Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
الرواية الثالثة والخمسون
(وقد كان يسلم علي، حتى اكتويت، فتركت، ثم تركت الكي فعاد) قال النووي: "يسلم علي" هو بفتح اللام المشددة، وقوله: "فتركت" هو بضم التاء، أي انقطع السلام علي، "ثم تركت الكي" بفتح التاء الأولى، فعاد السلام علي، والمعنى أن عمران بن الحصين ﵁ كانت به بواسير فكان يصبر، وكانت الملائكة تسلم عليه، فاكتوى، فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي، فعاد سلامهم عليه.
الرواية الرابعة والخمسون
(فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت) قال النووي: أراد به الإخبار بالسلام عليه، لأنه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته، لما فيه من التعرض للفتنة، بخلاف ما بعد الموت. اهـ
ولا مانع من أن يريد كتمان مخالفته لعمر ﵁ في شأن المتعة خوفاً من عمر ﵄.
(ثم لم ينزل فيها كتاب الله) أي يمنعها بعد أن أباحها بقوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. تصرح بذلك الرواية السابعة والخمسون ولفظها "نزلت آية المتعة في كتاب الله، وأمرنا بها رسول الله ﷺ ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج".
وفي الرواية الخامسة والخمسين "ولم ينزل فيها كتاب" أي قرآن، كما جاء في الرواية السادسة والخمسين.
(تمتع رسول الله ﷺ أي أمر بالتمتع، كقولهم: بنى الأمير قصراً، أي أمر ببنائه، ويمكن حمل التمتع هنا على القران، وقد ذكرنا قريباً أنه يطلق على القران تمتع.
الرواية الثامنة والخمسون
(تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) قال المهلب: معناه أمر بذلك، لأن ابن عمر كان ينكر على أنس ﵁ قوله: إنه كان قارناً، ويقول: بل كان مفرداً. اهـ وسيأتي هذا الإنكار في الروايات السادسة والستين والسابعة والستين والثامنة والستين.
وقال ابن المنير في الحاشية: إن حمل "تمتع" على أمر بالتمتع هنا من أبعد التأويلات، ثم أجاز تأويلاً آخر، وهو أن الراوي عهد أن الناس لا يفعلون إلا كفعله ﷺ ، لا سيما مع قوله "خذوا عني مناسككم" فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظن أنه ﷺ تمتع، فأطلق ذلك. اهـ أقول: وهذا ليس تأويلاً بل هو اتهام لابن عمر ﵁ بالإخبار بغير الحقيقة، والجهل بالحقيقة،
стр. 2697
وإسناد الفعل للرسول ﷺ عن طريق الظن البعيد الذي يشبه الوهم، لأن النبي ﷺ في كثير من الأحاديث التي عرضناها كان يعلن التفريق بينه وبين غيره بسوق الهدي.
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون معنى "تمتع" محمولاً على مدلوله اللغوي، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة، والخروج إلى ميقاتها وغيرها، بل قال النووي: إن هذا هو المتعين، وقوله "بالعمرة إلى الحج" أي بإدخال العمرة على الحج. اهـ وهذا الاحتمال لا يتوافق مع رأي ابن عمر في أنه ﷺ كان مفرداً.
(وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) هذا مشكل مع ما ثبت من حاله ﷺ المستفاد من الأحاديث الكثيرة، وأنه بدأ بالحج أولاً، ثم أدخل عليه العمرة، وهذا بالعكس. قال الحافظ ابن حجر: وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال [ولفظ الإحرام] أي لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما، فقال [في لفظ التلبية] لبيك بعمرة وحجة معاً. اهـ أي فبدأ بلفظ العمرة، ثم عطف عليه لفظ الحج] وهذا الجواب بعيد، لأنه لا يتوافق أيضاً مع رأي ابن عمر في أنه ﷺ كان مفرداً، والخروج من هذا المأزق أن يقال: إن رسول الله ﷺ أحرم بالحج مفرداً كالصحابة في ذي الحليفة، ثم لما فسخ الصحابة الحج إلى العمرة لم يفسخ، لأنه ساق الهدي، فلا يحل الفسخ، فأحرم بالعمرة، فطاف وسعى، فأنهى مناسك العمرة، ثم خرج إلى منى لأداء مناسك الحج، فحين يتحدث الراوي عن الحالة الثانية والثالثة يمكن أن يقول: بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. وحين يتحدث عن الحالة الثالثة وحدها، دون أن يسمع منه، لبيك عمرة وحجة يقول: إنه كان مفرداً، والله أعلم.
الرواية التاسعة والخمسون
(ما شأن الناس حلواً؟ ولم تحلل أنت من عمرتك؟ ) في الرواية المتممة للستين "ولم تحل من عمرتك" وفي الواحدة والستين "ما يمنعك أن تحل" وقد سبق القول بأن نساءه لم يسقن الهدي فحللن بعمرة، والمراد من قولها "من عمرتك" أي من إحرامك، فإنه ﷺ كان قارناً أو حاجاً وقيل: إن القارن لا يحل من العمرة ولا من الحج حتى ينحر مادام قد صحب الهدي.
(إني لبدت رأسي وقلدت هديي) لبد شعره جعل فيه شيئاً نحو الصمغ ليجتمع شعره، لئلا يتشعث في الإحرام، وتقليد الهدي تعليق نعل أو نعلين في رقبة الناقة، أو شيء من الجلد، أو لحى شجرة، كعلامة عن كونها هدياً بالإضافة إلى إشعارها، وهو أن يضرب صفحة سنامها الأيمن أو الأيسر بحديدة أو سكين، فيشق الجلد ويسيل الدم، ثم يرفأ الجرح ويبقى أثره علامة على كونها هدياً. والحكمة فيه أن البدنة التي أشعرت أو قلدت إذا اختلطت بغيرها تميزت وإذا ضلت عرفت، وربما ارتدع سارقها فتركها، وقد تعطب فتنحر فتكون للمساكين، وفي ذلك تعظيم شعار الشرع، فالقرآن الكريم يقول: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦].
стр. 2698
ومراد الحديث من تقليد الهدي استصحابه مقلداً أو مشعراً أو بدون تقليد ولا إشعار، كما سبق في الأحاديث "من كان معه هدي". "من لم يكن ساق الهدي" فإن ذلك يمنع التحلل حتى يبلغ الهدي محله. ولا دخل في تلبيد الرأس في منع التحلل، ولعله ذكر مصاحباً لتقليد الهدي، وقال الكرماني: الغرض من ذكر التلبيد بيان أنه مستعد من أول الأمر بأن يدوم إحرامه إلى أن يبلغ الهدي محله.
الرواية الثانية والستون
(خرج في الفتنة معتمراً) بينت الرواية الثالثة والستون المراد من الفتنة، وأنها نزول الحجاج لقتال ابن الزبير. وأن المراد من خروجه إرادته الخروج، وليس الخروج فعلاً وأن قوله: "إن صددت عن البيت" مبني على نصح أولاده له بعدم الخروج في هذا العام وكان سنة اثنتين وسبعين من الهجرة.
(فخرج فأهل بعمرة) في الرواية الثالثة والستين "أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، فانطلق حتى أتى ذا الحليفة فلبى بالعمرة" قال العيني: إنما قال: أشهدكم إلخ ولم يكتف بالنية ليعلمه من أراد الاقتداء به.
(حتى ظهر على البيداء) هو موضع بين مكة والمدينة قدام ذي الحليفة.
(ما أمرهما إلا واحداً) يعني حكمهما واحد في جواز التحلل منهما بالإحصار، فعدل إحرامه في الميقات إلى القران.
(لم يزد عليه): ورأى أنه مجزئ عنه أي لم يزد على هذا الطواف والسعي طوافاً آخر وسعياً آخر للحج، ورأى أن الطواف الواحد والسعي الواحد مجزئ عن الحج والعمرة معاً للقارن، وفي الرواية الثالثة والستين "ثم طاف لهما -أي للحج والعمرة- طوافاً واحداً بالبيت، وبين الصفا والمروة" وفي ملحقها "وكان يقول": من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد" أي طواف بالبيت وبين الصفا والمروة. وفي الرواية الرابعة والستين "ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول".
الرواية الثالثة والستون
(فانطلق حتى ابتاع من قديد هدياً) "قديد" بضم القاف وفتح الدال، وهو اسم موضع بين مكة والمدينة.
(ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر) في ملحق الرواية "ولم يحل حتى يحل منهما جميعاً" أي من أعمال الحج والعمرة. وفي الرواية الرابعة والستين "ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق".
стр. 2699
الرواية الثانية والسبعون
(إن رجلاً يقول ذلك) عنى به ابن عباس ﵄.
(فتصداني الرجل) أي تعرض لي. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "تصداني" بالنون، والأشهر في اللغة "تصدى لي".
(ثم لم يكن غيره) قال الثوري: وكذا قال فيما بعده "ولم يكن غيره" هكذا هو في جميع النسخ "غيره" بالغين والياء، قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ. قال: وهو تصحيف، وصوابه "ثم لم تكن عمرة" بالعين والميم، وكأن السائل لعروة إنما سأل عن نسخ الحج إلى العمرة على مذهب من رأى ذلك، واحتج بأمر النبي ﷺ لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده.
هذا كلام القاضي: قال النووي: هذا الذي قاله من أن "غيره" تصحيف ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية وصحيح في المعنى، لأن قوله "غيره" يتناول العمرة وغيرها، ويكون تقدير الكلام، ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، أي لم يغير الحج، ولم ينقله وينسخه إلى غيره، لا عمرة، ولا قران. والله أعلم.
(ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام) المتكلم عروة بن الزبير، فيقول: ثم حججت مع والدي الزبير، فقوله "الزبير" بدل من "أبي".
(ولا أحد ممن مضى) معطوف على فاعل "ثم لم ينقضها" أي لم ينقضها ابن عمر بعمرة، ولا أحد غيره ممن مضى، وتمت الجملة، وما بعدها جملة جديدة. لئلا يدخل النفي على النفي فيفيد إثباتاً، عكس المقصود.
(ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم -يعني حين يصلون مكة- أول من الطواف بالبيت) أي لا يصلون تحية المسجد، ولا يشتغلون بغير الطواف، وفي رواية البخاري "ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم من الطواف" قال ابن بطال: لا بد من زيادة لفظ "أول" بعد لفظ "أقدامهم" أي كروايتنا.
(وقد رأيت أمي) أي أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير ﵃.
(وخالتي) أي عائشة أم المؤمنين ﵂.
(أقبلت بعمرة قط) في كتب اللغة: "قط" لها ثلاثة أحوال: الأول أن تكون ظرف زمان، لاستغراق الماضي، وهذه بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة، وتختص بالنفي يقال: ما فعلت هذا قط. الثانية: أن تكون بمعنى حسب، أي كاف، وقلما تذكر غير مقرونة بالفاء، وهذه بفتح القاف
стр. 2700
وسكون الطاء يقال: أخذت درهماً قط، أي فقط. والثالثة: أن تكون اسم فعل، بمعنى يكفي، فتزاد نون الوقاية مع ياء المتكلم، فيقال: قطني، أي كفاني. اهـ والتي في الحديث من قبيل الحالة الثانية.
(فلما مسحوا الركن حلوا) قال النووي: هذا متأول عن ظاهره، لأن الركن هو الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بإجماع المسلمين، وتقديره: فلما مسحوا الركن، وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا أو قصروا حلوا. قال: ولا بد من تقدير هذا المحذوف، وإنما حذف للعلم به، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل إتمام الطواف، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا بد أيضاً من السعي بعده، ثم الحلق أو التقصير، وشذ بعض السلف فقال: السعي ليس بواجب، ولا حجة لهذا القائل في هذا الحديث، لأن ظاهره غير مراد بالإجماع، فيتعين تأويله -كما ذكرنا- ليكون موافقاً لباقي الأحاديث. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: وتعقب كلام النووي بأن المراد بمسح الركن الكناية عن تمام الطواف، لا سيما واستلام الركن يكون في كل طوفة، فالمعنى فلما فرغوا من الطواف حلوا، وأما السعي والحلق فمختلف فيهما كما قال، ويحتمل أن يكون المعنى فلما فرغوا من الطواف وما يتبعه حلواً. قال: وأراد بمسح الركن هنا استلامه بعد فراغ الطواف والركعتين، كما وقع في حديث جابر [روايتنا الخامسة والثلاثين] فحينئذ لا يبقى إلا تقدير: وسعوا لأن السعي شرط عند عروة، بخلاف ما نقل عن ابن عباس. والله أعلم.
الرواية الثالثة والسبعون
(قومي عني) إنما أمرهم بالقيام مخافة من عارض قد يبدر منه، كلمس بشهوة أو نحوه، فإن اللمس بشهوة حرام في الإحرام، فاحتاط لنفسه بمباعدتها من حيث إنها زوجة متحللة تطمع بها النفس. وفي الرواية الرابعة والسبعين "استرخي عني. استرخي عني" قال النووي: هكذا هو في النسخ مرتين، أي تباعدي.
الرواية الخامسة والسبعون
(كلما مرت بالحجون) بفتح الحاء وضم الجيم، وهو من حرم مكة، وهو الجبل المشرف على مسجد الحرس، بأعلى مكة، على يمينك وأنت مصعد عند المحصب.
(خفاف الحقائب) قال النووي: جمع حقيبة، وهو كل ما حمل في مؤخر الرحل والقتب، ومنه احتقب فلان كذا. اهـ ومرادها مقارنة الماضي وما كانوا فيه من فقر وضيق حال بالحاضر وما هم فيه من سعة.
стр. 2701
الرواية الثامنة والسبعون
(كانوا يرون) أي كان أهل الجاهلية، و"يرون" أي يعتقدون، ولابن حبان عن ابن عباس ﵄ قال: "والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون .... " فذكر نحو الحديث، فعرف بهذا تعيين القائلين.
(أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور) أي من أعظم الذنوب، وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة من غير أصل، والفجور الانبعاث في المعاصي.
(ويجعلون المحرم صفراً) أي يجعلون "صفراً" من الأشهر الحرم، والمراد الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفراً، ويحلونه، وينسئون ويؤخرون المحرم، أي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر، لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، تضيق عليهم أمورهم من الغارة وغيرها، فضللهم الله تعالى في ذلك بقوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا﴾ [التوبة: ٣٧]. قال الزمخشري: النسيء هو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وربما زادوا في عدد الشهور، فيجعلون السنة ثلاثة عشر شهراً، أو أربعة عشر، ليتسع لهم الوقت.
ولفظ "صفر" في نسخ مسلم بدون ألف، قال النووي: "صفر" من غير ألف بعد الراء، وهو منصوب مصروف بلا خلاف، وكان ينبغي أن يكتب بالألف، وسواء كتب بالألف أم بحذفها لا بد من قراءته هنا منصوباً، لأنه مصروف.
(ويقولون إذا برأ الدبر) "الدبر" بفتح الدال والباء هو الأثر يحدث في ظهر الإبل بسبب احتكاك القتب والحمل عليها في السفر، أرادوا إذا شفي وجف جرح ظهور الإبل التي سافرت للحج، وقيل: الدبر هو أن يقرح خف البعير.
(وعفا الأثر) أي ذهب أثر الدبر، يقال: عفا الشيء بمعنى درس، وقيل: عفا وزال أثر خفاف الإبل على الرمال بعد عودتها من الحج، لطول مرور الأيام، وهذا الأخير هو المشهور، لأن الأول يتكرر مع "إذا برأ الدبر" ووقع في سنن أبي داود "وعفا الوبر" بالواو، يعني كثر وبر الإبل بعد أن حلقته رحال الحاج.
(حلت العمرة لمن اعتمر) أي صار الإحرام بالعمرة جائزاً لمن أراد أن يحرم بها.
قال النووي: وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها لأن مرادهم السجع
(صبيحة رابعة) أي صبيحة ليلة رابعة من ذي الحجة، وفي الرواية التاسعة والسبعين والواحدة والثمانين "فقدم لأربع مضين من ذي الحجة" وفي الرواية المتممة للثمانين "قدم .... لأربع خلون من العشر".
стр. 2702
الرواية الثانية والثمانون
(هذه عمرة استمتعنا بها) أي استمتعتم بها، لأن النبي ﷺ لم يكن متمتعاً، ويمكن حمل استمتاعه ﷺ على القران كما سبق.
(فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة) أي اندرجت أفعالها في أفعال الحج للقارن، أو دخل زمنها في زمن الحج، فليست في هذه الأشهر من أفجر الفجور.
الرواية الرابعة والثمانون
(وسلت الدم) يقال: سلت الدم بفتح السين واللام مخففة يسلت بكسر اللام وضمها سلتاً، أي سله وسحبه، والمقصود هنا سحب الدم الذي يسيل من الإشعار وتجفيفه.
الرواية الخامسة والثمانون
(ما هذه الفتيا التي قد تشغفت بالناس؟ ) في بعض النسخ "ما هذا الفتيا" والأولى أجود، والثانية توجه على أنه أراد بالفتيا الإفتاء. ومعنى "تشغفت بالناس" بالشين والغين بعدها فاء، ثلاثتها مفتوح مع تشديد الفاء، أي علقت بالقلوب وشغفوا بها.
(أو تشغبت بالناس؟ ) بفتح الشين والغين المشددة، بعدها باء، أي خلطت على الناس أمورهم وأحدثت فيهم شغباً، وروى "تشعبت بالناس" بالعين المهملة بدل الغين المعجمة، ومعناها فرقت مذاهب الناس وأوقعت الخلاف بينهم، وسلكت بهم شعاباً مختلفة وفي الرواية السادسة والثمانين "إن هذا الأمر قد تفشغ بالناس" بفتح الفاء والشين المشددة بعدها غين معجمة ومعناه انتشر وفشا بين الناس.
(أن من طاف بالبيت فقد حل) في الرواية السادسة والثمانين "من طاف بالبيت فقد حل، الطواف عمرة" وفي الرواية السابعة والثمانين "لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل" قال النووي: هذا الذي ذكره ابن عباس مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور. اهـ وسيأتي شرح ذلك في فقه الحديث.
(وإن رغمتم) الرغم بضم الراء وكسرها الكره والذل والهوان. أي وإن كرهتم.
الرواية السابعة والثمانون
(فإن ذلك بعد المعرف) أي لا يطوف بالبيت حاج إلا حل، ذاك الطواف الذي بعد الوقوف بعرفة.
стр. 2703
الرواية الثامنة والثمانون
(أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله ﷺ عند المروة بمشقص؟ ) بأسلوب الاستفهام، والمراد أنت تعلم، وفي الرواية التاسعة والثمانين "قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص" والمشقص بكسر الميم وإسكان الشين وفتح القاف قال النووي: قال أبو عبيد وغيره: هو نصل السهم إذا كان طويلاً ليس بعريض. وقال أبو حنيفة الدينوري: هو كل نصل فيه عترة، دقة الحرف ورقته -وهو الثاني وسط الحربة، وقال الخليل: هو سهم فيه نصل عريض يرمى به الوحش. اهـ فكان الحلق بالموسى، والقص والتقصير بما يشبه السكين، من نصل ونحوه.
قال النووي: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن النبي ﷺ في عمرة الجعرانة، لأن النبي ﷺ في حجة الوداع كان قارناً، كما سبق إيضاحه وثبت أنه ﷺ حلق بمنى، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلماً، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان. هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أنه ﷺ كان متمتعاً، لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قيل له: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي" وفي رواية "حتى أحل من الحج" والله أعلم.
الرواية المتممة للتسعين
(ورحنا إلى منى) معناه أردنا الرواح إلى منى، وقد سبق مثله.
الرواية الخامسة والتسعون
(ليهلن ابن مريم بفج الروحاء) بفتح الفاء وتشديد الجيم، هو بين مكة والمدينة، وكان طريق رسول الله ﷺ إلى بدر، وإلى مكة عام الفتح، وعام حجة الوداع.
(حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما) بفتح الياء في أوله، ومعناه يقرن بينهما، يقال: ثنى الشيء بتخفيف النون يثنيه ثنياً عطف ورد بعضه على بعض. والله أعلم.
-[فقه الحديث]-
وضع الإمام النووي هذه الأحاديث تحت أبواب مختلفة لتعرض بعضها إلى تلك الأبواب، ووضعناها كلها تحت باب وجوه الإحرام لاتصالها به وحديثها عنه، أما الموضوعات الفرعية فسنضع لها عناوين فرعية، أو نكتفي بالكلام عنها فيما يؤخذ من الحديث. وبالله التوفيق.
стр. 2704
وقد أجمع العلماء على جواز العمرة قبل الحج، سواء حج في سنته أم لا، وكذا الحج قبل العمرة، واحتجوا له بحديث ابن عمر "أن النبي ﷺ اعتمر قبل أن يحج" رواه البخاري، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة "أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاث عمر قبل حجته، وكان أصحابه ﵁ في حجة الوداع أقساماً، منهم من اعتمر قبل الحج، ومنهم من حج قبل العمرة.
قال النووي: اعلم أن أحاديث الباب متظاهرة على جواز إفراد الحج عن العمرة وجواز التمتع، وجواز القران، وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة [يعني الإفراد والتمتع والقران] لما روت عائشة في الصحيحين قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة".
قال: وأما النهي الوارد عن عمر وعثمان ﵄ فسنوضح معناه في موضعه إن شاء الله تعالى. اهـ
أما الإفراد: فصورته الأصلية أن يحرم بالحج وحده في أشهره، ثم يأتي بأفعاله كلها، ثم يعتمر إذا شاء. ولا خلاف بين العلماء في جواز هذه الصورة، وإنما خلافهم -وسيأتي- في كونها أفضل صور الحج، أو هناك من الصور ما يفضلها.
وأما التمتع: فصورته الأصلية أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ من أعمالها، ويتحلل منها، ثم يحرم بالحج في نفس العام. وهذه الصورة جائزة بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ وسميت هذه الصورة تمتعاً لأنه يحل لصاحبها بعد التحلل من العمرة، وقبل أن يحرم بالحج التمتع بجميع محظورات الإحرام.
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بالآية هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضاً القران، لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده. اهـ وإطلاق التمتع على القران إطلاق لغوي، وسنتكلم عنه كوجه مستقل من وجوه الإحرام.
وبعضهم يطلق التمتع على فسخ الحج ثم التحلل منه بعمل عمرة، فيصير بعد العمرة متمتعاً، وسنتكلم عنه كوجه من وجوه الإحرام.
ولهذه الإطلاقات المتغايرة جاءت تعريفات التمتع مختلفة، فقيل: التمتع الجمع بين الحج والعمرة يتحلل بينهما إن لم يكن سائقاً الهدي، وقيل: هو ضم العمرة إلى الحج، وقيل: أن يدخل الرجل مكة في أشهر الحج بعمرة ثم يقيم فيها حتى يحج، وقد خرج من إحرامه وتمتع بالنساء والطيب، وقيل: التمتع الترفق بأداء النسكين على وجه الصحة في سفرة واحدة من غير أن يلم بأهله إلماماً صحيحاً، ولهذا لم يتحقق من المكي.
والذي أمر به النبي ﷺ أصحابه في حجة الوداع هو فسخ للحج الذي أحرموا به أولاً وحده وتحويله إلى عمرة، وبعبارة أخرى فسخ للحج والتحلل منه بعمل عمرة، ثم تمتع بين التحلل من العمرة والإحرام بالحج، ثم إحرام بالحج يوم التروية، كان هذا الأمر لمن لم يكن معه هدي، فهو من حيث
стр. 2705
الإحرام بالعمرة في أشهر الحج والإتيان بأعمالها والتحلل منها، ثم الإحرام بالحج في نفس العام تمتع شرعي، تصدق عليه الآية الكريمة، لا خلاف في ذلك.
أما من لم يكن معه هدي فقد أمره ﷺ أن يستمر على إحرامه بالحج، لا يتحلل حتى يأتي بأعمال الحج، وينحر هديه. لكن هل يدخل العمرة على الحج؟ فيكون قارناً؟ أو لا يدخل العمرة على الحج؟ فيظل مفرداً؟ ظاهر حديث عائشة السابق أن بعضهم كان قارناً، وبعضهم ظل مفرداً، فهي تقول: "فمنا من أهل بالحج" أي وظل عليه ولم يغير -"ومنا من أهل بعمرة"- وفسخ الحج وتحلل، ثم أحرم بالحج فكان متمتعاً وذاك الذي لم يسق الهدي -"ومنا من أهل بالحج والعمرة"- أي أدخل العمرة على الحج، فكان قارناً.
ويمكن فهم الأحاديث التي ظاهرها التعارض على هذا النحو، وأن بعض الرواة تحدث عن منظر من مناظر هذا الحدث، فظن أنه يتحدث عن منظر آخر، فتوهم التعارض بين الروايات، وقد استعرضناها مع محاولة لرفع التعارض في أول المباحث العربية.
كما استعرضنا إحرام عائشة ﵂ على وجه الاستقلال، لأنها في حجة الوداع كان لها وضع خاص.
وإذا كان الأمر كذلك، وأن التمتع جائز كوجه من وجوه الإحرام، فكيف منعه عمر وعثمان ومعهما بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟ وما موقف فقهاء المسلمين من هذا المنع؟ .
ابتداء نجمع ما ورد في مسلم بخصوص هذه المسألة من روايات.
ففي الرواية الثالثة والثلاثين عن أبي نضرة، قال: "كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها. قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: تمتعنا مع رسول الله ﷺ فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح إلى أجل إلا رجمته بالحجارة" وفي رواية قال: "فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم".
وفي الرواية الواحدة والأربعين يقول أبو موسى الأشعري، بعد أن حكى تمتعه في حجة الوداع، يقول: "فكنت أفتي به الناس -أي بجواز التمتع- حتى كان في خلافة عمر ﵁ فقال له رجل: يا أبا موسى. رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: أيها الناس. من كنا أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا. قال: فقدم عمر ﵁ فذكرت ذلك له، فقال: إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله" وقريب من هذا في الرواية الثانية والأربعين وفيها "فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟ ".
وفي الرواية الرابعة والأربعين. قال عمر لأبي موسى ﵄ "قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الآراك، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم".
стр. 2706
وفي الرواية الخامسة والأربعين "كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها فقال عثمان لعلي كلمة، ثم قال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله ﷺ ؟ فقال عثمان: أجل. ولكنا كنا خائفين".
وفي الرواية السادسة والأربعين "اجتمع علي وعثمان ﵄ بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال علي: إني لا أستطيع أن أدعك".
وفي الرواية السابعة والأربعين يقول أبو ذر ﵁: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة".
وفي الرواية الثامنة والأربعين يقول أبو ذر أيضاً "كانت لنا رخصة" يعني متعة الحج.
وفي الرواية التاسعة والأربعين يقول أبو ذر أيضاً: "لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة" يعني متعة النساء ومتعة الحج.
وفي الرواية المتممة للخمسين عن أبي ذر مثل ذلك.
وفي الرواية الثانية والخمسين عن عمران بن حصين قال: "أعلم أن رسول الله ﷺ قد أعمر طائفة من أهله في العشر، فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم ينه عنه رسول الله ﷺ حتى مضى لوجهه، ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي" وفي رواية "ارتأى رجل برأيه ما شاء" يعني عمر.
وفي الرواية الثالثة والخمسين والرابعة والخمسين والخامسة والخمسين والسادسة والخمسين والسابعة والخمسين عن عمران بن حصين مثل ذلك.
وفي الرواية الثانية والتسعين عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال: إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين؟ فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ﷺ ، ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما".
تلك هي روايات الإمام مسلم لموقف عمر ومن تبعه من الصحابة ﵃، وأقول: ومن تبعه، لأنه أول من قال هذا القول، ودافع عنه، وأمر بعدم المتعة، أو نهى عن المتعة، وشدد في هذا النهي حتى خاف منه من يعارضه، كما نلحظ ذلك في روايات أبي موسى، وروايات عمران بن حصين. قال الحافظ ابن حجر: إن عمر أول من نهى عن المتعة وكأن من بعده كان تابعاً له في ذلك.
وقد اختلف العلماء في فهم مراد عمر ومن تبعه من هذا النهي، هل كان ينهى عن فسخ الحج إلى العمرة على أنه تمتع؟ أو كان ينهى عن التمتع الشرعي؟ وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج؟ والإتيان بأفعالها؟ ثم التحلل منها؟ والإحرام بالحج في العام نفسه؟ وعلى الثاني هل كان يمنع ذلك وينهى عنه على أنه جائز مفضول؟ أو على أنه غير جائز؟ أقوال. يقول المازري: اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل: هي فسخ الحج إلى
стр. 2707
العمرة، وقيل: هي العمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه، وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيباً في الإفراد الذي هو الأفضل، لا أنه يعتقد بطلانها أو تحريمها. اهـ
فالفريق الأول: يمثله القاضي عياض إذ يقول: ظاهر حديث جابر [روايتنا الثالثة والثلاثين، وفيها "تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله" وروايتنا الثانية والتسعين: وفيها" فعلناهما مع رسول الله ﷺ ، ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما"] وعمران [روايتنا الثانية والخمسين والثالثة والخمسين والرابعة والخمسين والخامسة والخمسين والسادسة والخمسين والسابعة والخمسين] وأبي موسى [روايتنا الواحدة والأربعين، وفيها "قال عمر: إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله"].
أقول: يقول القاضي عياض: ظاهر حديث جابر وعمران وأبي موسى أن المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج إلى العمرة. قال: ولهذا كان عمر ﵁ يضرب الناس عليها، ولا يضربهم [أي ولا يصح أن يضربهم] على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان مخصوصاً في تلك السنة، لإبطال اعتقاد الجاهلية أن العمرة لا تصح في أشهر الحج. انتهى.
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث أن قول عمر: "إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء .. " إلخ يريد أن الله أحل لرسوله ﷺ فسخ الحج إلى العمرة في ذلك العام بسبب ما شاء من إبطال عقيدة الجاهلية، وإن القرآن الكريم قد أخذ وضعه وعمومه في الأمر بإتمام الحج، والذي يفسخ الحج يخالف الأمر بإتمامه دون إحصار، فإن نأخذ بكتاب الله لا نفسخ فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ العملية، أي بفعله ﷺ لا نفسخ لأن رسول الله ﷺ لم يفسخ، واستمر على إحرامه الأول بالحج حتى نحر هديه، سواء أدخل عليه العمرة فصار قارناً، أو ظل مفرداً، فكتاب الله دال على منع التحلل لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج، وسنة رسول الله ﷺ دالة على ذلك وأحاديث جابر وأبي موسى. ﵄ تعطي هذا المعنى، وإن كان في بعض رواياتهما ما يعارضه -كما سيأتي- أما أحاديث عمران ﵁ فإنها لا يتضح فيها هذا المعنى، وربما كان القاضي عياض يقصد روايات أخرى له في غير مسلم. على أن أحاديث أبي ذر ﵁، [رواياتنا السابعة والأربعون والثامنة والأربعون والتاسعة والأربعون] صريحة في الخصوصية والرخصة لأصحاب محمد، أي الذين لم يسوقوا الهدي، فهي تؤيد هذا القول.
قال القاضي عياض: وجمهور الأئمة على أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصاً بالصحابة. اهـ
فسخ الحج إلى العمرة: صريح الأحاديث أن النبي ﷺ أمر من لم يكن معه هدي أن يفسخ الحج الذي أحرم به، وأن يجعله عمرة، ففي الرواية العاشرة "قال لأصحابه: اجعلوها عمرة" وفي الرواية الثانية والثلاثين والرابعة والثلاثين "فأمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة، ونحل. قال جابر: وكان معه الهدي فلم يستطع أن يجعلها عمرة" وفي الرواية الخامسة والثلاثين "فمن كان منكم ليس معه
стр. 2708
هدي فليحل، وليجعلها عمرة" وفي الرواية المتممة للتسعين يقول أبو سعيد: "خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة، إلا من ساق الهدي" وعند البخاري يقول ابن عباس " فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي".
ولا خلاف بين العلماء في أن الرسول ﷺ أمر من لم يكن معه هدي في حجة الوداع أن يفسخ الحج إلى العمرة، ولكن الخلاف في كون هذا الفسخ رخصة لهذا العام فقط؟ أو هو حكم شرعي عام إلى يوم القيامة؟ .
يقول النووي في المجموع: مذهب الشافعية أنه إذا أحرم بالحج لا يجوز له فسخه وقلبه عمرة، وإذا أحرم بالعمرة لا يجوز له فسخها حجاً، لا لعذر، ولا لغيره، وسواء ساق الهدي أم لا. فهذا مذهبنا، قال ابن الصباغ والعبدري وآخرون: وبه قال عامة الفقهاء وقال أحمد: يجوز فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي، وقال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم: جمهور الفقهاء على أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصاً للصحابة، قال: وقال بعض أهل الظاهر: هو جائز الآن. اهـ
وصريح روايات أبي ذر أن هذا كان رخصة وخصوصية لذلك العام، لكن الإمام أحمد لم يأخذ بها، فهي موقوفة على أبي ذر، ولم يأخذ بحديث الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة؟ أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ : بل لكم خاصة" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. قال النووي: وإسناده صحيح إلا الحارث بن بلال، ولم أر فيه جرحاً ولا تعديلاً. قال الإمام أحمد: هذا الحديث لا يثبت عندي، ولا أقول به.
ويمكن أن يحتج للإمام أحمد بروايتنا الخامسة والثلاثين، وفيها "فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة" فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا؟ أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: دخلت العمرة في -الحج مرتين- لا. بل لأبد أبد".
ويجيب الجمهور عن هذا الاستدلال بأن المراد به جواز العمرة في أشهر الحج، لا فسخ الحج إلى العمرة، أو أن المراد دخول أفعالها في أفعال الحج، وهو القران، وحمله من يقول: إن العمرة ليست واجبة على أن العمرة اندرجت في الحج، فلا تجب، وإنما تجب على المكلف حجة الإسلام دون العمرة.
ونعود إلى تحرير مراد عمر ومن تبعه من الصحابة من النهي عن المتعة، فنقول:
الفريق الثاني: يقول: إن نهي عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة ﵃، عن متعة الحج، أي الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم الحج في العام نفسه، وليس عن فسخ الحج إلى العمرة، وظاهر الروايات معهم، فمن الصعب جداً أن نحمل على الفسخ أمر ابن عباس بالمتعة، ونهى ابن الزبير عنها، في الرواية الثالثة والثلاثين، وكذلك نهى عثمان عن
стр. 2709
المتعة وأمر علي بها في الرواية الخامسة والأربعين والسادسة والأربعين، إذ لم يكن هناك من أحرم بالحج ويريد أن يفسخه إلى عمرة، وإنما كان ذلك فيمن يريد الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، وروايات عمران بن حصين، الثانية والخمسون وما بعدها تقول: "أعمر طائفة من أهله في العشر" فالخلاف إذن في الإحرام بالعمرة في أشهر الحج.
ويرى هذا الفريق أن عمر وعثمان كانا ينهيان نهي منع، وحمل للناس على عدم التمتع، قال النووي في المجموع: ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقتضي كلامه أن مذهب عمر بطلان التمتع، وهو ضعيف، وقال العيني: وقد أنكر عليهم علماء الصحابة، وخالفوهم في فعلها، والحق مع المنكرين عليهم دونهم. اهـ
الفريق الثالث: كالفريق الثاني في أن المنهي عنه على لسان عمر وعثمان ومن تبعهما ﵄ هو متعة الحج، والفرق بين الفريقين أن هذا الفريق يرى أن النهي نهي تفضيل للإفراد على التمتع، لا نهي منع، يؤيد ذلك ما جاء في روايتنا الرابعة والأربعين من قول عمر: "ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم" يقول النووي: والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما إنما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، ومرادهم نهي أولوية للترغيب في الإفراد، لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران، من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها. اهـ
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له: إنك تخالف أباك؟ فقال: إن أبي لم يقل: إن العمرة في أشهر الحج حرام ولكنه قال: أفردوا الحج عن العمرة، فإن العمرة لا تتم في أشهر الحج، إن عمر نهى عن ذلك يبغي فيه الخير، فإذا أكثروا عليه قال: فكتاب الله أحق أن يتبع؟ أم عمر؟ أمر رسول الله ﷺ أحق أن تتبعوا؟ أم عمر؟ فمراد عمر تفضيل إخلاص أشهر الحج للحج، والاعتمار في غير أشهره، لأن العمرة في أشهر الحج يتمتع بها إلى الحج، والتمتع لا يتم إلا بالهدي والصيام إذا لم يجد هدياً، والعمرة في غير أشهر الحج تتم بلا هدي ولا صيام، فترك التمتع إتمام للعمرة، فكره التمتع.
بقي أن نقول: إن الروايات التي ساقها الإمام مسلم تفيد أن من ساق الهدي لا يتمتع، ولا يحل حتى يحل من الحج والعمرة وينحر هديه، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وموافقيهما، قال النووي: ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته، وحل له كل شيء في الحال، سواء كان ساق هدياً أم لا، واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه، فوجب أن يحل له كل شيء، كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الروايات بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً" فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الروايات التي احتج بها
стр. 2710
أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه. قال: ولا بد من هذا التأويل، لأن القضية واحدة، والراوي واحد، فيتعين الجمع بين الروايات على ما ذكرناه. اهـ
والتحقيق أن ظاهر الروايات مع أبي حنيفة وأحمد، ولا قياس مع النص، والجمع ممكن بغير ما جمع به النووي كما وضحنا في أول المباحث العربية.
وأما القران فصورته -كما قال النووي- أن يحرم بهما جميعاً، وكذا لو أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج قبل طوافها صح وصار قارناً، فلو أحرم بالحج، ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعي، أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني يصح ويصير قارناً، بشرط أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل من الحج، وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل طواف القدوم أو غيره.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن لمن أهل بالعمرة في أشهر الحج أن يدخل عليها الحج، ما لم يفتتح الطواف بالبيت، قال: واختلفوا في إدخاله عليها بعد افتتاح الطواف، فجوزه مالك ومنعه الشافعي، واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال أصحابنا: يجوز ويصير قارناً، وهو قول قديم للشافعي، ومنعه الشافعي في مصر، ونقل منعه عن أكثر من لقيه. قال ابن المنذر: وبقول مالك أقول.
أي وجوه الإحرام الثلاثة أفضل؟
قال النووي: أما الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة ففيه طرق وأقوال منتشرة الصحيح منها أن أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران، وقال في شرح مسلم: واحتج الشافعي وأصحابه في ترجيح الإفراد بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃، وهؤلاء لهم مزية على غيرهم في حجة الوداع، ثم ذكر مزاياهم، وقال: ومن دلائل ترجيح الإفراد أن الخلفاء الراشدين ﵃ بعد النبي ﷺ أفردوا الحج، وواظبوا على إفراده، ولو لم يكن الإفراد أفضل لم يواظبوا عليه مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف الأفضل؟ ومنها أن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع، وذلك لكماله، ويجب الدم في التمتع والقران، وهو دم جبران، لفوات الميقات وغيره، فكان ما لا يحتاج إلى جبر أفضل ومنها أن الأمة أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة، وكره عمر وعثمان وغيرهما التمتع، وبعضهم كره التمتع والقران، فكان الإفراد أفضل. والله أعلم.
القول الثاني أن أفضلها التمتع ثم الإفراد، الثالث: أفضلها الإفراد ثم القران ثم التمتع، وقال: قال أصحابنا: وشرط تقديم الإفراد أن يحج ثم يعتمر في سنة واحدة، فإن أخر العمرة عن سنة فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه بلا خلاف، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه.
هذا مذهب الشافعية، وبه قال العلماء وكافة الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو ثور وداود، وقال أبو حنيفة: القران أفضل، وقال أحمد: التمتع أفضل،
стр. 2711
وحكى أبو يوسف أن التمتع والقران أفضل من الإفراد، وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا أفضلية لبعضها على بعض.
ثم قال النووي: قال المزني في المختصر: قال الشافعي في اختلاف الحديث: ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا. قال القاضي حسين: إنما استيسر الخلاف فيه لأن الأنواع الثلاثة منصوص عليها في القرآن، وكلها منقولة عنه ﷺ ، صحيحة عنه وكلها جائزة بالإجماع، أما الإفراد فبين في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وأما التمتع ففي قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما القران ففي قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال النووي: هذا كلام القاضي حسين، وفي الاستدلال بهذه الأخيرة للقران نظر، وقد استدل بها أصحاب أبي حنيفة لمذهبهم في ترجيح القران، وأنكر ذلك أصحابنا، وقالوا: لا دلالة في الآية للقران، لأنه ليس في الآية أكثر من جمع الحج والعمرة في الذكر، ولا يلزم من ذلك جمعهما في الفعل، نظيره قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة﴾ [المزمل: ٢٠].
على أي وجه أحرم رسول الله ﷺ ؟
من الصحابة من روى أن النبي ﷺ كان في حجة الوداع مفرداً، نذكر منهم: عائشة ﵂.
ففي روايتنا الرابعة تقول: "فأهل رسول الله ﷺ بحج، وأهل به ناس معه" وفي الرواية التاسعة والخامسة عشرة والسابعة عشرة تقول: "خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا الحج" وفي العاشرة "لا نذكر إلا الحج" وفي الرواية الثانية عشرة "أن رسول الله ﷺ أفرد الحج" وفي الرواية الثالثة عشرة: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج".
ونذكر منهم جابر بن عبد الله ﵁.
ففي روايتنا الثالثة والعشرين يقول: "أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد" وفي الرواية السادسة والعشرين والثانية والثلاثين: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج" وفي الرواية الواحدة والثلاثين "أنه حج مع رسول الله ﷺ عام ساق الهدي معه وقد أهلوا بالحج مفردا" وفي الرواية الرابعة والثلاثين "قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج" وفي الخامسة والثلاثين "لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة" وفي الواحدة والتسعين "قدمنا مع النبي ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخاً".
ونذكر منهم عبد الله بن عمر ﵄.
ففي روايتنا السادسة والستين يقول: "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً" وفي ملحقها "أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفرداً" وفي السابعة والستين يقول: "لبى رسول الله ﷺ بالحج وحده" وفي الرواية المتممة للسبعين "رأينا رسول الله ﷺ أحرم بالحج".
стр. 2712
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم "أن رجلاً أتى ابن عمر، فقال: بم أهل رسول الله ﷺ ؟ قال: بالحج. ثم أتاه من العام المقبل، فسأله، فقال: ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى. ولكن أنساً يزعم أنه قرن؟ قال ابن عمر: إن أنساً كان يدخل على النساء وهن منكشفات الرءوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ فكنت أسمعه يلبي بالحج".
ونذكر منهم ابن عباس ﵄.
ففي روايتنا الثامنة والسبعين يقول: "فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج" وفي الرواية التاسعة والسبعين "أهل رسول الله ﷺ بالحج" وفي ملحقها "خرجنا مع رسول الله ﷺ نهل بالحج" وفي الرواية المتممة للثمانين "قدم النبي ﷺ وأصحابه لأربع خلون من العشر وهم يلبون بالحج" وفي الرابعة والثمانين "ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج".
ونذكر منهم أبا سعيد الخدري ﵁.
ففي روايتنا المتممة للتسعين والواحدة والتسعين "خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً".
ومن الصحابة من روى أن النبي ﷺ كان في حجة الوداع متمتعاً. نذكر منهم: عائشة ﵂. ففي ملحق الرواية الثامنة والخمسين تقول في تمتعه ﷺ بالحج إلى العمرة: وتمتع الناس معه" ونذكر منهم جابر بن عبد الله ﵄.
ففي روايتنا الثالثة والثلاثين يقول "تمتعنا مع رسول الله ﷺ .
ونذكر منهم عمر نفسه ﵁ ففي روايتنا الرابعة والأربعين يقول "قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه".
ونذكر منهم علياً ﵁.
ففي روايتنا الخامسة والأربعين يقول "لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله ﷺ " وفي السادسة والأربعين يقول لعثمان ﵄ ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ ".
ونذكر منهم عمران بن حصين ﵁.
ففي روايتنا السادسة والخمسين يقول "تمتعنا مع رسول الله ﷺ " وفي ملحقها يقول "تمتع رسول الله ﷺ وتمتعنا معه" ونذكر منهم عبد الله بن عمر ﵄.
ففي روايتنا الثامنة والخمسين يقول "تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج .... وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج".
ومن الصحابة من روى أن النبي ﷺ كان في حجة الوداع قارناً، نذكر منهم حفصة ﵂.
стр. 2713
ففي روايتنا التاسعة والخمسين والمتممة للستين تقول للنبي ﷺ "ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج".
ونذكر منهم عمران بن حصين ﵁.
ففي روايتنا الثالثة والخمسين والرابعة والخمسين والخامسة والخمسين يقول "إن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة" ونذكر منهم أنس بن مالك ﵁.
ففي روايتنا السابعة والستين والثامنة والستين يقول: "سمعت النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعاً، سمعته يقول: لبيك عمرة وحجاً".
قال النووي في المجموع: من الصحابة من روى أن النبي ﷺ كان في حجة الوداع مفرداً، ومنهم من روى أنه كان قارناً، ومنهم من روى أنه كان متمتعاً، وكله في الصحيح، وهي قصة واحدة، فيجب تأويل جميعها ببعضها، والجمع بينها، والصواب الذي نعتقده أنه ﷺ أحرم أولاً بالحج مفرداً، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارناً، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا وجاز للنبي ﷺ تلك السنة للحاجة.
وعلى هذا سهل الجمع بين الأحاديث، فمن روى أنه ﷺ كان مفرداً -وهم الأكثرون- أراد أول الإحرام ومن روى أنه كان قارناً أراد آخر الإحرام ومن روى أنه كان متمتعاً أراد التمتع اللغوي، ويؤيد هذا الذي ذكرته أن النبي ﷺ لم يعتمر تلك السنة عمرة منفردة، لا قبل الحج ولا بعده، وقد قدمنا أن القران أفضل من إفراد الحج من غير عمرة بلا خلاف، ولو جعلت حجته ﷺ مفردة لزم منه أن لا يكون اعتمر تلك السنة، ولم يقل أحد: إن الحج وحده أفضل من القران.
وعلى هذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها في حجته ﷺ في نفسه.
وتأول جماعة من أصحابنا الأحاديث التي جاءت أنه ﷺ كان متمتعاً أو قارناً بأنه أمر بذلك، كما قالوا: رجم ماعزاً -أي أمر برجمه. وهذا ضعيف، يرده صريح الروايات الصحيحة السابقة، بل الصواب ما قدمته، والله أعلم. اهـ
وجوب الدم على المتمتع والقارن:
قال النووي في المجموع: يجب على المتمتع الدم، لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ قال أصحابنا: ولوجوب هذا الدم شروط: أحدها: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، وهم من مسكنه دون مسافة القصر من الحرم [وقيل غير ذلك] ثانيها: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فلو أحرم بها، وفرغ منها قبل أشهر الحج، ثم حج في سنته لم يلزمه دم بلا خلاف عندنا، وبه قال جمهور العلماء، ثالثها: أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة، فلو اعتمر في سنة، ثم حج في السنة القابلة فلا دم، سواء أقام بمكة إلى أن حج، أم رجع وعاد. رابعها: أن لا يعود إلى الميقات، فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم بالعمرة منه، وأحرم بالحج فلا دم بالاتفاق. خامسها:
стр. 2714
وهو مختلف فيه. وهو هل يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد؟ سادسها: مختلف فيه أيضاً، وهو نية التمتع. سابعها: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فلو جاوزه مريداً للنسك، ثم أحرم بها فليس عليه دم التمتع، بل يلزمه دم الإساءة، وفي المسألة خلاف مبسوط في كتب الفقه.
ثم قال: ويلزم القارن دم بلا خلاف، لأنه إذا وجب على المتمتع، لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى، ولأن القارن أقل فعلاً من المتمتع، فإذا لزم المتمتع الدم فالقارن أولى. والله أعلم.
بقية وجوه الإحرام:
والمحرمون أنواع: مفرد بالحج، ومفرد بالعمرة، وتمتع بالعمرة إلى الحج، وقارن بينهما، وفاسخ الحج بعمل عمرة، ومدخل الحج على العمرة ومدخل العمرة على الحج، ومحرم بنسك مطلق دون تعيين، ومحرم إحراماً معلقاً كإحرام فلان. وقد أوضحنا صور وأحكام الإفراد والتمتع والقران وفسخ الحج، كما تعرضنا عند صور القران إلى إدخال الحج على العمرة، وإدخال العمرة على الحج، ونضيف هنا ما قاله النووي في شرح مسلم حيث قال: وقد اتفق جمهور العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه وقال لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فجوزه أصحاب الرأي، وهو قول الشافعي، ومنعه آخرون وقالوا: كان هذا خاصاً بالنبي ﷺ لضرورة الاعتمار حينئذ في أشهر الحج. اهـ
الإحرام المطلق:
أما الإحرام بنسك دون تعيين فيمكن أن يستدل له بروايتنا الخامسة والثلاثين بقول جابر "فأهل بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﷺ شيئاً ولزم رسول الله ﷺ تلبيته".
وذكر القاضي حسين أن الشافعي نقل أن النبي ﷺ أحرم بالحج مطلقاً، وكان ينتظر القضاء، وهو نزول جبريل ببيان ما يصرف إحرامه المطلق إليه، فنزل جبريل ﵇، وأمره بصرفه إلى الحج المفرد، وذكر البيهقي في السنن الكبرى تحت باب ما يدل على أن النبي ﷺ أحرم إحراماً مطلقاً، عن طاوس قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة، لا يسمى حجاً ولا عمرة، ينتظر القضاء ... " قال النووي: ظاهر الأحاديث الصحيحة كلها أن النبي ﷺ لم يحرم إحراماً مطلقاً، بل معيناً. اهـ
هذا. وقد يحتاج إلى هذه المسألة بعض العوام الذين يصلون الميقات وهم لا يعرفون الفرق بين الإفراد والتمتع والقران، ولكن مادام الشرع في فسحة من إدخال الحج على العمرة والعمرة على الحج فلا إشكال وعليهم أن يحرموا بالتعيين، والله أعلم.
أما الإحرام المعلق فظاهر روايتنا الخامسة والثلاثين، وفيها أن علياً ﵁ قال في إحرامه: "اللهم إني أهل بما أهل به رسولك" ورواياتنا الواحدة والأربعون والثانية والأربعون والثالثة والأربعون، فيها أن أبا موسى ﵁ قال في إحرامه "لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ " وأقرهما النبي ﷺ على هذا
стр. 2715
الإحرام المعلق، ظاهر هذا جواز الإحرام المعلق، قال الحافظ ابن حجر: في هذه الأحاديث دلالة على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير، مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل [يقصد حديث علي وحديث أبي موسى] وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هدي، فصار له حكم النبي ﷺ لو لم يكن معه هدي، وقد قال: "لولا الهدي لأحللت" أي وفسخت الحج إلى العمرة، كما فعله أصحابه بأمره، وأما علي فكان معه هدي، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارناً.
وقال في موضع آخر: وأما مطلق الإحرام على الإبهام، فهو جائز، ثم يصرفه المحرم لما شاء، لكونه ﷺ لم ينه عن ذلك، وهذا قول الجمهور، وعن المالكية: لا يصح الإحرام على الإبهام، وهو قول الكوفيين. قال ابن المنير: أشار البخاري إلى أن ذلك خاص بذلك الزمن، لأن علياً وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام، فأحالاه على النبي ﷺ ، وأما الآن فقد استقرت الأحكام، وعرفت مراتب الإحرام، فلا يصح ذلك. والله أعلم.
-[ويؤخذ من هذه المجموعة من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من الرواية الأولى من قول عائشة ﵂ "وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً" قال النووي: هذا دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد عن طواف الركن، وأنه يقتصر على أفعال الحج، وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحج، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة: يلزمه طوافان وسعيان. اهـ
ويؤيد هذا ما جاء في روايتنا التاسعة عشرة والمتممة للعشرين من قوله ﷺ لها "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجتك وعمرتك" وفي الرواية الثالثة والعشرين يقول جابر ﵁ "حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً" وفي الثامنة والعشرين يقول "لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافه الأول".
ودافع العيني عن مذهب أبي حنيفة، فقال: روى مجاهد عن ابن عمر أنه جمع بين الحج والعمرة، وقال: سبيلهما واحد، وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع كما صنعت كما روي عن علي مثل ذلك. اهـ
والذي في الصحيح عن ابن عمر خلاف ذلك، ففي روايتنا الثانية والستين "أنه طاف وسعى لم يزد، ورأى أنه مجزئ عنه".
وفي الثالثة والستين "ثم طاف لهما طوافاً واحداً بالبيت وبين الصفا والمروة" وقال في آخر الرواية "من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد" وفي الرواية الرابعة والستين "ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال: كذلك فعل رسول الله ﷺ " أما ما أضيف إلى علي ﵁ فضعيف باتفاق الحفاظ قاله النووي.
стр. 2716
٢ - ومن قولها "فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت والصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر ... " إلخ أن المتمتع يطوف ويسعى للعمرة، ثم يطوف ويسعى للحج.
٣ - ومن قولها "فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلخ" أن الحائض لا تطوف بالبيت، وإذا لم تطف لا تسعى، لأن شرط السعي أن يسبق بطواف. قال العيني: وقد اختلفوا في طواف المحدث، فعن أحمد طواف المحدث والجنب لا يصح، وعنه يصح، وعن الحنفية: الطهارة ليست بشرط، فلو طاف وعليه نجاسة أو طاف محدثاً أو جنباً صح طوافه، لقوله تعالى ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. وأمر بالطواف مطلقاً، وتقييده بالطهارة بخبر الواحد زيادة على النص، فلا يجوز، ولكن إن طاف محدثاً فعليه شاة، وإن طاف جنباً فعليه بدنة، ويعيده مادام في مكة [وتأمل فيما ذكره فهو زيادة على النص، وبدون خبر الواحد] وعن داود: الطهارة له واجبة، فإن طاف محدثاً أجزأه، إلا الحائض، وعند الشافعي: الطهارة شرط، فلا يصح بدونها، ومذهب الجمهور أن السعي يصح من المحدث والجنب والحائض. اهـ
ويؤيد قول الجمهور أن الحائض لا تطوف ما جاء في روايتنا التاسعة "فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" وفي العاشرة "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري".
٤ - وبقوله ﷺ "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً" استدل من يقول بأفضلية القران، لأن هذه الصورة صورة القران، وقد أمر به، وكان ﷺ قارناً.
وقد يجاب عن ذلك بأنه ﷺ كما أمر بالقران في هذه الرواية خير بين الوجوه الثلاثة في الرواية الرابعة "من أراد أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل" ويمكن لمن يفضل الإفراد بقولها في الرواية نفسها "فأهل رسول الله ﷺ بحج، وأهل به ناس معه" أن يقول: إن القران والتمتع في حجة الوداع كان لمصلحة خارجة عن أفضليتهما، ذلك ليعتمروا في أشهر الحج.
٥ - ويستدل به على جواز إدخال الحج على العمرة، وقد سبقت المسألة.
٦ - قال العيني: وفيه أن المتمتع إذا فرغ من أعمال العمرة لم يحل حتى يحرم بالحج إذا كان معه هدي، وهو مذهب أصحابنا، عملاً بقوله ﷺ "ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً". اهـ
وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، ويمكن أن يستدل له بحديث حفصة ﵂، روايتنا التاسعة والخمسين والمتممة للستين. إذ قالت: "ما شأن الناس حلوا؟ ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أحل من الحج" ومذهب الشافعية
стр. 2717
والمالكية أن المتمتع إذا فرغ من أفعال العمرة صار حلالاً، وحل له الطيب واللباس والنساء وكل محرمات الإحرام، سواء ساق الهدي أم لا، واحتجوا بأنه متمتع أكمل أفعال عمرته، فتحلل، كمن لم يكن معه هدي، وأما حديث حفصة فلا حجة لهم فيه، لأن النبي ﷺ كان مفرداً أو قارناً، ولهذا قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".
٧ - ومن قوله "انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج" استحباب الغسل عند الإحرام، وأنه يستحب لكل من أراد الإحرام بحج أو عمرة سواء الحائض وغيرها.
٨ - وفي إرساله ﷺ عائشة ﵂ إلى التنعيم للإحرام بالعمرة دليل لما قاله العلماء أن من كان بمكة وأراد العمرة فميقاته لها أدنى الحل، ولا يجوز أن يحرم بالعمرة من الحرم، فإن خالف وأحرم بها من الحرم، وخرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان. قيل: لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحل، ثم يطوف ويسعى ويحلق، وقيل: يصح وعليه دم، لتركه الميقات وهو الأصح.
قال العلماء: وإنما وجب الخروج إلى الحل ليجمع في نسكه بين الحل والحرم، كما أن الحاج يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفات، وهي في الحل، ثم يدخل مكة للطواف وغيره. قاله النووي، ثم قال: هذا تفصيل مذهب الشافعي، وهكذا قال جمهور العلماء أنه يجب الخروج للإحرام بالعمرة إلى أدنى الحل، وأنه لو أحرم بها في الحرم ولم يخرج لزمه دم، وقال عطاء: لا شيء عليه، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى الحل، قال القاضي عياض: وقال مالك: لا بد من إحرامه من التنعيم خاصة، قالوا: وهو ميقات المعتمرين من مكة، وهذا شاذ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحل سواء ولا تختص بالتنعيم. والله أعلم.
٩ - ومن خروج عائشة وأمهات المؤمنين -كما هو واضح من الرواية السابعة عشرة- مع رسول الله ﷺ للحج استفيد جواز حج الرجل بامرأته، قال النووي: وهو مشروع بالإجماع، وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعته. واختلف السلف. هل المحرم لها من شروط الاستطاعة؟ وأجمعوا على أن لزوجها أن يمنعها من حج التطوع، وأما حج الفرض فقال جمهور العلماء: ليس له منعها منه، وللشافعي قولان، أحدهما لا يمنعها منه كما قال الجمهور، وأصحهما له منعها، لأن حقه على الفور، والحج على التراخي، قال أصحابنا: ويستحب له أن يحج بزوجته، للأحاديث الصحيحة فيه.
١٠ - ويؤخذ منه أن النبي ﷺ كان يسوق الهدي إلى الحرم، وكذلك كثير من الصحابة، قال النووي في المجموع: اتفقوا على أنه يستحب لمن قصد مكة بحج أو عمرة أن يهدي هدياً من الأنعام [الإبل والبقرة والغنم] وينحره هناك، ويفرقه على المساكين الموجودين في الحرم، ولا يجب الهدي إلا بالنذر، ويستحب أن يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل [واشترى ابن عمر هديه من الطريق. انظر روايتنا الثالثة والستين] من شرائه من مكة، ثم من مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلاً، بل اشتراه من منى جاز، وحصل أصل الهدي. اهـ
وللهدي أحكام فرعية كثيرة تطلب من كتب الفقه، وله في مسلم أبواب كثيرة ستأتي.
стр. 2718
١١ - استدل بقوله ﷺ في الرواية الخامسة وروايات أخرى "لولا أني سقت الهدي لأهللت بعمرة" وفي الرواية الثامنة عشرة "ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا" استدل به من يفضل التمتع، ووجه الدلالة أن الرسول ﷺ لا يتمنى إلا الأفضل.
١٢ - ومن إرداف عبد الرحمن لأخته عائشة ﵄ في الرواية الخامسة وغيرها جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة.
١٣ - وجواز إرداف الرجل المرأة من محارمة، والخلوة بها، قال النووي: وهذا مجمع عليه.
١٤ - ومن بكاء عائشة ﵂ في الرواية التاسعة وغيرها أن طبيعة المرأة سرعة الانفعال والبكاء، وهو هنا لخشية ضياع أجر أخروي محمود. وكانت ﵂ حديثة السن لم تتجاوز الثامنة عشرة.
١٥ - ومن قوله "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم" أخذ البخاري أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن الحيض أول ما أرسل وقع في بني إسرائيل.
١٦ - وفيه ما كان عليه ﷺ من حسن الخلق وتسلية المصاب، وتخفيف همه.
١٧ - ومن قولها في الرواية العاشرة "أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر" قال النووي: هذا محمول على أنه استأذنهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه.
١٨ - واستدل به مالك على أن التضحية بالبقر أفضل من الإبل، قال النووي: ولا دلالة فيه، لأنه ليس فيه ذكر تفضيل البقر، إنما هي قضية عين محتملة لأمور، فلا حجة فيها لما قاله، وذهب الشافعي والأكثرون إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة، لقوله ﷺ "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة".
١٩ - وفي قولها في الرواية الثالثة عشرة "قلت: لا أصلي" استحباب الكناية عن الحيض ونحوه مما يستحي منه بالحكم الخاص به أدباً وحياء، قال ابن المنير: وقد ظهر أثر ذلك في بناتها المؤمنات، فكلهن يكنين عن الحيض.
٢٠ - ومن قوله "فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل" التدرج في النصح للتخلص من العادات المتأصلة، قال النووي: قال العلماء: خيرهم أولاً بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم وإيناساً بالعمرة في أشهر الحج، لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثم حثهم عليها، ثم أمرهم بها أمر عزيمة، وألزمهم إياها، وكره ترددهم.
٢١ - ومن قولها "فخرج، فمر بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة" وجوب طواف الوداع، وسيأتي في باب خاص.
٢٢ - ومن قوله في الرواية السادسة عشرة "ولكنها على قدر نصبك" أو "على قدر نفقتك" أن الثواب
стр. 2719
والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة، قال النووي: والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع، وكذا النفقة.
٢٣ - وفي قوله في الرواية السابعة عشرة "لا بأس انفري" دليل على أن طواف الوداع لا يجب على الحائض، ولا يلزمها الصبر إلى طهرها لتأتي به، ولا دم عليها في تركه، قال النووي: هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عن بعض السلف وهو شاذ مردود.
٢٤ - وفي غضبه ﷺ في الرواية الثامنة عشرة استحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين.
٢٥ - وفي دعاء عائشة على من أغضبه ﷺ وعدم نقده جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع.
٢٦ - وفيه حديث الرجل مع زوجته فيما يتعلق بشئونه، وشكواه لها، ومشاركتها له، وتخفيفها عنه.
٢٧ - وفي قوله "ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ... " دليل على جواز قول "لو" في التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع. قال النووي: وأما الحديث الصحيح في أن "لو تفتح عمل الشيطان" فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال "لو" في غير حظوظ الدنيا ونحوها فيجمع بين الأحاديث بما ذكرنا. والله أعلم. اهـ
٢٨ - وفي قول جابر ﵁ في الرواية الثالثة والعشرين "حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة" دليل على أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح، ووجه الدلالة أن رسول الله ﷺ أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقفاً على تقدم الطواف عليه لما أخرته.
٢٩ - وفي قوله في الرواية الخامسة والعشرين "إذا هويت شيئاً تابعها عليه" حسن خلقه ﷺ وحسن معاشرة الأزواج، لا سيما فيما كان من باب الطاعة.
٣٠ - وفي قوله في الرواية السادسة والعشرين "معنا النساء والولدان" صحة حج الصبي والحج به، قال النووي: ومذهب مالك والشافعي وأحمد والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنه يصح حج الصبي، ويثاب عليه، ويترتب عليه أحكام حج البالغ إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإسلام، فإذا بلغ بعد ذلك واستطاع لزمه فرض الإسلام، وخالف أبو حنيفة الجمهور، فقال: لا يصح له إحرام ولا حج، ولا ثواب فيه، ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحج، قال: وإنما يحج به ليتمرن ويتعلم، ويتجنب محظورات الإحرام للتعلم. قال: وكذلك لا تصح صلاته، وإنما يؤمر بها لما ذكرناه، وكذلك عنده سائر العبادات، والصواب مذهب الجمهور، لحديث ابن عباس ﵄ "أن امرأة رفعت صبياً، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم". والله أعلم.
وسيأتي حج الصبي في باب خاص.
стр. 2720
٣١ - وفي قوله في الرواية نفسها "فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج" دليل للشافعي وموافقيه أن الأفضل للمتمتع وكل من أراد الإحرام بالحج من مكة لا يحرم به إلا يوم التروية، وقال مالك وآخرون: يحرم من أول ذي الحجة.
٣٢ - وفي الرواية نفسها جواز الاشتراك في الهدي والأضحية في البدنة والبقرة كل واحدة تجزئ عن سبعة أنفس، وتقوم مقام سبع شياه، وبه قال الشافعي وموافقوه، سواء كان المشتركون مفترضين أو متطوعين، وسواء كانوا متقربين أو كان بعضهم تقرباً وبعضهم يريد اللحم، وبه قال أحمد، وقال مالك: يجوز إن كانوا متطوعين، ولا يجوز إن كانوا مفترضيين، وقال أبو حنيفة: إن كانوا متقربين جاز، سواء اتفقت قربتهم أو اختلفت وإن كان بعضهم تقرباً وبعضهم يريد اللحم لم يصح الاشتراك.
٣٣ - وفي ترددهم في الرواية المتممة للثلاثين، وقوله "فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم" ما كان عليه ﷺ من تطييب قلوب أصحابه، وتلطفه بهم، وحلمه عليهم.
٣٤ - وفي قوله في الرواية المتممة للثلاثين نفسها "وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج" ودليل لمن يقول: يجوز لمن كان بمكة وأراد أن يحرم بالحج يجوز له الإحرام من خارج مكة، وقد مضت المسألة في المباحث العربية.
٣٥ - وفي قول عمر ﵁ في الرواية الثالثة والثلاثين "وأبتوا نكاح هذه النساء ... إلخ" قال النووي: متعة النكاح وهي نكاح المرأة إلى أجل، وكان مباحاً، ثم نسخ يوم خيبر ثم أبيح يوم الفتح، ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى الآن وإلى يوم القيامة، وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه، وسيأتي بسط أحكامه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. اهـ
ويؤخذ من حديث جابر ﵁ روايتنا الخامسة والثلاثين "حجة الوداع" فوائد ذكرها النووي: منها:
٣٦ - أنه يستحب لمن ورد عليه زائرون أو ضيفان ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم منازلهم، كما جاء في حديث عائشة ﵂ "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم".
٣٧ - وفيه إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ ، كما فعل جابر بمحمد بن علي.
٣٨ - استحباب قوله للزائر والضيف ونحوهما: مرحباً.
٣٩ - وملاطفة الزائر بما يليق به، وتأنيسه، وهذا سبب حل جابر زري محمد بن علي، ووضع يده بين ثدييه، ونبه محمد بن علي على سبب ذلك التأنيس بأنه كان صغيراً وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه والمسح بين ثدييه.
٤٠ - وجواز إمامة الأعمى البصراء، من قوله "فصلى بنا" ولا خلاف في جواز ذلك، لكن اختلفوا في الأفضل على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه للشافعية. أحدها: إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير، لأن الأعمى أكمل خشوعاً، لعدم نظره إلى الملهيات والثاني: البصير أفضل، لأنه أكثر
стр. 2721
احترازاً من النجاسات، والثالث: هما سواء، لتعادل فضيلتهما، قال النووي: وهذا الثالث هو الأصح عند أصحابنا، وهو نص الشافعي.
٤١ - وأن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره.
٤٢ - وجواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه.
٤٣ - وإيضاح العدد وتأكيده بعقد الأصابع مع ذكر العدد.
٤٤ - ومن التأذين في الناس أنه يستحب للإمام إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها.
٤٥ - ومن قوله "كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله" حرص الصحابة على التأسي والاقتداء قال القاضي عياض: هذا مما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج، لأنه ﷺ أحرم بالحج، وهم لا يخالفونه، ولهذا قال جابر: "وما عمل من شيء عملنا به" ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة حيث لم يتحلل، حتى أغضبوه واعتذر إليهم، ومثله تعليق علي، وأبي موسى إحرامهما على إحرام النبي ﷺ .
٤٦ - ومن قوله لأسماء: "اغتسلي" استحباب غسل الإحرام للنفساء.
٤٧ - وفيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثفار، وهو اتخاذ خرقة بين الفخذين، وشدها في الحزام.
٤٨ - وفيه صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه.
٤٩ - ومن قوله "فصلى رسول الله ﷺ استحباب ركعتي الإحرام.
٥٠ - ومن قوله "بين يديه من راكب وماش" جواز الحج راكباً وماشياً، وهو مجمع عليه، وقد تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧]. قال النووي: واختلف العلماء في الأفضل منهما فقال مالك والشافعي وجمهور العلماء: الركوب أفضل، اقتداء بالنبي ﷺ ولأنه أعون له على وظائف مناسكه، ولأنه أكثر نفقة، وقال داود: ماشياً أفضل لمشقته، وهذا فاسد، لأن المشقة ليست مطلوبة.
٥١ - في قوله "أهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﷺ شيئاً منه" قال القاضي عياض: فيه إشارة إلى ما روي من زيادة الناس في التلبية، من الثناء والذكر كما روي في ذلك عن عمر ﵁ أنه كان يزيد [لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوباً منك، ومرغوباً إليك] وعن ابن عمر ﵄ زيادة [لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل] وعن أنس ﵁ [لبيك حقاً، تعبداً ورقاً] قال القاضي قال أكثر العلماء: المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ ، وبه قال مالك والشافعي. والله أعلم.
٥٢ - في قوله "حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن" بيان أن السنة للحاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات، ليطوفوا للقدوم وغير ذلك.
стр. 2722
٥٣ - وأن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم، وهو مجمع عليه.
٥٤ - وأن الطواف سبع طوفات.
٥٥ - وأن السنة الرمل في الثلاث الأول، والمشي على عادته في الأربع الأخيرة. قال النووي: قال أصحابنا: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل بلا خلاف، ولا يسرع أيضاً في كل طواف حج وإنما يسرع في واحد منها، ولا يتصور في طواف وداع. ثم قال: قال أصحابنا: والاضطباع سنة في الطواف، وقد صح فيه الحديث في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما وهو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفاً، قالوا: وإنما يسن الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل على ما سبق تفصيله.
٥٦ - وفي قوله "استلم الركن" ومعناه مسحه بيده استحبابه في كل طواف. وسيأتي في باب خاص.
٥٧ - وفي قوله "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم إلخ" دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، قال النووي: واختلفوا هل هما واجبتان أو سنتان؟ وسواء قلنا: واجبتان أو سنتان لو تركهما لم يبطل طوافه، والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي مكة وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه جاز، وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة مادام حياً، ولو أراد أن يطوف أطوفة استحب أن يصلي عقب كل طواف ركعتيه.
٥٨ - ويسن أن يقرأ فيهما، في الأولى بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قل هو الله أحد﴾
٥٩ - وفي قوله "ثم رجع إلى الركن فاستلمه" دليل الشافعي وغيره من العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه.
٦٠ - ويستحب أن يخرج من باب الصفا ليسعى.
٦١ - وأن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا. وبه قال الشافعي ومالك والجمهور.
٦٢ - وأنه ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقي خلاف. الجمهور على أنه سنة ليس بشرط، وقيل لا يصح السعي حتى يصعد على شيء من الصفا والصواب الأول.
٦٣ - وأنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور، ويدعو، ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، ومثل ذلك على المروة.
٦٤ - واستحباب السعي الشديد في بطن الوادي، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. قال النووي: وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة، وعن مالك رواية أن لو ترك السعي الشديد في موضعه تجب عليه إعادته.
стр. 2723
٦٥ - وفي قوله "حتى إذا كان آخر طواف على المروة" دليل لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا. قال النووي: وقال ابن بنت الشافعي وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا: يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا، قال: وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان.
٦٦ - وفي إنكار علي ﵁ على فاطمة ﵂ إنكار الرجل على زوجته ما يراه منها من نقص في دينها، لأن علياً ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره.
٦٧ - ومن إهلاله بما أهل به النبي ﷺ جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير، وقد سبقت هذه المسألة قريباً.
٦٨ - ومن قوله "فحل الناس كلهم .... إلخ" إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص فالمراد من "كلهم" معظمهم، فإن عائشة ﵂ لم تحل ولم تكن ساقت الهدي.
٦٩ - ومن قوله "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى" أن الأفضل لمن كان بمكة، وأراد الإحرام بالحج أحرم يوم التروية، وقد سبقت المسألة في المأخذ الواحد والثلاثين.
٧٠ - وأن السنة ألا يتقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية، وقد كره مالك ذلك وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي، وقال بعض السلف: لا بأس أن يتقدم الحاج إلى منى قبل يوم التروية بيوم أو يومين، ومذهب الشافعية أنه خلاف الأولى.
٧١ - ومن قوله "فأهلوا بالحج" الإحرام بالحج من خارج مكة لمن كان بمكة، وقد سبقت المسألة في المأخذ الرابع والثلاثين.
٧٢ - ومن قوله "وركب النبي ﷺ .... إلخ" أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب أفضل، وللشافعي قول آخر ضعيف أن المشي أفضل، قال النووي: وقال بعض أصحابنا: الأفضل في جملة الحج الركوب، إلا في مواطن المناسك، وهي مكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينها.
٧٣ - ويسن أن يصلى بمنى الصلوات الخمس.
٧٤ - ويسن أن يبيت بمنى هذه الليلة، ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة، ليس بركن، ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع.
٧٥ - وأن السنة ألا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه.
٧٦ - واستحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى، لأن السنة ألا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس، وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعاً.
٧٧ - وفيه جواز استظلال المحرم بقبة ونحوها. ولا خلاف في جوازه للنازل. قال النووي: واختلفوا في جوازه للراكب، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد.
стр. 2724
٧٨ - وجواز اتخاذ القباب، وجوازها من شعر.
٧٩ - ومن قوله "فأتى بطن الوادي فخطب الناس" استحباب خطبة الإمام للحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة، إحداها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية هذه التي في بطن عرفة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، قال الشافعية: وكل هذه الخطب أفراد، وبعد صلاة الظهر، إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قالوا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى.
٨٠ - ومن قوله "كحرمة يومكم هذا" ضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير قياساً.
٨١ - ومن قوله "ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع" إبطال أفعال الجاهلية.
٨٢ - ومن قوله "ودماء الجاهلية موضوعة" أنه لا قصاص في قتلها.
٨٣ - ومن وضع دمائه ﷺ وربا عمه أن الإمام وغيره ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله، وأقرب إلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام.
٨٤ - ومن وصيته ﷺ بالنساء الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن، ومعاشرتهن بالمعروف.
٨٥ - وفيها إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب.
٨٦ - ووجوب نفقة الزوجة وكسوتها على الزوج.
٨٧ - ومن قوله "ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً" أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، قال النووي: وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل: بسبب النسك، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحاب الشافعي: هو بسبب السفر. فمن كان حاضراً أو مسافراً دون مرحلتين -كأهل مكة- لم يجز له الجمع كما لا يجوز له القصر.
٨٨ - وأن الجامع بين الصلاتين يصلي الأولى أولاً.
٨٩ - وأنه يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وأنه لا يفرق بينهما. قال النووي: وهذا كله متفق عليه عندنا.
٩٠ - ومن قوله "ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف ... إلخ" أنه إذا فرغ من الصلاتين عجل الذهاب إلى الموقف.
стр. 2725
٩١ - وأن الوقوف راكباً أفضل، قال النووي: وفيه خلاف بين العلماء، وفي مذهبنا ثلاثة أقوال، أصحها أن الوقوف راكباً أفضل، والثاني: غير الراكب أفضل، والثالث: هما سواء.
٩٢ - وأنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، فهذا هو الموقف المستحب، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله ﷺ عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان.
٩٣ - واستحباب استقبال الكعبة في الوقوف.
٩٤ - وأنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى المزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه وحجه، ويجبر ذلك بدم، وهل الدم واجب أم مستحب؟ فيه قولان للشافعي، أصحهما أنه سنة، والثاني واجب، وهما مبنيان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا؟ وفيه قولان. أصحهما سنة، والثاني واجب. كذا قال النووي. وقال: وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني يوم النحر، فمن حصل بعرفات في جزء من هذا الزمان صح وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحج. هذا مذهب الشافعي وجماهير العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف في النهار منفرداً، بل لا بد من الليل، فإن اقتصر على الليل كفاه، وإن اقتصر على النهار لم يصح وقوفه، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا يصح الحج إلا به. اهـ
٩٥ - ومن إردافه ﷺ أسامة خلفه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وقد سبقت المسألة في المأخذ الثاني عشر.
٩٦ - ومن شنقه ﷺ القصواء استحباب الرفق وعدم المزاحمة في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة.
٩٧ - وأن السكينة في الدفع من عرفات سنة.
٩٨ - ومن صلاته ﷺ المغرب والعشاء بمزدلفة أن السنة للدافع من عرفات أو يؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ويكون هذا التأخير بنية الجمع، ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء، قال النووي: وهذا مجمع عليه، لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة أنه يجمع بسبب النسك، ويجوز لأهل مكة والمزدلفة ومنى وغيرهم، والصحيح عند أصحابنا أنه جمع بسبب السفر، فلا يجوز إلا لمسافر سفراً يبلغ به مسافة القصر، وللشافعي قول ضعيف أنه يجوز الجمع في كل سفر وإن كان قصيراً.
ثم قال: وقال أصحابنا: ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر، أو صلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك، لكنه خلاف الأفضل. هذا مذهبنا، وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أهل الحديث،
стр. 2726
وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة، ولا يجوز قبلها، وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذر، فله أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق.
٩٩ - وأن يصلي الصلاتين في وقت الثانية بأذان للأولى وإقامتين، لكل واحدة إقامة، قال النووي: هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وبه قال أحمد، وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى، ويؤذن ويقيم للثانية، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أذان واحد وإقامة واحدة.
١٠٠ - وفي قوله "ولم يسبح بينهما" أي لم يصل نافلة بينهما، والنافلة تسمى سبحة، لاشتمالها على التسبيح، وفيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ولا خلاف في هذا لكن اختلفوا هل هو شرط للجمع أم لا؟ والصحيح عندنا أنه ليس بشرط، بل هو سنة مستحبة، وقال بعض أصحابنا: هو شرط، أما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف.
١٠١ - وفي قوله "ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر .... إلخ" أن المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نسك، قال النووي: وهذا مجمع عليه، لكن اختلف العلماء هل هو واجب؟ أم ركن؟ أم سنة؟ والصحيح من قولي الشافعي أنه واجب، لو تركه أثم وصح حجه، ولزمه دم، وقال جماعة من أصحابنا: هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات.
١٠٢ - والسنة أن يبقى بمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إلا الضعفة، فالسنة لهم الدفع قبل الفجر، وسيأتي في باب خاص. قال النووي: وفي أقل المجزئ من هذا المبيت ثلاثة أقوال عندنا: الصحيح ساعة في النصف الثاني من الليل، والثاني ساعة في النصف الثاني أو بعد الفجر قبل طلوع الشمس، والثالث معظم الليل.
١٠٣ - قال النووي: والسنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع ويتأكد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة للاقتداء برسول الله ﷺ لأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فسن المبالغة بالتبكير بالصبح، ليتسع الوقت للوظائف.
١٠٤ - ويسن الأذان والإقامة لهذه الصلاة، وكذلك غيرها من صلوات المسافر.
١٠٥ - وفي قوله "فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً" أن الوقوف على قزح من مناسك الحج، وهذا لا خلاف فيه، قال النووي: لكن اختلفوا في الدفع منه، فقال أبو حنيفة والشافعية وجماهير العلماء: لا يزال واقفاً فيه يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جداً كما في الحديث، وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار.
١٠٦ - وفي وضع الرسول ﷺ يده على وجه الفضل أن من رأى منكراً وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه ولم ينكف المقول له وأمكنه بيده أثم مادام مقتصراً على اللسان. قاله النووي.
١٠٧ - وفي تحريكه في بطن محسر استحباب الإسراع قليلاً في السير في ذلك الموضع.
стр. 2727
١٠٨ - وفي قوله "حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها" أن السنة للحاج إذا دفع من المزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئاً قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله.
١٠٩ - وفيه أن الرمي بسبع حصيات.
١١٠ - وأن قدرهن بقدر حصى الخذف. قال النووي: فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه، بشرط كونه حجراً.
١١١ - وفيه أنه يسن التكبير مع كل حصاة.
١١٢ - وأنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهن واحدة واحدة، قال النووي: فإن رمى السبعة رمية واحدة حسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، بدليل "يكبر مع كل حصاة" فهذا تصريح بأنه رمى كل حصاة وحدها.
١١٣ - وفيه أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي، بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وكيفما رمى أجزأه. قال النووي: وأما حكم الرمي فالمشروع منه يوم النحر رمي جمرة العقبة لا غير. بإجماع المسلمين، وهو نسك بإجماعهم ومذهبنا أنه واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي عصى ولزمه دم، وصح حجه، وقال مالك: يفسد حجه.
١١٤ - وفي نحره ﷺ ثلاثاً وستين بدنة استحباب تكثير الهدي وكان هدي النبي ﷺ في تلك السنة مائة بدنة.
١١٥ - واستحباب ذبح المهدي هديه بنفسه.
١١٦ - وجواز الاستنابة فيه، وذلك جائز بالإجماع إذا كان النائب مسلماً، قال النووي: ويجوز عندنا أن يكون النائب كافراً كتابياً، بشرط أن ينوي المهدي عند رفعه إليه أو عند ذبحه.
١١٧ - واستحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة، ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق.
١١٨ - وفي أكله ﷺ من لحم الهدايا استحباب الأكل من هدي التطوع وأضحيته، قال النووي: وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة، وليس بواجب.
١١٩ - ومن قوله "فأفاض إلى البيت" طواف الإفاضة. قال النووي: وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين، وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد رمي جمرة العقبة وذبح الهدي والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا آخر لوقته، بل يصح مادام الإنسان حياً، وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات.
ثم قال: واعلم أن طواف الإفاضة له أسماء، فيقال أيضاً: طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، وسماه بعض أصحابنا: طواف الصدر، وأنكره الجمهور، وقالوا: طواف الصدر إنما هو طواف الوداع.
стр. 2728
١٢٠ - وفي شربه من ماء زمزم وثنائه على بني عبد المطلب فضيلة العمل في هذا الاستقاء.
١٢١ - واستحباب شرب ماء زمزم، واستدل به على أن الذي أرصد للمصالح العامة لا يحرم على النبي ﷺ وعلى آله تناوله، فتكون للغني في معنى الهدية، وللفقير صدقة.
١٢٢ - وفي الرواية السادسة والثلاثين رفق النبي ﷺ بأمته، وشفقته عليهم في تنبيههم** على مصالح دينهم ودنياهم، فإنه ﷺ ذكر لهم الأكمل والجائز فالأكمل موضع نحره ووقوفه، والجائز كل جزء من أجزاء المنحر، وكل جزء من أجزاء عرفات.
قال النووي: قال الشافعي وأصحابنا: يجوز نحر الهدي ودماء الحيوانات في جميع الحرم، لكن الأفضل في حق الحاج النحر بمنى، وأفضل موضع منها للنحر موضع نحر رسول الله ﷺ وما قاربه، والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في المروة، لأنها موضع تحلله، كما أن منى موضع تحلل الحاج.
١٢٣ - وفي الرواية التاسعة والثلاثين ما كان عليه العرب قبل الإسلام عند الطواف، قال الحافظ ابن حجر: وذكر ابن إسحق أن قريشاً ابتدعت قبل الفيل أو بعده لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أن لا يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عرياناً، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ، ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك كله. وأمر النبي ﷺ في الحجة التي حجها أبو بكر ﵁ سنة تسع أن ينادي مناديه ألا يطوف بالبيت عريان.
١٢٤ - وفي الرواية الواحدة والأربعين جواز تعليق الإحرام. قال النووي: فإذا قال: أحرمت بإحرام كإحرام زيد صح إحرامه، وكان إحرامه كإحرام زيد، فإن كان زيد محرماً بحج أو بعمرة أو قارناً كان المعلق مثله، وإن كان زيد أحرم مطلقاً كان المعلق مطلقاً ولا يلزمه أن يصرف إحرامه إلى ما يصرف زيد إحرامه إليه، فلو صرف زيد إحرامه إلى حج كان للمعلق صرف إحرامه إلى عمرة، وكذا عكسه، وقد سبق الكلام على الإحرام المعلق.
١٢٥ - وفي قوله ﷺ لأبي موسى: "أحسنت" استحباب الثناء على من فعل فعلاً جميلاً.
١٢٦ - وفي الرواية الخامسة والأربعين والسادسة والأربعين، وفي مناقشة علي لعثمان ﵄ إشاعة العلم وإظهاره.
١٢٧ - ومناظرة ولاة الأمور وغيرهم في تحقيق العلم، لمن قوي على ذلك.
١٢٨ - ووجوب مناصحة المسلم في ذلك.
١٢٩ - وجواز الاستنباط من النص، لأن عثمان لم يخف عليه أن التمتع والقران جائزان، وإنما نهى عنهما ليعمل بالأفضل، قال الحافظ ابن حجر: لكن خشي علي أن يحمل غيره النهي على التحريم فأشاع جواز ذلك، وكل منهما مجتهد مأجور.
стр. 2729
١٣٠ - وفي إحرام علي ﵁ البيان بالفعل مع القول.
١٣١ - وفيه أن طاعة الإمام إنما تجب في المعروف.
١٣٢ - وفي أحاديث عمران بن حصين ﵁، روايتنا الثانية والخمسين وما بعدها جواز نسخ القرآن بالقرآن، من قوله "فلم تنزل آية تنسخ ذلك" ولا خلاف فيه وكذا نسخ السنة بالقرآن.
١٣٣ - وجواز نسخه بالسنة، وفيه اختلاف شهير، ووجه الدلالة قوله "ولم ينهنا عنهما رسول الله ﷺ فإن مفهومه أنه لو نهي عنها لامتنعت، ويستلزم رفع الحكم، ومقتضاه جواز النسخ.
١٣٤ - قال الحافظ ابن حجر: وقد يؤخذ منه أن الإجماع لا ينسخ به، لكونه حصر وجوه المنع في نزول آية، أو نهي من النبي ﷺ .
١٣٥ - وفيه وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة.
١٣٦ - وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنص.
١٣٧ - وأن المجتهد لا يقلد مجتهداً آخر، لا سيما مع وجود الدليل لديه.
١٣٨ - وتبليغ العلم مع المحافظة على عدم إثارة الفتنة مع الحكام.
١٣٩ - والتعريض بالحاكم دون ذكر اسمه تبليغاً وتقية.
١٤٠ - وفي الرواية الثامنة والخمسين، في قوله "وليقصر وليحلل" دليل على أن التقصير أو الحلق نسك من مناسك الحج. قال النووي: وهذا هو الصحيح في مذهبنا. وبه قال جماهير العلماء، وقيل: إنه استباحة محظور، وليس بنسك. وهذا ضعيف، وسيأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى.
١٤١ - وفي قوله "فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع" قال النووي: ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر، ويجوز صوم يوم عرفة منها، لكن الأولى أن يصوم الثلاثة قبله، وذكر تشعيبات وآراء فقهية يمكن الرجوع إليها.
١٤٢ - وفي الرواية التاسعة والخمسين دليل للمذهب الصحيح المختار من أن النبي ﷺ كان قارناً في حجة الوداع.
١٤٣ - وأن القارن لا يتحلل بالطواف والسعي، ولا بد له في تحلله من الوقوف بعرفات والرمي والحلق والطواف، كما في الحاج المفرد.
١٤٤ - واستحباب التلبيد وتقليد الهدي، وهما سنتان بالاتفاق.
١٤٥ - ومن أحاديث ابن عمر ﵄ روايتنا الثانية والستين وما بعدها جواز القران.
١٤٦ - وجواز إدخال الحج على العمرة قبل الطواف.
стр. 2730
١٤٧ - وجواز التحلل بالإحصار.
١٤٨ - وصحة القياس والعمل به، وأن الصحابة ﵃ كانوا يستعملونه، فلهذا قاس الحج على العمرة، لأن النبي ﷺ إنما تحلل من الإحصار عام الحديبية من إحرامه بالعمرة وحدها.
١٤٩ - وأن القارن يقتصر على طواف واحد وسعي واحد، قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة وطائفة، وسبقت المسألة.
١٥٠ - وفي روايتنا التاسعة والستين استحباب طواف القدوم للحاج، قال النووي: وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات، وبهذا الذي قاله ابن عمر قال العلماء كافة سوى ابن عباس، وكلهم يقولون: إنه سنة ليس بواجب، إلا بعض أصحابنا ومن وافقهم، فيقولون: واجب يجبر تركه بدم، والمشهور أنه ليس بواجب ولا دم في تركه، فإن وقف بعرفات قبل طواف القدوم فات، ولطواف القدوم أسماء: طواف القدوم، والقادم، والورود، والوارد، والتحية، وليس في العمرة طواف قدوم، بل الطواف الذي يفعله فيها ركن لها، حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركناً ولغت النية.
١٥١ - وفي قول ابن عمر "وأينا لم تفتنه الدنيا" تواضع ابن عمر وزهده وإنصافه.
١٥٢ - وفي روايتنا الواحدة والسبعين والثانية والسبعين أن المعتمر لا يتحلل من عمرته حتى يطوف ويسعى ويحلق وهذا الحكم الذي قاله ابن عمر هو مذهب العلماء كافة إلا ما حكي عن ابن عباس وإسحق بن راهويه أنه يتحلل بعد الطواف، وإن لم يسع. وهذا ضعيف مخالف للسنة.
١٥٣ - وفي قوله "أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت" دليل لإثبات الوضوء للطواف، لأن النبي ﷺ فعله، ثم قال "لتأخذوا عني مناسككم" قال النووي: وقد أجمعت الأمة على أنه يشرع الوضوء للطواف، ولكن اختلفوا في أنه واجب وشرط لصحته؟ أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد والجمهور: هو شرط لصحة الطواف وقال أبو حنيفة: مستحب ليس بشرط، واحتج الجمهور بهذا الحديث، ووجه الدلالة أن هذا الحديث مع حديث "خذوا عني مناسككم" يقتضيان أن الطواف واجب، وفي حديث ابن عباس في الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام" والصحيح أنه موقوف على ابن عباس، وتحصل به الدلالة مع أنه موقوف لأنه قول لصحابي انتشر، وإذا انتشر قول الصحابي بلا مخالفة كان حجة على الصحيح. اهـ وعن أحمد رواية وقول عند المالكية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بدم.
١٥٤ - وفيه استحباب الابتداء بالطواف للقادم، لأنه تحية المسجد الحرام.
١٥٥ - وفي قوله "فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة" في روايتنا الثامنة والسبعين استحباب دخول مكة نهاراً، لا ليلاً، وهو أصح وجهين عند الشافعية، والثاني: دخولها ليلاً ونهاراً سواء، لا فضل لأحدهما على الآخر، وروي عن عائشة ﵂ أنه يستحب دخولها ليلاً، وهو أفضل من النهار.
стр. 2731
١٥٦ - وفيه فسخ الحج إلى العمرة.
١٥٧ - وفي روايتنا الثالثة والثمانين قال الحافظ ابن حجر: فيه فرح العالم بموافقته الحق.
١٥٨ - والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي.
١٥٩ - وعرض الرؤيا على العالم.
١٦٠ - والتكبير عند المسرة.
١٦١ - والعمل بالأدلة الظاهرة.
١٦٢ - والتنبيه على اختلاف أهل العلم، ليعمل بالراجح منه الموافق للدليل.
١٦٣ - ومن زيادة البخاري في هذا الحديث "فقال ابن عباس للرجل: أقم عندي: فأجعل لك سهماً من مالي. فقال الرجل: لم؟ فقال: للرؤيا التي رأيت" أخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسره.
١٦٤ - قال العيني: وفيه أن الرؤيا الصادقة شاهدة على أمور اليقظة، كيف لا؟ وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة؟ .
١٦٥ - وعن فتوى ابن عباس في روايتنا الخامسة والثمانين وما بعدها قال النووي: هذا الذي ذكره ابن عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافة سوى ابن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات ويرمي ويحلق ويطوف طواف الزيارة، فحينئذ يحصل له التحللان، ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاثة، التي هي رمي جمرة العقبة والحلق والطواف. قال: وأما احتجاج ابن عباس بالآية فلا دلالة فيها، لأن قوله تعالى: ﴿محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]. معناه لا تنحر إلا في الحرم، وليس فيه تعرض للتحلل من الإحرام، لأنه لو كان المراد به التحلل من الإحرام لكان ينبغي أن يتحلل بمجرد وصول الهدي إلى الحرم قبل أن يطوف.
وأما احتجاجه بأن النبي ﷺ أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا فلا دلالة فيه، لأن النبي ﷺ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة، فلا يكون دليلاً على تحلل من هو ملتبس بإحرام الحج: قال القاضي: قال المازري: وتأول بعض شيوخنا قول ابن عباس في هذه المسألة على من فاته الحج أن يتحلل بالطواف والسعي. قال: وهذا تأويل بعيد، لأنه قال بعده: وكان ابن عباس يقول: لا يطوف حاج ولا غيره إلا حل. والله أعلم. وكلام ابن عباس هذا مبني على مذهبه في أن السعي بين الصفا والمروة مستحب ليس بواجب. وسيأتي إن شاء الله.
١٦٦ - وفي روايتنا الثامنة والثمانين والتاسعة والثمانين قال النووي: في هذا الحديث جواز الاقتصار على التقصير، وإن كان الحلق أفضل، وسواء في ذلك الحاج والمعتمر، إلا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، ليقع الحلق في أكمل العبادتين.
١٦٧ - وفيه أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة، لأنها موضع تحلله، كما
стр. 2732
يستحب للحاج أن يكون حلقه أو تقصيره في منى، لأنها موضع تحلله وحيث حلقا أو قصرا من الحرم كله جاز.
١٦٨ - وفي روايتنا المتممة للتسعين استحباب رفع الصوت بالتلبية. قال النووي: وهو متفق عليه بشرط أن يكون رفعاً مقتصداً، بحيث لا يؤذي نفسه، والمرأة لا ترفع، بل تسمع نفسها، لأن صوتها محل فتنة، ورفع الرجل صوته مندوب عند العلماء كافة، وقال أهل الظاهر: هو واجب، ويرفع الرجل صوته في غير المساجد، وفي مسجد مكة ومنى وعرفات، وأما سائر المساجد ففي رفعه فيها خلاف للعلماء.
١٦٩ - وفيه جواز العمرة في أشهر الحج، وهو مجمع عليه.
١٧٠ - وفيه أن المستحب للمتمتع أن يكون إحرامه بالحج يوم التروية، عند إرادة التوجه إلى منى.
١٧١ - وأنه يستحب الرواح إلى منى يوم التروية من أول النهار أو بعد الزوال. والله أعلم.
١٧٢ - وفي قوله "حاجاً أو معتمراً أو ليثنيهما" وجوه الإحرام السابقة. إفراد الحج، أو إفراد العمرة، أو القرن بينهما في سفره عن طريق التمتع أو القران.
١٧٣ - وفي الرواية الثالثة والثلاثين النهي عن متعة النكاح، وهي الزواج إلى أجل، وستأتي في كتاب النكاح إن شاء الله.
والله أعلم
стр. 2733
(٣٣٠) باب بيان عدد عمر النبي ﷺ وزمانها
٢٦٦٨ - عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر. كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية، أو زمن الحديبية، في ذي القعدة. وعمرة من العام المقبل، في ذي القعدة. وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة. وعمرة مع حجته.
٢٦٦٩ - عن قتادة. قال: سألت أنساً: كم حج رسول الله ﷺ ؟ قال: حجة واحدة. واعتمر أربع عمر. ثم ذكر بمثل حديث هداب.
٢٦٧٠ - عن أبي إسحاق. قال: سألت زيد بن أرقم: كم غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: سبع عشرة. قال: وحدثني زيد بن أرقم؛ أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة. وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة. حجة الوداع. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى.
٢٦٧١ - عن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة. وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن. قال فقلت: يا أبا عبد الرحمن! اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم. فقلت لعائشة: أي أمتاه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب. فقالت يغفر الله لأبي عبد الرحمن. لعمري! ما اعتمر في رجب. وما اعتمر من عمرة إلا وإنه لمعه. قال: وابن عمر يسمع. فما قال: لا، ولا نعم. سكت.
٢٦٧٢ - عن مجاهد. قال: دخلت، أنا وعروة بن الزبير، المسجد. فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة. والناس يصلون الضحى في المسجد. فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة. فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن، كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال:
стр. 2734
أربع عمر. إحداهن في رجب. فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه. وسمعنا استنان عائشة في الحجرة. فقال عروة: ألا تسمعين، يا أم المؤمنين، إلى ما يقول أبو عبد الرحمن؟ فقالت: وما يقول؟ قال يقول: اعتمر النبي ﷺ أربع عمر إحداهن في رجب. فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن. ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه. وما اعتمر في رجب قط.
-[المعنى العام]-
قبل تشريع الحج والعمرة في الإسلام كان العرب يحجون ويعتمرون حسب مناسك مأثورة منذ عهد إبراهيم ﵇، ومنذ أن أذن في الناس بالحج، بعد بنائه البيت الحرام، ورفعه لقواعده.
ولقد أثر أن الرسول ﷺ حج مرة بمكة قبل أن يهاجر، وقيل: مرتين: ولعله كان يعتمر قبل الهجرة دون أن يعلم أو يحصي اعتماره.
وفي السنوات الست الأولى من الهجرة لم يكن بوسعه ﷺ ، ولا بوسع كبار الصحابة المشهورين أمثال أبي بكر وعمر أن يدخلوا مكة، لكن العامة والمغمورين غير المعروفين بإسلامهم وقتالهم الشرك ربما حجوا أو اعتمروا على المناسك المعروفة عند العرب.
وشرع الحج والعمرة في السنة السادسة للهجرة على الصحيح، ورسمت مناسكهما الأساسية، وخرج رسول الله ﷺ في نحو ألف وخمسمائة من أصحابه معتمرين مقلدين الهدي محرمين، حتى وصلوا الحديبية، فصدهم مشركو مكة، وعقد بين الفريقين صلح الحديبية، على أن يعودوا إلى المدينة دون دخول مكة، ثم يرجعوا بعد عام للعمرة دون سلاح، كان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، وحسبت عمرة باعتبار الإحرام ويتحقق الأجر إن شاء الله.
وفي ذي القعدة من العام القابل دخلوا المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون، وكانت العمرة الثانية لرسول الله ﷺ بعد الهجرة سنة سبع. وفي سنة ثمان من الهجرة فتح الله عليه مكة، فلما أمن أطرافها وأمن من حولها من المشركين، أحرم بالعمرة هو وأصحابه من الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة، فكانت العمرة الثالثة وفي السنة التاسعة أمر رسول الله ﷺ أبا بكر ليحج بالمسلمين، وفي السنة العاشرة قام ﷺ بحجة الوداع، وعدت عمرتها العمرة الرابعة له ﷺ ، واشتبه الأمر على الفقيه المحدث الزاهد عبد الله بن عمر فظن أن إحدى هذه العمرات كانت في رجب، فحدث بذلك بعض الصحابة والتابعين، وكان فيمن حدثهم بذلك عروة بن الزبير ومجاهد، وما كان لهما أن يكذباه، أو يرداه لعظم قدره، فانتهزا فرصة وجوده بجوار حجرة أم المؤمنين عائشة ﵂، وسألاه فأجاب، فسألاها، فصححت له ما اشتبه عليه بكل أدب وتقدير.
стр. 2735
-[المباحث العربية]-
(اعتمر أربع عمر) العمرة في اللغة الزيارة، وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وفي الشرع زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة. واعتمر أدى العمرة، وجمعها عمر بفتح الميم وعمرات بسكون الميم وضمها إتباعاً للعين، كحجرة وحجرات.
(كلهن في ذي القعدة) بفتح القاف وكسرها، وهو الشهر الحادي عشر من الشهور القمرية، قيل: سمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار والغزو، وجمعه ذوات القعدة.
(إلا التي مع حجته) استثناء من "كلهن في ذي القعدة" فهي لم تكن في ذي القعدة، بل كان إدخالها على الحج بعد أربع من ذي الحجة، كما هو ظاهر مما سبق، وكان أداؤها مع حجته في ذي الحجة، وبعضهم لا يعدها أصلاً على أنه ﷺ كان في حجة الوداع مفرداً، ويرى أنه اعتمر ثلاث عمر، أو يرى أن معنى اعتمر في حجة الوداع أي أمر بالعمرة.
(عمرة من الحديبية -أو زمن الحديبية في ذي القعدة) "الحديبية" بضم الحاء، وفتح الدال، بعدها ياء، فباء مكسورة، فياء مفتوحة مخففة، وبعض المحدثين يشددون هذه الياء، وهي قرية كبيرة مشهورة على بعد ستة عشر ميلاً من مكة من جهة المدينة، سميت ببئر هناك، وقيل بشجرة حدباء هناك.
والمراد بهذه العمرة قصدها والإحرام بها وأجرها، فقد أحصر رسول الله ﷺ والمسلمون في الحديبية ومنعوا من دخول مكة، وتحللوا، ورجعوا، وكانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة بلا خلاف.
وبعضهم لا يعدها، باعتبار أنها لم تتم. فمن قال: اعتمر عمرتين أسقطها وأسقط التي مع حجته، ومن قال: ثلاث عمر أسقطها، أو أسقط التي مع حجته.
(وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة) وتسمى عمرة القضاء، وعمرة القضية، وعمرة القصاص، قيل: سميت عمرة القضاء لأنه ﷺ قاضى وصالح أهل مكة عام الحديبية على أن يرجعوا من الحديبية ويعودوا للعمرة في العام المقبل وكانت هذه العمرة في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة.
(وعمرة من جعرانة) فيها لغتان. إحداهما كسر الجيم وسكون العين وفتح الراء المخففة، والثانية كسر العين وتشديد الراء، وهي بين الطائف ومكة، وإلى مكة أقرب.
(حيث قسم غنائم حنين) كانت غزوة الفتح في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ولم يكن ﷺ يقصد العمرة في توجهه إلى مكه، بل كان قاصداً الفتح، فدخلها غير محرم في رمضان، وأقام بها تسع عشرة ليلة، لم يعتمر فيها، لأنه كان يستعد لقتال هوازن وثقيف، حيث بلغه
следующие страницы →