← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

-[فقه الحديث]- قال النووي في المجموع: مذهبنا أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة، لا يتم واحد منهما إلا به، ولا يجبر بدم، ولو بقي منه خطوة لم يتم حجه، ولم يتحلل من إحرامه حتى يأتي بما بقي، وإن طال ذلك سنين، وبه قالت عائشة ومالك في المشهور عنه وأحمد في رواية وداود، وقال أبو حنيفة: هو واجب ليس بركن، فيجبر بدم، وقال ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير وأنس: هو تطوع، ليس بركن، ولا واجب، ولا دم في تركه. اهـ وهو رواية عن أحمد. أما القول الأول فدليلهم قول عائشة في روايتنا الأولى "ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة" وفي الرواية الثانية "فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة" و"إن الرسول ﷺ سعى بين الصفا والمروة هو وأصحابه، وقال: لتأخذوا عني مناسككم" كما استدلوا بما رواه الشافعي وأحمد في مسنده والدارقطني والبيهقي من رواية حبيبة بنت تجراه، ولفظه "أن النبي ﷺ قال: أيها الناس. اسعوا، فإن السعي قد كتب عليكم". ويجيب المخالفون بأن نفي عائشة لتمام الحج والعمرة لا يدل على أن السعي ركن فمن ترك الواجب، بل من ترك المستحب فحجه غير تام، بل فيه نقص عن التمام والكمال، وعلى فرض أنها تريد الركنية فهو رأي لها، واجتهاد منها، لا يلتزم به غيرها، وأما سعي الرسول ﷺ وأصحابه وقوله: "لتأخذوا عني مناسككم" فلا يدل على الركنية، فقد فعل من المناسك ما هو ركن وما هو واجب وما هو مستحب. وأما حديث "أيها الناس. اسعوا، فإن السعي قد كتب عليكم" ففي إسناده ضعف، لا يحتج به، قال ابن عبد البر في الاستيعاب: فيه اضطراب، وقال ابن المنذر: إن ثبت حديث بنت أبي تجراه أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" فهو ركن قال الشافعي: وإلا فهو تطوع، قال: وحديثها رواه عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا فيه. ودافع البدر العيني عن مذهب الحنفية، فقال: إن قول عائشة ﵂ -[في روايتنا الرابعة] "قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما" يدل على الوجوب، ورفع الجناح في الآية ينفي الفرضية، فهو واجب ليس بركن قال ابن قدامة عن مذهب الحنفية: وهو أقرب إلى الحق. أما القول الثالث، وأنه تطوع فيمثله ابن عباس ﵄، وقد وضح تمسكه بهذا القول في رواياتنا الخامسة والثمانين من باب وجوه الإحرام، والسادسة والثمانين، والسابعة والثمانين. واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ وفي قراءة شاذة لابن مسعود -وهي في قوة حديث ﴿فلا جناح عليه ألا يطوف بهما﴾ ورفع الجناح في الطواف بهما يدل على أنه مباح، لا واجب ثم قوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً﴾ بعد قوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ يدل على أن السعي

стр. 2767

تطوع ومندوب، ومن البعيد قولهم: إنه راجع إلى أصل الحج والعمرة، لا إلى خصوص السعي، وقولهم: إن السعي وحده لا يتطوع به لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع، لأن الكلام في الحاج والمعتمر، والسعي بالنسبة لهما، وليس في السعي بدون حج أو عمرة، فالآية تفيد أن السعي للحاج والمعتمر تطوع خير. ثم قول عائشة "وقد سن رسول الله ﷺ " لا يدل على أنه جعله ركناً، وتفسير "سن" بفرض وشرع خلاف الأصل، في حاجة إلى قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، ولا قرينة. والله أعلم. وفي كيفية السعي وواجباته يقول النووي: إذا فرغ من ركعتي الطواف فالسنة أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا إلى المسعى، فيأتي سفح جبل الصفا، فيرقى عليه قدر قامة، حتى يرى البيت، وهو يتراءى له من باب الصفا، بخلاف المروة، إذا صعد استقبل الكعبة، وهلل وكبر ودعا، فإذا فرغ من الذكر والدعاء نزل من الصفا متوجهاً إلى المروة، فيمشي على سجية مشيه المعتاد، حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر المعلق بركن المسجد على يساره قدر ست أذرع، ثم يسعى سعياً شديداً حتى يتوسط الميلين الأخضرين اللذين أحدهما في ركن المسجد، والآخر متصل بدار العباس ﵁، ثم يترك شدة السعي، ويمشي على عادته، حتى يأتي المروة فيصعد عليها، حتى يظهر له البيت إن ظهر، فيأتي بالذكر والدعاء. فهذه مرة من سعيه. ثم يعود من المروة إلى الصفا، فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، فإذا وصل إلى الصفا صعده، وفعل من الذكر والدعاء ما فعله أولاً، وهذه مرة ثانية من سعيه، وهكذا حتى يكمل سبع مرات، يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، ويستحب أن يدعو بين الصفا والمروة في مشيه وسعيه، ويستحب قراءة القرآن فيه. ثم قال: أما الواجبات فأربعة: أحدها أن يقطع المسافة كاملة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه. ثانيها: الترتيب: وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها إلى الصفا. ثالثها: إكمال سبع مرات. رابعها: كون السعي بعد طواف صحيح. ثم قال: والموالاة بين أشواط السعي سنة، فلو تخلل فصل يسير أو طويل بينهن لم يضر، وإن كان شهراً أو سنة. أما المرأة فالجمهور على أنها لا تسعى في موضع السعي، بل تمشي جميع المسافة نهاراً أو ليلاً. ثم قال: ويسن للرجال الاضطباع في المسعى جميعه. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - فقه عائشة ﵂ وعلمها، ودقة فهمها، وبلاغتها. ٢ - الاجتهاد والمناقشة بين الصغير والكبير، وإبداء الصغير رأيه أمام الكبير. ٣ - توجيه الكبير للصغير برفق، وشرح المطلوب وإيضاحه وبيانه.

стр. 2768

٤ - ومن قول أبي بكر بن عبد الرحمن "ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم .... إلخ إظهار العلم وعدم كتمانه. ٥ - ومن قوله "إن هذا العلم" استحباب الثناء على المحسن في العلم، واستحسان القول الحسن. ٦ - ومن الرواية السابعة أن الطواف بين الصفا والمروة لا يكرر للقارن بين الحج والعمرة. ٧ - قال النووي: وفيه دليل على أن النبي ﷺ كان في حجة الوداع قارناً. والله أعلم

стр. 2769

(٣٣٧) باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يوم النحر والتلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات والإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، والتغليس بصلاة الصبح، وتقديم دفع الضعفة ٢٧٢٢ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: ردفت رسول الله ﷺ من عرفات. فلما بلغ رسول الله ﷺ الشعب الأيسر، الذي دون المزدلفة، أناخ فبال. ثم جاء فصببت عليه الوضوء. فتوضأ وضوءاً خفيفاً. ثم قلت: الصلاة. يا رسول الله! فقال "الصلاة أمامك" فركب رسول الله ﷺ حتى أتى المزدلفة. فصلى. ثم ردف الفضل رسول الله ﷺ غداة جمع. ٢٧٢٣ - عن الفضل ﵁؛ أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. ٢٧٢٤ - عن الفضل ﵁ أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ٢٧٢٥ - عن الفضل بن عباس. وكان رديف رسول الله ﷺ ؛ أنه قال، في عشية عرفة وغداة جمع، للناس حين دفعوا "عليكم بالسكينة" وهو كاف ناقته. حتى دخل محسراً (وهو من منى) قال "عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة". وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة. ٢٧٢٦ - عن أبي الزبير بهذا الإسناد. غير أنه لم يذكر في الحديث: ولم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة. وزاد في حديثه: والنبي ﷺ يشير بيده كما يخذف الإنسان. ٢٧٢٧ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله ﵁ ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يقول في هذا المقام "لبيك اللهم لبيك".

стр. 2770

٢٧٢٨ - عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله لبى حين أفاض من جمع. فقيل: أعرابي هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟ سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول، في هذا المكان: "لبيك. اللهم! لبيك". ٢٧٢٩ - عن عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبد الله بن مسعود، بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ها هنا يقول: "لبيك. اللهم! لبيك" ثم لبى ولبينا معه. ٢٧٣٠ - عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵃. قال: غدونا مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفات. منا الملبي، ومنا المكبر. ٢٧٣١ - عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵃. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غداة عرفة. فمنا المكبر ومنا المهلل. فأما نحن فنكبر. قال: قلت: والله! لعجباً منكم. كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع؟ . ٢٧٣٢ - عن محمد بن أبي بكر الثقفي، أنه سأل أنس بن مالك ﵁، وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل المهل منا، فلا ينكر عليه. ويكبر المكبر منا، فلا ينكر عليه. ٢٧٣٣ - عن محمد بن أبي بكر. قال: قلت لأنس بن مالك، غداة عرفة: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟ قال: سرت هذا المسير مع النبي ﷺ وأصحابه. فمنا المكبر ومنا المهلل. ولا يعيب أحدنا على صاحبه.

стр. 2771

٢٧٣٤ - عن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: دفع رسول الله ﷺ من عرفة. حتى إذا كان بالشعب نزل فبال. ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء. فقلت له: الصلاة. قال "الصلاة أمامك" فركب. فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ. فأسبغ الوضوء. ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب. ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله. ثم أقيمت العشاء فصلاها. ولم يصل بينهما شيئاً. ٢٧٣٥ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: انصرف رسول الله ﷺ بعد الدفعة من عرفات إلى بعض تلك الشعاب، لحاجته. فصببت عليه من الماء. فقلت: أتصلي؟ فقال "المصلي أمامك". ٢٧٣٦ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: أفاض رسول الله ﷺ من عرفات. فلما انتهى إلى الشعب نزل فبال. (ولم يقل أسامة: أراق الماء) قال: فدعا بماء فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغ. قال فقلت: يا رسول الله! الصلاة. قال: "الصلاة أمامك" قال: ثم سار حتى بلغ جمعاً. فصلى المغرب والعشاء. ٢٧٣٧ - عن كريب: أنه سأل أسامة بن زيد: كيف صنعتم حين ردفت رسول الله ﷺ عشية عرفة؟ فقال: جئنا الشعب الذي ينيخ الناس فيه للمغرب. فأناخ رسول الله ﷺ ناقته وبال (وما قال: أهراق الماء) ثم دعا بالوضوء فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغ. فقلت: يا رسول الله! الصلاة. فقال "الصلاة أمامك" فركب حتى جئنا المزدلفة. فأقام المغرب. ثم أناخ الناس في منازلهم. ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة. فصلى. ثم حلوا. قلت: فكيف فعلتم حتى أصبحتم قال: ردفه الفضل بن عباس وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي. ٢٧٣٨ - عن أسامة بن زيد ﵄: أن رسول الله ﷺ لما أتى النقب الذي ينزله الأمراء نزل فبال. (ولم يقل: أهراق) ثم دعا بوضوء فتوضأ وضوءاً خفيفاً. فقلت: يا رسول الله! الصلاة. فقال "الصلاة أمامك".

стр. 2772

٢٧٣٩ - عن أسامة بن زيد ﵄: أنه كان رديف رسول الله ﷺ حين أفاض من عرفة. فلما جاء الشعب أناخ راحلته. ثم ذهب إلى الغائط. فلما رجع صببت عليه من الإداوة فتوضأ. ثم ركب. ثم أتى المزدلفة. فجمع بها بين المغرب والعشاء. ٢٧٤٠ - عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفة. وأسامة ردفه. قال أسامة: فمازال يسير على هيئته حتى أتى جمعاً. ٢٧٤١ - عن هشام عن أبيه، قال: سئل أسامة، وأنا شاهد، أو قال: سألت أسامة بن زيد، وكان رسول الله ﷺ أردفه من عرفات. قلت: كيف كان يسير رسول الله ﷺ حين أفاض من عرفة؟ قال: كان يسير العنق. فإذا وجد فجوة نص. ٢٧٤٢ - عن هشام بن عروة بهذا الإسناد وزاد في حديث حميد: وزاد قال هشام: والنص فوق العنق. ٢٧٤٣ - عن أبي أيوب ﵁: أنه صلى مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، المغرب والعشاء، بالمزدلفة. ٢٧٤٤ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة، جميعاً. ٢٧٤٥ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر؛ أن أباه قال: جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع. ليس بينهما سجدة. وصلى المغرب ثلاث ركعات. وصلى العشاء ركعتين. فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك. حتى لحق بالله تعالى.

стр. 2773

٢٧٤٦ - عن سعيد بن جبير ﵁ أنه صلى المغرب بجمع، والعشاء بإقامة. ثم حدث عن ابن عمر: أنه صلى مثل. ذلك وحدث ابن عمر: أن النبي ﷺ صنع مثل ذلك. ٢٧٤٧ - عن شعبة بهذا الإسناد. قال: صلاهما بإقامة واحدة. ٢٧٤٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع. صلى المغرب ثلاثاً. والعشاء ركعتين. بإقامة واحدة. ٢٧٤٩ - عن سعيد بن جبير ﵁ قال: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعاً. فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة. ثم انصرف. فقال: هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ في هذا المكان. ٢٧٥٠ - عن عبد الله ﵁ قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها. إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع. وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. ٢٧٥١ - عن الأعمش بهذا الإسناد. وقال: قبل وقتها بغلس. ٢٧٥٢ - عن عائشة ﵂: أنها قالت: استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة. تدفع قبله. وقبل حطمة الناس. وكانت امرأة ثبطة. (يقول القاسم: والثبطة الثقيلة) قال: فأذن لها. فخرجت قبل دفعه. وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه. ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ ، كما استأذنته سودة، فأكون أدفع بإذنه، أحب إلي من مفروح به. ٢٧٥٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة. فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع بليل. فأذن لها. فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله ﷺ ، كما استأذنته سودة. وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام.

стр. 2774

٢٧٥٤ - عن عائشة ﵂ قالت: وددت أني كنت استأذنت رسول الله ﷺ ، كما استأذنته سودة. فأصلي الصبح بمنى. فأرمي الجمرة. قبل أن يأتي الناس. فقيل لعائشة: فكانت سودة استأذنته؟ قالت: نعم. إنها كانت امرأة ثقيلة ثبطة. فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لها. ٢٧٥٥ - ونحوه. ٢٧٥٦ - عن عبد الله مولى أسماء ﵂؛ قال: قالت لي أسماء، وهي عند دار المزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة. ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: ارحل بي. فارتحلنا حتى رمت الجمرة. ثم صلت في منزلها. فقلت لها: أي هنتاه! لقد غلسنا. قالت: كلا. أي بني! إن النبي ﷺ أذن للظعن. ٢٧٥٧ - عن ابن جريج بهذا الإسناد وفي روايته: قالت: لا. أي بني! إن نبي الله ﷺ أذن لظعنه. ٢٧٥٨ - عن ابن شوال: أنه دخل على أم حبيبة فأخبرته أن النبي ﷺ بعث بها من جمع بليل. ٢٧٥٩ - عن أم حبيبة ﵂ قالت: كنا نفعله على عهد النبي ﷺ . نغلس من جمع إلى منى. وفي رواية "نغلس من مزدلفة". ٢٧٦٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: بعثني رسول الله ﷺ في الثقل (أو قال في الضعفة) من جمع بليل.

стр. 2775

٢٧٦١ - عن ابن عباس ﵄ قال: أنا ممن قدم رسول الله ﷺ في ضعفة أهله. ٢٧٦٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: كنت فيمن قدم رسول الله ﷺ في ضعفة أهله. ٢٧٦٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: بعث بي رسول الله ﷺ بسحر من جمع في ثقل نبي الله ﷺ . قال ابن جريج لعطاء الراوي عن ابن عباس: أبلغك أن ابن عباس قال: بعث بي بليل طويل؟ قال: لا. إلا كذلك، بسحر. قلت له: فقال ابن عباس: رمينا الجمرة قبل الفجر. وأين صلى الفجر؟ قال: لا. إلا كذلك. ٢٧٦٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقدم ضعفة أهله. فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل. فيذكرون الله ما بدا لهم. ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام. وقبل أن يدفع. فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر. ومنهم من يقدم بعد ذلك. فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- كان الدستور الأساسي في الحج وشعائره قول الرسول ﷺ "خذوا عني مناسككم" فكانت أقواله وأعماله في حجة الوداع هي مواد وقواعد هذا الدستور، وحرص الصحابة على استيعابه سمعاً وبصراً، وحرص التابعون على تحصيله والوقوف عليه من الصحابة وكانت أحاديث الباب عن أحداث ما بعد الوقوف بعرفة إلى رمي جمرة العقبة، أو إلى صبح يوم النحر. أسامة بن زيد، الحبيب بن الحبيب كان يركب خلف رسول الله ﷺ على ناقة واحدة من حين تحرك ﷺ نازلاً من عرفات حتى وصل المزدلفة، ومن المزدلفة أردف رسول الله ﷺ الفضل بن العباس بدلاً من أسامة، وأخذ أسامة يجري على رجليه يسابق المشاة والراكبين حتى وصل إلى منى، فأمسك بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، وهو يرمي جمرة العقبة. فيحدثنا أسامة والفضل ﵄ عن هذه الرحلة الكريمة، فيقول أسامة: تحرك ودفع رسول الله ﷺ من عرفة، فكان يسير سيراً عادياً هادئاً، لا بطيئاً ولا سريعاً، لعدم مزاحمة الناس، وكان يدعو الناس بالترفق في السير

стр. 2776

والهوينى، بصوته مرة فيقول: عليكم بالسكينة، وبيده وبالإشارة أخرى. الرفق. الرفق، وبكفه ناقته عن الجري عملياً مرة ثالثة، فإذا وجد خلو طريق أسرع، فأسرع الناس خلفه، وهكذا حتى وصل إلى طريق بين جبلين بين عرفات ومزدلفة، فانتحى من القوم ناحية، ونزل، وقضى حاجته فبال، واستجمر، ثم جاء إلى أسامة فطلب ماء الوضوء، فصب عليه أسامة، فتوضأ وضوءاً خفيفاً سريعاً، ثم أنشأ يركب، قال له أسامة: لم نصل المغرب، وقد تحركنا من عرفة بعد الغروب؟ وقد علمتنا الصلاة في أول وقتها؟ فقال ﷺ : أذكرها لا أنساها، لكني سأصليها فيما بعد، كما شرع الله، وركب، وسار على هيئته السابقة حتى وصل المزدلفة مسافة تقرب من ثلاثة أميال، فأشار على الناس بالتوقف، لا بالنزول، فأناخ كل إنسان بعيره في مكانه، ولم يحل أمتعته، ولم ينزلها، لأنه لا يعلم ما سيكون بعد، نزول ومبيت؟ أم رحيل؟ وأذن وأقيم، وصلوا المغرب ثلاث ركعات، ثم أقيم للعشاء، فصلوا العشاء ركعتين قصراً، ولم يتنفلوا بين الصلاتين، ولا بعد العشاء، ثم أعلن فيهم أنهم يبيتون بالمزدلفة فأعدوا منازلهم، وحلوا فرشهم وزادهم وأمتعتهم، وناموا ليلتهم، واستيقظوا عند الفجر على الأذان، وقد كان من عادته ﷺ أن يصلي الفجر بأصحابه بعد فترة من الأذان، يكاد الضوء فيها يسفر، لكنهم فوجئوا بالإقامة تقام سريعاً، وبغلس وظلمة، حتى تخيل بعضهم أن الصبح المعتاد لم يدخل بعد، وصلوا، وطلب منهم أن يلتقطوا حصى الرمي من المزدلفة، حتى لا يشتغلوا عند وصولهم إلى منى بشيء قبل الرمي، ووصف لهم حجم الحصى أن يكون في حجم حبة الفول، وأمر رسول الله ﷺ من يلتقط له حصاه، ثم تحركوا من المزدلفة نحو منى، حتى وصلوا إلى وادي محسر وهو بين المزدلفة ومنى، فأسرعوا فيه السير. هذا ما كان من القوم بصفة عامة، أما بعض النساء والصبيان فقد أذن لهم بالرحيل من المزدلفة إلى منى في الليل، ليصلوا فيرموا قبل الزحام، استأذنت في ذلك أم المؤمنين سودة وبعض أمهات المؤمنين، لكن عائشة ﵂ لم تستأذن، فلما شاهدت الزحام قالت: يا ليتني كنت فيمن استأذن، لكنها مع ندمها لم تكن تستأذن الإمام في حجاتها اللاحقة بل كانت تفضل النزول مع الإمام، أما اللائي رخص لهن فقد وصلن منى، منهن من وصلت قبل الفجر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ومنهن من وصلت فرمت بعد ذلك. وسئل أسامة والفضل عن أذكار رسول الله ﷺ أثناء هذه الرحلة؟ فقالا: لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة كما سئل عبد الله بن عمر وأنس بن مالك عن تلبية الصحابة في غدوهم ورواحهم من منى إلى عرفات صبيحة يوم عرفة؟ فقالا: كان منا المهلل الملبي، ومنا المكبر، لا يعيب ولا ينكر أحدنا على صاحبه. رضي الله عن الصحابة أجمعين. -[المباحث العربية]- (ردفت رسول الله ﷺ من عرفات) في رواية البخاري "أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة ﷺ ثم أردف الفضل" مما يوضح روايتنا في أن أسامة ركب ردف النبي ﷺ بعد أن أناخ وتوضأ، أما من المزدلفة إلى منى فكان الفضل ردف النبي ﷺ ، وسار أسامة على قدميه هذه

стр. 2777

المسافة، ففي رواية عن أسامة "حتى جئنا المزدلفة، فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة، فصلى ثم حلوا، قال كريب: وكيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل بن العباس، وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي "ولا يلزم من هذا أن يكون أسامة لم يحضر رمي رسول الله ﷺ جمرة العقبة، فقد يكون سبق إلى الجمرة، وانتظر رسول الله ﷺ هناك، يؤيد هذا ما جاء عن أم الحصين قالت: "فرأيت أسامة بن زيد وبلالاً في حجة الوداع، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة فرواية البخاري عن ابن عباس "أن أسامة بن زيد والفضل كلاهما قالا: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" هذه الرواية لا يحكم عليها بأنها مرسلة، بل هي متصلة. (فلما بلغ الشعب الأيسر) الشعب بكسر الشين وسكون العين هي الطريق في الجبل، واللام فيه هنا للعهد وهو بين عرفة والمزدلفة. (فصببت عليه الوضوء) بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به، وقد يطلق في لغة ضم الواو على الماء الذي يتوضأ به أيضاً، وهي لغة ليست بشيء. (فتوضأ وضوءاً خفيفاً) أي خففه بأن توضأ مرة مرة بدل ثلاث، أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته ﷺ ، وهذا معنى قوله في الرواية التاسعة "ولم يسبغ الوضوء" وقوله في الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة "فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغ" وقال ابن عبد البر: معناه استنجى، وأطلق عليه اسم الوضوء لأنه من الوضاءة وهي النظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال، أي لم يكمل وضوءه فيتوضأ للصلاة، قال: وقيل: إن معنى قوله "لم يسبغ الوضوء" أي لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها، فيكون وضوءاً لغوياً أيضاً، ويبعد هذين التأويلين أنه لا يقال للناقص خفيف، ثم إن قول أسامة "الصلاة" يدل على أنه رآه يتوضأ وضوء الصلاة، واحتمال أن مراد أسامة أتريد الصلاة؟ فلم تتوضأ وضوء الصلاة؟ احتمال بعيد، ثم إن قول أسامة "صببت عليه الوضوء فتوضأ "يبعد أن المراد بالوضوء الاستنجاء. (الصلاة يا رسول الله) منصوب على الإغراء. أي توضأت فالزم الصلاة، ويجوز الرفع، والتقدير: حانت الصلاة، وفي الرواية العاشرة "أتصلي"؟ . (الصلاة أمامك) مبتدأ وخبر، و"أمامك" مكاناً أو زماناً، أي في المكان أو الزمان الآتي بعد وفي الرواية العاشرة "المصلى أمامك". (فركب حتى أتى المزدلفة، فصلى) في الكلام طي محذوف، والأصل كما جاء في الرواية التاسعة "فلما جاء المزدلفة نزل، فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة". (ثم ردف الفضل رسول الله ﷺ أي ركب الفضل خلف رسول الله ﷺ ، صبيحة المبيت بالمزدلفة.

стр. 2778

(غداة جمع) الغداة الصباح، و"جمع" بفتح الجيم وسكون الميم اسم المزدلفة، أي غداة الليلة التي كانت بالمزدلفة. (حتى بلغ الجمرة) أل في "الجمرة" للعهد، أي جمرة العقبة. (عن الفضل بن عباس -وكان رديف رسول الله ﷺ أنه قال) أي أن رسول الله ﷺ قال للناس حين دفعوا من عرفة عشية، وحين دفعوا من المزدلفة صباحاً. قال لهم في كل من الدفعين: عليكم بالسكينة أي الدفع بهدوء وراحة للدواب، وعدم الجري بها، وعدم التزاحم في السير. (وهو كاف ناقته) أي مانعها من الإسراع. (حتى دخل محسراً) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة، وهو واد في نطاق منى. (عليكم بحصى الخذف) وهو الحصى الذي في قدر حبة الباقلاء، والتي توضع بين السبابة والإبهام فترمى، والخذف بفتح الخاء وسكون الذال الرمي. (يشير بيده -كما يخذف الإنسان) أي قال: عليكم بحصى الخذف، موضحاً قوله بالفعل والإشارة، أي فارموا به الجمرة هكذا، ولم يرتض النووي هذا المعنى، وقال: المراد الإيضاح وزيادة البيان لحصى الخذف، وليس بياناً لهيئة الرمي. (سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة) خصها بالذكر لأن معظم أحكام المناسك فيها، فكأنه قال: هذا مقام أنزلت عليه المناسك، وأخذ عنه الشرع، وبين الأحكام فاعتمدوه. (فقيل: أعرابي هذا؟ ) أنكروا عليه أن يلبي بعد الوقوف بعرفة، ونسبوه للأعراب الجهلة بأحكام مناسك الحج، وأخرج البيهقي أن عبد الله بن مسعود كان رجلاً أسمر اللون، له ضفيرتان، عليه سحنة أهل البادية، فلما لبى صبح يوم النحر اجتمع عليه الغوغاء، فقالوا: يا أعرابي. إن هذا ليس بيوم التلبية، إنما هو التكبير. (فمنا المكبر، ومنا المهلل) معناه ما جاء في الرواية قبله "منا الملبي، ومنا المكبر" فالمهل والمهلل الملبي، لأن الإهلال رفع الصوت بالتلبية. (ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء) توضيحه ما جاء في الرواية الثانية عشرة وفيها "حتى جئنا المزدلفة، فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم" أي كل أناخ في المكان الذي وقف فيه "ولم يحلوا" بضم الحاء، أي لم يفكوا أمتعتهم، ولم يحلوا رباط أزودتهم وفرشهم على احتمال السير بعد الصلاة "حتى أقام العشاء الآخرة فصلى" فأعلن لهم أنهم يبيتون "ثم حلوا" للمبيت. (انصرف إلى بعض تلك الشعاب لحاجته، فصببت عليه من الماء) في الكلام طي بينته الرواية الأولى "فبال، ثم جاء، فصببت .. " والرواية الرابعة عشرة.

стр. 2779

(لما أتى النقب) بفتح النون وإسكان القاف، وهو الطريق في الجبل، وقيل: الفرجة بين الجبلين. (فمازال يسير على هيئته) التي كان يكف فيها ناقته عن الإسراع، قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها "على هينة" بكسر الهاء وبالنون، وكلاهما صحيح المعنى. (سئل أسامة وأنا شاهد) أي وأنا حاضر السؤال. (كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص) "العنق" بفتح العين والنون هو سير فوق البطيء، وقيل: هو أدنى المشي، وقيل: هو أوله، ومعنى "فإذا وجد فجوة" أي إذا وجد متسعاً من الأرض لا ناس به، قال النووي: ورواه بعض الرواة في الموطأ "فرجة" بضم الفاء وفتحها، وهي بمعنى الفجوة، والنص بفتح النون وتشديد الصاد الإسراع فوق العنق. (ليس بينهما سجدة) أي ليس بينهما صلاة نافلة، وفي رواية للبخاري "لم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما". (إلا لميقاتها إلا صلاتين، صلاة المغرب، والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) قال النووي: المراد قبل وقتها المعتاد، لا قبل طلوع الفجر لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين، فيتعين تأويله على ما ذكرته. اهـ وقال العيني: أي أنه قدم الصبح على الوقت الظاهر طلوعه لكل أحد -كما هو العادة في أداء الصلاة- إلى غير المعتاد، وهو حال عدم ظهوره للكل، فمن قائل: طلع الصبح ومن قائل لم يطلع، وقد تحقق الطلوع لرسول الله ﷺ إما بالوحي أو بغيره، والمراد أنه كان في سائر الأيام يصلي بعد الطلوع، وفي ذلك اليوم صلى حال الطلوع، قال الكرماني: والغرض أنه بالغ في ذلك اليوم في التبكير، للاشتغال بالمناسك. أما قوله: "صلاة المغرب والعشاء" فالمراد المغرب، لأنها التي صليت في غير ميقاتها، ولذا لم ترد لفظة العشاء عند البخاري في رواية، وقال في أخرى "جمع بين المغرب والعشاء"، فالمعنى الصلاة الأولى صلاة المغرب مع العشاء، والثانية صلاة الفجر. (ليلة المزدلفة) أي ليلة المبيت بالمزدلفة. (تدفع قبله) أي استأذنته في أن تدفع -أي تنزل إلى منى قبله، وفي الرواية الرابعة والعشرين "أن تفيض من جمع بليل". (وقبل حطمة الناس) بفتح الحاء وسكون الطاء، أي زحمة الناس. (وكانت امرأة ثبطة) بفتح الثاء، وكسر الباء وإسكانها، قال النووي: وفسرها -أي الراوي- في الكتاب -أي في الرواية الثالثة والعشرين- أنها الثقيلة، أي ثقيلة الحركة بطيئة، من التثبيط،

стр. 2780

وهو التعويق. وفي الرواية الرابعة والعشرين "كانت امرأة ضخمة ثبطة" وفي الخامسة والعشرين "ثقيلة ثبطة". (فأذن لها) تفيد الرواية السابعة والعشرون أنه أذن كذلك لأم حبيبة أم المؤمنين ﵂. (وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه) أي بدفع رسول الله ﷺ . (لأن أكون استأذنت- .... - أحب إلي من مفروح به) أي أحب إلي مما يفرح به من كل شيء. (وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام) فائدة هذه الجملة أن التمني الذي تمنته لم يجعلها تدفع قبل الإمام في حجاتها اللاحقة، بل آثرت الالتزام بما فعلته مع النبي ﷺ على أنه الأفضل، وإن شق. (عند دار المزدلفة) أي عند دارها ومنزلها بالمزدلفة، ولفظ البخاري "عند المزدلفة". (هل غاب القمر؟ ) كان مغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير ومن هذا الحديث اشترط بعض الفقهاء أن بداية الرمي النصف الثاني من الليل وسيأتي في الباب الذي يلي الباب الآتي. (فصلت ساعة) في رواية البخاري "فقامت تصلي، فصلت ساعة" أي مدة من الزمان. (يا بني) بضم الباء وفتح النون، تصغير ابن. (ثم صلت في منزلها) أي صلت الفجر في المنزل الذي ضرب لها بمنى، بعد أن رمت الجمرة. (أي هنتاه) "أي" حرف نداء أي يا هذه، يقال للمذكر إذا كني عنه "هن" وللمؤنث "هنة" وزيدت الألف لمد الصوت، والهاء لإظهار الألف، وهو بفتح الهاء وسكون النون، وقد تفتح، وإسكانها أشهر. (لقد غلسنا) بفتح الغين وتشديد اللام المفتوحة وسكون السين، أي لقد رمينا الجمرة بغلس، والغلس ظلمة الليل، وفي رواية أبي داود "فقلت: إنا رمينا الجمرة بغلس" أي وما كان يصح ذلك. (قالت: كلا) وفي ملحق الرواية "قالت: لا" والنفي ليس نفي التغليس، فهو واقع، وإنما المراد نفي لازمه، أي نفي عدم الصحة، أي إثبات الصحة، وعللته، بإذن النبي ﷺ ومعلوم أن أسماء كانت في آخر حياتها ضخمة ثقيلة عمياء. ﵂. (أذن للظعن) وفي ملحق الرواية "أذن لظعنه" بضم الظاء والعين، وبسكون العين أيضاً، جمع

стр. 2781

ظعينة وهي النساء، وسميت النساء بذلك لأنهن يظعن ويقمن في بيوتهن في غياب أزواجهن، كما قيل: قعيدة البيت، و ﴿والقواعد من النساء﴾ [النور: ٦٠]. أي كبيرات السن. (بعثني رسول الله ﷺ في الثقل) بفتح الثاء والقاف، وهو المتاع ونحوه. (أو قال في الضعفة) بفتح العين، جمع ضعيف، وقال ابن حزم: الضعفة النساء والصبيان فقط، قال العيني، ويدخل فيه المشايخ العاجزون وأصحاب الأمراض، لأن العلة خوف الزحام عليهم. (أنا ممن قدم رسول الله ﷺ في ضعفة أهله) أي ممن أذن لهم رسول الله ﷺ الدفع من المزدلفة ليلاً باعتباره صبياً. (فيقفون عند المشعر الحرام) قيل اسم لقزح جبل بالمزدلفة، وقيل: جميع المزدلفة. (أرخص، في أولئك رسول الله ﷺ في بعض الروايات "رخص" من الرخصة، والتي هي ضد العزيمة، وهو أظهر وأصح هنا من "أرخص" التي من الرخص ضد الغلاء. والمشار إليهم في أولئك الضعفة المذكورون. -[فقه الحديث]- هذه المجموعة من الأحاديث تتناول ست مسائل رئيسة: الأولى: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. الثانية: جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة. الثالثة: المبيت بالمزدلفة، والتغليس بصلاة الصبح فيها. الرابعة: الترخيص للضعفة بالدفع بليل من المزدلفة إلى منى. الخامسة: التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات، وإدامة التلبية حتى يوم النحر، وحتى رمي جمرة العقبة. السادسة: ما يؤخذ من الأحاديث من أحكام غير ما تقدم. وهذا هو التفصيل: ١ - الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة: تبين الرواية السادسة عشرة كيف كان يسير ﷺ حين أفاض من عرفة، وأنه كان يسير سيراً هادئاً على هيئة المشي العادي، دون إسراع، لعدم المزاحمة، ولعدم مضايقة المشاة والراكبين، فإذا وجد أمامه فسحة وفراغاً أسرع بالسير لينجز الشعائر، وليفسح الطريق لمن خلفه، وبخاصة إذا كان إماماً يتبعه الناس. وتوضح الرواية الثانية الأمر حين تقول: إن رسول الله ﷺ كان يقول للناس في دفعهم من عرفة:

стр. 2782

"عليكم بالسكينة"، وفي رواية أبي داود "أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيجاف" [أي ليس بالإسراع] ويستمد عمر بن عبد العزيز حين خطب بعرفة يستمد هذا المعنى فيقول: أيها الناس، ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له. قال الراوي "فما رأيت ناقة رسول الله رافعة يدها، حتى أتى جمعاً" قال الحافظ ابن حجر: في هذا كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة، لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين، بين الوقار والسكينة عند الزحمة، وبين الإسراع عند عدم الزحام. أما ماذا فعل ﷺ في الطريق؟ فتحدثنا الرواية الأولى والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة أنه ﷺ لما بلغ الشعب الأيسر قبل المزدلفة أناخ رسول الله ﷺ ناقته، ثم مال إلى مكان منخفض، فانتحى هناك، فبال، واستجمر، وعاد حيث ناقته، فطلب من أسامة ماء الوضوء، فصب عليه فتوضأ وضوءاً خفيفاً، فسأله أسامة: هل تصلي المغرب؟ قال: لا. الصلاة أمامك بالمزدلفة، وركب حتى أتى المزدلفة. قال الحافظ ابن حجر: هذا النزول كان لقضاء الحاجة، وليس من المناسك، لكن ابن عمر ﵄ وقد عرف بشدة التحري والاقتداء برسول الله ﷺ كان إذا وصل إلى هذا المكان نزل، وقضى حاجته، وتوضأ وضوءاً خفيفاً، ثم لا يصلي حتى يصل المزدلفة. ٢ - جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة: تحدثنا الرواية التاسعة والثانية عشرة أنه ﷺ لما جاء المزدلفة نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، ونزل الناس عن رواحلهم وأناخوها، لكن لم يحلوا أمتعتهم، وصلوا مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم علموا أنهم سيبيتون بالمزدلفة، فعادوا إلى رواحلهم، فحلوا أمتعتهم وفرشهم، ثم أقيمت الصلاة للعشاء، فصلوها مع رسول الله ﷺ . وظاهر الروايتين السابقتين أن الصلاتين كانتا بإقامتين "أقيمت الصلاة فصلى المغرب. ثم أقيمت العشاء فصلاها". "فأقام المغرب. ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة". لكن الرواية المتممة للعشرين والرواية الواحدة والعشرين تصرحان بأن الصلاتين كانتا بإقامة واحدة. ولم تتعرض روايات مسلم للأذان، لكن في البخاري، في حج عبد الله بن مسعود، "أنه ﵁ أمر رجلاً فأذن وأقام" وفي رواية أخرى له أيضاً عن عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجنا مع عبد الله ﵁ إلى مكة، ثم قدمنا جمعاً فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما" وأخذ بظاهر هذا الحديث مالك قال الحافظ ابن حجر: وهو اختيار البخاري، وروى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفاً، ومع كونه لم يروه، ويترك ما روي عن أهل المدينة، وهو مرفوع؟ . قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين، حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما روي عن ابن مسعود، مع أنهم لا يعدلون به أحداً.

стр. 2783

قال الحافظ ابن حجر: اعتمد مالك على صنيع عمر ﵁ فقد روي عنه أنه فعله أخرجه الطحاوي، ثم تأوله بأنه محمول على أن الصحابة تفرقوا عنه، فأذن لهم، ليجتمعوا ليجمع بهم. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك التأويل في حق عمر، لكونه كان الإمام الذي يقيم للناس حجهم لم يتأت له هذا التأويل في حق ابن مسعود لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم. وحاصل المذاهب الفقهية في ذلك: مالك: يؤذن ويقيم لكل من الصلاتين، وحجته حديث ابن مسعود، وفعل عمر ﵁، قال ابن حزم: لم نجده مروياً عن النبي ﷺ ، ولو ثبت لقلت به. الحنفية والشافعي في القديم ورواية عن أحمد: أذان واحد وإقامتان، وسنده حديث جابر الماضي في باب وجوه الإحرام الرواية الخامسة والثلاثون، وفيه "جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين" وبالقياس على جمع الظهر والعصر بعرفة. قال النووي: وهو الأصح في مذهبنا. الشافعي في الجديد ورواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وسنده حديث أسامة، الروايتان التاسعة والثانية عشرة. ابن عمر ﵄: يقيم فقط إقامة واحدة للصلاتين، كما جاء في الرواية المتممة للعشرين والواحدة والعشرين. قال الحافظ ابن حجر: وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات، أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه كان يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد. اهـ وفي الرواية الثامنة عشرة والمتممة للعشرين أن الصلاة كانت قصراً مع الجمع "صلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين". وتصرح الرواية التاسعة بعدم التنفل بين الصلاتين "فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً" وكذا الرواية الثامنة عشرة، وفيها "ليس بينهما سجدة" وفي رواية للبخاري "ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما" قال الحافظ ابن حجر: ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب، وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سنة العشاءين عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة، لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما اهـ قال الحافظ ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود ﵁ وفي حكم الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة يقول النووي في المجموع أجمع العلماء على جواز الجمع بينهما بمزدلفة في وقت العشاء للمسافر، فلو جمع بينهما في وقت المغرب، أو في غير المزدلفة جاز هذا

стр. 2784

مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد وداود وبعض أصحاب مالك: لا يجوز أن يصليها قبل المزدلفة، ولا قبل وقت العشاء. قال: والخلاف مبني على أن هذا الجمع بالنسك؟ أم بالسفر؟ فعندنا بالسفر، وعند أبي حنيفة بالنسك، وقال في شرح مسلم: وقد يحتج أصحاب أبي حنيفة بحديث ابن مسعود [روايتنا الثانية والعشرين] على منع الجمع بين الصلاتين في السفر، لأن ابن مسعود من ملازمي النبي ﷺ ، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا في هذه المسألة قال: ومذهبنا ومذهب الجمهور جواز الجمع في جميع الأسفار المباحة، التي يجوز فيها القصر والجواب عن هذا الحديث أنه قول بالمفهوم، وهم لا يقولون به، ونحن نقول بالمفهوم، ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع، ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات. اهـ وقال البدر العيني: لا خلاف في الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة، ولكن الخلاف في هل هو للنسك؟ أو لمطلق السفر؟ أو للسفر الطويل؟ فمن قال للنسك قال: يجمع أهل مكة وأهل منى وعرفة والمزدلفة، ومن قال: لمطلق السفر قال: يجمعون سوى أهل المزدلفة، ومن قال: للسفر الطويل قال: لا يجمع أهل مكة ومنى والمزدلفة وجميع من كان بينه وبينها دون مسافة القصر، ويجمع من طال سفره. وفي هذا الجمع يقول سفيان الثوري: لا يصليهما حتى يأتي المزدلفة، وله السعة في ذلك إلى نصف الليل، فإن صلاهما دون المزدلفة أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إن صلاهما قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق أو بعده فعليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة، وقال مالك: لا يصليهما أحد قبل المزدلفة إلا من عذر، فإن صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق، وذهب الشافعية إلى أن هذا هو الأفضل لكنه إن جمع بينهما في وقت المغرب أو في وقت العشاء، بأرض عرفات أو غيرها، أو صلى كل صلاة في وقتها جاز ذلك. ٣ - المسألة الثالثة المبيت بالمزدلفة والتغليس بصلاة الصبح: وفي ذلك تقول الرواية الثانية عشرة "حتى أقام العشاء الآخرة فصلى، ثم حلوا. قلت: فكيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال ... إلخ" وتقول الرواية الثانية والعشرون "صلاة المغرب والعشاء يجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها" وفي رواية "قبل وقتها بغلس" وتقول الرواية الثالثة والعشرون "وحبسنا حتى أصبحنا، فدفعنا بدفعه" وحديث جابر ﵁ [روايتنا الخامسة والثلاثون من باب وجوه الإحرام] فهذه الروايات تفيد أن النبي ﷺ بات هو وأصحابه في حجة الوداع بالمزدلفة فيما عدا الضعفة الذين رخص لهم في الدفع من المزدلفة بليل، وفي هذا المبيت يقول النووي: واختلف العلماء في مبيت الحاج بالمزدلفة، ليلة النحر، والصحيح من مذهب الشافعي أنه واجب من تركه لزمه دم، وصح حجه، وبه قال فقهاء الكوفة وأصحاب الحديث وقالت طائفة: هو سنة، إن تركه فاتته الفضيلة، ولا إثم عليه، ولا دم، ولا غيره وهو قول الشافعي، وبه قال جماعة، وقالت طائفة: لا يصح حجه، وهو محكى عن النخعي وغيره، وحكي

стр. 2785

عن عطاء والأوزاعي أن المبيت بالمزدلفة في هذه الليلة ليس بركن ولا واجب ولا سنة، ولا فضيلة فيه، بل هو منزل كسائر المنازل، إن شاء تركه، وإن شاء لم يتركه. وهذا قول باطل. قال: واختلفوا في قدر المبيت الواجب، فالصحيح عند الشافعي أنه ساعة في النصف الثاني من الليل، وفي قول له: ساعة من النصف الثاني أو ما بعده إلى طلوع الشمس، وفي قول ثالث له أنه معظم الليل، وعن مالك ثلاث روايات، إحداها كل الليل والثاني معظمه، والثالث أقل زمان. اهـ قال الحافظ ابن حجر: قال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع. كما تفيد الرواية الثانية والعشرون أن النبي ﷺ غلس بصلاة الصبح، أي صلاها والظلمة في الأفق، وقد وضحنا في المباحث العربية المراد من صلاة الصبح قبل ميقاتها والمهم أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا اليوم أشد وآكد، لكثرة المناسك فيه فيحتاج إلى المبالغة في التبكير في أول طلوع الفجر، ليتسع الوقت لفعل المناسك. ٤ - المسألة الرابعة الترخيص للضعفة بالدفع ليلاً من المزدلفة إلى منى، وتتحدث عنها الروايات الثالثة والعشرون وما بعدها. ولم تبين رواياتنا متى أفاض رسول الله ﷺ من المزدلفة إلى منى، لكن في البخاري عن عمرو بن ميمون قال: "شهدت عمر ﵁ صلى بجمع الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، وإن النبي ﷺ خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس" وتوضح لنا رواية جابر ﵁ روايتنا الخامسة والثلاثون من باب وجوه الإحرام، توضح لنا كيف ومتى أفاض ﷺ ، فتقول "ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره، وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس". قال النووي: السنة عندنا أن يبقى بمزدلفة حتى يطلع الفجر، إلا الضعفة، فيستحب لهم الدفع قبل الفجر، فإن دفع غير الضعفة قبل الفجر بعد نصف الليل جاز، ولا دم. هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الدفع قبل طلوع الفجر، فإن دفع قبل الفجر لزمه دم. ثم قال: ومذهبنا أنه يستحب أن يقف بعد صلاة الصبح على قزح "المشعر الحرام" ولا يزال واقفاً به، يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جداً، وهو قول عامة العلماء غير مالك، فإنه كان يرى أن يدفع منه قبل الإسفار، دليلنا حديث جابر السابق وهو صحيح. اهـ ثم قال: قال الشافعي والأصحاب: السنة تقديم الضعفاء من النساء وغيرهن من المزدلفة قبل طلوع الفجر، بعد نصف الليل إلى منى، ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس لحديث عائشة وحديث ابن عباس وابن عمر وأسماء وأم حبيبة [رواياتنا الثالثة والعشرين وما بعدها]. ٥ - المسألة الخامسة التلبية والتكبير من منى إلى عرفات، ومن عرفات إلى منى أما من منى إلى عرفات فتتحدث عنه روايتنا الخامسة والسادسة عن عبد الله بن عمر والسابعة والثامنة عن أنس بن مالك، وفيها "منا الملبي، ومنا المكبر" "فمنا المكبر، ومنا

стр. 2786

المهلل". "كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا، فلا ينكر عليه". "فمنا المكبر ومنا المهلل، ولا يعيب، أحدنا على صاحبه". قال النووي: في ذلك دليل على استحباب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات يوم عرفة، والتلبية أفضل، وفيه رد على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة. وأما عن دوام التلبية إلى رمي جمرة العقبة فتتحدث عنه الرواية الأولى، فتقول "لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة" والرواية الثالثة تقول "ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: لبيك اللهم لبيك" ومثل ذلك في الرواية الرابعة وملحقها. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا أن التلبية تستمر إلى رمي الجمرة يوم النحر وبعدها يشرع الحاج في التحلل، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: "التلبية شعار الحج، فإن كنت حاجاً فلب حتى بدء حلك، وبدء حلك أن ترمي جمرة العقبة" وروى سعيد بن منصور من طريق ابن عباس قال: حججت مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يلبي حتى يرمي جمرة العقبة". وباستمرارها إلى رمي جمرة العقبة قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق وأتباعهم. وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة. وقالت طائفة: يقطعها إذا راح الموقف، روي عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي وبه قال مالك، وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، وقال الحسن البصري: يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة، ثم يقطع. وأشار الطحاوي إلى أن كل من روى عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر، لا على أنها لا تشرع، وجمع بذلك بين ما اختلف من الآثار. واختلفوا أيضاً: هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة؟ أو عند تمام الرمي، فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي. قال الحافظ ابن حجر: ويدل لهم ما روى ابن خزيمة عن ابن عباس عن الفضل قال: "أفضت مع النبي ﷺ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة" قال ابن خزيمة: هذا حديث، مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى، وأن المراد بقوله "حتى رمى جمرة العقبة" [في ملحق روايتنا الثانية] أي أتم رميها. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من الرواية الأولى، من قوله "ردفت رسول الله ﷺ من عرفات" استحباب الركوب في الدفع من عرفات. ٢ - وجواز الإرداف على الدابة، إذا كانت مطيقة. ٣ - وجواز الارتداف مع أهل الفضل، ولا يكون ذلك خلاف الأدب.

стр. 2787

٤ - وفي قوله "فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءاً خفيفاً جواز الاستعانة في الوضوء، قال الشافعية: الاستعانة ثلاثة أقسام: أحدها أن يستعين في إحضار الماء من البئر والبيت ونحوهما، وتقديمه إليه، وهذا جائز، ولا يقال: إنه خلاف الأولى. والثاني أن يستعين بمن يغسل الأعضاء، فهذا مكروه كراهة تنزيه، إلا أن يكون معذوراً بمرض أو غيره، الثالث: أن يستعين بمن يصب عليه، فإن كان لعذر فلا بأس، وإلا فهو خلاف الأولى، وهل يسمى مكروهاً؟ وجهان، أصحهما ليس بمكروه، لأنه لم يثبت فيه نهي، وأما استعانة النبي ﷺ بأسامة والمغيرة بن شعبة في غزوة تبوك فلبيان الجواز، ويكون أفضل في حقه حينئذ، لأنه مأمور بالبيان. ٥ - وفي قوله: "الصلاة. يا رسول الله "استحباب تذكير التابع المتبوع بما تركه خلاف العادة، ليفعله، أو يعتذر عنه، أو يبين له وجه صوابه. ٦ - ومن قوله: "الصلاة أمامك" أن السنة في هذا الموضع في هذه الليلة تأخير المغرب. ٧ - ومن قوله "عليكم بالسكينة، وكفه ناقته ﷺ " السنة وأدب السير في مواضع الزحام. ٨ - ومن قوله "سورة البقرة" جواز قول سورة كذا، وكره ذلك بعض الأوائل، وقال: إنما يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة مثلاً. والصواب جواز قول ذلك. بهذا قال "جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وتظاهرت الأحاديث الصحيحة. وفي الباب الآتي تعرض لهذه المسألة. ٩ - ومن قوله "نزل، فبال" جواز استعمال الألفاظ التي تستبشع، ولا يكنى عنها إذا دعت الحاجة إلى التصريح، بأن خيف لبس المعنى أو اشتباه الألفاظ أو غير ذلك. ١٠ - ومن قوله في الرواية الحادية عشرة "ولم يقل أراق الماء" دقة الرواة، وتحريهم الألفاظ المروية ما أمكن. ١١ - وفي الرواية الثانية عشرة، في قوله "جئنا الشعب الذي ينيخ الناس فيه للمغرب" الإشارة إلى أن هؤلاء الناس لا يعلمون بالسنة، فإن النبي ﷺ لم ينزل فيه للمغرب، وفي رواية "لما أتى الشعب الذي ينزل له الأمراء" وفي أخرى "فلما جاء الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء الآن المغرب نزل" قال الحافظ ابن حجر: المراد بالخلفاء والأمراء والناس بنو أمية، ولم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وقد جاء عن عكرمة إنكار ذلك، وروي عنه أنه قال: اتخذه رسول الله ﷺ مبالاً، واتخذتموه مصلى؟ . ١٢ - وفي قوله "حتى أقام العشاء الآخرة" دليل لصحة إطلاق العشاء الآخرة، قال النووي: وأما إنكار الأصمعي وغيره ذلك، وقولهم: إنه من لحن العوام، وأن صوابه العشاء فقط، ولا يجوز وصفها بالآخرة، قولهم هذا غلط منهم، بل الصواب جوازه، وهذا الحديث صريح فيه، وقد تظاهرت به أحاديث كثيرة. ١٣ - وفي الرواية السادسة والعشرين جواز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وستأتي المذاهب الفقهية في ذلك.

стр. 2788

(٣٣٨) باب رمي جمرة العقبة والذبح والحلق وطواف الإفاضة ٢٧٦٥ - عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة، من بطن الوادي، بسبع حصيات. يكبر مع كل حصاة. قال فقيل له: إن أناساً يرمونها من فوقها. فقال عبد الله بن مسعود: هذا، والذي لا إله غيره! مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ٢٧٦٦ - عن الأعمش. قال: سمعت الحجاج بن يوسف يقول، وهو يخطب على المنبر: ألفوا القرآن كما ألفه جبريل. السورة التي يذكر فيها البقرة. والسورة التي يذكر فيها النساء. والسورة التي يذكر فيها آل عمران. قال: فلقيت إبراهيم فأخبرته بقوله. فسبه وقال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد؛ أنه كان مع عبد الله بن مسعود. فأتى جمرة العقبة. فاستبطن الوادي. فاستعرضها. فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات. يكبر مع كل حصاة. قال فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إن الناس يرمونها من فوقها. فقال: هذا، والذي لا إله غيره! مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ٢٧٦٧ - وعن الأعمش. قال: سمعت الحجاج يقول: لا تقولوا سورة البقرة. واقتصا حديث ابن مسهر. ٢٧٦٨ - عن عبد الرحمن بن يزيد؛ أنه حج مع عبد الله. قال: فرمى الجمرة بسبع حصيات. وجعل البيت عن يساره. ومنى عن يمينه. وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ٢٧٦٩ - عن شعبة بهذا الإسناد. غير أنه قال: فلما أتى جمرة العقبة. ٢٧٧٠ - عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: قيل لعبد الله: إن ناساً يرمون الجمرة

стр. 2789

من فوق العقبة. قال: فرماها عبد الله من بطن الوادي. ثم قال: من ها هنا، والذي لا إله غيره! رماها الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ٢٧٧١ - عن جابر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول "لتأخذوا مناسككم. فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". ٢٧٧٢ - عن أم الحصين ﵂ قالت: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع. فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته. ومعه بلال وأسامة. أحدهما يقود به راحلته. والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس. قالت: فقال رسول الله ﷺ قولاً كثيراً. ثم سمعته يقول: "إن أمر عليكم عبد مجدع (حسبتها قالت) أسود، يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا". ٢٧٧٣ - عن أم الحصين ﵂، قالت: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع. فرأيت أسامة وبلالاً. وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ . والآخر رافع ثوبه يستره من الحر. حتى رمى جمرة العقبة. ٢٧٧٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: رأيت النبي ﷺ رمى الجمرة. بمثل حصى الخذف. ٢٧٧٥ - عن جابر ﵁ قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى. وأما بعد، فإذا زالت الشمس.

стр. 2790

٢٧٧٦ - عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "الاستجمار تو. ورمي الجمار تو. والسعي بين الصفا والمروة تو. والطواف تو. وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو". ٢٧٧٧ - عن عبد الله ﵁ قال: حلق رسول الله ﷺ وحلق طائفة من أصحابه. وقصر بعضهم. قال عبد الله: إن رسول الله ﷺ قال "رحم الله المحلقين" مرة أو مرتين ثم قال "والمقصرين". ٢٧٧٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال "اللهم! ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال "والمقصرين". ٢٧٧٩ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال "والمقصرين". ٢٧٨٠ - حدثنا عبيد الله بهذا الإسناد. وقال في الحديث: فلما كانت الرابعة، قال "والمقصرين". ٢٧٨١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين؟ قال "اللهم اغفر للمحلقين"

стр. 2791

قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين؟ قال "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين؟ قال "وللمقصرين". ٢٧٨٢ - عن يحيى بن الحصين، عن جدته؛ أنها سمعت النبي ﷺ ، في حجة الوداع، دعا للمحلقين ثلاثاً. وللمقصرين مرة. ولم يقل وكيع: في حجة الوداع. ٢٧٨٣ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع. ٢٧٨٤ - عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى منى. فأتى الجمرة فرماها. ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قال للحلاق "خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن. ثم الأيسر. ثم جعل يعطيه الناس. ٢٧٨٥ - عن هشام بهذا الإسناد أما أبو بكر فقال: للحلاق "ها" وأشار بيده إلى الجانب الأيمن هكذا. فقسم شعره بين من يليه. قال: ثم أشار إلى الحلاق وإلى الجانب الأيسر. فحلقه فأعطاه أم سليم. وأما في رواية كريب قال: فبدأ بالشق الأيمن. فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس. ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك. ثم قال "ها هنا أبو طلحة؟ " فدفعه إلى أبي طلحة. ٢٧٨٦ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة. ثم انصرف إلى البدن فنحرها. والحجام جالس. وقال بيده عن رأسه. فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه. ثم قال "احلق الشق الآخر" فقال "أين أبو طلحة؟ " فأعطاه إياه. ٢٧٨٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة. ونحر نسكه وحلق. ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه. ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه. ثم ناوله الشق الأيسر. فقال "احلق" فحلقه. فأعطاه أبا طلحة. فقال "اقسمه بين الناس".

стр. 2792

٢٧٨٨ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: وقف رسول الله ﷺ ، في حجة الوداع، بمنى، للناس يسألونه. فجاء رجل فقال: يا رسول الله! لم أشعر، فحلقت قبل أن أنحر. فقال "اذبح ولا حرج" ثم جاءه رجل آخر فقال: يا رسول الله! لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. فقال "ارم ولا حرج". قال: فما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدم ولا أخر، إلا قال "افعل ولا حرج". ٢٧٨٩ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: وقف رسول الله ﷺ على راحلته. فطفق ناس يسألونه. فيقول القائل منهم: يا رسول الله! إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل الرمي. فقال رسول الله ﷺ "فارم ولا حرج" قال: وطفق آخر يقول: إني لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر. فيقول: "انحر ولا حرج" قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن، أمر مما ينسى المرء ويجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ "افعلوا ذلك ولا حرج". ٢٧٩٠ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ ، بينا هو يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب، يا رسول الله! أن كذا وكذا، قبل كذا وكذا. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله! كنت أحسب أن كذا، قبل كذا وكذا. لهؤلاء الثلاث. قال "افعل ولا حرج". ٢٧٩١ - عن ابن جريج بهذا الإسناد أما رواية ابن بكر فكرواية عيسى. إلا قوله: لهؤلاء الثلاث، فإنه لم يذكر ذلك. وأما يحيى الأموي ففي روايته: "حلقت قبل أن أنحر. نحرت قبل أن أرمي. وأشباه ذلك؟ ".

стр. 2793

٢٧٩٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄: قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح. قال "فاذبح ولا حرج" قال: ذبحت قبل أن أرمي. قال "ارم ولا حرج". ٢٧٩٣ - عن الزهري بهذا الإسناد: "رأيت رسول الله ﷺ على ناقة بمنى. فجاءه رجل". بمعنى حديث عيينة. ٢٧٩٤ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: قال: سمعت رسول الله ﷺ ، وأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة. فقال: يا رسول الله! إني حلقت قبل أن أرمي. فقال "ارم ولا حرج". وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي. قال "ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي. قال "ارم ولا حرج". قال: فما رأيته سئل يومئذ عن شيء، إلا قال "افعلوا ولا حرج". ٢٧٩٥ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قيل له: في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: "لا حرج". ٢٧٩٦ - عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر. ثم رجع فصلى الظهر بمنى. قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر. ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى. ويذكر أن النبي ﷺ فعله. -[المعنى العام]- أعمال الحج يوم النحر، بعد الدفع من المزدلفة أربعة أعمال، رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الدخول إلى مكة لطواف الإفاضة، والسعي بعده إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، والسنة في هذه الأعمال الأربعة أن تكون مرتبة، كما رتبها رسول الله ﷺ .

стр. 2794

فقد دفع رسول الله ﷺ على ناقته من المزدلفة حتى أتى منى، فكان أول شيء فعله أن دخل بطن الوادي الذي به جمرة العقبة، وهو راكب ناقته، وبلال وأسامة ﵄ معه، أحدهما يمسك بزمام الناقة يقودها، والآخر رافع ثوباً على رأس رسول الله ﷺ ، يظلله من الشمس، حتى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ثم وقف قريباً من الجمرة يسأله الناس، ويجيبهم، ويعظهم، وكان فيما قال لهم: خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، واسمعوا لأمرائكم وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، مادام يقودكم بكتاب الله. ثم أتى منزله ﷺ بمنى، ثم نحر رسول الله ﷺ نسكه، ثم دعا الحلاق، فجلس وحلق، حلق شق رأسه الأيمن، ووزع شعره على من يليه من أصحابه، الشعرة والشعرتين، وحلق الشق الأيسر، فدعا أبا طلحة، وطلب منه أن يوزع شعره بين الناس. وحلق بعض أصحابه ﷺ ، وقصر بعضهم ورغب ﷺ في الحلق، فقال رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين. ولم يراع بعض الصحابة ترتيبه ﷺ للأمور الأربعة، معتقدين أن الترتيب غير لازم، لكنهم لما علموا ترتيبه ﷺ خافوا على صحة مناسكهم فسألوا رسول الله ﷺ : يقول أحدهم: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال له: اذبح ولا حرج عليك، ويقول آخر: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال له: ارم، ولا حرج عليك، ويقول ثالث: حلقت قبل أن أرمي؟ فقال له: ارم ولا حرج، ويقول رابع: أفضت إلى البيت، وطفت، وسعيت قبل أن أرمي؟ فقال له: ارم ولا حرج. فما سئل ﷺ عن شيء من هذه الأربع قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج. ثم دخل ﷺ مكة ضحى فطاف بالبيت، ثم رجع إلى منزله بمنى فصلى الظهر بمنى. وهكذا رسم رسول الله ﷺ مناسك يوم النحر، وأوضحها لأمته قولاً وعملاً أوضح بيان ﷺ . -[المباحث العربية]- (جمرة العقبة) وتسمى الجمرة الكبرى، وهي ليست من منى، بل هي حد منى من جهة مكة، وهي أخر الجمرات الثلاث بالنسبة إلى المتوجه إلى مكة من منى وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة اسم لمجتمع الحصى، سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل: إن العرب تسمي الحصى الصغار جماراً فسميت، من تسمية الشيء بلازمه. (من بطن الوادي) أي وقف في بطن الوادي، واستقبل الجمرة، ورماها من أسفل إلى أعلى،

стр. 2795

وفي الرواية الثانية "فاستبطن الوادي، أي دخل في بطنه"، وفي الرواية الثالثة "وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه" وفي رواية للترمذي "واستقبل القبلة" قال الحافظ ابن حجر: وهذا شاذ، في إسناده المسعودي، وقد اختلط. (إن أناساً يرمونها من فوقها) في الرواية الثانية "إن الناس" وفي الرواية الرابعة "إن ناساً" والمراد من قوله: "من فوقها" أي من أعلى، أي من فوق العقبة، فيكون الرامي أعلى من الجمرة. (والذي لا إله غيره) حلف ابن مسعود هنا لتأكيد الخبر لمن في حكم المنكرين لفعلهم خلاف ما فعله الشارع. (مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) أي هذا المكان الذي وقفت فيه هو المكان الذي قام ووقف فيه رسول الله ﷺ ، وذكر ابن مسعود سورة البقرة دون غيرها من السور، وإن كان أنزل عليه كل السور لأنها المشتملة على معظم مناسك الحج، فكأنه قال: من هنا رمى من أنزل عليه أمور المناسك وأخذ عنه الشرع، فهو أولى وأحق بالاتباع. (سمعت الحجاج بن يوسف) الثقفي، الأمير المشهور. قال الحافظ ابن حجر: ولم يقصد الأعمش أن يروي عن الحجاج، فلم يكن بأهل لذلك، وإنما أراد أن يحكي القصة ويوضح خطأ الحجاج فيها بما ثبت عمن يرجع إليه في ذلك، بخلاف الحجاج. (ألفوا القرآن كما ألفه جبريل) أي كونوا كلماته، وركبوا جمله وآياته، بنفس التكوين والتركيب الذي ركبه جبريل ﵇ وليس فيه "سورة البقرة" و"سورة النساء" فينبغي أن يقال: السورة التي يذكر فيها كذا، ولا تقولوا: سورة البقرة. (السورة التي يذكر فيها البقرة) ذكره النساء قبل آل عمران يفيد أنه لا يقصد ترتيب السور، وإنما يقصد ترتيب الآيات، فإن المصحف الذي يتبعه مصحف عثمان ﵁ ولو قصد ترتيب السور لذكر آل عمران قبل النساء. (يرمي على راحلته يوم النحر) وفي الرواية السادسة "فرأيته حين رمى جمرة العقبة، وانصرف، وهو على راحلته" وفي الرواية السابعة "وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ " وفي الرواية الواحدة والعشرين "وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى الناس يسألونه" وفي الرواية الثانية والعشرين "وقف رسول الله ﷺ على راحلته، فطفق ناس يسألونه" وفي الرواية الثالثة والعشرين "بينا هو يخطب يوم النحر" وفي ملحق الرابعة والعشرين "على ناقة بمنى" وفي الخامسة والعشرين "وهو واقف عند الجمرة". ومن الواضح أنه ﷺ رمى جمرة العقبة راكباً راحلته التي هي ناقته جالساً عليها، ولكن المشكلة في اختلاف الروايات في موقفه ﷺ ، وسؤال الناس له، وهل كان على

стр. 2796

الراحلة أولاً؟ وهل كان يخطب؟ أو كان يتلقى الأسئلة فقط ويجيب؟ وهل هو موقف واحد اختلف التعبير عنه؟ أو موقفان؟ وهل كانت هذه الأسئلة عند رمي جمرة العقبة صبحاً؟ أو بعد الزوال؟ . ظاهر صنيع البخاري وترجمته بقوله: "باب الفتيا على الدابة عند الجمرة" أنها كانت فتيا له لا خطبة، وأنها كانت على الدابة، وأنها كانت عند الجمرة، فمعنى "واقف عند الجمرة" أي واقف براحلته، متوقف عن المسير، وليس الوقوف ضد الجلوس، ومعنى "وقف على راحلته" جلس عليها، متوقفاً عن المسير، ومعنى "يخطب" يعلم الناس، وليس المراد الخطب المشروعة في الحج، والموقف واحد على هذا التأويل. ويميل الحافظ ابن حجر إلى أنهما موقفان، فيقول: ويحتمل أن يكون ذلك في موطنين، أحدهما على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا: خطب، والثاني يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج، يعلم الإمام فيها الناس ما بقي عليهم من مناسكهم، وصوب النووي هذا الاحتمال الثاني، ويؤيده ما جاء في رواية ابن عباس "أن بعض السائلين قال، رميت بعد ما أمسيت" وهذا يدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال، لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرها إلى ما بعد الزوال سأل عن ذلك. (لتأخذوا مناسككم) قال النووي: هذه اللام لام الأمر، ومعناه خذوا مناسككم وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم، فخذوها عني، واقبلوها واحفظوها، واعملوا بها، وعلموها الناس. (والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس) يتصور أن يظلل الواقف على الأرض من هو راكب على الناقة الواقفة بأن يرفع الثوب ونحوه على عصا طويلة. (عبد مجدع أسود) "مجدع" بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الدال المفتوحة والجدع القطع من أصل العضو، ولمسلم في كتاب الإجارة "عبد مجدع الأطراف" وفيه "عبد حبشي" وفي البخاري "كأن رأسه زبيبة" ومقصوده التنبيه على الخسة والحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها، قال النووي: ومن هذه الصفات مجموعة فيه فهو في نهاية الخسة، والعادة أن يكون ممتهناً في أرذل الأعمال، فأمر ﷺ بطاعة ولي الأمر، ولو كان بهذه الخساسة، مادام يقودنا بكتاب الله تعالى، قال العلماء: ماداموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى، على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ولا يشق عليهم عصا الطاعة بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا، قال: والمراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه، لا أن الخليفة يكون عبداً، قال الخطابي: قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود. (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس) جمرة يوم النحر هي جمرة العقبة، وقوله "وأما بعد" أي وأما رمي الجمرات التي بعد يوم النحر فبعد الزوال.

стр. 2797

(الاستجمار تو، ورمي الجمار تو) "التو" بفتح التاء وتشديد الواو الوتر، والمراد بالاستجمار تجفيف البول والغائط بالحجارة، قال القاضي: وقوله في آخر الحديث: "وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو" ليس للتكرار، بل يقصد بالأول الفعل، وبالثاني عدد الأحجار. اهـ وفي توجيه القاضي نظر، لأنه يتأتى هذا أيضاً في الرمي، فلم لم يكرره والأولى أن يقال: إن التكرير للحث والاهتمام بهذا الأمر خاصة، لأنه قد يتهاون فيه مع تكرره اليومي بخلاف غيره، فالجملة الأولى أريد بها الإخبار، والجملة الثانية طلبية أريد بها الحث والاهتمام. (رحم الله المحلقين ... والمقصرين) قال النووي: كل هذا كان في حجة الوداع. هذا هو الصحيح المشهور، وحكى القاضي عياض عن بعضهم أن هذا كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق، فما فعله أحد، لطمعهم بدخول مكة في ذلك الوقت، وذكر ابن عباس ﵄ قال "حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : اللهم ارحم المحلقين (ثلاثاً) قيل: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: لأنهم لم يشكوا" قال ابن عبد البر: وكونه في الحديبية هو المحفوظ. قال القاضي قد ذكر مسلم في الباب خلاف ما قالوه، وإن كانت أحاديثه جاءت مجملة غير مفسرة، حيث جاء في حديث أم الحصين [روايتنا الخامسة عشرة] أنها سمعت النبي ﷺ دعا في حجة الوداع للمحلقين (ثلاثاً) وللمقصرين (مرة واحدة). ثم قال: ولا يبعد أن النبي ﷺ قاله في الموضعين وقال الحافظ ابن حجر: وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمام الحرمين في النهاية وقال عياض: كان في الموضعين، وقال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، قال الحافظ ابن حجر: بل هو المتعين، لتظاهر الروايات بذلك في الموضعين، إلا أن السبب في الموضعين مختلف. اهـ ولعل السر في تفضيل المحلقين أن العرب كانت تحب توفير الشعر والتزين به، فكان من مناسك الحج التخلي عن هذه الزينة بالحلق الذي يبقى أثره شعاراً لعبادة العمر مدة طويلة. والله أعلم. و"المقصرين" في سؤالهم معطوف على محذوف، تقديره: قل: رحم الله المحلقين والمقصرين، ويسمى مثل هذا بالعطف التلقيني، كقوله تعالى ﴿إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤]. و"المقصرين" في جوابه ﷺ معطوف على محذوف أيضاً، تقديره: رحم الله المحلقين والمقصرين" وقد اختلفت الروايات في دعائه للمقصرين هل دعا للمحلقين ثلاثاً أو أربعاً؟ وللجمع بين هذه الروايات قال الحافظ ابن حجر: وبيان أن كونها في الرابعة أن قوله "والمقصرين" معطوف على مقدر، تقديره: يرحم الله المحلقين، وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاث مرات صريحاً، فيكون دعاؤه للمقصرين في الرابعة قال: وقد روي بلفظ "قال في الثالثة: والمقصرين" قال: الجمع بينهما أن من قال: في الرابعة فعلى ما شرحناه، ومن قال: في الثالثة أراد أن قوله "والمقصرين" معطوف على الدعوة الثالثة، أو على أنه أراد بالثالثة

стр. 2798

مسألة السائلين في ذلك، وكان ﷺ لا يراجع بعد ثلاث، كما ثبت، ولو لم يدع لهم بعد ثالث مسألة ما سألوه ذلك. اهـ والحاصل أن ظاهر روايات ابن عمر ﵄ الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة أنه ﷺ دعا للمحلقين ثلاث مرات فقط بما فيها المرة المعطوف عليها، وهذا الظاهر غير معتمد، فالرواية الحادية عشرة شك فيها الراوي "مرة أو مرتين" والرواية الثانية عشرة لم ينص فيها على عدد المرات، فيحتمل أن الراوي سقط منه واحدة، والرواية الثالثة عشرة ملحقها يحدد سقط واحدة، ويقول "فلما كانت الرابعة" فالمعتمد الأول وإن جرينا على تعدد الواقعة في الحديبية مرة، وفي حجة الوداع أخرى -كما سبق- فلا إشكال. والله أعلم. "وقد جاء في بعض الروايات اللهم ارحم" وفي بعضها "اللهم اغفر" فيحتمل أن يكون بعض الناقلين روى بالمعنى، أو قالهما ﷺ جميعاً، والظاهر الأول. (ثم قال للحلاق) قال النووي: واختلفوا في اسم هذا الرجل الذي حلق رأس رسول الله ﷺ في حجة الوداع، والصحيح المشهور أنه معمر بن عبد الله العدوي. (قال للحلاق: ها) "ها" هنا اسم فعل أمر، بمعنى خذ، ويجوز مد ألفها، فيقال "هاء" ويستعملان بكاف الخطاب، فيقال: هاك وهاءك، وبدونها، وقد تحل الميم في الممدود محل الكاف في جمع المذكر السالم، ومنه قوله تعالى: ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩]. وفي الرواية السابعة عشرة "فقال للحلاق: خذ". (لم أشعر، فحلقت قبل أن أنحر) أي لم أفطن، يقال: شعرت بالشيء شعوراً إذا فطنت له، وقيل: المراد لم أعلم، وقد بينت الرواية الثانية والعشرون المشعور به، وفيها "لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر" وفي الرواية الثالثة والعشرين "ما كنت أحسب" -بكسر السين- و"كنت أحسب" أي أظن. (اذبح ولا حرج) أي افعل ما بقي عليك، وقد أجزأك ما فعلته، ولا حرج عليك في التقديم والتأخير، أي لا ضيق عليك، وهل المعنى: لا إثم عليك؟ أو لا إثم عليك ولا فدية. خلاف يأتي في فقه الحديث. (فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج) أي عن شيء من هذه الأمور الأربعة التي تفعل يوم النحر، وهي: رمى جمرة العقبة، والذبح، والحلق، وطواف الإفاضة، وهي بهذا الترتيب، وفي عدم ترتيبها خلاف فقهي، يأتي في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- قال النووي: السنة في أعمال الحج يوم النحر -بعد الدفع من المزدلفة- أن تكون مرتبة هكذا.

стр. 2799

رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخول مكة فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى بعده، إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، فإن كان سعى بعد طواف القدوم كره إعادة السعي. اهـ وهذه المجموعة من الأحاديث تتعلق بهذه المناسك الأربعة، ويمكن حصر نقاطها في ست نقاط: الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، والتقديم والتأخير لهذه الأربعة، وما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام الفرعية. النقطة الأولى: الرمي، وهو عبارة عن رمي جمرة العقبة وحدها يوم النحر بسبع حصيات، وقد أجمعوا على أنه لا يرمى يوم النحر إلا جمرة العقبة ثم رمي كل جمرة من الجمرات الثلاث بسبع حصيات في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة، فمجموع حصى الرمي سبعون حصاة. واختلف الفقهاء في حكم رمي جمرة العقبة، فالشافعية والجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، والحج بدونه صحيح قياساً على رمي أيام التشريق، وقال بعض أصحاب مالك: رمي جمرة العقبة ركن لا يصح الحج إلا به، قال عبد الملك المالكي: من خرجت عنه أيام منى ولم يرم جمرة العقبة بطل حجه، فإن ذكر بعد غروب شمس يوم النحر فعليه دم، وإن تذكر بعد فعليه بدنة، وقال ابن وهب: لا شيء عليه مادامت أيام منى. وحكى ابن جرير عن بعض الناس أن رمي الجمار إنما شرع حفظاً للتكبير، ولو تركه وكبر أجزأه، قال النووي: ونحوه عن عائشة ﵂، والصحيح المشهور الأول. وقت الرمي: ومذهب الشافعية وأحمد جواز رمي جمرة العقبة ابتداء من نصف ليلة النحر، والسنة أن يرميها ضحى، أي بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، ولو أخر جاز، ويكون أداء إلى آخر نهار يوم النحر. وقال مالك وأبو حنيفة وإسحق: لا يجوز رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس واحتجوا بحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ أمرهم أن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس" قال النووي: وهو حديث صحيح، واحتج الشافعية بحديث أم سلمة وغيره من الأحاديث الصحيحة السابقة في مسألة تعجيل دفع الضعفة من مزدلفة إلى منى، وأما حديث ابن عباس فمحمول على الأفضل، جمعاً بين الأحاديث. وفي المحيط: أوقات رمي جمرة العقبة ثلاثة: مسنون بعد طلوع الشمس، ومباح بعد زوالها إلى غروبها، ومكروه وهو الرمي بالليل، ولو لم يرم في يوم النحر حتى أصبح من الغد رماها وعليه دم عند أبي حنيفة، خلافاً لصاحبيه. أما رمي الجمرات أيام التشريق فوقته يبدأ من الزوال، تنص على ذلك روايتنا التاسعة، وفيها "وأما بعد فإذا زالت الشمس" قال النووي: وأما وقت الرمي أيام التشريق فمذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال، لهذا الحديث الصحيح، وقال طاووس وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال وقال أبو حنيفة: يجوز في اليوم الثالث قبل

стр. 2800

الزوال، وإن رمى في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أعاد، أما آخر الوقت فقيل: غروب الشمس، وقيل: حتى طلوع الفجر، قال النووي: وأما اليوم الآخر فيفوت رميه بغروب شمسه بلا خلاف، وكذا جميع الرمي يفوت بغروب شمس اليوم الثالث من التشريق، لفوات زمن الرمي. واتفق مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي أنه إذا مضت أيام التشريق، وغابت الشمس من آخرها فقد فات الرمي، ويجبر ذلك بالدم. كيفية الرمي: قال النووي في رمي جمرة العقبة: يسن أن يقف تحتها في بطن الوادي فيجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه ويستقبل القبلة ثم يرمي، وقيل: يستقبل الجمرة ويستدبر الكعبة، وأن يكبر مع كل حصاة، وأن يرفع يده في الرمي حتى يرى بياض إبطه وأن يكون الرمي باليد اليمنى، ويشترط أن يكون المرمي حجراً، ولا يصح بالمعادن، ويسن أن يكون الحصى في حجم حبة الباقلاء، وأن يكون صفة رمي الحاذف، فيضع الحصاة على بطن إبهامه، ويرميها برأس السبابة، ولا يجزئ الرمي بالقوس ولا الدفع بالرجل، ويشترط أن يرمي الحصيات في سبع دفعات، فلو رمى حصاتين دفعة حسبت واحدة، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن وقعن في المرمى متعاقبات أجزأ، وإلا فلا. والسنة أن يرمي جمرة العقبة راكباً إن كان قد قدم منى راكباً، ويرمي في أيام التشريق ماشياً، إلا يوم النفر فيجوز راكباً. وفي كل يوم من أيام التشريق يأتي الجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف وهي أولهن من جهة عرفات، فيأتيها من أسفل منها، فيصعد إليها، فيعلوها، ويستقبل الكعبة ويرمي الجمرة بسبع حصيات، ثم ينحرف عنها، ويجعلها في قفاه، ويقف قدر سورة البقرة في موضع لا يصيبه المتطاير من الحصى، يستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويسبح ويدعوا، ثم يأتي الجمرة الثانية، وهي الوسطى، ويصنع فيها كما صنع في الأولى ويقف للدعاء، كما وقف في الأولى، ثم يأتي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، فيرمها، ولا يقف عندها للذكر والدعاء. ويشترط الترتيب بين الجمرات، ولا خلاف في اشتراطه. ومن عجز عن الرمي بنفسه لمرض ميئوس أو غير ميئوس أو حبس ونحوهما جاز أن يستنيب من يرمي عنه، لأن وقته مضيق، واستدل الشافعية على جواز الاستنابة في الرمي بالقياس على الاستنابة في أصل الحج، قالوا: والرمي أولى بالجواز. قاله النووي في المجموع. اهـ وبعض العلماء في عصرنا يفتي بجواز الاستنابة في الرمي، عن المرأة للرجل بسبب الزحام، ولا أراه يصح، فإن الاستنابة في أصل الحج لا تصح أن تقع بسبب الزحام، فالقياس على أصل الحج يقصر الاستنابة على ما يباح بسببه الإنابة في الحج من مرض ميئوس أو حبس مؤبد ونحوهما. والله أعلم. النقطة الثانية النحر، ولم تتعرض أحاديث الباب له إلا من حيث ترتيبه مع الرمي والحلق، وتقديمه أو تأخيره عنهما، وسبق في باب وجوه الإحرام وحجة النبي ﷺ قبل ثلاثة أبواب أن النبي ﷺ نحر بيده في منى ثلاثاً وستين بدنة، ثم أعطى علياً، فنحر تكملة المائة. وسيأتي قريباً أبواب الهدي ونحره.

стр. 2801

النقطة الثالثة الحلق أو التقصير: وعنه تقول الرواية الحادية عشرة "حلق رسول الله ﷺ ، وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم" وفي الروايات الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة أن النبي ﷺ دعا للمحلقين مرات وللمقصرين مرة، وفي الرواية السادسة عشرة أن النبي ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع، وفي الرواية السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين كيف حلق رسول الله ﷺ الجانب الأيسر، وكيف وزع شعره ﷺ بين أصحابه، أما جواز كل من الحلق والتقصير فلا خلاف فيه، ولا خلاف كذلك في تفضيل الحلق على التقصير في الحج للتحلل منه، قالوا: لأن الحلق أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل لله، لأن المقصر مبق على نفسه من زينته التي قد أراد الله تعالى أن يكون الحاج مجانباً لها، وليبقى أثر وعلامة الحج زمناً أطول، وأفضلية الحلق على التقصير إنما هو في جانب الرجال دون النساء، لورود النهي عن حلق النساء، فقد روى أبو داود أن رسول الله ﷺ قال "ليس على النساء الحلق، وإنما على النساء التقصير" وروى الترمذي عن علي ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها". وقد سبق في المباحث العربية تحقيق القول في عدد المرات التي دعا فيها ﷺ للمحلقين، قال النووي: وأقل ما يجزئ من الحلق والتقصير عند الشافعي ثلاث شعرات، وعند أبي حنيفة ربع الرأس، وعند أبي يوسف نصف الرأس، وعند مالك وأحمد أكثر الرأس، وعن مالك رواية أنه كل الرأس، قال: وأجمعوا أن الأفضل حلق جميعه، أو تقصيره جميعه، قال: ويستحب ألا ينقص في التقصير عن قدر الأنملة من أطراف الشعر فإن قصر دونها جاز، لحصول اسم التقصير، قال: ويقوم مقام الحلق والتقصير النتف والإحراق وغير ذلك من أنواع إزالة الشعر. اهـ وقال في المجموع: إذا لم يكن على رأسه شعر، بأن كان أصلع أو محلوقاً فلا شيء عليه، ولا يلزمه فدية، ولا إمرار الموسى، ولا غير ذلك. ثم قال: وهل الحلق أو التقصير نسك؟ أو استباحة محظور، وليس بنسك؟ وإنما هو شيء أبيح له بعد أن كان حراماً، كالطيب واللباس؟ وعلى هذا لا ثواب فيه، ولا تعلق له بالتحلل؟ قال: والمذهب أنه نسك، يثاب عليه، ويتحلل به التحلل الأول، فعلى هذا هو ركن من أركان الحج والعمرة، لا يصح الحج ولا العمرة إلا به، ولا يجبر بدم ولا غيره ولا يفوت وقته مادام حياً، لكن أفضل أوقاته صحوة النهار يوم الأضحى، ولا يختص بمكان لكن الأفضل أن يفعله الحاج بمنى، والمعتمر بالمروة، فلو فعله في بلد آخر، موطنه أو غيره جاز بلا خلاف، ولا يزال حكم الإحرام جارياً عليه حتى يحلق. ثم قال: وهذا الذي ذكرناه من أن الحلق أو التقصير نسك هو مذهبنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء، ولم يقل بأنه ليس بنسك غير الشافعي في أحد قوليه، وحكاه القاضي عياض عن عطاء وأبي ثور وأبي يوسف. اهـ وتفيد الرواية الثامنة عشرة وملحقها والرواية التاسعة عشرة أن النبي ﷺ قسم الجانب الأيمن بين من يليه، بينما تفيد الرواية المتممة للعشرين أن النبي ﷺ أعطى شعر الجانب الأيمن لأبي طلحة الأنصاري.

стр. 2802

أما شعر الشق الأيسر فتفيد الرواية الثامنة عشرة أنه ﷺ أعطاه لأم سليم، ويفيد ملحقها أنه أعطاه أبا طلحة، وتفيد الرواية المتممة للعشرين أنه أعطاه أبا طلحة ليوزعه على الناس. وللجمع بين هذه الروايات يقول صاحب المفهم: إن قوله "لما حلق رسول الله ﷺ شق رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة" ليس مناقضاً لما في الرواية الأخرى أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس، وشعر الجانب الأيسر أعطاه أم سليم، وهي امرأة أبي طلحة، وأم أنس ﵂. قال: وحصل من مجموع الروايات أن النبي ﷺ لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة، ليقسمه بين الناس، ففعل أبو طلحة [فقوله: فقسمه -أي رسول الله ﷺ فيمن يليه أي أمر بقسمته فيمن يليه] وناول شعر الشق الأيسر لأبي طلحة ليكون عند أبي طلحة، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه. وقد جمع المحب الطبري، فقال: والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم سليم، ولا تضاد بين الروايتين، لأن أم سليم امرأة أبي طلحة فأعطاه ﷺ لهما، فنسبت العطية تارة إليه، وتارة إليها. اهـ النقطة الرابعة طواف الإفاضة: وقد سبق الكثير من أحكامه في باب وجوه الإحرام وحجة النبي ﷺ في المأخذ التاسع عشر بعد المائة. قال النووي: ويستحب طواف الإفاضة يوم النحر، وأول النهار، وقد أجمع العلماء على أن هذا الطواف ركن من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به، واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر، بعد الرمي والنحر والحلق فإن أخره عن يوم النحر وفعله في أيام التشريق أجزأه، ولا دم عليه بالإجماع، فإن أخره إلى ما بعد أيام التشريق، وأتى به بعدها أجزأه، ولا شيء عليه عندنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك وأبو حنيفة: إذا تطاول لزمه معه دم. والله أعلم. النقطة الخامسة التقديم والتأخير بين هذه الأفعال الأربعة: قال النووي في المجموع: مذهبنا أنه لو قدم الحلق على الذبح جاز، ولا دم عليه، ولو قدم الحلق على الرمي فالأصح أيضاً أنه يجوز ولا دم عليه، وقال أبو حنيفة: إذا قدم الحلق على الذبح لزمه دم إن كان قارناً أو متمتعاً، ولا شيء عليه إذا كان مفرداً، وقال مالك: إذا قدم الحلق على الذبح فلا دم عليه، وإن قدمه على الرمي لزمه الدم، وقال أحمد: إن قدم الحلق على الذبح أو الرمي جاهلاً أو ناسياً فلا دم، [فمعنى نفي الحرج عنهم وسببه أنهم فعلوه في حجة النبي ﷺ جهلاً بالحكم، فعذرهم لجهلهم، لكنه أمرهم أن يتعلموا مناسكهم وأن يأخذوها عنه ﷺ ] وإن تعمد ففي وجوب الدم روايتان عنه، وعن مالك روايتان فيمن قدم طواف الإفاضة على الرمي، إحداهما يجزئ الطواف وعليه دم، والثانية لا يجزئه، وعن سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وقتادة: عليه الدم متى قدم شيئاً على شيء من هذه. قال النووي: دليلنا الأحاديث الصحيحة السابقة، وفيها "لا حرج" ولم يفرق النبي ﷺ بين عالم وجاهل، فإن قالوا: المراد لا إثم لكونه ناسياً؟ [أي معنى "لا حرج" لا إثم، ولا يستلزم ذلك نفي الفدية] قلنا: ظاهره لا شيء عليه مطلقاً. قال: وأجمعوا على أنه لو نحر قبل الرمي لا شيء عليه. والله أعلم. وقال في شرح مسلم: أفعال الحج يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة.

стр. 2803

وأن السنة ترتيبها هكذا، فلو خالف وقدم بعضها على بعض جاز، ولا فدية عليه لهذه الأحاديث. -[النقطة السادسة ما يؤخذ من الأحاديث: ]- ويؤخذ من الروايات الأربع الأولى: ١ - إثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر. قال النووي: وهو مجمع عليه، وهو واجب وهو أحد أسباب التحلل، وهي ثلاثة، رمي جمرة العقبة يوم النحر، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى، والثالث الحلق عند من يقول: إنه نسك، وهو الصحيح. ٢ - وكون الرمي سبع حصيات، وهو مجمع عليه. ٣ - واستحباب التكبير مع كل حصاة، وهو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء كافة. قال القاضي: وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شيء عليه. ٤ - واستحباب كون الرمي من بطن الوادي. وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه، أو عن يساره، أو رماها من فوقها، أو أسفلها، أو وقف في وسطها ورماها، وأما رمي باقي الجمرات في أيام التشريق فيستحب من فوقها. ٥ - وجواز الحلف بدون استحلاف. ٦ - وجواز قول "سورة البقرة". ٧ - ومن الرواية الخامسة جواز الرمي راكباً، قال النووي: وفيها دلالة لما قاله الشافعي وموافقوه أنه يستحب لمن وصل منى راكباً أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً ولو رماها ماشياً جاز، وأما من وصلها ماشياً فيرميها ماشياً. وقال أحمد: يستحب يوم النحر أن يرمي ماشياً. اهـ وذهب مالك إلى استحباب المشي في رمي أيام التشريق، وأما رمي جمرة العقبة فيرميها على حسب حاله كيف كان. قال القاضي عياض: ليس من سنة الرمي الركوب له، ولا الترجل، ولكن يرمي الرجل على هيئته التي يكون حينئذ عليها من ركوب أو مشي، ولا ينزل إن كان راكباً لرمي، ولا يركب إن كان ماشياً، وأما الأيام بعدها فيرمي ماشياً، لأن الناس نازلون منازلهم بمنى، فيمشون للرمي، ولا يركبون، لأنه خروج عن التواضع حينئذ. ٨ - واعتبر العلماء قوله ﷺ "لتأخذوا مناسككم" أصلاً عظيماً في مناسك الحج، نحو قوله في الصلاة "صلوا كما رأيتموني أصلي". ٩ - قال النووي: وقوله "لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ . ١٠ - وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع.

стр. 2804

١١ - ومن الرواية السادسة جواز تسميتها حجة الوداع، قال النووي: ومن الناس من كره ذلك وأنكره، وهو غلط. ١٢ - وفيها جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره. قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، سواء كان راكباً أو نازلاً، وقال مالك وأحمد: لا يجوز، وإن فعله لزمته الفدية، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز، ووافقونا على أنه إذا كان الزمان يسيراً في المحمل لا فدية، وكذا لو استظل بيده، قال: وقد يحتجون بحديث عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة قال: صحبت عمر بن الخطاب ﵁ فما رأيته مضرباً فسطاطاً حتى رجع. رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن. وعن ابن عمر ﵄ "أنه أبصر رجلاً على بعيره، وهو محرم، قد استظل بينه وبين الشمس، فقال: اضح لمن أحرمت له"؟ . رواه البيهقي بإسناد صحيح، وعن جابر عن النبي ﷺ قال: ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه، حتى يعود كما ولدته أمه" رواه البيهقي وضعفه. قال: واحتج الجمهور بحديث أم الحصين المذكور في مسلم [روايتنا السادسة والسابعة] ولأنه لا يسمى لبساً. وأما حديث جابر فضعيف كما ذكرنا، مع أنه ليس فيه نهي، وكذا فعل عمر، وقول ابن عمر، ليس فيه نهي، ولو كان فحديث أم الحصين مقدم عليه. والله أعلم. والحق أن هذه الأدلة إن دلت على شيء فإنما تدل على أفضلية عدم الاستظلال، لا على وجوب، ولا على لزوم فدية كما ذهبوا، وحتى الأفضلية قد تختلف باختلاف الأزمنة وشدة الشمس وعدم شدتها، ولا شك أن التعرض للشمس الحامية التي قد تضرب المسلم ضربة قاتلة. مفضول بل ممنوع، وحتى التعرض لمجرد المشقة قد يكون مفضولاً، فقاعدة الإسلام قوله تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧]. وقوله ﷺ لمن نذرت أن تحج ماشية حافية: "إن الله غني عن نذرها. إن الله لا يصنع بشقائها شيئاً. مروها فلتركب". ١٣ - ومن أمره ﷺ بالسمع والطاعة للولاة في روايتنا السادسة وجوب الطاعة، وعدم جواز شق العصا. ١٤ - ومن الرواية الثامنة استحباب كون الحصى في قدر حصى الخذف، قال النووي: ولو رمى بأكبر أو أصغر جاز مع الكراهة. ١٥ - ومن الرواية التاسعة وقت الرمي، وقد سبق توضيحه قريباً. ١٦ - ومن الرواية الحادية عشرة جواز الاقتصار على الحلق أو التقصير. ١٧ - ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة التصريح بتفضيل الحلق على التقصير، وقد مرت المسألة قريباً مبسوطة. قال الحافظ ابن حجر: ومن ثم استحب الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة. ١٨ - ومشروعية الدعاء لمن فعل الخير. ١٩ - وتكرار الدعاء لمن فعل الراجح من الأمرين المخير فيهما.

стр. 2805

٢٠ - والتنبيه بالتكرار على رجحان أحدهما. ٢١ - وطلب الدعاء لمن فعل الجائز، وإن كان مرجوحاً. ٢٢ - ومن قوله: "أتى منى فأتى الجمرة فرماها" في الرواية السابعة عشرة أنه يستحب إذا قدم منى ألا يعرج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجمرة راكباً، كما هو فيرمها، ثم يذهب، فينزل حيث شاء من منى. ٢٣ - وفيها استحباب نحر الهدي، وأن يكون بمنى، قال النووي: ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم. ٢٤ - وفيها أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير. ٢٥ - وأنه يستحب البداءة فيه بالجانب الأيمن من رأس المحلوق. قال النووي: وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بالجانب الأيسر. ٢٦ - وطهارة شعر الآدمي. قال النووي: وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء. ٢٧ - والتبرك بشعره ﷺ ، وجواز اقتنائه للتبرك. ٢٨ - ومن توزيعه ﷺ الشعرة والشعرتين مساواة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم من عطاء وهدية ونحوها. ٢٩ - وفيه منقبة وفضيلة لأبي طلحة الأنصاري، وزوجه أم سليم. ٣٠ - ومن وقوفه ﷺ على راحلة في الرواية الواحدة والعشرين والثانية والعشرين جواز القعود على الراحلة للحاجة. ٣١ - وجواز الفتيا على الدابة. ٣٢ - وجواز السؤال والفتيا عند الجمرة. ٣٣ - وجوب اتباع أفعاله ﷺ ، لكون الذين خالفوها لما علموا سألوه عن حكم ذلك. ٣٤ - ومن قوله: "بينما هو يخطب يوم النحر" في الرواية الثالثة والعشرين مشروعية الوقوف للخطبة بعد صلاة الظهر يوم النحر، قال النووي: وهي إحدى خطب الحج المشروعة، يعلمهم فيها ما بين أيديهم من المناسك، وخطب الحج المشروعة عندنا أربع. أولها بمكة عند الكعبة في اليوم السابع من ذي الحجة، والثانية بنمرة يوم عرفة، والثالثة، بمنى يوم النحر، والرابعة بمنى في الثاني من أيام التشريق. وكلها خطب فردة، وبعد صلاة الظهر، إلا التي بنمرة، فإنها خطبتان، وقبل صلاة الظهر، وبعد الزوال. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ليس في شيء من أحاديث الباب التصريح بالخطبة في غير يوم النحر، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة يوم عرفة، فيلحق المختلف فيه بالمتفق عليه. ٣٥ - وفي الرواية السابعة والعشرين إثبات طواف الإفاضة. ٣٦ - وأنه يستحب فعله يوم النحر وأول النهار وقد سبق بسط هذه المسألة. والله أعلم
следующие страницы →