← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه. ثم تلا: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ثم سار حتى إذا كان بظهر البيداء قال: ما أمرهما إلا واحد. إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحج. أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرة. فانطلق حتى ابتاع بقديد هدياً. ثم طاف لهما طوافاً واحداً بالبيت وبين الصفا والمروة. ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة، يوم النحر. ٢٦٢٨ - عن نافع. قال: أراد ابن عمر الحج حين نزل الحجاج بابن الزبير. واقتص الحديث بمثل هذه القصة. وقال في آخر الحديث: وكان يقول: من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد. ولم يحل حتى يحل منهما جميعاً. ٢٦٢٩ - عن نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير. فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال. وإنا نخاف أن يصدوك. فقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ أصنع كما صنع رسول الله ﷺ . إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء، قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد. اشهدوا (قال ابن رمح: أشهدكم) أني قد أوجبت حجاً مع عمرتي. وأهدى هدياً اشتراه بقديد. ثم انطلق يهل بهما جميعاً. حتى قدم مكة. فطاف بالبيت وبالصفا والمروة. ولم يزد على ذلك. ولم ينحر. ولم يحلق. ولم يقصر. ولم يحلل من شيء حرم منه. حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ . ٢٦٣٠ - عن نافع عن ابن عمر ﵄، بهذه القصة. ولم يذكر النبي ﷺ إلا في أول الحديث. حين قيل له: يصدوك عن البيت. قال: إذن أفعل كما فعل رسول الله ﷺ . ولم يذكر في آخر الحديث: هكذا فعل رسول الله ﷺ كما ذكره الليث. ٢٦٣١ - عن ابن عمر ﵄ (في رواية يحيى) قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً. (وفي رواية ابن عون) أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفرداً.

стр. 2662

٢٦٣٢ - عن بكر عن أنس ﵁. قال: سمعت النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعاً. قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر. فقال: لبى بالحج وحده. فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبياناً! سمعت رسول الله ﷺ يقول "لبيك عمرة وحجاً". ٢٦٣٣ - عن بكر بن عبد الله حدثنا أنس ﵁؛ أنه رأى النبي ﷺ جمع بينهما. بين الحج والعمرة. قال: فسألت ابن عمر. فقال: أهللنا بالحج. فرجعت إلى أنس فأخبرته ما قال ابن عمر. فقال: كأنما كنا صبياناً! . ٢٦٣٤ - عن وبرة قال: كنت جالساً عند ابن عمر. فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف. فقال: نعم. فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف. فقال ابن عمر: فقد حج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف فبقول رسول الله ﷺ أحق أن تأخذ، أو بقول ابن عباس، إن كنت صادقاً؟ . ٢٦٣٥ - عن وبرة قال: سأل رجل ابن عمر ﵄: أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ فقال: وما يمنعك؟ قال: إني رأيت ابن فلان يكرهه وأنت أحب إلينا منه. رأيناه قد فتنته الدنيا. فقال: وأينا (أو أيكم) لم تفتنه الدنيا؟ ثم قال رأينا رسول الله ﷺ أحرم بالحج. وطاف بالبيت. وسعى بين الصفا والمروة. فسنة الله وسنة رسوله ﷺ أحق أن تتبع، من سنة فلان، إن كنت صادقاً. ٢٦٣٦ - عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل قدم بعمرة. فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة. أيأتي امرأته؟ فقال: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعاً. وصلى خلف المقام ركعتين. وبين الصفا والمروة، سبعاً. وقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.

стр. 2663

٢٦٣٧ - عن محمد بن عبد الرحمن أن رجلاً من أهل العراق قال له سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج. فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل. فقل له: إن رجلاً يقول ذلك. قال فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج. قلت: فإن رجلاً كان يقول ذلك. قال: بئس ما قال. فتصداني الرجل فسألني فحدثته. فقال: فقل له: فإن رجلاً كان يخبر أن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك. وما شأن أسماء والزبير قد فعلا ذلك. قال: فجئته فذكرت له ذلك. فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدري. قال: فما باله لا يأتيني بنفسه يسألني؟ أظنه عراقياً. قلت: لا أدري. قال: فإنه قد كذب. قد حج رسول الله ﷺ فأخبرتني عائشة ﵂؛ أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ. ثم طاف بالبيت. ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت. ثم لم يكن غيره. ثم عمر، مثل ذلك. ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت. ثم لم يكن غيره. ثم معاوية وعبد الله ابن عمر. ثم حججت مع أبي، الزبير بن العوام. فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت. ثم لم يكن غيره. ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك. ثم لم يكن غيره. ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر. ثم لم ينقضها بعمرة. وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟ ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت. ثم لا يحلون. وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدأان بشيء أول من البيت تطوفان به. ثم لا تحلان. وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط. فلما مسحوا الركن حلوا. وقد كذب فيما ذكر من ذلك. ٢٦٣٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: خرجنا محرمين. فقال رسول الله ﷺ "من كان معه هدي، فليقم على إحرامه. ومن لم يكن معه هدي، فليحلل" فلم يكن معي هدي فحللت: وكان مع الزبير هدي فلم يحلل. قالت: فلبست ثيابي ثم خرجت فجلست إلى الزبير. فقال: قومي عني. فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟ . ٢٦٣٩ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلين

стр. 2664

بالحج. ثم ذكر بمثل حديث ابن جريج. غير أنه قال: فقال: استرخي عني. استرخي عني. فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟ . ٢٦٤٠ - عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر ﵃؛ أنه كان يسمع أسماء، كلما مرت بالحجون تقول: صلى الله على رسوله وسلم. لقد نزلنا معه ها هنا. ونحن، يومئذ، خفاف الحقائب. قليل ظهرنا. قليلة أزوادنا. فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير وفلان وفلان. فلما مسحنا البيت أحللنا. ثم أهللنا من العشي بالحج. قال هارون في روايته: أن مولى أسماء. ولم يسم: عبد الله. ٢٦٤١ - عن مسلم القري قال: سألت ابن عباس ﵄ عن متعة الحج؟ فرخص فيها. وكان ابن الزبير ينهى عنها. فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث؛ أن رسول الله ﷺ رخص فيها. فادخلوا عليها فاسألوها. قال: فدخلنا عليها. فإذا امرأة ضخمة عمياء. فقالت: قد رخص رسول الله ﷺ فيها. ٢٦٤٢ - عن شعبة بهذا الإسناد فأما عبد الرحمن ففي حديثه المتعة ولم يقل متعة الحج وأما ابن جعفر فقال: قال شعبة: قال مسلم لا أدري متعة الحج أو متعة النساء؟ . ٢٦٤٣ - عن مسلم القري أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: أهل النبي ﷺ بعمرة. وأهل أصحابه بحج. فلم يحل النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه. وحل بقيتهم. فكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحل. ٢٦٤٤ - عن شعبة بهذا الإسناد غير أنه قال: وكان ممن لم يكن معه الهدي طلحة بن عبيد الله. ورجل آخر. فأحلا. ٢٦٤٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض. ويجعلون المحرم صفراً. ويقولون: إذا برأ الدبر. وعفا

стр. 2665

الأثر. وانسلخ صفر. حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة. مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة. فتعاظم ذلك عندهم. فقالوا: يا رسول الله! أي الحل؟ قال: "الحل كله". ٢٦٤٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: أهل رسول الله ﷺ بالحج. فقدم لأربع مضين من ذي الحجة. فصلى الصبح. وقال، لما صلى الصبح "من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة". ٢٦٤٧ - عن شعبة في هذا الإسناد أما روح ويحيى بن كثير فقالا كما قال نصر: أهل رسول الله ﷺ بالحج وأما أبو شهاب ففي روايته خرجنا مع رسول الله ﷺ نهل بالحج وفي حديثهم جميعاً فصلى الصبح بالبطحاء خلا الجهضمي فإنه لم يقله. ٢٦٤٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ وأصحابه لأربع خلون من العشر. وهم يلبون بالحج. فأمرهم أن يجعلوها عمرة. ٢٦٤٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح بذي طوى. وقدم لأربع مضين من ذي الحجة. وأمر أصحابه أن يحولوا إحرامهم بعمرة. إلا من كان معه الهدي. ٢٦٥٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "هذه عمرة استمتعنا بها. فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله. فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة". ٢٦٥١ - عن أبي جمرة الضبعي قال: تمتعت فنهاني ناس عن ذلك. فأتيت ابن عباس فسألته عن ذلك؟ فأمرني بها. قال: ثم انطلقت إلى البيت فنمت. فأتاني آت في منامي

стр. 2666

فقال: عمرة متقبلة وحج مبرور. قال: فأتيت ابن عباس فأخبرته بالذي رأيت. فقال: الله أكبر! الله أكبر! سنة أبي القاسم ﷺ . ٢٦٥٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة. ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن. وسلت الدم. وقلدها نعلين. ثم ركب راحلته. فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. ٢٦٥٣ - في هذا الإسناد بمعنى حديث شعبة غير أنه قال: "إن نبي الله ﷺ لما أتى ذا الحليفة". ولم يقل: "صلى بها الظهر". ٢٦٥٤ - عن أبي حسان الأعرج قال: قال رجل من بني الهجيم لابن عباس: ما هذا الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس، أن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سنة نبيكم ﷺ . وإن رغمتم. ٢٦٥٥ - عن أبي حسان قال: قيل لابن عباس: إن هذا الأمر قد تفشغ بالناس من طاف بالبيت فقد حل. الطواف عمرة. فقال: سنة نبيكم ﷺ . وإن رغمتم. ٢٦٥٦ - عن عطاء. قال: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل. قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ قال: قلت: فإن ذلك بعد المعرف. فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله. وكان يأخذ ذلك من أمر النبي ﷺ . حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع. ٢٦٥٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال لي معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله ﷺ عند المروة بمشقص؟ فقلت له: لا أعلم هذا إلا حجة عليك.

стр. 2667

٢٦٥٨ - عن ابن عباس ﵄ أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص، وهو على المروة. أو رأيته يقصر عنه بمشقص. وهو على المروة. ٢٦٥٩ - عن أبي سعيد ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً. فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة. إلا من ساق الهدي. فلما كان يوم التروية، ورحنا إلى منى. أهللنا بالحج. ٢٦٦٠ - عن جابر وعن أبي سعيد الخدري ﵄. قالا: قدمنا مع النبي ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخاً. ٢٦٦١ - عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله. فأتاه آت فقال: إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ﷺ . ثم نهانا عنهما عمر. فلم نعد لهما. ٢٦٦٢ - عن أنس ﵁ أن علياً قدم من اليمن. فقال له النبي ﷺ "بم أهللت؟ " فقال: أهللت بإهلال النبي ﷺ . قال "لولا أن معي الهدي، لأحللت". ٢٦٦٣ - عن سليم بن حيان بهذا الإسناد مثله غير أن في رواية بهز "لحللت". ٢٦٦٤ - عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما جميعاً. "لبيك عمرة وحجاً. لبيك عمرة وحجاً". ٢٦٦٥ - عن أنس ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "لبيك عمرة وحجاً". وقال حميد. قال أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لبيك بعمرة وحج".

стр. 2668

٢٦٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده! ليهلن ابن مريم بفج الروحاء، حاجاً أو معتمراً، أو ليثنينهما". ٢٦٦٧ - عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله قال "والذي نفس محمد بيده". -[المعنى العام]- كان العرب قبل الإسلام يحجون إلى بيت الله الحرام في أشهر الحج، وكانوا يعتمرون في غير أشهر الحج، ويرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، وكانوا يقولون: إذا برأ جرح الإبل الذي حدث في ظهرها من سفر الحج، وذلك لا يكون قبل شهر من عودتها، وإذا عفا واندثر أثر مشي الدواب على الرمال بعد رحلة الحج، وذلك يحتاج شهراً أيضاً، وإذا انسلخ ومضى شهر صفر، ويقصدون المحرم، لأنهم كانوا يقلبون المحرم صفر ويقلبون صفراً إلى المحرم، إذا حصلت هذه الأمور الثلاثة إذا برأ الدبر، وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر. وجاء الإسلام، فأبقى بعض أحكام الحج والعمرة، وغير بعضها، وكان مما غير فتح باب العمرة في جميع أيام السنة، بما في ذلك أيام الحج، فأصبح لها مع الحج حالات، لأنهما إما أن ينفرد كل منهما في عام واحد وإما أن يقعا معاً في أشهر الحج من عام واحد، إما بنية واحدة وإحرام واحد، وإما بإدخال الحج على العمرة أو العمرة على الحج قبل البدء بالطواف، وتسمى هذه الصور بالقران، وإما بالإحرام بالعمرة في أشهر الحج والإتيان بأفعالها ثم التحلل. ثم الإحرام بالحج، ويسمى بالتمتع، ولا يقع الإحرام بالحج والإتيان بأفعاله ثم الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من العام نفسه، لأن أشهر الحج تنتهي بعد يوم عرفة، أو بعد ليلة الأضحى أو بعد يوم الأضحى، وعرفت هذه الصور باسم وجوه الإحرام. ولم يكن الإفراد في حاجة إلى تشريع جديد، سواء كان الحج في عام والعمرة في عام، أو كانا في عام واحد لكن العمرة ليست في أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، سواء وقعت قبل أشهر الحج أو بعدها، وكان التشريع المطلوب حكم وقوع العمرة في أشهر الحج بصورها المختلفة. وقد اعتمر رسول الله ﷺ عمرة قبل السنة العاشرة، وحج أصحابه في عهده حجات منذ شرع الحج في السنة السادسة على الصحيح، وإلى السنة العاشرة، وظلت عقيدة الجاهلية بأن العمرة في أشهر

стр. 2669

الحج أعظم الذنوب إلى أن كانت حجة الوداع في السنة العاشرة، ونودي في الناس أن رسول الله ﷺ خارج إلى الحج فاستعد المسلمون بالمدينة للخروج معه، وقدم إلى المدينة ممن حولها خلق كثير، كل يلتمس بركة الصحبة، ويرغب في أن يأتم ويتعلم بالقدوة من رسول الله ﷺ كيف يحج حجاً تاماً منضبطاً، حتى كان عدد من حج معه، من أهل المدينة، وممن حولها وممن انضم إليهم في الطريق يزيد على أربعين ألفاً. وصلوا الميقات ذا الحليفة، وأحرموا عندها بالحج، وهم في مطلع شهر ذي الحجة وساروا يلبون بالحج طول الطريق، حتى وصلوا إلى "سرف" على بعد ستة أميال من مكة وشاء الله أن يعلمهم بمشروعية العمرة في أشهر الحج، تدريجياً، فقال ﷺ لهم: من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعل الحجة التي أحرمتم بها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا، وكان الأمر عرضاً، وفي صورة التخيير، فكان منهم الآخذ به، وهم القلة، ومنهم التارك، وقال لهم مرة أخرى: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، وأهل ناس مثله، وأهل ناس بالعمرة، وأهل ناس بالحج والعمرة، فلما قربوا من مكة قال لهم ﷺ : من لم يكن معه هدي فليحرم بعمرة ويفسخ الإحرام بالحج، ومن كان معه هدي فليبق على إحرامه بالحج، وإن شاء أدخل عليه العمرة، وعظم في نفسهم هذا الأمر الإلزامي، وهم مازال عالقاً بقلوبهم أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وترددوا في تنفيذ الأمر، وعلم ﷺ بترددهم وتراخيهم عن التنفيذ، إما بوحي أو إخبار منهم، فغضب، ودخل وخرج مغضباً وقال لهم: من لم يكن معه هدي وطاف وسعى فليحل على أنه قد اعتمر، ولولا أني سقت الهدي لفسخت الحج وجعلته عمرة كما آمركم، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ولو كنت أعلم أن هذا سيحصل لما سقت الهدي، ولفعلت ما آمركم به فحلوا. وأصبح المسلمون بين متمتع وقارن ومفرد للحج، أما المتمتعون فأحرموا بالحج يوم التروية يوم الثامن من ذي الحجة. وأما من ساقوا الهدي فلم يحلوا حتى قضوا حجهم، وكان لعائشة ﵂ وضع خاص فقد حاضت في الطريق قبل وصولهم مكة، وكانت كبقية المسلمين محرمة بالحج، فقلبته عمرة كغيرها ممن لم يسق الهدي، ولم تستطع أن تطوف وتسعى وتتحلل كما فعلوا، حتى جاء يوم عرفة وهي حائض فأدخلت الحج على العمرة، وقامت بالوقوف بعرفة ثم طهرت فطافت وسعت وتمت حجتها وعمرتها كقارنة، لكنها لم تشبع روحها من هذا النسك وقد سعد المسلمون، وتميزت بقية أمهات المؤمنين بعمرة مستقلة وحج مستقل، وهي المتميزة في حياتها عن أخواتها، فاستجاب الرسول ﷺ لرغبتها، وأرسلها مع أخيها إلى التنعيم أدنى الحل، فأحرمت بعمرة، ثم طافت وسعت وتحللت فكانت قارنة على الحالة الأولى، مفردة عمرة على الحالة الأخيرة. وأما القارنون فقد كفاهم طواف واحد وسعى واحد عن حجهم وعمرتهم، ولم تختلف مناسكهم عن المفردين بالحج إلا في النية والإحرام ومن هنا اختلف الناس في الوجه الذي أحرم به النبي ﷺ . هل

стр. 2670

كان مفرداً؟ ولبى بالحج وحده كما سمعه ابن عمر؟ أو كان قارناً ولبى بحج وعمرة كما سمعه أنس، ثم إن القارن قد يقول لبيك اللهم بحج، وقد يقول لبيك اللهم بحج وعمرة. ولا يترتب على هذا الخلاف حكم شرعي مهم، فالوجوه كلها جائزة شرعاً بإجماع المسلمين. لكن عمر ﵁ نهى عن المتعة وهو خليفة المسلمين، بل وعن القران، ودعا إلى إفراد الحج، وإفراد العمرة، وتبعه في هذه الدعوة عثمان وبعض الصحابة ﵁، وعارضهم جمهور الصحابة، وخالفهم الفقهاء والمحدثون وسنعرض هذا الموقف فيما سيأتي من مباحث لغوية وفقهية إن شاء الله. تعرضت الروايات إلى وجوه الإحرام وما يتصل بها في حجة الوداع بصفة خاصة وتعرضت الرواية الخامسة والثلاثون إلى بقية مناسك الحج، وما قام به ﷺ في هذه الحجة، من الطواف، واستلام الحجر الأسود، والرمل فيه، وركعتي الطواف خلف المقام، ثم استلام الحجر، والخروج من باب الصفا، والوقوف على الصفا والدعاء، والسعي بين الصفا والمروة سبعاً والنزول بنمرة، والوقوف بعرفة، وخطبته ﷺ ودفعه من عرفة إلى المزدلفة ثم منى، ورميه جمرة العقبة، ونحره الهدي، ثم أفاض إلى البيت الحرام، فطاف، ثم أتى زمزم فشرب منها. وتعرضت الروايات في أحداثها إلى الوقوف بعرفة وإلى وقوف قريش قبل الإسلام بالمزدلفة، وإلى الإحرام المعلق، وإلى فسخ الحج إلى عمرة، والتحلل عند الإحصار، ومذهب ابن عباس في جواز التحلل بعد الطواف، والهدي وإشعاره وتقليده وغير ذلك من المسائل الفقهية الفرعية التي سنأتي عليها إن شاء الله. والله الهادي سواء السبيل. -[المباحث العربية]- (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع) أي خرجنا من المدينة قاصدين مكة لأداء النسك وحجة الوداع بفتح الحاء وكسرها، وسميت بذلك لأنه ﷺ خطب الناس وودعهم فيها، وقال: (أيها الناس لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) ولم يحج بعد الهجرة غيرها وكانت سنة عشر من الهجرة ولما كان بمكة حج حججاً، قيل حجتين، وقيل حججاً لا يعلم عددها إلا الله وفي الرواية الخامسة والثلاثين قال جابر: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه. وفي الرواية الرابعة "خرجنا مع رسول الله ﷺ " أي عام حجة الوداع، تقصد نفسها وأمهات المؤمنين. وقد بينت الروايات وقت خروجهم من المدينة، ففي الرواية الخامسة "موافين لهلال ذي الحجة" وكذا في الرواية السادسة والسابعة، أما في الرواية الخامسة عشرة ففيها "لخمس بقين من ذي

стр. 2671

القعدة" قال النووي "موافين لهلال ذي الحجة" أي مقارنين لاستهلاله وكان خروجهم قبله، لخمس في ذي القعدة، كما صرحت به رواية عمرة. اهـ والأولى تفسير "موافين لهلال ذي الحجة" على معنى مشرفين عليه، آتين نحوه. (فأهللنا بعمرة) هذا إخبار عن الحالة الثانية التي أمر بها رسول الله ﷺ أصحابه، أما إحرامهم الأول فقد عبرت عنه الرواية السادسة بقولها "لا نرى إلا الحج" أي لا نعتقد أنا نحرم إلا بالحج، أي نظن أنه لا يصح منا في هذا الوقت إلا الحج، لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج، قال ابن التين: "لا نرى" ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمها. وعبرت عنه الرواية التاسعة بلفظ "ولا نرى إلا الحج" والرواية العاشرة بلفظ "لا نذكر إلا الحج" والحادية عشرة بلفظ "لبينا بالحج" والثالثة عشرة بلفظ "مهلين بالحج في أشهر الحج، وفي حرم الحج وليالي الحج" وحرم الحج بضم الحاء والراء. قال النووي: كذا ضبطناه، وكذا نقله القاضي عياض في المشارق عن جمهور الرواة، قال: وضبطه الأصيلي بفتح الراء، قال: فعلى الضم كأنها تريد الأوقات والمواضع والأشياء والحالات، أما بالفتح فجمع حرمة، أي ممنوعات الشرع ومحرماته، وكذلك قيل للمرأة المحرمة حرمة، وجمعها حرم. اهـ فالمعنى على الضم في أزمنة الحج وأمكنته وحالاته، أما أشهر الحج ولياليه فالجمهور على أنها شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، وقد سبق الخلاف في دخول بقية ذي الحجة في أشهر الحج. وعبرت عنه الرواية الخامسة عشرة والسابعة عشرة بلفظ "ولا نرى إلا الحج" وعبرت عنه الرواية الثالثة والعشرون بلفظ قال جابر: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد" ولفظ السادسة والعشرين "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج" ولفظ التاسعة والعشرين "أهللنا -أصحاب محمد ﷺ بالحج خالصاً وحده" ولفظ الثانية والثلاثين "قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج" ولفظ الرابعة والثلاثين "ونحن نقول: لبيك بالحج" ولفظ الخامسة والثلاثين "لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة" أي لسنا نعرف جوازها في أشهر الحج، ولفظ السادسة والستين عن ابن عمر "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً" ولفظ الرابعة والسبعين عن أسماء بنت أبي بكر "قدمنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً" ولفظ الرابعة والسبعين عن أسماء بنت أبي بكر "قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج" ولفظ الثامنة والسبعين "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور" ولفظ المتممة للثمانين عن ابن عباس "قدم النبي ﷺ وأصحابه وهم يلبون بالحج "ولفظ المتممة للتسعين عن أبي سعيد "خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً" ولفظ الواحدة والتسعين عن جابر وأبي سعيد "قدمنا مع النبي ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخاً". وهكذا تواردت الروايات على أن الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- في حجة الوداع أحرموا بالحج مفرداً أول الأمر، لأن الحكم بجواز العمرة في أشهر الحج لم يكونوا قد علموا به، ولعل الرسول ﷺ لم يعلمهم به أثناء إحرامهم الأول ليجمع إلى هذا الحكم حكم نسخ الحج، وحكم من ساق الهدي، وحكم التمتع، والأحكام الأخرى، وربما كان في انتظار الوحي بحكم الله. أما ما أحرم به رسول الله ﷺ نفسه فسنعرض الآراء والروايات الخاصة به في فقه الحديث.

стр. 2672

أما أين تم هذا الإحرام؟ الأول فقد كان عند ميقات أهل المدينة بذي الحليفة، وتحدثنا الرواية الخامسة والثلاثون عن كيفيته، فتقول على لسان جابر ﵁: "فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري بثوب -أي ضعي خرقة عريضة بين الفخذين وشديها في حزامك، تتلقى ما ينزل من دم -وأحرمي [وقد سبق الكلام على كيفية إحرام الحائض والنفساء في الباب الذي قبل هذا] فصلى رسول الله ﷺ في المسجد -أي مسجد ذي الحليفة- ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك .... وأهل الناس بهذا الذي يهلون به [وقد سبق الكلام على إحرام أهل المدينة وميقاتهم، ومن أين يهلون قبل أبواب]. واستمر هذا الحال حتى وصلوا سرف، وفيها تقول الرواية التاسعة والحادية عشرة على لسان عائشة ﵂: (حتى إذا كنا بسرف، أو قريباً منها حضت) وتقول في الرواية العاشرة "حتى جئنا سرف، فطمثت" وفي الرواية الثالثة والعشرين "حتى إذا كنا بسرف عركت" و"سرف" بفتح السين وكسر الراء بين مكة والمدينة، تقرب من مكة، على بعد ستة أميال منها، وقيل: تسعة، وقيل: عشرة، وقيل: اثنى عشر ميلاً، ولعل هذا الاختلاف مبني على تعدد الطرق وتعرج بعضها. قال النووي: يقال: حاضت المرأة، وتحيضت، وطمثت، بفتح الطاء وكسر الميم وعركت -بفتح العين والراء، ونفست -بفتح النون وضمها، لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، والفاء مكسورة فيهما، أما النفاس الذي هو الولادة فيقال فيه: نفست بالضم لا غير وضحكت، وأعصرت، وأكبرت، وكله بمعنى واحد، والاسم منه الحيض والطمث والعراك والضحك والإكبار والإعصار، وهي حائض، وحائضة في لغة غريبة، حكاها الفراء، وطامث وعارك ومكبر ومعصر. اهـ (فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: أنفست؟ يعني الحيضة؟ قالت: قلت: نعم) وفي الرواية العاشرة "فقال: ما يبكيك، فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام. قال: مالك؟ لعلك نفست؟ قلت: نعم". (قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج -أي افعلي ما يفعل الحاج- غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي) وفي الرواية العاشرة "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". وبعد سرف بقليل قال ﷺ لأصحابه -كما في الرواية الرابعة: (من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة ﵂ فأهل رسول الله ﷺ بحج، وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالحج والعمرة، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة)

стр. 2673

وكما تقول الرواية السابعة والثامنة والثالثة عشرة: "حتى نزلنا بسرف، فخرج إلى أصحابه، فقال: من لم يكن معه منكم هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدي فلا، فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدي" كان هذا تخييراً للصحابة بين وجوه الإحرام المختلفة، دون عزيمة، ودون إلزام، وكأنه تدرج بالصحابة لما علم من أنه سيشق على كثير منهم أن يعتمر في أشهر الحج، فلما قربوا من مكة -كما في الرواية الخامسة عشرة- "حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل "وأمر ﷺ من لم يكن معه هدي أن يحرم بعمرة أمراً جازماً. وشق على كثير منهم أن يستجيب ويحرم بالعمرة في أشهر الحج، وترددوا، وتقاعسوا في التنفيذ، وغضب ﷺ ، ودخل على عائشة ﵂ مغضباً، تصور ذلك الرواية الثامنة عشرة تقول عائشة ﵂. (قدم رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة، أو خمس، فدخل علي، وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله؟ أدخله الله النار. قال: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون؟ وفي رواية "كأنهم يترددون" ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا) أي ثم أحل كما سيحلون، وتحكي هذه الجزئية الرواية المتممة للثلاثين، فيقول جابر ﵁. (فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فما ندري؟ أشيء بلغه من السماء؟ أم شيء من قبل الناس؟ ) أي هل علم بما حصل لنا عن طريق الوحي؟ أم علم عن طريق أحد منا بلغه؟ -وتقول الرواية الواحدة والثلاثون: (فقال رسول الله ﷺ : أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية -أي حتى إذا جاء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة. قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به فإني لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله، ففعلوا) وتقول الرواية الثامنة والسبعون. (فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة -أي من ذي الحجة- مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: الحل كله) وتقول الرواية المتممة للثمانين: (قدم النبي ﷺ وأصحابه لأربع خلون من العشر، وهم يلبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة) وتقول الرواية الواحدة والثمانون:

стр. 2674

(صلى رسول الله ﷺ الصبح بذي طوى، وقدم لأربع مضين من ذي الحجة، وأمر أصحابه أن يحولوا إحرامهم بعمرة إلا من كان معه الهدي) و"ذو طوى" بضم الطاء وفتحها وكسرها وتخفيف الواو، واد معروف بقرب مكة، وقال النووي: هو موضع عند باب مكة بأسفلها في صوب طريق العمرة المعتاد ومسجد عائشة، ويعرف اليوم بآبار الزاهد، وينون، ويمنع من التنوين. وهو قريب من البطحاء الوارد في ملحق الرواية التاسعة والسبعين، بطحاء مكة وهو المحصب، وهو في الأصل مسيل واديها، وبطحاء الوادي حصاه اللين في بطن المسيل وبطحاء مكة غير البطحاء التي بذي الحليفة. فلما طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة أمر من لم يكن معه هدي أن يحل تشير إلى ذلك الرواية الثالثة والعشرون، وفيها يقول جابر ﵁ "حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حل ماذا؟ [أي أي الحلين؟ التحلل الأصغر؟ أم التحلل الأكبر الذي يحل به كل شيء؟ إذ كانوا يعلمون أن للإحرام تحللين] قال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية [أي أحرمنا بالحج يوم الثامن] كما تشير إلى مثل ذلك الرواية السادسة والعشرون، والرواية المتممة للثلاثين، وتقول الرواية الخامسة والثلاثون "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل [بضم الياء، من الإحلال، وهو الخروج من الإحرام، أي فليخرج نفسه من الإحرام، ويروى بفتح الياء، أي فليصر حلالاً] وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم ["سراقة" بضم السين وتخفيف الراء، و"جعشم" بضم الجيم وسكون العين، وضم الشين وقيل بفتحها الكناني المدلجي، مات في أول خلافة عثمان] فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا؟ أم لأبد؟ [قيل: معناه هل العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج هذا العام فقط إبطالاً لما كانت الجاهلية تعتقد؟ أو حكم مستمر إلى يوم القيامة؟ وقيل: معناه هل جمع الحج مع العمرة في عام ودخول أفعال العمرة في أفعال الحج خاص بهذا العام؟ أو مستمر إلى يوم القيامة؟ وقيل: معناه هل جواز فسخ الحج إلى العمرة خاص بهذا العام؟ أو مستمر إلى يوم القيامة؟ وفي هذا المعنى الأخير خلاف بين الفقهاء، سنفصله في فقه الحديث] فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى [أي إصبع من يد في مثيلتها من اليد الأخرى، فأدخل كلاً بين ثنتين إشارة إلى تمام التداخل] وقال: دخلت العمرة في الحج، مرتين [أي قال هذه الجملة، مرتين تأكيداً]، لا. بل لأبد أبد". وجاء في هذه الرواية "فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى النبي ﷺ ، فأهلوا بالحج". إحرام عائشة ﵂ في حجة الوداع: كانت عائشة ﵂ كغيرها من المسلمين والمسلمات محرمة بالحج أول

стр. 2675

الأمر، لا ترى أنه يصح في هذا الزمن إلا الحج، كما أوضحت هي ذلك في الروايات التي سقناها، فلما حاضت عند سرف خافت على ضياع حجتها فطمأنها رسول الله ﷺ كما ذكرنا في الرواية التاسعة والحادية عشرة. فلما أمر رسول الله ﷺ أصحابه الذين ليس معهم هدي أن يجعلوا حجتهم عمرة وكانت لا هدي معها أحرمت بعمرة، كما جاء في الرواية الرابعة والسابعة من قولها "وكنت فيمن أهل بالعمرة". لكن يعكر على هذا ما جاء في الرواية الثالثة عشرة من قولها "فدخل على رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: قلت: سمعت كلامك مع أصحابك، فسمعت بالعمرة؟ قال: ومالك؟ قلت: لا أصلي [أي حائض] قال: فلا يضرك، فكوني في حجك فعسى الله أن يرزقكيها" فظاهر هذا أنها لم تجعل حجها الأول عمرة. ويصفو هذا التعكير بحمل ما جاء في الرواية الثالثة عشرة على حال عائشة ﵂، وهي في مكة، فقد حولت إحرامها الأول بالحج إلى عمرة، ووصلت مكة مع من حولوا حجهم إلى عمرة، لكنهم طافوا وسعوا وتحللوا، أما هي فلم تطف ولم تسع ولم تتحلل حتى جاء يوم التروية فأحرموا بالحج فهي حتى ذلك الحين لم تعتمر، ولا تدري ماذا تفعل في إحرامها، ودخل الرسول ﷺ وهي تبكي، فقال ما يبكيك؟ قالت سمعت كلامك مع أصحابك، وأمرك لهم بأن يحرموا بالحج، وسمعت بالعمرة التي اعتمروها، ولم أعتمرها؟ قال: لم لم تعتمري؟ قالت: لم أزل حائضاً لا أصلي ولا أطوف. قال: أو ما كنت طفت ليالي قدمنا مكة؟ [هكذا لفظ الرواية السابعة عشرة] قالت: قلت: لا. وتوضح الرواية الأولى هذه المحادثة، وتصور هذه الحالة، فتقول على لسان عائشة ﵂ "فقدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت؛ ولا بين الصفا والمروة [لأن شرط السعي بين الصفا والمروة أن يسبق بطواف] فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: انقضي رأسك -[بالنون والقاف، أي فكي ضفائر شعرك، قال الكرماني ويجوز بالفاء بدل القاف إن صحت الرواية، فهما بمعنى واحد -وامتشطي- أي واغتسلي للإحرام بالحج قال النووي: ولا يلزم منه إبطال العمرة، لأن نقض الرأس والامتشاط جائزان عندنا في الإحرام، بحيث لا ينتف شعراً، ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وقيل ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل، لإحرامها بالحج، إذا لا يصح الغسل إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه، لا سيما إن كانت لبدت رأسها. اهـ] وأهلي بالحج، ودعي العمرة". وتقول في الرواية الثانية "فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة، ولم أهلل إلا بعمرة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنقض رأسي، وأمتشط، وأهل بحج، وأترك العمرة" أي أترك أفعالها من طواف وسعي وتقصير مع استصحاب إحرامها، لتكون قارنة، فتدخل أفعالها في أفعال الحج. وفي الرواية الثالثة تقول "فلما دخلت ليلة عرفة [أي يوم التروية] قلت: يا رسول الله، إني كنت أهللت بعمرة، فكيف أصنع بحجتي؟ قال: انقضي رأسك، وامتشطي وأمسكي عن العمرة [أي أوقفي أعمالها] وأهلي بالحج".

стр. 2676

وفي الرواية الخامسة تقول "فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، لم أحل من عمرتي فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج". وفي الرواية العاشرة تقول: "فلما كان يوم النحر طهرت، فأمرني رسول الله ﷺ فأفضت" قال العيني: وكان ابتداء حيضها يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة بسرف وطهرت يوم السبت، وهو يوم النحر. اهـ وفي الرواية الثالثة والعشرين يقول جابر ﵁: "ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن؟ فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت؟ قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة" بفتح الحاء وإسكان الصاد، قال النووي: وهي التي بعد أيام التشريق، وسميت بذلك لأنهم نفروا من منى، نزلوا في المحصب، وباتوا به. اهـ وقال العيني: والمشهور في الحصبة سكون الصاد، وجاء فتحها وكسرها، وهي أرض ذات حصى. فالرواية الثالثة والعشرون صريحة في أن عائشة ﵂ كانت قارنة، وأن طوافها وسعيها مرة واحدة كفى عن الحج والعمرة معاً، والرواية التاسعة عشرة تقول "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" والرواية المتممة للعشرين تقول "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك" وكل ذلك صريح في أن عمرتها من التنعيم لم تكن لأنها لم تعتمر مع حجها، وإنما كانت إضاء لمشاعرها، لأنه ﷺ كان يرضي هواها، ويستجيب لمطالبها لدلالها وصغارها وحبه لها ولأبيها، ولذا جاء في الرواية الخامسة والعشرين قول جابر ﵁ "وكان رسول الله ﷺ رجلاً سهلاً [أي كريم الخلق حسن العشرة] إذا هويت الشيء تابعها عليه، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلت بعمرة من التنعيم". أما قولها في الرواية الأولى عن عمرة التنعيم "فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك" فمعناه -كما قال النووي-: أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة، وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" أي وقد تما وحسبا لك جميعاً، فأبت، وأرادت عمرة منفردة، كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبي ﷺ "هذه مكان عمرتك" أي التي كنت تريدين حصولها منفردة، غير مندرجة، فمنعك الحيض من ذلك. وكذا يقال في قولها: يرجع الناس بحج وعمرة؟ وأرجع بحج؟ [الوارد في الرواية العاشرة] أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة؟ وإنما حرصت على ذلك لتكثر أفعالها. اهـ

стр. 2677

وكذا قولها في الرواية الثانية "مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحلل منها" أي مكان عمرتي المنفردة التي أدركني الحج ولم أحلل منها، وكذا قولها في الرواية الثالثة "مكان عمرتي التي أمسكت عنها" أي مكان عمرتي المنفردة، وكذا قولها في الرواية الخامسة "فقضى الله حجنا وعمرتنا" أي أتمهما عن طريق القران وعن طريق عمرة مستقلة. وكذا قولها في الرواية العاشرة (فأهللت منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا) أي التي اعتمروها منفردة. وكذا قولها في الرواية السادسة عشرة "يصدر الناس بنسكين" أي منفردين "وأصدر بنسك واحد"؟ أي طواف واحد وسعي واحد؟ وهكذا يبدو ويترجح أنها ﵂ أحرمت بحج، ثم فسخته إلى عمرة، ثم أدخلت عليها الحج، فكانت قارنة، ثم اعتمرت عمرة مستقلة. والله أعلم. هذا. وقد سلكت في المباحث العربية في هذا الباب حتى الآن هذا المنهج لأجمع بين الروايات التي ظاهرها التعارض في ألفاظها، لتأويل ما يحتاج إلى تأويل، وتقدير ما يحتاج إلى تقدير. والواقع أن بعض الرواة كان يطوي بعض الأحداث، ويذكر البعض، فيوهم الطي أن المذكور بديل عن المطوي فيوهم التعارض، كما أوضحنا ذلك في إحرام عائشة ﵂. والآن نعود إلى ما لم نذكره من المباحث العربية في كل رواية على حدة. وبالله التوفيق. الرواية الأولى (فأهللنا بعمرة) هذا إخبار عن الحالة بعد سرف، لا عن حالة الإحرام الأول والتقدير: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بحج، فلما وصلنا سرف أمر رسول الله ﷺ بالعمرة، فأهللنا بعمرة. (من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة) المعية لا تلزم بأصل وإضافة وإلا فكان حقه أن يقول: فليهل بالعمرة مع الحج، لأنهم أصلاً محرمون بالحج. والهدي هنا اسم لما يهدي إلى الحرم من الأنعام، قال النووي: يقال: "هدي" بإسكان الدال وتخفيف الياء و"هدي" بكسر الدال وتشديد الياء، لغتان مشهورتان، الأولى أفصح وأشهر. (ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً) أي حتى ينتهي من أفعالهما بانتهاء المعهود للتحلل الأصغر بالنحر. (أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر) هو أخوها شقيقها، وأمهما أم رومان بنت عامر. (إلى التنعيم) وهو طرف حرم مكة من ناحية الشام، وهو أدنى الحل، وهو مشهور بمسجد عائشة.

стр. 2678

الرواية الثانية (فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج) معطوف على محذوف، تقديره: فأحرمنا بالحج، حتى وصلنا سرف فأمرنا رسول الله ﷺ بالعمرة، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من بقي مهلاً بالحج حيث كان معه "الهدي". (فقال رسول الله ﷺ : من أحرم بعمرة) معطوف على محذوف أيضاً تقديره: حتى قدمنا مكة وطاف المسلمون وسعوا، فقال رسول الله ﷺ . إلخ. (من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل) "ولم يهد" أي لم يصحب هدياً، و"أهدى" أي صحب هدياً، و"فليحلل" بفك التضعيف من "يحل" وهي لغة معروفة. الرواية الثالثة (فأردفني) في الرواية الواحدة والعشرين "فأردفني خلفه على جمل له" وسيأتي في تلك الرواية وفي العاشرة ما حصل منه ومنها أثناء هذا الإرداف. الرواية الخامسة (فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة) في الرواية الثامنة عشرة "لو أني استقبلت من أمري. ما استدبرت [أي لو أني كنت أعلم ما سيحصل لي مستقبلاً] ما سقت الهدي معي، حتى أشتريه [في نهاية الحج] ثم أحل كما حلوا" وفي الرواية التاسعة والعشرين، لما ترددوا في تنفيذ الأمر بالتمتع خطبهم، فقال: "قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم [إيماناً] وأبركم [أي في أعلى درجات الأبرار، فلا أفعل ولا آمر إلا بما هو أقرب للتقوى] ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي". وفي الرواية المتممة للثلاثين "أحلوا. فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم". وفي الرواية الواحدة والثلاثين "افعلوا ما آمركم به، فإني لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به" وفي الرواية الخامسة والثلاثين "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي" وفي الرواية الثالثة والتسعين "لولا أن معي الهدي لأحللت". (وقد قضى الله حجنا) أي أتم حجنا. (أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر) في الرواية الأولى "أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر" وفي الثانية "بعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر" وقد سبق قريباً الكلام عن المعية، وفي الرواية العاشرة "أمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله " وفي الثالثة عشرة "فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: اخرج بأختك من الحرم، فلتهل بعمرة، ثم لتطف بالبيت، فإني أنتظركما ههنا" وكان

стр. 2679

صلى الله عليه وسلم بالمحصب، وفي الرواية السادسة عشرة "فاخرجي إلى التنعيم، فأهلي منه، ثم القينا عند كذا وكذا". وفي السابعة عشرة "فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلي بعمرة، ثم موعدك مكان كذا وكذا" وفي الواحدة والعشرين "فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن ينطلق بها إلى التنعيم"، وفي الرواية الثالثة والعشرين "قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم". (ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم) قال النووي: هذا محمول على إخبارها عن نفسها، أي لم يكن علي في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم، ثم إنه مشكل من حيث إنها كانت قارنة، والقارن يلزمه الدم، وكذلك المتمتع، ويمكن أن يتأول هذا على أن المراد: لم يجب علي دم ارتكاب شيء من محظورات الإحرام، كالطيب وستر الوجه وقتل الصيد وإزالة الشعر والظفر وغير ذلك، أي لم أرتكب محظوراً، فيجب بسببه هدي أو صدقة أو صوم. هذا هو المختار في تأويله، وقال القاضي عياض: فيه دليل على أنها كانت في حج مفرد، لا تمتع ولا قران، لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما إلا داود الظاهري فقال: لا دم على القارن. هذا كلام القاضي. وهذا اللفظ، وهو قوله "ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم" ظاهره في هذه الرواية أنه من كلام عائشة، ولكن في ملحق الرواية التصريح بأنه من كلام هشام بن عروة، فيحمل الأول عليه، ويكون الأول في معنى المدرج. انتهى كلام النووي. أقول: ومن المعلومات السابقة يتبين أن عائشة ﵂ كانت قارنة ودخلت عمرة قرانها في حجها، وأن الرسول ﷺ أهدى عن نسائه -كما جاء في الرواية العاشرة فدم القران أدي، ولا شيء عليها في إنشائها عمرة بعد التحلل من الحج، وعمرتها هذه في غير أشهر الحج عند الجمهور، فكأنها تقول: ولم يكن في عمرتي هذه هدي ولا صدقة ولا صوم، وهذا صحيح. والله أعلم. الرواية العاشرة (والله لوددت أني لم أكن خرجت العام) تمنت عدم خروجها للحج هذا العام لخشيتها أن تكون سبباً في إيذاء الرسول ﷺ والمسلمين وحصرهم والتضييق عليهم في حجهم. (فإني لأذكر وأنا جارية حديثة السن) المعنى إني لأذكر حالتي وما حصل يومها، وأنا حينذاك جارية، أي شابة فتية، حديثة السن، أي شابة، ففي كتب اللغة الحداثة سن الشباب، وكانت عائشة ﵂ حينئذ لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها في أصح الأقوال. (أنعس) بضم العين، وفي كتب اللغة: بفتح العين، يقال: نعس ينعس نعساً بسكون العين وبفتحها ونعاساً أي فترت حواسه فقارب النوم، فهو ناعس. (فيصيب وجهي مؤخرة الرحل) فيه تقديم المفعول على الفاعل، وأصله فتصيب مؤخرة الرحل وجهي، والرحل ما يوضع على ظهر البعير للركوب، والمعنى أنها بنعاسها تطئطئ رأسها، فتنخفض منها حتى تصطدم بخشبة الرحل.

стр. 2680

ولا يتعارض هذا مع قولها في الرواية الواحدة والعشرين "فجعلت أرفع خماري [خمار المرأة الثوب الذي تغطي به رأسها ووجهها، ويحيط برقبتها غالباً] أحسره عن عنقي [أحسره بضم السين أي أكشفه عن رقبتي] فيضرب [عبد الرحمن] رجلي بعلة الراحلة [قال النووي: أي يضرب رجلي عامداً في صورة من يضرب الراحلة، أي يتعمد ضرب رجلي برجله أو بسيفه أو بعصاه متظاهراً أنه يضرب الراحلة حين تكشف خمارها عن عنقها، غيرة عليها] فتقول له: وهل ترى من أحد؟ أي نحن في خلاء، ليس ههنا أجنبي أستتر منه". أقول: لا تعارض، فهما حالان، حالة كشف الخمار وهي متيقظة، وحالة النعاس. الرواية الثالثة عشرة (فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدي) أي فمنهم الآخذ بهذه الإباحة وجعلها عمرة، ومنهم التارك لها المستمر على إحرامه بالحج مع أنه ليس معه هدي، ظناً منهم أن العبارة تخييرية، فهي متروكة لمن أحب. (قلت: لا أصلي) كنت بذلك عن الحيض. (فخرجت في حجتي حتى نزلنا مني فتطهرت) في الكلام طي، والأصل: فخرجت من مكة إلى منى إلى عرفات، فوقفت بعرفة، ثم أفضت من عرفة حتى نزلنا منى يوم النحر، فتطهرت. (ونزل رسول الله ﷺ المحصب) أي أقام فيه هو وأصحابه، فقد باتوا فيه بعد أن نفروا من منى. (فجئنا رسول الله ﷺ وهو في منزله من جوف الليل) في الرواية السابعة عشرة "ثم موعدك مكان كذا وكذا .... فلقيني رسول الله ﷺ ، وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها" وفي ملحقها "وأنا متهبطة" بالتاء بدل النون، "وهو متهبط" بالتاء بدل النون. يقال: هبط وانهبط أي نزل، ويقال تهبط، أي انحدر في بطء، ومن المعلوم أن دروب مكة ترتفع وتنخفض، فهذه الرواية لا تتفق مع الرواية الثالثة عشرة في مكان اللقاء، اللهم إلا أن يقال: إن رسول الله ﷺ وعدها أن تعود إليه في المحصب أو في الطريق منه إلى المسجد الحرام، فعادت إليه في المحصب وهو يتأهب للخروج من مكة، وكانت هي داخلة إليها من الحل والتنعيم. وقد جمع النووي بأنه ﷺ خرج بعد ذهابها، فقصد البيت ليطوف طواف الوداع، ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع، وكل هذا في الليل، فلقيها ﷺ وهو صادر بعد طواف الوداع، وهي داخلة لطواف عمرتها، ثم فرغت من عمرتها، ولحقته ﷺ ، وهو بعد في منزله في المحصب. وأما قولها "فأذن في أصحابه، فخرج، فمر بالبيت، وطاف" فيتأول على أن في الكلام تقديماً وتأخيراً.

стр. 2681

وفي هذا الجمع تكلف لا يساعده المقام، ويلزمه أن عائشة ﵂ لم تطف طواف الوداع. (فأذن في أصحابه بالرحيل) إلى المدينة بعد طواف الوداع، وصلاة الصبح في الحرم. الرواية الخامسة عشرة (فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر) "فدخل" بضم الدال، مبني للمجهول. (ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه) في الرواية التاسعة قالت: "وضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر". الرواية السادسة عشرة (يصدر الناس بنسكين) أي يرجع الناس كل منهم بنسكين منفردين؟ يقال: صدر عن المكان أي رجع وانصرف. وهو المراد هنا، أما صدر إلى المكان فمعناه. انتهى إليه. (ولكنها على قدر نصبك) أي ولكن أجر عمرتك على قدر تعبك وحدك واجتهادك وإخلاصك في أدائها، والنصب بفتح الصاد التعب والجد والاجتهاد. وشك الراوي في قول الرسول ﷺ ، هل قال: "على قدر نصبك" أو قال: "على قدر نفقتك" ولعل المراد من النفقة هنا إنفاق الجهد والمشقة والإخلاص. الرواية السابعة عشرة (فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت) هذا الكلام من عائشة، وهي لم تطف بالبيت، فمعناه تطوف المسلمون بالبيت. (قالت صفية: ما أراني إلا حابستكم؟ ) أي ما أظنني إلا حابستكم ومانعتكم من الرحيل؟ قالت ذلك حين أذن ﷺ بالرحيل وطواف الوداع إذ حاضت في هذا الوقت، ولا يمكنها الطواف حتى تطهر، ظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، وظن رسول الله ﷺ أنها لم تطف طواف الركن، طواف الإفاضة، فقال: (عقرى حلقى) قال النووي: هكذا يرويه المحدثون، بالألف التي هي ألف التأنيث، ويكتبونه بالياء ولا ينونونه، وهكذا نقله جماعة لا يحصون من أئمة اللغة وغيرهم عن رواية المحدثين، وهو صحيح فصيح. قال الأزهري في تهذيب اللغة: قال أبو عبيد: معنى "عقرى" عقرها الله تعالى، و"حلقى" حلقها الله. قال: يعني عقر الله جسدها، وأصابها بوجع في حلقها. قال أبو عبيد: أصحاب الحديث يروونه "عقرى حلقى" وإنما هو "عقرا حلقا" قال: وهذا على مذهب العرب في الدعاء على الشيء من غير إرادة وقوعه. قال شمر: قلت: لأبي عبيد: لم لا تجيز "عقرى" فقال: لأن فعلى تجيء نعتاً، ولم تجيء في الدعاء. وقال صاحب المحكم: يقال للمرأة عقرى وحلقى، معناه عقرها الله وحلقها أي حلق شعرها، أو أصابها بوجع في حلقها. قال: فعقرى ههنا

стр. 2682

مصدر، كدعوى، وقيل: معناه تعقر قومها، وتحلقهم بشؤمها وقيل: العقرى الحائض، انتهى كلام صاحب المحكم، وقيل: معناه جعلها الله عاقراً، لا تلد وحلقى مشئومة على أهلها. وعلى كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم اتسعت العرب فيها فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة ما وضعت له أولاً، ونظيره تربت يداه، وقاتله الله أو ما أشجعه وما أشعره! والله أعلم. اهـ (لا بأس. انفري) في كتب اللغة: يقال: لا بأس عليه أي لا خوف عليه، ولا بأس به أي لا مانع به، ولا بأس فيه أي لا حرج فيه، وكلها صالحة هنا، ونفر من المكان تركه إلى غيره، فالمعنى هنا اتركي المحصب وارحلي معنا إلى المدينة. الرواية الثامنة عشرة (فدخل علي وهو غضبان) قال النووي: أما غضبه ﷺ فلانتهاك حرمة الشرع، وترددهم في قبول حكمه، وقد قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: ٦٥]. فغضب ﷺ لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم. (فإذا هم يترددون -أو كأنهم يترددون، أحسب) قال النووي: قال القاضي: كذا وقع هذا اللفظ، وهو صحيح، ومعناه أن الحكم شك في لفظ النبي ﷺ هذا مع ضبطه لمعناه، فشك هل قال: يترددون؟ أو نحوه من الكلام؟ ولهذا قال بعده: أحسب أي أظن أن هذا لفظه. الرواية الثالثة والعشرون (وأقبلت عائشة ﵂ بعمرة. حتى إذا كنا بسرف عركت) ظاهره أنها ﵂ أهلت بعمرة قبل أن تحيض، وهو غير صحيح، ولا يتفق مع أحاديثها الصحيحة عن نفسها، ولعل في كلام جابر ﵁ تقديماً وتأخيراً، وحقه: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، حتى إذا كنا بسرف عركت عائشة ثم أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي أن يحرم بالعمرة، فأقبلت عائشة ﵂ إلى مكة بعمرة، حتى إذا قدمنا مكة .... إلخ. (حل ماذا؟ قال: الحل كله) في الرواية السادسة والعشرين والثامنة والسبعين "أي الحل"؟ ومعناه أي شيء من الأشياء يحل علينا؟ لأنه أمر أن يحلوا من العمرة، فقال: "حل كله". يعني جميع ما يحرم على المحرم، حتى الجماع، وذلك تمام الحل، كأنهم كانوا يعرفون أن للحج تحللين، فأرادوا بيان ذلك، بقولهم: أي الحل؟ فبين لهم الحل كله، لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد. (فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا) أي وتحللنا من محرمات الإحرام، والمراد أن بعضهم فعل كل ذلك، لا كلهم.

стр. 2683

الرواية السادسة والعشرون (ومسسنا الطيب) قال النووي: هو بكسر السين الأولى، هذه هي اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة بفتحها، قال الجوهري: يقال: مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مساً. فهذه اللغة الفصيحة. قال: وحكى أبو عبيدة: مسست الشيء بالفتح أمسه. بضم الميم. قال: وربما قالوا: مست يحذفون منه السين الأولى، ويحولون كسرتها إلى الميم، قال: ومنهم من لا يحول، ويترك الميم على حالها مفتوحة. اهـ الرواية السابعة والعشرون (فأهللنا من الأبطح) وهو البطحاء، وهو المحصب -بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الصاد المفتوحة، وهو مكان متسع بين مكة ومنى، وسمي بالمحصب لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل، وهو موضع منهبط، وحدوده ما بين الجبلين إلى المقابر، وليست المقبرة منه وفيه لغة أخرى "الحصاب" بكسر الحاء، وحده أبو عبيد من الحجون ذاهباً إلى منى. الرواية التاسعة والعشرون (إلا خمس) أي إلا خمس ليال بما فيها ليلة عرفة، لأنه ﷺ أمرهم بذلك صبح رابعة، أي صبح الليلة الرابعة. (فقدم على من سعايته) في الرواية الخامسة والثلاثين "وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ وكان النبي ﷺ قد أرسله إلى اليمن قبل حجة الوداع ليحصل على بعض الصدقات من أربابها، قال القاضي عياض: قوله "من سعايته" أي من عمله في السعي في الصدقات. قال: وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث أن النبي ﷺ إنما بعث علياً ﵁ إلى اليمن أميراً، لا عاملاً على الصدقات، إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات. قال القاضي: يحتمل أن علياً ﵁ ولي الصدقات وغيرها احتساباً، أو أعطى عمالته عليها من غير الصدقة. قال: وهذا أشبه، لقوله: "من سعايته" والسعاية تختص بالصدقة قال النووي: وهذا الذي قاله حسن، إلا قوله: إن السعاية تختص بالعمل على الصدقة فليس كذلك، لأنها تستعمل في مطلق الولاية. (وأهدى له علي هدياً) أي أهدى للنبي ﷺ هدياً اشتراه له، لا أنه من السعاية على الصدقة. الرواية المتممة للثلاثين (حتى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج) قال النووي: معناه أهللنا بالحج عند إرادتنا الذهاب إلى منى. اهـ ولعله بذلك يشير إلى ما جاء في الرواية الخامسة والثلاثين من قوله "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج" وما جاء في الرواية السابعة والعشرين من قوله "أمرنا النبي ﷺ لما أحللنا -أن نحرم إذا توجهنا إلى منى. قال: فأهللنا من الأبطح".

стр. 2684

وقال: قد يستدل بالإهلال من الأبطح من يجوز للمكي والمقيم بها الإحرام بالحج من الحرم، وفي المسألة وجهان لأصحابنا، أصحهما: لا يجوز أن يحرم بالحج إلا من داخل مكة، وأفضله من باب داره، وقيل: من المسجد الحرام، والثاني يجوز من مكة ومن سائر الحرم، وقد سبقت المسألة في باب المواقيت، فمن قال بالثاني احتج بحديث جابر هذا لأنهم أحرموا من الأبطح، وحين جعلوا مكة بظهرهم، أي لم يحرموا من داخل مكة، لكنه من الحرم، ومن قال بالأول -وهو الأصح قال: إنما أحرموا من الأبطح لأنهم كانوا نازلين به وكل من كان دون الميقات المحدد له فميقاته منزله، كما سبق في باب المواقيت. والله أعلم. الرواية الواحدة والثلاثون (تصير حجتك الآن مكية) قيل معناه: قليلة الثواب، لقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه أنك تنشئ حجك من مكة، كما ينشئ أهل مكة منها، فيفوتك فضل الإحرام من الميقات. (عام ساق الهدي معه) في رواية البخاري "يوم ساق البدن معه" وذلك في حجة الوداع. (أحلوا من إحرامكم) أي اجعلوا حجتكم عمرة، وتحللوا منها بالطواف والسعي. (وقصروا) إنما أمرهم بالتقصير ليتوفر الشعر للحلق أو التقصير للحج، لأنهم سيهلون به بعد زمن قصير. (واجعلوا التي قدمتم بها متعة) أي اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرة، تتحللوا منها، فتصيروا متمتعين، فأطلق على العمرة متعة مجازاً، والعلاقة بينهما السببية والمسببية. (لا يحل مني حرام) أي لا يحل مني ما حرم علي، ووقع في بعض روايات مسلم "لا يحل مني حراماً" بالنصب على المفعولية، وعلى هذا فيقرأ "يحل" بضم الياء وكسر الحاء والفاعل محذوف، تقديره: لا يحل طول المكث مني شيئاً حراماً حتى يبلغ الهدي محله، أي إذا نحر يوم منى. الرواية الثالثة والثلاثون (على يدي دار الحديث) أي بين يدي، أي أمامي، وعلى مسامعي. (تمتعنا) من التمتع بالعمرة إلى الحج، أو من متعة النساء، أي الزواج لأجل. (إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء) أي بسبب يشاؤه جل شأنه، يشير بذلك إلى الخصوصية له ﷺ ، أو الخصوصية لعام المناسبات خاصة، فالتمتع بالعمرة إلى الحج رخص به لإبطال عقيدة أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وثبتت العقيدة الصحيحة، ومتعة النساء كانت للحاجة وانتهت، وسيأتي الكلام عن فتوى عمر بهذا الخصوص في فقه الحديث.

стр. 2685

(إن القرآن نزل منازله) أي ثبتت أحكامه وهو يقول: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ حمل إتمامها على إتمام كل منهما مستقلاً، دون تداخل، مع أن التمتع لا يتعارض مع الآية، ولا مع قوله في ملحق الرواية "فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم" ولا يخالف الإتمام على الاستقلال سوى القران، وسيأتي التفصيل في فقه الحديث. (وأبتوا نكاح هذه النساء) المتزوجات إلى أجل، واقطعوا النكاح، واجعلوه غير مؤقت. الرواية الخامسة والثلاثون (فسأل عن القوم) أي سأل زائريه واحداً واحداً عن قومهم ونسبهم. (فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي) كان جابر ﵁ أعمى، وكان محمد بن حسين غلاماً شاباً صغيراً فأراد جابر مداعبته وتأنيسه، فوضع يده على رأس الغلام يمسحه، ثم نزل بيده من الرأس إلى فتحة قميص محمد، ففك زر القيمص العلوي [زراره] ثم حل زر القميص السفلي، ولم يكن لفتحة طوق القميص سوى زرين، ثم أدخل يده بين القميص وبين صدر الغلام ووضعها بين ثدييه، يمسح صدره بأصابعه محبة وتأليفاً. ولفظ "ثديي" بالتثنية، قال النووي: واختلف أهل اللغة في إطلاق الثدي للرجل، منهم من جوزه للرجل كالمرأة، ومنهم من منعه، وقال: يختص الثدي بالمرأة، ويقال في الرجل: ثندوة. اهـ (فقام في نساجة ملتحفاً بها) قال النووي: "نساجة" بكسر النون وتخفيف السين المهملة وبالجيم، هذا هو المشهور في نسخ بلادنا ورواياتنا لصحيح مسلم وسنن أبي داود، ووقع في بعض النسخ في "ساجة" بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصواب. قال: والساجة والساج جميعاً ثوب كالطيلسان وشبهه، قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسي، وقال: ومعناه ثوب ملفق. وقال: قال بعضهم: النون خطأ وتصحيف. قال النووي: قلت: ليس كذلك، بل كلاهما صحيح، ويكون ثوباً ملفقاً على هيئة الطيلسان، قال القاضي في المشارق: الساج والساجة الطيلسان، وجمعه سيجان، قال: وقيل هي الخضر منها خاصة، وقال الأزهري: هو طيلسان مقور ينسج كذلك، قال: وقيل: هو الطيلسان الحسن، قال: ويقال الطيلسان بفتح اللام وكسرها وضمها، وهي أقل. اهـ وفي المعجم الوسيط: الطالسان ضرب من الأوشحة، يلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن، خال من التفصيل والخياطة، أو هو ما يعرف في العامية المصرية بالشال (فارسي معرب) وهو الطيلسان، والجمع طيالس. (ورداؤه إلى جنبه على المشجب) كأنه كان بالإزار دون الرداء، وأراد أن يلتحف بالطيلسان بدل الرداء، والمشجب أعواد تغرس في الحائط يعلق عليها الثياب (شماعة).

стр. 2686

(فقال بيده فعقد تسعاً) فيه استعمال القول بدل الفعل، والمراد عد بأصابع يده تسعاً. (كيف أصنع؟ ) "كيف" يسأل بها عن الهيئة. أي على أي حالة أصنع في إحرامي؟ . (واستثفري بثوب) سبق قريباً معناه، وأنه خرقة توضع بين فخذي الحائض، تتلقى الدم. (فصلى في المسجد) أي مسجد ذي الحليفة. (ثم ركب القصواء) بفتح القاف والمد، اسم ناقتة. أي التي تبلغ أقصى الأماكن كذا قيل، وقال القاضي: ووقع في نسخة "القصوى" بضم القاف والقصر، قال: وهو خطأ، قال ابن قتيبة: كانت للنبي ﷺ نوق، القصواء، والجدعاء، والعضباء، قال أبو عبيد: العضباء اسم لناقة النبي ﷺ ، ولم تسم بذلك لشيء أصابها. قال القاضي: وفي غير مسلم "خطب على ناقته الجدعاء" وفي حديث آخر "على ناقة خرماء" وفي آخر "العضباء" وفي حديث آخر "كانت له ناقة لا تسبق" وفي آخر تسمى "مخضرمة"، وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة، خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان اسمها أو وصفها، لهذا الذي بها، خلاف ما قال أبو عبيد. قال الحربي: العضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة في الآذان، وقال ابن الأعرابي: القصواء التي قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه، وقال الأصمعي: والقصو مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن اصتلمتا فهي صلماء. وقال التيمي وغيره: إن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله ﷺ . (فأهل بالتوحيد) يعني بقوله "لبيك لا شريك لك". (وأهل الناس بهذا الذي يهلون به) أي بالحج مفرداً، يصرح بذلك بعد قليل. (فلم يرد رسول الله ﷺ شيئاً منه) من إهلالهم بالحج، ولم يرشدهم إلى العمرة. (استلم الركن) أي استلم الحجر الأسود في الركن من الكعبة. (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) أي اخترق الناس ونفذ من بينهم. (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي وصلى ركعتين. (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى) أي حتى إذا هبط في بطن الوادي [بين الميلين الأخضرين المعلمين في هذه الأيام] هرول. (فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل) أمر بالتحلل، وكان قد طلب منهم أن يحرموا بالعمرة عقب خروجهم من سرف وقبل وصولهم مكة.

стр. 2687

(فكان علي يقول بالعراق) أي وهو بالعراق، بعد أن تولى الخلافة. (فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة) أي مهيجاً للرسول ﷺ على فاطمة، ومغرياً إياه عليها والمراد هنا إغراؤه على عتابها. (ماذا قلت حين فرضت الحج؟ ) أي حين أحرمت؟ . (فإن معي الهدي فلا تحل) أي فإن معي الهدي فلا أحل، ومعك الهدي فلا تحل. (توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج) ظاهره أنهم لم يحرموا من مكة، وقد سبق الكلام عن ميقات إحرام المكي والمقيم بها عند الكلام على لغويات الرواية المتممة للثلاثين. (تضرب له بنمرة) قال النووي: بفتح النون وكسر الميم، هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها، وهو إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، وهي موضع بجانب عرفات، وليست من عرفات. (فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة) أي أجاز المشعر الحرام وجاوزه وقطعه وسار به وخلفه حتى أتى عرفة، أي حتى أتى "نمرة" قريباً من عرفة، ففيه مجاز المقاربة والمشعر الحرام جبل في المزدلفة، يقال له: قزح، وقيل إن المشعر الحرام كل المزدلفة، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات (انظر الرواية الثامنة والثلاثين). (إن دماءكم وأموالكم) في رواية البخاري "وأعراضكم" والعرض ما يحميه الإنسان. (كحرمة يومكم هذا ... إلخ) قال الحافظ: إنما شبهها بهذه الأشياء في الحرمة لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء بحال، وذكر الشهر والبلد للتأكيد. (كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع) أي ساقط، من قولهم: وضع عنه الدين والجزية والجناية، وقوله: "تحت قدمي" بالتثنية تأكيد لإبطاله وسقوطه. (ودماء الجاهلية موضوعة) ما كان في الجاهلية قبل الإسلام من قتل فلا مطالبة بثأره أو قصاصه أو ديته. (وأول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة) في بعض رواة مسلم "دم ربيعة بن الحارث" قيل: هو وهم، والصواب "ابن ربيعة" لأن ربيعة عاش بعد النبي ﷺ إلى زمن عمر بن الخطاب، وتأوله أبو عبيد، فقال: "دم ربيعة" لأنه ولى الدم فنسبه إليه. قالوا: وكان هذا الابن المقتول طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر. (فإنه موضوع كله) معناه الزائد على رأس المال، كما قال الله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم﴾ [البقرة: ٢٧٩]. لأن الربا الزيادة، فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع الرد والإبطال. قاله النووي.

стр. 2688

(فإنكم أخذتموهن بأمان الله) قال النووي: هكذا هو في كثير من الأصول وفي بعضها "بأمانة الله". اهـ أي بسبب الأمان والعهد الذي عهد به إليكم، وجعلن أمانة لديكم. (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) قيل: معناه قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقيل المراد كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم وقيل المراد بإباحة الله والكلمة ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]. قال النووي: وهذا الثالث هو الصحيح، وقيل: المراد بالكلمة الإيجاب والقبول، ومعناه على هذا بالكلمة التي أمر الله تعالى بها. (أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه) قال المازري: قيل: المراد بذلك لا يستخلين بالرجال، ولم يرد زناها، لأن ذلك يوجب جلدها، ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه، وقال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك عيباً، ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك. قال النووي: والمختار أن معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأة أو أحداً من محارم الزوجة. اهـ والأولى قصر النهي على المرأة والمحرم، أما الرجل الأجنبي فهو ظاهر الحرمة. (فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح) الضرب المبرح -بضم الميم وفتح الباء وكسر الراء المشددة- الضرب الشديد الشاق، والبرح المشقة. (قال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس) قال النووي: هكذا ضبطناه "ينكتها" بالتاء بعد الكاف، قال القاضي: وهو بعيد المعنى، قيل صوابه "ينكبها" بالباء بعد الكاف، ومعناه يقلبها ويرددها إلى الناس مشيراً إليهم، اهـ وفي كتب اللغة: نكت الشيء نثر ما فيه أو أخرجه، يقال: نكت العظم أخرج مخه. (فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) قال النووي: هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات. (وجعل حبل المشاة بين يديه) قال النووي: روي "حبل" بالحاء المهملة، وروي "جبل" بالجيم وفتح الباء، قال القاضي: الأول أشبه بالحديث، و"حبل المشاة" مجتمعهم، وأما الجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرجالة. اهـ[وفي كتب اللغة: الجبل بفتح الجيم وضمها وكسرها مع سكون الباء الجماعة من الناس والساحة]. (وأردف أسامة خلفه) أي ركب القصواء، وأردف عليها أسامة بن زيد خلفه. (ودفع رسول الله ﷺ أي دفع عن المكان، ورحل عنه.

стр. 2689

(وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله) معنى "شنق" ضم وضيق، ومورك الرحل الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه، والمعنى شد الزمام الذي يمسك برأس الراحلة حتى تكاد رأسها تلتصق بصدرها، منعاً لها من الإسراع لأنها تنطلق إذا أطلق لها الزمام. (كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد) قال النووي: الحبال هنا بالحاء المهملة المكسورة، جمع حبل، وهو التل اللطيف من الرمل. و"تصعد" بفتح التاء وضمها، يقال: صعد في الجبل وأصعد. (حتى أتى المزدلفة) موضع معروف، قيل: سميت بذلك من التزلف، والازدلاف التقرب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي مضوا إليها، وتقربوا منها، وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أي ساعات، وتسمى "جمعاً" بفتح الجيم وسكون الميم، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، أو لجمع الصلاة فيها، وقيل لاجتماع آدم وحواء فيها. قال النووي: واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم، وحدها ما بين مأزمي عرفة [المأزم -بكسر الزاي- الطريق الضيق بين جبلين] ووادي محسر، وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والحبال الداخلة في الحد المذكور. (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) المراد به هنا قزح -بضم القاف وفتح الزاي بعدها حاء، وهو جبل معروف في المزدلفة. وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة، وظاهر الحديث مع القول الأول. (فدعاه وكبره وهلله ووحده) أي دعا ربه وكبره إلخ، والضمير وإن لم يسبق له ذكر مفهوم من المقام. (حتى أسفر جداً) الضمير في "أسفر" يعود إلى الفجر المذكور قريباً والسفر -بفتح السين وسكون الفاء- والسفور الإضاءة والكشف، يقال: سفر الصبح وأسفر أي أضاء وأشرق، وسفرت الشمس طلعت، وعن ابن خزيمة والطبري "فدفع رسول الله ﷺ حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس" أي ظهر كل شيء وانكشف، وقوله "جداً" أي إسفاراً بليغاً. (وكان رجلاً حسن الشعر وسيماً) وصفه بصفة يفتتن بها النساء، وكأن تحويله عن النساء كان خوفاً عليهن من جماله، لا خوفاً عليه منهن، ولكن يلزم من افتتان المرأة به أن يقع في شراكها. (مرت به ظعن يجرين) الظعن بضم الظاء والعين، ويجوز إسكانها جمع ظعينة، وأصل الظعينة البعير الذي عليه امرأة، ويراد بها هنا المرأة مجازاً لملابستها البعير، قاله النووي. وكأن المعنى مرت به فتيات يجرين. (فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر) كأنهن كن كثيرات، يمكن رؤيتهن من جهة ومن جهة أخرى.

стр. 2690

وفي رواية الترمذي "أن النبي ﷺ لوى عنق الفضل، فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما". (حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً) قال النووي: "محسر" بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة، سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي أعيى وكل. ومعنى "حرك قليلاً" حرك دابته أكثر من حركتها، أي أسرع. (مثل حصى الخذف) متصل بقوله "فرماها بسبع حصيات" وجملة "يكبر مع كل حصاة" معترضة بين الصفة والموصوف، وحصى الخذف هو الحصا الذي في قدر حبة الباقلاء، والتي توضع بين السبابة والإبهام فترمى. والخذف الرمي. (فنحر ثلاثاً وستين بيده) قال النووي: هكذا هو في النسخ "ثلاثاً وستين بيده" وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الرواة سوى ابن هامان، فإنه رواه "بدنة" قال: وكلامه صواب، والأول أصوب. (ثم أعطى علياً فنحر ما غبر) أي ما بقي، ومفعول "أعطى" الثاني محذوف، أي أعطى علياً السكين، أو أعطاه ما بقي. (وأشركه في هديه) أي في ذبح هديه، وليس المراد كما هو الظاهر أنه أشركه في نفس الهدي، قال القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن تشريكاً حقيقة، بل أعطاه قدراً يذبحه، والظاهر أن النبي ﷺ نحر البدن التي جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثاً وستين وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تتمم المائة. (ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها) قال النووي: البضعة بفتح الباء لا غير، وهي القطعة من اللحم، ولما كان في الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت في قدر ليكون شارباً من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر. (فأفاض إلى البيت) الإفاضة النزول من عرفات، والتقدير: فأفاض إلى البيت، فطاف طواف الإفاضة. (انزعوا بني عبد المطلب) بكسر الزاي، أي اسقوا بالدلاء، وانزعوها بالحبال، وكانوا يغرفون ماء زمزم من البئر بالدلاء، ويصبونه في الحياض ونحوها، ويسيلونه للناس. (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج، ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم، لكثرة فضيلة هذا الاستقاء.

стр. 2691

قال النووي: وأما زمزم فهي البئر المشهورة في المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعاً، قيل: سميت زمزم لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمازم إذا كان كثيراً، وقيل: لضم هاجر ﵂ لمائها حين انفجرت، وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبريل ﵇ لها، وكلامه عند فجره إياها، وقيل: إنها غير مشتقة، ولها أسماء أخرى. (وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عري) أي كان يدفع بهم في الجاهلية. (فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثم، فأجاز، ولم يعرض له، حتى أتى عرفات، فنزل) قال النووي: "أجاز" أي جاوز، وقوله: "لم يعرض" هو بفتح الياء وكسر الراء [ومعنى "لم يعرض له" لم يظهر عليه ولم يشرف عليه، ولم يتمكن فيه]. قال: ومعنى الحديث أن قريشاً كانت قبل الإسلام تقف بالمزدلفة، وهي من الحرم، ولا يقفون بعرفات، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وكانت قريش تقول: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه، فلما حج النبي ﷺ ووصل المزدلفة اعتقدوا أنه يقف بالمزدلفة على عادة قريش، فجاوز إلى عرفات، لقول الله : ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩]. فإن من سوى قريش كانوا يقفون بعرفات ويفيضون منها. وقوله: "حتى أتى عرفات فنزل" فيه مجاز المشارفة، والمعنى حتى أتى قريباً من عرفات "نمرة" فنزل بها. الرواية السادسة والثلاثون (نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم) "ههنا" إشارة إلى المكان الذي نحر فيه ﷺ من منى، والرحال المنازل، قال أهل اللغة: رحل الرجل منزله، سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر. قال النووي: ومعنى الحديث: منى كلها منحر، يجوز النحر فيها، فلا تكلفوا النحر في موضع نحري، بل يجوز لكم النحر في منازلكم من منى. الرواية الثامنة والثلاثون (وكانوا يسمون الحمس) بضم الحاء وسكون الميم. قال أبو الهيثم: "الحمس" هم قريش ومن ولدته قريش وكنانة، وجديلة قيس، سموا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا، وقيل: سموا حمساً بالكعبة، لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد. وبقية الحديث سبق شرحها.

стр. 2692

الرواية المتممة للأربعين (عن جبير بن مطعم .... الحديث) قال القاضي عياض: كان هذا في حجة قبل الهجرة، وكان جبير حينئذ كافراً، وأسلم يوم الفتح، وقيل: يوم خيبر، فتعجب من وقوف النبي ﷺ بعرفات. اهـ الرواية الواحدة والأربعون (قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء) "أناخ" أي أبرك بعيره، والمراد أنه نزل بها، والمراد من البطحاء هنا بطحاء مكة، وهو المحصب. وقد أشارت الرواية الثالثة والأربعون إلى مصدر قدومه، وهو اليمن، ولفظ البخاري "بعثني رسول الله ﷺ إلى قوم باليمن، فجئت وهو بالبطحاء" وكان بعثه إلى اليمن في السنة العاشرة من الهجرة، قبل حجة الوداع، بعثه وبعث معاذ بن جبل، كلاً منهما والياً على قسم من قسميها، فلما علم بحج النبي ﷺ قدم من اليمن للحج. (فقال لي: أحججت؟ ) أي أأحرمت بالحج؟ . (فقال: بم أهللت؟ ) في الرواية الثالثة والأربعين "كيف قلت حين أحرمت"؟ . (قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ في الرواية الثالثة والأربعين "قلت: لبيك إهلالاً كإهلال النبي ﷺ ". (قال: فقد أحسنت. طف بالبيت، وبالصفا والمروة، وأحل) في هذه الرواية طي، صرح به في الرواية الثانية والأربعين والثالثة والأربعين "قال: هل سقت من هدي؟ قلت: لا" والمعنى: حيث لم تسق الهدي فأحرم بعمرة وائت بمناسكها، ثم تحلل، ففعل. (ثم أتيت امرأة من قيس، ففلت رأسي) قال الكرماني: يحمل على أن المرأة كانت محرماً له، كبنت بعض إخوته، و"فلت رأسي" بفتح الفاء واللام مخففة، يقال: فلي رأسه يفليه فلياً بحث فيه عن القمل. وفلى الشعر بتشديد اللام، مثل فلى بالتخفيف. وفي الرواية الثانية والأربعين "فمشطتني وغسلت رأسي" والمراد أنه تحلل من محرمات الإحرام. (فكنت أفتي به الناس) في الرواية الثانية والأربعين "فكنت أفتي الناس بذلك" أي بالتمتع، كما جاء في الرواية الرابعة والأربعين "أنه كان يفتي بالمتعة". (حتى كان في خلافة عمر ﵁ أي حتى كان الأمر، وفي الرواية الثانية والأربعين "في إمارة أبي بكر وإمارة عمر" أي وصدر من إمامة عمر.

стр. 2693

(فقال له رجل: يا أبا موسى، رويدك بعض فتياك) في الرواية الرابعة والأربعين "رويدك ببعض فتياك" أي تمهل في بعض فتياك، أي في هذه الفتوى، أي أمسك عن هذه الفتيا قليلاً، حتى يتبين لك أمرها، يقال: فتيا وفتوى لغتان مشهورتان، وفي الرواية الثانية والأربعين "فإني لقائم بالموسم إذا جاءني رجل". (فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك) أي في شأن نسك العمرة مع الحج تمتعاً، و"بعدك" أي بعد حجتك مع النبي ﷺ ، أو بعد فتياك بالمتعة في عهد أبي بكر. (من كنا أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا) في الرواية الثانية والأربعين "من كنا أفتيناه بشيء" أي من هذه الفتيا الخاصة بالمتعة، فليتئد وليتمهل في العمل بها. (فذكرت ذلك له) في الرواية الثانية والأربعين "فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟ ". (إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام) في الرواية الثانية والأربعين "فإن الله يقول: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. وظاهره أن عمر ﵁ حمل الإتمام على انفراد كل منهما في عام، وإلا فالمتعة فيها إتمام واستقلال بأفعال كل من الحج والعمرة، اللهم إلا أن يقال: ليس فيها استقلال بالخروج، ولا استقلال في ميقات محلته والإهلال منه، وقال الحافظ ابن حجر: محصل جواب عمر أن كتاب الله دال على منع التحلل، لأنه أمر بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج، وقال المازري: قيل: إن المتعة التي نهي عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة، فالحج على هذا لم يتم، وقال القاضي عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما رواه مسلم، على معتقده أن الفسخ كان خاصاً بهذه السنة، ويؤيد هذا ما جاء في الرواية الثالثة والثلاثين من قوله: "إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء" أي إن الله أحل لرسوله الفسخ في ذاك العام. (وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله) أي لم يتمتع، وكأنه يعتمد فعله ﷺ دون قوله، وفي الرواية الرابعة والأربعين "قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله" أي فعل التمتع، أي أمر به وأقره "وأصحابه فعلوه بأمره "ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم" قال النووي: "معرسين" بإسكان العين وتخفيف الراء، والضمير في "بهن" يعود إلى النساء للعلم بهن وإن لم يذكرن، ومعناه كرهت التمتع، لأن يقتضي التحلل، ووطء النساء إلى حين الخروج إلى عرفات، وللموضوع تتمة في فقه الحديث.

стр. 2694

الرواية الخامسة والأربعون (كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها) قال النووي: المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان هي التمتع المعروف في الحج، وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم. اهـ وفي الرواية السادسة والأربعين "اجتمع علي وعثمان ﵄ بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة" و"عسفان" بضم العين وسكون السين، قرية جامعة على مسافة ستة وثلاثين ميلاً من مكة. (فقال عثمان لعلي كلمة) فسرت الكلمة رواية النسائي "فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله"؟ . (قال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله ﷺ في الرواية السادسة والأربعين "فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه"؟ أي ما تريد إرادة منتهية إلى النهي، أو ضمن الإرادة معنى الميل، وفي رواية "ما تريد إلا أن تنهى عن أمر". (فقال: أجل) بفتح الهمزة والجيم، أي نعم تمتعنا مع رسول الله ﷺ . وفي الرواية السادسة والأربعين "فقال عثمان: دعنا منك" أي دعنا من رأيك ونقاشك. (ولكنا كنا خائفين) قال النووي: لعله أراد بقوله: "خائفين" يوم عمرة القضاء سنة سبع، قبل فتح مكة، لكن لم يكن تلك السنة حقيقة التمتع، إنما كان عمرة وحدها. اهـ قال الحافظ ابن حجر: هي رواية شاذة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب، وهما أعلم من عبد الله بن شقيق، فلم يقولا ذلك، والتمتع إنما كان في حجة الوداع، وقد قال ابن مسعود -كما ثبت في الصحيحين عنه "كنا آمن ما يكون الناس" وقال القرطبي: قوله "خائفين" أي من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتع. كذا قال، وهو جمع حسن، ولكن لا يخفى بعده. الرواية السادسة والأربعين (فلما أن رأى على ذلك أهل بهما جميعاً) قال العيني: أهل بهما أي بالعمرة والحج، وهذا هو القران، فإن قلت: كيف تقول: هذا قران؟ والاختلاف بينهما كان في التمتع؟ قلت: القران من باب التمتع، لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة، وإلى الحج أخرى، ويتمتع بجمعهما، ولم يحرم لكل منهما من ميقاته، وضم الحج إلى العمرة، فدخل في قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. اهـ وفي رواية للبخاري عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعلياً ﵄ وعثمان

стр. 2695

ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى على ذلك أهل بهما. لبيك بعمرة وحجة" فالاختلاف بينهما -على هذا- كان في التمتع والقران. وفي رواية للنسائي "فلبى علي وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان" أي بالعمرة مع الحج. الرواية الواحدة والخمسون (وهذا يومئذ كافر بالعرش) بضم العين والراء، وهي بيوت مكة، كما فسره في الرواية، قال أبو عبيد: سميت بيوت مكة عرشا لأنها عيدان تنصب وتظلل. قال: ويقال لها أيضاً عروش، واحدها عرش كفلس وفلوس، ومن قال عرش فواحدها عريش، كقليب وقلب. قال النووي. وأما قوله "وهذا يومئذ كافر بالعرش" فالإشارة بهذا إلى معاوية بن أبي سفيان، والمراد بالكفر هنا وجهان. أحدهما ما قاله المازري وغيره: المراد وهو مقيم في بيوت مكة، قال ثعلب: يقال: اكتفر الرجل إذا لزم الكفور، وهي القرى. والوجه الثاني المراد الكفر بالله تعالى، والمراد أنا تمتعنا ومعاوية يومئذ كافر على دين الجاهلية، مقيم بمكة، وهذا اختيار القاضي عياض وغيره، وهو الصحيح المختار، والمراد بالمتعة العمرة التي كانت سنة سبع من الهجرة، وهي عمرة القضاء، وكان معاوية يومئذ كافراً، وإنما أسلم بعد ذلك، عام الفتح، سنة ثمان، وقيل: إنه أسلم بعد عمرة القضاء، سنة سبع، والصحيح الأول وأما غير هذه العمرة من عمر النبي ﷺ فلم يكن معاوية فيها كافراً مقيماً بمكة، بل كان معه ﷺ . الرواية الثانية والخمسون (عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير ﵁. (إني لأحدثك بالحديث اليوم) أل في "الحديث" للعهد الحضوري، أي بهذا الحديث الحاضر، وفي الرواية الرابعة والخمسين "إني كنت محدثك بأحاديث" ولعله كان قد حدثه بأحاديث يخشى على نفسه من نشرها. قال النووي: "أحاديث" ظاهره أنها ثلاثة فصاعداً، ولم يذكر منها إلا حديثاً واحداً، وهو الجمع بين الحج والعمرة، وأما إخباره بالسلام فليس حديثاً، فيكون باقي الأحاديث محذوفة من الرواية. (في العشر) أي العشر من ذي الحجة، والمراد أنهم تمتعوا. (ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي) في ملحق الرواية "ارتأى رجل برأيه ما شاء" يعني عمر. وفي الرواية الرابعة والخمسين والخامسة والخمسين "قال رجل فيها برأيه ما شاء" قال الحافظ ابن حجر: قال ابن التين: يحتمل أنه يريد عمر أو عثمان، وأغرب الكرماني فقال: المراد به عثمان، قال الحافظ: والأولى أن يفسر بعمر، فإنه أول من نهى عنها، وكأن من بعده كان تابعاً له في ذلك.

стр. 2696

الرواية الثالثة والخمسون (وقد كان يسلم علي، حتى اكتويت، فتركت، ثم تركت الكي فعاد) قال النووي: "يسلم علي" هو بفتح اللام المشددة، وقوله: "فتركت" هو بضم التاء، أي انقطع السلام علي، "ثم تركت الكي" بفتح التاء الأولى، فعاد السلام علي، والمعنى أن عمران بن الحصين ﵁ كانت به بواسير فكان يصبر، وكانت الملائكة تسلم عليه، فاكتوى، فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي، فعاد سلامهم عليه. الرواية الرابعة والخمسون (فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت) قال النووي: أراد به الإخبار بالسلام عليه، لأنه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته، لما فيه من التعرض للفتنة، بخلاف ما بعد الموت. اهـ ولا مانع من أن يريد كتمان مخالفته لعمر ﵁ في شأن المتعة خوفاً من عمر ﵄. (ثم لم ينزل فيها كتاب الله) أي يمنعها بعد أن أباحها بقوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. تصرح بذلك الرواية السابعة والخمسون ولفظها "نزلت آية المتعة في كتاب الله، وأمرنا بها رسول الله ﷺ ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج". وفي الرواية الخامسة والخمسين "ولم ينزل فيها كتاب" أي قرآن، كما جاء في الرواية السادسة والخمسين. (تمتع رسول الله ﷺ أي أمر بالتمتع، كقولهم: بنى الأمير قصراً، أي أمر ببنائه، ويمكن حمل التمتع هنا على القران، وقد ذكرنا قريباً أنه يطلق على القران تمتع. الرواية الثامنة والخمسون (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) قال المهلب: معناه أمر بذلك، لأن ابن عمر كان ينكر على أنس ﵁ قوله: إنه كان قارناً، ويقول: بل كان مفرداً. اهـ وسيأتي هذا الإنكار في الروايات السادسة والستين والسابعة والستين والثامنة والستين. وقال ابن المنير في الحاشية: إن حمل "تمتع" على أمر بالتمتع هنا من أبعد التأويلات، ثم أجاز تأويلاً آخر، وهو أن الراوي عهد أن الناس لا يفعلون إلا كفعله ﷺ ، لا سيما مع قوله "خذوا عني مناسككم" فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظن أنه ﷺ تمتع، فأطلق ذلك. اهـ أقول: وهذا ليس تأويلاً بل هو اتهام لابن عمر ﵁ بالإخبار بغير الحقيقة، والجهل بالحقيقة،

стр. 2697

وإسناد الفعل للرسول ﷺ عن طريق الظن البعيد الذي يشبه الوهم، لأن النبي ﷺ في كثير من الأحاديث التي عرضناها كان يعلن التفريق بينه وبين غيره بسوق الهدي. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون معنى "تمتع" محمولاً على مدلوله اللغوي، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة، والخروج إلى ميقاتها وغيرها، بل قال النووي: إن هذا هو المتعين، وقوله "بالعمرة إلى الحج" أي بإدخال العمرة على الحج. اهـ وهذا الاحتمال لا يتوافق مع رأي ابن عمر في أنه ﷺ كان مفرداً. (وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) هذا مشكل مع ما ثبت من حاله ﷺ المستفاد من الأحاديث الكثيرة، وأنه بدأ بالحج أولاً، ثم أدخل عليه العمرة، وهذا بالعكس. قال الحافظ ابن حجر: وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال [ولفظ الإحرام] أي لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما، فقال [في لفظ التلبية] لبيك بعمرة وحجة معاً. اهـ أي فبدأ بلفظ العمرة، ثم عطف عليه لفظ الحج] وهذا الجواب بعيد، لأنه لا يتوافق أيضاً مع رأي ابن عمر في أنه ﷺ كان مفرداً، والخروج من هذا المأزق أن يقال: إن رسول الله ﷺ أحرم بالحج مفرداً كالصحابة في ذي الحليفة، ثم لما فسخ الصحابة الحج إلى العمرة لم يفسخ، لأنه ساق الهدي، فلا يحل الفسخ، فأحرم بالعمرة، فطاف وسعى، فأنهى مناسك العمرة، ثم خرج إلى منى لأداء مناسك الحج، فحين يتحدث الراوي عن الحالة الثانية والثالثة يمكن أن يقول: بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. وحين يتحدث عن الحالة الثالثة وحدها، دون أن يسمع منه، لبيك عمرة وحجة يقول: إنه كان مفرداً، والله أعلم. الرواية التاسعة والخمسون (ما شأن الناس حلواً؟ ولم تحلل أنت من عمرتك؟ ) في الرواية المتممة للستين "ولم تحل من عمرتك" وفي الواحدة والستين "ما يمنعك أن تحل" وقد سبق القول بأن نساءه لم يسقن الهدي فحللن بعمرة، والمراد من قولها "من عمرتك" أي من إحرامك، فإنه ﷺ كان قارناً أو حاجاً وقيل: إن القارن لا يحل من العمرة ولا من الحج حتى ينحر مادام قد صحب الهدي. (إني لبدت رأسي وقلدت هديي) لبد شعره جعل فيه شيئاً نحو الصمغ ليجتمع شعره، لئلا يتشعث في الإحرام، وتقليد الهدي تعليق نعل أو نعلين في رقبة الناقة، أو شيء من الجلد، أو لحى شجرة، كعلامة عن كونها هدياً بالإضافة إلى إشعارها، وهو أن يضرب صفحة سنامها الأيمن أو الأيسر بحديدة أو سكين، فيشق الجلد ويسيل الدم، ثم يرفأ الجرح ويبقى أثره علامة على كونها هدياً. والحكمة فيه أن البدنة التي أشعرت أو قلدت إذا اختلطت بغيرها تميزت وإذا ضلت عرفت، وربما ارتدع سارقها فتركها، وقد تعطب فتنحر فتكون للمساكين، وفي ذلك تعظيم شعار الشرع، فالقرآن الكريم يقول: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦].

стр. 2698

ومراد الحديث من تقليد الهدي استصحابه مقلداً أو مشعراً أو بدون تقليد ولا إشعار، كما سبق في الأحاديث "من كان معه هدي". "من لم يكن ساق الهدي" فإن ذلك يمنع التحلل حتى يبلغ الهدي محله. ولا دخل في تلبيد الرأس في منع التحلل، ولعله ذكر مصاحباً لتقليد الهدي، وقال الكرماني: الغرض من ذكر التلبيد بيان أنه مستعد من أول الأمر بأن يدوم إحرامه إلى أن يبلغ الهدي محله. الرواية الثانية والستون (خرج في الفتنة معتمراً) بينت الرواية الثالثة والستون المراد من الفتنة، وأنها نزول الحجاج لقتال ابن الزبير. وأن المراد من خروجه إرادته الخروج، وليس الخروج فعلاً وأن قوله: "إن صددت عن البيت" مبني على نصح أولاده له بعدم الخروج في هذا العام وكان سنة اثنتين وسبعين من الهجرة. (فخرج فأهل بعمرة) في الرواية الثالثة والستين "أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، فانطلق حتى أتى ذا الحليفة فلبى بالعمرة" قال العيني: إنما قال: أشهدكم إلخ ولم يكتف بالنية ليعلمه من أراد الاقتداء به. (حتى ظهر على البيداء) هو موضع بين مكة والمدينة قدام ذي الحليفة. (ما أمرهما إلا واحداً) يعني حكمهما واحد في جواز التحلل منهما بالإحصار، فعدل إحرامه في الميقات إلى القران. (لم يزد عليه): ورأى أنه مجزئ عنه أي لم يزد على هذا الطواف والسعي طوافاً آخر وسعياً آخر للحج، ورأى أن الطواف الواحد والسعي الواحد مجزئ عن الحج والعمرة معاً للقارن، وفي الرواية الثالثة والستين "ثم طاف لهما -أي للحج والعمرة- طوافاً واحداً بالبيت، وبين الصفا والمروة" وفي ملحقها "وكان يقول": من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد" أي طواف بالبيت وبين الصفا والمروة. وفي الرواية الرابعة والستين "ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول". الرواية الثالثة والستون (فانطلق حتى ابتاع من قديد هدياً) "قديد" بضم القاف وفتح الدال، وهو اسم موضع بين مكة والمدينة. (ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر) في ملحق الرواية "ولم يحل حتى يحل منهما جميعاً" أي من أعمال الحج والعمرة. وفي الرواية الرابعة والستين "ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق".

стр. 2699

الرواية الثانية والسبعون (إن رجلاً يقول ذلك) عنى به ابن عباس ﵄. (فتصداني الرجل) أي تعرض لي. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "تصداني" بالنون، والأشهر في اللغة "تصدى لي". (ثم لم يكن غيره) قال الثوري: وكذا قال فيما بعده "ولم يكن غيره" هكذا هو في جميع النسخ "غيره" بالغين والياء، قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ. قال: وهو تصحيف، وصوابه "ثم لم تكن عمرة" بالعين والميم، وكأن السائل لعروة إنما سأل عن نسخ الحج إلى العمرة على مذهب من رأى ذلك، واحتج بأمر النبي ﷺ لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. هذا كلام القاضي: قال النووي: هذا الذي قاله من أن "غيره" تصحيف ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية وصحيح في المعنى، لأن قوله "غيره" يتناول العمرة وغيرها، ويكون تقدير الكلام، ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، أي لم يغير الحج، ولم ينقله وينسخه إلى غيره، لا عمرة، ولا قران. والله أعلم. (ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام) المتكلم عروة بن الزبير، فيقول: ثم حججت مع والدي الزبير، فقوله "الزبير" بدل من "أبي". (ولا أحد ممن مضى) معطوف على فاعل "ثم لم ينقضها" أي لم ينقضها ابن عمر بعمرة، ولا أحد غيره ممن مضى، وتمت الجملة، وما بعدها جملة جديدة. لئلا يدخل النفي على النفي فيفيد إثباتاً، عكس المقصود. (ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم -يعني حين يصلون مكة- أول من الطواف بالبيت) أي لا يصلون تحية المسجد، ولا يشتغلون بغير الطواف، وفي رواية البخاري "ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم من الطواف" قال ابن بطال: لا بد من زيادة لفظ "أول" بعد لفظ "أقدامهم" أي كروايتنا. (وقد رأيت أمي) أي أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير ﵃. (وخالتي) أي عائشة أم المؤمنين ﵂. (أقبلت بعمرة قط) في كتب اللغة: "قط" لها ثلاثة أحوال: الأول أن تكون ظرف زمان، لاستغراق الماضي، وهذه بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة، وتختص بالنفي يقال: ما فعلت هذا قط. الثانية: أن تكون بمعنى حسب، أي كاف، وقلما تذكر غير مقرونة بالفاء، وهذه بفتح القاف

стр. 2700

وسكون الطاء يقال: أخذت درهماً قط، أي فقط. والثالثة: أن تكون اسم فعل، بمعنى يكفي، فتزاد نون الوقاية مع ياء المتكلم، فيقال: قطني، أي كفاني. اهـ والتي في الحديث من قبيل الحالة الثانية. (فلما مسحوا الركن حلوا) قال النووي: هذا متأول عن ظاهره، لأن الركن هو الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بإجماع المسلمين، وتقديره: فلما مسحوا الركن، وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا أو قصروا حلوا. قال: ولا بد من تقدير هذا المحذوف، وإنما حذف للعلم به، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل إتمام الطواف، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا بد أيضاً من السعي بعده، ثم الحلق أو التقصير، وشذ بعض السلف فقال: السعي ليس بواجب، ولا حجة لهذا القائل في هذا الحديث، لأن ظاهره غير مراد بالإجماع، فيتعين تأويله -كما ذكرنا- ليكون موافقاً لباقي الأحاديث. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: وتعقب كلام النووي بأن المراد بمسح الركن الكناية عن تمام الطواف، لا سيما واستلام الركن يكون في كل طوفة، فالمعنى فلما فرغوا من الطواف حلوا، وأما السعي والحلق فمختلف فيهما كما قال، ويحتمل أن يكون المعنى فلما فرغوا من الطواف وما يتبعه حلواً. قال: وأراد بمسح الركن هنا استلامه بعد فراغ الطواف والركعتين، كما وقع في حديث جابر [روايتنا الخامسة والثلاثين] فحينئذ لا يبقى إلا تقدير: وسعوا لأن السعي شرط عند عروة، بخلاف ما نقل عن ابن عباس. والله أعلم. الرواية الثالثة والسبعون (قومي عني) إنما أمرهم بالقيام مخافة من عارض قد يبدر منه، كلمس بشهوة أو نحوه، فإن اللمس بشهوة حرام في الإحرام، فاحتاط لنفسه بمباعدتها من حيث إنها زوجة متحللة تطمع بها النفس. وفي الرواية الرابعة والسبعين "استرخي عني. استرخي عني" قال النووي: هكذا هو في النسخ مرتين، أي تباعدي. الرواية الخامسة والسبعون (كلما مرت بالحجون) بفتح الحاء وضم الجيم، وهو من حرم مكة، وهو الجبل المشرف على مسجد الحرس، بأعلى مكة، على يمينك وأنت مصعد عند المحصب. (خفاف الحقائب) قال النووي: جمع حقيبة، وهو كل ما حمل في مؤخر الرحل والقتب، ومنه احتقب فلان كذا. اهـ ومرادها مقارنة الماضي وما كانوا فيه من فقر وضيق حال بالحاضر وما هم فيه من سعة.
следующие страницы →