Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
١٥٦ - وفيه فسخ الحج إلى العمرة.
١٥٧ - وفي روايتنا الثالثة والثمانين قال الحافظ ابن حجر: فيه فرح العالم بموافقته الحق.
١٥٨ - والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي.
١٥٩ - وعرض الرؤيا على العالم.
١٦٠ - والتكبير عند المسرة.
١٦١ - والعمل بالأدلة الظاهرة.
١٦٢ - والتنبيه على اختلاف أهل العلم، ليعمل بالراجح منه الموافق للدليل.
١٦٣ - ومن زيادة البخاري في هذا الحديث "فقال ابن عباس للرجل: أقم عندي: فأجعل لك سهماً من مالي. فقال الرجل: لم؟ فقال: للرؤيا التي رأيت" أخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسره.
١٦٤ - قال العيني: وفيه أن الرؤيا الصادقة شاهدة على أمور اليقظة، كيف لا؟ وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة؟ .
١٦٥ - وعن فتوى ابن عباس في روايتنا الخامسة والثمانين وما بعدها قال النووي: هذا الذي ذكره ابن عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافة سوى ابن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات ويرمي ويحلق ويطوف طواف الزيارة، فحينئذ يحصل له التحللان، ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاثة، التي هي رمي جمرة العقبة والحلق والطواف. قال: وأما احتجاج ابن عباس بالآية فلا دلالة فيها، لأن قوله تعالى: ﴿محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]. معناه لا تنحر إلا في الحرم، وليس فيه تعرض للتحلل من الإحرام، لأنه لو كان المراد به التحلل من الإحرام لكان ينبغي أن يتحلل بمجرد وصول الهدي إلى الحرم قبل أن يطوف.
وأما احتجاجه بأن النبي ﷺ أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا فلا دلالة فيه، لأن النبي ﷺ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة، فلا يكون دليلاً على تحلل من هو ملتبس بإحرام الحج: قال القاضي: قال المازري: وتأول بعض شيوخنا قول ابن عباس في هذه المسألة على من فاته الحج أن يتحلل بالطواف والسعي. قال: وهذا تأويل بعيد، لأنه قال بعده: وكان ابن عباس يقول: لا يطوف حاج ولا غيره إلا حل. والله أعلم. وكلام ابن عباس هذا مبني على مذهبه في أن السعي بين الصفا والمروة مستحب ليس بواجب. وسيأتي إن شاء الله.
١٦٦ - وفي روايتنا الثامنة والثمانين والتاسعة والثمانين قال النووي: في هذا الحديث جواز الاقتصار على التقصير، وإن كان الحلق أفضل، وسواء في ذلك الحاج والمعتمر، إلا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، ليقع الحلق في أكمل العبادتين.
١٦٧ - وفيه أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة، لأنها موضع تحلله، كما
стр. 2732
يستحب للحاج أن يكون حلقه أو تقصيره في منى، لأنها موضع تحلله وحيث حلقا أو قصرا من الحرم كله جاز.
١٦٨ - وفي روايتنا المتممة للتسعين استحباب رفع الصوت بالتلبية. قال النووي: وهو متفق عليه بشرط أن يكون رفعاً مقتصداً، بحيث لا يؤذي نفسه، والمرأة لا ترفع، بل تسمع نفسها، لأن صوتها محل فتنة، ورفع الرجل صوته مندوب عند العلماء كافة، وقال أهل الظاهر: هو واجب، ويرفع الرجل صوته في غير المساجد، وفي مسجد مكة ومنى وعرفات، وأما سائر المساجد ففي رفعه فيها خلاف للعلماء.
١٦٩ - وفيه جواز العمرة في أشهر الحج، وهو مجمع عليه.
١٧٠ - وفيه أن المستحب للمتمتع أن يكون إحرامه بالحج يوم التروية، عند إرادة التوجه إلى منى.
١٧١ - وأنه يستحب الرواح إلى منى يوم التروية من أول النهار أو بعد الزوال. والله أعلم.
١٧٢ - وفي قوله "حاجاً أو معتمراً أو ليثنيهما" وجوه الإحرام السابقة. إفراد الحج، أو إفراد العمرة، أو القرن بينهما في سفره عن طريق التمتع أو القران.
١٧٣ - وفي الرواية الثالثة والثلاثين النهي عن متعة النكاح، وهي الزواج إلى أجل، وستأتي في كتاب النكاح إن شاء الله.
والله أعلم
стр. 2733
(٣٣٠) باب بيان عدد عمر النبي ﷺ وزمانها
٢٦٦٨ - عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر. كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية، أو زمن الحديبية، في ذي القعدة. وعمرة من العام المقبل، في ذي القعدة. وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة. وعمرة مع حجته.
٢٦٦٩ - عن قتادة. قال: سألت أنساً: كم حج رسول الله ﷺ ؟ قال: حجة واحدة. واعتمر أربع عمر. ثم ذكر بمثل حديث هداب.
٢٦٧٠ - عن أبي إسحاق. قال: سألت زيد بن أرقم: كم غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: سبع عشرة. قال: وحدثني زيد بن أرقم؛ أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة. وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة. حجة الوداع. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى.
٢٦٧١ - عن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة. وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن. قال فقلت: يا أبا عبد الرحمن! اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم. فقلت لعائشة: أي أمتاه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب. فقالت يغفر الله لأبي عبد الرحمن. لعمري! ما اعتمر في رجب. وما اعتمر من عمرة إلا وإنه لمعه. قال: وابن عمر يسمع. فما قال: لا، ولا نعم. سكت.
٢٦٧٢ - عن مجاهد. قال: دخلت، أنا وعروة بن الزبير، المسجد. فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة. والناس يصلون الضحى في المسجد. فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة. فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن، كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال:
стр. 2734
أربع عمر. إحداهن في رجب. فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه. وسمعنا استنان عائشة في الحجرة. فقال عروة: ألا تسمعين، يا أم المؤمنين، إلى ما يقول أبو عبد الرحمن؟ فقالت: وما يقول؟ قال يقول: اعتمر النبي ﷺ أربع عمر إحداهن في رجب. فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن. ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه. وما اعتمر في رجب قط.
-[المعنى العام]-
قبل تشريع الحج والعمرة في الإسلام كان العرب يحجون ويعتمرون حسب مناسك مأثورة منذ عهد إبراهيم ﵇، ومنذ أن أذن في الناس بالحج، بعد بنائه البيت الحرام، ورفعه لقواعده.
ولقد أثر أن الرسول ﷺ حج مرة بمكة قبل أن يهاجر، وقيل: مرتين: ولعله كان يعتمر قبل الهجرة دون أن يعلم أو يحصي اعتماره.
وفي السنوات الست الأولى من الهجرة لم يكن بوسعه ﷺ ، ولا بوسع كبار الصحابة المشهورين أمثال أبي بكر وعمر أن يدخلوا مكة، لكن العامة والمغمورين غير المعروفين بإسلامهم وقتالهم الشرك ربما حجوا أو اعتمروا على المناسك المعروفة عند العرب.
وشرع الحج والعمرة في السنة السادسة للهجرة على الصحيح، ورسمت مناسكهما الأساسية، وخرج رسول الله ﷺ في نحو ألف وخمسمائة من أصحابه معتمرين مقلدين الهدي محرمين، حتى وصلوا الحديبية، فصدهم مشركو مكة، وعقد بين الفريقين صلح الحديبية، على أن يعودوا إلى المدينة دون دخول مكة، ثم يرجعوا بعد عام للعمرة دون سلاح، كان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، وحسبت عمرة باعتبار الإحرام ويتحقق الأجر إن شاء الله.
وفي ذي القعدة من العام القابل دخلوا المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون، وكانت العمرة الثانية لرسول الله ﷺ بعد الهجرة سنة سبع. وفي سنة ثمان من الهجرة فتح الله عليه مكة، فلما أمن أطرافها وأمن من حولها من المشركين، أحرم بالعمرة هو وأصحابه من الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة، فكانت العمرة الثالثة وفي السنة التاسعة أمر رسول الله ﷺ أبا بكر ليحج بالمسلمين، وفي السنة العاشرة قام ﷺ بحجة الوداع، وعدت عمرتها العمرة الرابعة له ﷺ ، واشتبه الأمر على الفقيه المحدث الزاهد عبد الله بن عمر فظن أن إحدى هذه العمرات كانت في رجب، فحدث بذلك بعض الصحابة والتابعين، وكان فيمن حدثهم بذلك عروة بن الزبير ومجاهد، وما كان لهما أن يكذباه، أو يرداه لعظم قدره، فانتهزا فرصة وجوده بجوار حجرة أم المؤمنين عائشة ﵂، وسألاه فأجاب، فسألاها، فصححت له ما اشتبه عليه بكل أدب وتقدير.
стр. 2735
-[المباحث العربية]-
(اعتمر أربع عمر) العمرة في اللغة الزيارة، وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وفي الشرع زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة. واعتمر أدى العمرة، وجمعها عمر بفتح الميم وعمرات بسكون الميم وضمها إتباعاً للعين، كحجرة وحجرات.
(كلهن في ذي القعدة) بفتح القاف وكسرها، وهو الشهر الحادي عشر من الشهور القمرية، قيل: سمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار والغزو، وجمعه ذوات القعدة.
(إلا التي مع حجته) استثناء من "كلهن في ذي القعدة" فهي لم تكن في ذي القعدة، بل كان إدخالها على الحج بعد أربع من ذي الحجة، كما هو ظاهر مما سبق، وكان أداؤها مع حجته في ذي الحجة، وبعضهم لا يعدها أصلاً على أنه ﷺ كان في حجة الوداع مفرداً، ويرى أنه اعتمر ثلاث عمر، أو يرى أن معنى اعتمر في حجة الوداع أي أمر بالعمرة.
(عمرة من الحديبية -أو زمن الحديبية في ذي القعدة) "الحديبية" بضم الحاء، وفتح الدال، بعدها ياء، فباء مكسورة، فياء مفتوحة مخففة، وبعض المحدثين يشددون هذه الياء، وهي قرية كبيرة مشهورة على بعد ستة عشر ميلاً من مكة من جهة المدينة، سميت ببئر هناك، وقيل بشجرة حدباء هناك.
والمراد بهذه العمرة قصدها والإحرام بها وأجرها، فقد أحصر رسول الله ﷺ والمسلمون في الحديبية ومنعوا من دخول مكة، وتحللوا، ورجعوا، وكانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة بلا خلاف.
وبعضهم لا يعدها، باعتبار أنها لم تتم. فمن قال: اعتمر عمرتين أسقطها وأسقط التي مع حجته، ومن قال: ثلاث عمر أسقطها، أو أسقط التي مع حجته.
(وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة) وتسمى عمرة القضاء، وعمرة القضية، وعمرة القصاص، قيل: سميت عمرة القضاء لأنه ﷺ قاضى وصالح أهل مكة عام الحديبية على أن يرجعوا من الحديبية ويعودوا للعمرة في العام المقبل وكانت هذه العمرة في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة.
(وعمرة من جعرانة) فيها لغتان. إحداهما كسر الجيم وسكون العين وفتح الراء المخففة، والثانية كسر العين وتشديد الراء، وهي بين الطائف ومكة، وإلى مكة أقرب.
(حيث قسم غنائم حنين) كانت غزوة الفتح في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ولم يكن ﷺ يقصد العمرة في توجهه إلى مكه، بل كان قاصداً الفتح، فدخلها غير محرم في رمضان، وأقام بها تسع عشرة ليلة، لم يعتمر فيها، لأنه كان يستعد لقتال هوازن وثقيف، حيث بلغه
стр. 2736
أنهم تجمعوا لقتاله في حنين، وهو واد قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات، فلما نصره الله عليهم جمع الغنائم والسبي وحبسها في الجعرانة دون قسمة، ثم توجه لحصار الطائف، ثم عاد إلى الجعرانة، وجاءه وفد هوازن مسلمين، فرد إليهم السبي، وقسم بين أصحابه المقاتلين الغنائم.
ثم أحرم من الجعرانة بالعمرة في ذي القعدة، سنة ثمان من الهجرة.
(أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة) قال الحافظ ابن حجر: مراده الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها بنفسه، سواء قاتل أو لم يقاتل، وفي عدد الغزوات خلاف كبير يأتي في كتاب الغزوات.
(كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة) في الرواية الخامسة يقول مجاهد "دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد -أي المسجد النبوي بالمدينة- فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة" فكأن عروة جلس بجوار عبد الله بن عمر، وجلس مجاهد أمامهم غير مستند.
(وإنا لنسمع ضربها للسواك تستن) الاستنان هنا الاستياك، والمعنى: سمعنا مرور السواك على أسنانها. كذا قيل، وهو بعيد، لأن الاستياك لا يحدث صوتاً يسمع من حجرة إلى حجرة، ولعلها كانت تضرب سواكها بحجر أو آلة تفتت فروعه وتلينه لتستن به.
(اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ ) سأل عروة عبد الله بن عمر هذا السؤال ليستنطقه الجواب، ليسمعه أم المؤمنين عائشة ﵂، لتجيب بما يرد ابن عمر، ولعل عروة كان قد سمع من ابن عمر هذا الكلام قبل أن يسأله، وفي الرواية الخامسة "كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: أربع إحداهن في رجب".
(أي أمتاه) "أي" حرف نداء، "أمتاه" بضم الهمزة وتشديد الميم المفتوحة وتاء قبل الألف. كذا في الأصل. الذي بيدي، فالمنادي "أمة" بتشديد الميم، وتطلق على الوالدة، ولفظ البخاري "يا أماه" فالمنادي "أم" والألف بدل ياء المتكلم، والهاء للسكت.
(فقال: بدعة) أي صلاتهم بدعة.
(وما اعتمر من عمرة إلا وهو معه) أي وما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وابن عمر معه، قالت ذلك مبالغة في نسيانه.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قول ابن عمر: إحداهن في رجب أنكرته عائشة، وسكت ابن عمر حين أنكرته. قال العلماء: هذا يدل على أنه اشتبه عليه، أو نسي، أو شك، ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة ومراجعتها بالكلام، ثم قال النووي: قال العلماء: وإنما اعتمر النبي ﷺ هذه
стр. 2737
العمر في ذي القعدة لفضيلة هذا الشهر، ولمخالفة الجاهلية في ذلك، فإنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور، ففعله ﷺ مرات في هذه الأشهر ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها، وأبلغ في إبطال ما كانت الجاهلية عليه. انتهى.
والظاهر أن الرسول ﷺ كانت عمراته تلك في هذا الشهر بحكم الظروف، دون قصد لفضيلة الشهر، فسيأتي أن عمرة في رمضان تعدل حجة، ودون قصد لإبطال عادة الجاهلية وعقيدتهم، إذ لو كان كذلك لما عظم عليهم في حجة الوداع أن يعتمروا في أشهر الحج، ولما ترددوا حينذاك، حين أمروا بالعمرة، حتى أغضبوه. والله أعلم.
وفي قول عائشة في الرواية الرابعة "لعمري" دليل على جواز قول الإنسان: لعمري، وكرهه مالك، لأنه من تعظيم غير الله، ومضاهاته بالحلف بغيره.
وفي قول ابن عمر عن صلاة الناس الضحى إنها بدعة حمله القاضي وغيره على أن مراده أن إظهارها في المسجد بدعة، أو أن الاجتماع لها هو البدعة، لا أن أصل صلاة الضحى بدعة، وقد سبق شرح هذا في كتاب الصلاة.
وفي هذا الحديث أن الصحابي الجليل المكثر الشديد الملازمة للنبي ﷺ قد يخفى عليه بعض أحواله، وقد يدخله الوهم والنسيان، لكونه غير معصوم.
وفيه رد بعض العلماء على بعض.
وحسن الأدب في الرد.
وحسن التلطف في استكشاف الصواب، إذا ظن السامع خطأ المحدث.
والله أعلم
стр. 2738
(٣٣١) باب فضل العمرة في رمضان
٢٦٧٣ - عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار (سماها ابن عباس فنسيت اسمها) "ما منعك أن تحجي معنا؟ " قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان. فحج أبو ولدها وابنها على ناضح. وترك لنا ناضحاً ننضح عليه. قال "فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة".
٢٦٧٤ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال لامرأة من الأنصار، يقال لها أم سنان "ما منعك أن تكوني حججت معنا؟ " قالت: ناضحان كانا لأبي فلان (زوجها) حج هو وابنه على أحدهما. وكان الآخر يسقي عليه غلامنا. قال: "فعمرة في رمضان تقضي حجة. أو حجة معي".
-[المعنى العام]-
تفضل الله ﷻ بزيادة ثواب العمل الواحد في مكان عنه في مكان آخر وفي زمان عنه في زمان آخر، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في غيره من المساجد غير مسجد المدينة وبيت المقدس، والعمل في الأيام العشر خير من العمل نفسه في غيرها وليلة القدر خير من ألف شهر، ومن تطوع بخصلة في رمضان كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، ومن هذا القبيل كانت عمرة في رمضان يعدل ثوابها حجة، والحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة، ومن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
-[المباحث العربية]-
(قال لامرأة من الأنصار -سماها ابن عباس فنسيت اسمها) في الرواية الثانية "يقال لها أم سنان" ذهب بعضهم إلى أن الذي نسي اسمها هو ابن جريج الراوي عن عطاء، واستبعد أن يكون الذي نسي عطاء، لأنه ذكرها في الرواية الثانية، والذي استبعده ليس ببعيد، فقد ينسى المرء الشيء، ثم يذكره، وقد يذكره، ثم ينساه، فحين حدث عطاء بن جريح كان ناسياً اسم المرأة، وحين حدث حبيباً المعلم كان ذاكراً له.
стр. 2739
(لم يكن لنا إلا ناضحان) في الرواية الثانية "ناضحان كانا لأبي فلان [زوجها] " الناضح البعير الذي يستقى به، أو عليه.
(ننضح عليه) بكسر الضاد، أي نسقي عليه. كذا قال النووي وابن حجر والعيني وفي كتب اللغة بفتح الضاد وكسرها، والفتح أكثر، وفي لسان العرب: والنضح سقي الزرع وغيره بالسانية ونضح زرعه سقاه.
(وكان الآخر يسقي عليه غلامنا) قال النووي: هكذا هو في نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عياض: قال: وفي رواية "يسقي غلامنا" قال: وأرى هذا تغييراً، وصوابه "نسقي عليه نخلاً لنا" فتصحف منه "غلامنا" قال النووي: المختار أن الرواية صحيحة، وتكون الزيادة التي ذكرها القاضي محذوفة مقدرة، وهذا كثير في الكلام. اهـ
-[فقه الحديث]-
قال النووي: عمرة في رمضان تقوم مقام حجة في الثواب، لا أنها تعدلها في كل شيء، فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة [بالإجماع].
وقال ابن خزيمة: إن الشيء يشبه بالشيء، ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني، لا جميعها، لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر، وقال بعضهم: إن معنى الحديث نظير ما جاء من أن ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها.
وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد.
وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه المرأة، فقد روي عنها قولها: "فما أدري إلى خاصة أم للناس عامة". اهـ
والظاهر حمله على العموم.
والله أعلم
стр. 2740
(٣٣٢) باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا
٢٦٧٥ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس. وإذا دخل مكة، دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى.
٢٦٧٦ - وقال في رواية زهير "العليا التي بالبطحاء".
٢٦٧٧ - عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة، دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها.
٢٦٧٨ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة. قال هشام: فكان أبي يدخل منهما كليهما. وكان أبي أكثر ما يدخل من كداء.
-[المعنى العام]-
إذا تعددت الطرق الموصلة إلى مكان، وتماثلت في سهولتها أو صعوبتها، كان لاختيار القائد والقدوة هدف وحكمة في اختيار أحدها للدخول والآخر للخروج إذا تكرر منه ذلك والتزمه، ومن هنا جاءت أهمية العلم بطريق دخوله ﷺ المدينة ومكة، وطريق خروجه منهما، وسواء وصلنا إلى معرفة السر والحكمة أو لم نصل يبقى علينا الأسوة والاقتداء، وفيها أجر من الله إن شاء الله، لا فرق في ذلك بين من يقول: بأنه سنة أو من يقول بأن ذلك مستحب، أو من يقول: إن ذلك هو الأولى، ولوضوح الأحاديث علينا قراءة مباحثه العربية والفقهية.
-[المباحث العربية]-
(كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس) أي كان يخرج من المدينة من طريق الشجرة التي عند مسجد ذي الحليفة، ويدخل المدينة عند رجوعه من مكة من طريق
стр. 2741
المعرس بضم الميم وفتح العين وتشديد الراء المفتوحة، بلفظ اسم المفعول والتعريس النزول عند آخر الليل، وقيل: النزول مطلقاً، وسمي المكان المعرس أي الذي يقع عليه نزول المسافرين للراحة، وهو أسفل من مسجد ذي الحليفة، ويقال له بطحاء، وهو على ستة أميال من المدينة. وقال التيمي: يخرج من مكة من طريق الشجرة، ويدخل مكة من طريق المعرس، لكن على فرض وجود مكانين عند مكة بهذين الاسمين فإن بقية الحديث لا تساعده.
(وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى) وفي ملحق الرواية "التي بالبطحاء" وفي الرواية الثانية "دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها" وفي الرواية الثالثة "دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة" و"التي بالبطحاء" وصف للثنية العليا، وروي أنه ﷺ كان ينزل في رجوعه إلى المدينة بالبطحاء بذي الحليفة ففي مكة بطحاء، ويقال لها الأبطح، وهي بجنب المحصب، وقد سبق توضيحه في لغويات الرواية السابعة والعشرين من باب وجوه الإحرام، وفي المدينة بطحاء بذي الحليفة وبذي قار أيضاً بطحاء، وبطحاء أزهر، نزل به ﷺ في بعض غزواته، والثنية العليا ويقال لها كداء بفتح الكاف والمد هي التي ينزل منها إلى المعلى، مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحجون، وكانت صعبة المرتقى، فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي والثنية بفتح الثاء وكسر النون وتشديد الياء في الأصل كل عقبة في جبل، أو في طريق عال، والثنية السفلى هي التي أسفل مكة، عند باب شبيكة، ويقال لها "كدى" بضم الكاف والقصر، بقرب شعب الشاميين وشعب ابن الزبير. قال القرطبي: اختلف في ضبط هاتين الكلمتين "كداء وكدى" والأكثر منهم على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالضم والقصر، وقيل: بالعكس. اهـ
قال النووي: وأما "كدى" بضم الكاف وتشديد الياء فهو في طريق الخارج إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء.
(فكان أبي يدخل منهما كليهما، وكان أبي أكثر ما يدخل من كداء) زاد البخاري "وكانت أقربهما إلى منزله".
وكأن هذه الزيادة اعتذار لأبيه عروة، لأنه روى الحديث وخالفه، ولعله رأى أن ذلك ليس بلازم حتم وكان ربما فعله وكثيراً ما يفعل غيره، لقصد التيسير.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قيل: إنما فعل النبي ﷺ هذه المخالفة في طريقه داخلاً وخارجاً تفاؤلاً بتغير الحال إلى أكمل منه، كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان، وليتبرك به أهلها.
قال: ومذهبنا أنه يستحب دخول مكة من الثنية العليا، والخروج منها من السفلى لهذا الحديث، ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقه كالمدني والشامي، أو لا تكون كاليمنى، فيستحب لليمنى وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا، وقال بعض أصحابنا: إنما فعلها النبي ﷺ لأنها كانت
стр. 2742
على طريقه، ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمنى قال وهذا ضعيف والصواب الأول وهكذا يستحب له أن يخرج من بلده من طريق، ويرجع من أخرى لهذا الحديث. اهـ
أي للرواية الأولى، وفيها أنه ﷺ خرج من المدينة من طريق الشجرة، ورجع إليها من طريق المعرس.
وقال الحافظ ابن حجر: وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بين الثنية العليا وبين المكان الذي قصده في علوه وعظمته، وعكسه في الخروج إشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم ﵇ لما دخل مكة دخلها منها، وقيل: لأنه ﷺ خرج منها مختفياً في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهراً عالياً، وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلاً للبيت، قال: ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح، فاستمر على ذلك. اهـ وزاد العيني: وقيل: ليغيظ المنافقين بظهور الدين وعز الإسلام.
والله أعلم
стр. 2743
(٣٣٣) باب استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة
٢٦٧٩ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ بات بذي طوى حتى أصبح. ثم دخل مكة. قال: وكان عبد الله يفعل ذلك. وفي رواية ابن سعيد "حتى صلى الصبح". قال يحيى أو قال "حتى أصبح".
٢٦٨٠ - عن نافع أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى. حتى يصبح ويغتسل. ثم يدخل مكة نهاراً. ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله.
٢٦٨١ - عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي طوى. ويبيت به حتى يصلي الصبح. حين يقدم مكة. ومصلى رسول الله ﷺ ذلك على أكمة غليظة. ليس في المسجد الذي بني ثم. ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة.
٢٦٨٢ - عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل، نحو الكعبة. يجعل المسجد، الذي بني ثم، يسار المسجد الذي بطرف الأكمة. ومصلى رسول الله ﷺ أسفل منه على الأكمة السوداء. يدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها. ثم يصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الطويل. الذي بينك وبين الكعبة ﷺ .
-[المعنى العام]-
إن النزول في مكان والمبيت فيه، والتزام ذلك في كل سفر مع إمكان عدم ذلك دليل على أن للنازل هدفاً وحكماً وإن لم نعلمها، خصوصاً إذا كان هذا النازل حكيماً رسولاً، لا ينطق ولا يأتي بأفعاله على الهوى، وإنما يصدر في ذلك عن وحي يوحى، وإلهامه وحي ﷺ ، والاقتداء به ﷺ في ذلك وفي غيره مطلوب شرعي تختلف درجاته بين الندبة والاستحباب والأولوية، وقد كان ﷺ كلما قدم مكة بات في الوادي المعروف بذي طوى إلى أن
стр. 2744
يصبح، فيصلي الصبح، ثم يغتسل لدخول مكة، ثم يدخلها نهاراً، حافظ على هذا الوضع حتى عرف مكان مصلاه الصبح، وحتى وصف مكانه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر وصفاً دقيقاً ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(بات بذي طوى) في الرواية الثانية "لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى" وفي الرواية الثالثة "كان ينزل بذي طوى ويبيت به" و"ذو طوى" بضم الطاء وفتحها وكسرها، وتخفيف الواو، واد معروف بقرب مكة، وقال النووي: هو موضع عند باب مكة، بأسفلها، في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة، ويعرف اليوم بآبار الزاهد، و"طوى" يصرف ولا يصرف.
(حتى أصبح) أي إلى أن دخل في الصباح، وفي ملحق الرواية "حتى صلى الصبح" والمراد أنه يبيت الليل كله، ليدخل مكة نهاراً.
(لا يقدم مكة) بفتح الياء وسكون القاف وفتح الدال.
(حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً) في رواية البخاري "فإذا صلى الغداة اغتسل" وهذا الغسل لدخول مكة.
(وصلى رسول الله ﷺ ذلك على أكمة غليظة، ليس في المسجد الذي بني ثم، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة) "ثم" بفتح الثاء، أي هناك والأكمة بفتح الهمزة والكاف والميم التل، وجمعها آكام، يصف المكان الذي صلى فيه رسول الله ﷺ الصبح بأنه ليس المكان الذي بني فيه المسجد هناك، بل أسفل منه على الأكمة السوداء، بل على طرف الأكمة الغليظة السوداء، ليس بينه وبين نهايتها إلا نحو عشرة أذرع.
(استقبل فرضتي الجبل) بضم الفاء وسكون الراء وفتح الضاد، تثنية فرضة، وهي العقبة المرتفعة من الجبل.
(عشرة أذرع) قال النووي: كذا في بعض النسخ، وفي بعضها "عشر أذرع" بحذف تاء التأنيث، وهما لغتان في الذراع، التذكير والتأنيث.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذه الروايات فوائد. منها:
١ - الاغتسال لدخول مكة وأنه يكون بذي طوى لمن كانت في طريقه، ويكون بقدر بعدها لمن لم تكن في طريقه. قال أصحابنا: وهذا الغسل سنة، فإن عجز عنه تيمم.
стр. 2745
٢ - ومنها المبيت بذي طوى، وهو مستحب لمن هي في طريقه.
٣ - ومنها استحباب دخول مكة نهاراً، وهذا هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم، وأن دخولها نهاراً أفضل من الليل، وقال بعض أصحابنا وجماعة من السلف الليل والنهار في ذلك سواء، ولا فضيلة لأحدهما على الآخر، وقد ثبت أن النبي ﷺ دخلها محرماً بعمرة الجعرانة ليلاً، ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز.
والله أعلم
стр. 2746
(٣٣٤) باب استحباب الرمل في الطواف
٢٦٨٣ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول، خب ثلاثاً ومشي أربعاً. وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. وكان ابن عمر يفعل ذلك.
٢٦٨٤ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج والعمرة، أول ما يقدم، فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت. ثم يمشي أربعة. ثم يصلي سجدتين. ثم يطوف بين الصفا والمروة.
٢٦٨٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكة، إذا استلم الركن الأسود، أول ما يطوف حين يقدم، يخب ثلاثة أطواف من السبع.
٢٦٨٦ - عن ابن عمر ﵄. قال: رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثاً. ومشى أربعاً.
٢٦٨٧ - عن نافع؛ أن ابن عمر رمل من الحجر إلى الحجر. وذكر أن رسول الله ﷺ فعله.
٢٦٨٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه. ثلاثة أطواف.
стр. 2747
٢٦٨٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر.
٢٦٩٠ - عن أبي الطفيل. قال: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف، ومشي أربعة أطواف. أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: فقال: صدقوا. وكذبوا. قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قدم مكة. فقال المشركون: إن محمداً وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزل. وكانوا يحسدونه. قال: فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا ثلاثاً. ويمشوا أربعاً. قال: قلت له: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكباً. أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: صدقوا وكذبوا. قال قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس. يقولون: هذا محمد. هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه. فلما كثر عليه ركب. والمشي والسعي أفضل.
٢٦٩١ - وبهذا الإسناد، ( ... ) نحوه. غير أنه قال: وكان أهل مكة قوم حسد. ولم يقل: "يحسدونه".
٢٦٩٢ - عن أبي الطفيل. قال: قلت لابن عباس: إن قومك يزعمون أن رسول الله ﷺ رمل بالبيت. وبين الصفا والمروة. وهي سنة. قال: صدقوا وكذبوا.
٢٦٩٣ - عن أبي الطفيل. قال: قلت لابن عباس: أراني قد رأيت رسول الله ﷺ . قال: فصفه لي. قال: قلت: رأيته عند المروة على ناقة. وقد كثر الناس عليه. قال: فقال ابن عباس: ذاك رسول الله ﷺ . إنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكهرون.
٢٦٩٤ - عن ابن عباس. قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة. وقد وهنتهم
стр. 2748
حمى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمى. ولقوا منها شدة. فجلسوا مما يلي الحجر. وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط. ويمشوا ما بين الركنين. ليرى المشركون جلدهم. فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم. هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم.
٢٦٩٥ - عن ابن عباس ﵄: قال: إنما سعى رسول الله ﷺ ورمل بالبيت، ليري المشركين قوته.
-[المعنى العام]-
ابتليت المدينة في أوائل الهجرة بكثرة مرض الحمى، وخرج المهاجرون من مكة تاركين أموالهم بها، وقاسموا الأنصار أموالهم، فكانت الحياة صعبة والمعيشة ضيقة، حتى بدت الأجسام هزيلة أو ضعيفة، ولكن قوة الإيمان وقوة العقيدة كانت تجعل حركتهم ونشاطهم أقوى من الأقوياء، وصدق القائل: إن قوة العزيمة أعظم وأشد من قوة العضلات وصدق الرسول الكريم إذ يقول "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" قوة العزيمة تجعل من ضعيف البدن شجاعاً مقداماً، وضعف العزيمة تجعل من قوي البدن جباناً فراراً.
لقد علم مشركوا مكة ضعف أجسام المسلمين بالمدينة، وها هم قد أذن الله لهم بالعمرة والطواف حول الكعبة، وانتظر المشركون أن يروا أناساً هزيلة حركاتهم، خائرة قواهم، يتساقطون إعياء عند طوافهم، وقعدوا لهم في حجر إسماعيل، ليهزءوا بهم ويسخروا منهم، لكن القائد الحكيم رد سهام المشركين إلى نحورهم، وأصدر تعاليمه للمسلمين بأن يرملوا ويسرعوا المشي في الطوفات الثلاث الأولى، ليرى المشركون أن المسلمين أقوياء قوة لا تخطر ببال المشركين، وأعان الله المسلمين على الرمل والطواف والسعي، وقال المشركون بعضهم لبعض: أهؤلاء الذين ظننتم أنهم ضعفاء، إن ضعيفهم أقوى من كثير منا.
وصار الرمل في الطواف في أشواطه الثلاثة الأولى والسعي والمشي السريع فيما بين الميلين في السعي بين الصفا والمروة سنة متبعة، يرى بها أعداء الإسلام قوة الإيمان.
стр. 2749
-[المباحث العربية]-
(خب ثلاثاً) قال النووي: الخبب هو الرمل بفتح الميم والراء، فالرمل والخبب بمعنى واحد، وهو إسراع المشي، مع تقارب الخطا ولا يثب وثباً. اهـ وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة. اهـ يقال: خب بفتح الخاء يخب بضمها مع تشديد الباء، و"ثلاثاً" و"أربعاً" بدون تاء على تقدير معدود مؤنث، قال النحاة: إذا كان المميز غير مذكور جاز في العدد التذكير والتأنيث، وفي الرواية الثانية "ثلاثة" و"أربعة" والمعدود هنا طواف وشوط وجمعها أطواف وأشواط، أو طوفة وجمعها طوفات.
(وكان يسعى ببطن المسيل) قال النووي: وهو قدر معروف، وهو من قبل وصوله إلى الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد، إلى أن يحاذي الميلين الأخضرين المتقابلين اللذين بفناء المسجد ودار العباس. اهـ وقد حدد كل طرف من طرفيها بعمودين باللون الأخضر على جانبي المسعي، والمراد من السعي بين الميلين الإسراع في المشي كالهرولة. اهـ "وبطن المسيل" المكان المنخفض من الوادي الذي بين الصفا والمروة سمي بذلك لأن السيل كان يجتمع فيه.
(ثم يمشي أربعة) من أشواط الطواف بالبيت، أي مشيه العادي دون رمل ولا خبب ولا هرولة.
(ثم يصلي سجدتين) أي ركعتين كاملتين كالصبح، من باب تسمية الكل باسم الجزء، أي إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله "عتق رقبة".
(إذا استلم الركن الأسود) الاستلام هو المسح باليد عليه، مأخوذ من السلام بفتح السين، أي التحية، أو من السلام بكسر السين، أي الحجارة.
(أول ما يطوف) "أول" منصوب على الظرفية، والعامل "استلم".
(خبب ثلاثة أطواف من السبع) هكذا "ثلاثة" بالتاء، و"السبع" بدون تاء، وقد سبق قريباً أن حذف المعدود يجيز تذكير العدد وتأنيثه.
(من الحجر إلى الحجر) في الرواية السادسة "رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه" والمقصود أن الرمل يغطي الطوفة كاملة، فلا يتوافق مع الرواية الثانية عشرة في قول ابن عباس "ويمشوا ما بين الركنين".
(رمل الثلاثة أطواف) قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ المعتمدة، وفي نادر منها "الثلاثة الأطواف" وفي أندر منه "ثلاثة أطواف" فأما "ثلاثة أطواف" فلا شك في جوازه وفصاحته، وأما "الثلاثة الأطواف" بالألف واللام ففيه خلاف مشهور بين النحويين، منعه البصريون، وجوزه الكوفيون، وأما "الثلاثة أطواف" بتعريف الأول وتنكير الثاني -كما وقع في معظم النسخ- فمنعه جمهور النحويين، وهذا الحديث يدل لمن جوزه.
стр. 2750
(صدقوا وكذبوا) يعني صدقوا في أن النبي ﷺ فعله، وكذبوا في قولهم: إنه سنة مقصودة متأكدة لأن النبي ﷺ لم يجعله سنة مطلوبة دائماً على تكرر السنين، وإنما أمر به تلك السنة لإظهار القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى. هذا معنى كلام ابن عباس ﵄.
(لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال) قال النووي: هو في معظم النسخ "الهزل" بضم الهاء وإسكان الزاي، قال القاضي عياض: وهو وهم، والصواب "الهزال" بضم الهاء وزيادة الألف. قال النووي: وللأول وجه وهو أن يكون بفتح الهاء، لأن الهزل بفتح الهاء مصدر هزلته هزلاً، كضربته ضرباً، وتقديره: لا يستطيعون يطوفون، لأن الله هزلهم. والله أعلم.
(حتى خرج العواتق من البيوت) جمع عاتق، وهي البكر البالغة، أو المقاربة للبلوغ، وقيل: التي تتزوج سميت بذلك لأنها عتقت من استخدام أبويها وابتذالها في الخروج والتصرف التي تفعله الطفلة الصغيرة. والمقصود من العبارة المبالغة في خروج الكل، حتى من لا تخرج من النساء عادة خرجت.
(أراني قد رأيت رسول الله ﷺ بضم الهمزة أي أظنني، ولم يجزم بذلك خشية أن يكون قد رأى غيره فظنه هو من الزحام.
(إنهم كانوا لا يدعون عنه، ولا يكرهون) "لا يدعون" بضم الياء وفتح الدال وتشديد العين، أي لا يدفعون، ومنه قوله تعالى ﴿يوم يدعون إلى نار جهنم دعا﴾ [الطور: ١٣]. "ولا يكرهون" بضم الياء وسكون الكاف وفتح الراء، أي لا يكرههم أحد على البعد عنه، قال النووي: وفي بعض الأصول من صحيح مسلم "ولا يكهرون" بتقديم الهاء على الراء من الكهر، وهو الانتهار.
(وهنتهم) بفتح الهاء مخففة، أي أضعفتهم، يقال: وهنته الحمى، وأوهنته لغتان.
(حمى يثرب) هذا هو الاسم الذي كان للمدينة في الجاهلية، وسميت في الإسلام "المدينة" و"طيبة" و"طابة" وسيأتي بسط ذلك في آخر كتاب الحج، حيث ذكر مسلم أحاديث المدينة وتسميتها إن شاء الله تعالى.
(فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا) ضمير "جلسوا" للمشركين، وضمير "أمرهم" للمسلمين. أي فجلس المشركون بجوار حجر إسماعيل ينظرون إلى المسلمين في طوافهم، وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يرملوا ثلاثة أشواط.
(ويمشوا ما بين الركنين) ما بين الركنين اليمانيين المقابلين لحجر إسماعيل، فلا يرملوا، بل يستريحوا من الرمل ويمشوا على عادتهم على مهل، حيث لا يراهم المشركون. وسيأتي تحقيق ذلك في فقه الحديث.
(إلا الإبقاء عليهم) بكسر الهمزة، فباء ساكنة بعدها قاف، ثم مد، أي الرفق بهم.
стр. 2751
-[فقه الحديث]-
قال النووي: والرمل مستحب في الطوفات الثلاث الأولى من السبع، ولا يسن ذلك إلا في طواف العمرة، وفي طواف واحد في الحج، واختلفوا في ذلك الطواف، وهما قولان للشافعي، أصحهما أنه إنما يشرع في طواف يعقبه سعي، ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع، لأن شرط طواف الوداع أن يكون قد طاف للإفاضة، فعلى هذا القول إذا طاف للقدوم، وفي نيته أن يسعى بعده استحب الرمل فيه، وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل فيه، بل يرمل في طواف الإفاضة.
والقول الثاني أن يرمل في طواف القدوم، سواء أراد السعي بعده أم لا.
ثم قال: قال أصحابنا: فلو أخل بالرمل في الثلاث الأولى من السبع لم يأت به في الأربع الأواخر، لأن السنة في الأربع الأخيرة المشي على العادة، فلا يغيره، ولو لم يمكنه الرمل للزحمة أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرمل، ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة للزحمة وأمكنه إذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد ويرمل، لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة، لا في نفسها، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى.
ثم قال: واتفق العلماء على أن الرمل لا يشرع للنساء، كما لا يشرع لهن شدة السعي بين الصفا والمروة، ولو ترك الرجل الرمل حيث شرع له فهو تارك سنة، ولا شيء عليه. هذا مذهبنا، واختلف أصحاب مالك فقال بعضهم: عليه دم، وقال بعضهم: لا دم عليه، كمذهبنا.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - من الرواية الأولى من قوله "وكان يسعى ببطن المسيل" استحباب أن يكون سعيه شديداً في هذا المكان، وهو مجمع عليه.
٢ - ومن قوله في الرواية الثانية "ثم يصلي سجدتين" استحباب ركعتي الطواف، قال النووي: وهما سنة على المشهور من مذهبنا، وفي قول: واجبتان.
٣ - ومن قوله "ثم يطوف بين الصفا والمروة" وجوب الترتيب بين الطواف والسعي وأنه يشترط تقدم الطواف على السعي، فلو قدم السعي لم يصح السعي، وهذا مذهب الشافعية ومذهب الجمهور، وفيه خلاف ضعيف لبعض السلف.
٤ - ومن الرواية الثالثة استحباب استلام الحجر الأسود في ابتداء الطواف، وهو سنة من سنن الطواف بلا خلاف.
٥ - وقد استدل بقوله "الركن" القاضي أبو الطيب من الشافعية على أنه يستحب أن يستلم الحجر الأسود، وأن يستلم معه الركن الذي هو فيه، فيجمع في استلامه بين الحجر والركن جميعاً، واقتصر جمهور الشافعية على أنه يستلم الحجر.
стр. 2752
٦ - ومن قوله في الرواية الرابعة "رمل من الحجر إلى الحجر" أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر، وأما حديث ابن عباس، روايتنا الثانية عشرة، وفيها "أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين" فمنسوخ بالحديث الأول لأن حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة، وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما رملوا إظهاراً للقوة، واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين لأن المشركين كانوا جلوساً في الحجر، وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين، ويرونهم فيما سوى ذلك، فلما حج النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر، فوجب الأخذ بهذا المتأخر. قاله النووي.
٧ - ومن قول ابن عباس من كون الرمل ليس سنة مقصودة بيان مذهبه في ذلك وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم، فقالوا: هو سنة في الطوفات الثلاث من السبع، وعن بعضهم: إذا ترك الرمل لزمه دم، ودليل الجمهور أن النبي ﷺ رمل في حجة الوداع في الطوفات الثلاث الأولى، ومشى في الأربع، ثم قال ﷺ بعد ذلك: "لتأخذوا عني مناسككم".
وقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "ما لنا وللرمل؟ إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه" زاد في رواية "ثم رمل".
٨ - ومن قول ابن عباس في السعي راكباً جواز الركوب في السعي بين الصفا والمروة، لكن المشي أفضل منه إلا لعذر.
٩ - ومن الرواية الحادية عشرة حسن خلقه ﷺ وتواضعه وحسن معاملته لأمته.
١٠ - ومن قوله في الرواية الثانية عشرة "ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" عطفه وشفقته ورأفته ﷺ بأمته، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
١١ - ويؤخذ من دوافع بدء الرمل جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار، إرهاباً لهم، ولا يعد ذلك من الرياء.
١٢ - وفيه جواز المعاريض بالفعل، كما يجوز بالقول، وربما يكون بالفعل أولى.
والله أعلم
стр. 2753
(٣٣٥) باب استحباب استلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود في الطواف وجواز الطواف راكباً
٢٦٩٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: لم أر رسول الله ﷺ يمسح من البيت، إلا الركنين اليمانيين.
٢٦٩٧ - عن سالم، عن أبيه ﵁. قال: لم يكن رسول الله ﷺ يستلم من أركان البيت إلا الركن الأسود والذي يليه، من نحو دور الجمحيين.
٢٦٩٨ - عن عبد الله ﵁ ذكر أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني.
٢٦٩٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: ما تركت استلام هذين الركنين، اليماني والحجر، مذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدة ولا رخاء.
٢٧٠٠ - عن نافع قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده. ثم قبل يده. وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
٢٧٠١ - عن ابن عباس ﵄ قال: لم أر رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين.
٢٧٠٢ - عن سالم أن أباه حدثه. قال: قبل عمر بن الخطاب الحجر. ثم قال: أم والله! لقد علمت أنك حجر. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.
стр. 2754
٢٧٠٣ - عن ابن عمر ﵄ أن عمر قبل الحجر. وقال: إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر. ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك.
٢٧٠٤ - عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصلع (يعني عمر بن الخطاب) يقبل الحجر ويقول: والله! إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر. وأنك لا تضر ولا تنفع. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك. وفي رواية المقدمي وأبي كامل: "رأيت الأصيلع".
٢٧٠٥ - عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأقبلك. وأعلم أنك حجر. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لم أقبلك.
٢٧٠٦ - عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر قبل الحجر والتزمه. وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفياً.
٢٧٠٧ - عن سفيان وبهذا الإسناد. قال: ولكني رأيت أبا القاسم ﷺ بك حفياً. ولم يقل: والتزمه.
٢٧٠٨ - عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير. يستلم الركن بمحجن.
٢٧٠٩ - عن جابر ﵁ قال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت، في حجة الوداع، على راحلته. يستلم الحجر بمحجنه. لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه. فإن الناس غشوه.
стр. 2755
٢٧١٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته، بالبيت، وبالصفا والمروة. ليراه الناس، وليشرف وليسألوه. فإن الناس غشوه. ولم يذكر ابن خشرم: وليسألوه. فقط.
٢٧١١ - عن عائشة ﵂ قالت: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع، حول الكعبة، على بعيره. يستلم الركن. كراهية أن يضرب عنه الناس.
٢٧١٢ - عن أبي الطفيل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن.
٢٧١٣ - عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي. فقال "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة" قالت. فطفت. ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جنب البيت. وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور.
-[المعنى العام]-
إن كثيراً من مناسك الحج تعبدي، لا يخضع للتحكيم العقلي، ولا تدرك علته، وقد شاء الله تعالى أن يكون الشرع الإسلامي في أغلب أحكامه معللاً، يحكم العقل بفائدته والدوافع إليه، كما شاءت حكمته أن يختبر المسلم بطلب الطاعة فيما لا يدرك حكمته وهي ما تسمى بلغة العصر بالطاعة العمياء، ليظهر مدى الاستجابة للأوامر والنواهي باعتبارها صادرة من الله فحسب، بل أكثر من هذا قد يرفض العقل الفعل المطلوب، ولا يقبله ولا يستسيغه، لكنه إذا تحقق أنه مطلوب المشرع لزم التسليم والاستجابة، وهذا هو قمة العبادة، وقمة الخضوع، وقمة طاعة المشرع، وكانت خطيئة إبليس أنه سقط في هذا الامتحان إذ أمر بالسجود لآدم.
ونجح عمر بن الخطاب ﵁ حين قال للحجر يسمع جماهير المسلمين: والله إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. ونجح المسلمون الذين يقتدون برسول الله ﷺ في مسحهم بأيديهم الركن اليماني من الكعبة في الطواف، وتقبيلهم الحجر الأسود ومسحه، أو استلامه ولو بعصا، وهم يؤمنون بأن هذه الجمادات مخلوقة كبقية
стр. 2756
المخلوقات، فهم حين يعظمونها إنما يعظمونها لأن الله أمرهم بتعظيمها، فالتعظيم إذن لله وأمره، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢]. لا يعظمونها لتقربهم إلى الله زلفى كما كان المشركون يعبدون الأصنام، فالأحجار لا تقرب إلى الله زلفى في عقيدة المسلمين، وإنما اتباع الأوامر أيا كانت هي التي تقرب إلى الله زلفى، وقد ضرب لنا المثل في ذلك أبونا إبراهيم ﵊ وابنه إسماعيل ﵇ حيث قال ﴿يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢]. فأسلما لله، وربط ابنه للسكين.
-[المباحث العربية]-
(لم أر رسول الله ﷺ يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين) وفي الرواية الثانية "لم يكن رسول الله ﷺ يستلم من أركان البيت إلا الركن الأسود والذي يليه من نحو دار الجمحيين" وفي الرواية الثالثة "كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني" وفي الرواية السادسة "لم أر رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين" قال النووي: اعلم أن للبيت أربعة أركان، الركن الأسود، والركن اليماني، ويقال لهما اليمانيان، على سبيل التغليب، كما قيل في الأب والأم الأبوان، وفي الشمس والقمر القمران، و"اليمانيان" بتخفيف الياء، هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فيها لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف قال: هذه نسبة إلى اليمن [لأن هذا الركن يتجه ناحية اليمن] فالألف عوض من إحدى ياءي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شددناها [مع الألف] لكان جمعاً بين العوض والمعوض، وذلك ممتنع، ومن شدد قال: الألف في "اليماني" زائدة، وأصله اليمني فتبقى الياء مشددة، وتكون الألف زائدة، كما زيدت النون في صنعاني.
وأما الركنان الآخران فيقال لهما: الشاميان.
والاستلام هو المسح باليد، يقال: استلمت الحجر إذا لمسته، والركن الأسود أي الزاوية التي وضع فيها الحجر الأسود، وهي الزاوية القريبة من باب الكعبة، والحجر ليس أسود اللون، بل أحمر إلى السواد، لكنه بالنسبة لبقية حجارة الكعبة يعتبر أسود، وعرف بهذا الاسم من بناء الكعبة، وهو موضوع على ارتفاع ذراعين وثلثي ذراع من الأرض.
والركن الذي يليه المراد به من جهة الشرق، ولذلك فسره بقوله "من نحو دار الجمحيين" ومن المعلوم أن الطائف يجعل الحجر على يساره ويطوف، فالركن الذي يلي ركن الحجر بالنسبة للطائف هو في الحجر، وليس مراداً، بل المراد الركن الذي يليه الحجر أي الذي يقع الحجر بعده بالنسبة للطائف.
(في شدة ولا رخاء) أي في زحام أو فسحة.
(منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله) أي يفعل الاستلام، وليس تقبيل اليد.
стр. 2757
(لقد علمت أنك حجر) في الرواية الثامنة والتاسعة "إني لأعلم أنك حجر" وفي الرواية التاسعة "وأنك لا تضر ولا تنفع" خاطب الحجر بصوت مرتفع، ليسمعه الناس، فهم المقصودون بالكلام، ومراد عمر ﵁ إزالة ما قد يخطر على بال الجهال بأن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله مع أصنامهم، وهو قريبو عهد بذلك، فأراد ﵁ أن يعلمهم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله ، والوقوف عند أمر نبيه ﷺ وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها، وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر على مخالفة هذا الاعتقاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضرر والنفع، وهو الله ﷻ .
(قبل الحجر والتزمه) أي وثبت عليه، وتعلق به، قال النووي: وفيه إشارة إلى استحباب السجود عليه.
(رأيت رسول الله ﷺ بك حفياً) أي معنياً مهتماً محتفلاً مكرماً.
(يستلم الركن بمحجن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم، عصا معوجة الرأس، يتناول بها الراكب ما سقط له، ويلتقط بها ما يريد التقاطه. أي فكان يمسح الحجر بالطرف المعوج من عصا في يده، وإذا أطلق الركن أريد به الأسود.
(لأن يراه الناس) أي ركب على راحلته ليسهل على الناس رؤيته ﷺ ، فقد كانوا حريصين على ذلك.
(وليشرف) بضم الياء وسكون الشين وكسر الراء، يقال: أشرف أي علا وارتفع وأشرف على الشيء اطلع من فوق، وتعهده وتولاه.
(وليسألوه) وليسهل عليهم سؤاله عما يهمهم من أمور مناسكهم.
(فإن الناس غشوه) بضم الشين مخففة، أي ازدحموا عليه.
(كراهية أن يضرب عنه الناس) قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "يضرب" بالباء، وفي بعضها "يصرف" بالصاد والفاء، وكلاهما صحيح.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: الركن الأسود فيه فضيلتان. إحداهما كونه على قواعد إبراهيم ﵇، والثانية كونه فيه الحجر الأسود، وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم، وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خص الحجر الأسود بشيئين: الاستلام والتقبيل، للفضيلتين، وأما اليماني فيستلمه، ولا يقبله، لأن فيه فضيلة واحدة، وأما الركنان الآخران،
стр. 2758
فلا يقبلان ولا يستلمان. قال: وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهير على أنه لا يسمح الركنين الآخرين، واستحبه بعض السلف، وممن كان يقول باستلامهما الحسن والحسين ابنا علي وابن الزبير، وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك. قال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمة الأمصار والفقهاء على أنهما لا يستلمان.
ثم قال: ويستحب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه، وكذا يستحب السجود على الحجر أيضاً، بأن يضع جبهته عليه، فيستحب أن يستلمه، ثم يقبله، ثم يضع جبهته عليه. قال: هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وانفرد مالك عن العلماء، فقال: السجود عليه بدعة، واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء.
ثم قال: وأما الركن اليماني فيستلمه ولا يقبله، بل يقبل اليد بعد استلامه، هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة لا يستلمه. وقال مالك وأحمد: يستلمه ولا يقبل اليد بعده، وعن مالك رواية أنه يقبله، وعن أحمد رواية أنه يقبله. اهـ
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - يؤخذ من الرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والسادسة أنه لا يمسح ولا يستلم من أركان البيت إلا الركنين اليمانيين، وقد روى البخاري عن أبي الشعثاء أنه قال: "ومن يتقي شيئاً من البيت؟ وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس ﵄ إنه لا يستلم هذان الركنان، فقال: ليس شيء من البيت مهجوراً".
قال التيمي: الركنان اللذان يليان الحجر ليسا بركنين أصليين، لأن وراء ذلك حجر إسماعيل، وهو من البيت، فلو رفع جدار الحجر، وضم إلى الكعبة في البناء، كما كان على بناء إبراهيم ﵊ لم يكونا ركنين.
٢ - ومن الرواية الخامسة من تقبيله يده بعد الاستلام أنه يستحب تقبيل اليد بعد استلام الحجر الأسود إذا عجز عن تقبيل الحجر. قال النووي: وهذا الحديث محمول على من عجز عن تقبيل الحجر، وإلا فالقادر يقبل الحجر، ولا يقتصر على اليد والاستلام بها وهذا الذي ذكرناه من استحباب تقبيل اليد بعد الاستلام للعاجز عن تقبيل الحجر هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال القاسم بن محمد التابعي المشهور: لا يستحب التقبيل، وبه قال مالك في أحد قوليه.
٣ - ومن أحاديث عمر ﵁ وتقبيله الحجر وقوله ما قال: التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيه، قال الخطابي: فيه تسليم الحكمة، وترك طلب العلل وحسن الاتباع فيما لم يكشف لنا عنه من المعنى، وأمور الشريعة على ضربين: ما كشف عن علته، وما لم يكشف، وهذا ليس فيه إلا التسليم.
٤ - وفيه قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما يفعله، ولو لم تعلم الحكمة فيه.
٥ - وفيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته وأما ما رواه
стр. 2759
الحاكم من أن عليا ﵁ قال لعمر ﵁ -إنه يضر وينفع، ثم نسب إليه أنه يشهد لمن يستلمه بالتوحيد فهذا الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته فإنه ليس نافعاً لذاته بل هو كالأرض والزمان يشهدان للإنسان أو عليه، والنفع والضر سببه عمل الإنسان نفسه.
٦ - وفيه بيان السنن بالقول والفعل.
٧ - وأن الإمام إذا خشى على أحد من فعله فساد اعتقاده بادر إلى بيان الأمر والتوضيح.
٨ - وفي قول الراوي "الأصلع أو الأصيلع" أنه لا بأس بذكر الإنسان بلقبه أو وصفه الذي لا يكرهه، وإن كان قد يكره غيره مثله.
٩ - وفي الروايات الثانية عشرة والثالثة عشرة وما بعدها جواز الطواف راكباً، قال النووي في المجموع: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشياً، ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه، أو كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتي ويقتدي بفعله، فإن طاف راكباً بلا عذر جاز بلا كراهة، لكنه خالف الأولى، كذا قال جمهور أصحابنا، وقال إمام الحرمين: في القلب -من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد- شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذلك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه. ثم قال النووي: وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكباً من غير عذر، والمشهور الأول، والمرأة والرجل في الركوب سواء.
ثم قال: ونقل الماوردي إجماع العلماء على أن طواف الماشي أولى من طواف الراكب، فلو طاف راكباً لعذر، أو غيره صح طوافه، ولا دم عليه عندنا في الحالين، وهذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: إن طاف راكباً لعذر أجزأه ولا شيء عليه، وإن طاف راكباً لغير عذر فعليه دم، قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف واحتجا بأنها عبادة تتعلق بالبيت، فلا يجزئ فعلها على الراحلة كالصلاة، وقالوا: إنما طاف ﷺ راكباً لشكوى عرضت له، ورد عليهم بأن الأحاديث الصحيحة الثابتة من رواية جابر وعائشة مصرحة بأن طوافه ﷺ راكباً لم يكن لمرض بل كان ليراه الناس ويسألوه ولا يزاحموا عليه، وقياسهم على الصلاة فاسد لأن الصلاة لا تصح راكباً إذا كانت فريضة، وقد سلموا صحة الطواف، ولكن ادعوا وجوب الدم، ولا دليل لهم في ذلك. اهـ
والحق أن قول الشافعية: إن طاف راكباً بلا عذر جاز بلا كراهة قول يعوزه الدليل وما في رواياتنا عذر، معلل، بل الرواية السابعة عشرة يفيد مفهومها تقييد الجواز بالعذر وإلا لما اشتكت أم سلمة ﵂.
١٠ - واستدل به أصحاب مالك وأحمد على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه، لأنه لا يؤمن ذلك من البعير، فلو كان نجساً لما عرض المسجد له، قال النووي: ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة وآخرين نجاسة ذلك، وهذا الحديث لا دلالة فيه، لأنه ليس من ضرورته أن يبول أو يروث في حال الطواف، وإنما هو محتمل، وعلى تقدير حصوله ينظف المسجد منه، وقد أقر صلى الله عليه وسلم
стр. 2760
إدخال الصبيان والأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم، بل قد وجد ذلك، ولأنه لو كان ذلك محققاً لنزه المسجد منه، سواء كان نجساً أو طاهراً، لأنه مستقذر.
١١ - وفي قوله "يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن" في الرواية السادسة عشرة دليل على استحباب استلام الحجر الأسود، وأنه إذا عجز عن استلامه بيده، بأن كان راكباً أو غيره استلمه بعصا ونحوها، ثم قبل ما استلم به. وهذا مذهب الشافعية.
١٢ - وفي قوله "طوفي وراء الناس وأنت راكبة" في الرواية السابعة عشرة أن سنة النساء في الطواف التباعد عن الرجال.
١٣ - وأن الراكب في الطواف لا يقرب من البيت لئلا يؤذى الناس بدابته.
١٤ - وفي قوله "في حجة الوداع" في الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة جواز قول: حجة الوداع، وقد كره بعض العلماء أن يقال لها: حجة الوداع. قال النووي: وهو غلط، والصواب جواز ذلك.
١٥ - وفي مفهوم الرواية السابعة عشرة أنه لا يستحب للنساء تقبيل الحجر، ولا استلامه إلا عند خلو المطاف في الليل أو غيره، لما فيه من ضررهن وضرر الرجال بهن، قاله النووي.
١٦ - وفيه أن استحباب قرب الطائف من البيت إنما هو في حق الرجل، أما المرأة فيستحب لها أن لا تدنو في حال الطواف عند زحمة الرجال، بل تكون في حاشية المطاف بحيث لا تخالط الرجال، فإن كان المطاف خالياً من الرجال استحب لها القرب من البيت كالرجال. والله أعلم.
١٧ - استدل بعضهم بهذه الأحاديث على مشروعية تقبيل الأماكن الشريفة، وتقبيل المصحف وكتب الحديث على قصد التعظيم والتبرك، وكذلك تقبيل أيدي الصالحين ويرون أن ذلك حسن محمود باعتبار القصد والنية. والتحقيق منع تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله من الأحجار وغيرها، والاقتصار في ذلك على ما ورد الشرع به، ليكون الدافع هو الاستجابة لأمر الشرع فحسب. أما تقبيل النافع من الأحياء لنفعه وفضله فهو مشروع، ومنه تقبيل يد الأبوين، ومن في حكمهما، ويد العلماء والصالحين.
والله أعلم
стр. 2761
(٣٣٦) باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن وأنه لا يكرر
٢٧١٤ - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قال: قلت لها: إني لأظن رجلاً، لو لم يطف بين الصفا والمروة، ما ضره. قالت: لم؟ قلت: لأن الله تعالى يقول ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ إلى آخر الآية. فقالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. ولو كان كما تقول لكان: ﴿فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما﴾ وهل تدري فيما كان ذاك؟ إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر. يقال لهما إساف ونائلة. ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة. ثم يحلقون. فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما. للذي كانوا يصنعون في الجاهلية. قالت: فأنزل الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ إلى آخرها. قالت: فطافوا.
٢٧١٥ - عن هشام بن عروة، عن أبيه. قال: قلت لعائشة: ما أرى علي جناحاً أن لا أتطوف بين الصفا والمروة. قالت: لم؟ قلت: لأن الله يقول: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية. فقالت: لو كان كما تقول، لكان: ﴿فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما﴾ إنما أنزل هذا في أناس من الأنصار. كانوا إذا أهلوا، أهلوا لمناة في الجاهلية. فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما قدموا مع النبي ﷺ للحج، ذكروا ذلك له. فأنزل الله تعالى هذه الآية. فلعمري! ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة.
٢٧١٦ - عن عروة بن الزبير، قال: قلت لعائشة زوج النبي ﷺ : ما أرى على أحد، لم يطف بين الصفا والمروة، شيئاً. وما أبالي أن لا أطوف بينهما. قالت: بئس ما قلت، يا ابن أختي! طاف رسول الله ﷺ . وطاف المسلمون. فكانت سنة. وإنما كان من أهل لمناة الطاغية، التي بالمشلل، لا يطوفون بين الصفا والمروة. فلما كان الإسلام سألنا النبي
стр. 2762
صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فأنزل الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ولو كانت كما تقول، لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فأعجبه ذلك. وقال: إن هذا العلم. ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب، يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر به بين الصفا والمروة. فأنزل الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
٢٧١٧ - عن عروة بن الزبير. قال: سألت عائشة. وساق الحديث بنحوه. وقال في الحديث: فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة. فأنزل الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ قالت عائشة: قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما. فليس لأحد أن يترك الطواف بهما.
٢٧١٨ - عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا، هم وغسان، يهلون لمناة. فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة. وكان ذلك سنة في آبائهم. من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة. وإنهم سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك حين أسلموا. فأنزل الله في ذلك: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾
٢٧١٩ - عن أنس ﵁ قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. حتى نزلت: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾
٢٧٢٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه، بين الصفا والمروة، إلا طوافاً واحداً.
стр. 2763
٢٧٢١ - أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد مثله. وقال: إلا طوافاً واحداً. طوافه الأول.
-[المعنى العام]-
إن أكثر شعائر الحج تمثل وتذكر بمنسك من مناسك الله السابقة وبخاصة في شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فتقديس البيت الحرام بالطواف وزمزم والحجر الأسود وعرفة ورمي الجمرات، أكثره موروث للعرب من ملة أبيهم إبراهيم ﵇ أقره الإسلام أو أضفى عليه مسوح العبادة الصحيحة.
ومن هذه الموروثات السعي بين الصفا والمروة، فهو يذكرنا بأمنا هاجر يوم نفد ما معها من ماء وعطش ابنها وطفلها إسماعيل في صحراء لا ماء فيها، صعدت الصفا، لعلها ترى طيراً يحوم على ماء، أو إنساناً بعيداً تجري وراءه ليغيثها وابنها، وهبطت إلى الوادي لتصعد إلى جبل المروة ترجو الإنقاذ من الهلاك، فعلت ذلك سبع مرات، فإذا برحمة الله وفضله تفجر عين زمزم تحت أقدام الطفل إسماعيل، وكانت أساس العيش في واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وكانت أساس الإقامة ثم التحضر في مكة المكرمة، وبقي السعي بين الصفا والمروة منسكاً عربياً، لكنه أصابته نوبة الشرك، وعبادة الأصنام، فوضع على الصفا صنم يمثل رجلا اسمه إساف، ونصب على المروة صنم يمثل امرأة اسمها نائلة، والعجيب أن في كتب أهل الكتاب أن "إسافاً ونائلة" كان رجلاً وامرأة زنيا في داخل الكعبة، فمسخهما الله تعالى إلى صنمين، حجرين، تمثالين، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر الناس بهما، وبعاقبة هذه الفاحشة الكبرى، العجيب أن تتحول هذه الحقيقة في غياهب الزمان إلى تقديس لهذين الصنمين وعبادة لهما، والذبح والتقرب إليهما ودعائهما ليقربا إلى الله زلفى. وجاء الإسلام، وفي فتح مكة حطمت الأصنام، وحطم إساف ونائلة، وتطهرت عقيدة المسلمين من الأوثان وبقيت شعيرة السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة في الإسلام، وتحرج المسلمون من سعي كانوا يفعلونه في الجاهلية بين صنمين، فقالوا لرسول الله ﷺ : إنا نكره السعي بين الصفا والمروة، ونتحرج منه لما كنا عليه في الجاهلية، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾ [البقرة: ١٥٨].
واجتهد المسلمون في فهم الآية، هل هي ترفع الحرج ليكون السعي مندوباً؟ أو ليكون واجباً؟ أو ليكون ركناً فرضاً، وكانت هذه الأحاديث فكراً إسلامياً عميقاً دقيقاً يشهد لعائشة ﵂ وللمسلمين بالتفقه في الدين.
-[المباحث العربية]-
(إني لأظن رجلاً لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره) أي ما حصل لحجه أو عمرته
стр. 2764
ضرر، وفي الرواية الثانية "ما أرى علي جناحاً ألا أتطوف بين الصفا والمروة" وفي الرواية الثالثة "ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئاً، وما أبالي ألا أطوف بينهما" ففي الأولى يتكلم عن غيره، وفي الثانية يتكلم عن نفسه، وفي الثالثة يتكلم عن غيره وعن نفسه، فربما كانت الثالثة هي الأصل والأولى والثانية تصرفاً من الرواة، وربما تعددت الأحاديث منه، والصفا رأس جبل معروف بجوار البيت بمكة، وهو في الأصل جمع صفاة، وهي صخرة ملساء، ويجمع على أصفاء وصفا، والمروة التي تذكر مع الصفا رأسه الثاني، التي ينتهي السعي إليها، وهي في الأصل حجر أبيض براق، وبين الرأسين واد، منخفضة يسمى بطن المسيل، أي المكان الذي يجتمع فيه السيل.
(قالت: لم؟ ) أي لماذا تظن هذا الظن؟ وفي الرواية الثالثة "بئس ما قلت يا ابن أختي" فهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر، قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها "يا ابن أخي" وكلاهما صحيح "فالزبير زوج أختها في مقام أخيها]، والأول أصح وأشهر، وهو المعروف في غير هذه الرواية.
﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ إلى آخر الآية) موطن الاستدلال في بقية الآية ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾ والظاهر أنه قرأ الآية لخالته كاملة، أو أنه قرأ هذا الجزء فقط مشيراً به إلى الجزء الآخر معتمداً على حفظها وفهمها ﵂.
والشعائر جمع شعيرة، والشعائر أعمال الحج، وكل ما جعل علماً لطاعة الله تعالى، وقال الزجاج: هي جميع متعبدات الله التي أشعرها الله، أي جعلها إعلاماً لنا، وقال الحسن: شعائر الله دين الله.
ووجهة نظر عروة أن قوله تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ يفيد إباحة الطواف بين الصفا والمروة، فيفيد إباحة عدم الطواف بهما، ذلك لأن رفع الجناح معناه رفع الإثم، ورفع الإثم علامة المباح، ويزيد المستحب إثبات الأجر ويزيد الوجوب عقاب التارك، فلو كان مستحباً أو واجباً لما اكتفى برفع الحرج، الذي يستعمل أكثر ما يستعمل في المباح دون الواجب.
ووجهة نظر عائشة ﵂ أن نفي الجناح عن الفعل ليس نصاً في المباح فإن المستحب والواجب منفي عنه الجناح، فنفي الجناح عن الفعل لا يلزمه نفي الجناح عن الترك، ولو أريد رفع الجناح على الترك لقيل: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما. بزيادة "لا".
وإنما جاءت الآية بذلك لتطابق الموقف، فإنهم كانوا يتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة، فقيل لهم: لا تتحرجوا، ولا جناح عليكم في هذا الفعل، بل هو واجب لا حرج فيه، كما تقول: لا تتحرج من قول الحق وشهادة الحق على أبيك، ولم تتعرض الآية للوجوب، فهو يستفاد من دليل آخر، ورفعت الجناح والحرج ليزول وقت أداء الفعل.
(أن الأنصار كانوا يهلون) أي يحجون.
стр. 2765
(في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما إساف ونائلة، ثم يجيئون، فيطوفون بين الصفا والمروة) قال النووي: قال القاضي عياض: هكذا وقع في هذه الرواية. قال: وهو غلط، والصواب ما جاء في الروايات الأخرى في الباب "يهلون لمناة" [جاء ذلك في رواياتنا الثانية والثالثة والخامسة] قال: وهذا هو المعروف، قال: و"مناة" صنم كان نصبه عمرو بن لحي في جهة البحر بالمشلل، مما يلي قديداً، وكانت الأزد وغسان تهل له بالحج، وأما إساف ونائلة فلم يكونا قط في ناحية البحر، وإنما كانا فيما يقال رجلاً وامرأة، فالرجل اسمه إساف بن بقاء، ويقال: ابن عمرو، والمرأة اسمها نائلة بنت ذئب ويقال: بنت سهل، قيل: كانا من جرهم، فزنيا داخل الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فنصبا عند الكعبة، وقيل: على الصفا والمروة، ليعتبر الناس بهما ويتعظوا، ثم حولهما قصي بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق الكعبة، والآخر بزمزم، وقيل: جعلهما بزمزم، ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما، فلما فتح النبي ﷺ مكة كسرهما. هذا آخر كلام القاضي.
وجزم محمد بن إسحق بأن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر، مما يلي قديداً، فكانت الأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، إذا طافوا بالبيت، وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة، فأهلوا لها، فمن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة. قال: وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسان ومن دان دينهم من أهل يثرب. فالتحرج على هذا عن الطواف بين الصفا والمروة لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية، والروايتان الثانية والثالثة صريحة في هذا، ففي الثانية "كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة" وفي الثالثة "وإنما كان من أهل لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة" أما على الرواية الأولى -إذا صححنا خطأها، وحذفنا كلمة "على شط البحر" -فقد كانوا يهلون لإساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، فالتحرج على هذا مخافة أن يفعلوا فعلاً يضاهي فعل الجاهلية، تصرح بذلك الرواية الأولى، وفيها "فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما، للذي كانوا يصنعون في الجاهلية".
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية فريقين، منهم من كان يطوف بينهما [على ما تقتضيه روايتنا الأولى] ومنهم من كان لا يطوف بينهما [على ما تقتضيه روايتنا الثانية والثالثة] واشترك الفريقان في الإسلام على التوقف [أي والتحرج] عن الطواف بينهما.
(وإنما كان من أهل لمناة الطاغية التي بالمشلل) "الطاغية" صفة إسلامية لمناة "والمشلل" بضم الميم وفتح الشين وتشديد اللام الأولى مفتوحة اسم موضع قريب من قديد وقيل: ثنية مشرفة على قديد. وقديد -كما سبق- قرية جامعة بين مكة والمدينة.
(فأعجبه ذلك، وقال: إن هذا العلم) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا. قال القاضي: وروي "إن هذا لعلم" بالتنوين، وكلاهما صحيح، ومعنى الأول: إن هذا هو العلم المتقن، ومعناه استحسان قول عائشة ﵂، وبلاغتها في تفسير الآية.
стр. 2766
-[فقه الحديث]-
قال النووي في المجموع: مذهبنا أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة، لا يتم واحد منهما إلا به، ولا يجبر بدم، ولو بقي منه خطوة لم يتم حجه، ولم يتحلل من إحرامه حتى يأتي بما بقي، وإن طال ذلك سنين، وبه قالت عائشة ومالك في المشهور عنه وأحمد في رواية وداود، وقال أبو حنيفة: هو واجب ليس بركن، فيجبر بدم، وقال ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير وأنس: هو تطوع، ليس بركن، ولا واجب، ولا دم في تركه. اهـ وهو رواية عن أحمد.
أما القول الأول فدليلهم قول عائشة في روايتنا الأولى "ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة" وفي الرواية الثانية "فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة" و"إن الرسول ﷺ سعى بين الصفا والمروة هو وأصحابه، وقال: لتأخذوا عني مناسككم" كما استدلوا بما رواه الشافعي وأحمد في مسنده والدارقطني والبيهقي من رواية حبيبة بنت تجراه، ولفظه "أن النبي ﷺ قال: أيها الناس. اسعوا، فإن السعي قد كتب عليكم".
ويجيب المخالفون بأن نفي عائشة لتمام الحج والعمرة لا يدل على أن السعي ركن فمن ترك الواجب، بل من ترك المستحب فحجه غير تام، بل فيه نقص عن التمام والكمال، وعلى فرض أنها تريد الركنية فهو رأي لها، واجتهاد منها، لا يلتزم به غيرها، وأما سعي الرسول ﷺ وأصحابه وقوله: "لتأخذوا عني مناسككم" فلا يدل على الركنية، فقد فعل من المناسك ما هو ركن وما هو واجب وما هو مستحب.
وأما حديث "أيها الناس. اسعوا، فإن السعي قد كتب عليكم" ففي إسناده ضعف، لا يحتج به، قال ابن عبد البر في الاستيعاب: فيه اضطراب، وقال ابن المنذر: إن ثبت حديث بنت أبي تجراه أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" فهو ركن قال الشافعي: وإلا فهو تطوع، قال: وحديثها رواه عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا فيه.
ودافع البدر العيني عن مذهب الحنفية، فقال: إن قول عائشة ﵂
-[في روايتنا الرابعة] "قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما" يدل على الوجوب، ورفع الجناح في الآية ينفي الفرضية، فهو واجب ليس بركن قال ابن قدامة عن مذهب الحنفية: وهو أقرب إلى الحق. أما القول الثالث، وأنه تطوع فيمثله ابن عباس ﵄، وقد وضح تمسكه بهذا القول في رواياتنا الخامسة والثمانين من باب وجوه الإحرام، والسادسة والثمانين، والسابعة والثمانين. واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ وفي قراءة شاذة لابن مسعود -وهي في قوة حديث ﴿فلا جناح عليه ألا يطوف بهما﴾ ورفع الجناح في الطواف بهما يدل على أنه مباح، لا واجب ثم قوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً﴾ بعد قوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ يدل على أن السعي
стр. 2767
تطوع ومندوب، ومن البعيد قولهم: إنه راجع إلى أصل الحج والعمرة، لا إلى خصوص السعي، وقولهم: إن السعي وحده لا يتطوع به لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع، لأن الكلام في الحاج والمعتمر، والسعي بالنسبة لهما، وليس في السعي بدون حج أو عمرة، فالآية تفيد أن السعي للحاج والمعتمر تطوع خير. ثم قول عائشة "وقد سن رسول الله ﷺ " لا يدل على أنه جعله ركناً، وتفسير "سن" بفرض وشرع خلاف الأصل، في حاجة إلى قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، ولا قرينة. والله أعلم.
وفي كيفية السعي وواجباته يقول النووي: إذا فرغ من ركعتي الطواف فالسنة أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا إلى المسعى، فيأتي سفح جبل الصفا، فيرقى عليه قدر قامة، حتى يرى البيت، وهو يتراءى له من باب الصفا، بخلاف المروة، إذا صعد استقبل الكعبة، وهلل وكبر ودعا، فإذا فرغ من الذكر والدعاء نزل من الصفا متوجهاً إلى المروة، فيمشي على سجية مشيه المعتاد، حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر المعلق بركن المسجد على يساره قدر ست أذرع، ثم يسعى سعياً شديداً حتى يتوسط الميلين الأخضرين اللذين أحدهما في ركن المسجد، والآخر متصل بدار العباس ﵁، ثم يترك شدة السعي، ويمشي على عادته، حتى يأتي المروة فيصعد عليها، حتى يظهر له البيت إن ظهر، فيأتي بالذكر والدعاء. فهذه مرة من سعيه. ثم يعود من المروة إلى الصفا، فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، فإذا وصل إلى الصفا صعده، وفعل من الذكر والدعاء ما فعله أولاً، وهذه مرة ثانية من سعيه، وهكذا حتى يكمل سبع مرات، يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، ويستحب أن يدعو بين الصفا والمروة في مشيه وسعيه، ويستحب قراءة القرآن فيه.
ثم قال: أما الواجبات فأربعة: أحدها أن يقطع المسافة كاملة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه. ثانيها: الترتيب: وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها إلى الصفا. ثالثها: إكمال سبع مرات. رابعها: كون السعي بعد طواف صحيح.
ثم قال: والموالاة بين أشواط السعي سنة، فلو تخلل فصل يسير أو طويل بينهن لم يضر، وإن كان شهراً أو سنة. أما المرأة فالجمهور على أنها لا تسعى في موضع السعي، بل تمشي جميع المسافة نهاراً أو ليلاً.
ثم قال: ويسن للرجال الاضطباع في المسعى جميعه. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - فقه عائشة ﵂ وعلمها، ودقة فهمها، وبلاغتها.
٢ - الاجتهاد والمناقشة بين الصغير والكبير، وإبداء الصغير رأيه أمام الكبير.
٣ - توجيه الكبير للصغير برفق، وشرح المطلوب وإيضاحه وبيانه.
стр. 2768
٤ - ومن قول أبي بكر بن عبد الرحمن "ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم .... إلخ إظهار العلم وعدم كتمانه.
٥ - ومن قوله "إن هذا العلم" استحباب الثناء على المحسن في العلم، واستحسان القول الحسن.
٦ - ومن الرواية السابعة أن الطواف بين الصفا والمروة لا يكرر للقارن بين الحج والعمرة.
٧ - قال النووي: وفيه دليل على أن النبي ﷺ كان في حجة الوداع قارناً.
والله أعلم
стр. 2769
(٣٣٧) باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يوم النحر والتلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات والإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، والتغليس بصلاة الصبح، وتقديم دفع الضعفة
٢٧٢٢ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: ردفت رسول الله ﷺ من عرفات. فلما بلغ رسول الله ﷺ الشعب الأيسر، الذي دون المزدلفة، أناخ فبال. ثم جاء فصببت عليه الوضوء. فتوضأ وضوءاً خفيفاً. ثم قلت: الصلاة. يا رسول الله! فقال "الصلاة أمامك" فركب رسول الله ﷺ حتى أتى المزدلفة. فصلى. ثم ردف الفضل رسول الله ﷺ غداة جمع.
٢٧٢٣ - عن الفضل ﵁؛ أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة.
٢٧٢٤ - عن الفضل ﵁ أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
٢٧٢٥ - عن الفضل بن عباس. وكان رديف رسول الله ﷺ ؛ أنه قال، في عشية عرفة وغداة جمع، للناس حين دفعوا "عليكم بالسكينة" وهو كاف ناقته. حتى دخل محسراً (وهو من منى) قال "عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة". وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة.
٢٧٢٦ - عن أبي الزبير بهذا الإسناد. غير أنه لم يذكر في الحديث: ولم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة. وزاد في حديثه: والنبي ﷺ يشير بيده كما يخذف الإنسان.
٢٧٢٧ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله ﵁ ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يقول في هذا المقام "لبيك اللهم لبيك".
стр. 2770
٢٧٢٨ - عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله لبى حين أفاض من جمع. فقيل: أعرابي هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟ سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول، في هذا المكان: "لبيك. اللهم! لبيك".
٢٧٢٩ - عن عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبد الله بن مسعود، بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ها هنا يقول: "لبيك. اللهم! لبيك" ثم لبى ولبينا معه.
٢٧٣٠ - عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵃. قال: غدونا مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفات. منا الملبي، ومنا المكبر.
٢٧٣١ - عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵃. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غداة عرفة. فمنا المكبر ومنا المهلل. فأما نحن فنكبر. قال: قلت: والله! لعجباً منكم. كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع؟ .
٢٧٣٢ - عن محمد بن أبي بكر الثقفي، أنه سأل أنس بن مالك ﵁، وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل المهل منا، فلا ينكر عليه. ويكبر المكبر منا، فلا ينكر عليه.
٢٧٣٣ - عن محمد بن أبي بكر. قال: قلت لأنس بن مالك، غداة عرفة: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟ قال: سرت هذا المسير مع النبي ﷺ وأصحابه. فمنا المكبر ومنا المهلل. ولا يعيب أحدنا على صاحبه.
следующие страницы →