبول.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن (لا إله إلا الله) تعصم الدم، وأن الحكم بالظاهر واجب.
٢ - احتج بقول المقداد، فقال: أسلمت لله، أنه يصح الدخول في الإسلام بكل ما يدل على الدخول فيه من قول أو فعل، مما يتنزل منزلة النطق بالشهادتين. وقد حكم النبي ﷺ بإسلام بني جذيمة الذين قتلهم خالد وهم يقولون: صبأنا، صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فلما بلغ ذلك النبي
стр. 317
صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم وداهم ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: في الاستدلال به على صحة إسلام من قال: أسلمت لله ولم يزد على ذلك نظر، لأن ذلك كاف في الكف وحقن الدم فقط، وليس في الحكم بالإسلام، على أنه ورد في الطريق الثاني (فقال: لا إله إلا الله) فيحتمل أن التعبير بأسلمت من تعبير راوي قول المقداد.
٣ - جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها وقد تقدم بيانه.
٤ - جواز المراجعة في العلم.
٥ - حلم العالم عن السائل.
والله أعلم
стр. 318
(٥٧) باب قتل أسامة لمن قال: لا إله إلا الله
١٦٤ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية. فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلا. فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ "أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ " قال قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح. قال "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا"؟ فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. قال فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين [يعني أسامة]. قال: قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩]. فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة. وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
١٦٥ - عن أسامة بن زيد بن حارثة ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة. فصبحنا القوم. فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم. فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف عنه الأنصاري. وطعنته برمحي حتى قتلته. قال فلما قدمنا. بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي "يا أسامة! أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " قال قلت يا رسول الله، إنما كان متعوذا. قال، فقال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " قال فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
١٦٦ - عن صفوان بن محرز، أنه حدث، أن جندب بن عبد الله البجلي بعث إلى عسعس بن سلامة، زمن فتنة ابن الزبير، فقال: اجمع لي نفرا من إخوانك حتى أحدثهم. فبعث رسولا إليهم. فلما اجتمعوا جاء جندب وعليه برنس أصفر. فقال: تحدثوا بما كنتم تحدثون به. حتى دار الحديث. فلما دار الحديث إليه حسر البرنس عن رأسه. فقال: إني أتيتكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم. إن رسول الله ﷺ بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين. وإنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا
стр. 319
شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله. وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته. قال وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد. فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله. فجاء البشير إلى النبي ﷺ . فسأله فأخبره. حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع. فدعاه. فسأله. فقال "لم قتلته؟ " قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين. وقتل فلانا وفلانا. وسمى له نفرا. وإني حملت عليه. فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال رسول الله ﷺ "أقتلته؟ " قال: نعم قال "فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: يا رسول الله! استغفر لي. قال "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال فجعل لا يزيده على أن يقول "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ ".
-[المعنى العام]-
في رمضان سنة سبع من الهجرة بعث رسول الله ﷺ سرية بإمارة غالب بن عبد الله الليثي لتأديب بطن من بطون جهينة ولتأمين المسلمين في الأرض الإسلامية، وكان في هذه السرية أسامة بن زيد. فاجأت السرية القوم صباحا فقاتلتهم، وراع المسلمين رجل من المشركين أوجع في الضرب وأكثر من قتل المسلمين، ولكن الدائرة سرعان ما دارت على المشركين فانهزموا وفروا، وتعقب أسامة ورجل من الأنصار هذا المشرك الذي قتل كثيرا من المسلمين حتى أدركاه وأحاطا به، فقال: لا إله إلا الله لينجو من القتل. وكان معلوما مشهورا أن من قالها عصم دمه وماله، فكف الأنصاري عن الرجل، لكن أسامة اعتقد أنه يخادع بها لينجو من السيف، فقاتله بالسيف فاحتمى منه، فطعنه أسامة برمحه حتى قضى عليه، وذهب البشير بخبر السرية إلى رسول الله ﷺ وحدثه حديث أسامة وقتيله، فلما وصل أسامة إلى المدينة سأله رسول الله ﷺ : أقتلته يا أسامة بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: إنه قالها خوفا من السلاح. قال له: هل شققت عن حقيقة قلبه ودخيلة نفسه لتعلم أقالها من قلبه أو خداعا؟ قال: يا رسول الله. إنه أوجع في القتل، وقتل فلانا وفلانا من المسلمين. قال رسول الله ﷺ : وقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال أسامة: يا رسول الله استغفر لي. قال: وبم تجيب يوم القيامة إذا جاءت لا إله إلا الله تطالبك بحقها في حقن الدم والمال؟ قال استغفر لي يا رسول الله. قال: وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ أعاد أسامة وكرر طلب الاستغفار، لكن رسول الله ﷺ لم يزد على قوله له: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟
وحلف أسامة ألا يقاتل مسلما بعد اليوم، وجاء يوم الفتنة، وقامت الحرب بين علي وبعض المسلمين في الجمل وصفين، واستنفر على أصحابه، ومنهم أسامة، لكن أسامة أحجم عن مناصرة علي، لا ضنا بنفسه عن علي، ولا كراهة له، ولكن كما قال لرسوله: قل له لو كان في أشد الأماكن هولا
стр. 320
لأحب أن يكون معه فيه، قال لرسوله قل له: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكنه يكره قتال المسلمين. واقتدى بأسامة في ذلك سعد بن أبي وقاص، فكف عن الدخول في الفتنة قائلا: لا أقاتل مسلما حتى يقاتله أسامة. وكانت الحجة البالغة لسعد ألا يقاتل مسلما، حتى حين قال له أحد دعاة الحرب في الفتنة: أليس الله يقول: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩] قال سعد: كان الدين لله، والمقاتلون اليوم يريدون بقتالهم الفتنة، وقانا الله شرها، وجمع الأمة على حبله المتين.
-[المباحث العربية]-
(بعثنا رسول الله ﷺ ضمير "بعثنا" للمتكلم أسامة ومن كان معه، وليس ضمير العظمة.
(في سرية) -بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء- وهي: الجماعة تخرج بالليل قيل: سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها. والسرية في العرف: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، وما افترق من السرية يسمى بعثا.
وهذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبد الله الليثي، وكانت في رمضان سنة سبع من الهجرة.
(فصبحنا الحرقات من جهينة) الحرقات- بضم الحاء وفتح الراء بعدها قاف - وهم: بطن من جهينة، سموا بذلك لواقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف، فأحرقوا بني مرة بالسهام وأكثروا من قتلهم، ومكان إقامتهم بناحية نجد، على مسافة ستة وتسعين ميلا من المدينة، أي نحو (١٥٢ كيلو مترا).
وفي الرواية الثانية: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم" أي فاجأناهم وهجمنا عليهم في الصباح قبل أن يشعروا. يقال: صبحته: أتيته صباحا بغتة، ومنه قوله تعالى: ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر﴾ [القمر: ٣٨].
(فأدركت رجلا) معطوف على مطوي في الكلام، والتقدير: فقاتلناهم فهزمناهم، وكان رجل منهم قد أوجع في المسلمين وقتل كثيرا منهم، فلما انهزموا ولى هاربا، فأدركته. وهذا الرجل قيل: اسمه مرداس بن عمرو الفدكي، وقيل مرداس بن نهيك الفزاوي، وتقدير الكلام فأدركت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم. كما سيأتي في الرواية الثانية.
(فقال: لا إله إلا الله) كناية عن الشهادتين، وقيل إن هذه الشهادة وحدها كافية في المنع من القتل خصوصا من مشرك.
(فطعنته) برمحي ومازلت أطعنه حتى قتل.
(فوقع في نفسي من ذلك) أي فوقع في نفسي شيء من هذا القتل، وظننت أني أخطأت.
следующие страницы →