← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

روايتنا الرابعة عشرة "إذا أراد أن يحرم يتطيب" فالتطيب عند إرادة الإحرام وقبله، وهذا هو المراد من قولها في الرواية الأولى والثانية "حين أحرم" أي حين أراد أن يحرم، وقولها في الرواية السابعة عشرة "عند إحرامه" أي عند إرادته الإحرام وقبل أن يحرم بدليل قولها في الرواية الثالثة، والسابعة، والسادسة عشرة "قبل أن يحرم" وقولها في الرواية السابعة عشرة والتاسعة عشرة "أنا طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرماً" وقولها في الرواية الثامنة عشرة "ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً". وقد اعترض على قولها في الرواية السابعة، والسادسة عشرة، والثامنة عشرة "كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يحرم" بأن هذا التعبير يفيد التكرار، مع أن ذلك لم يقع منها إلا مرة واحدة، وقد صرحت بعض الروايات بأن ذلك كان في حجة الوداع. قال النووي: المختار أن "كان" لا تقتضي تكراراً ولا استمراراً وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدنا من قولهم: "كان حاتم يقري الضيف" أن ذلك كان يتكرر منه، وقال جماعة من المحققين: إنها تقتضي التكرار ظهوراً، لكن قد تقع قرينة تدل على عدمه، فيستفاد من السياق المبالغة في إثبات ذلك، على معنى أنها كانت ستكرر فعل الطيب لو تكرر منه فعل الإحرام وذلك لما اطلعت عليه من استحبابه لذلك. قال الحافظ ابن حجر: على أن هذه اللفظة لم تتفق عليها الرواة عنها. ففي كثير من الروايات لفظ "طيبت" والله أعلم. (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) المراد به طواف الإفاضة، وفي الرواية الثانية "ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت" وفي الرواية الثامنة "ولحله قبل أن يفيض" وفي الرواية السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت" وللحج تحللان يأتي الكلام عليهما في فقه الحديث. (بيدي بذريرة) في بعض الروايات "بيدي هاتين" وأشارت بيديها والذريرة بفتح الذال: نوع من الطيب يستخرج من زهر نبت قصبي -أي ساقه أنابيب وكعوب- كان يؤتى به من الهند، ولعله كان خير الطيب عندهم في ذلك الوقت، لقولها في الرواية السادسة "بأطيب الطيب" وفي الثامنة "بأطيب ما وجدت" وفي السابعة "بأطيب ما أقدر عليه" وفي الرابعة عشرة "بأطيب ما يجد". ولا يعارض قولها "بذريرة" قولها في الرواية السادسة عشرة "بطيب فيه مسك" وقولها في الرواية الخامسة عشرة "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ " فإنهم كانوا يخلطون أنواع الطيب الجيد فيزداد جودة. (قبل أن يفيض) يقال أفاض الحجاج أي انصرفوا واندفعوا، والمراد قبل أن يطوف طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة يوم النحر، حيث ينصرف الحاج من منى إلى مكة فيطوف ويعود، فعند الدارمي "وطيبته بمنى قبل أن يفيض" وفي روايتنا السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت". (وبيص الطيب) أي بريقه، وقيل: إن الوبيص زيادة على البريق وأن المراد به التلألؤ.

стр. 2592

(في مفارق رسول الله ﷺ المفارق جمع مفرق، وهو المكان الذي يفترق في الشعر في وسط الرأس، ولشعر الرأس مفرق واحد غالباً، ولهذا قيل: إنها ذكرته بصيغة الجمع تعميماً لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر. والظاهر أن مكشوف الشعر في الهواء تتعدد مفارقه بفعل الريح، لهذا ذكرته بصيغة الجمع. (إن كنت لأنظر) "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف واللام في خبرها فارقة بينها وبين "إن" النافية، والتقدير: إن الحال والشأن كنت أنظر. فنظرها إلى الوبيص حاصل وواقع، لقولها في الرواية الرابعة عشرة "ثم أرى وبيص الدهن" لكنه لما لم يكن النظر مقصوداً ومتعمداً وهدفاً عبرت عن ذلك بالتشبيه، بقولها في الرواية التاسعة والحادية عشرة، والخامسة عشرة "كأني أنظر ... " وفي الرواية الثانية عشرة "كأنما أنظر" على معنى كأني كنت أنظر في ذلك الوقت، والأولى أن يكون المعنى كأني الآن أو كأنما الآن أنظر ... فكأنها تستحضر الصورة لتؤكد حصولها. (وهو محرم) ترفع بذلك إيهام أن الطيب كان قبل الإحرام وزال أثره بعد الإحرام وفي الرواية العاشرة "وهو يهل" أي يرفع الصوت بالتلبية، وفي الرواية الحادية عشرة "وهو يلبي". (ينضخ طيباً) النضخ بالخاء الأثر يبقى في الثوب وغيره من طيب ونحوه قال النووي: وضبطه بعضهم بالحاء المهملة، وهما متقاربان في المعنى. -[فقه الحديث]- لا خلاف في استحباب الطيب قبل الإحرام بشرط غسله وإزالة ريحه لحظة الإحرام ولا خلاف في تحريم الطيب على المحرم في الثوب والبدن، على الرجل والمرأة. وإنما الخلاف في استدامة رائحة الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن لمن تطيب به قبل الإحرام، وهذه المسألة هي فقه الحديث وجوهره. فالجمهور على أن المحرم إذا تطيب قبل إحرامه بما شاء من أنواع الطيب مسكاً كان أو غيره فإنه لا بأس به ولا شيء عليه، سواء كان مما يبقى عليه بعد إحرامه أو لا، ولا يضره بقاؤه عليه بعد إحرامه. قال بذلك أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي، وأصحابه، وأحمد، والثوري والأوزاعي وهو قول عائشة -راوية الأحاديث- وقول سعد بن أبي وقاص وابن عباس، وابن الزبير وابن جعفر، وأبي سعيد الخدري، وآخرين، وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام. وقال آخرون يحرم التطيب قبل الإحرام بما يبقى بعد الإحرام، وهو قول مالك والزهري، وعطاء، وهو قول عمر وابنه عبد الله -كما هو صريح قوله في روايتنا السابعة عشرة، والتاسعة عشرة، وخالفهما

стр. 2593

سالم بن عبد الله بن عمر الذي ذكر له قول عمر بعد سماعه حديث عائشة فقال: سنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. وعن مالك في وجوب الفدية قولان. ويحاول المالكية أن يجيبوا عن أحاديث الباب، فيقول بعضهم: إنه ﷺ كان يغتسل بعد هذا التطيب، لأنه كان يطوف على نسائه بعده، والمراد من الطواف الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة، فالضرورة أن يذهب عنه بغسله ما كان على بدنه من طيب. ورد هذا بقولها في روايتنا الثامنة عشرة "ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً" ولا شك أن نضخ الطيب وهو رائحته كان في حال إحرامه، كما هو صريح روايتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة وغيرها. قالوا: لعل في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصل طاف على نسائه ينضخ طيباً ثم أصبح محرماً، ورد بأن هذا خلاف الظاهر، والروايات صريحة في أن هذا الأثر في وقت إحرامه بل في بعض الروايات "بعد ثلاث" من إحرامه. قالوا: إن الأثر الذي بقي كان وبيص الطيب ولمعانه، وهو الأمر الذي يرى بالنظر وليس الرائحة. ورد بأن هذا خلاف الظاهر أيضاً، فسياق عائشة وإنكارها على ابن عمر يؤكد أن الخلاف في بقاء الرائحة وليس في بقاء الزيت دون الرائحة شبهة حتى تنكر. قالوا: لعل هذا الطيب لم تكن له رائحة، فقد ورد في بعض الروايات "بطيب ليس كطيبكم" ورد بأن مرادها بذلك قوة الجودة والرائحة لقولها "بأطيب ما أجد". وادعى بعضهم أن ذلك من خصائصه ﷺ ، قالوا: لأن الطيب من دواعي النكاح، فنهى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه ففعله ورد بأن الخصائص لا تثبت بالقياس، كما رد بحديث عائشة بنت طلحة عند أبي داود عن عائشة قالت: "كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم، ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله ﷺ فلا ينهانا" فهذا صريح في بقاء عين الطيب، ولا يقال: إن ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. قال المهلب: إنه تطيب خصوصية لمباشرته الملائكة لأجل الوحي، ورد بأن ذلك فرع ثبوت الخصوصية ولا سبيل لثبوتها. وتمسكوا بحديث الرجل الذي سأل عما يفعل المحرم بالعمرة وهو متضمخ بطيب حديثنا قبل بابين، وفيه "اغسل الطيب الذي بك، وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك". ورد عليهم بأن قصة هذا الرجل كانت بالجعرانة، وهي في سنة ثمان بلا خلاف وأحاديث عائشة تفيد أنه ﷺ تطيب في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر

стр. 2594

من الأمر وبأن المأمور بغسله في قصة الرجل إنما هو الخلوق، لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقاً، محرماً وغير محرم. القول الثالث في هذه المسألة: القول بكراهية الطيب قبل الإحرام بما يبقى عينه بعده وهو قول محمد بن الحسن. القول الرابع: قول الطرطوشي: يكره الطيب المؤنث -أي طيب النساء- كالمسك والزعفران والكافور والغالية والعود ونحوها، فإن تطيب وأحرم به فعليه الفدية، وأما غير المؤنث كالرياحين والياسمين والورد فليس من ذلك ولا فدية فيه أصلاً. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - يؤخذ من قولها في الرواية الثانية "ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت": أن تحللاً يحصل للحاج بدون طواف الإفاضة، قال النووي: وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم والحلق، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان، وإذا فعل اثنين منها حصل التحلل الأول، "أي اثنين كانا"، ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح منهن غير الجماع بالتحلل الأول، وهو قول بعض الشافعية، وللشافعي قول: أنه لا يحل بالأول إلا اللبس والحلق وقلم الأظفار. اهـ ٢ - ويؤخذ من قولها في الرواية السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت": أن التحلل الأول يحصل بعد رمي جمرة العقبة والحلق، وقبل الطواف قال النووي: وهذا متفق عليه. ٣ - وفيه دلالة على استباحة الطيب بالتحلل الأول. ٤ - ومن قولها في الرواية الثامنة عشرة "ثم يطوف على نسائه": أن القسم لم يكن واجباً عليه ﷺ ، لأن الفقهاء يقولون: أقل القسم ليلة لكل امرأة. قال النووي: هذا الطواف كان برضاهن، ولا خلاف في جوازه برضاهن كيف كان، قال أبو سعيد الإصطخري: لم يكن القسم واجباً عليه وإنما كان يقسم بالسوية، ويقرع بينهن تكرماً وتبرعاً لا وجوباً، وقال الأكثرون: كان واجباً، والله أعلم. ٥ - يؤخذ من استحباب الطيب قبل الإحرام: استحباب وسائل النظافة والتجمل بعامة قبل الإحرام، قال النووي في المجموع: يستحب أن يتأهب للإحرام بحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وقلم الأظفار، وغسل الرأس بسدر أو نحوه. وقال أيضاً: قال الشافعي في الأم والمختصر: أحب للمرأة أن تخضب للإحرام، واتفق الأصحاب على استحباب الخضاب لها، قالوا: وسواء كان لها زوج أم لا، لأن هذا مستحب بسبب الإحرام، فلا فرق بينهما، فأما إذا كانت لا تريد الإحرام ولها زوج استحب لها الخضاب في كل وقت، لأنه زينة وجمال وهي مندوبة إلى الزينة والتجمل لزوجها كل وقت، وإن كانت غير ذات زوج ولم ترد

стр. 2595

الإحرام، كره لها الخضاب من غير عذر، لأنه يخاف به الفتنة عليها وعلى غيرها بها، وهذا كله متفق عليه، وسواء في استحباب الخضاب عند الإحرام العجوز والشابة، كالتطيب. قال الشافعية: ويكره للمرأة الخضاب بعد الإحرام، لأنه من الزينة، وهي مكروهة للمحرم، لأنه أشعث أغبر، فإن اختضبت في الإحرام فلا فدية، لأن الحناء ليس بطيب عندنا. والله أعلم

стр. 2596

(٣٢٠) باب تحريم الصيد المأكول البري أو ما أصله ذلك على المحرم ٢٤٩٢ - عن الصعب بن جثامة الليثي ﵁ أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً. وهو بالأبواء (أو بودان) فرده عليه رسول الله ﷺ . قال: فلما أن رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي، قال "إنا لم نرده عليك، إلا أنا حرم". ٢٤٩٣ - عن الزهري بهذا الإسناد "أهديت له حمار وحش". ٢٤٩٤ - عن الزهري بهذا الإسناد وقال أهديت له من لحم حمار وحش. ٢٤٩٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي ﷺ حمار وحش، وهو محرم. فرده عليه. وقال "لولا أنا محرمون، لقبلناه منك". ٢٤٩٦ - عن ابن عباس ﵄ في رواية منصور عن الحكم: أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي ﷺ رجل حمار وحش. وفي رواية شعبة عن الحكم: عجز حمار وحش يقطر دماً. وفي رواية شعبة عن حبيب: أهدي للنبي ﷺ شق حمار وحش فرده. ٢٤٩٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم زيد بن أرقم. فقال: له عبد الله بن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي إلى رسول الله ﷺ وهو حرام؟ قال: أهدي له عضو من لحم صيد فرده. فقال: "إنا لا نأكله. إنا حرم". ٢٤٩٨ - عن أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ . حتى إذا كنا بالقاحة.

стр. 2597

فمنا المحرم ومنا غير المحرم. إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئاً. فنظرت فإذا حمار وحش. فأسرجت فرسي وأخذت رمحي. ثم ركبت. فسقط مني سوطي. فقلت لأصحابي، وكانوا محرمين: ناولوني السوط. فقالوا والله! لا نعينك عليه بشيء. فنزلت فتناولته. ثم ركبت. فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة. فطعنته برمحي، فعقرته، فأتيت به أصحابي. فقال بعضهم: كلوه. وقال بعضهم: لا تأكلوه. وكان النبي ﷺ أمامنا. فحركت فرسي فأدركته. فقال "هو حلال. فكلوه". ٢٤٩٩ - عن أبي قتادة ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ . حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين. وهو غير محرم. فرأى حماراً وحشياً. فاستوى على فرسه. فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه. فأبوا عليه. فسألهم رمحه. فأبوا عليه. فأخذه. ثم شد على الحمار فقتله. فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ . وأبى بعضهم. فأدركوا رسول الله ﷺ . فسألوه عن ذلك؟ فقال "إنما هي طعمة أطعمكموها الله". ٢٥٠٠ - عن أبي قتادة ﵁ في حمار الوحش مثل حديث أبي النضر غير أن في حديث زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال "هل معكم من لحمه شيء؟ ". ٢٥٠١ - عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي مع رسول الله ﷺ عام الحديبية. فأحرم أصحابه ولم يحرم. وحدث رسول الله ﷺ أن عدوا بغيقة. فانطلق رسول الله ﷺ . قال: فبينما أنا مع أصحابه. يضحك بعضهم إلى بعض. إذ نظرت فإذا أنا بحمار وحش. فحملت عليه. فطعنته فأثبته. فاستعنتهم، فأبوا أن يعينوني. فأكلنا من لحمه. وخشينا أن نقتطع. فانطلقت أطلب رسول الله ﷺ أرفع فرسي شأواً وأسير شأواً. فلقيت رجلاً من بني غفار في جوف الليل. فقلت: أين لقيت رسول الله ﷺ ؟ قال: تركته بتعهن. وهو قائل السقيا. فلحقته. فقلت: يا رسول الله! إن أصحابك يقرءون عليك السلام ورحمة الله. وإنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك. انتظرهم. فانتظرهم. فقلت: يا رسول الله! إني أصدت ومعي منه فاضلة. فقال النبي ﷺ للقوم "كلوا" وهم محرمون.

стр. 2598

٢٥٠٢ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ حاجاً. وخرجنا معه. قال: فصرف من أصحابه فيهم أبو قتادة. فقال "خذوا ساحل البحر حتى تلقوني" قال: فأخذوا ساحل البحر. فلما انصرفوا قبل رسول الله ﷺ ، أحرموا كلهم. إلا أبا قتادة. فإنه لم يحرم. فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش. فحمل عليها أبو قتادة. فعقر منها أتاناً. فنزلوا فأكلوا من لحمها. قال فقالوا: أكلنا لحماً ونحن محرمون. قال: فحملوا ما بقي من لحم الأتان. فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله! إنا كنا أحرمنا. وكان أبو قتادة لم يحرم. فرأينا حمر وحش. فحمل عليها أبو قتادة. فعقر منها أتاناً. فنزلنا فأكلنا من لحمها. فقلنا نأكل لحم صيد ونحن محرمون! فحملنا ما بقي من لحمها. فقال "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ " قال قالوا: لا. قال "فكلوا ما بقي من لحمها". ٢٥٠٣ - عن عثمان بن عبد الله بن موهب بهذا الإسناد في رواية شيبان: فقال رسول الله ﷺ "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ ". وفي رواية شعبة قال: "أشرتم أو أعنتم أو أصدتم"؟ . قال شعبة: لا أدري قال أعنتم أو أصدتم. ٢٥٠٤ - عن أبي قتادة ﵁ أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية. قال: فأهلوا بعمرة، غيري. قال: فاصطدت حمار وحش. فأطعمت أصحابي وهم محرمون. ثم أتيت رسول الله ﷺ فأنبأته أن عندنا من لحمه فاضلة. فقال: "كلوه" وهم محرمون. ٢٥٠٥ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ وهم محرمون. وأبو قتادة محل. وساق الحديث. وفيه: فقال "هل معكم منه شيء؟ " قالوا: معنا رجله. قال: فأخذها رسول الله ﷺ فأكلها. ٢٥٠٦ - عن عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة في نفر محرمين. وأبو قتادة

стр. 2599

محل. واقتص الحديث. وفيه: قال "هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟ " قالوا: لا. يا رسول الله! قال "فكلوا". ٢٥٠٧ - عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن أبيه. قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم. فأهدي له طير. وطلحة راقد. فمنا من أكل. ومنا من تورع. فلما استيقظ طلحة وفق من أكله. وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- شاءت حكمة الله أن يجعل بيته الحرام أمناً، أمناً حتى على الحيوان، فحرم صيده، بل حرم تنفير صيده، بل شاءت حكمة الله أن يجعل قاصد بيته مصدر أمن، وصورة للسلم والمسالمة حتى مع الصيد، فحرم جل شأنه على المحرم صيد البر، فقال: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ [المائدة: ٩٦]. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]. وقرر عقاباً وجزاء لمن يرتكب هذه الجريرة مع الوعيد الشديد، فقال: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾ [المائدة: ٩٥]. والجريمة إذا عظمت أحيطت بسياج من الممنوعات، فحرمت السنة مساعدة المحرم للصائد، حرمت على المحرم أن يعين الصائد محرماً أو حلالاً بأي نوع من أنواع العون حتى الإشارة، وحرمت على المحرم أن يأكل من لحم صيد صاده محرم، أو صاده محل من أجله، وهذه الأحاديث تصور لنا هذا الإطار الحكيم. الصعب بن جثامة -وهو حل- يصطاد حماراً وحشياً، فيهديه لرسول الله ﷺ وهو محرم، فلا يقبل رسول الله ﷺ هذه الهدية، ويردها لمهديها، فيظهر الأسف والخجل والكسوف في وجه الصعب، فيقول له ﷺ : لم نردها عليك استهانة بها أو بك أو غضباً عليك ولكن لأننا جميعاً محرمون لا نأكل لحم صيد لنا، لولا أننا محرمون لقبلناه منك وأكلناه. وهذا أبو قتادة يخرج في جيش المسلمين لغزوة الحديبية، وفي الطريق يرسله رسول الله ﷺ مع بعض أصحابه لمهمة استطلاعية، أحرم أصحابه الذين معه بعمرة، ولم يحرم، وبقي حلالاً. ونزلوا يستريحون، وجلس أبو قتادة يخصف نعله. لاحت منه التفاتة إلى أصحابه فوجدهم ينظرون بعيداً، ثم ينظر بعضهم إلى بعض يبتسمون، إنهم يرون حمار وحش سهل الصيد، لكنهم ممنوعون من الصيد، إن أبا قتادة بينهم حلال، يمكنه أن يصطاده، لكنهم ممنوعون من الإشارة عليه بالصيد، وأدرك أبو قتادة الأمر، فوضع السرج على فرسه وأخذ سوطه ورمحه وركب، فسقط السوط والرمح، فطلب من

стр. 2600

أصحابه أن يناولوه، فرفضوا لأنهم ممنوعون من إعانته على الصيد بأي وجه من وجوه العون، فنزل فأخذ سوطه ورمحه، وركض بفرسه حتى أدرك الحمار الوحشي فطعنه برمحه فعقره، ثم جاء به إلى أصحابه فمنهم من اعتقد حل الأكل فشوى وأكل، ومنهم من امتنع ثم قالوا: وما لنا نتشكك ورسول الله ﷺ أمامنا؟ قريب منا فأسرعوا إليه وسبقهم إليه أبو قتادة، فسأله. فقال ﷺ لهم: هل منكم أحد أشار أو أعان أبا قتادة؟ قالوا: لا. قال: هل معكم من لحمه شيء؟ قالوا: نعم. رجله. فأخذها فأكلها. وقال: هو حلال. هو طعمة أطعمكم الله إياها. إذا حصلتم على مثلها فكلوه. صلى الله وسلم وبارك عليه، ورضي عن صحابته أجمعين. -[المباحث العربية]- (عن الصعب بن جثامة) "الصعب" بفتح الصاد وسكون العين، وأبوه "جثامة" بفتح الجيم وتشديد الثاء، وهو من بني ليث، وكان ابن أخت أبي سفيان بن حرب، وكان النبي ﷺ آخى بينه وبين عوف بن مالك. (حماراً وحشياً) بنصب "وحشياً" على الوصف، وفي الرواية الثانية "حمار وحش" على الإضافة، وفي الرواية الثالثة "رجل حمار وحش" وفي ملحقها "عجز حمار وحش يقطر دماً" وفي ملحقها الثاني "شق حمار وحش" وفي الرواية الرابعة "عضو من لحم صيد". وقد مال النووي إلى أن المهدى جزء حمار، وأن رواية "حماراً" من إطلاق الكل وإرادة الجزء، وحمل على البخاري إذ ترجم للحديث بباب: إذا أهدي للمحرم حماراً وحشياً حياً لم يقبل. وقال: ليس في سياق الحديث تصريح بذلك، وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك، وهو باطل، لأن الروايات التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح. اهـ ويحاول القرطبي الدفاع عن البخاري فيقول: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحاً، ثم قطع منه عضواً بحضرة النبي ﷺ ، فقدمه له، فمن قال: أهدى حماراً أراد بتمامه، مذبوحاً، أو حيا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبي ﷺ . قال: ويحتمل أنه أهداه له حياً، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه، ظاناً أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل. قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات. اهـ ويؤيد الحافظ ابن حجر هذا الاتجاه، فيقول: إذا تأملت ما تقدم لم يحسن إطلاقه [أي إطلاق النووي] لبطلان التأويل المذكور، ولا سيما في رواية الزهري [وفيها حماراً وحشياً] التي هي عمدة هذا الباب، وقد قال الشافعي في الأم: حديث مالك أن الصعب أهدى حماراً أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار، وقال الترمذي: روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب "لحم حمار وحش" وهو غير محفوظ. اهـ والتحقيق: أن الدفاع عن استنباط البخاري ضعيف، واحتمال أن الصعب أهدى حماراً كاملاً حياً

стр. 2601

أو مذبوحاً فرد فأهدى جزءاً منه بعيد جداً، والتأويل بإطلاق الكل وإرادة الجزء جيد، وفيه الجمع بين الروايات وليس فيه توهيم لرواية الزهري التي هي عمدة الباب. والله أعلم. (وهو بالأبواء أو بودان) الأبواء بهمزة مفتوحة وباء ساكنة جبل من عمل الفرع بضم الفاء والراء بين مكة والمدينة، قيل سمي بذلك لأن السيول تتبوؤه أي تحمله (أو بودان) الشك من الراوي. وودان بفتح الواو وتشديد الدال موضع بقرب الجحفة، وودان أقرب إلى الجحفة من الأبواء، فإن القادم من المدينة إلى مكة يصل الأبواء فيكون بينه وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلاً، ثم يصل ودان فيكون بينه وبين الجحفة ثمانية أميال. (فلما أن رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي قال) في رواية "فلما عرف في وجهي" وفي رواية "فلما رأى ما في وجهي من الكراهية" وفي رواية "فلما عرف في وجهي رده هديتي" أي أثر رده هديتي قال ... إلخ. (إنا لم نرده عليك) وفي رواية "ليس بنا رد عليك". وفي رواية "إنا لم نرده عليك كراهية له، ولكنا حرم" قال الحافظ ابن حجر: قال عياض: ضبطناه في الروايات "لم نرده" بفتح الدال، وأبى ذلك المحققون من أهل العربية، وقالوا: الصواب أنه بضم الدال، لأن المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها، وليس الفتح بغلط وأجازوا أيضاً الكسر وهو أضعف الأوجه، وقد وقع في رواية "لم نردده" بفك الإدغام، ولا إشكال فيه. وقال العيني بعد أن نقل مضمون ما سبق: هذا في المضاعف إذا دخله الهاء أن يضم ما قبلها، وهذا في المذكر، وأما في المؤنث مثل: لم نردها، فمفتوح الدال مراعاة للألف، وفي مثل هذه الصيغة قبل دخول الهاء عليها أربعة أوجه: الفتح لأنه أخف الحركات، والضم إتباعاً لضمة عين الفعل، والكسر لأنه الأصل في تحريك الساكن، والفك. (إلا أنا حرم) "أنا" بتشديد النون وفتح الهمزة، على التعليل. قال الكرماني: لام التعليل محذوفة، والمستثنى منه مقدر [عموم العلل] أي لا نرده لعلة من العلل إلا لأننا حرم و"حرم" بضمتين جمع حرام، أي محرمون، وفي رواية النسائي "إلا أنا حرم لا نأكل الصيد" وفي روايتنا الثانية "لولا أنا محرمون لقبلناه منك" وفي روايتنا الرابعة "إنا لا نأكله. إنا حرم". (عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في الرواية السابعة "عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي مع رسول الله ﷺ عام الحديبية" على الإرسال، وفي الرواية الثامنة عن أبي قتادة "خرج رسول الله ﷺ حاجاً وخرجنا معه" وفي الرواية التاسعة عن أبي قتادة "أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية" والقصة في غزوة الحديبية والإشكال في روايتنا الثامنة "خرج حاجاً" قال الإسماعيلي: هذا غلط ولعل الراوي أراد خرج محرماً، فعبر عن الإحرام بالحج غلطاً، وقيل: لعله أراد من الحج قصد البيت، فكأنه قال: خرج قاصداً للبيت، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر.

стр. 2602

(حتى إذا كنا بالقاحة) بالقاف والحاء كذا قيدها الناس كلهم، ورواه بعضهم عن البخاري بالفاء وهو وهم، والصواب القاف، وهو واد على نحو ميل من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة. (فمنا المحرم ومنا غير المحرم) لعله يقصد بغير المحرم نفسه ففي الرواية السادسة "مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم" وفي الرواية السابعة "فأحرم أصحابه ولم يحرم" وفي الرواية الثامنة "أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم" وفي الرواية التاسعة "فأهلوا بعمرة غيري". (إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئاً، فنظرت فإذا حمار وحش) في الرواية السادسة "فرأى حمارًا وحشيًّا" وفي الرواية السابعة "فبينما أنا مع أصحابه [أي أصحاب النبي ﷺ ] يضحك بعضهم إلى بعض إذ نظرت فإذا أنا بحمار وحش" وفي الرواية الثامنة " فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش". قال النووي: في بعض الروايات "يضحك بعضهم إلي" بياء المتكلم مجرورة بحرف الجر. قال القاضي: هذا خطأ وتصحيف، والصواب "يضحك بعضهم إلى بعض" فأسقط لفظ "بعض" والصواب إثباتها، لأنهم لو ضحكوا إليه لكانت إشارة منهم، وقد قالوا إنهم لم يشيروا إليه. قال النووي: قلت لا يمكن رد هذه الرواية فقد صحت هي والرواية الأخرى وليس في واحدة منها دلالة ولا إشارة إلى الصيد، فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة. قال العلماء: وإنما ضحكوا تعجباً من عروض الصيد، ولا قدرة لهم عليه، لمنعهم منه. اهـ وانتصر الحافظ ابن حجر للقاضي عياض، فقال إن رواية "يضحك بعضهم إلي" لو صحت كان فيها مزيد أمر على مجرد الضحك، لأنهم اشتركوا في رؤيته فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض وأبو قتادة لم يكن رآه فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثاً له على التفطن إلى رؤيته، ويؤيد ما قاله القاضي ما وقع في رواية بلفظ "رأيت الناس متشوقين لشيء، فذهبت أنظر، فإذا هو حمار وحش فقلت: ما هذا؟ فقالوا: ما ندري فقلت هو حمار وحش فقالوا هو ما رأيت"، وفي رواية "وجاء أبو قتادة وهو حل، فنكسوا رءوسهم كراهية أن يحدوا أبصارهم له فيفطن فيراه" قال الحافظ: فكيف يظن بهم مع ذلك أنهم ضحكوا إليه؟ فتبين أن الصواب ما قاله القاضي. ثم ناقش الحافظ ابن حجر الإمام النووي في صحة الرواية. (فسقط مني سوطي) في الرواية السادسة "فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه، فسألهم رمحه فأبوا عليه" فالظاهر أن رمحه سقط منه فاستعان بهم بعد أن سقط السوط فامتنعوا عن إعانته. ففي الرواية الخامسة طي والأصل: فأسرجت فرسي، وأخذت رمحي وسوطي، ثم ركبت فسقط مني سوطي فقلت لأصحابي ناولوني السوط، فأبوا، فنزل فأخذه وركب، فسقط منه الرمح، فسألهم أن يناولوه، فأبوا عليه وقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء فنزل فتناوله. وفي الرواية السابعة تقديم وتأخير، وأصلها: فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني فحملت عليه فطعنته. (فأدركت الحمار من خلفه، وهو وراء أكمة، فطعنته برمحي فعقرته) في الرواية السادسة "ثم شد على الحمار فقتله" وفي الرواية السابعة "فحملت عليه فطعنته فأثبته" وفي الرواية

стр. 2603

الثامنة "فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا" "الأكمة" بفتحات ثلاث، هي التل من حجر واحد، ومعنى "فأثبته" أي جعلته ثابتاً في مكانه، لا حراك به، و"الأتان" أنثى الحمار فإطلاق لفظ الحمار في الروايات مجاز. وكأنه رأى مجموعة من حمر الوحش ينفرد عنها حمار، فتبعه حتى أدركه مستتراً بتل من حجر. (فقال بعضهم: كلوه، وقال بعضهم: لا تأكلوه) في الرواية السادسة "فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ وأبى بعضهم" وفي الرواية الثامنة "فأكلوا من لحمها" أي بعضهم، وفي الرواية التاسعة "فأطعمت أصحابي" أي بعضهم وفي رواية "ثم جئت به فوقعوا فيه يأكلون" وفي رواية "فجعلوا يشوون منه، ثم قالوا: رسول الله بين أظهرنا نلحق به ونسأله -وكان تقدمهم- فلحقوه فسألوه"، فالظاهر أن بعضهم أكل أول ما أتاهم، ثم طرأ عليهم الشك. (وكان النبي ﷺ أمامنا) بفتح الهمزة، أي في الطريق يسبقنا ويتقدمنا. (فحركت فرسي فأدركته) في الرواية السادسة "فأدركوا رسول الله ﷺ فسألوه عن ذلك" وفي الرواية السابعة "فانطلقت أطلب رسول الله ﷺ .... ثم سأله" وفي الرواية الثامنة فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا ..... " وفي الرواية التاسعة "ثم أتيت رسول الله ﷺ فأنبأته ... " ولا تعارض، فقد سبقهم أبو قتادة فسأل، ثم جاءوا من بعده فسألوا. (فقال: هو حلال فكلوه) في الرواية السادسة "إنما هي طعمة أطعمكموها الله" أي إنما هي طعام، وفي الرواية السابعة "فقال للقوم: كلوا" وفي الرواية الثامنة "قال: فكلوا ما بقي من لحمها" فالأمر بالأكل أمر بأكل ما بقي، فإن كان الأمر قد صدر لمن ليس معه شيء منه فمعناه كلوا أمثاله حين تجدون أمثاله. (تخلف مع أصحاب له) أي تخلف عن رسول الله ﷺ وقد بينت الرواية الثامنة سر هذا التخلف، وأنه كان بأمر من رسول الله ﷺ كطليعة استكشاف للمنطقة، وتحسس عن الأعداء. (محرمين) هذا الوصف باعتبار ما آل إليه أمرهم، فقد بينت الرواية الثامنة أنهم أحرموا بعد أن صرفهم رسول الله ﷺ إلى ساحل البحر، وبعد أن أخذوا الساحل ولم يجدوا عدواً، واتجهوا نحو رسول الله ﷺ . (وحدث رسول الله ﷺ أن عدواً بغيقة فانطلق رسول الله ﷺ فبينما أنا مع أصحابه) "الغيقة" بفتح الغين وسكون الياء موضع من بلاد بني غفار، بين مكة والمدينة، وقيل هي بئر ماء لبني ثعلبة. وفي الكلام طي، وضحه الحافظ ابن حجر بقوله: وحاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء أخبروه بأن عدوا من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوه على غرة، فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ فأحرموا إلا هو فاستمر حلالاً. اهـ

стр. 2604

فمعنى "فانطلق رسول الله ﷺ " أي استمر في طريقه منطلقاً، وأرسل بعض أصحابه. (وخشينا أن نقتطع) أي نصير مقطوعين عن النبي ﷺ ، منفصلين عنه، إما بالاسترخاء عن اللحاق به، فيسبقهم، وإما بأن يقطعهم العدو عنه ويحوذهم. (أرفع فرسي شأوا وأسير شأوا) "أرفع" بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الفاء المكسورة، وبفتح الهمزة وسكون الراء، والمعنى: أرفع درجة جريه شأوا أي تارة حرصاً على الإسراع، وأسير به بيسر وهدوء دون ركض تارة أخرى حرصاً على راحة الفرس. (تركته بتعهن) في ضبطها خلاف كثير شمل كل حركات حروفها، وهي عين ماء قبل السقيا بثلاثة أميال للقادم من المدينة. (وهو قائل السقيا) "السقيا" قرية جامعة بين مكة والمدينة، وقائل إما من القول والسقيا مفعول لفعل محذوف، أي وهو يقول لأصحابه اقصدوا السقيا وإما من القيلولة والسقيا ظرف، أي تركته ليلاً بتعهن وهو يقصد ويعزم القيلولة غداً في السقيا. (انتظرهم فانتظرهم) الأولى بصيغة الأمر، والثانية بصيغة الماضي. (إني أصدت ومعي منه فاضلة) قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ بفتح الصاد المخففة، والضمير في "منه" يعود على الصيد المحذوف الذي دل عليه "أصدت" ويقال بتشديد الصاد، وفي بعض النسخ "صدت" بكسر الصاد وفي بعضها "اصطدت" وكله صحيح. اهـ وفي البخاري "أصبت حمار وحش وعندي منه فاضلة" أي فضلة أي قطعة باقية. (فصرف من أصحابه) من تبعيضية، أي صرف بعض أصحابه. (خذوا ساحل البحر حتى تلقوني) أي اتجهوا إلى طريق ساحل البحر إلى غيقة ثم اتجهوا نحوي للقائي. (فلما انصرفوا قبل رسول الله ﷺ "قبل" بكسر القاف وفتح الباء أي جهة. (أحرموا كلهم إلا أبا قتادة) في بعض رواة البخاري: "إلا أبو قتادة" قال الحافظ: ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب وقد أغفلوا وروده مرفوعاً بالابتداء مع ثبوت الخبر ومع حذفه، فمن أمثلة الثابت الخبر "إلا أبو قتادة لم يحرم" فإلا بمعنى لكن، وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، ومن أمثلة المحذوف الخبر ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾ [البقرة: ٢٤٩]. في قراءة رفع (قليلاً) وقوله ﷺ : "كل أمتي معافى إلا المجاهرون". (فنزلوا فأكلوا من لحمها) يقال: نزل المسافر، أي توقف عن السير وحط الرحال للراحة ونحوها، وضمير "أكلوا" غير ضمير "نزلوا" لأنهم نزلوا جميعاً وأكل بعضهم وأبى الأكل بعضهم كما

стр. 2605

أوضحنا، والقائل أكلنا لحماً هم الآكلون بعض النازلين، ومرادهم "لحم صيد" لا مطلق لحم، يوضح ذلك قولهم بعد "نأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ ". (هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء) أي هل منكم أحد أمر أبا قتادة بأن يصيده، أو أشار إليه بصيده؟ وفي ملحق الرواية الثامنة "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها" وفي الملحق الثاني "أشرتم أو أعنتم أو أصدتم؟ ". (وفق من أكله) أي صوب من أكله. -[فقه الحديث]- قال النووي: أجمعت الأمة على تحريم الصيد على المحرم، وإن اختلفوا في فروع منه ودليله نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال أصحابنا: يحرم عليه كل صيد بري مأكول أو في أصله مأكول، وحشياً كان أو في أصله وحشي. هذا ضابطه، فأما ما ليس بصيد كالبقر والغنم والإبل والخيل وغيرها من الحيوان الإنسي، فليس بحرام بالإجماع. لأنه ليس بصيد وإنما حرم الشرع الصيد، وأما ما ليس بمأكول، ولا هو متولد من مأكول وغير مأكول فليس بحرام بلا خلاف عندنا. وأما صيد البحر فحلال بالنص والإجماع. قال الله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة﴾ [أي لكم معشر المقيمين وزاداً للمسافرين] ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ [المائدة: ٩٦]. وقال الشافعي والأصحاب: يحرم على المحرم أكل صيد صاده هو أو أعان على اصطياده، أو أعان على قتله بدلالة، أو إعارة آلة، سواء دل عليه دلالة ظاهرة أو خفية ويحرم عليه أكل ما صاده الحلال له، سواء علم به المحرم وأمره بذلك أم لا، أما إذا صاد الحلال شيئاً، ولم يقصد اصطياده للمحرم ولا كان من المحرم فيه إعانة ولا دلالة فيحل للمحرم أكله بلا خلاف. ثم قال: هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، وفيه مذهب ثالث أنه يحرم على المحرم أكل الصيد مطلقاً، فكان علي بن أبي طالب وابن عمر لا يريان للمحرم أكل الصيد، واحتج لهما بعموم قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ قالوا: والمراد بالصيد المصيد كما استدلوا بحديث الصعب بن جثامة [روايتنا الأولى والثانية والثالثة والرابعة] واحتج أصحابنا عليهم بأحاديث أبي قتادة، وهي ظاهرة في الدلالة للشافعي وموافقيه، وفي رد ما قاله أهل المذهبين الآخرين، ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده وحديث الصعب على أنه قصدهم باصطياده، ويحمل قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ على الاصطياد، وعلى لحم ما صيد للمحرم، للأحاديث المبينة للمراد من الآية فإن قيل: فقد علل النبي ﷺ في حديث الصعب حين رده بأنه محرم، ولم يقل لأنك صدته لنا؟ فالجواب: أنه ليس في هذه العبارة ما يمنع أنه صاده له ﷺ لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له بشرط أنه محرم، فبين الشرط الذي يحرم به ودليلنا على أبي حنيفة وموافقيه حديث أبي قتادة، وقول النبي ﷺ "هل منكم أحد

стр. 2606

أمره .... " قال: وأما حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي "روايتنا العاشرة" فهو محمول على ما لم يصد للمحرم، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأدلة. والله أعلم. انتهى بتصرف. وقد صرحت آية المائدة بعقوبة المحرم إذا اصطاد، فقالت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المراد من أحرم بحج أو عمرة وإن كان في الحل وفي حكمه من كان في الحرم وإن كان حلالاً] ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾ قال ابن بطال: اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمداً أو خطأ فعليه الجزاء، وخالف أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية في الخطأ، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿متعمداً﴾ فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والجمهور على أن القرآن صرح بالعمد وأن السنة جاءت بالخطأ، وعن الحسن ومجاهد يجب الجزاء في الخطأ دون العمد فللعمد النقمة، وعنهما يجب الجزاء على العامد أول مرة، فإن عاد كان أعظم لائمة، وعليه النقمة، لا الجزاء. واختلفوا في جزاء الصيد أهو على الترتيب؟ أم على التخيير؟ الجمهور على الثاني على معنى أنه يجب في الظبي شاة، وفي الضبع شاة، وفي الوحش بقرة وللجاني أن يختار الإطعام، فيقوم الصيد من حيث إنه صيد، لا من حيث ما زاد عليه بالصنع، في المكان الذي أصابه المحرم فيه، أو في أقرب الأماكن إليه مما يباع فيه ويشترى، وكذا يعتبر الزمان الذي أصابه فيه لاختلاف القيم باختلاف الأمكنة والأزمنة، فإن بلغت قيمته قيمة هدي يخير الجاني بين أن يشتري بهذه القيمة هدياً، وبين أن يشتري بها طعاماً، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، ويحكم بالقيمة والمماثلة عدلان مسلمان. هذا جزاء المحرم إذا صاد، فهل الجزاء نفسه على المحرم الذي أكل من صيد غيره المحرم أو المحل؟ خلاف بين العلماء والظاهر أن عليه الحرمة لا الجزاء، لئلا يكون هناك بدلان لشيء واحد. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من الرواية الأولى جواز رد الهدية لعلة. ٢ - والاعتذار للمهدي عن هديته ليطيب خاطره. ٣ - أن الهدية لا تدخل في الملك إلا بالقبول. ٤ - من قوله "فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي قال ... " جواز الحكم بناء على العلامة والقرينة. ٥ - جواز صيد الحمار الوحشي، وجواز أكله. ٦ - وأن عقر الصيد ذكاته.

стр. 2607

٧ - من الرواية الخامسة، وقول بعضهم: كلوه، وقول بعضهم: لا تأكلوه جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، قال ابن العربي: وهو اجتهاد بالقرب من النبي ﷺ ، لا في حضرته. ٨ - وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد، ولو تضاد المجتهدان، ولا يعاب واحد منهما على ذلك، فإن رسول الله ﷺ لم يعب أحدهما. ٩ - الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة، فقد رجعوا إلى رسول الله ﷺ يسألون. ١٠ - من عدم إحرام أبي قتادة جواز دخول الحرم بغير إحرام إذا كان الدخول لمهمة، فقد ورد أن أبا قتادة كان مبعوثاً من النبي ﷺ على الصدقة، فلم يخرج محرماً كما خرج القوم. قال القشيري: يحتمل أنه لم يكن مريداً النسك، أو أن ذلك قبل توقيت المواقيت. اهـ وهذا الجواب الثاني بعيد لإحرام الجميع سواه، وزعم المنذري: أن أهل المدينة كانوا قد أرسلوه إلى النبي ﷺ يعلمونه أن بعض العرب ينوي غزو المدينة، وقال ابن التين: يحتمل أنه لم ينو دخول مكة وإنما صحب النبي ﷺ ليكثر جمعه. ١١ - تحريم الإشارة والإعانة من المحرم في قتل الصيد، وقيده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها. ١٢ - من قوله في ملحق الرواية السادسة "هل معكم من لحمه شيء" جواز الاستيهاب من الأصدقاء. ١٣ - ومن أخذه وأكله ﷺ في الرواية التاسعة قبول الهدية من الصديق. ١٤ - وتطييب النبي ﷺ لقلوب أصحابه. قال عياض: عندي أن النبي ﷺ طلب من أبي قتادة ذلك تطييباً لقلب من أكل، وبياناً للجواز بالقول والفعل لإزالة الشبهة التي حصلت لهم. ١٥ - ومن الرواية السابعة من ضحك بعضهم إلى بعض أن تمني المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه. ١٦ - واستعمال الكناية في الفعل، كما تستعمل في القول، لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحل. ١٧ - ومن إرسال النبي ﷺ لأبي قتادة وأصحابه إلى الغيقة جواز بعث الطليعة في الغزو. ١٨ - وجواز تفريق الإمام أصحابه للمصلحة. ١٩ - ومن ركض الفرس جواز سوق الفرس ورفع درجة سرعته للحاجة مع الرفق به. ٢٠ - ومن تبليغ أبي قتادة السلام استحباب إرسال السلام إلى الغائب عن قرب وعن بعد، سواء كان أفضل من المرسل أولاً، لأنه إذا أرسله إلى من هو أفضل منه فمن دونه أولى. قال النووي: قال أصحابنا: ويجب على الرسول تبليغه، ويجب على المرسل إليه رد الجواب حين يبلغه على الفور. ٢١ - ومن حملهم ما بقي من الأتان في الرواية الثامنة جواز حمل الزاد في السفر. ٢٢ - ومن إعطاء أبي قتادة اللحم لأصحابه استحباب الرفق ومساعدة الأصحاب والرفقاء في السفر.

стр. 2608

(٣٢١) باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم ٢٥٠٨ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أربع كلهن فاسق. يقتلن في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور". قال عبيد الله: فقلت للقاسم: أفرأيت الحية؟ قال: تقتل بصغر لها. ٢٥٠٩ - عن عائشة ﵂ قالت: عن النبي ﷺ ؛ أنه قال "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا". ٢٥١٠ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "خمس فواسق يقتلن في الحرم: العقرب، والفأرة، والحديا، والغراب، والكلب العقور". ٢٥١١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة، والعقرب، والغراب، والحديا، والكلب العقور". ٢٥١٢ - وعن الزهري بهذا الإسناد، قالت: أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم. ثم ذكر بمثل حديث يزيد بن زريع. ٢٥١٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "خمس من الدواب كلها فواسق. تقتل في الحرم: الغراب، والحدأة، والكلب العقور، والعقرب، والفأرة". ٢٥١٤ - عن سالم، عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ . قال: "خمس لا جناح على من

стр. 2609

قتلهن في الحرم والإحرام: الفأرة، والعقرب، والغراب والحدأة، والكلب العقور". وقال ابن أبي عمر في روايته "في الحرم والإحرام". ٢٥١٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قالت حفصة زوج النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ "خمس من الدواب كلها فاسق لا حرج على من قتلهن: العقرب، والغراب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور". ٢٥١٦ - عن زيد بن جبير أن رجلاً سأل ابن عمر: ما يقتل المحرم من الدواب؟ فقال: أخبرتني إحدى نسوة رسول الله ﷺ أنه أمر -أو أمر- أن يقتل الفأرة، والعقرب، والحدأة، والكلب العقور، والغراب. ٢٥١٧ - عن زيد بن جبير قال سأل رجل ابن عمر: ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ قال: حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب، والحية. قال: وفي الصلاة أيضاً. ٢٥١٨ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "خمس من الدواب، ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". ٢٥١٩ - عن ابن جريج قال: قلت لنافع: ماذا سمعت ابن عمر يحل للحرام قتله من الدواب؟ فقال لي نافع: قال عبد الله: سمعت النبي ﷺ يقول "خمس من الدواب لا جناح على من قتلهن، في قتلهن: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".

стр. 2610

٢٥٢٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "خمس لا جناح في قتل ما قتل منهن في الحرم" فذكر بمثله. ٢٥٢١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "خمس، من قتلهن وهو حرام فلا جناح عليه فيهن: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحديا". -[المعنى العام]- إن الأمن والأمان الذي أراده الله لمخلوقاته في الحرم والإحرام أمن وأمان على الإنسان، وأمن وأمان من الإنسان، وفي الباب السابق بسطنا التشريع الحكيم في تأمين الإنسان غيره، أمنت الشريعة السمحة الحيوان والطير، حتى الحيوان البري المتوحش، أمنته من الإنسان المحرم، كما أمنته في الحرم على اختلاف الأزمنة وفي هذه الأحاديث يأتي دور تأمين الإنسان حلالاً أو محرماً من بعض مخلوقات الله التي أراد لها أن تؤذي الإنسان، أو أن تفسد له أمتعته، أو أن تنغص عليه حياته، كما حجبت الشريعة السمحة أذاه عن غيره مكنته من الدفاع عن نفسه وصد الأذى مما يهدده بالأذى. تناسق وموازنة، وحكمة وعدالة، فكما يحرم على المحرم صيد البر وأكل لحمه إذا صيد له، يحل له بل يستحب أن يقتل ما يهدده بأذى اللسع، كالعقرب والحية والثعبان والأفعى والزنبور، حتى البعوض والذباب، وأن يقتل ما يهدده بخطف طعامه وأمتعته كالحدأة والغراب والصقر وأن يقتل ما يهدده بإفساد البيت والفراش وتخريب الثياب وقرض الأمتعة، كالفيران وأم عرس، وأن يقتل ما يهدد حياته بالعض أو الافتراس كالكلب العقور والذئب والسبع والنمر والفهد وإذا جاز للمحرم أن يؤمن نفسه، وأن يقتل ما يؤذيه، وهو صورة المسالمة وصورة السلامة جاز لغير المحرم أن يؤمن نفسه من هذه الأشياء من باب أولى. من هنا قال ﷺ : خمس من الدواب كلهن فاسق [خارج عن طبيعة المسالمة] يقتلن في الحل والحرم [في الأماكن الحلال وفي الحرم المكي الذي نزل فيه: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وفي الوقت الحلال وفي الأشهر الحرم ومن المسلم الحلال ومن المحرم بحج أو عمرة] لا حرج على من قتلهن في أي وقت وفي أي مكان، الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور.

стр. 2611

-[المباحث العربية]- (أربع) وكذا "خمس" مبتدأ، سوغ الابتداء به ملاحظة الوصف "من الدواب" الوارد في الرواية السادسة. (كلهن فاسق) مبتدأ وخبر، والجملة خبر "أربع" وفي الرواية السادسة "كلها فاسق" قال النووي: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف: ٥٠]. أي خرج، وسمي الرجل فاسقاً لخروجه عن طاعة ربه، فهو خروج مخصوص. وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله وقيل في حل أكله، لقوله تعالى: ﴿أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]. وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، ومن ثم اختلف أهل الفتوى فيما يلحق بها من الدواب، وسيأتي توضيحه في فقه الحديث. (خمس فواسق) هذا لفظ الرواية الثانية والثالثة والرابعة. قال النووي: هو بإضافة "خمس" لا يتنوينه، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين. قال الحافظ ابن حجر: التقييد بالخمس، وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أولاً، ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم فقد ورد في بعض الطرق [روايتنا الأولى] بلفظ "أربع" فأسقط العقرب، وفي بعض الطرق "ست" فأثبت العقرب، وزاد الحية، وإن كانت خالية عن لفظ العدد [وهي روايتنا العاشرة] وأغرب عياض فقال: في بعض الطرق ذكر الأفعى، فصارت سبعاً، وتعقب بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية، والحديث الذي ذكرت فيه أخرجه أبو عوانة من طريق ابن عوانة عن نافع، قال: قلت لنافع، فالأفعى؟ قال: ومن يشك في الأفعى. وجاء في رواية عند أبي داود زيادة السبع العادي، فصارت سبعاً، وعند ابن خزيمة زيادة الذئب والنمر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعاً، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور، ثم قال الحافظ: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة ولا يخلو شيء من ذلك من مقال. اهـ (من الدواب) بتشديد الباء، جمع دابة، وهي: ما دب من الحيوان، وهي تشمل الطير بدليل هذا الحديث فقد ذكر منها الحدأة والغراب، ويدل على دخول الطير أيضاً عموم قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]. وقوله: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها﴾ [العنكبوت: ٦٠]. وبعضهم لا يدخل الطير في الدواب، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ [الأنعام: ٣٨]. والعطف

стр. 2612

يقتضي المغايرة، ويمكن الرد عليه بأنه من قبيل عطف الخاص على العام، كقوله: ﴿من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ... ﴾ [البقرة: ٩٨]. والدابة: تطلق على الذكر والأنثى، وقد تصرف أهل العرف فيها فخصها بعضهم بذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، وخصها بعضهم بما يركب، ومنهم من خصها بالحمار، ومنهم من خصها بالفرس. (يقتلن في الحل والحرم) في الرواية الثالثة والرابعة "يقتلن في الحرم" وإذا رخص في قتلهن في الحرم مع قدسيته وتحريم قتل غيرها فيه، رخص في قتلها في الحل من باب أولى. وهل "يقتلن" رخصة أو ندباً؟ في الرواية الخامسة "أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس" وفي التاسعة "أمر -أو أمر-" وفي العاشرة "كان يأمر" فهل الأمر للإباحة أو للندب؟ وفي السابعة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة رفع الجناح، أي رفع الإثم على من قتلهن، وفي الثامنة رفع الحرج أي رفع المؤاخذة على من قتلهن. فهل رفع الجناح ورفع الحرج يفيد الحل فقط؟ أو يشمل الندب أيضاً؟ خلاف يأتي تفصيله في فقه الحديث. وفي الرواية السابعة "لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام" قال النووي: اختلفوا في ضبط "الحرم" هنا، فضبطه جماعة من المحققين بفتح الحاء والراء، أي الحرم المشهور، وهو حرم مكة، والثاني بضم الحاء والراء، وهو جمع حرام، كما قال تعالى ﴿وأنتم حرم﴾ [المائدة: ١]. قال: والمراد به المواضع المحرمة، قال: والفتح أظهر. اهـ فصار قتلها مباحاً للمحرم سواء أكان في الحل أم في الحرم، ومباحاً في الحرم سواء للمحرم أم للحلال. (الحدأة) لم تلتزم الروايات ترتيباً معيناً، فقد ذكرت الحدأة أولاً في الرواية الأولى وآخراً في الرواية الثانية، والرابعة عشرة، وفي الوسط في بقية الروايات ولا يتعلق بترتيبها غرض. "والحدأة" بكسر الحاء، وبعد الدال همزة، وجمعها حدأ بكسر الحاء وفتح الدال بعدها همزة كعنبة وعنب، والتاء فيها للفرق بين الواحد والجمع، وليست للتأنيث، وفي بعض الروايات "الحدأ" بلفظ الجمع، وفي رواياتنا الثانية والرابعة عشرة "الحديا" بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء بعدها ألف مقصورة، وهي لغة حجازية، وغيرهم يقول "حدية" بالتاء بدل الألف، وهي طائر معروف، قال الحافظ: ومن خواصها، أنها تقف في الطيران ويقال: إنها لا تخطف إلا من جهة اليمين. (والغراب) كذا جاء مطلقاً في جميع روايات مسلم إلا الثانية فجاءت بلفظ "الغراب الأبقع" وهو الذي في بطنه أو ظهره بياض. قال الحافظ ابن حجر: وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث، وهو قضية حمل المطلق على المقيد ورد الآخرون بأن هذه الزيادة لم تثبت، وسيأتي توضيح لذلك في فقه الحديث. (والفأرة) بهمزة ساكنة، ويجوز تسهيلها "فارة" واحدة الفيران، وهي أنواع: منها الجرذ بوزن

стр. 2613

عمر، والخلد بضم الخاء وسكون اللام، وفأرة الإبل وفأرة المسك، وفأرة الغيط، وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء. (والكلب العقور) العقور والعاقر: الجارح، وفي المراد به هنا خلاف بين الفقهاء يأتي في فقه الحديث. (تقتل بصغر لها) بضم الصاد، أي بمذلة وإهانة. (والعقرب ... والحية) العقرب: يقال للذكر والأنثى، وقد يقال: عقربة وعقرباء، قال صاحب المحكم: ويقال إن عينها في ظهرها، وأنها لا تضر ميتاً ولا نائماً حتى يتحرك، ويقال لدغته العقرب بالغين ولسعته، وقد ذكرت الحية بدلها في بعض الروايات، كروايتنا الثانية وجمع بينهما في بعض الروايات كروايتنا العاشرة. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أنه ﷺ نبه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار، وبين حكمهما معاً حيث جمع بينهما. وسيأتي مزيد بحث في الحكم في فقه الحديث. والعقرب: دويبة من العنكبيات ذات سم معروفة، أما الحية فهي طويلة من الزواحف، ومن أنواعها الثعبان والأفعى. (حدثتني إحدى نسوة رسول الله ﷺ هذه المبهمة صرح بها في الرواية الثامنة، وهي أخته حفصة ﵃ أجمعين. -[فقه الحديث]- قال النووي: اتفق جماهير العلماء على جواز قتل المذكورات في الحل والحرم والإحرام، واتفقوا على أنه يجوز للمحرم أن يقتل ما في معناهن، ثم اختلفوا في المعنى فيهن، وما يكون في معناهن، فقال الشافعي: والمعنى في جواز قتلهن كونهن مما لا يؤكل وكل ما لا يؤكل، ولا هو متولد من مأكول وغيره قتله جائز للمحرم، ولا فدية عليه. وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات، فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: ليس في نفي الجناح، وكذا نفي الحرج دلالة على أرجحية الفعل على الترك، لكن لفظ "أمر" [في روايتنا التاسعة والعاشرة] ظاهره الوجوب، ويحتمل الندب والإباحة، لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر، لعموم نهي المحرم عن القتل، فلا يكون للوجوب ولا للندب. اهـ وخلاف الفقهاء في الحدأة ينحصر في تقييد جواز قتلها بأن تبتدئ بالأذى، وتقييد جواز قتلها بالكبار منها؟ أو الجواز على الإطلاق، ابتدأت بالأذى أو لم تبتدئ، صغيرة كانت أم كبيرة؟ الجمهور على الإطلاق، وهو المشهور عن المالكية، لكن بعض المالكية على التقييد.

стр. 2614

أما خلافهم في الغراب فهو نتيجة لتعدد أنواع الغراب، قال الحافظ ابن حجر، بعد أن صحح رواية "الغراب الأبقع". قال ابن قدامة: ويلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل. قال الحافظ: وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ماعداه من الغربان ملتحقاً بالأبقع. قال: ومنها "الغداف" على الصحيح، وسماه ابن قدامة "غراب البين" والمعروف عند أهل اللغة أن غراب البين هو الأبقع، قيل: سمي غراب البين لأنه بان عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها، ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، فأبطل الإسلام ذلك، وقال صاحب الهداية: المراد بالغراب في الحديث الغداف، والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا، وكذا استثناه ابن قدامة، وما أظن فيه خلافاً. ويحمل على غراب الزرع ما جاء عند أبي داود -إن صح- حيث قال فيه "ويرمي الغراب ولا يقتله". ومن أنواع الغربان: الأعصم، وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وحكمه حكم الأبقع، ومنها العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سمي بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، والعرب تتشائم به أيضاً، وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل: حكم غراب الزرع، وقال أحمد إن أكل الجيف فكان أبقع، وإلا فلا. وأما خلافهم في الفأرة فقد نقل ابن شاش عن المالكية خلافاً في جواز قتل الصغير منها، الذي لا يتمكن من الأذى. وأما خلافهم في الكلب العقور فقد نقل عن سفيان بن عيينة أنه قال: الكلب العقور كل سبع يعقر، ولم يخص به الكلب، وعن أبي هريرة: الكلب العقور الأسد، وعن مالك: هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل الأسد والنمر والفهد، وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب وشبههما فلا يقتله المحرم، وإن قتله فداه وحكي عن أبي حنيفة أن المراد به الكلب المعروف خاصة، وألحق به الذئب، وحمل "زفر" الكلب هنا على الذئب وحده وذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن المراد كل مفترس غالباً. واختلف العلماء في الكلب غير العقور، مما لم يؤمر باقتنائه، فذهب بعض الشافعية إلى أنه محترم لا يجوز قتله، وذهب آخرون إلى أنه غير محترم، وذهب جماعة إلى كراهة قتله كراهة تنزيه. وأما خلافهم في العقرب فقد قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وقال نافع: لما قيل له فالحية؟ قال لا يختلف فيها، وفي رواية ومن يشك فيها. وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم وحماداً، فقالا -لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب. قال: ومن حجتهما أنهما من هوام الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام.

стр. 2615

قال الحافظ وهو اعتلال لا معنى له. نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. وخلاصة أقوال الفقهاء في هذا الموضوع: أن المالكية يرون العلة كونها مؤذية فيلحقون بها كل مؤذ، والأذى أنواع، وكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السموم، كالحية، والزنبور وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرض، كابن عرس، وبالغراب والحدأة على ما يشاركهما بالاختطاف كالصقر وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى بالعدوان والعقر، كالأسد والفهد. والشافعية يرون العلة كونها مما لا يؤكل، وقد قسم هو وأصحابه الحيوان بالنسبة للمحرم إلى ثلاثة أقسام: قسم يستحب قتله كالخمس وما في معناها مما يؤذي. وقسم يجوز قتله، كسائر ما لا يؤكل لحمه، وهو قسمان: الأول ما يحصل منه نفع وضرر، فيباح لما فيه من منفعة الاصطياد، ولا يكره لما فيه من العدوان. والثاني ما ليس فيه نفع ولا ضرر، فيكره قتله ولا يحرم. والقسم الثالث ما أبيح أكله، أو نهي عن قتله، فلا يجوز قتله، وفيه الجزاء إذا قتله المحرم. أما الحنفية فاقتصروا على الخمس، إلا أنهم ألحقوا بها الحية، لثبوت الخبر بها والذئب لمشاركته الكلب في الكلبية، وألحقوا بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها. بقيت أنواع اختلف الفقهاء في جواز قتلها، منها الوزغ، وهو دابة صغيرة لها قوائم تعدو في أصول الحشيش، وتعيش في الجدران والخربات، وهي ما يطلق عليها [البرص]. وفي البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "قال رسول الله ﷺ للوزغ فويسق، ولم أسمعه يأمر بقتله"، وعدم سماع عائشة لا يدل على منع قتله. قال العيني: فقد سمعه غيرها، وفي مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ مرفوعاً "أمر بقتل الأوزاغ" ثم ساق العيني مجموعة من الأحاديث في قتل الوزغ، ثم قال: ونقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يقتل المحرم الوزغ، زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدق، لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها. ومنها البعوض والبراغيث والذباب والقمل والبق والنمل. قال ابن المنذر قال الشافعي وأصحاب الرأي: لا شيء على المحرم في قتل البعوض والبراغيث والبق، وكذا قال عطاء في البعوض والذباب. وقال مالك: في الذباب والقمل إذا قتلها أرى أن يتصدق بشيء من الطعام، وكان الشافعي يكره قتل النملة، ولا يرى على المحرم في قتلها شيئاً قال: فأما "الزنبور" [وهو المعروف عند العامة بالدبور] فقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأمر بقتله، وقال عطاء وأحمد: لا جزاء فيه، وقال

стр. 2616

مالك: يطعم شيئاً، وقال ابن المنذر: وأما القملة إذا قتلها المحرم فقال ابن عمر ﵄: يتصدق بحفنة من طعام، وقال عطاء: قبضة من طعام. -[ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - جواز القصاص في الحرم. قال النووي: وفي هذه الأحاديث دلالة للشافعي وموافقيه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل ما يجب عليه قتل بقصاص أو رجم بالزنا، أو قتل في المحاربة، وغير ذلك، وأنه يجوز إقامة كل الحدود فيه سواء كان موجب القتل والحد جري في الحرم أو خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى الحرم، وهذا مذهب مالك والشافعي وآخرين. وقال أبو حنيفة وطائفة: ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه، وما فعله خارجه ثم لجأ إليه: إن كان إتلاف نفس لم يقم عليه في الحرم، بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه، فيقام عليه خارجه، وما كان دون النفس يقام فيه. وحجتهم قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وحجتنا عليهم: هذه الأحاديث، لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدواب في اسم الفسق، بل فسقه أفحش، لكونه مكلفاً، ولأن التضييق الذي ذكروه لا يبقى لصاحبه أمان، فقد خالفوا ظاهر ما فسروا به الآية. قال القاضي: ومعنى الآية عندنا وعند أكثر المفسرين أنه إخبار عما كان قبل الإسلام، وعطفه على ما قبله من الآيات، وقيل: آمن من النار، وقالت طائفة: يخرج ويقام عليه الحد. والله أعلم

стр. 2617

(٣٢٢) باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها ٢٥٢٢ - عن كعب بن عجرة ﵁ قال: أتى علي رسول الله ﷺ زمن الحديبية وأنا أوقد تحت (قال القواريري: قدر لي. وقال أبو الربيع: برمة لي) والقمل يتناثر على وجهي. فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " قال: قلت: نعم. قال: "فاحلق وصم ثلاثة أيام. أو أطعم ستة مساكين. أو انسك نسيكة". قال أيوب: فلا أدري بأي ذلك بدأ. ٢٥٢٣ - عن كعب بن عجرة ﵁ قال: في أنزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ قال: فأتيته، فقال: "ادنه". فدنوت. فقال: "ادنه". فدنوت. فقال ﷺ : "أيؤذيك هوامك؟ ". قال ابن عون: وأظنه قال: نعم. قال: فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك. ما تيسر. ٢٥٢٤ - عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف عليه ورأسه يتهافت قملاً، فقال: "أيؤذيك هوامك؟ " قلت: نعم. قال: "فاحلق رأسك". قال: ففي نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضاً أبو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فقال لي رسول الله ﷺ "صم ثلاثة أيام. أو تصدق بفرق بين ستة مساكين. أو انسك ما تيسر". ٢٥٢٥ - عن كعب بن عجرة ﵁ أن النبي ﷺ مر به، وهو بالحديبية، قبل أن يدخل مكة، وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر والقمل يتهافت على وجهه، فقال: "أيؤذيك هوامك هذه؟ " قال: نعم. قال: "فاحلق رأسك، وأطعم فرقاً بين ستة مساكين. (والفرق ثلاثة آصع) أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة". قال ابن أبي نجيح "أو اذبح شاة".

стр. 2618

٢٥٢٦ - عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية، فقال له: "آذاك هوام رأسك؟ " قال: نعم. فقال له النبي ﷺ "احلق رأسك. ثم اذبح شاة نسكاً. أو صم ثلاثة أيام. أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين". ٢٥٢٧ - عن عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب ﵁ وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فقال كعب ﵁ نزلت في. كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله ﷺ ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى. أتجد شاة؟ " فقلت: لا. فنزلت هذه الآية ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ قال: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعاماً لكل مسكين. قال: فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة. ٢٥٢٨ - عن كعب بن عجرة ﵁ أنه خرج مع النبي ﷺ محرماً فقمل رأسه ولحيته. فبلغ ذلك النبي ﷺ . فأرسل إليه. فدعا الحلاق فحلق رأسه. ثم قال له "هل عندك نسك؟ " قال: ما أقدر عليه. فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكينين صاع. فأنزل الله فيه خاصة: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه﴾. ثم كانت للمسلمين عامة. -[المعنى العام]- إذا كان الإسلام قد شرع للحاج أن يعيش مدة إحرامه دون أن يقص أو يحلق شعره، ليكون أشعث أغبر، قليل العناية بزينة الدنيا فليس معنى ذلك أن يكلفه شططاً، أو ما لا يحتمل من أذى، وكما حرم عليه في الحج محرمات فإنه جعل له منها مندوحات، من عبادة بديلة كصيام، أو نفع للفقراء والمساكين بالفدية والكفارات. وقد يبتلي الله الحاج ببعض الأمراض أو الحملات في رأسه وشعره، ويكون علاجه في حلقه، كما حدث للصحابي الجليل كعب بن عجرة، إذ خرج مع النبي ﷺ من المدينة محرمين، يقصدون بيت الله الحرام لأداء النسك في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فمنعهم مشركوا مكة عند

стр. 2619

الحديبية، وبدأت بين المسلمين وبينهم المفاوضات والرسل، وبينما المسلمون على أمل وطمع في أن يمكنوا من أداء النسك ابتلى الله كعب بن عجرة بالقمل في رأسه، توالد وتكاثر حتى ملأ رأسه، وجرى على شعره، حتى حاجبه وشاربه، وحتى سبح على وجهه وتساقط منه، ومر به النبي ﷺ فواساه وطيب خاطره وسأله: هل يملك شاة فيذبحها كفارة وفداء ليحلق؟ فقال: لا. فذهب الرسول ﷺ إلى رحله ينتظر حكم ربه، فنزل عليه قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]. وشرح الله لنبيه مقدار الصوم الواجب والصدقة، فدعا رسول الله ﷺ كعب بن عجرة، وقرأ عليه الآية، وقال له: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، كل مسكين نصف صاع، ودعا الحلاق فحلق شعره، فصام كعب ثلاثة أيام، حيث لم يكن معه ما يطعمه المساكين، وصدق الله العظيم في نبيه ﷺ حيث قال: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. -[المباحث العربية]- (أتى علي رسول الله ﷺ في الرواية الثالثة "وقف عليه" وفي الرواية الرابعة والخامسة "مر به" وفي الرواية السابعة "فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليه" وفي الرواية الثانية "فأتيته" وفي الرواية السادسة "فحملت إليه" وعند الطبراني "أنه لقيه وهو عند الشجرة" قال الحافظ ابن حجر: ولا تعارض، والجمع أن يقال: مر به أولاً، فرآه على تلك الصورة فاستدعاه إليه، فخاطبه، وحلق رأسه بحضرته، فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر. (زمن الحديبية) في الرواية الرابعة "وهو بالحديبية، قبل أن يدخل مكة وهو محرم" وفي رواية البخاري "وهو بالحديبية، ولم يتبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة" وهذه الزيادة تبين أن الحلق كان لاستباحة محظور بسبب الأذى، لا لقصد التحلل بالإحصار. (وأنا أوقد تحت قدر لي) في ملحق الرواية "تحت برمة لي" وفي رواية "وأنا أطبخ قدراً لأصحابي". (والقمل يتناثر على وجهي) في الرواية الرابعة "والقمل يتهافت على وجهه" أي يتساقط شيئاً فشيئاً، وهو مأخوذ من الهفت بسكون الفاء، وفي المحكم: الهفت تساقط الشيء قطعة قطعة، كالثلج والرذاذ ونحوهما، وتهافت الفراش في النار: تساقطه، وتهافت القوم تساقطوا موتاً، وتهافتوا عليه تتابعوا وفي الرواية الثالثة "ورأسه يتهافت قملاً" "قملاً" منصوب على التمييز، وفي الرواية السابعة "فقمل رأسه ولحيته" وعند أحمد "وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى حاجبي وشاربي" وفي رواية لأحمد "قملت حتى ظننت أن كل شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها إلى فرعها" زاد في رواية "وكنت حسن الشعر" وفي رواية أبي داود "أصابتني هوام، حتى تخوفت على بصري" وفي رواية "وكانت لي وفرة" أي شعر وفير على الرأس يبلغ شحمة الأذنين.

стр. 2620

(أيؤذيك هوام رأسك؟ ) في الرواية الثانية والثالثة والرابعة "أيؤذيك هوامك؟ " وفي رواية البخاري "لعلك آذاك هوامك؟ قال: نعم" زاد في الرواية السادسة "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى" قال الحافظ ابن حجر: "أرى" الأولى بضم الهمزة، أي أظن، و"أرى" الثانية بفتح الهمزة من الرؤية و"الجهد" بفتح الجيم: المشقة، وقال النووي: والضم لغة في المشقة أيضاً. وقيل: بالضم الطاقة، وبالفتح المشقةأيبيب. و"الهوام" بتشديد الميم جمع هامة، وهي ما يدب من الأخشاش، والمراد بها، ما يلازم جسد الإنسان غالباً، إذا طال عهده بالتنظيف، وقد عين في كثير من الروايات أنها القمل. (قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة) أي شاة، كما جاء في الرواية الخامسة، وهي المرادة بقوله "ما تيسر" في الرواية الثانية والثالثة، وشرطها: أن تجزئ في الأضحية. قال الراوي: فلا أدري بأي ذلك بدأ. في الرواية الرابعة قدم الإطعام على الصيام، وفي الرواية الخامسة قدم النسك على الصيام والإطعام، وفي رواية لأبي داود "أتجد شاة؟ قال: لا. قال فصم أو أطعم" فظاهرها أن التخيير إنما هو بين الصيام والإطعام لمن لم يجد النسك. قال الحافظ ابن حجر: لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما روي عن سعيد بن جبير، وقد جمع بينهما بأوجه، منها: أن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب، لا لإيجابه، ومنها: أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعينه، لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم، ومنها: أنه يحتمل أن النبي ﷺ لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى أفتاه بأن يكفر بالذبح، على سبيل الاجتهاد منه ﷺ ، أو بوحي غير متلو، فلما أعلمه أنه لا يجد، نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والإطعام والصيام، فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام، لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه، ويوضح ذلك رواية مسلم [روايتنا السادسة] حيث قال: "أتجد شاة؟ فقلت: لا. فنزلت هذه الآية" إلخ. ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية﴾ هذه قطعة من آية، أولها قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ والمعنى: فمن كان منكم به مرض يحوجه إلى حلق شعره، "أو به أذى من رأسه" بجراحة أو قمل أو حك فعليه إذا حلق فدية. (فأتيته، فقال: ادنه، فدنوت) الفعل "ادن" دخلت عليه هاء السكت قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه إذ مر به وهو يوقد تحت القدر. اهـ وأقول: الظاهر أنه بعد أن أرسل إليه وأتاه، فظل بعيداً خوفاً عليه ﷺ من أن يصله منه شيء، يدل على ذلك قوله "فأتيته". (أو تصدق بفرق بين ستة مساكين) "الفرق" بفتح الفاء والراء وقد تسكن قال الأزهري: كلام العرب بالفتح، والمحدثون قد يسكنونه، وهو مكيال معروف بالمدينة ويقدر بثلاثة أصع، كما

стр. 2621

قدره الراوي في الرواية الرابعة وصرحت به الرواية الخامسة ولفظها "أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين" والسادسة، ولفظها "أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع طعاماً لكل مسكين" والسابعة، ولفظها "أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكينين صاع. وهذا التحديد من السنة للإطعام المطلق الوارد في الآية. والآصع جمع صاع، وهو من باب المقلوب، لأن فاء الكلمة في آصع صاد وعينها واو، فقلبت الواو همزة، ونقلت إلى موضع الفاء، ثم قلبت الهمزة ألفاً حين اجتمعت هي وهمزة الجمع، فصار آصعاً، ووزنه عندهم أعفل. قال النووي: وأما ما ذكره ابن مكي في كتابه [تثقيف اللسان] أن قولهم في جمع الصاع: آصع، لحن من خطأ العوام، وصوابه: أصوع فغلط منه وذهول وعجب قوله هذا مع اشتهار اللفظة في كتب الحديث واللغة العربية، وأجمعوا على صحتها. اهـ (قعدت إلى كعب بن عجرة وهو في المسجد) في رواية أحمد "قال عبد الله بن معقل: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد" زاد في رواية "يعني مسجد الكوفة". -[فقه الحديث]- قال النووي: هذه روايات الباب، وكلها متفقة في المعنى، ومقصودها: أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر من قمل أو مرض أو نحوهما فله حلقه في الإحرام، وعليه الفدية، قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ وبين النبي ﷺ أن الصيام ثلاثة أيام والصدقة بثلاثة آصع لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة تجزئ في الأضحية، ثم إن الآية الكريمة والأحاديث متفقة على أنه مخير بين هذه الأنواع الثلاثة، وهكذا الحكم عند العلماء. واتفقوا على القول بظاهر هذا الحديث إلا ما حكي عن أبي حنيفة والثوري: أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة، فأما التمر والشعير وغيرهما فيجب صاع لكل مسكين. وهذا خلاف نصه ﷺ في هذا الحديث "ثلاثة آصع من تمر" وعن أحمد بن حنبل رواية أنه لكل مسكين مد من حنطة أو نصف صاع من غيره، وعن بعض السلف أنه يجب إطعام عشرة مساكين، أو صوم عشرة أيام، وهذا ضعيف منابذ للسنة مردود. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]- ١ - أن السنة مبينة لمجمل القرآن، لإطلاق الفدية في القرآن، وتقييدها بالسنة. ٢ - وتحريم حلق الرأس على المحرم. ٣ - والرخصة له في حلقها إذا أذاه القمل أو غيره من الأوجاع. ٤ - وفيه تلطف الكبير بأصحابه، وعنايته بأحوالهم، وتفقده لهم.

стр. 2622

٥ - وإذا رأى في بعض أتباعه ضرراً سأل عنه، وأرشده إلى المخرج منه. ٦ - واستنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن هنا قال الشافعي والجمهور: لا يتخير العامد، بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية. ٧ - واستدل به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين وقال الحسن: تتعين مكة، وقال مجاهد: النسك بمكة ومنى، والإطعام بمكة والصيام حيث شاء وقريب منه قول الشافعي وأبي حنيفة: الدم والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء، إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم. ٨ - واستدل به على أن الحج على التراخي، لأن جدل كعب دل على أن نزول قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ كان بالحديبية، وهي في سنة ست، وفيه بحث. كذا في فتح الباري. ٩ - استدل به على أن القياس لا يدخل الحدود، لأنه هنا جعل صوم يوم معادلاً بصاع، وفي الفطر من رمضان جعل صوم اليوم معادلاً بمد. ١٠ - ومن الرواية السادسة: الجلوس في المسجد. ١١ - ومذاكرة العلم. ١٢ - والاعتناء بسبب النزول، لما يترتب عليه من معرفة الحكم وتفسير القرآن. ١٣ - استدل به ابن التين على أن إزالة القمل عن الرأس ممنوعة على المحرم ويجب بإزالته عن الرأس الفدية، وكذلك إزالته عن الجسد عند مالك، وقال الشافعي: إزالة القملة عن الجسد مباح، وفي إزالتها عن الرأس الفدية، لأجل ترفهه، لا لأجل القملة، وروي عن الشافعي أنه قال: من قتل قملة تصدق بلقمة، وهو على وجه الاستحباب. والله أعلم

стр. 2623

(٣٢٣) باب جواز الحجامة للمحرم ٢٥٢٩ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم. ٢٥٣٠ - عن ابن بحينة ﵁: أن النبي ﷺ احتجم بطريق مكة وهو محرم وسط رأسه. -[المعنى العام]- كان رسول الله ﷺ يحتجم، وكانت شرطة المحجم من أهم وسائل التداوي عند العرب، وقد روي "أنه ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به" وروي "أنه ﷺ احتجم من أكلة أكلها من شاة سمتها امرأة من أهل خيبر". وهذا الحديث عن احتجامه ﷺ وهو محرم بحجة الوداع في وسط رأسه، ولا شك أنه ﷺ قد فدى عملاً بقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]. -[المباحث العربية]- (أن النبي ﷺ احتجم) الحجامة: امتصاص الدم بالمحجم. (بطريق مكة وهو محرم) زاد البخاري "بلحى جمل" بفتح اللام وسكون الحاء بعدها ياء، وبفتح الجيم والميم، وهو موضع بطريق مكة، وجزم الحازمي وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع. (وسط رأسه) "وسط" قال أهل اللغة: كل شيء ينفصل بعضه عن بعض كالصف والقلادة، وحلقة الناس في العلم وغيره، فوسطه بإسكان السين، وكل شيء لا ينفصل بعضه من بعض كالأرض، والدار، والحجرة، فوسطه بفتح السين، وقد أجازوا في المفتوح الإسكان، ولم يجيزوا في الساكن الفتح، وعليه "وسط رأسه" بفتح السين، ويجوز إسكانها. -[فقه الحديث]- قال النووي: أجمع العلماء على جواز الحجامة للمحرم في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك،

стр. 2624

وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر فإن لم يقطع شعراً فلا فدية عليه، ودليل المسألة قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية﴾ وهذا الحديث محمول على أن النبي ﷺ كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس لأنه لا ينفك عن قطع شعر. أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه فهي جائزة عندنا وعند الجمهور، ولا فدية فيها، وعن مالك كراهتها، دليلنا: أن إخراج الدم ليس حراماً في الإحرام. وفي هذا الحديث بيان لقاعدة من مسائل الإحرام، وهي أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة، وعليه الفدية، كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد أو غير ذلك. اهـ قال الحافظ ابن حجر: واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد، وبط الجرح والدمل [أي شقه]، وقطع العرق، وقلع السن والضرس، وغير ذلك من وجوه التداوي، إذا لم يكن في ذلك ما نهي عنه المحرم من تناول الطيب وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك. والله أعلم

стр. 2625

(٣٢٤) باب جواز مداوة المحرم عينيه ٢٥٣١ - عن نبيه بن وهب قال: خرجنا مع أبان بن عثمان حتى إذا كنا بملل اشتكى عمر بن عبيد الله عينيه، فلما كنا بالروحاء اشتد وجعه، فأرسل إلى أبان بن عثمان، يسأله فأرسل إليه أن اضمدهما بالصبر، فإن عثمان ﵁ حدث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما بالصبر. ٢٥٣٢ - عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله بن معمر رمدت عينه فأراد أن يكحلها، فنهاه أبان بن عثمان وأمره أن يضمدها بالصبر وحدث عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك. -[المعنى العام]- هكذا كان السلف الأول يتحرون الصواب في عبادتهم، ولا يتهاونون وكانوا إذا اشتبه عليهم الأمر، أو أرادوا الاستيثاق سألوا أهل الذكر ومن عندهم علم، فعلموا منهم وعملوا بما علموا، فهذا عمر بن عبيد الله بن معمر يشكو رمداً في عينيه، وهو محرم، فيصبر ويحتمل، فيشتد به الألم فيرسل إلى أبان بن عثمان بن عفان وهو معه في رحلة الحج، يسأله عما يحل له وعما يحرم عليه في هذه الحالة، هل يضع في عينيه كحلاً؟ وهو يستعمل للزينة والمحرم منهي عن الزينة، وربما كان في الكحل طيب والمحرم يحرم عليه الطيب؟ فنهاه أبان أن يستعمل الكحل، وأرشده إلى أن يضع في عينيه سائل الصبر بدلاً من الكحل وروي له عن أبيه عن عثمان عن النبي ﷺ فعل ذلك. -[المباحث العربية]- (عن نبيه) بضم النون وفتح الباء. (مع أبان) فيه وجهان. الصرف وعدمه، والصحيح الأشهر الصرف، فمن صرفه قال: وزنه فعال، ومن منعه قال: وزنه أفعل، فعلة المنع العلمية ووزن الفعل. (إذا كنا بملل) بفتح الميم وفتح اللام الأولى، وهو موضع على ثمانية وعشرين ميلاً من المدينة.

стр. 2626

(اضمدهما بالصبر) في كتب اللغة: ضمد الجرح بالدواء ونحوه -بفتح الضاد والميم مخففة- دهنه به، أو وضعه عليه، مضارعه يضمد بكسر الميم وأضمد القوم وغيرهم جمعهم وضمهم، وضمده بتشديد الميم مبالغة في ضمده بتخفيفها، والضماد بكسر الضاد كل ما يضمد به العضو الجريح أو الكسير أو المريض من عصابة ولفافة تشد عليه وتربط ويطلق على الدواء يجعل على العضو، وحده أو مع عصابة. اهـ فكلمة "اضمدهما" في الرواية الأولى بهمزة وصل وبهمزة قطع مع كسر الميم فيهما، وكلمة "يضمدها" في الرواية الثانية بفتح الياء وكسر الميم مخففة أو ضم الياء وفتح الضاد وكسر الميم مشددة، وأما "الصبر" فبكسر الباء، ويجوز إسكانها. -[فقه الحديث]- قال النووي: واتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب، ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله، وعليه الفدية. واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه، ولا فدية عليه فيه، وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي وآخرين ومنعه جماعة منهم أحمد وإسحق، وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين، وفي إيجاب الفدية عندهم بذلك خلاف. اهـ وقال في المجموع: الأصح أن الاكتحال بما لا طيب فيه إن لم يكن فيه زينة كالتوتيا الأبيض لم يكره، وإن كان فيه زينة كالإثمد كره، إلا لحاجة كرمد. أي فلا يكره. والله أعلم

стр. 2627

(٣٢٥) باب جواز غسل المحرم بدنه ورأسه ٢٥٣٣ - عن عبد الله بن حنين: أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة أنهما اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري، أسأله عن ذلك، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستتر بثوب، قال: فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب ﵁ يده على الثوب، فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب: اصبب فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل. ٢٥٣٤ - عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد وقال "فأمر أبو أيوب بيديه على رأسه، جميعاً على جميع رأسه، فأقبل بهما وأدبر، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبداً". -[المعنى العام]- مناظرة علمية مهذبة بين اثنين من صحابة رسول الله ﷺ ، تجري حول غسل المحرم وغسل رأسه ودلك أصول شعره، عبد الله بن عباس يقول: هذا جائز ولعله كان على علم بذلك عن رسول الله ﷺ عن طريق أبي أيوب الأنصاري ويقول في مجالسه: أميطوا عنكم الأذى، فإن الله يصنع بأذاكم شيئاً. والمسور ابن مخرمة يقول: هذا غير جائز، فقد حرم على المحرم قلع شعره، والغسل ودلك الرأس يعرض شعره للسقوط، فيقع في المحرم، وكأنه يقول ذلك اجتهاداً ورأياً إنهما في فوج من أفواج حج بيت الله، والموضوع موضوع الساعة لا يقبل التأخير، وهم محرمون، ويتوقف على الفتوى اغتسال كثير من الحجاج فأرسل ابن عباس مولاه عبد الله بن حنين إلى أبي أيوب يسأله: هل كان النبي ﷺ يغتسل وهو محرم؟ فلما وصل ابن حنين إلى أبي أيوب وجده على رأس بئر يغتسل وقد وقف بين قائمي البئر، وستر نفسه عن الناس بثوب، فسلم عليه وقال له: ابن أخيك عبد الله بن عباس أرسلني إليك أسألك: كيف كان النبي ﷺ يغتسل وهو محرم؟ فأزال أبو أيوب الساتر عن رأسه ووجهه، وقال لمن يصب عليه: اصبب على رأسي، وأخذ يدلك شعره بيديه ومساعده يصب عليه ثم قال: هكذا كان رسول الله ﷺ يغتسل وهو محرم، ورجع ابن حنين إلى من أرسله بالخبر، فتقبل المسور الخبر راضياً

стр. 2628

مسلماً، وقال لابن عباس: لك الفضل ولك السبق في العلم ومخالفك لا يغلبك وأعاهدك أن لا أجادلك بعد اليوم أبداً. رضي الله عن الصحابة أجمعين. -[المباحث العربية]- (عبد الله بن حنين) قال الحافظ ابن حجر: المشهور أن حنيناً كان مولى للعباس وهبه له النبي ﷺ فأولاده موال له. (اختلفا بالأبواء) أي اختلفا في غسل المحرم، وهما في المكان المعروف بالأبواء، أي نازلان فيه للاستراحة. (يغتسل بين القرنين) أي بين قرني البئر، بفتح القاف، تثنية قرن، وهما الخشبتان، أي العمودان اللذان ينصبان على رأس البئر، وتمد بينهما خشبة يعلق عليها البكرة التي يجر عليها الحبل المستقي به. (وهو يستتر بثوب) في رواية البخاري "وهو يستر بثوب" بالبناء للمجهول. (أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه؟ ) كان المفروض أن يسأل عن أصل الخلاف: هل يغسل المحرم رأسه أو لا يغسل؟ لكنه لما جاء فوجده يغتسل أحب أن لا يرجع إلا بفائدة، فتصرف في السؤال بفطنته، فسأله عن كيفية الغسل، وخص الرأس بالسؤال لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة، لأنها محل الشعر الذي يخشى انتتافه أثناء الغسل، بخلاف بقية البدن غالباً. (فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه) أي أمسك بالثوب المستتر به، وأزاله من أعلاه حتى يكشف عن رأسه، وفي رواية "جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه" وفي رواية "حتى رأيت رأسه ووجهه". (فأمر أبو أيوب بيديه على رأسه) "أمر" بفتح الهمزة وفتح الميم وتشديد الراء، أي جعلهما تمران على رأسه. (لا أماريك أبداً) أي لا أجادلك، وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان يقال: أمرى فلان فلاناً إذا استخرج ما عنده، وأطلق ذلك في المجادلة لأن كلاً من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة. -[فقه الحديث]- الحديث واضح الدلالة على جواز اغتسال المحرم، وغسله رأسه، وإمرار يده على شعره بحيث

стр. 2629

لا ينتف شعراً، وتشريب الشعر بالماء، ودلكه باليد إذا أمن تناثره، واستدل به القرطبي على وجوب الدلك في الغسل. قال: لأن الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بأن يجوز له تركه. قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه. اهـ أي لأن غاية ما فيه أن أبا أيوب دلك. وأنه رأى رسول الله ﷺ يدلك، وقد يكون من باب الاستحباب، فمن أين يؤخذ الوجوب؟ . -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مناظرة الصحابة في الأحكام. ٢ - ورجوعهم إلى النصوص عند الاختلاف، وترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص. ٣ - وقبولهم خبر الواحد، ولو كان تابعياً، وأن قبوله كان معلوماً مشهوراً عند الصحابة. ٤ - وأن قول بعضهم ليس بحجة على بعض. قال ابن عبد البر: لو كان معنى الاقتداء في قوله ﷺ "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" يراد به الفتوى لما احتاج ابن عباس إلى إقامة البينة على دعواه، بل كان يقول للمسور: أنا نجم وأنت نجم، فبأينا اقتدى من بعدنا كفاه. ولكن معناه -كما قال المزني وغيره من أهل النظر- أنه في النقل، لأن جميعهم عدول. ٥ - وفيه اعتراف للفاضل بفضله. ٦ - وإنصاف الصحابة بعضهم بعضاً. ٧ - واستتار المغتسل عند الغسل. ٨ - والاستعانة بالغير في الطهارة. ٩ - وجواز الكلام والسلام حالة الطهارة. ١٠ - واستدل به على أن تخليل اللحية في الوضوء باق على استحبابه خلافاً لمن قال: يكره، كالمتولي من الشافعية، خشية انتتاف الشعر، لأن في الحديث "ثم حرك رأسه بيديه" ولا فرق بين شعر الرأس وشعر اللحية، إلا أن يقال: إن شعر الرأس أصلب، قال الحافظ: والتحقيق أنه خلاف الأولى في حق بعض دون بعض. ١١ - قال النووي: واتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده من الجنابة، بل هو واجب عليه، وأما غسله تبرداً فمذهبنا ومذهب الجمهور: جوازه بلا كراهة ويجوز عندنا غسل رأسه بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعراً، ولا فدية عليه ما لم ينتف شعراً، وقال أبو حنيفة ومالك: هو حرام موجب للفدية. والله أعلم

стр. 2630

(٣٢٦) باب ما يفعل بالمحرم إذا مات ٢٥٣٥ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : خر رجل من بعيره، فوقص، فمات، فقال: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً". ٢٥٣٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع من راحلته، قال أيوب فأوقصته (أو قال: فأقعصته) وقال عمرو: فوقصته. فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه. (قال أيوب) فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً). وقال عمرو "فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي". ٢٥٣٧ - عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً كان واقفاً مع النبي ﷺ وهو محرم. فذكر نحو ما ذكر حماد عن أيوب. ٢٥٣٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: أقبل رجل حراماً مع النبي ﷺ ، فخر من بعيره، فوقص وقصاً، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وألبسوه ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يأتي يوم القيامة يلبي". ٢٥٣٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: أقبل رجل حرام مع رسول الله ﷺ . بمثله. غير أنه قال "فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً". وزاد: لم يسم سعيد بن جبير حيث خر. ٢٥٤٠ - عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً أوقصته راحلته وهو محرم، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً".
следующие страницы →