← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المعنى المراد من قوله ﷺ للمقداد: "فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال". فذهب المهلب إلى أن معناه: إنك بقصدك لقتله عمدا آثم، كما كان هو بقصده لقتلك آثما، فأنتما في حالة واحدة من العصيان. اهـ. ومعناه: إن قتلته كنت آثما كحاله قبل الإسلام، وهو بعد إسلامه صار نقيا كحالك قبل أن تقتل، فالمشابهة في مطلق الإثم والنقاء من الإثم لا في الكفر. وقيل: المراد إن قتلته مستحلا لقتله بعد سماعك الحكم فأنت بمنزلته قبل أن يسلم، أي فأنت كافر، وهو بعد قولها مسلم، بمنزلتك قبل أن تقتل، وهذا تأويل بعيد. وقيل: معناه إنه مغفور له بشهادة التوحيد، كما أنك مغفور لك بشهود بدر. وهذا التأويل أكثر بعدا من سابقه، فإنه إن صح بالنسبة للجملة الأولى "فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله" فإنه لا يصح بالنسبة للثانية "وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال". ونقل ابن التين عن الداودي أنه قال: يفسره حديث ابن عباس الذي رواه البخاري "قال": قال النبي ﷺ للمقداد: إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل". والمعنى على هذا أنك إن قتلته يحتمل أن يكون بمنزلتك في مكة، وأنك كنت في مكة بمنزلته في قومه من حيث إخفاء الإيمان. وقيل: إن هذه العبارة لم يقصد منها معناها الحقيقي، وإنما قصد منها الإغلاظ بظاهر اللفظ للردع والزجر. وقال الإمام النووي: أحسن ما قيل وأظهره ما قاله الإمام الشافعي وابن القصار المالكي وغيرهما أن معناه: فإنه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله إلا الله كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله. قال ابن القصار: يعني لولا عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك. ونحن مع الإمام النووي في أن هذا المعنى أوضح التوجيهات وأحراها بالقبول. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - أن (لا إله إلا الله) تعصم الدم، وأن الحكم بالظاهر واجب. ٢ - احتج بقول المقداد، فقال: أسلمت لله، أنه يصح الدخول في الإسلام بكل ما يدل على الدخول فيه من قول أو فعل، مما يتنزل منزلة النطق بالشهادتين. وقد حكم النبي ﷺ بإسلام بني جذيمة الذين قتلهم خالد وهم يقولون: صبأنا، صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فلما بلغ ذلك النبي

стр. 317

صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم وداهم ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: في الاستدلال به على صحة إسلام من قال: أسلمت لله ولم يزد على ذلك نظر، لأن ذلك كاف في الكف وحقن الدم فقط، وليس في الحكم بالإسلام، على أنه ورد في الطريق الثاني (فقال: لا إله إلا الله) فيحتمل أن التعبير بأسلمت من تعبير راوي قول المقداد. ٣ - جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها وقد تقدم بيانه. ٤ - جواز المراجعة في العلم. ٥ - حلم العالم عن السائل. والله أعلم

стр. 318

(٥٧) باب قتل أسامة لمن قال: لا إله إلا الله ١٦٤ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية. فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلا. فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ "أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ " قال قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح. قال "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا"؟ فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. قال فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين [يعني أسامة]. قال: قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩]. فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة. وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة. ١٦٥ - عن أسامة بن زيد بن حارثة ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة. فصبحنا القوم. فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم. فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف عنه الأنصاري. وطعنته برمحي حتى قتلته. قال فلما قدمنا. بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي "يا أسامة! أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " قال قلت يا رسول الله، إنما كان متعوذا. قال، فقال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " قال فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. ١٦٦ - عن صفوان بن محرز، أنه حدث، أن جندب بن عبد الله البجلي بعث إلى عسعس بن سلامة، زمن فتنة ابن الزبير، فقال: اجمع لي نفرا من إخوانك حتى أحدثهم. فبعث رسولا إليهم. فلما اجتمعوا جاء جندب وعليه برنس أصفر. فقال: تحدثوا بما كنتم تحدثون به. حتى دار الحديث. فلما دار الحديث إليه حسر البرنس عن رأسه. فقال: إني أتيتكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم. إن رسول الله ﷺ بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين. وإنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا

стр. 319

شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله. وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته. قال وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد. فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله. فجاء البشير إلى النبي ﷺ . فسأله فأخبره. حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع. فدعاه. فسأله. فقال "لم قتلته؟ " قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين. وقتل فلانا وفلانا. وسمى له نفرا. وإني حملت عليه. فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال رسول الله ﷺ "أقتلته؟ " قال: نعم قال "فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: يا رسول الله! استغفر لي. قال "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال فجعل لا يزيده على أن يقول "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ ". -[المعنى العام]- في رمضان سنة سبع من الهجرة بعث رسول الله ﷺ سرية بإمارة غالب بن عبد الله الليثي لتأديب بطن من بطون جهينة ولتأمين المسلمين في الأرض الإسلامية، وكان في هذه السرية أسامة بن زيد. فاجأت السرية القوم صباحا فقاتلتهم، وراع المسلمين رجل من المشركين أوجع في الضرب وأكثر من قتل المسلمين، ولكن الدائرة سرعان ما دارت على المشركين فانهزموا وفروا، وتعقب أسامة ورجل من الأنصار هذا المشرك الذي قتل كثيرا من المسلمين حتى أدركاه وأحاطا به، فقال: لا إله إلا الله لينجو من القتل. وكان معلوما مشهورا أن من قالها عصم دمه وماله، فكف الأنصاري عن الرجل، لكن أسامة اعتقد أنه يخادع بها لينجو من السيف، فقاتله بالسيف فاحتمى منه، فطعنه أسامة برمحه حتى قضى عليه، وذهب البشير بخبر السرية إلى رسول الله ﷺ وحدثه حديث أسامة وقتيله، فلما وصل أسامة إلى المدينة سأله رسول الله ﷺ : أقتلته يا أسامة بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: إنه قالها خوفا من السلاح. قال له: هل شققت عن حقيقة قلبه ودخيلة نفسه لتعلم أقالها من قلبه أو خداعا؟ قال: يا رسول الله. إنه أوجع في القتل، وقتل فلانا وفلانا من المسلمين. قال رسول الله ﷺ : وقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال أسامة: يا رسول الله استغفر لي. قال: وبم تجيب يوم القيامة إذا جاءت لا إله إلا الله تطالبك بحقها في حقن الدم والمال؟ قال استغفر لي يا رسول الله. قال: وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ أعاد أسامة وكرر طلب الاستغفار، لكن رسول الله ﷺ لم يزد على قوله له: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ وحلف أسامة ألا يقاتل مسلما بعد اليوم، وجاء يوم الفتنة، وقامت الحرب بين علي وبعض المسلمين في الجمل وصفين، واستنفر على أصحابه، ومنهم أسامة، لكن أسامة أحجم عن مناصرة علي، لا ضنا بنفسه عن علي، ولا كراهة له، ولكن كما قال لرسوله: قل له لو كان في أشد الأماكن هولا

стр. 320

لأحب أن يكون معه فيه، قال لرسوله قل له: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكنه يكره قتال المسلمين. واقتدى بأسامة في ذلك سعد بن أبي وقاص، فكف عن الدخول في الفتنة قائلا: لا أقاتل مسلما حتى يقاتله أسامة. وكانت الحجة البالغة لسعد ألا يقاتل مسلما، حتى حين قال له أحد دعاة الحرب في الفتنة: أليس الله يقول: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩] قال سعد: كان الدين لله، والمقاتلون اليوم يريدون بقتالهم الفتنة، وقانا الله شرها، وجمع الأمة على حبله المتين. -[المباحث العربية]- (بعثنا رسول الله ﷺ ضمير "بعثنا" للمتكلم أسامة ومن كان معه، وليس ضمير العظمة. (في سرية) -بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء- وهي: الجماعة تخرج بالليل قيل: سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها. والسرية في العرف: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، وما افترق من السرية يسمى بعثا. وهذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبد الله الليثي، وكانت في رمضان سنة سبع من الهجرة. (فصبحنا الحرقات من جهينة) الحرقات- بضم الحاء وفتح الراء بعدها قاف - وهم: بطن من جهينة، سموا بذلك لواقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف، فأحرقوا بني مرة بالسهام وأكثروا من قتلهم، ومكان إقامتهم بناحية نجد، على مسافة ستة وتسعين ميلا من المدينة، أي نحو (١٥٢ كيلو مترا). وفي الرواية الثانية: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم" أي فاجأناهم وهجمنا عليهم في الصباح قبل أن يشعروا. يقال: صبحته: أتيته صباحا بغتة، ومنه قوله تعالى: ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر﴾ [القمر: ٣٨]. (فأدركت رجلا) معطوف على مطوي في الكلام، والتقدير: فقاتلناهم فهزمناهم، وكان رجل منهم قد أوجع في المسلمين وقتل كثيرا منهم، فلما انهزموا ولى هاربا، فأدركته. وهذا الرجل قيل: اسمه مرداس بن عمرو الفدكي، وقيل مرداس بن نهيك الفزاوي، وتقدير الكلام فأدركت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم. كما سيأتي في الرواية الثانية. (فقال: لا إله إلا الله) كناية عن الشهادتين، وقيل إن هذه الشهادة وحدها كافية في المنع من القتل خصوصا من مشرك. (فطعنته) برمحي ومازلت أطعنه حتى قتل. (فوقع في نفسي من ذلك) أي فوقع في نفسي شيء من هذا القتل، وظننت أني أخطأت.

стр. 321

(فذكرته للنبي ﷺ أي ذكرت الحدث والشأن والموضوع. (أقال .. وقتلته)؟ الاستفهام للتقرير، أي حمل المخاطب على الإقرار بأنه قتل بعد القول، ويصح أن يكون للتهويل والتعجب، ويصح أن يكون للتوبيخ على المعطوف بعد حصول المعطوف عليه، أي ما كان ينبغي أن تقتله بعد أن قال لا إله إلا الله. (إنما قالها خوفا من السلاح) ولم يقلها من قلبه، والضمير لكلمة الشهادة. (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ ) كناية عن عدم العلم بما في القلب حتى يصح الحكم المذكور، قال النووي: الفاعل في قوله "أقالها" هو القلب، فليس لك طريق إلى ما فيه، فأنكر عليه ترك العمل بما ظهر من اللسان، فقال: أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل كانت فيه حين قالها واعتقدها أو لا؟ والمعنى أنك إذا كنت لست قادرا على ذلك فاكتف منه باللسان. اهـ. (فما زال يكررها على) أي يكرر جملة "أفلا شققت عن قلبه؟ ". (حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ) التنوين عوض عن جملة، والتقدير: يوم إذ حاسبني وعنفني رسول الله ﷺ ، والمعنى: تمنيت أنه لم يكن تقدم إسلامي. بل ابتدأت الآن الإسلام ليمحو عني هذا الذنب. (فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين) المراد سعد بن أبي وقاص، والمراد من ذي البطين أسامة، وقيل له ذلك لأنه كان له بطن عظيم، فالتصغير للتعظيم. وكان أسامة قد حلف ألا يقاتل مسلما، لانزعاجه من هذه الحادثة، فاقتدى به سعد والمراد من "أقتل" أقاتل، أي لا أقاتل مسلما حتى يقاتله أسامة، أو المراد لا أقتل مسلما حتى يشرع في قتله أسامة، وليس مراد سعد أنه إن قاتل أسامة أقاتل، وإنما هو من قبيل التعليق على الممتنع وقوعه. (قال: قال رجل: ألم يقل الله .. إلخ) أي قال أسامة: قال رجل من دعاة القتال في فتنة علي، ردا على توقف أسامة وسعد عن القتال. (ولحقت أنا ورجل من الأنصار) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم هذا الأنصاري. (فلما غشيناه) -بفتح الغين وكسر الشين- أي لحقنا به حتى تغطى بنا. (إنما كان متعوذا) -بكسر الواو- أي طالبا العصمة. (فمازال يكررها) أي يكرر "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" وفي الرواية السابقة فمازال يكرر "أفلا شققت عن قلبه؟ " وفي الرواية الآتية أنه كرر "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " فيحتمل أنه ﷺ كرر الألفاظ الثلاثة، فنقل راو واحدة، ونقل الآخر الأخرى. (وعليه برنس أصفر) البرنس -بضم الباء والنون-: كل ثوب رأسه ملتصق به.

стр. 322

(تحدثوا بما كنتم تحدثون به) "تحدثون" بفتح التاء، وأصله تتحدثون به، فحذفت إحدى التائين. (حتى دار الحديث) غاية لمحذوف، أي فتحدثوا بما كانوا يتحدثون حتى دار الحديث عليهم واحدا واحدا. (حسر البرنس) أي كشفه ونحاه عن رأسه، لتتضح شخصيته ويهتم بكلامه. (ولا أريد أن أخبركم) قيل "لا" زائدة، والمعنى وأريد أن أخبركم، وقيل: ليست زائدة، والمعنى أنبئكم، ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم ﷺ ، بل أريد أن أعظمه، وأخبركم بكلام من عند نفسي، والتأويل الأول أقرب. (بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين) والمراد من البعث السرية من قبيل التوسع في الإطلاق، والمراد من القوم المشركين: الحرقات من جهينة. (وأنهم التقوا) الضمير للبعث وللقوم، أي وإن الفريقين التقوا، أو البعث باعتبار أفراده، أي وإن البعث التقوا بالقوم المشركين والأول أظهر. (فكان رجل من المشركين) "كان" تامة و"رجل" فاعلها، والمراد من الرجل مرداس. (وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته) بالفاء بعد الغين، وفي رواية: "غيلته" بالياء بعد الغين. (وكنا نحدث أنه أسامة) "نحدث" بضم النون وفتح الحاء وتشديد الدال المفتوحة. (فلما رفع عليه السيف) وفي بعض الأصول "فلما رجع عليه السيف". قال النووي: وكلاهما صحيح، "والسيف" منصوب على الروايتين، فرفع لتعديه، "ورجع" يستعمل لازما ومتعديا، والمراد هنا المتعدي. وذكر رفع السيف عليه هنا مع أنه قد سبق في الرواية الثانية "وطعنته برمحي حتى قتلته" مشكل. رفع الحافظ ابن حجر هذا الإشكال باحتمال أنه رفع عليه السيف أولا، فلما لم يتمكن من ضربه بالسيف طعنه بالرمح. (فجاء البشير إلى النبي ﷺ البشير هو الرسول الذي يسبق الغزاة ليبلغ الخبر. (فدعاه فسأله) أي دعا أسامة فسأله عما بلغه به البشير، فاعترف أسامة. واختلاف العبارة في الروايات تثير إشكالا، ذلك أن الرواية الأولى تصرح بأن أسامة هو الذي ذكر ذلك للنبي ﷺ ، والرواية الثانية والثالثة تفيد أن التبليغ لم يكن من أسامة، وللجمع. قال النووي: يحتمل أن يجمع

стр. 323

بينهما بأن أسامة وقع في نفسه من ذلك شيء بعد قتله ونوى أن يسأل عنه، فجاء البشير فأخبر به قبل مقدم أسامة، وبلغ النبي ﷺ أيضا بعد قدومهم، فسأل أسامة فذكره، وليس في قوله: "فذكرته" ما يدل على أنه قاله ابتداء قبل تقدم علم النبي ﷺ به، والله أعلم. -[فقه الحديث]- قال ابن رشد: قتل أسامة الرجل ليس من العمد الذي فيه الإثم، ولا من الخطأ الذي فيه الدية والكفارة، وإنما هو عن اجتهاد تبين خطؤه، ففيه لأسامة أجر واحد، ولو أصاب لكان له أجران، وإنما عنفه ﷺ لتركه الاحتياط، فإن الأحوط عدم قتله، قال: ولا يعترض على هذا بأنه ﷺ أدى دية الخثعميين الذين قتلهم خالد، وقد اعتصموا بالسجود، ولا بقوله - حين قتل خالد أيضا بني جذيمة وهم يقولون: صبأنا، صبأنا - اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، لأن خالدا اجتهد وأخطأ كأسامة، وإنما أدى النبي ﷺ الدية تفضلا واستئلافا لغيره، وعنف بذلك القول خالدا بترك الأحوط أيضا، فإن الأحوط أن يقف حتى يعلم ما معنى صبأنا. ومما لا شك فيه أن أسامة اجتهد وتأول، سواء قلنا إنه ظن أن الرجل قالها خوف السلاح فقط كما اعتذر هو بذلك، أو قلنا كما قال الخطابي: لعل أسامة تأول قوله تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر: ٨٥]. قال الحافظ ابن حجر: كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أن في مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأنه يجب الكف عنه حتى يختبر أمره، هل قال ذلك خالصا من قلبه؟ أو خشية من القتل؟ وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت، ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية، اهـ. نقول: لا شك أن أسامة اجتهد وتأول بهذا التأويل أو بذاك، ولهذا التأويل سقط القصاص عنه باتفاق، ولكن البعيد في قول ابن رشد أن تعنيف النبي ﷺ إنما كان لترك الأحوط، وأنه لا تبعة على أسامة، لا من حيث الدية، ولا من حيث الكفارة، فجمهور العلماء على أن الدية والكفارة لا تسقط في مثل الحالة، لكن هل ألزمه الرسول ﷺ إياها أو لم يلزمه؟ قال الداودي: لعله ألزمه وسكت الرواة عنه لعلم السامع، أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة. وقال القرطبي: حقا لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع لكن فيه بعد، لأن العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع. ثم قال: فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء لأنه كان مأذونا له في أصل القتل فلا يضمن ما أتلف من نفس، أو مال، كالخاتن والطبيب، أو لأن المقتول كان من العدو، ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته، قال: وهذا يتمشى مع بعض الآراء، أو لأن أسامة أقر بذلك ولم تقم بذلك بينة، والعاقلة لا تحمل بالاعتراف، ولم يكن عند أسامة مال يدفع منه. قال: ولم أر من اعتذر عن سقوط الكفارة، فلعلها أيضا لم تكن شرعت، والتأويل وإن أسقط القصاص لم يسقط التوبيخ كما وقع، ولا العقوبة في الآخرة، بدليل قوله ﷺ : "كيف

стр. 324

تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"؟ أي فبم تجيب إذا قيل: لم قتلت من قال: لا إله إلا الله؟ ولذا لم يقبل عذره. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - أن الأحكام يعمل فيها بالظاهر والله يتولى السرائر. ٢ - استدل بفعل جندب من جمع النفر ووعظهم أنه ينبغي للعالم والرجل العظيم المطاع وذي الشهرة أن يسكن الناس عند الفتن، ويعظهم ويوضح لهم الدلائل. ٣ - استدل به بعضهم على أن من تمنى أنه لم يكن أسلم قبل اليوم لا يكفر لأنه جازم بالإسلام في الحال والاستقبال، وفي هذا الاستدلال نظر، لأن أسامة لم يرد أنه تمنى ألا يكون مسلما قبل ذلك، وإنما قصد الإشعار بأنه استصغر ما سبق له قبل من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الإنكار الشديد، فهو إنما أورد ذلك على سبيل المبالغة لا على سبيل التمني حقيقة. ٤ - وفي الحديث جواز اللوم والتعنيف والمبالغة في الوعظ عند الأمور المهمة. ٥ - قال القرطبي: في تكريره ﷺ والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك. ٦ - قال بعضهم: يؤخذ من قوله: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها" إلخ إثبات كلام النفس. والله أعلم

стр. 325

(٥٨) باب من حمل علينا السلاح فليس منا ١٦٧ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا". ١٦٨ - عن إياس بن سلمة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "من سل علينا السيف فليس منا". ١٦٩ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا". -[المعنى العام]- كم حذر رسول الله ﷺ من الفتن، وكم نفر من مقاتلة المسلم للمسلم، وكم قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب". "إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر". "لا يحمل بعضكم السلاح على بعض". "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". "من حمل علينا السلاح فليس منا". "من سل علينا السيف فليس منا". "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". ولم يغن حذر من قدر، ووقعت الفتن كالليل المظلم، وتقاتل المسلمون حتى قتل منهم في معركة واحدة أكثر من عشرة آلاف مسلم، وقتل في مجموع معارك علي ﵁ أكثر من سبعين ألف مسلم، قتلوا جميعا بأيد مسلمة. كان لكل منهم وجهة نظر، بناها على اجتهاد واستنباط من دليل، ولا شك أن البعض مخطئ، والبعض مصيب، ولكن تحديد المخطئ والمصيب مشكل. ولا نقول إلا أن الجميع أصحاب رسول الله ﷺ وأمرهم إلى الله، وكل ما يعنينا من الحديث أنه أوعد وهدد وحذر وأنذر، وأدى ﷺ الرسالة، وبلغ الأمانة ونصح الأمة، وشهد الله بذلك والملائكة وأولوا العلم، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، ووقانا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة، إنه على كل شيء قدير.

стр. 326

-[المباحث العربية]- (من حمل علينا السلاح) الحمل كناية عن المقاتلة أو القتل، للملازمة الغالبة، وليس المراد مطلق الحمل، بقرينة قوله "علينا" والمراد من السلاح أي نوع من أنواع الإيذاء والقتال، سواء كان سيفا كما جاء في الرواية الثانية، أو عصا أو مدية أو نبلا، كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد "من رمانا بالنبل". (فليس منا) الضمير للرسول ﷺ والمسلمين، والمعنى ليس من المسلمين الكاملين في الإسلام المتبعين سنة رسوله ﵊. وقيل: ليس من أهل سنتنا، ففي الكلام مضافان محذوفان. (من سل علينا السيف) سل السيف إخراجه من غمده، والمراد رفعه في وجه المسلمين. -[فقه الحديث]- لما كان أهل السنة لا يكفرون المسلم بالمعاصي غير الشرك فإنهم لا يكفرونه بقتال أخيه المسلم ولا بقتله مادام لا يعتقد حل ذلك. ولهم في معنى هذا الحديث ونحوه عدة وجوه منها: ١ - أنه محمول على المستحل بغير تأويل، وكل مستحل للكبيرة المعلوم حرمتها من الدين بالضرورة كافر، ويكون معنى الحديث: من حمل السلاح على المسلم مستحلا دمه بغير حق فليس من المسلمين. ٢ - أن معناه فليس على طريقنا، أو ليس متبعا لطريقنا، لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه، لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله. ٣ - وقد توقف كثير من السلف عن تأويله، وحملوا على من أوله التأويل السابق، وكان سفيان بن عيينة ﵀ يكره قول من يفسره: بليس على هدينا، ويقول: بئس هذا القول، ويأمر بالإمساك عن تأويله ليكون أبلغ في الزجر، لما يوهمه من بعد فاعل ذلك عن الإسلام وعدم اندراجه تحت لواء المسلمين. والحديث يعلق الحكم على حمل السلاح وسل السيف، سواء باشر به الضرب أو قصد به الإزعاج والتخويف ونشر الرعب، وإن كان إثم الأخير دون إثم المباشر للضرب، وإثم المقاتل من غير قتل دون القاتل. بل لقد وردت أحاديث تنهى عن حمل السلاح ولو لعبا وهزلا، ففي البخاري: "لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار" وفي الترمذي "من

стр. 327

أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة" ولأحمد "مر رسول الله ﷺ بقوم في مجلس يسلون سيفا يتعاطونه بينهم غير مغمود، فقال: ألم أزجر عن هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إذا سل أحدكم سيفه، فأراد أن يناوله أخاه فليغمده، ثم يناوله إياه". قال ابن العربي: إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن فكيف الذي يصيب بها؟ . قال الحافظ ابن حجر: وإنما يستحق اللعن إذا كانت إشارته تهديدا سواء أكان جادا أم لاعبا، وإنما أوخذ اللاعب لما أدخله على أخيه من الروع، ولما يخاف من الغفلة عند الإشارة فيحصل الإيذاء من غير قصد، ولا يخفى أن إثم الهازل دون إثم الجاد. وهذا الحديث يفرض علينا تساؤلا عن موقف الصحابة حين قاتل بعضهم بعضا في موقعة الجمل وصفين وغيرهما، هل كانوا يجهلون هذه الأحاديث ووعيدها؟ أو أقدموا وهم يعلمونها ويؤولونها؟ بسط القول على هذا التساؤل سيأتي إن شاء الله في كتاب الفتن، وخلاصته أن الصحابة كانوا -كما نعلم- ثلاث فرق: فرقة مع علي ﵁، وفرقة مع خصومه، وفرقة توقفت وفرت من الفتنة ولم تدخل المعارك. أما الفرقة الأولى: فقد حملت الحديث على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما، أما من قاتل البغاة من أهل الحق فإنه لا يتناوله الوعيد المذكور. وأما الفرقة الثانية: فقد حملته على الذين يقاتلون من غير تأويل واجتهاد، أو من قصر نظره عن معرفة صاحب الحق، أو الذين يقاتلون لطلب الدنيا والملك، أما الذين يحملون السلاح لنصرة الحق فإنه لا يتناولهم الوعيد المذكور. قال الطبري في تبرير موقف هاتين الفرقتين: لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد، ولما أبطل باطل، ووجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات، وإلى أخذ الأموال، وسفك الدماء، وسبي الحريم، بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم، بأن يقولوا: هذه فتنة، وقد نهينا عن القتال، وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء. اهـ وأما الفرقة الثالثة: فقد أحست أن هذا النذير شامل لرفع السلاح على المؤمن أيا كان دافعه، مادام بغير الثلاث الواردة، النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة. وقد اختلفت هذه الفرقة في طريقة العمل، فقالت طائفة بلزوم البيوت، وقالت طائفة بالتحول عن بلد الفتن أصلا, ثم اختلفوا: فمنهم من قال، إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال: بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله، وهو معذور إن قتل أو قتل. وظاهر الحديث مع هذه الفرقة، بل تؤيدهم أحاديث كثيرة في الفتن، منها ما رواه البخاري "ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به"، وما رواه مسلم "فإذا نزلت فمن

стр. 328

كان له إبل فليلحق بإبله، قال رجل: يا رسول الله. أرأيت من لم يكن له؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع"، وما رواه أحمد من حديث ابن مسعود في ذكر الفتنة: "قلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك، وادخل دارك، قلت يا رسول الله. أرأيت إن دخل رجل على داري؟ قال: فادخل بيتك (أي حجرة نومك) قال: أفرأيت إن دخل على بيتي؟ قال: فادخل مسجدك (وقبض بيمينه على الكوع) وقل ربي الله حتى تموت على ذلك" وما رواه الطبراني "ليمسك بيده، وليكن عبد الله المقتول لا القاتل". والحقيقة أنه لو علم المتقاتلون في الفتنة هذا المصير الذي صار إليه أمر المسلمين ما تقاتلوا سواء في ذلك منتصرهم ومهزومهم. فقد روي أن عليا ﵁ سار بين القتلى بعد انتهاء معركة الجمل، فأخذ يضرب فخذيه بيديه، وهو يقول: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. هذا، وقد اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا، وأن المصيب يؤجر أجرين. فلنمسك عن إدانة هذا أو ذاك، وعن قولنا: لو كان كذا كان كذا وكذا، ولنقل قدر الله وما شاء فعل. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - تحريم قتال المسلم وقتله. ٢ - وتغليظ الأمر في ذلك. ٣ - وتحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى إيذائه. ٤ - فيه حجة للقول بسد الذرائع. ٥ - في الحديث حجة لمن لم ير القتال في الفتنة، وترك القتال مع علي في حروبه كسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم. والله أعلم

стр. 329

(٥٩) باب من غشنا فليس منا ١٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا". ١٧١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني". -[المعنى العام]- رعاية لشئون المسلمين، واهتماما بأمورهم، وحرصا على اكتشاف الأخطاء في معاملاتهم ذهب رسول الله ﷺ إلى السوق، وتفقد أحوال البيع والشراء، ورأى بائع حب يجمع كومة من الطعام (القمح أو الشعير) ليبيعها، وخوفا أن يكون الرجل قد وضع الرديء أسفل من الجيد يخفي عيوبها أدخل النبي ﷺ يده في جوفها، فأصابت يده بللا، وأحس أن الحب الأسفل مبتل بخلاف الأعلى، فغضب، معتبرا أن ذلك من غش المسلمين، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال الرجل: يا رسول الله. لقد أمطرت السماء، فأصابه المطر، ولا قبل لي بتحاشي البلل، ولا بوقاية الطعام من الماء، فقبل رسول الله ﷺ عذره ونبهه إلى ما ينبغي أن يعمله في هذه الحالة، وهو أن يخرج الحب المبتل من أسفل إلى أعلى، فإن جف الأعلى فليخرج مرة ثانية من الأسفل إلى الأعلى، حتى يراه المشتري، ويكون على بينة من إصابته بالماء، فمن أخفى عيوب سلعته فقد غش، ومن غش فليس على هدى وسنة سيد المرسلين. -[المباحث العربية]- (من غشنا) الضمير للرسول والأمة الإسلامية (أمة الإجابة) وفي الرواية الثانية "من غش" بحذف المفعول للتعميم، فيشمل غش الكافرين، وإذا أردنا من الرواية الأولى أمة الدعوة توافقت الروايتان، والغش عدم تمحيص النصح، يقال: غشه إذا أظهر له خلاف ما أضمره. (صبرة طعام) -بضم الصاد وإسكان الباء-: الكومة المجموعة من الطعام فالإضافة بمعنى

стр. 330

"من" سميت "صبرة" لإفراغ بعضها على بعض، ومنه قيل للسحاب فوق السحاب صبر، وقيل: الصبر الحبس، والطعام المصبور هو المحبوس للبيع. (أصابته السماء) أي المطر، مجاز مرسل بعلاقة الحالية والمحلية. (فليس مني) أي فليس متبعا سنتي وطريقتي، وفي المراد منه تقال الوجوه الثلاثة التي مرت في الحديث السابق "من حمل علينا السلاح فليس منا". -[فقه الحديث]- الظاهر أن صاحب الطعام أخفى الطعام المبلل عمدا إلى الأسفل، لأن المفروض أن المطر يصيب الأعلى قبل الأسفل، اللهم إلا أن يقال: إن تعرض الطعام للشمس والهواء جفف أعلاه، ويكون للرجل عذره، وهو صادق، وهو فرض أقرب إلى القبول، لأنه لا هدف للبائع من بل الطعام إذا كان سيبيعه جملة وكذلك إذا كان سيبيعه كيلا، بل إن المبلول في هاتين الحالتين ينضغط وينكبس، فلا يكون في مصلحة البائع، فإن كان سيبيعه وزنا فلا هدف من إخفاء المبلول، لأنه سينكشف عند تجزئته للميزان، فيكون المشتري بالخيار. من أجل هذا أميل إلى أن الرجل لم يتعمد إخفاء المبلول ما دام من نفس نوع الطعام الأعلى لم يصبه فساد، غاية الأمر أن المبلول يحتاج إلى نشر وتهوية ليتقي ضرر البلل. أما أن النبي ﷺ اعتبره غشا، ورتب عليه الحكم بأن من غش فليس مني، فهو من قبيل التغليظ، لأن شأن المؤمن أن ينصح، فإن لم ينصح ويبين لم يبارك له، وعدم بيان البلل قد يجعل المشتري مطمئنا فيهمل تجفيفه فيفسد، فهو وإن لم يكن فسادا فإنه قد يؤدي إلى الفساد، وهو وإن لم يترتب عليه نفع للبائع فقد يترتب عليه ضرر للمشتري، من أجل هذا كان في صورة الغش بالنسبة للمشتري، فحذر البائع. ويبدو لي أن أثر البلل كان ظاهرا في كيس الصبرة أو في وعائها أو في فرشها، مما دفع الرسول ﷺ إلى أن يدخل يده فيها، فليس من شأنه ﷺ أن يدخل يده في كل -أو جل- الكومات. ولعل الرسول ﷺ راعى كل هذه الأعذار كما راعى أن الرجل لم يتكرر منه هذا الفعل فلم يؤدبه، ولم يخرجه من السوق ولم يعمل شيئا في الطعام، وتركه يبيع، واكتفى بالقول. وقد مثل الأبي للغش أيضا ببيع التين والعنب سللا، وجعل الجيد في الأسفل وقال: إذا قوي الخلاف بين الأعلى والأسفل كان للمشتري الرجوع على البائع، لأنه من الغش، وإن لم يقو فلا رجوع له، إذ ليس من الغش، بل من الغرر اليسير الذي لا تخلو منه البياعات، فصار كالمدخول عليه، وأما ما يتفق في المقاطع من جعل طاقة التقليب (ثوب العرض) أحسن فليس من الغش، لأن المشتري لا يقتصر على تقليبها، نعم هو غش إن كان المشتري ممن يجهل ذلك كالبدوي.

стр. 331

ثم قال: وتحصيل القول في ذلك أن المغشوش إن تعذر تخليص الغش منه، كالخبز الناقص، واللبن بالماء، والثوب الخفيف النسيج، والجلد الدنيء الدبغ، فمن كان ذلك بيده يريده لنفسه ترك له، وإن كان لبيعه، ولم يقصد به الغش، كمن اشتراه ليبيعه، أو كان من صنعته وغلبته الصنعة، أو ذكر وجها يعذر به، بيع عليه بعد البيان ممن يستعمله لنفسه، أو يوضع عند أمين ليباع على ذلك، وإن قصد به الغش يؤدب ويخرج من السوق ليرتاح المسلمون منه، وقيل: بحرق الثياب والجلد، واختار بعضهم أن يحسب ما غش به من نقص كيل أو وزن أو غير ذلك من أنواع الغش، ويتصدق به عن أربابه، ويؤدب بقدر اجتهاد الحاكم. اهـ. وليس الغش قاصرا على البيع والشراء، فإنه كذلك يكون في الزواج بإبراز المخطوبة القبيحة الهيئة في صورة الجميلة، ومن بها عيب في صورة السليمة، والفقيرة في هيئة الغنية، والمنحطة خلقيا في إطار المهذبة الفاضلة، ثم بإبراز الزوج الخاطب بأنه من ذوي الحسب والنسب والمركز الاجتماعي المرموق وهو ليس على شيء من ذلك. كما يكون في الامتحان بإبراز الجاهل في صورة العالم أمام المصححين وبإبراز المفلسين والمهملين في صورة الأذكياء المجدين. كما يكون في الوظائف العامة والأعمال الخاصة، وفي كل المعاملات بإخفاء القبح وإبراز الحسن غير الحقيقي على سبيل التغرير والخداع. وإنما قرن الغش بالبيع والشراء لأنه أكثر ما يكون فيه، وإذا وجبت نصيحة المسلم والشفقة عليه، والسعي فيما يعود نفعه عليه، وكف وجوه الأذى عنه، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وجب عليه أن يبين عيوب سلعته لمن يريد شراءها، وفي ذلك يقول ﵊: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما". -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - تغليظ حرمة الغش ووجوب تبيين العيوب عند البيع. ٢ - أن واجب أئمة المسلمين تفقد حالهم وأمورهم -ولو في الأسواق- وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. ٣ - استدل به بعضهم على أن للإمام أن يذهب إلى السوق بنفسه ليشتري ما يحتاج إليه. بل ذهب بعضهم إلى أن ذلك مندوب، لأن النبي ﷺ ، إنما يفعل الأرجح، وفي هذا الاستدلال نظر، إذ ليس في الحديث أن الرسول ﷺ دخل السوق للشراء، وعلى فرض صحته فقد يفعل الشيء لبيان الجواز نعم يستدل به على جواز دخول الإمام والولاة وعظماء المسلمين الأسواق، وليس في ذلك ما يجرح الكرامة، أو يخل بالمروءة. والله أعلم

стр. 332

(٦٠) باب ليس منا من ضرب الخدود ١٧٢ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ليس منا من ضرب الخدود. أو شق الجيوب. أو دعا بدعوى الجاهلية". هذا حديث يحيى وأما ابن نمير وأبو بكر فقالا "وشق ودعا" بغير ألف. ١٧٣ - عن الأعمش بهذا الإسناد وقالا "وشق ودعا". -[المعنى العام]- إن الله خلق الإنسان هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، لكنه جل شأنه أمره أن يعالج هذه الطباع بما يتفق وقواعد الشريعة السمحة، ليكون له بذلك الأجر، أمره بالصبر عند البلاء، والاستسلام للقضاء، كما أمره بالشكر على السراء، والحمد على الرخاء. عند ذلك يكون مؤمنا كاملا، ويكون حاله خيرا كله، إن أصابه شر صبر فكان له بذلك الأجر، وعوضه الله خيرا، وإن أصابه خير شكر فكان له بذلك الأجر، وزاده الله فضلا. أما الجزع والهلع، والقنوط والتسخط ومظاهر ذلك من لطم الخدود وشق الجيوب والتلفظ بما يغضب الله، فإنه لا يرد المصاب، ولا يغير الواقع ولا يخفف الآلام النفسية، بل يشعل نار الحزن والأسى، ويورث غضب الله وسخطه وعذابه. روى البخاري: أن بنت النبي ﷺ أرسلت إليه تقول: إن ابنا لي قبض، فائتنا. فأرسل رسول الله ﷺ يقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب. هكذا يعلمنا الإسلام الإيمان بالله، والإيمان بالقدر خيره وشره. ولو آمنا بأن أموالنا وأولادنا وديعة عندنا، بل نحن في دنيانا وديعة يستردها الله متى شاء، ولا اعتراض على المالك عند استرداده وديعته، ولا حق لنا في الهلع على وديعة يأخذها صاحبها، لو آمنا بذلك، وعملنا بمقتضى هذا الإيمان، لكانت لنا البشرى، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].

стр. 333

-[المباحث العربية]- (من ضرب الخدود) الخد: جانب الوجه، وللإنسان خدان، ولعل جمع "الخدود" على قول من يرى أن الجمع فوق الواحد. أو أن الإفراد في فاعل "ضرب" مراعاة للفظ "من" والمعنى على الجمع، فكأنه قال: من ضربوا الخدود، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، فيؤول المعنى إلى من ضرب الخد، والمقصود من ضرب الخدود: لطم الإنسان خد نفسه على سبيل الهلع والجزع عند المصائب، فلا يشمل ضرب الإنسان خد غيره، فهو من قبيل العام المخصوص بحكم العرف، وإطلاق الخد لأنه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك. -[(أو شق الجيوب)]- الجيب: ما يفتح من الثوب لإدخال الرأس منه، والمراد بشقه: إكمال فتحته إلى الآخر، أو زيادتها على وجه الهلع والتسخط. وفي الرواية الثانية "وشق الجيوب" بالواو، وهي بمعنى "أو" لأن من فعل واحدة من الثلاث داخل في الوعيد، والتبري يقع بكل واحد من المذكورات، لا بمجموعها. (ودعا بدعوى الجاهلية) أي بدعوى أهل الجاهلية كما جاء في بعض الروايات، والمراد بالجاهلية: ما كان في الفترة قبل الإسلام، والمراد بدعواها: ما كانوا يفعلونه من النياحة، وندبة الميت والدعاء بالويل والثبور، كما سيأتي. -[فقه الحديث]- قال الحافظ ابن حجر: ليس المراد به (أي بقوله: ليس منا) إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ: المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست مني أي ما أنت على طريقتي. وقال ابن المنير: الأولى أن يقال: المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرض لأن يهجر ويعرض عنه، فلا يختلط بجماعة السنة تأديبا له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبحها الإسلام. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، أي إنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله. حكاه ابن العربي. قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبري في رواية البخاري "برئ منه النبي ﷺ " وأصل البراءة: الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بألا يدخله في شفاعته مثلا. وقال المهلب: قوله "أنا بريء" أي من فاعل ما ذكر وقت ذلك الفعل [أي الموت]، ولم يرد نفيه عن الإسلام. اهـ. ثم قال الحافظ ابن حجر: وكأن السبب في تحريم ما ذكر ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء،

стр. 334

فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم، أو تسخط مثلا بما وقع، فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين. اهـ. وأعتقد أن هذه الثلاثة: (ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية) إنما قصد بها التمثيل لا الحصر، لأنها هي التي كانت شائعة في هذه البيئة آنئذ، فيلحق بها ما يجري في هذه الأيام في بعض البلاد من دهان الوجه بالنيلة واللون الأزرق، وخنق الرقبة بالثياب والإمساك بطرفي الثوب بين اليدين والولولة به، ورفع التراب على الرأس، ونحو ذلك من مظاهر السخط وعدم الرضا بالقضاء. وهل يدخل في ذلك لبس السواد فوق مدة الحداد المشروعة، وترك الشعر بدون حلق، وتحريم أنواع من الأطعمة ونحوها من مظاهر الحزن؟ الظاهر: لا، وإن كان ذلك مخالفا للشرع أيضا. وقد كانت النياحة في الجاهلية مظهرا من مظاهر حب الميت وتقديره والاعتزاز به، بل كان بعض الموتى يوصي بالمبالغة فيها قبل موته، حتى قال طرفة بن العبد: إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد كما كان النساء يجامل بعضهن بعضا بالنياحة، وتلتزم الواحدة منهن رد ما قدمت الأخرى من النياحة عند مصيبتها، فشدد الرسول ﷺ النهي عن النياحة، وكان فيما يأخذه على النساء عند البيعة ألا ينحن. وقال فيما رواه مسلم: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب". أما البكاء من غير نوح فقد رخص فيه النبي ﷺ . وقد يظن أن الرثاء، وذكر مآثر الميت ومحامده من المنهي عنه في قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية". وليس الأمر كذلك، لأن المقصود بدعوى الجاهلية ألفاظ الأسى والتحسر التي كانت تصاحب المصيبة، والصراخ والعويل والندبة والدعاء بالويل والثبور. لكن مواساة الميت بالحديث الحسن عنه، وبتعداد فضائله، فلا شيء فيه، فقد ورد "اذكروا محاسن موتاكم" على ألا يكون في ذلك إثارة الشجن، أو بعث الحسرة، أو تجديد الأحزان بعد فوات الأوان، ولشرح الحديث صلة وثيقة بالحديث الآتي، فليتبع. والله أعلم

стр. 335

تابع باب ليس منا من ضرب الخدود ١٧٤ - عن أبي بردة بن أبي موسى. قال: وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه. ورأسه في حجر امرأة من أهله. فصاحت امرأة من أهله. فلم يستطع أن يرد عليها شيئا. فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة. ١٧٥ - عن عبد الرحمن بن يزيد وأبي بردة بن أبي موسى قالا: أغمي على أبي موسى وأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة. قال: ثم أفاق. قال: ألم تعلمي (وكان يحدثها) أن رسول الله ﷺ قال "أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق". ١٧٦ - عن أبي موسى عن النبي ﷺ بهذا الحديث غير أن في حديث عياض الأشعري: "قال ليس منا" ولم يقل "بريء". -[المعنى العام]- مرض أبو موسى الأشعري وقت أن كان أميرا للبصرة من قبل عمر بن الخطاب، وبلغ به المرض حد الإغماء والغيبوبة وعدم التيقظ الكامل، وكان في حجر امرأة من نسائه فاسترخت أعضاؤه، وثقلت رأسه وأغمض عينيه، وانزعجت امرأته التي أقبلت في هذه الحالة، فصرخت باكية، ورفعت صوتها صائحة، وتنبه أبو موسى بعض التنبه لهذا الصياح لكنه لم يستطع أن ينهرها، ولم يقو لسانه على التحرك بكلمة، فلما أفاق وسري عنه ما كان به من غيبوبة قال لها: ألم أعظك وأعلمك أن النبي ﷺ لعن الصائحة والحالقة شعرها والشاقة جيبها؟ وتبرأ من فعلهن؟ يا هذه، إني بريء من عاقبة صياحك، إني بريء مما تبرأ منه النبي ﷺ ، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد. وانزجرت امرأته، وعوفي أبو موسى من مرضه، وعاش بعده زمنا طويلا، ﵁ وأرضاه.

стр. 336

-[المباحث العربية]- (وجع أبو موسى وجعا) وجع -بكسر الجيم-: أصابه وجع وألم. وأبو موسى هو الأشعري وقوله: "وجعا" مفعول مطلق مؤكد للفعل أي وجع وجعا بالغا. (فغشي عليه) بضم الغين وكسر الشين، وفي الرواية الثانية "أغمي على أبي موسى" ومعناهما واحد، أي أصابته غيبوبة من شدة المرض. (ورأسه في حجر امرأة من أهله) جملة حالية، "حجر" بفتح الحاء وكسرها لغتان. (فصاحت امرأة من أهله) أي صرخت ببكاء، وهذه المرأة غير السابقة، فإن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، يؤيده الرواية الثانية "وأقبلت امرأته أم عبد الله" فالتي صاحت أم عبد الله، والتي حملت رأسه في حجرها أم أبي بردة. (فلم يستطع أن يرد عليها شيئا) من الكلام إما لشدة الوجع، وإما لغيبوبته، وهو الأنسب لقوله: "فلما أفاق". (أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ أصل البراءة: الانفصال، والمراد منها هنا التخلي والبعد عن التبعية والإثم، وكان الظاهر أن يقول: "ممن برئ" كما قال في الرواية الثانية: "ممن حلق". قال النووي: كذا هو في الأصول "مما" وهو صحيح، أي من الشيء الذي برئ منه رسول الله ﷺ . (بريء من الصالقة) وهي التي تصرخ وتصيح، وترفع صوتها بالبكاء عند المصيبة والصالقة والسالقة -بالصاد والسين- لغتان، ومنه قوله تعالى: ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾ [الأحزاب: ١٩] وعليه صحت الرواية الثانية "أنا بريء ممن حلق وسلق" وحكي عن ابن الأعرابي: أن الصلق ضرب الوجه، والأول هو الذي عليه أهل اللغة. (والحالقة) هي التي تحلق شعرها عند المصيبة. (والشاقة) هي التي تشق ثوبها عند المصيبة، أي والشاقة جيبها، وهو المراد من الخرق في الرواية الثانية، إذ خرق الثوب شقه. (تصريح برنة) بفتح الراء وتشديد النون، والرنة: صوت مع البكاء فيه ترجيع. (ألم تعلمي) مفعولا "تعلمي" محذوفان، أي ألم تعلمي ما حدثتك به عن رسول الله ﷺ من وعيد الصالقة؟ والاستفهام تقريري أي: أقري بأنك تعلمين، وأني علمتك. (وكان يحدثها) وكان قبل الإغماء قد حدثها مرارا، فالتعبير بالمضارع للتجدد.

стр. 337

(أنا بريء ممن حلق) أي بريء من فعلهن، أو من إثمهن وما يستوجبن من عقوبة، أو من عهدة مالزمني بيانه من الحرمة، ويجوز أن يراد به ظاهره، أي أنا منفصل عن فاعل هذه الأمور ويصح أن يكون كناية عن الزجر والتحذير من الفعل، كما تقول لابنك: أنا بريء منك إذا فعلت كذا. -[فقه الحديث]- هذا الحديث أصل عظيم في النهي عن المنكر، والخروج من تبعة الوقوع فيه، وإذا كان الخلاف بين العلماء قد بلغ حده في تأثر الميت ببكاء أهله، وتعذبه بصراخهم بناء على الأحاديث الواردة في ذلك، فإنه مما لا شك فيه أن واجب المؤمن تحذير أهله من الوقوع في المنكر الذي يتوقع منهم أن يقعوا فيه، وإلا كان عليه تبعة التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولنعرض لبعض النصوص في عذاب الميت ببكاء أهله، ثم نعود إلى تحقيق الموضوع: روى البخاري: تحت باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ [التحريم: ٦] قال عبد الله بن عمر، إن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" وعن عمر: أنه قال: يا صهيب. أتبكي علي وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"؟ وفي رواية أنه قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي" وعن المغيرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من ينح عليه يعذب بما نيح عليه". وعن ابن عمر عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه". وروى مسلم: أن حفصة بكت على عمر-حين طعن- فقال: مهلا يا بنية، ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"؟ وعن ابن عمر قال: لما طعن عمر أغمي عليه، فصيح عليه، فلما أفاق قال: أما علمتم أن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي"؟ من مجموع هذه الروايات يفهم أن الميت يعذب ببكاء الحي، وعارضت عائشة في ذلك، وخصته بالكافرين، متمسكة بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨] ومع أن تفصيل القول في هذه المسألة سيأتي في كتاب الجنائز فحاصل ما يقال فيها: ١ - أن البكاء من غير نوح مرخص فيه شرعا، أخذا بما رواه البخاري أن رسول الله ﷺ قال: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا يحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم. وقال عمر حين قيل له إن النساء يبكين. قال: دعهن يبكين على أبي سليمان (يعني خالد بن الوليد) ما لم يكن نقع (أي تراب على الرأس) أو لقلقة (ترديد صوت النياحة) وإذا رخص في البكاء بدون نوح لم يعذب الميت به باتفاق. فتحمل أحاديث التعذيب بالبكاء على النوح.

стр. 338

٢ - أن النوح وضرب الخدود وشق الجيوب والحلق ونحوها من مظاهر الهلع منكرات إن أوصى الميت بها عذب على هذه الوصية باتفاق. ٣ - وأن من أوصي بها، ولم يتبرأ منها، وكانت في حياته من سننه يرضى بها، عذب بعد موته بفعل أهله لها، وعليه جمهور العلماء، وليست حينئذ من وزر غيره، بل من وزره. ٤ - وأن من لم يكن يرضى بها في دنياه، لكنه أهمل النهي عنها، والتبري من فاعلها، وهو يعتقد -أو يظن- أنهم سيفعلونها عذب بفعلها، لأنه أهمل النهي عن المنكر مع القدرة عليه وتوقع وقوعه، ولعل هذه الأحوال الثلاث (الثانية والثالثة والرابعة) داخلة في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ [التحريم: ٦] ولعلها المرادة من أحاديث: يعذب الميت ببكاء أهله، ومن الحديث الذي رواه أحمد مرفوعا "الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه؟ واناصراه؟ واكاسياه! جبذ الميت (أي جذب) وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها! أنت كاسيها؟ ". ورواه الترمذي بلفظ "ما من ميت يموت، فتقوم ناديته، فتقول: واجبلاه، واسنداه؟ أو شبه ذلك من القول إلا وكل به ملكان يلهذانه (أي يضربانه بمجمع اليد في الصدر والحنك) يقولان له: أهكذا كنت"؟ ٥ - أما إذا نهاهم وتبرأ من فعلهم قبل موته، أو كان لا يظن أنهم يفعلون ذلك، فهذا لا مؤاخذة عليه بفعل غيره، نعم قد يتعذب ويتألم بفعلهم إذا أحس به -وهو يشعر بخفق نعالهم -تألم المؤمن بسبب فعل غيره للمنكر، ويمكن أن يحمل قول من قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله على من كان له فيه تسبب، ومن قال: إنه لا يعذب ببكاء أهله على من ليس كذلك. والله أعلم

стр. 339

(٦١) باب تحريم النميمة ١٧٧ - عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ أنه بلغه أن رجلا ينم الحديث. فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يدخل الجنة نمام". ١٧٨ - عن همام بن الحارث، قال: كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير. فكنا جلوسا في المسجد. فقال القوم: هذا ممن ينقل الحديث إلى الأمير، قال: فجاء حتى جلس إلينا. فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يدخل الجنة قتات". ١٧٩ - عن همام بن الحارث، قال: كنا جلوسا مع حذيفة في المسجد. فجاء رجل حتى جلس إلينا. فقيل لحذيفة: إن هذا يرفع إلى السلطان أشياء. فقال حذيفة، - إرادة أن يسمعه-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتات". -[المعنى العام]- كان حذيفة بن اليمان وأصحابه جالسين في مسجد الكوفة يتذاكرون ويتدارسون أمورهم، في زمن تذمر الناس من ولاة عثمان بن عفان ﵁، فدخل من باب المسجد رجل عرف بين القوم بالتجسس للحاكم ونقل أخبار الناس وأحوالهم إليه، فنظر بعضهم إلى بعض ثم نظروا إلى حذيفة الذي لم يكن يعلم حقيقة الرجل، فأسروا إليه: إن هذا الرجل الداخل جاسوس، يرفع ما يرى وما يسمع إلى السلطان على طريق الوشاية والإيقاع. وجاء الرجل، وجلس إليهم، لعله يسمع أو يرى ما ينقله عنهم، ورفع حذيفة صوته بحديث سمعه عن رسول الله ﷺ يقصد به الرجل، ويقصد عظته، ونهيه عن هذا المنكر بأسلوب لطيف غير جارح، دون مجابهة ولا اتهام، خشية أن تنفر نفسه الأمارة بالسوء وتتأبى النصح، وترد الاتهام، وقد يبلغ السلطان، مما يسيء القوم، وقد كان هذا شأن الرسول ﷺ في نصحه، لا يواجه المخطئ بخطئه، وإنما يختار الوقت لعظته، ويطلقها على العموم، فيقول مثلا: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ . رفع حذيفة صوته بحديث- وكأنه في سياق كلامه مع أصحابه - فقال: قال رسول الله ﷺ : "لا

стр. 340

يدخل الجنة نمام" ولا يتمتع بنعيمها من ينقل الحديث بقصد الإفساد والإضرار، وهكذا أدى حذيفة وأصحابه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﵃ وأرضاهم أجمعين. -[المباحث العربية]- (أن رجلا ينم الحديث) يقال: نم الحديث ينمه - بفتح الياء وضم النون - وينمه- بفتح الياء وكسر النون- وأصل النميمة: الهمس والحركة. والنم: إظهار الحديث بالوشاية. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرجل. اهـ ولعل سبب عدم معرفة الحفاظ لهذا الرجل ما كان عليه الصحابة والتابعون من الستر، وعدم تسمية أصحاب العيوب. (فقال حذيفة) بن اليمان ﵁، الذي يطلق عليه أمين سر رسول الله ﷺ ، استعمله عمر على المدائن، ومات بعد أن نعي عثمان إلى الكوفة بأربعين ليلة، ولم يدرك موقعة الجمل. (كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير) وفي الرواية الثالثة "إن هذا يرفع إلى السلطان أشياء" وفي رواية البخاري" إن رجلا يرفع الحديث إلى عثمان" أي ابن عفان، فالمقصود من الأمير والسلطان: الخليفة، سواء كان نقل الرجل الحديث إليه مباشرا أو بالواسطة. (فكنا جلوسا في المسجد) أي في مسجد الكوفة. (فقال القوم) أي قال واحد منهم ووافقوه، فنسب القول إليهم مجازا. (فقال حذيفة -إرادة أن يسمعه- سمعت إلخ) "إرادة أن يسمعه" معترضة بين الفاعل والمفعول، وهي في محل نصب على الحال أي: قال حذيفة مريدا أن يسمعه. (قتات) -بفتح القاف وتشديد التاء- من قت- بفتح القاف- يقت بضمها، وأصله من قت الحديث بمعنى سمعه وجمعه. قال الحافظ ابن حجر: والقتات هو النمام، وقيل: الفرق بين القتات والنمام، أن النمام: الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات: الذي يتسمع من حيث لا يعلم به، ثم ينقل ما سمعه. -[فقه الحديث]- قال العلماء: النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم. وقال الإمام الغزالي في الإحياء: اعلم أن النميمة إنما تطلق في الأكبر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلان يتكلم فيك بكذا. قال: وليت النميمة مخصوصة بهذا، بل حد النميمة:

стр. 341

كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشف بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء، وسواء كان المنقول قولا أو فعلا، وسواء كان عيبا أو لا، حتى لو رأى شخصا يخفي ماله لنفسه فأفشى كان نميمة. قال: وكل من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك أو يفعل فيك كذا، فعليه ستة أمور: الأول: ألا يصدقه، لأن النمام فاسق. الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله. الثالث: أن يبغضه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض من أبغضه الله تعالى. الرابع: ألا يظن بأخيه الغائب السوء. الخامس: ألا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن ذلك. السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهي النمام عنه فلا يحكي نميمته عنه فيقول: فلان حكى لي كذا فيصير به نماما، ويكون آتيا ما نهى عنه. اهـ. قال الإمام النووي: وكل هذا المذكور في النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية، فإن دعت حاجة إليها فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله، أو بماله، أو أخبر الإمام، أو من له ولاية بأن إنسانا يفعل كذا، ويسعى بما فيه مفسدة، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته. فكل ذلك وما أشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبا وبعضه مستحبا. على حسب المواطن. اهـ. ومع أن النميمة كبيرة من الكبائر إلا أنها قد يكون المقول فيه كافرا فلا تحرم، كما أنه يجوز التجسس في بلاد الكفار، ونقل أخبارهم التي تفيد المسلمين. أما أنها كبيرة فلما رواه البخاري عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال "يعذبان وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة" ولقوله تعالى في الصفات الذميمة: ﴿هماز مشاء بنميم﴾ [القلم: ١١] قال الراغب: همز الإنسان اغتيابه، والنم إظهار الحديث بالوشاية. واختلف في الغيبة والنميمة، هل هما متغايرتان أو متحدتان؟ قال الحافظ ابن حجر: والراجح التغاير، وأن بينهما عموما وخصوصا وجهيا، وذلك لأن النميمة: نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه، أو بغير علمه، والغيبة: ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك في الغيبة وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه، واشتركتا فيما عدا ذلك. وأما قوله ﷺ : "لا يدخل الجنة نمام" ففيه التأويلان المتقدمان في نظائره.

стр. 342

أحدهما: أن ذلك في المستحل، ومستحل الكبيرة التي علم حرمتها من الدين بالضرورة كافر، فلا يدخل الجنة أبدا. ثانيهما: أنه لا يدخل الجنة ابتداء عند دخول الفائزين وأهل السلامة، ثم إنه قد يجازى، فيمنعها عند دخولهم، ثم يدخلها بعد ذلك، وقد لا يجازى بل يعفو الله عنه. هذا، ولا يخفى أن المذموم من نقله الأخبار من يقصد الإفساد، أما من يقصد النصيحة ويتحرى الصدق، ويتجنب الأذى فلا ذم، وقل من يفرق بين البابين، فطريق السلامة في ذلك - لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح -الإمساك عن ذلك. ذكره في الفتح. والله أعلم

стр. 343

(٦٢) باب تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية وترويج السلعة بالحلف ١٨٠ - عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا. من هم يا رسول الله؟ قال "المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب". ١٨١ - عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منه. والمنفق سلعته بالحلف الفاجر. والمسبل إزاره". ١٨٢ - عن شعبة قال سمعت سليمان بهذا الإسناد وقال "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم". -[المعنى العام]- من قبيل المعاملة بنقيض القصد، وجعل العقوبة من جنس العمل، يحدثنا رسول الله ﷺ عن جزاء ثلاثة من العاصين، ويعرض وعيدهم عرضا يثير في نفوس المستمعين المؤمنين مشاعر الغضب عليهم واللهفة إلى معرفة جريرتهم، فيقول ﷺ : ثلاثة أصناف من المذنبين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يغضب الله عليهم يوم القيامة، لا يباليهم باله، يعرض عنهم ولا يكلمهم، ولا يرحمهم ولا يطهرهم من ذنوبهم، ولا يغفر لهم سيئاتهم، ويعذبهم على كبيرتهم عذابا أليما. وينصت الصحابة ينتظرون، من هم هؤلاء الأصناف؟ لكن الرسول ﷺ بدلا من أن يجيب لهفتهم يعيد العبارة مرة ثانية: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. ويتطلع الصحابة إلى وجه الرسول ﷺ ، وهو مغضب، وكلهم آذان صاغية، وقلوب واعية في انتظار معرفة هؤلاء الفاسقين، وكلهم إعظام لذنبهم، وإكبار لجرمهم، ومرة ثالثة يكرر رسول الله ﷺ العبارة: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.

стр. 344

ويشتد شوق الصحابة إلى معرفتهم، ولا يستطيعون بعد ذلك صبرا، فيقول أبو ذر ﵁: خابوا خيبة كبرى وخسروا خسرانا مبينا، من هؤلاء يا رسول الله؟ ويجيبه ﷺ : هؤلاء هم: المسبل إزاره أو ثوبه أو رداءه إعجابا بنفسه وكبرا على غيره، وخيلاء بين الناس، يكسر قلب الفقراء ويتعالى على من حوله من العباد فيذله الله يوم القيامة، ويهينه ويحقره جزاء وفاقا. والمنان كثير المن، الذي لا يعطي عطية إلا ويمن بها على من أعطاه فيبطل ثواب عطيته، ولا يعطيه ربه يوم القيامة من فضله ورحمته. والمستهتر باسم ربه ، يحلف به ابتغاء عرض الحياة الدنيا، يشتري بعهد الله ويمينه ثمنا قليلا. ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ٧٧]. -[المباحث العربية]- (ثلاثة) مبتدأ، سوغ الابتداء به وهو نكرة ملاحظة الإضافة أو الوصف، أي ثلاثة أشخاص، أو ثلاثة من الناس. (لا يكلمهم الله يوم القيامة) أي لا يكلمهم تكليم أهل الخيرات وبإظهار الرضى، بل بكلام أهل السخط والغضب، كقوله: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقوله لمانع فضل الماء: "اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك" وقريب من هذا قول جمهور المفسرين: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية، وقيل: عدم تكليمه لهم كناية عن الإعراض عنهم. والتقيد بيوم القيامة لأنه يوم المجازاة، وبه يحصل التهديد والوعيد. (ولا ينظر إليهم) النظر إذا أضيف إلى المخلوق صح أن يكون كناية، لأن من اعتد بالشخص التفت إليه، فنقول: نظرة يا سيدي، ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر، ولما كان النظر على الحقيقة هو تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك، كان إسناد النظر إليه تعالى مجازا عن الرحمة والإحسان، لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر، فالمعنى: لا يرحمهم، بإطلاق السبب وإرادة المسبب. وقيل عدم نظره تعالى كناية عن الإعراض عنهم، فيكون تأكيدا للإعراض عن طريق نفي تكليمهم. (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من ذنوبهم، فلا يغفر لهم، وقال الزجاج: لا يثني عليهم.

стр. 345

(ولهم عذاب أليم) مؤلم فعيل بمعنى اسم الفاعل، قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه، قال: والعذاب كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه، قال: وأصل العذاب في كلام العرب من العذب، وهو المنع، وسمي الماء عذبا لأنه يمنع العطش، فسمي العذاب عذابا لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره من مثل فعله. وفائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها: التخويف بالعذاب البدني بعد التهديد بالعذاب الروحي. (فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار) "فقرأها" أي قرأ هذه الجملة وأعادها ثلاث مرات تنبيها على اهتمامه، وإدخالا للرهبة في نفوس المخاطبين ليحذرهم. (قال أبو ذر: خابوا وخسروا) جملتان خبريتان لفظا ومعنى، أو خبريتان لفظا دعائيتان معنى، والأول أقرب. (المسبل) المفعول محذوف في هذه الرواية، مذكور في الرواية الثانية "المسبل إزاره" والإزار: هو الثوب الذي يربط في الوسط ويغطي نصف الجسم الأسفل، وذكر الإزار على سبيل المثال: فغيره من القميص والثوب والجبة وغيرها لها حكمه، وإنما خصه بالذكر لأنه كان غالب لباسهم، وإسبال الإزار: إرخاؤه وتطويله وجره، وسيأتي شرحه في فقه الحديث. (والمنان) المن: تقرير النعمة على من أسديت إليه، والمنان: صيغة مبالغة، ولذا فسره في الرواية الثانية بأنه "الذي لا يعطي شيئا إلا منه". (والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) السلعة والمتاع ما يتجر به، ويقال: نفقت السلعة نفاقا راجت، وأنفق السلعة روجها. والحلف الكاذب هو المراد من الحلف الفاجر الوارد في الرواية الثانية. -[فقه الحديث]- إسناد الحكم إلى هؤلاء الثلاثة لا يمنع من إسناده إلى غيرهم، كما سيأتي في الحديث التالي. وترتيب هؤلاء الثلاثة ليس على سبيل التدرج التصاعدي أو التنازلي من ناحية الإثم، فإنهم ذكروا في الرواية الثانية بترتيب يغاير ترتيبهم في الرواية الأولى. أما درجة الإثم فكما سبق تتبع الآثار والأخطار المترتبة على كل معصية. وإليك الكلام عن كل واحد منهم: فالمسبل إزاره المرخي له إما أن يكون إسباله لمجرد العرف والعادة، وإما أن يكون لستر عيب، وإما أن يكون لغير قصد، وإما أن يكون بدافع الكبر والخيلاء.

стр. 346

ولا شك أن المقصود في الحديث هو الأخير، يدل على ذلك رواية البخاري "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا" وروايته "لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء" وروايته "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: يا رسول الله. إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي ﷺ : "لست ممن يصنعه خيلاء". (وكان أبو بكر رجلا نحيفا لا يكاد يمسك إزاره بوسطه). ففي هذه الأحاديث دلالة على أن التحريم لإسبال الثوب قاصر على ما إذا كان على وجه الكبر والخيلاء، وأما الإسبال لغير خيلاء فظاهر الروايتين اللتين نحن بصدد شرحهما أنه حرام أيضا، لكن التقييد فيما ذكرت من الأحاديث الصحيحة دل على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء. وقد نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، وقال: والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة ما تحت نصف الساق إلى الكعبين، وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء، وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث المطلقة الواردة في الزجر عن الإسبال يجب تقييدها بالإسبال للخيلاء. اهـ. والتحقيق أن جر الثوب لغير الخيلاء مكروه، قال بعضهم: لما فيه من الإسراف، وقال آخرون: لما فيه من التشبه بالنساء (أي المحافظات على تعليم الشرع في الصدر الأول) وقال آخرون: لتعرضه للنجاسة. وقال آخرون: لما فيه من مظنة الخيلاء. ونقول: إنه مكروه لمجموع هذه العلل. ولا يخفى أن جر الثوب خيلاء ما هو إلا مظهر من مظاهر الكبر المذموم الذي سبق شرحه قبل ثمانية أحاديث، فليراجع هناك، فإنه لا يخلو من فوائد وزيادات، والله أعلم. وأما المن ففيه يقول الله تعالى ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٦٢] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَاّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. فالمن ولو لم يتكرر مبطل للصدقة، محبط لأجر العطية، لما فيه من إيذاء المعطى له وإذلاله، وإشعاره بفضل غيره عليه، وضعته بالنسبة لمن أعطاه، مع أن المنة كلها لله والمعطي هو الله، ولو شاء لجعل المعطي آخذا، والآخذ معطيا. أما إذا تكرر المن، وكان شأن المعطي كلما أعطى شيئا من به فهو حرام، ومن الكبائر لورود الوعيد الشديد عليه، وكون المنان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.

стр. 347

قال القرطبي: المن غالبا يقع من البخيل والمعجب، فالبخيل تعظم في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله على المعطى وإن كان الآخذ أفضل منه في نفس الأمر، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان نعمة الله فيما أنعم به عليه، ولو علم مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما له من الفوائد. اهـ. نعم لو تدبر المنان ما من بعطيته، إذ لولا الآخذ ما تطهر ماله، ولما دفع الله عنه الضر بصدقته، ولما حصل على الثواب الذي يحصل عليه بالعطاء. وقد روى الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا "ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجا". نعم، لو تدبر المنان ما أحس بالعجب والعظمة، وأنه أفضل من الآخذ، فقد قال ابن حبان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة، لا الآخذة بغير سؤال، إذ محال أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل (أي الأخذ) أن تكون باستعماله دون من فرض عليه إتيان شيء فأتى به، أو تقرب إلى ربه متنفلا، فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذي يعطي. اهـ. وأما المنفق سلعته بالحلف الكاذب فقد ارتكب أربع كبائر: الحلف الكاذب، والتغرير بالمسلم، وأخذ المال بغير حق، والاستخفاف بحق الله. وفيه يقول تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وقد أوضحت الروايات بعض صور إنفاق السلعة بالحلف الكاذب فجاء في رواية البخاري "ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فصدقه فأخذها، ولم يعط بها" وفي رواية "ورجل ساوم رجلا سلعة بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها" وفي رواية "فحلف له بالله لأخذها (أي لقد أخذها) بكذا، فالبائع سلعته بالحلف الكاذب قد يحلف أنه اشتراها بكذا، وهو على غير ذلك، وقد يحلف أنه عرض عليه ثمنا لها كذا وكذا، وهو على غير ذلك. والمشتري المروج للسلعة المشتراة بالحلف الكاذب قد يحلف أنه اشترى مثلها بكذا وهو على غير ذلك، وقد يحلف أنه عرض عليه مثلها بكذا وهو على غير ذلك. فكل هذه الصور داخلة في قوله ﷺ : "والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" وهناك من الأحاديث ما يعم لفظه هذه الصور وغيرها، ففي البخاري "من حلف على يمين صبر (هي التي تلزم ويجبر عليها حالفها) يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" وفي رواية "وهو عنه معرض" وفي رواية "إلا أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة". فمروج سلعته بالبيع أو الشراء بغير حق مقتطع مال المسلم بغير حق كالمغتصب والسارق، وإن اختلفت طرق الحصول على هذا المال الحرام. وتخصيص "بعد العصر" في بعض الروايات للتغليظ والتنبيه على زيادة الجرم فهو وقت فضيلة

стр. 348

وشرف، تعظم فيه الجريمة فتعظم عليه العقوبة، لكن هذا الوعيد ليس قاصرا على من حلف بعد العصر، للروايات الكثيرة المطلقة الواردة فيه، كالروايتين اللتين نحن بصدد شرحهما، ولا يقال: إن المطلق هو الذي يرد إلى المقيد لأنه كلما ثبت الوعيد على إنفاقها بالحلف الكاذب مطلقا ثبت على إنفاقها بعد العصر بدون عكس. وإذا كان الحلف صدقا بغير ضرورة منهيا عنه بقوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٤] وقوله ﷺ : "لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بررة" كان الحلف كذبا للتغرير بالمسلم من أشد المحرمات ومستحقا فاعله للوعيد الشديد. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - تحريم جر الثوب للرجال، أما النساء فقد استثنين من الوعيد حين فهمت أم سلمة أن الزجر عن الإسبال عام، فقالت: يا رسول الله فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: يرخين شبرا. فقالت: إذا تنكشف أقدامهن. قال فيرخينه ذراعا، لا يزدن عليه. ٢ - الوعيد على المن والإيذاء على العطية. ٣ - التحذير من الحلف لترويج السلعة وتزويرها في نظر الآخرين. والله أعلم.

стр. 349

(٦٣) باب الشيخ الزاني، والملك الكذاب ومانع فضل الماء، والمبايع لدنيا . ١٨٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم (قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم) ولهم عذاب أليم: شيخ زان. وملك كذاب. وعائل مستكبر". ١٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ وهذا حديث أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل. ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه، وهو على غير ذلك. ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف". ١٨٥ - وعن الأعمش بهذا الإسناد مثله غير أن في حديث جرير "ورجل ساوم رجلا بسلعة". ١٨٦ - عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال أراه مرفوعا. قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: رجل حلف على يمين بعد صلاة العصر على مال مسلم فاقتطعه" وباقي حديثه نحو حديث الأعمش. -[المعنى العام]- وكما توعد ﷺ ثلاثة أصناف من العصاة في الحديث السابق بإعراض الله عنهم يوم القيامة وحرمانهم من رحمته ومغفرته، يتوعد ﷺ أصنافا أخرى من العصاة بنفس الجزاء (لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) هؤلاء هم: ١ - الرجل البالغ سن الشيخوخة إذا زنى، ومثله المرأة البالغة سنه إذا زنت، معصية تفوق معصية الزنا من الشاب، بما مر على العجوز من تجارب وعظات، وبما تهيأ لهم من عقل وإحصان.

стр. 350

٢ - والملك الذي تعود الكذب على الرعية، لا خوفا منهم ولا حرصا على الانتفاع بهم، بل شهوة في الكذب، واستخفافا بتعاليم الشرع الحنيف. ٣ - والفقير الذي حرم المال والدنيا إذا استكبر، فإن كبره حينئذ لا يكون له مبرر، ولا دافع له سوى الطغيان، والاستهتار -زورا- بمن هم فوقه وعدم الاكتراث بمحرمات الإسلام. ٤ - والرجل الذي منحه الله رزقا، وأخرج له من الأرض ينبوعا يشرب منه ويسقي ماشيته وزرعه، يكون عنده الماء الزائد عن حاجته ويرى ابن السبيل العابر عطشان، يلهث من شدة العطش، يطلب الماء فيحرمه صاحب الماء، ويمنعه منه، وليس له به حاجة، ناسيا أن ابن السبيل بحكم الشرع شريك الأغنياء فيما يملكون، باعتباره أحد مصارف الزكاة متناسيا ما قد يحدثه هذا المنع من ضرر بابن السبيل قد يهدد حياته، غافلا عن أن "القادر" الذي أنزل الماء من المزن قادر على أن يحوله غورا في غمضة عين، وما درى أن الله سيعرض عنه يوم القيامة، ويقول له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت في الدنيا فضل ما لم تعمل يداك. ٥ - والرجل يبيع سلعته ويروجها بالحلف الكاذب في أفضل الأوقات فيغرر بالمسلم ويقتطع ماله بغير حق. ٦ - والرجل يبايع الإمام على السمع والطاعة، لكنه يبني مبايعته على النفع المادي إن أعطاه مالا - ولو بغير حق - رضي واستمر على بيعته، وإن كان الإمام فاسقا، وإن لم يعطه سخط ونكث وإن كان عادلا، أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون. -[المباحث العربية]- (شيخ زان) الشيخ هو من بلغ سن الشيخوخة، قيل: خمسون سنة، وقيل: إحدى وخمسون. (وملك كذاب) المراد من الملك الحاكم الذي ليس فوقه بخصوص حكمه حاكم إلا الله، فيشمل الأب بين أولاده، والوالي في ولايته، ورئيس الجمهورية في جمهوريته، وهذا الحديث لا يشمل الملك الصغير إذا كذب بين ملوك كبار، وكذا إذا كذب أمام زوجه التي يخافها، أو كذب في الحروب، ولعل صيغة المبالغة "كذاب" أي كثير الكذب وشأنه الكذب تحدد الهدف المقصود. (وعائل مستكبر) العائل: الفقير الذي عدم المال، من عال يعيل عيلا إذا افتقر. (ثلاثة لا يكلمهم الله) في إحدى الروايات "ثلاث" بدون تاء التأنيث فيقدر معدودها مؤنثا كثلاث فئات، أو ثلاث أنفس. ومعلوم أن حذف المعدود يجيز تذكير العدد وتأنيثه، وجاء الضمير في "يكلمهم" مذكرا على المعنى.

стр. 351

(رجل على فضل ماء) أصل الكلام: رجل عنده ماء فاضل عن حاجته، فإضافة "فضل ماء" من إضافة الصفة إلى الموصوف، والتعبير بـ"على" لإفادة تمكنه من الماء وقدرته على التصرف فيه. (بالفلاة) بفتح الفاء هي المفازة والصحراء والقفر التي لا أنيس بها، وهي المرادة بالطريق في بعض الروايات. (يمنعه من ابن السبيل) ابن السبيل هو المسافر، والسبيل: هي الطريق، وجعل المسافر ابن الطريق لانقطاعه عن أهله وبلده وأملاكه، وجملة "يمنعه من ابن السبيل" في موقع الحال من الضمير المستكن في الخبر "على فضل ماء". (فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا) أي لقد أخذها ... "وكذا وكذا" كناية عن عدد المال، وثمن شرائه السلعة. (فصدقه وهو على غير ذلك) فاعل "صدق" ضمير المشتري، وضمير "وهو" للبائع أو للحال والشأن، والإشارة للحال التي حلف عليها، والتقدير: فصدقه المشتري، والحال أن البائع على وضع غير الذي حلف عليه، أو فصدقه المشتري، والحال والشأن خلاف الحال التي حلف عليها. (ورجل بايع إماما) وفي رواية "بايع إمامه". (لا يبايعه إلا لدنيا) أي لا يقصد من المبايعة إلا النفع الدنيوي والعرض الزائل، فلا يقصد صلاح المحكومين، ولا صلاح الدولة، ولا صلاح الدين، فإن قصد شيئا من ذلك مع قصده الدنيا فلا يدخل في الوعيد، لأنه بني على القصر. (فإن أعطاه منها وفى) بالبيعة، ولم يخرج على الإمام، ولو كان ظالما من أكبر الفاسقين. وفي رواية: "إن أعطاه ما يريد وفى له". وفي رواية: "رضي". (وإن لم يعطه منها لم يف) بالبيعة وخرج على الإمام ولو كان عادلا مقيما لشعائر الدين، جامعا لوحدة المسلمين، وفي رواية: "لم يف له". وفي رواية: "سخط". -[فقه الحديث]- من مجموع هذه الروايات الثلاث، ومن الروايتين السابقتين يجتمع سبع خصال: ١ - المسبل إزاره (وفي معناه العائل المستكبر، وإن كان بينهما عموم وخصوص). ٢ - المنان الذي لا يعطي شيئا إلا من به. ٣ - المنفق سلعته بالحلف الكاذب وفي معناه "رجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله

стр. 352

لأخذها بكذا وكذا، فصدقه، وهو على غير ذلك" وفي معناه: "رجل حلف على يمين بعد صلاة العصر على مال مسلم فاقتطعه" (وإن كان بينها عموم وخصوص). ٤ - شيخ زان. ٥ - ملك كذاب. ٦ - رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل. ٧ - رجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا. ويحتمل أن تبلغ أكثر من ذلك إذا اعتبرنا مطلق المغايرة، فما بينها عموم وخصوص. ولما كانت كل رواية مصدرة بعبارة: ثلاثة لا يكلمهم الله ... إلخ وأصبح العدد أكثر من ثلاثة كان لازما التوفيق بين الروايات. وفي ذلك يقول الكرماني: ليس ذلك باختلاف، لأن التخصيص بعدد لا ينفي ما زاد عليه. اهـ وهو توجيه حسن، خير من قول بعضهم: إن المجموع منصوص وبعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، فاقتصر كل من الرواة على ثلاثة. بل هذا التوجيه الأخير غير مقبول، لأن لفظ "ثلاثة" وارد في نص قول الرسول ﷺ ولما كان قد سبق قريبا شرح ما يتعلق ببعض هذه الخصال فإننا نتمم ما يتعلق بباقيها فنقول: تخصيصه ﷺ الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المستكبر بالوعيد المذكور، سببه أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده. نعم. لا يعذر أحد بذنب، ولكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي الضرورة المزعجة، ولا الدواعي القوية، أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى، وقصد معصيته بدون حاجة. فالشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته لطول ما مر عليه من الزمان، وكثرة ما سمع من المواعظ، وضعف أسباب الزنا بانكسار حدة الشهوة، وبما عنده من زوج حلال، عظم زناه عن زنا الشباب، الذي يدفع إليه الحرارة الغريزية، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة لضعف العقل وصغر السن، وعدم القدرة على النكاح الحلال. وكذلك الإمام، لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته، فإن الإنسان إنما يداهن ويصانع بالكذب وشبهه من يحذره ويخشى أذاه ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة أو منفعة، والملك غني عن كل ذلك، لقدرته على نيل مآربه من غير كذب. وكذلك العائل الفقير، قد عدم المال الذي هو سبب الفخر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء، فقد حاجة الناس إليه، وظهرت حاجته إلى الناس، فلماذا يستكبر ويحتقر غيره؟ ليس هناك إلا المعاندة والاستخفاف بحق المعبود جل شأنه، ومثل ذلك الفعل بتلك الدوافع جدير بأشد العقاب.

стр. 353

ويلحق بالثلاثة المذكورين من شاركهم في المعنى الموجب للبعد عن المعصية، كالغني حين يسرق وليست عنده ضرورة للسرقة. والمدح لأضداد هذه الأنواع أيضا يتفاوت، فالعفة من الشاب أعلى قدرا منها من الشيخ، والصدق من غير الملك أمدح منه من الملك، والتواضع من الغني أمدح منه من الفقير، يدل على ذلك قوله ﷺ "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وشاب نشأ في عبادة ربه". وأما من منع فضل الماء من ابن السبيل فقد ارتكب جرما مضاعفا، فالماء نعمة الله التي يقول عنها: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠] وإذا كان من منع الماشية فضل مائه كان عاصيا فكيف بمن يمنعه عن الآدمي المحترم؟ ثم كيف بمن يمنعه عن ابن السبيل الذي جعله الله شريكا للأغنياء في مالهم، حيث جعله من مستحقي الصدقات مهما كان غنيا في بلده؟ لا شك في غلظ تحريم فعله، وشدة قبحه، خصوصا إذا عرض عمله هذا نفس ابن السبيل للهلاك. قال القاضي عياض: وهو في تعريضه إياه كذلك شبه قاتله، وقال الإمام مالك في المدونة في حريم البئر: ومن حفر بئرا في غير ملكه لماشيته أو زرعه فلا يمنع فضلته، فإن منعها حل قتاله، فإن لم يقو المسافرون على دفعه حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عاقلته وعليه هو الكفارة مع وجيع الأدب. اهـ. وأما مبايع الإمام لدنيا فقد غش المسلمين، وخدع إمامهم، لأنه يظن أنه إنما بايع ديانة وهو قصد ضد ذلك، إذ الأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق، فمن جعل مبايعته لدنيا فقد خسر خسرانا مبينا، وتسبب في الفتن بنكثه بيعته، لا سيما إن كان ممن يقتدى به. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - شدة الوعيد للشيخ الزاني. ٢ - والملك الكذاب. ٣ - والفقير المتكبر. ٤ - فيه دلالة على أن صاحب الماء أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل. ٥ - وفي الحديث وعيد شديد على نكث البيعة والخروج على الإمام، لما في ذلك من تفرق الكلمة. ٦ - وفيه أن كل عمل لا يقصد به وجه الله، وأريد به عرض الدنيا فهو فاسد وصاحبه آثم. ٧ - إثم الحالف كاذبا، خصوصا لو اقتطع بحلفه مال امرئ مسلم بغير حق. والله أعلم.

стр. 354

(٦٤) باب تحريم قتل الإنسان نفسه ١٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". -[المعنى العام]- إرشادا إلى أن الحياة هبة الله، وأنه ينبغي أن تترك الروح لخالقها يسلبها متى يريد ويحملها الآلام إذا شاء، يحذر الرسول ﷺ من الإقدام على التخلص من الحياة، مهما كانت بواعثه، ومهما قست بالمرء نوائب الزمان، فمن المعلوم أن هذه الدنيا دار شقاء، وليس للمصائب والمتاعب إلا الرجال، وبقدر تحمل الرجل لكبار الأرزاء [أي المصائب] تكبر رجولته، وبقدر جزعه وانهياره أمام بعضها يظهر ضعفه وجبنه. وقد علمتنا التجارب أن طريق السعادة مفروش بالأشواك، ومن أراد القمة تسلق الصعاب، ودون الشهد إبر النحل، وبالجهاد والصبر والتفويض يبلغ الإنسان ما يريد، ومن ظن أنه بانتحاره يتخلص من الآلام فهو واهم، لأنه إنما يدفع بنفسه من ألم صغير إلى ألم كبير، ومن ضجر محدود، وفي زمن قصير، إلى ضجر غير محدود، وفي زمن طويل. إن الذي يقدم على الانتحار غير راض بالقضاء، محارب للقدر ساخط على الفعال لما يريد، يائس من روح الله، وإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ومن أجل هذا كانت عقوبته عند الله قاسية، فمن قتل نفسه بحديدة، أو ضرب نفسه بمثقل، أو برصاص أو طعن نفسه بسكين أعد الله له حديدة من نار، ليطعن بها بطنه، كلما فجرها عادت كما كانت، خالدا مخلدا على هذه الحال أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه، أعد الله له يوم القيامة كأسا من السم، الذي يفوق سم الدنيا في صعوبة مذاقه، وشدة تأثيره وإيلامه كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، يكلف أن يتجرعه خالدا مخلدا على هذه الحال أبدا، ومن تردى من جبل أو قذف نفسه من شاهق، فقتل نفسه، نصب الله له يوم القيامة جبلا من نار، على واد من جهنم يكلف الصعود إليه، ليهوي من الجبل في نار جهنم، خالدا على هذه الحال أبدا.

стр. 355

فليتدبر العاقل، وليؤمن بالقضاء والقدر، وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. -[المباحث العربية]- (من قتل نفسه بحديدة) لفظ الحديدة أعم من السكين، فيشمل آلات النجار وآلات الحداد وغيرهما، لكن المراد بها السكين وما شابهها لأنها التي يطعن بها البطن. (فحديدته في يده) مبتدأ وخبر، أو مبتدأ وحال. وجملة "يتوجأ" الخبر. (يتوجأ) -بواو مفتوحة وجيم مشددة- على وزن يتكبر، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفا، ومعناه يطعن. وفي رواية: "يجأ" بتخفيف الجيم وبالهمز، وقد تسهل الهمزة أيضا. وأصل "يجأ" مضارع وجا وأصله يوجئ -بفتح الياء وكسر الجيم- فحذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ثم فتحت الجيم لأجل الهمزة. (جهنم) اسم لنار الآخرة، وأكثر النحويين على أنها أعجمية، لا تنصرف للعلمية والعجمة، وقال آخرون: هي عربية، لا تنصرف للتأنيث والعلمية، وسميت بذلك لبعد قعرها. قال رؤبة: يقال: بئر جهنام أي بعيدة القعر، وقيل: مشتقة من الجهومة وهي الغلظ سميت بذلك لغلظ أمرها. (خالدا مخلدا فيها أبدا) حال مقدرة من فاعل "يتوجأ" وفي ذكر "مخلدا" بفتح اللام المشددة بعد ذكر "خالدا" ما يشعر بالإهانة والإذلال والتحقير، و"أبدا" منصوب على الظرفية. (ومن شرب سما) -بفتح السين وضمها وكسرها- ثلاث لغات أفصحها الفتح. وفي رواية: "ومن تحسى" أي تجرع، وأصله من "حسوت المرق" إذا شربت منه شيئا فشيئا. (فقتل نفسه) فائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها توقف الجزاء المذكور عليها. (ومن تردى من جبل) أي أسقط نفسه منه، بدليل قوله: "فقتل نفسه". (فقتل نفسه) فائدة ذكرها توقف الجزاء المذكور عليها، وهي التي أفادت التعمد، إذ التردي يكون عن عمد وعن غير عمد، أما إذا تعمد الإلقاء، ولم يحدث بذلك قتل فله جزاء آخر يعلمه الله. (فهو يتردى في نار جهنم) أي يسقط، وذلك بأن يهيأ له جبل من نار، يكلف الصعود إليه والسقوط منه في نار جهنم، تشير إلى ذلك رواية البخاري "يتردى فيه" أي في الجبل، أي في مثله.
следующие страницы →