← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

النقطة الثالثة الحلق أو التقصير: وعنه تقول الرواية الحادية عشرة "حلق رسول الله ﷺ ، وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم" وفي الروايات الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة أن النبي ﷺ دعا للمحلقين مرات وللمقصرين مرة، وفي الرواية السادسة عشرة أن النبي ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع، وفي الرواية السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين كيف حلق رسول الله ﷺ الجانب الأيسر، وكيف وزع شعره ﷺ بين أصحابه، أما جواز كل من الحلق والتقصير فلا خلاف فيه، ولا خلاف كذلك في تفضيل الحلق على التقصير في الحج للتحلل منه، قالوا: لأن الحلق أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل لله، لأن المقصر مبق على نفسه من زينته التي قد أراد الله تعالى أن يكون الحاج مجانباً لها، وليبقى أثر وعلامة الحج زمناً أطول، وأفضلية الحلق على التقصير إنما هو في جانب الرجال دون النساء، لورود النهي عن حلق النساء، فقد روى أبو داود أن رسول الله ﷺ قال "ليس على النساء الحلق، وإنما على النساء التقصير" وروى الترمذي عن علي ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها". وقد سبق في المباحث العربية تحقيق القول في عدد المرات التي دعا فيها ﷺ للمحلقين، قال النووي: وأقل ما يجزئ من الحلق والتقصير عند الشافعي ثلاث شعرات، وعند أبي حنيفة ربع الرأس، وعند أبي يوسف نصف الرأس، وعند مالك وأحمد أكثر الرأس، وعن مالك رواية أنه كل الرأس، قال: وأجمعوا أن الأفضل حلق جميعه، أو تقصيره جميعه، قال: ويستحب ألا ينقص في التقصير عن قدر الأنملة من أطراف الشعر فإن قصر دونها جاز، لحصول اسم التقصير، قال: ويقوم مقام الحلق والتقصير النتف والإحراق وغير ذلك من أنواع إزالة الشعر. اهـ وقال في المجموع: إذا لم يكن على رأسه شعر، بأن كان أصلع أو محلوقاً فلا شيء عليه، ولا يلزمه فدية، ولا إمرار الموسى، ولا غير ذلك. ثم قال: وهل الحلق أو التقصير نسك؟ أو استباحة محظور، وليس بنسك؟ وإنما هو شيء أبيح له بعد أن كان حراماً، كالطيب واللباس؟ وعلى هذا لا ثواب فيه، ولا تعلق له بالتحلل؟ قال: والمذهب أنه نسك، يثاب عليه، ويتحلل به التحلل الأول، فعلى هذا هو ركن من أركان الحج والعمرة، لا يصح الحج ولا العمرة إلا به، ولا يجبر بدم ولا غيره ولا يفوت وقته مادام حياً، لكن أفضل أوقاته صحوة النهار يوم الأضحى، ولا يختص بمكان لكن الأفضل أن يفعله الحاج بمنى، والمعتمر بالمروة، فلو فعله في بلد آخر، موطنه أو غيره جاز بلا خلاف، ولا يزال حكم الإحرام جارياً عليه حتى يحلق. ثم قال: وهذا الذي ذكرناه من أن الحلق أو التقصير نسك هو مذهبنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء، ولم يقل بأنه ليس بنسك غير الشافعي في أحد قوليه، وحكاه القاضي عياض عن عطاء وأبي ثور وأبي يوسف. اهـ وتفيد الرواية الثامنة عشرة وملحقها والرواية التاسعة عشرة أن النبي ﷺ قسم الجانب الأيمن بين من يليه، بينما تفيد الرواية المتممة للعشرين أن النبي ﷺ أعطى شعر الجانب الأيمن لأبي طلحة الأنصاري.

стр. 2802

أما شعر الشق الأيسر فتفيد الرواية الثامنة عشرة أنه ﷺ أعطاه لأم سليم، ويفيد ملحقها أنه أعطاه أبا طلحة، وتفيد الرواية المتممة للعشرين أنه أعطاه أبا طلحة ليوزعه على الناس. وللجمع بين هذه الروايات يقول صاحب المفهم: إن قوله "لما حلق رسول الله ﷺ شق رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة" ليس مناقضاً لما في الرواية الأخرى أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس، وشعر الجانب الأيسر أعطاه أم سليم، وهي امرأة أبي طلحة، وأم أنس ﵂. قال: وحصل من مجموع الروايات أن النبي ﷺ لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة، ليقسمه بين الناس، ففعل أبو طلحة [فقوله: فقسمه -أي رسول الله ﷺ فيمن يليه أي أمر بقسمته فيمن يليه] وناول شعر الشق الأيسر لأبي طلحة ليكون عند أبي طلحة، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه. وقد جمع المحب الطبري، فقال: والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم سليم، ولا تضاد بين الروايتين، لأن أم سليم امرأة أبي طلحة فأعطاه ﷺ لهما، فنسبت العطية تارة إليه، وتارة إليها. اهـ النقطة الرابعة طواف الإفاضة: وقد سبق الكثير من أحكامه في باب وجوه الإحرام وحجة النبي ﷺ في المأخذ التاسع عشر بعد المائة. قال النووي: ويستحب طواف الإفاضة يوم النحر، وأول النهار، وقد أجمع العلماء على أن هذا الطواف ركن من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به، واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر، بعد الرمي والنحر والحلق فإن أخره عن يوم النحر وفعله في أيام التشريق أجزأه، ولا دم عليه بالإجماع، فإن أخره إلى ما بعد أيام التشريق، وأتى به بعدها أجزأه، ولا شيء عليه عندنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك وأبو حنيفة: إذا تطاول لزمه معه دم. والله أعلم. النقطة الخامسة التقديم والتأخير بين هذه الأفعال الأربعة: قال النووي في المجموع: مذهبنا أنه لو قدم الحلق على الذبح جاز، ولا دم عليه، ولو قدم الحلق على الرمي فالأصح أيضاً أنه يجوز ولا دم عليه، وقال أبو حنيفة: إذا قدم الحلق على الذبح لزمه دم إن كان قارناً أو متمتعاً، ولا شيء عليه إذا كان مفرداً، وقال مالك: إذا قدم الحلق على الذبح فلا دم عليه، وإن قدمه على الرمي لزمه الدم، وقال أحمد: إن قدم الحلق على الذبح أو الرمي جاهلاً أو ناسياً فلا دم، [فمعنى نفي الحرج عنهم وسببه أنهم فعلوه في حجة النبي ﷺ جهلاً بالحكم، فعذرهم لجهلهم، لكنه أمرهم أن يتعلموا مناسكهم وأن يأخذوها عنه ﷺ ] وإن تعمد ففي وجوب الدم روايتان عنه، وعن مالك روايتان فيمن قدم طواف الإفاضة على الرمي، إحداهما يجزئ الطواف وعليه دم، والثانية لا يجزئه، وعن سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وقتادة: عليه الدم متى قدم شيئاً على شيء من هذه. قال النووي: دليلنا الأحاديث الصحيحة السابقة، وفيها "لا حرج" ولم يفرق النبي ﷺ بين عالم وجاهل، فإن قالوا: المراد لا إثم لكونه ناسياً؟ [أي معنى "لا حرج" لا إثم، ولا يستلزم ذلك نفي الفدية] قلنا: ظاهره لا شيء عليه مطلقاً. قال: وأجمعوا على أنه لو نحر قبل الرمي لا شيء عليه. والله أعلم. وقال في شرح مسلم: أفعال الحج يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة.

стр. 2803

وأن السنة ترتيبها هكذا، فلو خالف وقدم بعضها على بعض جاز، ولا فدية عليه لهذه الأحاديث. -[النقطة السادسة ما يؤخذ من الأحاديث: ]- ويؤخذ من الروايات الأربع الأولى: ١ - إثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر. قال النووي: وهو مجمع عليه، وهو واجب وهو أحد أسباب التحلل، وهي ثلاثة، رمي جمرة العقبة يوم النحر، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى، والثالث الحلق عند من يقول: إنه نسك، وهو الصحيح. ٢ - وكون الرمي سبع حصيات، وهو مجمع عليه. ٣ - واستحباب التكبير مع كل حصاة، وهو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء كافة. قال القاضي: وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شيء عليه. ٤ - واستحباب كون الرمي من بطن الوادي. وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه، أو عن يساره، أو رماها من فوقها، أو أسفلها، أو وقف في وسطها ورماها، وأما رمي باقي الجمرات في أيام التشريق فيستحب من فوقها. ٥ - وجواز الحلف بدون استحلاف. ٦ - وجواز قول "سورة البقرة". ٧ - ومن الرواية الخامسة جواز الرمي راكباً، قال النووي: وفيها دلالة لما قاله الشافعي وموافقوه أنه يستحب لمن وصل منى راكباً أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً ولو رماها ماشياً جاز، وأما من وصلها ماشياً فيرميها ماشياً. وقال أحمد: يستحب يوم النحر أن يرمي ماشياً. اهـ وذهب مالك إلى استحباب المشي في رمي أيام التشريق، وأما رمي جمرة العقبة فيرميها على حسب حاله كيف كان. قال القاضي عياض: ليس من سنة الرمي الركوب له، ولا الترجل، ولكن يرمي الرجل على هيئته التي يكون حينئذ عليها من ركوب أو مشي، ولا ينزل إن كان راكباً لرمي، ولا يركب إن كان ماشياً، وأما الأيام بعدها فيرمي ماشياً، لأن الناس نازلون منازلهم بمنى، فيمشون للرمي، ولا يركبون، لأنه خروج عن التواضع حينئذ. ٨ - واعتبر العلماء قوله ﷺ "لتأخذوا مناسككم" أصلاً عظيماً في مناسك الحج، نحو قوله في الصلاة "صلوا كما رأيتموني أصلي". ٩ - قال النووي: وقوله "لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ . ١٠ - وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع.

стр. 2804

١١ - ومن الرواية السادسة جواز تسميتها حجة الوداع، قال النووي: ومن الناس من كره ذلك وأنكره، وهو غلط. ١٢ - وفيها جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره. قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، سواء كان راكباً أو نازلاً، وقال مالك وأحمد: لا يجوز، وإن فعله لزمته الفدية، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز، ووافقونا على أنه إذا كان الزمان يسيراً في المحمل لا فدية، وكذا لو استظل بيده، قال: وقد يحتجون بحديث عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة قال: صحبت عمر بن الخطاب ﵁ فما رأيته مضرباً فسطاطاً حتى رجع. رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن. وعن ابن عمر ﵄ "أنه أبصر رجلاً على بعيره، وهو محرم، قد استظل بينه وبين الشمس، فقال: اضح لمن أحرمت له"؟ . رواه البيهقي بإسناد صحيح، وعن جابر عن النبي ﷺ قال: ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه، حتى يعود كما ولدته أمه" رواه البيهقي وضعفه. قال: واحتج الجمهور بحديث أم الحصين المذكور في مسلم [روايتنا السادسة والسابعة] ولأنه لا يسمى لبساً. وأما حديث جابر فضعيف كما ذكرنا، مع أنه ليس فيه نهي، وكذا فعل عمر، وقول ابن عمر، ليس فيه نهي، ولو كان فحديث أم الحصين مقدم عليه. والله أعلم. والحق أن هذه الأدلة إن دلت على شيء فإنما تدل على أفضلية عدم الاستظلال، لا على وجوب، ولا على لزوم فدية كما ذهبوا، وحتى الأفضلية قد تختلف باختلاف الأزمنة وشدة الشمس وعدم شدتها، ولا شك أن التعرض للشمس الحامية التي قد تضرب المسلم ضربة قاتلة. مفضول بل ممنوع، وحتى التعرض لمجرد المشقة قد يكون مفضولاً، فقاعدة الإسلام قوله تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧]. وقوله ﷺ لمن نذرت أن تحج ماشية حافية: "إن الله غني عن نذرها. إن الله لا يصنع بشقائها شيئاً. مروها فلتركب". ١٣ - ومن أمره ﷺ بالسمع والطاعة للولاة في روايتنا السادسة وجوب الطاعة، وعدم جواز شق العصا. ١٤ - ومن الرواية الثامنة استحباب كون الحصى في قدر حصى الخذف، قال النووي: ولو رمى بأكبر أو أصغر جاز مع الكراهة. ١٥ - ومن الرواية التاسعة وقت الرمي، وقد سبق توضيحه قريباً. ١٦ - ومن الرواية الحادية عشرة جواز الاقتصار على الحلق أو التقصير. ١٧ - ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة التصريح بتفضيل الحلق على التقصير، وقد مرت المسألة قريباً مبسوطة. قال الحافظ ابن حجر: ومن ثم استحب الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة. ١٨ - ومشروعية الدعاء لمن فعل الخير. ١٩ - وتكرار الدعاء لمن فعل الراجح من الأمرين المخير فيهما.

стр. 2805

٢٠ - والتنبيه بالتكرار على رجحان أحدهما. ٢١ - وطلب الدعاء لمن فعل الجائز، وإن كان مرجوحاً. ٢٢ - ومن قوله: "أتى منى فأتى الجمرة فرماها" في الرواية السابعة عشرة أنه يستحب إذا قدم منى ألا يعرج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجمرة راكباً، كما هو فيرمها، ثم يذهب، فينزل حيث شاء من منى. ٢٣ - وفيها استحباب نحر الهدي، وأن يكون بمنى، قال النووي: ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم. ٢٤ - وفيها أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير. ٢٥ - وأنه يستحب البداءة فيه بالجانب الأيمن من رأس المحلوق. قال النووي: وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بالجانب الأيسر. ٢٦ - وطهارة شعر الآدمي. قال النووي: وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء. ٢٧ - والتبرك بشعره ﷺ ، وجواز اقتنائه للتبرك. ٢٨ - ومن توزيعه ﷺ الشعرة والشعرتين مساواة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم من عطاء وهدية ونحوها. ٢٩ - وفيه منقبة وفضيلة لأبي طلحة الأنصاري، وزوجه أم سليم. ٣٠ - ومن وقوفه ﷺ على راحلة في الرواية الواحدة والعشرين والثانية والعشرين جواز القعود على الراحلة للحاجة. ٣١ - وجواز الفتيا على الدابة. ٣٢ - وجواز السؤال والفتيا عند الجمرة. ٣٣ - وجوب اتباع أفعاله ﷺ ، لكون الذين خالفوها لما علموا سألوه عن حكم ذلك. ٣٤ - ومن قوله: "بينما هو يخطب يوم النحر" في الرواية الثالثة والعشرين مشروعية الوقوف للخطبة بعد صلاة الظهر يوم النحر، قال النووي: وهي إحدى خطب الحج المشروعة، يعلمهم فيها ما بين أيديهم من المناسك، وخطب الحج المشروعة عندنا أربع. أولها بمكة عند الكعبة في اليوم السابع من ذي الحجة، والثانية بنمرة يوم عرفة، والثالثة، بمنى يوم النحر، والرابعة بمنى في الثاني من أيام التشريق. وكلها خطب فردة، وبعد صلاة الظهر، إلا التي بنمرة، فإنها خطبتان، وقبل صلاة الظهر، وبعد الزوال. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ليس في شيء من أحاديث الباب التصريح بالخطبة في غير يوم النحر، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة يوم عرفة، فيلحق المختلف فيه بالمتفق عليه. ٣٥ - وفي الرواية السابعة والعشرين إثبات طواف الإفاضة. ٣٦ - وأنه يستحب فعله يوم النحر وأول النهار وقد سبق بسط هذه المسألة. والله أعلم

стр. 2806

(٣٣٩) باب نزول المحصب يوم النفر ٢٧٩٧ - عن عبد العزيز بن رفيع، قال: سألت أنس بن مالك. قلت: أخبرني عن شيء عقلته عن رسول الله ﷺ . أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: افعل ما يفعل أمراؤك. ٢٧٩٨ - عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. ٢٧٩٩ - عن نافع: أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنة وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده. ٢٨٠٠ - عن عائشة ﵂، قالت: نزول الأبطح ليس بسنة. إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج. ٢٨٠١ - عن الزهري، عن سالم، أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح. قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة؛ أنها لم تكن تفعل ذلك. وقالت: إنما نزله رسول الله ﷺ . لأنه كان منزلاً أسمح لخروجه. ٢٨٠٢ - عن ابن عباس ﵄، قال: ليس التحصيب بشيء. إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ . ٢٨٠٣ - عن سليمان بن يسار قال: قال أبو رافع ﵁ لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 2807

أن أنزل الأبطح حين خرج من منى. ولكني جئت فضربت فيه قبته. فجاء فنزل. قال أبو بكر، في رواية صالح، قال: سمعت سليمان بن يسار. وفي رواية قتيبة، قال: عن أبي رافع. وكان على ثقل النبي ﷺ . ٢٨٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "ننزل غداً، إن شاء الله، بخيف بني كنانة. حيث تقاسموا على الكفر". ٢٨٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ ، ونحن بمنى "نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة. حيث تقاسموا على الكفر". وذلك أن قريشاً وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب، ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ . يعني، بذلك المحصب. ٢٨٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "منزلنا، إن شاء الله، إذا فتح الله، الخيف. حيث تقاسموا على الكفر". -[المعنى العام]- إن مناسك الحج اعتمد فيها على أفعال رسول الله ﷺ في حجة الوداع، أخذاً من قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" وهذا حسن وجميل وسليم لا غبار عليه فيما عرف من أركان الحج وواجباته وسننه، أما ما لابس هذه الشعائر من هيئات الركوب والمشي والوقوف والجلوس والنزول وسلوك طريق من الطرق ونحو ذلك فقد تمسك باستحبابه جماعة الملتزمين بالقدوة الحرفية المطلقة وعلى رأسهم ابن عمر ﵄ ولم يتمسك به جماعة من الصحابة رأوا فيه أنه أمر اتفاقي لم يكن مقصوداً بالاستحباب، ولم يتطلبه هدف ديني. وعلى رأسهم عائشة ﵂. والكل متفق على أن من اقتدى به ﷺ في هذه الأمور، مستشعراً الاقتداء به، قاصداً المتابعة والأسوة فله أجر، لكن هل هو أجر العمل؟ أو أجر النية؟ بهذا يتحرر موطن الخلاف في مثل هذه الأمور. وموضوع أحاديث الباب من هذا القبيل. في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وبعد أن فرغ ﷺ من المبيت بمنى ورمي الجمار، واتخذ طريقه إلى مكة لطواف الوداع والرحيل نزل

стр. 2808

بواد بين جبلين بين منى ومكة يسمى الأبطح أو المحصب فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء واستراح به معظم الليل، ثم واصل المسير إلى مكة، والتزم الخلفاء الراشدون قادة الحج من بعده النزول هذا الوقت بهذا المكان، فلما كان أمراء بني أمية لم يلتزموا هذا النزول، وكانت هذه الأحاديث الدالة على هذين الاتجاهين. ولكل وجهة هو موليها. وما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ويريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، فمن تيسر له القدرة فله أجره إن شاء الله بنيته ومن لم يتيسر له ذلك فلا حرج عليه، والله أعلم. -[المباحث العربية]- (عن شيء عقلته عن رسول الله ﷺ أي عن شيء حفظته ورأيته وفهمته من فعل رسول الله ﷺ . (يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، أي وهو محرم بالحج، متجه إلى عرفات. (يوم النفر) أي يوم النزول من منى يوم الأضحى إلى الكعبة لطواف الإفاضة. (بالأبطح) ويقال له: البطحاء، وهو المحصب، بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الصاد المفتوحة، وهو الحصبة وهو مكان متسع بين مكة ومنى، وسمي بالمحصب لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل، وهو موضع منهبط، وحدوده ما بين الجبلين إلى المقابر، وليست المقبرة منه وفي لغة يقال له: الحصاب، وحده أبو عبيد من الحجون ذاهباً إلى منى، والتحصيب النزول بالمحصب، وحصب أي نزل بالمحصب. (افعل ما يفعل أمراؤك) أي لا تعترض على ولاة الأمر في عدم نزولهم بالأبطح وإن كان أبو بكر وعمر والخلفاء ﵃ كانوا ينزلون بالأبطح. (نزول الأبطح ليس بسنة) أي ليس مطلوباً يثاب على فعله. (كان أسمح لخروجه إذا خرج) أي أسهل لخروجه وأوسع وأبسط وأكثر راحة حين يخرج ويرجع من منى إلى مكة. (ليس التحصيب بشيء) أي بشيء مطلوب فعله شرعاً. (وكان على ثقل النبي ﷺ الثقل بفتح الثاء والقاف متاع المسافر، وما يحمله على دوابه، ومنه قوله تعالى ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧]. أي وكان أبو رافع مسئولاً عن أمتعة النبي ﷺ في سفره ومنزل راحته. (نازلون غداً بخيف بني كنانة) الخيف بفتح الخاء في الأصل ما انحدر عن الجبل وارتفع عن الميل أو عن القاع، وخيف بني كنانة هو المحصب.

стр. 2809

(حيث تقاسموا على الكفر) أي حيث تحالفوا وتعاهدوا على أمور وخصال من خصال الكفر والباطل، كقطيعة الرحم، ومحاربة النبي ومقاطعة أهله، وهو تحالفهم على إخراج النبي ﷺ وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى هذا الشعب، وهو خيف بني كنانة وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة، ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ليقتلوه. -[فقه الحديث]- واضح من الروايات أن النزول بالمحصب مختلف على استحبابه بين الصحابة، ثم بين الأئمة الفقهاء. وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه، ولا يؤثر في نسكه، لأن القائلين باستحبابه يقولون: إنه سنة مستقلة، ليست من مناسك الحج. وواضح من الروايات أن النبي ﷺ نزل بالمحصب بعد أن خرج من منى وفرغ من الرمي، وهو متجه إلى مكة لطواف الوداع والسفر، وأن أبا بكر وعمر والخلفاء وابن عمر التزموا النزول بالمحصب، كل ذلك لا خلاف فيه، ولكن الخلاف في أن هذا النزول كان مقصوداً من النبي ﷺ كمكان مفضل، يستحب للحاج النزول فيه عند النفر من منى؟ أو كان نزولاً اتفاقياً؟ شأنه شأن أي مكان نزل فيه لا بقصد الاستحباب؟ حتى ولو كان بخاصية دنيوية كاتساع وصلاحية أرض، ووفرة عشب ونحو ذلك، كما رأى بعض الصحابة وأمراء بني أمية؟ . فأنس في الرواية الأولى يميل إلى أنه سنة، لكن لا يصرح بذلك، بل يطلب من سائله أن يتبع أمراء بني أمية، خوف الفتنة في أمر هين. وابن عمر في الرواية الثانية والثالثة على رأس القائلين بأنه سنة. وأبو هريرة في الرواية التاسعة والعاشرة يشير إلى أنه سنة بروايته أنه كان مقصوداً للنبي ﷺ قبل النزول فيه لخاصية دينية فيه، وهو أنه كان في الكفر مكاناً للمؤامرة والتآمر على النبي ﷺ وعلى الإسلام فليعوض وليصبغ بذكر الله وإعلاء كلمته من حجاج بيته بالنزول فيه، وفي ذلك تذكير بفضل الله على المسلمين، ليشكروه على ظهور الإسلام بعد اختفائه، وعلى قوة أهله بعد ضعف، وعلى رد كيد الكافرين ومع هذا الفريق من الصحابة الشافعية والمالكية والجمهور، قالوا: يستحب النزول بالأبطح في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة عند النفر من منى، ويصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به ليلة الرابع عشر، اقتداء برسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين وغيرهم. الفريق الثاني من الصحابة تمثله عائشة ﵂ في الرواية الرابعة والخامسة، وابن عباس في الرواية السادسة، وأبو رافع في الرواية السابعة، فإنه يقرر أنه هو الذي اختار المكان دون إشارة من رسول الله ﷺ ، وكانت عائشة وأسماء أختها وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير لا يحصبون ومع هذا الفريق جمهور الحنفية. والله أعلم

стр. 2810

(٣٤٠) باب المبيت بمنى أيام التشريق وفضل القيام بالسقاية ٢٨٠٧ - عن ابن عمر ﵄: أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله ﷺ ، أن يبيت بمكة ليالي منى. من أجل سقايته. فأذن له. ٢٨٠٨ - عن بكر بن عبد الله المزني، قال: كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة. فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله! ما بنا من حاجة ولا بخل. قدم النبي ﷺ على راحلته وخلفه أسامة. فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب. وسقى فضله أسامة. وقال "أحسنتم وأجملتم. كذا فاصنعوا" فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- من شعائر الحج المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، وسواء قيل إنه واجب يجبر بدم، أو سنة يسن لمن تركه أن يذبح دماً فإن أصحاب الأعذار يرخص لهم في غير حاجة إلى جبر. وأهل الحرم منذ زمن بعيد في الجاهلية أهل نخوة ونجدة وكرم، كانوا يحتفلون بالحجيج، ويقرونهم ويكرمونهم، ويسهرون على راحتهم، ويقدمون لهم كثيراً من الخدمات، بل كان الأشراف منهم لا يترفعون عن القيام بخدمات هي في العادة مما يقوم به من هو دونهم، فهؤلاء أشرافهم يتوارثون السقاية، يستخرجون ماء زمزم من البئر بالدلاء ويضعونه في أحواض، عليها الأكواب، ويمزجونه بالرطب والزبيب ليكون شراباً طيباً حلواً للحجاج، وجاء الإسلام والعباس بن عبد المطلب يقوم على سقاية الحجيج، وأكثر ما يجتمع الحجيج بمكة يوم النحر وما بعده من أيام التشريق ولياليها، فكيف يبيت العباس بمنى ويترك السقاية؟ . لقد أحس العباس أن المبيت بمنى شعيرة مستحبة، وأن السقاية بالنسبة له ضرورية واجبة، فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرخص له بترك المبيت ليقوم بالسقاية، فأذن له ﷺ وهكذا ترى الإسلام دين الترابط والاجتماع، دين التعاون والتكامل يقدم خدمة المجتمع على خدمة النفس، ويقدم مصالح المجموع على مصلحة الفرد، ففي صالح الجميع صالح الفرد في الدنيا والآخرة.

стр. 2811

-[المباحث العربية]- (أن العباس بن عبد المطلب استأذن أن يبيت بمكة ليالي منى) أي ليالي أيام التشريق. (من أجل سقايته) السقاية إعداد الماء للشرب، وكانوا يستخرجون الماء من زمزم بالدلاء، ويجمعونه في الحياض في مكان في المسجد الحرام، ليشرب منه الحجاج، وكانوا يضعون فيه الزبيب ليصير الماء حلواً. كانت السقاية هذه حقاً للعباس في الجاهلية، وأقره النبي ﷺ عليها في الإسلام، وهي من بعده حق لآله. وكانت السقاية في يد قصي بن كلاب. ثم ورثها منه ابنه عبد مناف ثم منه ابنه هاشم، ثم منه ابنه عبد المطلب ثم منه العباس، ثم منه عبد الله، ثم منه ابنه علي، ثم واحد بعد واحد، ﵃ أجمعين. (أحسنتم وأجملتم) أي فعلتم الحسن والجميل. -[فقه الحديث]- قال النووي عن الرواية الأولى: هذا الحديث يدل لمسألتين: إحداهما أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق مأمور به، وهذا متفق عليه، لكن اختلفوا. هل هو واجب أم سنة؟ وللشافعي فيه قولان، أصحهما أنه واجب، وبه قال مالك وأحمد، والقول الثاني أنه سنة وبه قال ابن عباس والحسن وأبو حنيفة، فمن أوجبه أوجب الدم في تركه، وإن قلنا: سنة لم يجب الدم بتركه، لكن يستحب، وفي القدر المطلوب لهذا المبيت قولان للشافعي، أصحهما معظم الليل، والثاني ساعة، وحكى في المجموع قولاً بأن المعتبر أن يكون حاضراً بها عند طلوع الفجر الثاني، قال: والأكمل أن يبيت بها كل الليل. قال: ويؤمر بالمبيت في الليالي الثلاث، إلا أنه إذا نفر النفر الأول سقط مبيت الليلة الثالثة. قال: فإن ترك المبيت بمنى ليالي أيام التشريق الثلاث -وقلنا بوجوبه- لزمه دم واحد عنها. هذا هو المذهب، وحكى قول غريب أنه يجب في كل ليلة دم. وليس بشيء. وإن ترك إحدى الليالي الثلاث -مع القول بالوجوب- فثلاثة أقوال. في الليلة مد، في الليلة درهم، في الليلة ثلث دم. المسألة الثانية: أنه يجوز لأهل السقاية أن يتركوا هذا المبيت، ويذهبوا إلى مكة ليستقوا. وهل هذه الرخصة خاصة بالعباس؟ أو به وبآله؟ أو عامة لكل من تولى السقاية؟ أو يقاس على أصحاب السقاية من كان له عذره من مرض، أو شغل كالحطابين والرعاء؟ أو اشتغال بمريض؟ أقوال للفقهاء. ذكرها في المجموع بتفصيل. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - فضل السقاية والقيام بها، والثناء على أهلها.

стр. 2812

٢ - المدح والثناء في المواجهة لمن فعل خيراً، بشرط أن يؤمن عليه الغرور. ٣ - استحباب الشرب من زمزم ومن هذه السقاية للحاج والمعتمر وغيرها. ٤ - استحباب النبيذ في الماء المشروب من هذه السقاية، قال النووي: وهذا النبيذ ماء محلى بزبيب أو غيره بحيث يطيب طعمه، ولا يكون مسكراً، فأما إذا طال زمنه وصار مسكراً فهو حرام. ٥ - فيه منقبة وفضيلة للعباس ﵁. ٦ - ويؤخذ من الرواية الثانية فضيلة التمسك بما كان عليه النبي ﷺ أو كان عليه الصحابة مما رضي به وأثنى عليه، وإن كان غيره خيراً منه. ٧ - ما كان عليه أهل الفضل من التسابق في الخيرات، وفي إكرام الحجاج وسقايتهم اللبن والعسل. والله أعلم

стр. 2813

(٣٤١) باب الهدي والتصدق بلحمه وجلده، والاشتراك فيه، وكيفية نحره وبعثه إلى الحرم، وتقليده، وجواز ركوبه، وما يفعل به إذا عطب ٢٨٠٩ - عن علي ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه. وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها. وأن لا أعطي الجزار منها. قال "نحن نعطيه من عندنا". ٢٨١٠ - عن علي ﵁ عن النبي ﷺ وليس في حديثهما "أجر الجازر". ٢٨١١ - عن علي بن أبي طالب ﵁ أن نبي الله ﷺ أمره أن يقوم على بدنه. وأمره أن يقسم بدنه كلها. لحومها وجلودها وجلالها. في المساكين. ولا يعطي في جزارتها منها شيئاً. ٢٨١٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة. ٢٨١٣ - عن جابر ﵁ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج. فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة. ٢٨١٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ . فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة.

стр. 2814

٢٨١٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: اشتركنا مع النبي ﷺ في الحج والعمرة. كل سبعة في بدنة. فقال رجل لجابر: أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا من البدن. وحضر جابر الحديبية. قال: نحرنا يومئذ سبعين بدنة. اشتركنا كل سبعة في بدنة. ٢٨١٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄، يحدث عن حجة النبي ﷺ . قال: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي. ويجتمع النفر منا في الهدية. وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم. في هذا الحديث. ٢٨١٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ بالعمرة. فنذبح البقرة عن سبعة. نشترك فيها. ٢٨١٨ - عن جابر ﵁. قال: ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر. ٢٨١٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: نحر رسول الله ﷺ عن نسائه. وفي رواية: "عن عائشة، بقرة في حجته". ٢٨٢٠ - عن زياد بن جبير: أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة. فقال: ابعثها قياماً مقيدة، سنة نبيكم ﷺ . ٢٨٢١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يهدي من المدينة. فأفتل قلائد هديه. ثم لا يجتنب شيئاً مما يجتنب المحرم.

стр. 2815

٢٨٢٢ - وفي رواية عن عائشة ﵂ قالت: كأني أنظر إلي، أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، بنحوه. ٢٨٢٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي هاتين. ثم لا يعتزل شيئاً ولا يتركه. ٢٨٢٤ - عن عائشة ﵂، قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله ﷺ بيدي. ثم أشعرها وقلدها. ثم بعث بها إلى البيت. وأقام بالمدينة. فما حرم عليه شيء كان له حلاً. ٢٨٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يبعث بالهدي أفتل قلائدها بيدي. ثم لا يمسك عن شيء، لا يمسك عنه الحلال. ٢٨٢٦ - عن أم المؤمنين ﵂ قالت: أنا فتلت تلك القلائد من عهن كان عندنا. فأصبح فينا رسول الله ﷺ حلالاً. يأتي ما يأتي الحلال من أهله. أو يأتي ما يأتي الرجل من أهله. ٢٨٢٧ - عن عائشة ﵂ قالت: لقد رأيتني أفتل القلائد لهدي رسول الله ﷺ من الغنم فيبعث به. ثم يقيم فينا حلالاً. ٢٨٢٨ - عن عائشة ﵂ قالت: ربما فتلت القلائد لهدي رسول الله ﷺ . فيقلد هديه ثم يبعث به. ثم يقيم. لا يجتنب شيئاً مما يجتنب المحرم. ٢٨٢٩ - عن عائشة ﵂ قالت: أهدى رسول الله ﷺ ، مرة إلى البيت غنماً، فقلدها.

стр. 2816

٢٨٣٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كنا نقلد الشاء فنرسل بها. ورسول الله ﷺ حلال، لم يحرم عليه منه شيء. ٢٨٣١ - عن عمرة بنت عبد الرحمن أن ابن زياد كتب إلى عائشة: أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج. حتى ينحر الهدي. وقد بعثت بهديي. فاكتبي إلي بأمرك. قالت عمرة: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس. أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي. ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده. ثم بعث بها مع أبي. فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له. حتى نحر الهدي. ٢٨٣٢ - عن مسروق قال: سمعت عائشة، وهي من وراء الحجاب تصفق وتقول: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي. ثم يبعث بها. وما يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم. حتى ينحر هديه. ٢٨٣٣ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة. فقال "اركبها" قال: يا رسول الله! إنها بدنة. فقال "اركبها. ويلك! " في الثانية أو في الثالثة. ٢٨٣٤ - عن الأعرج بهذا الإسناد وقال: "بينما رجل يسوق بدنة مقلدة". ٢٨٣٥ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال: بينما رجل يسوق بدنة مقلدة، قال له رسول الله ﷺ "ويلك! اركبها" فقال: بدنة. يا رسول الله! قال: "ويلك! اركبها. ويلك! اركبها". ٢٨٣٦ - عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ برجل يسوق بدنة. فقال "اركبها" فقال: إنها بدنة. قال "اركبها" مرتين أو ثلاثاً.

стр. 2817

٢٨٣٧ - عن أنس ﵁ قال: سمعته يقول: مر على النبي ﷺ ببدنة أو هدية. فقال "اركبها" قال: إنها بدنة أو هدية. فقال "وإن". ٢٨٣٨ - وفي رواية عن أنس: "مر على النبي ﷺ ببدنة" فذكر مثله. ٢٨٣٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ وقد سئل عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت النبي ﷺ يقول "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها. حتى تجد ظهراً". ٢٨٤٠ - عن أبي الزبير قال: سألت جابراً عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت النبي ﷺ يقول "اركبها بالمعروف، حتى تجد ظهراً". ٢٨٤١ - عن موسى بن سلمة الهذلي قال: انطلقت أنا وسنان بن سلمة معتمرين. قال: وانطلق سنان معه ببدنة يسوقها. فأزحفت عليه بالطريق. فعيي بشأنها. إن هي أبدعت كيف يأتي بها. فقال: لئن قدمت البلد لأستحفين عن ذلك. قال: فأضحيت. فلما نزلنا البطحاء قال: انطلق إلى ابن عباس نتحدث إليه. قال: فذكر له شأن بدنته. فقال: على الخبير سقطت. بعث رسول الله ﷺ بست عشرة بدنة مع رجل وأمره فيها. قال: فمضى ثم رجع. فقال: يا رسول الله! كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: "انحرها. ثم اصبغ نعليها في دمها. ثم اجعله على صفحتها. ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك". ٢٨٤٢ - عن ابن عباس ﵄؛ أن رسول الله ﷺ بعث بثمان عشرة بدنة مع رجل. ثم ذكر بمثل حديث عبد الوارث. ولم يذكر أول الحديث. ٢٨٤٣ - عن ذؤيب أبي قبيصة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول "إن عطب منها شيء، فخشيت عليه موتاً، فانحرها. ثم اغمس نعلها في دمها. ثم اضرب به صفحتها. ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك".

стр. 2818

-[المعنى العام]- امتن الله على أهل مكة بأنه أطعمهم من جوع، بقوله: ﴿فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ وكان ذلك استجابة لدعوة إبراهيم ﵇، حيث قال: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وكانت الإجابة بتشريع الحج، ووفود ضيوف الرحمن على هذا البلد الأمين، وكان الأمر بذكر الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وكان هذا الذكر وشكر الله عليها بذبحها في المنحر ليأكلوا منها ويطعموا البائس الفقير ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله﴾ وهدي الحرم ويختاره من أحسن الأنعام وأسمنها ﴿فإنها من تقوى القلوب﴾ ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٣٣، ٣٤]. ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها﴾ وذبحتموها ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون﴾ [الحج: ٣٦]. ولم يقتصر الهدي إلى الحرم على من يذهب إليه بنفسه، بل شرع رسول الله ﷺ لأمته وللقادرين من أبنائها أن يبعثوا بالهدي إلى الحرم وإن لم يحرموا بحج أو عمرة، وإن لم يذهبوا بأنفسهم إلى الحرم، ففي السنة التاسعة من الهجرة كان أبو بكر ﵁ أمير الحجاج المسلمين من المدينة حيث لم يحج ﷺ فبعث معه ﷺ بإبل وبقر وغنم، وكان من تعظيم الشريعة للهدي أن يربط في عنقه قلادة، حبل من عهن أو ليف أو تيل أو نحوه كعلامة مميزة له عن السائمة، فيحافظ عليه ويرعاه ويصونه من رآه، وأحياناً يربط في هذه القلادة نعلان مما يلبسها المحرم بالحج أو العمرة، زيادة في الإعلان والإشهار بل وشرع الإسلام تجميل الهدي بأن يكسى بجل، ثوب من قماش على حسب مقدرة المهدي، حرير أو ديباج أو صوف أو قطن. ولما كانت هذه العلامات قد تسقط أو تزال عن الهدي بوسيلة أو بأخرى شرعت علامة لاصقة لازمة لا تزول، فيما هو الكثير والأصل في الهدي الإبل والبقر، هذه العلامة تعرف بإشعار الهدي، وهي كشط يسير لجزء يسير من جلد الإبل والبقر في الجانب الأيمن من السنام. ومن بعث بالهدي وبقي في موطنه لا يعتبر محرماً، ولا تسري عليه محرمات الإحرام خلافاً لما فهمه بعض الصحابة، ولم يقره فقهاء الأمة. وقد وضعت الشريعة الإسلامية أحكاماً وقواعد لهذا الهدي، منها: ١ - أن الإبل يستحب أن تنحر قائمة مقيدة معقولة اليد اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها، أما البقرة والغنم فيستحب أن تذبح مضطجعة على جنبها الأيسر، وتترك رجلها اليمنى، وتشد قوائمها الثلاث.

стр. 2819

٢ - وأن يعطى الجزار أجر جزارته من غير الهدي وخارجه، فلا يعطى من أجل جزارته شيئا من لحومها أو جلودها أو جلالها. ٣ - وأن الواحد من الإبل والبقر يقوم مقام سبع شياه، فيصح للسبعة أن يشتركوا في بدنة أو بقرة. ٤ - وأنه يجوز لصاحب الهدي ركوبه إذا احتاج إلى ركوبه، ولم يجد غيره. وأن الهدي إذا عطب في الطريق ذبح، وغمس نعله في دمه، وضرب به صفحة سنامه وترك في موضعه للمساكين، ليعلم من مر به أنه هدي فيأكله، ولا يأكل صاحبه منه ولا يطعم منه أحد من رفقته وأهل قافلته. والله أعلم. -[المباحث العربية]- (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه) بضم الباء وسكون الدال جميع بدنة، قال النووي: قال أهل اللغة: سميت البدنة لعظمها، وقال مجاهد، سميت البدن [بضم الباء وسكون الدال، وقد تضم الدال، وهي جمع بدنة، بفتح الباء والدال، وتطلق على الذكر والأنثى] لبدنها، أي لبدانتها وسمنها، وتعظيم شعائر الله استعظام البدن واستحسانها واستسمانها كذا فسرها مجاهد في الآية. قال النووي: ويطلق البدن على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر أهل اللغة، ولكن معظم استعماله في الأحاديث وكتب الفقه في الإبل خاصة. ومعنى قيام علي ﵁ على بدن النبي ﷺ أي عند نحرها، للاحتفاظ بها، ويحتمل أن المراد ما هو أعم من ذلك، أي على مصالحها في علفها ورعيها وسقيها وغير ذلك. وكان ذلك في حجة الوداع، حيث جاء علي ﵁ ببعض هدي النبي ﷺ ونحر ﷺ ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة، ثم أعطى علياً فنحر باقي المائة، وأشركه في هديه. (وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها) الأجلة، والجلال بكسر الجيم وتخفيف اللام جمع جل بضم الجيم، وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء. وفي الرواية الثانية "أمره أن يقوم على بدنه، وأمره أن يقسم بدنه كلها (أي ما نحره ﷺ بيده الشريفة وما نحره علي ﵁ بيده) لحومها وجلودها وجلالها في المساكين". (أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ ) الجزور لفظه أنثى: يقال: هذه جزور، ويقال على البعير، ولعل السائل فهم أن البدنة الأنثى وأن الجزور الذكر، ولا تقوم الأنثى مقام الذكر. لكن البدنة -كما ذكرنا- تطلق على الذكر والأنثى. قال النووي: قال العلماء: الجزور البعير. قال القاضي: وفرق هنا بين البدنة والجزور لأن البدنة والهدي ما ابتدئ إهداؤه عند الإحرام، والجزور ما اشترى بعد ذلك لينحر مكانها، فتوهم السائل أن هذا أحق في الاشتراك، فقال في جوابه: الجزور إذا اشتريت للنسك صار حكمها كالبدن.

стр. 2820

ثم قال "ما يشترك في الجزور" هكذا في النسخ "ما يشترك" وهو صحيح، ويكون "ما" بمعنى "من" ويجوز أن تكون مصدرية، أي اشتراكاً كالاشتراك في الجزور. اهـ (يهدي من المدينة) أي يبعث الهدي إلى الحرم، وهو مقيم بالمدينة. (فأفتل قلائد هديه) قال في تاج العروس: القلادة ما جعل في العنق، يكون للإنسان والفرس والكلب، والبدنة التي تهدى ونحوها. اهـ وتقليد الهدي كعلامة من علامات بعثه إلى الحرم، وفي الرواية السادسة عشرة "أنا فتلت تلك القلائد من عهن كان عندنا" والعهن هو الصوف، وقيل: هو الصوف المصبوغ ألواناً، وقولها "بيدي" لرفع مجاز أن تكون أرادت أن القلائد فتلت بأمر منها. وقولها في الرواية الرابعة عشرة "وقلدها" أي ربط القلائد في رقاب الهدي، وكان من الشعيرة أن يربطوا في القلادة نعلاً أو نعلين، كإشارة إلى السفر وإلى الجد فيه. (ثم لا يجتنب شيئاً مما يجتنب المحرم) أي لا يجتنب محرمات الإحرام، وفي الرواية الثالثة عشرة "ثم لا يعزل شيئاً ولا يتركه" أي لا يعتزل النساء كما يعتزل المحرم، ولا يترك شيئاً من محرمات الإحرام وفي الرواية الرابعة عشرة "فما حرم عليه شيء كان حلاله" أي فلم يحرم الله عليه شيئاً بسبب بعثه الهدي بل استمر ما كان حلالاً له من قبل حلالاً له بعد بعث الهدي. وفي الرواية السادسة عشرة "فأصبح فينا رسول الله ﷺ حلالاً، يأتي ما يأتي الحلال من أهله، أو يأتي ما يأتي الرجل من أهله". (ثم أشعرها) إشعار الهدي هو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته ويسحبه ويمسحه فيكون ذلك علامة على كونها هدياً، فهو كالكي وشق أذن الحيوان ليكون علامة، وغير ذلك من الوسم، ويستحب أن يكون الإشعار في صفحة سنامها الأيمن. (ويلك) قال القرطبي: قالها له تأديباً، لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه ويحتمل أن يكون فهم عنه أن يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها، فزجره عن ذلك، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عناداً، ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غرم بركوبها أو إثم، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه فتوقف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال، وقيل: لأنه كان يشرف على هلكة من الجهد و"ويل" تقال لمن وقع في هلكة، فالمعنى: أشرفت على الهلكة فاركب. وقيل: هي كلمة تدعم بها العرب كلامها، ولا تقصد معناها، كقولهم: لا أم لك. (بدنة. يا رسول الله) خبر مبتدأ محذوف، أي هي بدنة يا رسول الله؟ أي مهداة إلى البيت الحرام؟ وكأنه ظن أنه خفي على رسول الله ﷺ ذلك مع أنها مقلدة والنعل في عنقها. (قال: وإن) ذكرت أداة الشرط، وحذف فعل الشرط وجوابه، للعلم به، والتقدير: وإن كانت هدياً إلى الكعبة فاركبها.

стр. 2821

(حتى تجد ظهراً) تركبه، أي حتى تجد دابة غيرها تركبها. (فأزحفت عليه في الطريق) قال النووي: هو بفتح الهمزة، وإسكان الزاي وفتح الحاء، هذا رواية المحدثين، لا خلاف بينهم فيه. قال الخطابي: كذا يقوله المحدثون، قال: وصوابه والأجود "فأزحفت" بضم الهمزة، يقال: زحف البعير إذا قام، وأزحفه لغتان فحصل أن إنكار الخطابي ليس بمقبول، بل الجميع جائز، ومعنى "أزحف" وقف من الكلال والإعياء. (فعيي بشأنها) روي على ثلاثة أوجه، أحدها وهي رواية الجمهور "فعيي" بياءين من الإعياء، وهو العجز، ومعناه عجز عن معرفة حكمها لو عطبت عليه في الطريق، كيف يعمل بها؟ الوجه الثاني "فعي" بياء واحدة مشددة، وهي لغة بمعنى الأول، والوجه الثالث "فعني" بضم العين وكسر النون من العناية بالشيء، والاهتمام به. (إن هي أبدعت كيف يأتي بها؟ ) "أبدعت" بضم الهمزة وكسر الدال وفتح العين وإسكان التاء، ومعناه كلت وأعيت ووقفت. وأما قوله: "كيف يأتي بها؟ كذا في بعض الأصول وفي بعضها "كيف يأتي لها" وكلاهما صحيح. (لئن قدمت البلد لأستحفين عن ذلك) قال النووي: في معظم النسخ "قدمت البلد" وفي بعضها "قدمت الليلة" وكلاهما صحيح، وفي بعض النسخ "عن ذلك" وفي بعضها "عن ذاك" بغير لام، وقوله "لأستحفين" بالحاء وبالفاء، ومعناه لأسألن سؤالاً بليغاً عن ذلك، يقال: أحفى في المسألة إذا ألح فيها وأكثر منها. (فأضحيت) أي صرت في وقت الضحى. (ولا أحد من أهل رفقتك) الرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان. (بست عشرة بدنة) وفي الرواية الأخرى "بثمان عشرة بدنة" قال النووي: يجوز أنهما قضيتان [أي بعث بست عشرة بدنة، ثم بعث بثمان عشرة بدنة] ويجوز أن تكون قضية واحدة، والمراد ثمان عشرة، وليس في قوله "ست عشرة" نفي الزيادة، لأنه مفهوم عدد، ولا عمل عليه. -[فقه الحديث]- تتناول هذه المجموعة ست مسائل: الأولى: ماذا يفعل في لحوم هدايا الحرم وجلودها وجلالها؟ . الثانية: الاشتراك في الهدي. الثالثة: كيفية نحر الإبل وغيرها.

стр. 2822

الرابعة: بعث الهدي إلى الحرم، وتقليده وإشعاره. الخامسة: ركوب الهدي إذا احتيج إلى ركوبه. السادسة: ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق. ١ - أما عن المسألة الأولى فقد قال النووي عن الرواية الأولى والثانية: يؤخذ منها استحباب سوق الهدي، وجواز النيابة في نحره، والقيام عليه، وتفرقته، وأنه يتصدق بلحومها، وجلودها، وجلالها، وأنها تجلل، واستحبوا أن يكون جلاً حسناً، وألا يعطى الجزار منها، لأن عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها، وذلك لا يجوز، وفيه جواز الاستئجار على النحر ونحوه، قال: ومذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الهدي، ولا الأضحية ولا شيء من أجزائهما، سواء كانا تطوعا، أو واجبتين، لكن إن كانا تطوعا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره، ولا يجوز إعطاء الجزار منها شيئاً بسبب جزارته. هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد، وحكى ابن المنذر عن ابن عمر وأحمد وإسحاق أنه لا بأس ببيع جلد هديه، ويتصدق بثمنه. قال: ورخص في بيعه أبو ثور، وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها. وقال الحسن البصري: يجوز أن يعطي الجزار جلدها. قال النووي: وهذا منابذ للسنة. اهـ قال ابن خزيمة: النهي عن إعطاء الجزار المراد به أنه لا يعطى منها عن أجرته، وأما إذا أعطي أجرته كاملة، ثم تصدق عليه إن كان فقيراً فلا بأس بذلك. وقيل: إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة، لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه، فيرجع إلى المعاوضة. وقيل: يجوز أن يعطى فوق أجرته صدقة أو هدية. قال القاضي: التجليل سنة، وهو عند العلماء مختص بالإبل، وهو مما اشتهر من عمل السلف، قال: وممن رآه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق، قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يلطخ بالدم، قالوا: ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدي، وكان بعض السلف يجلل بالوشى، وبعضهم بالحبرة، وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر. قال مالك: وتشد الجلال على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن، لئلا تسقط. قال مالك: وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر استبقاء للثياب، لأنه كان يجلل الجلال المرتفعة من الأنماط والبرود والحير. قال: وكان لا يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات. قال: وروي عنه أنه كان يجلل من ذي الحليفة، وكان يعقد أطراف الجلال على أذنابها، فإذا مشي نزعها، فإذا كان يوم عرفة جللها، فإذا كان عند النحر نزعها لئلا يصيبها الدم. قال مالك: أما الجل فينزع في الليل، لئلا يخرقها الشوك. قال: ويستحب إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقها، وألا يجللها حتى يغدو إلى عرفات، فإذا كانت بثمن يسير فمن حين يحرم يشق ويجلل. قال القاضي: وفي شق الجلال على الأسنمة فائدة أخرى وهي إظهار الإشعار لئلا يستتر تحتها قال النووي وفي هذا الحديث الصدقة بالجلال. وهكذا قال العلماء، وكان ابن عمر أولاً يكسوها الكعبة، فلما كسيت الكعبة تصدق بها. والله أعلم. ٢ - وأما عن المسألة الثانية: وهي الاشتراك في الهدي فتتحدث عنه الروايات الثالثة والرابعة

стр. 2823

والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة. وعنها يقول النووي: في هذه الأحاديث دلالة لجواز الاشتراك في الهدي، وفي المسألة خلاف بين العلماء، فمذهب الشافعي جواز الاشتراك في الهدي، سواء كان تطوعاً أو واجباً، وسواء كانوا كلهم متقربين أو بعضهم يريد القربة، وبعضهم يريد اللحم، ودليله هذه الأحاديث، وبهذا قال أحمد وجمهور العلماء، وقال داود وبعض المالكية: يجوز الاشتراك في هدي التطوع دون الواجب، وقال مالك: لا يجوز مطلقاً، وقال أبو حنيفة: يجوز إن كانوا كلهم متقربين، وإلا فلا، وأجمعوا على أن الشاة لا يجوز الاشتراك فيها. قال، وفي هذه الأحاديث أن البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة وتقوم كل واحدة مقام سبع شياه، حتى لو كان على المحرم سبعة دماء بغير جزاء الصيد وذبح عنها بدنة أو بقرة أجزأه عن الجميع. وقال عن الرواية السابعة: في هذا الحديث فوائد. منها: وجوب الهدي على المتمتع، وجواز الاشتراك في البدنة الواجبة، لأن دم التمتع واجب، وهذا الحديث صريح في الاشتراك في الواجب، خلاف ما قاله مالك، كما قدمنا قريباً، وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وفي المسألة خلاف وتفصيل فمذهبنا أن دم التمتع إنما يجب إذا فرغ من العمرة ثم أحرم بالحج، فبإحرام الحج يجب الدم، وفي وقت جوازه ثلاثة أوجه. الصحيح الذي عليه الجمهور أنه يجوز بعد فراغ العمرة وقبل الإحرام بالحج والثاني لا يجوز حتى يحرم بالحج والثالث يجوز بعد الإحرام بالعمرة. وقال عن الرواية الثامنة: ويؤخذ من قوله "كنا نتمتع" دليل للمذهب الصحيح عند الأصوليين أن لفظ "كان" لا يقتضي التكرار، لأن إحرامهم بالتمتع بالعمرة إلى الحج مع النبي ﷺ إنما وجد مرة واحدة، وهي حجة الوداع. ٣ - المسألة الثالثة: كيفية نحر الإبل وغيرها، وقال النووي عن الرواية الحادية عشرة "ابعثها قياماً مقيدة" أي معقولة، فيستحب نحر الإبل وهي قائمة، معقولة اليد اليسرى، صح في سنن أبي داود عن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها". أما البقر والغنم فيستحب أن تذبح مضطجعة على جنبها الأيسر، وتترك رجلها اليمنى، وتشد قوائمها الثلاث، قال: وهذا الذي ذكرنا من استحباب نحرها قيامها معقولة هو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور وقال أبو حنيفة والثوري: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وحكى القاضي عن طاووس أن نحرها باركة أفضل وهذا مخالف للسنة. ٤ - المسألة الرابعة: بعث الهدي إلى الحرم وتقليده وإشعاره، وتتحدث عنها الروايات الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين والواحدة والعشرون والثانية والعشرون. قال النووي: فيها دليل على استحباب بعث الهدي إلى الحرم، وأن من لم يذهب إليه يستحب له

стр. 2824

بعثه مع غيره، واستحباب تقليده وإشعاره. والهدي ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هنا ما يجزئ في الأضحية، من الإبل والبقر والغنم خاصة. وقال: وقد اتفقوا على أنه يستحب لمن قصد مكة بحج أو عمرة أن يهدي هدياً من الأنعام، وينحره هناك، ويفرقه على المساكين الموجودين في الحرم. واتفق الشافعي والأصحاب على أنه يسن لمن أهدى شيئاً من الإبل والبقر أن يشعره ويقلده، فيجمع بين الإشعار والتقليد، وإنه إذا أهدى غنماً قلدها، ولا يشعرها، ولو ترك التقليد والإشعار فلا شيء عليه لكن فاتته الفضيلة هذا مذهبنا، وبه قال الجماهير من علماء السلف والخلف، وهو مذهب مالك وأحمد، قال الخطابي: قال جميع العلماء: الإشعار سنة، ولم ينكره أحد غير أبي حنيفة، قال الإشعار بدعة ونقل عنه أنه قال: الإشعار حرام، لأنه تعذيب للحيوان، ومثله وقد نهى الشرع عنهما. قال: والأحاديث الصحيحة [المذكورة] ترد عليه. وأما الاحتجاج بالنهي عن المثلة وعن تعذيب الحيوان فهو أن ذلك عام؛ وأحاديث الإشعار خاصة فقدمت؛ ثم قال: ومذهبنا إشعار البقر مطلقاً؛ فإن كان لها سنام أشعرت فيه؛ وإلا ففي مكانه؛ وقال مالك: إن كان لها سنام أشعرت فيه؛ وإلا فلا إشعار. ثم قال: ومذهبنا تقليد الغنم للأحاديث [روايتنا السابعة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين] وقال أبو حنيفة ومالك: لا يستحب، بل خصا التقليد بالإبل والبقر. وقال: وفي الأحاديث أن من بعث هديه لا يصير محرماً، ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا حكاية رويت عن ابن عباس وابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وحكاها الخطابي عن أهل الرأي أيضاً أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرماً من غير نية الإحرام، والصحيح ما قاله الجمهور لهذه الأحاديث. ٥ - المسألة الخامسة: ركوب الهدي إذا احتيج إلى ركوبه، وتتحدث عنها الروايات الثالثة والعشرون والرابعة والعشرون والخامسة والعشرون والسادسة والعشرون والسابعة والعشرون والثامنة والعشرون. وفي ركوب البدنة المهداة مذاهب. مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج، ولا يركبها من غير حاجة. وإنما يركبها بالمعروف من غير إضرار، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة، وهو رواية عن مالك، وقال مالك في رواية أخرى وأحمد وإسحاق: له ركوبها من غير حاجة بحيث لا يضيرها، وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: لا يركبها إلا أن لا يجد من الركوب بداً، وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر، ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إكرام البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وإهمالها بلا ركوب. دليل الجمهور أن رسول الله ﷺ أهدى ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا والله أعلم. ٦ - المسألة السادسة: ما يفعل بالهدي إذا عطب، والروايتان التاسعة والعشرون والمتممة للثلاثين تتحدثان عن ذلك.

стр. 2825

قال النووي: إذا عطب الهدي وجب ذبحه وتخليته للمساكين، ويحرم الأكل منها عليه وعلى رفقته الذين معه في الركب، سواء كان الرفيق مخالطاً له، أو في جملة الناس من غير مخالطة، والسبب في نهيهم عن الأكل قطع الذريعة، لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره أو تعييبه قبل أوانه. قال: واختلف العلماء في الهدي إذا عطب فنحره. فقال الشافعي: إن كان هدي تطوع كان له أن يفعل فيه ما شاء، من بيع وذبح وأكل وإطعام وغير ذلك، ولو تركه، ولا شيء عليه في كل ذلك، لأنه ملكه، وإن كان هدياً منذوراً لزمه ذبحه، فإن تركه حتى هلك لزمه ضمانه كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه غمس نعله في دمه وضرب بها صفحة سنامه، وتركه موضعه، ليعلم من مر به أنه هدي فيأكله، ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقاً، لأن الهدي مستحق للمساكين، فلا يجوز لغيرهم، ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة، ولا يجوز لفقراء الرفقة، وكلام جمهور الشافعية أن المراد بالرفقة جميع القافلة، وقيل: الذين يخالطون المهدي في الأكل وغيره. والله أعلم

стр. 2826

(٣٤٢) باب طواف الوداع ٢٨٤٤ - عن ابن عباس ﵄، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه. فقال رسول الله ﷺ "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت". وفي رواية قال: "ينصرفون كل وجه". ولم يقل "في كل وجه". ٢٨٤٥ - عن ابن عباس ﵄، قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت. إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. ٢٨٤٦ - عن طاووس. قال: كنت مع ابن عباس. إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: إما لا. فسل فلانة الأنصارية. هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك. وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت. ٢٨٤٧ - عن عائشة ﵂، قالت: حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت. قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ "أحابستنا هي؟ " قالت فقلت: يا رسول الله! إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت. ثم حاضت بعد الإفاضة. فقال رسول الله ﷺ "فلتنفر". ٢٨٤٨ - عن ابن شهاب بهذا الإسناد قالت: طمثت صفية بنت حيي. زوج النبي ﷺ في حجة الوداع. بعد ما أفاضت طاهراً. بمثل حديث الليث. ٢٨٤٩ - وفي رواية، عن عائشة ﵂: أنها ذكرت لرسول الله ﷺ أن صفية قد حاضت. بمعنى الحديث السابق.

стр. 2827

٢٨٥٠ - عن عائشة ﵂، قالت: كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض. قالت: فجاءنا رسول الله ﷺ فقال "أحابستنا صفية؟ " قلنا: قد أفاضت. قال "فلا. إذن". ٢٨٥١ - عن عائشة ﵂: أنها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! إن صفية بنت حيي قد حاضت. فقال رسول الله ﷺ "لعلها تحبسنا. ألم تكن قد طافت معكن بالبيت؟ " قالوا: بلى. قال "فاخرجن". ٢٨٥٢ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أراد من صفية بعض ما يريد الرجل من أهله. فقالوا: إنها حائض. يا رسول الله! قال: "وإنها لحابستنا؟ " فقالوا: يا رسول الله! إنها قد زارت يوم النحر. قال: "فلتنفر معكم". ٢٨٥٣ - عن عائشة ﵂، قالت: لما أراد النبي ﷺ أن ينفر، إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة. فقال "عقرى! حلقى! إنك لحابستنا" ثم قال لها "أكنت أفضت يوم النحر؟ " قالت: نعم. قال: "فانفري". ٢٨٥٤ - وفي رواية عن عائشة، عن النبي ﷺ . نحو الحديث السابق. غير أنها لا تذكر: "كئيبة حزينة". -[المعنى العام]- كان المسلمون قبل حجة الوداع يؤدون مناسك الحج، ثم ينصرفون كل إلى وجهه ومقصده، دون أن يطوفوا بالبيت طواف الوداع. ولما كان واجب القادم إذا دخل مكاناً أن يبدأ بالتحية، وإذا غادره ودع بالتحية، ولما

стр. 2828

كانت تحية المسجد الحرام الطواف كان المناسب للحاج أن يختم أعماله في مكة بطواف الوداع، فأمر ﷺ أصحابه في حجة الوداع بأن يكون آخر عهدهم بالحرم طواف الوداع، فقال: لا ينفرن أحد ولا يغادر الحرم إلا أن يكون طواف الوداع آخر عهده بالبيت، ورخص ﷺ للحائض أن تنفر وتسافر دون طواف الوداع مادامت قد طافت طواف الركن، طواف الإفاضة. والله أعلم. -[المباحث العربية]- (كان الناس ينصرفون في كل وجه) أي يتوجهون إلى بلادهم دون أن يطوفوا طواف الوداع. (لا ينفرن أحد) أي لا يذهبن أحد من منى إلى بلده. (حتى يكون آخر عهده بالبيت) آخر "عهده" اسم كان، و"بالبيت" خبرها والمقصود طواف الوداع، وليس مجرد رؤية البيت أو دخوله، والتقدير: حتى يكون آخر عهده بالطواف بالبيت. (أمر الناس) بضم الهمزة، مبني للمجهول، والآمر رسول الله ﷺ ، كما جاء صريحاً في الأحاديث الأخرى. (تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري، أي لا ينبغي أن تفتي بذلك، لأن زيد بن ثابت كان يقول: لا تنفر حتى تطهر وتطوف بالبيت، ومعنى "تصدر الحائض" بفتح التاء وضم الدال بينهما صاد ساكنة أي ترجع وتنصرف من منى إلى بلدها. (إما لا فسل فلانة الأنصارية) "ما" زائدة، دخلت على "إن" كما في قوله تعالى ﴿فإما ترين من البشر أحداً فقولي﴾ [مريم: ٢٦]. و"لا" أمالتها العرب إمالة خفيفة، قال ابن الأثير: والعوام يشبعون إمالتها، فتصير ألفها ياء، وهو خطأ، و"لا" في قوة جملة، أي تتضمن جملة وتغني عنها، كما في قولهم: إن زارك فزره وإلا فلا، أي وإن لم يزرك. والمعنى هنا إن لم تقبل فتواي فسل فلانة. والمراد من فلانة الأنصارية أم سليم (بضم السين) الأنصارية، أم أنس فقد روى أبو داود الطيالسي عن عكرمة قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت. وقال ابن عباس: تنفر إن شاءت. فقال الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيداً. فقال: سلوا صاحبتكم أم سليم. فسألوها فقالت: "حضت بعد ما طفت بالبيت، فأمرني رسول الله ﷺ أن انفري. فقالت: وحاضت صفية، فقالت لها عائشة. حبستنا، فأمرها النبي ﷺ أن تنفر".

стр. 2829

(ما أراك إلا قد صدقت) وفي بعض الروايات "إني وجدت الذي قلت مثل ما قلت" و"أراك" بمعنى أعتقدك، قال ذلك بعد أن سأل أم سليم. (فلتنفر) بكسر الفاء وضمها، والكسر أفصح، أي فلتدفع ولتخرج من مكة إلى وطنها المدينة دون طواف الوداع. (قالوا: بلى) كان الظاهر (قلن: بلى) فالخطاب للنساء "ألم تكن قد طافت معكن"؟ لكن يحتمل أنه كان معهن أتباع من الرجال فغلبوا. ففي الرواية السابعة "فقالوا: إنها حائض .... فقالوا: إنها قد زارت -أي طافت طواف الزيارة، وهو طواف الركن والإفاضة- قال: فلتنفر معكم". (كئيبة حزينة) يقال: كئب بكسر الهمزة يكأب بفتح الهمزة كآبة تغيرت نفسه وانكسرت من شدة الهم والحزن. (عقرى حلقى) سبق شرحها بالتفصيل في لغويات الرواية السابعة والعشرين من باب وجوه الإحرام وحجة النبي ﷺ . -[فقه الحديث]- قال النووي في المجموع: قال أصحابنا: من فرغ من مناسكه، وأراد المقام بمكة ليس عليه طواف الوداع، وهذا لا خلاف فيه، سواء كان من أهلها أو غريباً، وإن أراد الخروج من مكة إلى وطنه أو غير وطنه طاف طواف الوداع وفي حكمه قولان مشهوران: أصحهما أنه واجب، لحديث "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" والثاني لا يجب، بل هو سنة، لأنه لو وجب لم يجز للحائض تركه، ولأمرها رسول الله ﷺ بجبره بدم. اهـ وقال البدر العيني: قال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وقال الحنفية: هو واجب على الآفاقي، دون المكي والميقاتي ومن دونهم، وقال أبو يوسف: أحب إلي أن يطوف المكي، لأنه يختم المناسك ولا يجب على الحائض والنفساء، ولا على المعتمر لأن وجوبه عرف نصاً في الحج، فيقتصر عليه. واختلفوا فيمن ودع ثم بدا له شراء حوائجه، فقال عطاء: يعيد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت، وبنحوه قال الثوري والشافعي وأحمد. وقال مالك: لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه من السوق، ولا شيء عليه، وإن أقام يوماً أو نحوه أعاد، وقال أبو حنيفة: لو ودع وأقام شهراً أو أكثر أجزأه، ولا إعادة عليه. اهـ أما الحائض والنفساء فطواف الوداع ساقط عنها عند عامة أهل العلم، وخالف في ذلك

стр. 2830

بعضهم، فقالوا: لا يحل لأحد أن ينفر حتى يطوف طواف الوداع، ولم يعذروا في ذلك حائضاً لحيضها، ذكره الطحاوي. وقال ابن المنذر روى ذلك عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت، فإنهم أمروا الحائض بالمقام لطواف الوداع. فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة، وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك. قال النووي: لكن يستحب للحائض أن تقف على باب المسجد الحرام وتدعوا. والله أعلم. هذا ولبحث طواف الوداع تتمة تأتي بعد اثنى عشر باباً تحت باب: ما يقيم المهاجر بمكة. فلتراجع. والله أعلم

стр. 2831

(٣٤٣) باب دخول الكعبة والصلاة فيها ٢٨٥٥ - عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة، هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي. فأغلقها عليه. ثم مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودين عن يساره. وعموداً عن يمينه. وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة. ثم صلى. ٢٨٥٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ يوم الفتح. فنزل بفناء الكعبة. وأرسل إلى عثمان بن طلحة. فجاء بالمفتاح. ففتح الباب. قال: ثم دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة. وأمر بالباب فأغلق. فلبثوا فيه ملياً. ثم فتح الباب. فقال عبد الله: فبادرت الناس. فتلقيت رسول الله ﷺ خارجاً. وبلال على إثره. فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال: بين العمودين. تلقاء وجهه. قال: ونسيت أن أسأله: كم صلى. ٢٨٥٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح، على ناقة لأسامة بن زيد. حتى أناخ بفناء الكعبة. ثم دعا عثمان بن طلحة فقال: "ائتني بالمفتاح" فذهب إلى أمه. فأبت أن تعطيه. فقال: والله! لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي. قال: فأعطته إياه. فجاء به إلى النبي ﷺ فدفعه إليه. ففتح الباب. ثم ذكر بمثل الحديث السابق. ٢٨٥٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ البيت، ومعه أسامة وبلال وعثمان بن طلحة. فأجافوا عليهم الباب طويلاً. ثم فتح. فكنت أول من دخل. فلقيت بلالاً. فقلت: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فقال: بين العمودين المقدمين. فنسيت أن أسأله: كم صلى رسول الله ﷺ ؟ .

стр. 2832

٢٨٥٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه انتهى إلى الكعبة. وقد دخلها النبي ﷺ وبلال وأسامة. وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب. قال: فمكثوا فيه ملياً. ثم فتح الباب. فخرج النبي ﷺ . ورقيت الدرجة. فدخلت البيت. فقلت: أين صلى النبي ﷺ ؟ قالوا: ها هنا. قال: ونسيت أن أسألهم: كم صلى؟ . ٢٨٦٠ - عن سالم، عن أبيه ﵁. أنه قال: دخل رسول الله ﷺ البيت. هو وأسامة ابن زيد وبلال وعثمان بن طلحة. فأغلقوا عليهم. فلما فتحوا كنت في أول من ولج. فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. صلى بين العمودين اليمانيين. ٢٨٦١ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁. قال: رأيت رسول الله ﷺ دخل الكعبة. هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة. ولم يدخلها معهم أحد. ثم أغلقت عليهم. قال عبد الله بن عمر: فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة؛ أن رسول الله ﷺ صلى في جوف الكعبة بين العمودين اليمانيين. ٢٨٦٢ - عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطواف ولم تؤمروا بدخوله. قال: لم يكن ينهى عن دخوله. ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد، أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها. ولم يصل فيه. حتى خرج. فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين. وقال: "هذه القبلة" قلت له: ما نواحيها؟ أفي زواياها؟ قال: بل في كل قبلة من البيت. ٢٨٦٣ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل الكعبة وفيها ست سوار. فقام عند سارية فدعا، ولم يصل. ٢٨٦٤ - عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى، صاحب رسول الله ﷺ : أدخل النبي ﷺ البيت في عمرته؟ قال لا.

стр. 2833

-[المعنى العام]- في السنة السابعة من الهجرة تمكن رسول الله ﷺ من عمرة القضاء حسب شروط صلح الحديبية، ولم يدخل الكعبة، لأن ذلك لم يكن من الشروط، ولأنها كان بداخلها أصنام وصور، لا يملك إزالتها، وعلى رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه إلى المدينة فتح مكة فأرسل عمر بن الخطاب إلى الكعبة، فأخرج الأصنام منها، ومحا ما أمكنه محوه من صور على حوائطها، ثم طلب من سادن الكعبة عثمان بن أبي طلحة مفتاح الكعبة، فأتاه به، ففتحها ودخلها هو وعثمان بن أبي طلحة وأسامة بن زيد وبلال، وأغلقوا عليهم الباب، فرأى على بعض حوائطها صورة لإبراهيم ﵇ يضرب القداح ويستقسم بالأزلام، وصورة مريم وفي حجرها ابنها عيسى ﵇ مرسومة على أحد الأعمدة، فأمر أسامة أن يأتيه بدلو من ماء، وأخذ يمحو هذه الصور، يبل الثوب ويضرب به الصور، ويقول: قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون، قاتلهم الله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام. ثم دعا بزعفران فلطخ به ما صعب محوه من صور، ثم صلى رسول الله ﷺ ركعتين في جوف الكعبة، وأخذ يتحرك في أركانها وهو يكبر الله ويسبحه ويحمده، ثم خرجوا. وكان عبد الله بن عمر شديد العناية والحرص على الاقتداء برسول الله ﷺ ، فأسرع إلى بلال قبل أن يخرج من باب الكعبة يسأله: هل صلى رسول الله ﷺ ؟ في الكعبة قال: نعم. قال له: أين صلى؟ وفي أي مكان منها صلى؟ فأشار إلى الموضع الذي صلى فيه ﷺ ، فكان ابن عمر يحج كثيراً، وكان يدخل الكعبة كثيراً وكلما دخل صلى في المكان الذي صلى فيه رسول الله ﷺ . -[المباحث العربية]- (أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة) كان ذلك عام الفتح، كما في الرواية الثانية. (هو وأسامة) "هو" ضمير الفصل، يرجع إلى النبي ﷺ . (وعثمان بن طلحة الحجبي) قال النووي: هو بفتح الحاء والجيم، منسوب إلى حجابة الكعبة، وهي ولايتها وفتحها وإغلاقها وخدمتها، ويقال له ولأقاربه الحجبون والحجبة، وهو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص في هدنة الحديبية، وشهد فتح مكة، ودفع النبي ﷺ مفتاح الكعبة إليه وإلى أبي شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان هذا، لا ولده، وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، ثم نزل المدينة، فأقام بها إلى وفاة النبي ﷺ ، ثم تحول إلى مكة، فأقام بها حتى توفي، سنة اثنتين وأربعين، وقيل إنه استشهد يوم أجنادين -بفتح الدال وكسرها- وهي موضع بقرب بيت المقدس، كانت غزوته في أوائل خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وثبت في الصحيح قوله ﷺ "كل مأثرة كانت في الجاهلية فهي

стр. 2834

تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت. قال القاضي عياض: قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم. قال: وهي ولاية لهم عليها من رسول الله ﷺ ، فتبقى دائمة لهم ولذرياتهم أبداً، ولا ينازعون فيها، ولا يشاركون ماداموا موجودين صالحين لذلك. (فأغلقها عليه) ضمير الفاعل يحتمل أن يكون لرسول الله ﷺ ، فقد جاء في بعض الروايات عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح، ففتحها بيده لكنها رواية ضعيفة، كما جاء في رواية أخرى "فأغلقاها عليه" والضمير لعثمان وبلال، وهي رواية ضعيفة أيضاً، رواها مالك في الموطأ، والظاهر أن ضمير الفاعل لعثمان بن طلحة، ففي الرواية الثانية "فأمر بالباب فأغلق" وفي الرواية الخامسة "وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب" فالمباشر للغلق هو عثمان، لأنه من وظيفته، وأسند الفعل "أجافوا عليهم الباب" في الرواية الرابعة باعتبارهم راضيين به، وإنما أمر ﷺ بإغلاق الباب ليكون أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه ولئلا يجتمع الناس ويدخلوا ويزدحموا، فينالهم ضرر، ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم، وقد يقال: إنما أغلقه خشية أن يكثر الناس عليه، فيصلوا بصلاته، فليتزموها فيشق عليهم كما فعل في صلاة الليل حيث لم يخرج إليهم. (ثم مكث فيها) في الرواية الثانية "فلبثوا فيه ملياً" والضمير في "فيه" للبيت و"ملياً" أي زمناً طويلاً وفي الرواية الرابعة "فأجافوا عليهم الباب طويلاً" أي أغلقوه عليهم زمناً طويلاً. (فسألت بلالاً حين خرج) في الرواية الثانية "فبادرت الناس، فتلقيت رسول الله ﷺ خارجاً، وبلال على إثره، فقلت لبلال" وفي الرواية الرابعة "فكنت أول من دخل فلقيت بلالاً، فقلت" وفي الرواية الخامسة "فخرج النبي ﷺ ورقيت الدرجة وكانت قدر ثلثي ذراع، فدخلت البيت، فقلت "ومن مجموع الروايات يتبين أن عبد الله بن عمر حين فتح الباب رقى الدرجة التي تحت الباب، فدخل عقب خروج النبي ﷺ ، والتقى ببلال في الداخل قبل أن يخرج، فسأله فمعنى "حين خرج" حين قارب وباشر الخروج. (ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ ) أي في داخل الكعبة. في الرواية الثانية "فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال .... إلخ" وهذه الرواية أوضح الروايات في سؤال ابن عمر لبلال، وقد ذكرت بعض الروايات بعضاً، وتركت بعضاً، وكأنه استثبت أنه ﷺ صلى في الكعبة، ثم سأل عن مكان صلاته فيها. (بين العمودين تلقاء وجهه) أي في مقابل اتجاهه. وكان سقف الكعبة آنذاك قائماً على ستة أعمدة في صفين، كل صف يعترض الباب ثلاثة أعمدة، فترك ﷺ صف الأعمدة القريب من الباب، وفي الصف المقدم ترك عموداً عن يمينه وعمودين عن شماله، وفي مواجهة حائط الكعبة، وخلف ظهره باب الكعبة، وهذا معنى قوله في الرواية الأولى "جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه" وقوله في الرواية الثانية "بين العمودين تلقاء وجهه" وقوله

стр. 2835

في الرواية الرابعة "بين العمودين المقدمين" وقوله في الرواية السادسة والسابعة: "بين العمودين اليمانيين" بتخفيف الياء لأنهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءى النسب، وجوز سيبويه التشديد. قال النووي: هكذا هو في مسلم "عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه" وفي رواية للبخاري "عمودين عن يمينه وعموداً عن يساره" وهكذا هو في الموطأ وفي سنن أبي داود وفي رواية للبخاري "عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره". اهـ وقد روى البخاري "أن عبد الله بن عمر كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حين يدخل، ويجعل الباب قبل الظهر، يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريباً من ثلاثة أذرع، فيصلي، يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله ﷺ صلى فيه". (على ناقة لأسامة بن زيد) كذا هو في الأصل، لكن روى البخاري في كتاب الجهاد "أقبل النبي ﷺ يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته" وفي المغازي "وهو مردف أسامة بن زيد على القصواء" والقصواء اسم ناقة رسول الله ﷺ . (فنزل بفناء الكعبة) بكسر الفاء وبالمد جانبها وحريمها والساحة التي أمامها وكان المسجد بدون حوائط، فدخل رسول الله ﷺ المسجد بناقته، فأناخها في المسجد. (أو ليخرجن هذا السيف من صلبي) هددها بأن يقتل نفسه، وكان مسلماً، ولم يكن حرم قتل النفس أو لم يكن علم به، أو هو مجرد تهديد للتخويف. (ولم يدخلها معهم أحد) في رواية النسائي أنه كان معهم الفضل بن عباس، وفي رواية لأحمد كذلك. (فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة) هكذا على الشك، والمحفوظ أنه سأل بلالاً ويحتمل أنه سأل جماعتهم فأخبروه أو أخبره أحدهم (بلال) ووافقه عثمان فعد مخبراً. (ركع في قبل البيت) بضم القاف والباء، ويجوز إسكانها. قيل: معناه ما استقبلك منه، وقيل: مقابله، وفي رواية "فصلى ركعتين في وجه الكعبة" وهذا هو المراد بقبلها ومعناه عند بابها. (هذه القبلة) قال الخطابي: معناه أن أمر القبلة قد استقر على استقبال هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إليه أبداً، قال: ويحتمل أنه علمهم سنة موقف الإمام، وأنه يقف في وجهها دون أركانها وجوانبها، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة. قال النووي: ويحتمل معنى ثالثاً، وهو أن معناه هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله، لا كل الحرم، ولا مكة، ولا كل المسجد الذي حول الكعبة، بل هي الكعبة نفسها فقط. (أدخل النبي ﷺ البيت في عمرته؟ ) المراد بها عمرة القضاء التي كانت سنة سبع من الهجرة، قبل فتح مكة.

стр. 2836

-[فقه الحديث]- أحاديث عبد الله بن عمر ﵄ في رواياته السبع الأولى تثبت أن النبي ﷺ صلى في جوف الكعبة، لكن الرواية الثامنة والتاسعة تنفيان أن النبي ﷺ صلى في داخل الكعبة، والعلماء على الأخذ بحديث عبد الله بن عمر، لأن الرواية التاسعة عن ابن عباس، ولم يكن معهم، ولم يسأل من كان معهم. أما نفي أسامة فقد أجاب عنه العلماء بأنه يحتمل أن يكون أسامة قد غاب عن النبي ﷺ لحاجة بعد دخوله، فلم يشهد صلاته، ويدل عليه ما رواه ابن المنذر من حديث أسامة "أن النبي ﷺ رأى صوراً في الكعبة، قال: فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور" فقد أخبر أسامة أنه كان يخرج لنقل الماء، وكان ذلك كله يوم الفتح. وقال ابن حبان: الأشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين متغايرين، أحدهما يوم الفتح، وصلى فيه والآخر في حجة الوداع ولم يصل فيه، وليس بين الخبرين تضاد. قال الحافظ ابن حجر: وهذا جمع حسن، لكن تعقبه النووي بأنه لا خلاف أنه ﷺ دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما رواه الأزرقي في (كتاب مكة) عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم "أنه ﷺ إنما دخل الكعبة مرة واحدة، عام الفتح، ثم حج فلم يدخلها" قال الحافظ: وإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، وقد وقع عند الدارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. وحمل بعضهم الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضاً ونفلاً، ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة عن ابن عباس حين قيل له: كيف أصلي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبح وتكبر ولا تركع ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبح وكبر وتضرع واستغفر، ولا تركع ولا تسجد. قال الحافظ: وسنده صحيح. وقال القرطبي: يمكن حمل الإثبات على التطوع والنفي على الفرض. قال الحافظ: وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك. وقال النووي وغيره: يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبي ﷺ في ناحية، ثم صلى النبي ﷺ فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده عنه واشتغاله، ثم إنه بإغلاق الباب تكون الظلمة، مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة، فنفاها عملاً بظنه. بقي الجمع بين نفي أسامة في روايتنا الثامنة وبين ما جاء من إثباته صلاة النبي ﷺ داخل الكعبة، فقد وقع عند أبي عوانة عن ابن عمر أنه سأل بلالاً وأسامة بن زيد حين خرجا: أين صلى النبي ﷺ ؟ فقالا على وجهته، وكذا أخرج البزار نحوه، وفي رواية لأحمد والطبراني عن ابن عمر قال: أخبرني أسامة أنه صلى فيه ههنا".

стр. 2837

قال العيني: وجه الجمع بينهما أن أسامة حين أثبتها اعتمد في ذلك على غيره وحيث نفاها أراد ما في علمه، لكونه لم ير النبي ﷺ . ثم قال: ومما يرجح به إثبات صلاته ﷺ في البيت على من نفاها كثرة الرواة لها، فالذين أثبتوها بلال وعمر بن الخطاب وعثمان بن طلحة وشيبة بن عثمان والذين نفوها أسامة والفضل بن عباس وعبد الله بن العباس. أما الفضل فليس في الصحيح أنه دخل معهم، وأما ابن عباس فإنه أخبر عن أخيه الفضل، ولم يدخل مع النبي ﷺ البيت ومن الأجوبة أن القاعدة تقديم المثبت على النافي. اهـ قال الحافظ ونرجح رواية بلال من جهة أنه لم يختلف عليه في الإثبات، واختلف على من نفى. -[ويؤخذ من الأحاديث: ]- ١ - من الروايات السبع الأولى استحباب الصلاة في الكعبة. قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر في النفل، ويلتحق به الفرض، إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم. وهو قول الجمهور، وعن ابن عباس: لا تصح الصلاة داخلها مطلقاً، وعلله بأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها، فيحمل على استقبال جميعها. وبه قال بعض المالكية والظاهرية والطبري. وقال المازري: المشهور في المذاهب منع صلاة الفرض داخلها ووجوب الإعادة وأطلق الترمذي عن مالك جواز النوافل، وقيده بعض أصحابه بغير الرواتب وما تشرع فيه الجماعة، ويلحق بهذه المسألة الصلاة في الحجر. وقال النووي: اختلف العلماء في الصلاة في الكعبة إذا صلى متوجهاً إلى جدار منها، أو إلى الباب وهو مردود، فقال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد والجمهور: تصح فيها صلاة النفل وصلاة الفرض ثم أشار إلى المذاهب الأخرى بنحو السابق. ٢ - ورواية الصاحب عن الصاحب. ٣ - وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به. ٤ - والحجة بخبر الواحد. ٥ - واختصاص السابق بالبقعة الفاضلة. ٦ - والسؤال عن العلم والحرص عليه. ٧ - وفضيلة ابن عمر لشدة حرصه على تتبع آثار النبي ﷺ ليعمل بها. ٨ - وفيها أن الفاضل من الصحابة كان يغيب عن النبي ﷺ في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع عليه، لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من بلال ومن ذكر معه لم يشاركوهم في ذلك.

стр. 2838

٩ - واستدل بها البخاري على أن الصلاة إلى المقام غير واجبة. ١٠ - وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير الجماعة. ١١ - وعلى مشروعية الأبواب والغلق للمساجد. ١٢ - وأن السترة إنما تشرع حيث يخشى المرور، فإنه ﷺ صلى بين العمودين، ولم يصل إلى أحدهما، قال الحافظ: والذي يظهر أنه ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار. ١٣ - ويستفاد منها أن قول العلماء: تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة، لكونه ﷺ جاء فأناخ عند البيت، فدخله، فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل، أو هو تحية المسجد العام. ١٤ - واستحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً "من دخل البيت دخل في حسنة وخرج مغفوراً له" قال الحافظ: ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحداً بدخوله. وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج، ورده بأن النبي ﷺ إنما دخله عام الفتح، ولم يكن حينئذ محرماً. ١٥ - ومن الرواية الثامنة استحباب الدعاء في جميع نواحي الكعبة لمن دخلها. ١٦ - ومن الرواية العاشرة أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة في عمرة القضاء. قال الحافظ: قال العلماء سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصور، ثم دخلها. والله أعلم

стр. 2839

(٣٤٤) باب نقض الكعبة وبنائها ٢٨٦٥ - عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ "لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم. فإن قريشاً، حين بنت البيت، استقصرت. ولجعلت لها خلفاً". ٢٨٦٦ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ؛ أن رسول الله ﷺ قال "ألم تري أن قومك، حين بنوا الكعبة، اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله! أفلا تردها على قواعد إبراهيم! فقال رسول الله ﷺ "لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت". فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ . ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. ٢٨٦٧ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ؛ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال بكفر) لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر". ٢٨٦٨ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "يا عائشة! لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة. فألزقتها بالأرض. وجعلت لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً. وزدت فيها ستة أذرع من الحجر. فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة". ٢٨٦٩ - عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير. حتى قدم الناس الموسم. يريد أن يجرئهم

стр. 2840

(أو يحربهم) على أهل الشام. فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس! أشيروا علي في الكعبة. أنقضها ثم أبني بناءها. أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها. أرى أن تصلح ما وهي منها. وتدع بيتاً أسلم الناس عليه. وأحجاراً أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي ﷺ . فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يجده. فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثاً. ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها. فتحاماه الناس أن ينزل، بأول الناس يصعد فيه، أمر من السماء. حتى صعده رجل فألقى منه حجارة. فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا. فنقضوه حتى بلغوا به الأرض. فجعل ابن الزبير أعمدة. فستر عليها الستور. حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي ﷺ قال "لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقوي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع، ولجعلت لها باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه". قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق. ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر. حتى أبدى أساً نظر الناس إليه. فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعاً. فلما زاد فيه استقصره. فزاد في طوله عشر أذرع. وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك. ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء. أما ما زاد في طوله فأقره. وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه. وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه. ٢٨٧٠ - عن عبد الله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. قال عبد الله بن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته. فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب (يعني ابن الزبير) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: بلى! أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ "إن قومك استقصروا من بنيان البيت. ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه. فإن بدا لقومك، من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه". فأراها قريباً من سبعة أذرع. وزاد في رواية قال النبي ﷺ "ولجعلت لها بابين
следующие страницы →