Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
النبي ﷺ ولا الرجل ما يدل على شيء من ذلك. وقد جاء ذلك صريحاً في بعض الروايات، ولفظه "ولكن هذا إزاري ولها نصفه" قال سهل: "وما له رداء" وفي بعض الروايات "فقام رجل عليه إزار، وليس عليه رداء". ومراد سهل من قوله "ما له رداء" الإشارة إلى أنه لو كان يملك رداء لأمكن للمرأة أن تأخذ نصف ما عليه، إما الرداء وإما الإزار.
(ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء) أي لبسته أنت كاملا لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته هي كاملاً لم يكن عليك منه شيء، فالمناصفة زمنية، فإن أريد شق الإزار مناصفة -كما تفيد الروايات الآتية- كان المعنى إن لبست أنت نصفه لم يسترها نصفه، ولم يسترك نصفه، فلم يستركما الإزار، والعرب تنفي الشيء إذا انتفى كماله.
وفي رواية عند الطبراني "ما وجدت والله شيئاً غير ثوبي هذا. اشققه بيني وبينها، قال: ما في ثوبك فضل عنك" وفي رواية "ولكني أشق بردتي هذه، فأعطيها النصف، وآخذ النصف" وفي رواية "والله ما لي ثوب إلا هذا الذي علي" وفي رواية "ما عليه إلا ثوب واحد، عاقد طرفيه على عنقه".
(فجلس الرجل، حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله ﷺ مولياً، فأمر به فدعي) في رواية "فدعي له" وفي رواية "فدعاه أو دعي له" وفي رواية "فقال النبي ﷺ "علي الرجل".
(ماذا معك من القرآن؟ ) يحتمل أن يكون هذا السؤال بعد سؤال سابق، جاء في روايات للبخاري بلفظ "هل معك من القرآن شيء"؟ فاستفهمه حينئذ عن الكمية، ووقع الأمران في رواية، بلفظ "فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ " وفهم من قوله "تقرؤهن عن ظهر قلبك" المراد من المعية، وأنها الاستصحاب القلبي.
(معي سورة كذا، وسورة كذا. عددها) وفي رواية "عدهن" وفي رواية "لسور يعددها" وفي كتابي أبي داود والنسائي "قال: سورة البقرة أو التي تليها" كذا بلفظ "أو" وفي بعض الروايات "نعم سورة البقرة وسورة المفصل" وفي بعض الأحاديث "أن النبي ﷺ زوج رجلاً على سورة البقرة. لم يكن عنده شيء" وفي بعضها "زوج النبي ﷺ رجلاً من أصحابه امرأة على سورة من المفصل، جعلها مهرها، وأدخلها عليه، وقال: علمها" وفي بعضها "فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك" وفي بعضها "أزوجها منك على أن تعلمها أربع -أو خمس- سور من كتاب الله" وفي بعضها "زوج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن" وفي بعضها "هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم. إنا أعطيناك الكوثر. قال: أصدقها إياها".
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ البعض، أو أن القصص متعددة.
(اذهب. فقد ملكتها بما معك من القرآن) في ملحق الرواية "انطلق. فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن" وفي رواية للبخاري "اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن" وفي رواية "قد
стр. 3012
زوجتكها على ما معك من القرآن" وفي رواية "قد أملكتكها" وفي رواية "أمكناكها" وفي رواية "قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها. فتزوجها الرجل على ذلك" وفي رواية "فرأيته يمضي وهي تتبعه".
قال النووي: في معظم نسخ مسلم "اذهب. فقد ملكتها بما معك" بضم الميم وكسر اللام المشددة، مبني للمجهول، وفي بعض النسخ "ملكتكها" بكافين. قال الدارقطني: رواية من روى "ملكتها" وهم. قال النووي: ويحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولاً، فملكها، ثم قال له اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق.
(ثنتي عشرة أوقية ونشا) قال النووي: الأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء -والمراد بها أوقية الحجاز- وهي أربعون درهماً، وأما النش" فبنون مفتوحة، ثم شين مشددة.
(رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة .... ) طيب الزعفران فيه صفرة، وخص بالنساء، ونهي عنه الرجال، وسيأتي توجيهه في فقه الحديث. وفي الرواية السادسة "وعلي بشاشة الفرح" أي أثره وحسنه، أو فرحه وسروره، يقال: بش فلان بفلان، أي أقبل عليه فرحا به متلطفاً به، وفي بعض الروايات "لقيه النبي ﷺ في سكة من سكك المدينة وعليه وضر من صفرة" أي أثر صفرة. وفي رواية "ردع من زعفران" بفتح الراء والدال، وهو أثر الطيب.
(فقال: ما هذا؟ ) وفي بعض الروايات "مهيم"؟ يعني ما هذا. اسم فعل أمر بمعنى أخبرني، وقيل: كلمة استفهام مبنية على السكون، معناها ما شأنك؟ وروى الطبراني في الأوسط أنها كانت كلمته ﷺ إذا أراد أن يسأل عن شيء.
(إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب) في الرواية السادسة "تزوجت امرأة من الأنصار" وفيها وفي رواية للبخاري: كم أصدقتها"؟ وفي رواية الطبراني "على كم"؟ وفي رواية "ما سقت إليها"؟ وفي رواية "كم سقت إليها"؟ واختلف في المراد بقوله "نواة" فقيل: المراد واحدة نوى التمر، كما يوزن بنوى الخروب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم، وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، ورد بأن نوى التمر يختلف في الوزن، فكيف يجعل معياراً لما يوزن به؟ وأجيب بأن لفظ "وزن نواة من ذهب" اصطلاح موازين على ما قيمته خمسة دراهم من الفضة. (قال: فبارك الله لك) يشير عبد الرحمن إلى إجابة هذا الدعاء، فيقول: فلقد رأيتني لو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً أو فضة.
(أولم ولو بشاة) "لو" هنا للتقليل.
(ملحوظة) لما قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فانطلق به سعد إلى منزله، فدعا بطعام، فأكلا، ثم قال سعد: أي أخي. أنا أكثر أهل المدينة مالاً، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمها لي، فأطلقها،
стр. 3013
فإذا انقضت عدتها تزوجتها. فقال عبد الرحمن: بارك الله في أهلك ومالك، لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع. قال: دلوني عليه، فدلوه، فخرج إلى السوق، فباع واشترى، فأصاب شيئاً من أقط وسمن، وتزوج، وصار من الأغنياء الموسرين: قال أنس: فلقد رأيته قسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف. قال الحافظ: مات عن أربع نسوة، فيكون الثمن أربعمائة ألف فتكون تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف ﵁.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الحديث دليل على أنه يستحب ألا ينعقد النكاح إلا بصداق، لأنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة، من حيث أنه لو حصل طلاق قبل الدخول وجب نصف المسمى، فلو لم تكن تسمية لم يجب صداق، بل تجب المتعة، ولو عقد النكاح بلا صداق صح، قال الله تعالى ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦]. فهذا تصريح بصحة النكاح والطلاق من غير مهر، ثم يجب لها المهر؛ وهل يجب بالعقد أم بالدخول؟ فيه خلاف مشهور، وهما قولان للشافعي، أصحهما بالدخول، وهو ظاهر هذه الآية. وفي هذا الحديث أنه يجوز أن يكون الصداق قليلاً وكثيراً مما يتمول، إذا تراضى به الزوجان، لأن خاتم الحديد نهاية من القلة، وهذا مذهب الشافعي، وهو مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، قال القاضي: وهو مذهب العلماء كافة من الحجازيين والبصريين والكوفيين والشاميين وغيرهم. وقال مالك: أقله ربع دينار، كالنصاب. قال القاضي: هذا مما انفرد به مالك، وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم، وقال ابن شبرمة: أقله خمسة دراهم. اعتباراً بنصاب القطع في السرقة عندهما، وكره النخعي أن يتزوج بأقل من أربعين درهماً، وقالوا في سر قياسه على حد السرقة: إنه عضو آدمي محترم، فلا يستباح بأقل من كذا، قياساً على يد السارق، وتعقبه الجمهور بأنه قياس في مقابل النص، فلا يصح، وبأن اليد تقطع وتبين، ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع، ولا كذلك الصداق، وأن اليد قطعت في السرقة نكالاً للمعصية، والنكاح مستباح.
ثم قال النووي: وهذه المذاهب سوى مذهب الجمهور مخالفة للسنة، وهم محجوجون بهذا الحديث الصحيح الصريح. اهـ قال ابن العربي عن المالكية: لا شك أن خاتم الحديد لا يساوي ربع دينار، وهذا لا جواب عنه لأحد، ولا عذر فيه. اهـ
وحاول بعض المالكية الجواب عن هذا الإشكال بأجوبة منها: قوله "ولو خاتماً من حديد" خرج مخرج المبالغة في طلب التيسير عليه، ولم يرد عين الخاتم الحديد، ولا قدر قيمته حقيقة، لأنه لما قال: لا أجد شيئاً عرف أنه فهم أن المراد بالشيء ما له قيمة، فقيل له: ولو أقل ماله قيمة، كخاتم الحديد، ومثله "تصدقوا ولو بظلف محرق، ولو بفرسن شاة" مع أن الظلف والفرسن لا ينتفع به، ولا يتصدق به.
ومنها: احتمال أنه طلب منه ما يعجل نقده قبل الدخول، لا أن ذلك جميع الصداق، وهذا جواب ابن القصار، وهذا يلزم منه الرد عليهم. حيث استحبوا تقديم ربع دينار أو قيمته قبل الدخول، لا أقل.
стр. 3014
ومنها: دعوى اختصاص الرجل المذكور بهذا القدر، دون غيره، وهذا جواب الأبهري، وتعقب بأن الخصوصية تحتاج إلى دليل خاص.
ومنها: احتمال أن تكون قيمته إذ ذاك ثلاثة دراهم أو ربع دينار
-[ويؤخذ من مجموعة الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من الرواية الأولى، من قولها "جئت أهب لك نفسي" مع سكوته ﷺ جواز هبة المرأة نكاحها له، كما قال الله تعالى ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب: ٥٠]. قال النووي: قال أصحابنا: فهذه الآية وهذا الحديث دليلان لذلك، فإذا وهبت امرأة نفسها له ﷺ فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه بعد ذلك مهرها بالدخول ولا بالوفاة ولا بغير ذلك، بخلاف غيره، فإنه لا يخلو نكاحه عن وجوب مهر، إما مسمى، وإما مهر المثل، وفي انعقاد نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة وجهان لأصحابنا، أحدهما ينعقد، لظاهر الآية وهذا الحديث، والثاني لا ينعقد بلفظ الهبة، بل لا ينعقد إلا بلفظ التزويج أو النكاح، كغيره من الأمة، فإنه لا ينعقد إلا بأحد هذين اللفظين عندنا بلا خلاف.
وقال أبو حنيفة: ينعقد نكاح كل أحد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد. وبمثل مذهبنا قال الثوري وأبو ثور وكثيرون من أصحاب مالك وغيرهم، وهو إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع، إذا قصد به النكاح، سواء ذكر الصداق أم لا، ولا يصح بلفظ الرهن والإجارة والوصية، ومن أصحاب مالك من صححه بلفظ الإحلال والإباحة. حكاه القاضي عياض.
٢ - واستحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها.
٣ - ومن تصعيده النظر وتصويبه جواز النظر لمن أراد أن يتزوج امرأة وتأمله إياها، وقد سبق في الباب قبله.
٤ - ومن سكوته وطأطأة رأسه ﷺ استحباب الاكتفاء بالسكوت عند الرفض إذا فهم السائل أما إذا لم يفهم إلا بصريح المنع فيصرح.
٥ - قال الخطابي: فيه جواز نكاح المرأة من غير سؤالها: هل هي في عدة أم لا؟ حملاً على ظاهر الحال. قال: وعادة الحكام يبحثون عن ذلك احتياطاً. قال النووي: قال الشافعي: لا يزوج القاضي من جاءته لطلب الزواج حتى يشهد عدلان أنه ليس لها ولي خاص، وليست في زوجية، أو عدة، فمن أصحابنا من قال: هذا شرط واجب، والأصح عندهم أنه استحباب واحتياط، وليس بشرط.
٦ - ومن قوله "انظر ولو خاتماً من حديد" جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف، وللشافعية في كراهته وجهان. أصحهما لا يكره. وتفصيل الحكم في كتاب اللباس.
٧ - وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر إليها.
٨ - ومن قوله "لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد" جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة.
стр. 3015
لكن قال جمهور الشافعية: يكره من غير حاجة، وكان هذا محتاجاً ليؤكد قوله.
٩ - وفيه جواز تزويج المعسر، وتزوجه.
١٠ - ومن قوله "ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء" دليل على نظر كبير القوم في مصالحهم، وهدايته إياهم إلى ما فيه الرفق بهم.
١١ - وفيه جواز لبس الرجل ثوب امرأته إذا رضيت، أو غلب على ظنه رضاها، وهو المراد في هذا الحديث.
١٢ - وفيه دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن.
١٣ - وجواز الاستئجار لتعليم القرآن. وكلاهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء والحسن بن صالح ومالك وإسحق وغيرهم، ومنعه جماعة، منهم الزهري وأبو حنيفة. قال النووي: وهذا الحديث مع الحديث الصحيح "إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" يردان قول من منع ذلك، ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة.
١٤ - وفيه أن الهبة في النكاح خاصة بالنبي ﷺ ، لقول الرجل: زوجنيها ولم يقل: هبها لي.
١٥ - وفيه أن الإمام يزوج من ليس لها ولي خاص، لمن يراه كفؤاً لها، ولكن لا بد من رضاها بذلك، وقال الداودي: ليس في الحديث أنه استأذنها، ولا أنها وكلته [لا يعترف بالروايات التي وردت في ذلك] وإنما هو من قوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦]. يعني فيكون خاصاً به ﷺ ، أنه يزوج من شاء من النساء بغير استئذانها لمن شاء.
١٦ - وفيه أن الهبة لا تتم إلا بالقبول.
١٧ - وفيه جواز الخطبة على خطبة من خطب إذا لم يقع بينهما ركون، ولا سيما إذا لاحت بوادر الرد. وفيه نظر.
١٨ - وفيه دليل على تخصيص العموم بالقرينة، لأنه لما قال له "فهل عندك من شيء" "فقال: لا" دل على أنه خصص عموم "شيء"، لأن لفظ "شيء" يشمل الخطير والتافه، وهو كان لا يعدم التافه، كالنواة، لكنه فهم ما له قيمة في الجملة، فلذلك نفى أن يكون عنده، ونقل القاضي عياض الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتمول ولا له قيمة لا يكون صداقاً، ولا يحل به النكاح، لكن ابن حزم خرق هذا الإجماع، فقال: يجوز بكل ما يسمى شيئاً، ولو كان حبة من شعير.
١٩ - واستدل به على جواز جعل المنفعة صداقاً، ولو كان تعليم القرآن. قال المازري: هذا ينبني على أن الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه، لكونه حاملاً للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصة بالنبي ﷺ . وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زوجه لأجل ما حفظه من القرآن، وأصدق عنه، أو ثبت الصداق في ذمته، ويكون ذكر القرآن وتعليمه على سبيل التحريض على تعلم القرآن وتعليمه، وتنويهاً بفضل أهله، قالوا: ومما يدل على أنه لم يجعل التعليم صداقاً أنه لم يقع معرفة الزوج بفهم المرأة، وهل فيها قابلية التعليم بسرعة أو ببطء، مما يجعل العوض مجهولاً، والجواب عن ذلك أن مثل هذا
стр. 3016
يغتفر بين الزوجين لطول العشرة بينهما، وقال القرطبي: قوله "علمها" نص في الأمر بالتعليم، والسياق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، فلا يلتفت لقول من قال: إن ذلك كان إكراماً للرجل، فإن الحديث يصرح بخلافه.
٢٠ - وفيه جواز كون الإجارة صداقاً، فتقوم المنفعة من الإجارة مقام الصداق. وهو قول الشافعي، وعند المالكية فيه خلاف، ومنعه الحنفية في الحر، وأجازوه في العبد إلا في الإجارة لتعليم القرآن فمنعوه مطلقاً، كما سبق.
٢١ - وفيه أنه لا يشترط في صحة العقد تقدم الخطبة، إذ لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث وقوع حمد ولا تشهد ولا غيرهما من أركان الخطبة، وخالف في ذلك الظاهرية فجعلوها واجبة.
٢٢ - ومن أثر الصفرة على عبد الرحمن بن عوف أجازه بعضهم للعرس خاصة. قال النووي: الصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العرس، ولم يقصده، ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نهي الرجال عن الخلوق، لأنه شعار النساء، وقد نهي الرجال عن التشبه بالنساء، فهذا هو الصحيح في معنى الحديث، وهو الذي اختاره القاضي والمحققون، وقيل: إنه يرخص في ذلك للرجل العروس، وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه. قال: وقيل لعله كان يسيراً، فلم ينكر. قال: وقيل: كان في أول الإسلام من تزوج لبس ثوباً مصبوغاً علامة لسروره وزواجه، وقيل: يحتمل أنه كان في ثيابه دون بدنه، ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهذا مذهب ابن عمر وغيره، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجل.
٢٣ - ومن الدعاء لعبد الرحمن بالبركة استحباب الدعاء للمتزوج، وأن يقال له: بارك الله لك أو نحوه.
٢٤ - استدل داود بالأمر في قوله "أولم ولو بشاة" على أن وليمة العرس واجبة. قال النووي: والأصح عند أصحابنا أنها سنة مستحبة، ويحملون هذا الأمر في الحديث على الندب، وبه قال مالك وغيره واختلف العلماء في وقت فعلها، فحكى القاضي أن الأصح عند مالك وغيره أنه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول.
٢٥ - وفيه أنه يستحب للموسر ألا ينقص عن شاة، ونقل القاضي الإجماع على أنه لا حد لقدرها المجزئ، بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة، وقد ذكر مسلم بعد هذا في وليمة عرس صفية أنها كانت بغير لحم. ولكن يستحب أن تكون على قدر حال الزوج. قال القاضي: واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين، فكرهته طائفة، ولم تكرهه طائفة. قال: واستحب أصحاب مالك للموسر كونها أسبوعاً، وللموضوع إضافات تأتي بعد باب إن شاء الله.
والله أعلم
стр. 3017
(٣٧٤) باب فضيلة إعتاقه أمته، ثم يتزوجها، وزواجه ﷺ بصفية ﵂
٣٠٩٧ - عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ غزا خيبر. قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس. فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة. فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر. وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ . وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله ﷺ . فإني لأرى بياض فخذ نبي الله ﷺ . فلما دخل القرية قال "الله أكبر! خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم. ﴿فساء صباح المنذرين﴾ " قالها ثلاث مرات. قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم. فقالوا: محمد، والله! قال عبد العزيز: وقال بعض أصحابنا: محمد، والخميس. قال: وأصبناها عنوة. وجمع السبي. فجاءه دحية فقال: يا رسول الله! أعطني جارية من السبي. فقال "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي. فجاء رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله! أعطيت دحية، صفية بنت حيي، سيد قريظة والنضير؟ ما تصلح إلا لك. قال "ادعوه بها" قال: فجاء بها. فلما نظر إليها النبي ﷺ قال "خذ جارية من السبي غيرها" قال: وأعتقها وتزوجها. فقال له ثابت: يا أبا حمزة! ما أصدقها؟ قال: نفسها. أعتقها وتزوجها. حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم. فأهدتها له من الليل. فأصبح النبي ﷺ عروساً. فقال "من كان عنده شيء فليجيء به" قال: وبسط نطعاً. قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط. وجعل الرجل يجيء بالتمر. وجعل الرجل يجيء بالسمن. فحاسوا حيساً. فكانت وليمة رسول الله ﷺ .
٣٠٩٨ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ؛ أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. وفي رواية: تزوج صفية وأصدقها عتقها.
٣٠٩٩ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، في الذي يعتق جاريته ثم يتزوجها "له أجران".
стр. 3018
٣١٠٠ - عن أنس ﵁ قال: كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر. وقدمي تمس قدم رسول الله ﷺ . قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس. وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم. فقالوا: محمد، والخميس. قال: وقال رسول الله ﷺ "خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فساء صباح المنذرين﴾ قال: وهزمهم الله . ووقعت في سهم دحية جارية جميلة. فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس. ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها. (قال: وأحسبه قال) وتعتد في بيتها. وهي صفية بنت حيي. قال: وجعل رسول الله ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن. فحصت الأرض أفاحيص. وجيء بالأنطاع. فوضعت فيها. وجيء بالأقط والسمن فشبع الناس. قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد. قالوا: إن حجبها فهي امرأته. وإن لم يحجبها فهي أم ولد. فلما أراد أن يركب حجبها. فقعدت على عجز البعير فعرفوا أنه قد تزوجها. فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ . ودفعنا. قال: فعثرت الناقة العضباء. وندر رسول الله ﷺ وندرت. فقام فسترها. وقد أشرفت النساء. فقلن: أبعد الله اليهودية. قال: قلت: يا أبا حمزة! أوقع رسول الله ﷺ ؟ قال: إي. والله! لقد وقع.
٣١٠١ - ٨٧ مم قال أنس ﵁: وشهدت وليمة زينب. فأشبع الناس خبزاً ولحماً. وكان يبعثني فأدعوا الناس. فلما فرغ قام وتبعته. فتخلف رجلان استأنس بهما الحديث. لم يخرجا. فجعل يمر على نسائه. فيسلم على كل واحدة منهن "سلام عليكم. كيف أنتم يا أهل البيت؟ " فيقولون: بخير. يا رسول الله! كيف وجدت أهلك؟ "فيقول: بخير" فلما فرغ رجع ورجعت معه. فلما بلغ الباب إذا هو بالرجلين قد استأنس بهما الحديث. فلما رأياه قد رجع قاما فخرجا. فوالله! ما أدري أنا أخبرته أم أنزل عليه الوحي بأنهما قد خرجا. فرجع ورجعت معه. فلما وضع رجله في أسكفة الباب أرخى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ الآية.
٣١٠٢ - عن أنس ﵁ قال: صارت صفية لدحية في مقسمه. وجعلوا يمدحونها عند رسول الله ﷺ . قال: ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها. قال:
стр. 3019
فبعث إلى دحية فأعطاه بها ما أراد. ثم دفعها إلى أمي فقال "أصلحيها" قال: ثم خرج رسول الله ﷺ من خيبر. حتى إذا جعلها في ظهره نزل. ثم ضرب عليها القبة فلما أصبح قال رسول الله ﷺ "من كان عنده فضل زاد فليأتنا به" قال: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر وفضل السويق. حتى جعلوا من ذلك سواداً حيساً. فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس. ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء. قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ عليها. قال: فانطلقنا، حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها. فرفعنا مطينا. ورفع رسول الله ﷺ مطيته. قال: وصفية خلفه قد أردفها رسول الله ﷺ . قال: فعثرت مطية رسول الله ﷺ . فصرع وصرعت. قال: فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها. حتى قام رسول الله ﷺ فسترها. قال: فأتيناه فقال: "لم نضر" قال: فدخلنا المدينة. فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعتها.
-[المعنى العام]-
جاء الإسلام والرق منتشر بين البشرية، لا تستغنى عنه أمة من الأمم، لأن القوة بين قبائل الإنسانية كانت هي الحكم والفصل، يغير القوي على الضعيف، فماذا يسلب من الضعيف إن لم يكن عنده مال؟ فكان النساء والذرية ضريبة الهزيمة، وثمن الحرب يدفعه المغلوب للغالب عنوة وقهراً. حتى كاد نصف المجتمعات يكون رقيقاً للنصف الآخر، إما بالرق الحقيقي والامتلاك، وإما بالرق السياسي والخضوع والذلة والرسوخ تحت الحماية.
ونقول: إن الإسلام جاء على مجتمعات يكثر الرق فيها كثرة كبيرة وعادية، فأقره كوضع قائم مؤقت، وفتح له منافذ وطرق الحرية الإنسانية، كبيت ورثه وارث مغلق الحوائط، لا يخرج منه الهواء الفاسد ليدخل بدله الهواء النظيف، فكان علاجه فتح الحوائط والنوافذ، حتى لا يبقى بالداخل شيء فاسد إلا خرج، ففتح للرقيق والأسير باب الفداء، وباب المكاتبة، وباب العتق لأم الولد.
وجعل الإسلام عتق الرقبة كفارة لليمين، وللظهار، وللقتل الخطأ، ولأخطاء دينية أخرى، ثم حض على عتق الرقاب ابتغاء الأجر والثواب الأخروي، ولتخطي عقبة النار، ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة﴾ [البلد: ١١ وما بعدها]. وهذه صورة مشرقة من صور حرص الإسلام على حرية الرقيق، ودعوة إلى الإسراع في تحريره. لقد أشرنا إلى أن الأمة إذا وطئت بملك اليمين فولدت صارت أم ولد، لا يجوز بيعها ولا هبتها حيث يعتقها ولدها بمجرد وفاة سيدها، فهل يحرص الإسلام على بقائها مملوكة حتى يتوفى عنها سيدها، أم يفتح لها باباً عاجلاً للحرية؟ .
стр. 3020
هذا هو رسول الحرية ﷺ يقول: "الذي يعتق جاريته ويتزوجها له أجران" نعم له أجران.
أجر العتق للمملوكة، وأجر إشراكها له في معيشته وحياته، أي تكريم للمملوك فوق أن يكون شريك سيده في حياته، يحمل اسمه، ويحمل شرف أم أولاده؟ .
إن الإنسان حين يرغب في الزواج يبحث عن نسب مشرف، وعن أسرة عريقة يفخر بمصاهرتها، - رغبة في المباهاة بالأحساب والأنساب- فبأي ثمن؟ ولأي هدف يتنازل عن هذه النعرة البشرية، ليتزوج اليوم من كانت ملكه وخادمته بالأمس؟ إنه الأجر الأخروي، وإنه الدعوة إلى الحرية الإنسانية، والإسهام في تحرير البشرية.
وقد يسهل على الفرد العادي أن يقوم بمثل ذلك، أما ذوو الشرف والسيادة والقيادة فإنه من الصعب عليهم أن يلغوا فوارق الطبقية بجرة قلم أو بكلمة.
لكن محمداً ﷺ في سبيل دعوته إلى الحرية ألغى هذه الفوارق بكلمة وبجرة قلم.
بعد غزوة بني المصطلق جاءته أسيرة من أسراها كاتبها مالكها، فجاءت إليه ﷺ تطلب مساعدته المالية لتفك رقبتها، ولتحصل على حريتها، وقالت له: أنا جويرية بنت الحارث وقعت في سهم فلان فكاتبني على كذا، وأرجو مساعدتي، ورأى ﷺ وهو الذي يعز عليه العنت والمشقة، ويرحم عزيز قوم ذل، وهذه بنت سيد من سادات قريظة رأى أن يرحمها ويكرمها فقال لها: هل لك إلى أن أؤدي عنك كتابتك وأعتقك وأتزوجك؟ وعلى الفور رحبت، وعلى الفور أعتقها وتزوجها، وهذه الأخرى صاحبة قصتنا. صفية بنت حيي، بنت سيد قومها، وزوجة ابن سيد قومها، وقعت في الأسر، وقعت في سهم دحية الكلبي مملوكة، يفتديها ﷺ بسبع من الإماء يدفعها لدحية، ويعتقها ويتزوجها.
وصدق الله العظيم إذ يقول فيه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
-[المباحث العربية]-
(أن رسول الله ﷺ غزا خيبر) "خيبر" على وزن جعفر، مدينة كبيرة، ذات حصون ومزارع على بعد نحو خمسين ميلاً من المدينة إلى جهة الشام، خرج النبي ﷺ لغزوها في آخر المحرم سنة سبع من الهجرة، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر، وكان يسكنها اليهود.
(فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس) في رواية للبخاري "أن النبي ﷺ : أتى خيبر ليلاً" أي قرب منها، فنزل بواد يقال له: الرجيع، بين خيبر وبين غطفان، لئلا يمد غطفان خيبر، إذ كانوا حلفاءهم "وكان إذا أتى قوماً بليل لم يقربهم حتى يصبح" أي حتى يجيء الفجر، وينظر هل يسمع منهم أذاناً؟ أو لا؟ فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإلا أغار عليهم. وكان أهل خيبر قد سمعوا بقصد محمد
стр. 3021
صلى الله عليه وسلم، مسيره إليهم، فكانوا يخرجون كل يوم بأسلحتهم مستعدين، فلما طال انتظارهم ولم يروا أحداً خرجوا هذا الصباح إلى مزارعهم بفؤوسهم غير مسلحين عند السحر، وذهب ذو الزرع إلى زرعه، وذو الضرع إلى ضرعه، فأغار رسول الله ﷺ على المدينة، وفي الرواية الرابعة "فأتيناهم" أي أتينا الشوارع والبيوت "حين بزغت الشمس" بفتح الباء والزاي أي عند ابتداء طلوعها، أي قربنا من البيوت لحصارها، ومهاجمتها. "وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم" -جمع مكتل، وهو القفة الكبيرة التي يحول فيها التراب وغيره- "ومرورهم"- جمع مر، بفتح الميم، وهو معروف، نحو المجرف وأكبر منها، ويقال لها: المساحي، قال النووي: هذا هو الصحيح في معناه، وحكى القاضي قولين. هذا، والثاني والمراد بالمرور هنا الحبال، كانوا يصعدون بها إلى النخيل، قال: واحدها "مر" بفتح الميم وكسرها، لأنه يمر حين يفتل. اهـ وفي رواية للبخاري "خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم" وهذا يؤيد المعنى الأول من المر، والمسحاة كالفأس، غير أن يدها في طول كفها وليست عمودية عليها كالفأس ويشبه ما يسمى اليوم "بالكريك" بيد صغيرة.
(فركب نبي الله ﷺ أي وركب الناس ليدخلوا المدينة.
(فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر) أي أجرى راحلته، ودفعها، وجعلها تجري، والزقاق بضم الزاي الطريق الضيق، نافذاً أو غير نافذ، والمراد هنا النافذ، يذكر ويؤنث، وجمعه أزقة. وهذا الجري كان بعد أيام من وصول النبي ﷺ وأصحابه خيبر فقد سبق أنهم حاصروها بضع عشرة ليلة، ففي الكلام تقديم من تأخير، وترتيبه أن اليهود خرجوا إلى أعمالهم، لم يشعروا بمنزل النبي ﷺ وأصحابه إلا بعد خروجهم غير مسلحين، فرأوا الجيش بعيداً، فقالوا: هذا. والله محمد وجيشه، ورجعوا للقتال وتحصنوا بحصونهم، وحوصرت المدينة، وفتحت حصونها المنيعة حصناً حصناً في بضع عشرة ليلة، ودخل رسول الله ﷺ المدينة، وهو يقول: الله أكبر، خربت خيبر إلخ.
(فقالوا: محمد والله) -قال عبد العزيز: قال بعض أصحابنا: محمد والخميس- "عبد العزيز" هو الراوي عن أنس، سمع الحديث عن أنس هو وغيره، فرواه هو عن أنس بلفظ "فقالوا: محمد والله" ورواه بعض أصحابه بلفظ "فقالوا: محمد والخميس" أي محمد والجيش، فالخميس الجيش، قيل: سمي بذلك لأنه يقسم خمسة أقسام، مقدمة، وساقة، وميمنة، وميسرة وقلب، وقيل: لتخميس الغنائم، ورد هذا القول بأن هذا الاسم كان معروفاً في الجاهلية، ولم يكن لهم تخميس.
وقد روي الحديث بلفظ "محمد والخميس" عن أنس حميد الطويل ومحمد بن سيرين وثابت، فعرف بهم مقصوده من لفظ أصحابه.
(فلما دخل القرية قال: الله أكبر. خربت خيبر) ظاهر هذا أن التكبير تكبير نصر، مصاحب لدخول القرية، وأن قوله "خربت خيبر" إخبار. لكن بقية الروايات تشير إلى أن هذا التكبير وهذا القول كان قبل النصر عند بدء الإغارة، ولذا قال السهيلي: يؤخذ من الحديث التفاؤل، لأنه ﷺ لما رأى آلات الهدم في أيديهم أخذ منه أن مدينتهم ستخرب، وقال الحافظ ابن حجر:
стр. 3022
يحتمل أن يكون قال "خربت خيبر" بطريق الوحي، أي ستخرب، وقال النووي: فيه وجهان: أحدهما أنه دعاء، وتقديره: أسأل الله خرابها، والثاني أنه إخبار بخرابها على الكفار، وفتحها للمسلمين. اهـ أي تبشير بحصول ذلك.
(إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) يستشهد ﷺ بقوله تعالى: ﴿أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين﴾ [الصافات: ١٧٦، ١٧٧]. والساحة هي المكان الواسع عند الدور، "وساء" معناها قبح، وقيل: بمعنى بئس، و"المنذرين" هم الكافرون، فإنهم ينذرون قبل الإغارة عليهم ومحاربتهم فالرسول ﷺ يبشر أصحابه مقدماً بنتيجة المعركة.
(وأصبناها عنوة) بفتح العين، أي قهراً، لا صلحاً. قال النووي: وبعض حصون خيبر أصيب صلحاً. أي حصل عليه المسلمون صلحاً، لكنهم نكثوا عهدهم، فسبى رسول الله ﷺ النساء والذرية، ومن عليهم بأن أبقاهم عمالاً بالأرض على جعل مما يخرج منها، وليس لهم فيها ملك.
(فجاءه دحية) بكسر الدال وفتحها.
(فأخذ صفية بنت حيي) بن أخطب بن سعيه -فتح السين وسكون العين- بن عامر بن عبيد بن كعب، من ذرية هارون بن عمران، أخي موسى ﵉، وأمها برة بنت شموال، من بني قريظة، وكانت تحت سلام بن مشكم القرظي، ثم فارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضيري، فقتل عنها يوم خيبر، فسبيت من حصن القموص، وهو حصن بني أبي الحقيق، فأبوها سيد قريظة، وزوجها ابن سيد بني النضير، قتل عنها وهو عروس. قيل: كان اسمها قبل أن تسبي زينب، فلما اصطفيت من السبي سميت صفية، والصحيح أن اسمها قبل السبي كان صفية، يؤيده قول الصحابي للنبي ﷺ : "يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي"؟ . (خذ جارية من السبي غيرها) في الرواية الرابعة "ووقعت في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس" قال الحافظ ابن حجر: الأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره لنفسه، وذلك أنه سأل النبي ﷺ أن يعطيه جارية، فأذن له أن يأخذ جارية، فأخذ صفية، فلما قيل للنبي ﷺ إنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية، لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية، وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاص النبي ﷺ بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها، فلم تطب نفسه، فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك.
(حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم) هي أم أنس، وفي الرواية الرابعة "ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له، وتهيئها وتعتد في بيتها" أي تستبرئ، وفي رواية للبخاري "فخرج بها حتى
стр. 3023
بلغنا سد الصهباء حلت" أي طهرت من الحيض، وفي رواية "دفعها إلى أمي أم سليم حتى تهيئها وتصبنها وتعتد عندها" وفي رواية للبخاري "أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاثاً، يبني عليه بصفية بنت حيي" فكأنه ﷺ سار بالجيش ومعه صفية عائداً إلى المدينة حتى وصل إلى سد الصهباء، على بعد ستة أميال من خيبر نزل فأقام ثلاثاً، وفي الرواية الخامسة "ثم خرج من خيبر، حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القبة".
(فقال: من كان عنده شيء فليجئ به. قال: وبسط نطعاً) وفي رواية "فليجئني به" والنطع فيه أربع لغات مشهورات، فتح النون وكسرها، مع فتح الطاء، وإسكانها، أفصحن كسر النون مع فتح الطاء، وهو فراش يوضع عليه الطعام، أشبه بما يعرف اليوم بالمشمع، وفي الرواية الرابعة "فحصت الأرض أفاحيص" بضم الفاء وكسر الحاء المخففة، أي كشف التراب من أعلاها، حفرت قليلاً، لتوضع الأنظاع في المحفور، فتجمع الطعام، ولا يتبعثر في الجوانب.
(فجعل الرجل يجيء بالأقط) وهو لبن محمض مجمد حتى يستجحر، وعند الحاجة إليه يطبخ.
(فحاسوا حيساً) أي جعلوا ذلك حيساً والحيس بفتح الحاء وسكون الياء هو مجموع الأقط والتمر والسمن يخلط ويعجن بالماء، ثم يؤكل.
(فكانت وليمة رسول الله ﷺ "كان" تامة، و"وليمة" فاعل، أي. حصلت بذلك وليمة رسول الله ﷺ ، أو "كان" ناقصة، واسمها ضمير، و"وليمة" خبرها، أي فكانت هذه الخلطة وليمة رسول الله ﷺ ، وفي الرواية الخامسة "حتى جعلوا من ذلك سواداً" أي كما كثيراً "حيساً".
(فلما أراد أن يركب حجبها) في رواية للبخاري قال أنس: "فرأيته يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته، حتى تركب" وفي رواية له "فلما ارتحل وطأ لها خلفه، ومد الحجاب".
(فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ ، ودفعنا) أي دفع راحلته لتسرع، ودفعنا وأسرعنا، تعجلاً للوصول إلى الأهل، وفي الرواية الخامسة "فانطلقنا، حتى إذا رأينا جدر المدينة" أي مبانيها وحوائطها "هششنا إليها" بشينين، الأولى مكسورة مخففة، ومعناها نشطنا وخففنا وانبعثت نفوسنا إليها، يقال: هششت بكسر الشين في الماضي وفتحها في المضارع، وفي رواية "هشنا إليها" بشين واحدة مفتوحة مدغمة في الأخرى، ورواه بعضهم "هشنا" بكسر الهاء وإسكان الشين، من هاش يهيش، بمعنى هش.
(فعثرت الناقة العضباء) "العضباء" اسم لناقته ﷺ .
(وندر رسول الله ﷺ وندرت) أي وندرت صفية، أي سقط عن الناقة وسقطت
стр. 3024
عنها، وأصل الندور الخروج والانفراد، ومنه كلمة نادرة، أي فريدة عن النظائر، وفي الرواية الخامسة "فصرع وصرعت".
(وقد أشرفت النساء) أي طلعت من فوق، ومن الشرفات على السقطة، اطلاع شماتة، والمقصود من النساء نساؤه ﷺ ، والمراد شمتوا في سقوط صفية.
(فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها) حياء ومهابة.
(فجعل جواري نسائه يتراءينها) قال النووي: أي صغيرات الأسنان من نسائه. اهـ أو خادمات نسائه.
(ملحوظة) ما يتعلق بقصة زينب سنتناوله في الباب الآتي إن شاء الله.
-[فقه الحديث]-
قال النووي عن قوله "أعتقها وتزوجها" فيه أنه يستحب أن يعتق الأمة ويتزوجها، كما قال في الحديث الذي بعده "له أجران" وقوله "أصدقها نفسها" اختلف في معناه، والصحيح الذي اختاره المحققون أنه أعتقها تبرعاً بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها بلا صداق، وهذا من خصائصه ﷺ أنه يجوز نكاحه بلا مهر، لا في الحال، ولا فيما بعد، بخلاف غيره، وقال بعض أصحابنا: معناه أنه شرط عليها أن يعتقها ويتزوجها، فقبلت، فلزمها الوفاء به، وقال بعض أصحابنا: أعتقها وتزوجها على قيمتها، وكانت مجهولة، ولا يجوز هذا، ولا الذي قبله لغيره ﷺ ، بل هما من الخصائص، كما قال أصحاب القول الأول قال النووي: واختلف العلماء فيمن أعتق أمته على أن تتزوج به، ويكون عتقها صداقها، فقال الجمهور: لا يلزمها أن تتزوج به، ولا يصح هذا الشرط، وممن قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر. قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت، ولا يلزمها أن تتزوجه، بل له عليها قيمتها، لأنه لم يرض أن يعتقها مجاناً، فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه فله عليها القيمة، ولها عليه المهر المسمى من قليل أو كثير، وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت القيمة معلومة له ولها صح الصداق، ولا تبقى له عليها قيمة، ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة ففيه وجهان لأصحابنا، أحدهما يصح الصداق، كما لو كانت معلومة، لأن هذا العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف، وأصحهما وبه قال جمهور أصحابنا: لا يصح الصداق بل يصح النكاح، ويجب لها مهر المثل.
وقال سعيد بن المسيب والحسن والنخعي والزهري والنووي والأوزاعي وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: يجوز أن يعتقها على أن تتزوج به، ويكون عتقها صداقها، ويلزمها ذلك، ويصح الصداق على ظاهر لفظ هذا الحديث وتأوله الآخرون بما سبق.
стр. 3025
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من قوله في الرواية الأولى "فصلينا عندها صلاة الغداة" أنه لا كراهة في تسميتها الغداة، قال النووي وقال بعض أصحابنا: يكره، والصواب الأول.
٢ - ومن قوله "وأنا رديف أبي طلحة" جواز الإرداف، إذا كانت الدابة مطيقة.
٣ - ومن قوله "فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر" جواز ذلك، وأنه لا يسقط المروءة، ولا يخل بمراتب أهل الفضل، لا سيما عند الحاجة للقتال، أو رياضة النفس أو الدابة، أو معاناة أسباب الشجاعة.
٤ - واستدل مالك بقوله "وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله" ﷺ على أن الفخذ ليس بعورة، قال النووي: ومذهبنا أنه عورة، ويحمل أصحابنا هذا الحديث على أن انحسار الإزار وغيره كان بغير اختياره ﷺ ، فانحسر للزحمة، ووقع نظر أنس إليه فجأة، لا تعمداً، وكذلك مست ركبته الفخذ من غير اختيارهما، بل للزحمة، ولم يقل: إنه تعمد ذلك، ولا أنه حسر الإزار، بل انحسر بنفسه.
٥ - ومن قوله: "فلما دخل القرية قال: الله أكبر" استحباب الذكر والتكبير عند الحرب، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً﴾ [الأنفال: ٤٥]. ولهذا قالها ثلاث مرات.
٦ - ويؤخذ منه أن الثلاث كثير.
٧ - ومن إرجاع هدية دحية قال المازري وغيره: يحتمل ما جرى مع دحية وجهين: أحدهما أن يكون رد الجارية برضاه، وأذن له في غيرها، والثاني أنه إنما أذن في جارية له من حشو السبي، لا أفضلهن، فلما رأى النبي ﷺ أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسباً وشرفاً في قومها وجمالاً استرجعها، لأنه لم يأذن له فيها، ورأى في إبقائها لدحية مفسدة، لتميزه بمثلها على باقي الجيش، ولما فيه من انتهاكها مع مرتبتها، وكونها بنت سيدهم، ولما يخاف من استعلائها على دحية بسبب مرتبتها، وربما ترتب على ذلك شقاق أو غيره، فكان أخذه ﷺ إياها لنفسه قاطعاً لكل هذه المفاسد المتخوفة، ومع هذا فقد عوض دحية عنها.
٨ - ومن قوله: "أعطاه بدلها سبعة أنفس" أخذ أن ذلك كان تطييباً لخاطره، لا أنه جرى عقد بيع، وعلى هذا تتفق الروايات، وهذا الإعطاء لدحية محمول على التنفيل، فعلى قول من يقول: التنفيل يكون من أصل الغنيمة لا إشكال فيه، وعلى قول من يقول: إن التنفيل من خمس الخمس يكون هذا التنفيل من خمس الخمس بعد أن ميز، أو قبله ويحسب منه، قال النووي: فهذا الذي ذكرناه هو الصحيح المختار. قال القاضي: والأولى عندي أن تكون صفية فيئاً، لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني أبي الحقيق كانوا صالحوا رسول الله ﷺ ، وشرط عليهم أن لا يكتموه كنزاً، فإن كتموه فلا ذمة لهم، وسألهم عن كنز حيي بن أخطب، فكتموه، وقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم، فانتقض عهدهم، فسباهم، فصفية من سبيهم، فهي فيء لا يخمس،
стр. 3026
بل يفعل فيه الإمام ما رأى، هذا رأي القاضي عياض، وهذا تفريع منه على مذهبه أن الفيء لا يخمس، قال النووي: ومذهبنا أنه يخمس كالغنيمة.
٩ - وفي الحديث الزفاف بالليل.
١٠ - وفي جمع ما عند القوم دليل على وليمة العرس.
١١ - وأنها بعد الدخول، وتجوز قبله.
١٢ - وفيه إدلال الكبير على أصحابه، وطلب طعامهم في نحو هذا.
١٣ - وأنه يستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في وليمته بطعام من عندهم.
١٤ - ومن قوله "إن حجبها فهي امرأته" استدلت المالكية ومن وافقهم على أنه يصح النكاح بغير شهود إذا أعلن، لأنه لو أشهد لم يخف عليهم، وهذا مذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهو مذهب الزهري ومالك وأهل المدينة"، شرطوا الإعلان دون الشهادة، وقال جماعة من الصحابة ومن بعدهم: تشترط الشهادة دون الإعلان، وهو مذهب الأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، وكل هؤلاء يشترطون شهادة عدلين، إلا أبا حنيفة فقال: ينعقد بشهادة فاسقين، وأجمعت الأمة على أنه لو عقد سراً بغير شهادة لم ينعقد، وأما إذا عقد سراً بشهادة عدلين فهو صحيح عند الجماهير، وقال مالك: لا يصح.
١٥ - ومن قصة زواجه بصفية أخذ البخاري جواز البناء والدخول على الزوجة في السفر.
١٦ - قال الحافظ: وفيه إشارة إلى أن سنة الإقامة عند الثيب لا تختص بالحضر، ولا تتقيد بمن له امرأة غيرها.
١٧ - ويؤخذ منه جواز تأخير الأشغال العامة للشغل الخاص إذا كان لا يفوت به غرض.
١٨ - والاهتمام بوليمة العرس.
١٩ - وإقامة سنة النكاح بإعلامه.
والله أعلم
стр. 3027
(٣٧٥) باب زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش ونزول الحجاب وإثبات وليمة العرس
٣١٠٣ - عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب. قال رسول الله ﷺ لزيد "فاذكرها علي" قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري. حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها. فوليتها ظهري ونكصت على عقبي. فقلت: يا زينب! أرسل رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي. فقامت إلى مسجدها. ونزل القرآن. وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. قال فقال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار. فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام. فخرج رسول الله ﷺ واتبعته. فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن. ويقلن: يا رسول الله! كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتى دخل البيت. فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه. ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به. زاد في رواية: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ إلى قوله ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾
٣١٠٤ - عن أنس ﵁ قال: ما رأيت رسول الله ﷺ أولم على امرأة وفي رواية: "على شيء" من نسائه، ما أولم على زينب. فإنه ذبح شاة.
٣١٠٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب. فقال ثابت البناني: بما أولم؟ قال: أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه.
٣١٠٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش، دعا
стр. 3028
القوم فطعموا. ثم جلسوا يتحدثون. قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام. فلما قام قام من قام من القوم. زاد عاصم وابن عبد الأعلى في حديثهما قال: فقعد ثلاثة. وإن النبي ﷺ جاء ليدخل فإذا القوم جلوس. ثم إنهم قاموا فانطلقوا. قال: فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا. قال: فجاء حتى دخل. فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه. قال: وأنزل الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ إلى قوله ﴿إن ذلكم كان عند الله عظيماً﴾
٣١٠٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: أنا أعلم الناس بالحجاب. لقد كان أبي بن كعب يسألني عنه. قال أنس: أصبح رسول الله ﷺ عروساً بزينب بنت جحش. قال: وكان تزوجها بالمدينة. فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار. فجلس رسول الله ﷺ وجلس معه رجال بعد ما قام القوم. حتى قام رسول الله ﷺ . فمشى فمشيت معه حتى بلغ باب حجرة عائشة. ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه. فإذا هم جلوس مكانهم. فرجع فرجعت الثانية حتى بلغ حجرة عائشة فرجع فرجعت. فإذا هم قد قاموا. فضرب بيني وبينه بالستر. وأنزل الله آية الحجاب.
٣١٠٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله. قال: فصنعت أمي أم سليم حيساً فجعلته في تور. فقالت: يا أنس! اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ . فقل بعثت بهذا إليك أمي. وهي تقرئك السلام. وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول الله! قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ . فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول الله! فقال "ضعه" ثم قال "اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً وفلاناً. ومن لقيت" وسمى رجالاً. قال: فدعوت من سمى ومن لقيت. قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة. وقال لي رسول الله ﷺ "يا أنس! هات التور" قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة. فقال رسول الله ﷺ "ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه" قال: فأكلوا حتى شبعوا. قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم. فقال لي "يا أنس! ارفع" قال: فرفعت. فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ . ورسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 3029
جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط. فثقلوا على رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه. ثم رجع. فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه. قال: فابتدروا الباب فخرجوا كلهم. وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل. وأنا جالس في الحجرة. فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج علي. وأنزلت هذه الآية. فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي﴾ إلى آخر الآية.
قال الجعد: قال أنس بن مالك: أنا أحدث الناس عهداً بهذه الآيات. وحجبن نساء النبي ﷺ .
٣١٠٩ - عن أنس ﵁ قال: لما تزوج النبي ﷺ زينب أهدت له أم سليم حيساً في تور من حجارة. فقال أنس: فقال رسول الله ﷺ "اذهب فادع لي من لقيت من المسلمين" فدعوت له من لقيت. فجعلوا يدخلون عليه فيأكلون ويخرجون. ووضع النبي ﷺ يده على الطعام فدعا فيه. وقال فيه ما شاء الله أن يقول. ولم أدع أحداً لقيته إلا دعوته. فأكلوا حتى شبعوا. وخرجوا. وبقي طائفة منهم فأطالوا عليه الحديث. فجعل النبي ﷺ يستحيي منهم أن يقول لهم شيئاً. فخرج وتركهم في البيت. فأنزل الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ (قال قتادة: غير متحينين طعاماً) ﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا﴾ حتى بلغ ﴿ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾
-[المعنى العام]-
أحل الله النكاح، وحرم السفاح، فكانت سمة السفاح التخفي به والتستر، وسمة النكاح الإشهار والإعلان، وقد ورد "أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف" وشرط جمهور الفقهاء لصحة النكاح الإعلان والإشهار، ومن أهم وسائل هذا الإعلان الوليمة، وبخاصة في بيئة تقل الولائم فيها، ويكثر المحتاجون إليها، وهذا ما كان من النبي ﷺ ، فقد أولم عند زواجه بكل زوجة من أمهات المؤمنين، نعم كانت ولائمه حسب الظروف وحسب الاستطاعة، فقد أولم على بعض نسائه بمدين من شعير، وأولم علي ﵁ حيث تزوج بفاطمة ﵂ بمدين من شعير رهن درعه عند يهودي في مقابلهما. لكنه ﷺ ما أولم على امرأة من نسائه مثل ما أولم على زينب بنت جحش، إذ شبع الناس خبزاً ولحماً، ولعل ذلك لأن زواجه منها كان بأمر من الله ولحكمة بالغة، هي إبطال التبني وما يترتب عليه بالفعل بعد القول، بأن تزوج امرأة من كان يدعي ابنه، فكان هذا الزوج في
стр. 3030
حاجة إلى إعلان كبير لينتشر بين المسلمين.
وكان زواجه ﷺ بزينب بنت جحش ظرفاً لتشريع آخر، ذاك هو حجاب أمهات المؤمنين، حيث جلس بعض المدعوين لوليمتها في حجرة الطعام بعد الطعام مستأنسين للحديث، فثقلوا على رسول الله ﷺ ، وثقلوا على زوجه التي ظلت مدة طويلة مولية وجهها نحو الحائط، فنزل قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ -أي لا تدخلوا بيوت النبي لسبب من الأسباب إلا بسبب الإذن ﴿إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ أي غير منتظرين نضجه، أي إذا دخلتم لطعام فادخلوا بعد نضجه، لئلا يطول بكم الانتظار ﴿ولكن إذا دعيتم﴾ بعد تجهيز الطعام ﴿فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا﴾ أي فاخرجوا وانتشروا في الأرض، وتوجهوا إلى مصالحكم ﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ أي لا يحملكم الاستئناس بالحديث على الجلوس بعد الأكل ﴿إن ذلكم﴾ الجلوس واللبث ﴿كان يؤذي النبي﴾ فيمنعه من قضاء حاجاته، ويضيق عليه وعلى أهله في المنزل ﴿فيستحيي منكم﴾ فلا يقول لكم: اخرجوا ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ فلا تعودوا لمثل هذا معشر الثقلاء، وعن ابن عباس وعائشة ﵃ "حسبك في الثقلاء أن الله لم يحتملهم" يقول الألوسي: وعندي كالثقيل المذكور من يدعي في وقت معين مع جماعة، فيتأخر عن ذلك الوقت من غير عذر شرعي بل لمحض أن ينتظر، ويظهر بين الحاضرين فريد جلالته ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ﷺ " ورضي عن أزواجه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(لما انقضت عدة زينب) بنت جحش، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله ﷺ ، وتبدأ هذه القصة بزيد بن حارثة الصبي الذي كان عبداً لخديجة ﵂، فوهبته لزوجها محمد ﷺ ، فجاءه أهله يفدونه، فقال لهم ﷺ : إن اختاركم فهو لكم بدون فداء، فاختار رسول الله ﷺ على أهله، فأشهدهم ﷺ أنه عتيق، وأنه حر، وأنه منذ اللحظة ابن لمحمد، وليس عبداً لمحمد، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث ميراثه، فأصبح يدعى زيد بن محمد، حتى نزل قوله تعالى من سورة الأحزاب ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾ [الأحزاب: ٤، ٥]. فأصبح يدعى زيد بن حارثة. وشب الصبي، وبلغ سن الزواج، فاختار له رسول الله ﷺ زينب بنت جحش ابنة عمته ﷺ لتكون زوجة له، وترفعت زينب، بنت الحسب والنسب وابنة عمة الرسول ﷺ ، والتي تتيه بجمالها على قريناتها. ترفعت أن تتزوج من كان عبداً. فنزل قوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وخضعت زينب لأمر الله وأمر رسوله وتزوجت زيداً، لكنها بحكم طبيعة المرأة ظلت نافرة من زيد، متعاظمة عليه، وجاء زيد مراراً إلى رسول الله ﷺ يشكوها إليه، ويستأذن في طلاقها -
стр. 3031
وأخبر الله رسوله ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه، لكن كيف؟ وماذا يقول الناس؟ يقولون: إن محمداً تزوج امرأة من كان ابنه؟ ليكن يا محمد، وليقل الناس ما يقولون، فهذه هي الوسيلة القوية الأكيدة لإبطال عقيدة التبني عملياً بعد إبطالها نظرياً -وأخفى رسول الله ﷺ هذا الأمر الإلهي في نفسه حتى يحكم الله بنفاذه، وقال لزيد: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾ ولما استحالت العشرة بين زينب وزيد، وأراد الله تنفيذ ما قضاه طلقها زيد، واعتدت، ولما انتهت العدة صدر الأمر الإلهي بتزويجها لمحمد ﷺ ، قال تعالى ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً﴾ [الأحزاب: ٣٧].
(قال رسول الله ﷺ لزيد: فاذكرها علي) أي اخطبها لي من نفسها، واذكرني راغباً في زواجها، واذكر اسمها زوجة لي، داخلة علي. عجباً ثم عجباً. من كان زوجها منذ قليل هو الذي يخطبها؟ ولم فعل الرسول ذلك؟ نعم لئلا يظن أحد أن طلاقها قد وقع منه قهراً بغير رضاه، وليظهر ما عنده منها، هل بقي شيء من حبه لها؟ "قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها" أي خطبها أو طلبها، و"أن رسول الله" مجرور بحرف جر محذوف، أي لأن رسول الله طلبها، والمعنى أنه هابها وقدسها وعظمها من أجل إرادة النبي ﷺ تزوجها، فعاملها معاملة أزواج النبي ﷺ في الإعظام والمهابة والإجلال.
(فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي) أي التفت عنها، ووليتها ظهري لئلا أراها، وبعدت عنها قليلاً، احتراماً وتقديراً، وفي رواية "فقلت: يا زينب. أبشري. أرسل رسول الله ﷺ يذكرك".
(ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي) أي ما أنا بمجيبة على هذا المطلب بنعم أو بلا، حتى أطلب أمر ربي وانشراحي للأمر أو عدمه، عن طريق صلاة الاستخارة التي علمنا إياها رسول الله ﷺ .
(ونزل القرآن) بقوله تعالى ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها﴾
(فدخل عليها بغير إذن) لأن الله تعالى زوجه إياها بهذه الآية.
(ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار) أي ارتفع، في الرواية الخامسة "فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار" وفي الرواية السادسة في قصة زواج زينب "فصنعت أمي أم سليم حيساً" -من تمر وأقط وسمن- "فجعلته في تور" بفتح التاء وسكون الواو إناء مثل القدح، أو ما يسمى عندنا بالشفشق. وفي الرواية السابعة "في تور من حجارة" وفي رواية للبخاري "فعمدت إلى تمر وسمن وأقط، فاتخذت حبيسة" -أي طعاماً محبوساً- "في برمة، فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، فقال لي: ضعها. ثم أمرني فقال: ادع لي" في الرواية السادسة "ادع لي فلاناً وفلاناً وفلاناً ومن لقيت"، وسمى رجالاً. قال: فدعوت من سمى ومن لقيت -زهاء ثلاثمائة بضم الزاي وفتح الهاء- أي نحو ثلاثمائة، وقال لي رسول الله ﷺ : "يا أنس. هات التور. قال: فدخلوا،
стр. 3032
حتى امتلأت الصفة" -أي البهو الواسع- "والحجرة" ..... "فقال لي: يا أنس. ارفع" -أي ارفع التور- "فرفعت. فما أدري حين وضعت" -التور- "كان" -ما فيه- "أكثر؟ أم حين رفعت".
وقد استشكل القاضي عياض ما وقع في هذا الحديث من أن الوليمة بزينب بنت جحش كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم، والمشهور من الروايات أنه ﷺ أولم عليها بالخبز واللحم، وظن القاضي عياض أن هذا وهم، وتركيب قصة على قصة أخرى، ورد عليه القرطبي بأن لا مانع من الجمع بين الروايتين، ولا وهم، فلعل الذين دعوا إلى الخبز واللحم، فأكلوا حتى شبعوا، وذهبوا لم يرجعوا ثم جاء أنس بالحبيسة فأمر بأن يدعو ناسا آخرين ومن لقي فدخلوا فأكلوا أيضا حتى شبعوا، قال الحافظ: وهو جمع لا بأس به، وأولى منه أن يقال: إن حضور الحبيسة صادف حضور الخبز واللحم، فأكلوا كلهم من كل ذلك.
(وبقي رجال يتحدثون في البيت) في الرواية الرابعة تفصيل، ففيها "دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام من القوم. قال: فقعد ثلاثة .... " وفي الرواية الخامسة تفصيل لمجيئه وعودته مراراً، وفي الرواية السادسة وصف لوضع زوجته "وزوجته مولية وجهها إلى الحائط" قال النووي "وزوجته" بالتاء، وهي لغة قليلة، تكررت في الحديث والشعر والمشهور حذفها.
(فما أدري؟ أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا؟ أو أخبرني؟ ) في الرواية الرابعة "فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا" وكذا في رواية للبخاري، فوقع الجزم بأنه الذي أخبر النبي ﷺ . وفي الرواية الخامسة "ثم ظن أنهم قد خرجوا "قال الحافظ: هو محمول على أنه كان يذكره، ثم عرض له الشك فكان يشك فيه، ثم تذكر، فجزم. اهـ ويمكن القول بأنهما توافقا. رسول الله ﷺ ألهم أنهم خرجوا في الوقت الذي جاء فيه أنس يخبره بخروجهم، فكل منهما أخبر الآخر، وكل منهما سابق الآخر في الإخبار.
(وانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب) أي ونزلت آية الحجاب، أو الأمر بالحجاب. وفي الرواية الرابعة "فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه" وفي الرواية السادسة "وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج علي وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله ﷺ ، وقرأهن على الناس" وفي رواية للبخاري "فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب" -بضم الهمزة وسكون السين وضم الكاف وفتح الفاء المشددة، أي عتبته "أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
(أنا أحدث الناس عهداً بهذه الآيات) أي أقربهم عهداً بنزولها، أي أول من علم بها من الناس.
стр. 3033
(وحجبن نساء النبي ﷺ كذا في الأصل "وحجبن" بنون النسوة، على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة" لغة الجمع بين ضمير الفاعل والفاعل الظاهر، فنساء بدل من الضمير، أو النون علامة نسوة والفاعل "نساء" وكان الأصل أن يقول: وحجب نساء النبي ﷺ .
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من هذه الأحاديث: ]-
١ - قال النووي: فيه دليل على أنه لا بأس أن يبعث الرجل لخطبة المرأة من كان زوجاً لها، إذا علم أنه لا يكره ذلك كما كان حال زيد مع رسول الله ﷺ .
٢ - ومن إعظام زيد لزينب ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من إجلال رسول الله ﷺ وهيبته وهيبة وإجلال أمهات المؤمنين.
٣ - ومن لجوء زينب إلى الاستخارة استحباب صلاة الاستخارة لمن هم بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا، وهو موافق لصحيح البخاري عن جابر قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ... إلى آخر الحديث. قال النووي: ولعلها استخارت لخوفها من تقصير في حقه ﷺ .
٤ - ومن سلامه ﷺ على نسائه أنه يستحب للإنسان إذا أتى منزله أن يسلم على امرأته وأهله، قال النووي: هذا مما يتكبر عنه كثير من الجاهلين المترفعين.
٥ - وأنه إذا سلم على واحد قال: سلام عليكم، أو السلام عليكم. بصيغة الجمع. قالوا: ليتناوله وملكيه.
٦ - وسؤال الرجل أهله عن حالهم، فربما كانت في نفس المرأة حاجة فتستحيي أن تبتدئ بها، فإذا سألها انبسطت لذكر حاجتها.
٧ - وأنه يستحب أن يقال للرجل عقب دخوله: كيف حالك، ونحو هذا.
٨ - وفي زيادة وليمة زينب جواز أن يولم الرجل على بعض نسائه أكثر من بعض. قال النووي: يحتمل أن سبب ذلك الشكر لنعمة الله في أن الله تعالى زوجه إياها بالوحي، لا بولي وشهود، بخلاف غيرها. قال: ومذهبنا الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحه ﷺ بلا ولي ولا شهود، لعدم الحاجة إلى ذلك في حقه ﷺ ، وهذا الخلاف في غير زينب، أما زينب فمنصوص عليها.
٩ - ومن هدية أم سليم -أم أنس- أنه يستحب لأصدقاء المتزوج أن يبعثوا إليه بطعام، يساعدونه به على وليمته.
١٠ - وفيه الاعتذار إلى المبعوث إليه بنحو ما اعتذرت به أم سليم "هذا لك منا قليل".
стр. 3034
١١ - واستحباب بعث السلام إلى الصاحب، وإن كان أفضل من الباعث، لكن هذا يحسن إذا كان بعيداً عن موضعه، أو له عذر في عدم الحضور بنفسه للسلام.
١٢ - وفيه أن الزائر لا يثقل على صاحب البيت بطول المكث والاستئناس بالحديث، وقد أطلق على هذه الآية آية الثقلاء.
١٣ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث مشروعية الحجاب لأمهات المؤمنين. قال عياض: فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة، ثم استدل بما في الموطأ من أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي ﷺ يحججن ويطفن. وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان، لا الأشخاص. ثم قال: والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي، حتى صرح بقوله له ﵊: احجب نساءك. وكرر ذلك حتى نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلاً، ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك فلم يجب إلى هدفه وقد روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "خرجت سودة -بعد ما ضرب الحجاب- لحاجتها، وكانت جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله ﷺ في بيتي، وأنه ليتعشى، وفي يده عرق -عظم عليه بقية لحم- فدخلت، فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: "إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" نعم ورد في سبب نزول الحجاب سبب آخر، أخرجه النسائي عن عائشة ﵂ قالت: "كنت آكل مع النبي ﷺ حيساً، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصاب إصبعه إصبعي، فقال: حس -أو أوه- لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلقربه منها أطلقت نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب.
والله أعلم
стр. 3035
(٣٧٦) باب الدعوة إلى الوليمة والأمر بإجابتها
٣١١٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها".
٣١١١ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب". قال خالد: فإذا عبيد الله ينزله على العرس.
٣١١٢ - عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب".
٣١١٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "ائتوا الدعوة إذا دعيتم".
٣١١٤ - عن ابن عمر ﵄: أنه كان يقول عن النبي ﷺ "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه".
٣١١٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب".
٣١١٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "ائتوا الدعوة إذا دعيتم".
٣١١٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها". قال: وكان عبد الله بن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس. ويأتيها وهو صائم.
стр. 3036
٣١١٨ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا".
٣١١٩ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب. فإن شاء طعم، وإن شاء ترك". ولم يذكر ابن المثنى "إلى طعام".
٣١٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دعي أحدكم فليجب. فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم".
٣١٢١ - عن أبي هريرة ﵁: أنه كان يقول: بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين. فمن لم يأت الدعوة، فقد عصى الله ورسوله.
٣١٢٢ - عن سفيان قال: قلت للزهري: يا أبا بكر؟ كيف هذا الحديث: شر الطعام طعام الأغنياء؟ فضحك فقال: ليس هو: شر الطعام طعام الأغنياء. قال سفيان: وكان أبي غنياً. فأفزعني هذا الحديث حين سمعت به. فسألت عنه الزهري فقال: حدثني عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة يقول: شر الطعام طعام الوليمة. ثم ذكر بمثل حديث مالك.
٣١٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: شر الطعام طعام الوليمة. نحو حديث مالك.
٣١٢٤ - عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "شر الطعام طعام الوليمة. يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها. ومن لم يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله".
стр. 3037
-[المعنى العام]-
الإسلام دين المحبة والمودة والإخاء، دين الترابط والتكاتف والتعاون والتراحم، يحث على كل ما. يحقق هذه الأهداف السامية، ويرغب في الوسائل المؤدية إليها، وأهم هذه الركائز إطعام الطعام، وقد عبر الحديث الصحيح أوضح تعبير عن هذه الوسيلة حين سئل ﷺ : "أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".
والدعوة إلى الوليمة تجمع الأمرين. السلام والطعام، والإجابة إليها تجمع الأمرين السلام والطعام، وقد شرع الإسلام الدعوة إلى الطعام في كل وقت بصفة عامة، وزادها تأكيداً في مناسبات خاصة، وجعلها أساساً من أسس إشهار النكاح وإعلانه، فكانت وليمة العرس، ومن بعدها وليمة الولادة "العقيقة"، وإطعام بمناسبة الختان، وإطعام عند إتمام البناء، وإطعام عند القدوم من السفر، وإطعام عند فرح وسرور ونعمة كبرى، وإطعام عند المصيبة، ومأدبات في أوقات مختلفة دون مناسبة، وأمر الشارع من يدعى إلى ضيافة من هذه الضيافات أن يجيب، وليعلم أن ما بعث الداعي إلى الدعوة إلا صدق المحبة، والسرور بحضور المدعوا، والتحبب إليه بالمؤاكلة، وإقامة الطعام كعهد أمان بينهما، وقد يتبرك به أهل الطعام وقد يتجملون وينتفعون بحضوره، من هنا قال ﷺ "من لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" ولما كان الإسلام دين التواصل حرص على أن يكون بين أفراد الأمة بصرف النظر عن غنيها وفقيرها، فحذر من قصر الولائم على الأغنياء فقال ﷺ "بئس الطعام طعام الوليمة [أي التي] يدعى إليه الأغنياء، ويترك المساكين" يمنعها من يأتيها" ويرغبها "ويدعى إليها من يأباها" ولا يرغبها.
-[المباحث العربية]-
(إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) قال النووي: قال العلماء من أهل اللغة والفقهاء وغيرهم: الوليمة الطعام المتخذ للعرس، مشتقة من الولم، وهو الجمع، لأن الزوجين يجتمعان. قاله الأزهري وغيره، وقال الأنباري: أصلها تمام الشيء واجتماعه، والفعل منها أولم. وقال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع: "الوليمة" للعرس بإسكان الراء وضمها، لغتان مشهورتان. "والخرس" بضم الخاء، وبالسين، ويقال بالصاد للولادة، "الإعذار" بكسر الهمزة وبالعين والذال، للختان، و"الوكيرة" للبناء، "والنقيعة" للقدوم من سفر، مأخوذة من النقع، وهو الغبار، ثم قيل: إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره له، و"العقيقة" يوم سابع الولادة، و"الوضيمة" بفتح الواو، وكسر الضاء -الطعام عند المصيبة، و"المأدبة" بضم الدال وفتحها، الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب. اهـ وبعض اللغويين يطلق الوليمة على طعام العرس وغيره، وقال الشافعي: تقع الوليمة على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان أو غيرهما. وظاهر الروايات إجابة الدعوة إلى جميع الضيافات، ففي الرواية الرابعة والسابعة "ائتوا الدعوة إذا دعيتم" وفي الخامسة "إذا دعا أحدكم
стр. 3038
أخاه فليجب، عرساً كان أو نحوه" وفي السادسة "من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب" وفي الثامنة "وكان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس" وفي التاسعة "إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا" والكراع بضم الكاف مستدق الساق، العاري عن اللحم، مثل يضرب للعظم الخالي من اللحم. وفي العاشرة "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم" بفتح الطاء وكسر العين، أي أكل أو شرب، فأصل الطعام تذوق الطعم، يطلق على المأكول والمشروب، قال تعالى: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩].
(فإن كان صائماً فليصل) فسرها بعض الرواة بالدعاء، يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، قيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، قففلم يجب إلى هدفه وقد روى البخاري عن عائشة مر فقال "والصلاة الدعاء" ويؤيده ما جاء أن أبي بن كعب لما حضر الوليمة وهو صائم أثنى ودعا، وعند أبي عوانة "أن ابن عمر كان إذا دعي وهو صائم دعا لهم وبرك، ثم انصرف" وحمله بعض الشراح على ظاهره، فقال: إن كان صائماً فليشتغل بالصلاة، ليحصل له فضلها، ويحصل للحاضرين وأهل المنزل بركتها. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لعموم قوله "لا صلاة بحضرة طعام" لكن يمكن تخصيصه: بغير الصائم.
(يمنعها من يأتيها) أي من يرغب في إتيانها، ومن يحتاجها من الفقراء.
(ويدعى إليها من يأباها) أي من لا يحتاجها، ويرغب في أن يأباها، ويمتنع ويترفع عنها، وفي رواية "شر الطعام طعام الوليمة، يدعى الغني، ويترك المسكين" وهذه الجملة قيد للوليمة. والظاهر أنه للاحتراز، أي هي شر الطعام في هذه الحالة، وليست شر الطعام دائماً.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الحديث الأمر بحضور الوليمة، ولا خلاف في أنه مأمور به، ولكن هل هو أمر إيجاب؟ أو ندب؟ فيه خلاف في مذهبنا. الأصح أنه فرض عين على كل من دعي، لكن يسقط بأعذار.
الثاني أنه فرض كفاية. الثالث أنه مندوب. هذا مذهبنا في وليمة العرس.
وأما غيرها ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما أنه كوليمة العرس، والثاني أن الإجابة إليها ندب وإن كانت في العرس واجبة. ونقل القاضي عياض اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس. قال: واختلفوا فيما سواها، فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها، وقال أهل الظاهر: تجب الإجابة لكل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف.
وقال الحافظ ابن حجر: جزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسي منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعي إليها وليمة، فلا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها، كما تبين لي في وليمة العرس.
قال النووي: أما الأعذار التي يسقط بها وجوب إجابة الدعوة أو ندبها فمنها: أن يكون في الطعام
стр. 3039
شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره، أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل، وأن لا يكون هناك منكر من خمر أو لهو أو فرش حرير، وصور حيوان غير مفروشة، أو آنية ذهب أو فضة، فكل هذه أعذار في ترك الإجابة، ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه، ولو دعاه ذمي لم تجب إجابته على الأصح، ولو كانت الدعوة ثلاثة أيام فالأول تجب الإجابة فيه، والثاني تستحب، والثالث تكره.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - قد يحتج بقوله "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" روايتنا الثالثة والسادسة من يخص وجوب الإجابة بوليمة العرس، ويتعلق الآخرون بالروايات المطلقة، روايتنا الرابعة والخامسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة، ويحملون ذكر "العرس" على أنه الغالب، وليس للاحتراز، أو أن النص على أمر لا يمنع غيره.
٢ - ومن قوله "وإن كان مفطراً فليطعم" في الرواية الحادية عشرة اعتمد من أوجب الأكل، وعلى قوله "فإن شاء طعم وإن شاء ترك" في الرواية العاشرة اعتمد من لا يوجب الأكل ففيها التصريح بالتخيير، وحمله من أوجب على الصائم وحمله من لا يوجب الأكل حمل الأمر بالأكل على الندب. وإذا قيل بوجوب الأكل فأقله لقمة، ولا تلزمه الزيادة. قال النووي: صرح باللقمة جماعة من أصحابنا، لأنه قد يتخيل صاحب الطعام أن امتناعه لشبهة يعتقدها في الطعام، فإذا أكل لقمة زال ذلك التخيل.
ثم قال: أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومه فرضاً لم يجز له الأكل، لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلاً جاز الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر، وإلا فالإتمام للصوم، وأطلق بعضهم استحباب الفطر على رأي من يجوز الخروج من صوم النفل، ويؤيده ما أخرجه الطيالسي والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد قال: "دعا رجل إلى طعام، فقال رجل: إني صائم. فقال النبي ﷺ : دعاكم أخوكم وتكلف لكم. أفطر وصم يوماً مكانه إن شئت".
٣ - ومن قوله "وكان ابن عمر يأتيها وهو صائم" في الرواية الثامنة أن الصوم ليس بعذر لعدم الإجابة. قال النووي: وكذا قال أصحابنا، قالوا: إذا دعي وهو صائم لزمه الإجابة، كما يلزم المفطر، ويحصل المقصود بحضوره، وإن لم يأكل، فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجملون به، وقد ينتفعون بدعائه، أو بإشارته أو يتصانون عما لا يتصانون عنه في غيبته.
٤ - ومن قوله "بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء، ويترك المساكين" في الرواية الثالثة عشرة والثامنة عشرة والرابعة عشرة ذم هذه الفعلة والتحذير منها.
٥ - ومن قوله "شر الطعام" إلخ أخذ بعضهم أن دعوة الأغنياء دون الفقراء عذر في عدم الحضور، ولهذا قال ابن مسعود: "إذا خص الغني وترك الفقير أمرنا أن لا نجيب" قال ابن بطال: إذا ميز الداعي بين الأغنياء والفقراء فأطعم كلاً على حدة لم يكن به بأس، وقد فعله ابن عمر.
стр. 3040
٦ - استدل بعضهم على وجوب إجابة الدعوة بقوله "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" في الرواية الثامنة عشرة والرابعة عشرة.
٧ - وفي الحديث الحض على المواصلة والتحاب والتآلف بإجابة الداعي وقبول الهدية، قال المهلب: لا يبعث على الدعوة إلى الطعام إلا صدق المحبة، وسرور الداعي بأكل المدعوا من طعامه، والتحبب إليه بالمؤاكلة وتوكيد العهود بها. اهـ وهذا هو الغالب عند أهل الحق والصلاح.
والله أعلم
стр. 3041
(٣٧٧) باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره
٣١٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة. فطلقني فبت طلاقي. فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير. وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فتبسم رسول الله ﷺ . فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". قالت: وأبو بكر عنده. وخالد بالباب ينتظر أن يؤذن له. فنادى: يا أبا بكر! ألا تسمع هذه ما تجهر به عند رسول الله ﷺ .
٣١٢٦ - عن عائشة ﵂ زوج: النبي ﷺ ؛ أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها. فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير. فجاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنها كانت تحت رفاعة. فطلقها آخر ثلاث تطليقات. فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير. وإنه، والله! ما معه إلا مثل الهدبة. وأخذت بهدبة من جلبابها. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكاً. فقال "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة. لا. حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته". وأبو بكر الصديق جالس عند رسول الله ﷺ . وخالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة لم يؤذن له. قال: فطفق خالد ينادي أبا بكر: ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله ﷺ ؟ .
٣١٢٧ - وفي رواية عن عائشة ﵂: أن رفاعة القرظي طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير. فجاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات. بمثل الحديث السابق.
٣١٢٨ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ سئل عن المرأة يتزوجها الرجل، فيطلقها، فتتزوج رجلاً، فيطلقها قبل أن يدخل بها. أتحل لزوجها الأول؟ قال "لا. حتى يذوق عسيلتها".
стр. 3042
٣١٢٩ - عن عائشة ﵂ قالت: طلق رجل امرأته ثلاثاً. فتزوجها رجل ثم طلقها قبل أن يدخل بها. فأراد زوجها الأول أن يتزوجها. فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال "لا. حتى يذوق الآخر من عسيلتها، ما ذاق الأول".
-[المعنى العام]-
شرع الله الطلاق عند تعذر دوام العشرة حسماً للضرر والضرار، وحلاً لعقدة النكاح إذا لم يحقق النكاح أهدافه، واقتضت الحكمة الإلهية تقدير ظروف الغضب البشري، والانفعال الطبعي، والعجلة الإنسانية فقال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فأعطى الزوج حق المراجعة في العدة بعد الطلقة الأولى والثانية، فإن طلق الثالثة ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. هذا عقاب للزوج الأول على عدم ضبطه لنفسه، وعدم كظمه لغضبه، وهو في الوقت نفسه عقاب للزوجة التي لم تقدر النعمة وتمردت على العشرة، وأساءت التبعل، وبخاصة إذا كان الزوج الأول قائماً بواجباتها، وكانت تجربة الزوج الثاني فاشلة كما في قصتنا، تحاول التخلص من الزوج الثاني، وأنى لها ذلك؟ وتحاول الرجوع إلى الأول، وقد يكون الأوان قد فات، والصيف ضيعت اللبن كما هو المثل. وقد تكون الفرصة مازالت قائمة لكنها لا تملك التخلص، تجري هنا وهناك، وتخدش قناع الحياء، وتميط اللثام عن أسرار لا يليق كشفها، وما كان أغناها عن كل ذلك لو حافظت على حقوق بعلها، وما كان أغنى زوجها الأول عن أن يسلم زوجته إلى زوج آخر، ثم يجري وراءها، وينتظر طلاقها منه، لتعود إليه بعد أن تذوق عسيلة الآخر، ما كان أغناه عن كل ذلك لو تحمل اعوجاج زوجته، وعايشها برفق وإحسان، واستوصى بها خيراً.
-[المباحث العربية]-
(جاءت امرأة رفاعة إلى النبي ﷺ وصفها بامرأة رفاعة حين مجيئها أو حين تحديث عائشة باعتبار ما كان، وهذه المرأة اسمها تميمة بنت وهب، وعن قتادة أن اسمها تميمة بنت أبي عبيد القرظية، من بني قريظة. قال الحافظ ابن حجر: ولا تنافي فلعل اسم أبيها وهب، وكنيته أبو عبيد. أما "رفاعة" فهو ابن سموأل -بفتح السين والميم وسكون الواو وفتح الهمزة، منسوب إلى بني قريظة. وفي فتح الباري قصة أخرى مشابهة.
(فطلقني، فبت طلاقي) "البت" بفتح الباء وتشديد التاء القطع، والمراد هنا به قطع
стр. 3043
العصمة، وهو أعم من أن يكون بالثلاث مجموعة، أو بوقوع الثالثة التي هي آخر ثلاث تطليقات، والظاهر الثاني، فمعنى الرواية الثانية "فطلقها آخر ثلاث تطليقات".
(فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاي وكسر الباء، قال النووي: بلا خلاف، وهو الزبير بن باطاء ويقال: باطياء، وكان عبد الرحمن هذا صحابياً، وكان أبوه الزبير يهودياً، قتل في غزوة بني قريظة. وهذا الذي ذكرناه من أن عبد الرحمن بن الزبير بن باطاء القرظي هو الذي تزوج امرأة رفاعة القرظي هو الذي ذكره أبو عمر بن عبد البر والمحققون، قال ابن مناة وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما في معرفة الصحابة إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس. والصواب الأول. اهـ
(وإن ما معه مثل هدبة الثوب) "ما" موصولة، ويحتمل وصلها بإن لتكون كافة ومكفوفة، أداة قصر، وتكتب هكذا "إنما" و"هدبة الثوب" بضم الهاء وإسكان الدال طرفه الذي لم ينسج، شبهوه بهدب العين، وهو شعر جفنها، أرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء، وعدم الانتشار، وفي الرواية الثانية "وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة" و"ما" هنا نافية. "وأخذت بهدبة من جلبابها" وفي رواية للبخاري "ولم يكن معه إلا مثل الهدبة، فلم يقربني إلا هنة واحدة" - "هنة" بفتح الهاء والنون مخففة، أي لمسة خفيفة، وفي رواية "وسمع زوجها، فجاء ومعه ابنان له من غيرها قالت: والله ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه -وأخذت هدبة من ثوبها- فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشزة، تريد رفاعة. قال ﷺ : إن كان ذلك لم تحل له".
(فتبسم رسول الله ﷺ تعجباً منها، إما لتصريحها بما يستحي النساء من التصريح به غالباً، وإما لضعف عقل النساء، لكون الحامل لها على ذلك شدة بغضها للزوج الثاني، وشدة حبها للزوج الأول، ورغبتها في الرجوع إليه.
وفي الرواية الثانية "فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكاً" فضاحكاً حال، أي شارعاً في الضحك، أعني تجاوز حد التبسم إلى الضحك، وقيل: هو حال مؤكدة، على أساس أن التبسم والضحك بمعنى، لكن المعروف وجود فرق بينهما، قال الحافظ ابن حجر: التبسم مبادئ الضحك من غير صوت، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوت خفي، فإن كان فيه صوت يسمع من بعيد فهو القهقهة، وقال الألوسي: كأن من ذهب إلى اتحاد التبسم والضحك خص ذلك بما كان من الأنبياء ﵈، فإن ضحكهم تبسم.
(أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا) جواب مختصر، ووقع كاملاً في رواية للبخاري بلفظ "لا تحلين لزوجك الأول".
(حتى تذوقي عسيلته) بضم العين وفتح السين، تصغير عسله، مؤنث "عسل"
стр. 3044
والعرب إذا حقرت شيئاً أدخلت عليه هاء التأنيث، والمراد ذوق حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج.
(وأبو بكر عنده) في الرواية الثانية "وأبو بكر الصديق جالس عند رسول الله ﷺ " أي يسمع كلام المرأة.
(وخالد بالباب ينتظر أن يؤذن له) في الرواية الثانية "وخالد بن سعيد بن العاصي جالس بباب الحجرة، لم يؤذن له" فالرسول ﷺ وأبو بكر وعائشة والمرأة في داخل الحجرة، وخالد خارج الحجرة، قالت ذلك عائشة تبريراً لعدم تدخل خالد، وعدم مباشرته نهى المرأة بنفسه، فطلب ذلك من أبي بكر.
(ألا تسمع هذه؟ ما تجهر به عند رسول الله ﷺ ؟ ) "ما تجهر به" بدل من "هذه" أي ألا تسمع ما تجهر به هذه؟ وفي الرواية الثانية "ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله ﷺ "؟ وفي رواية الداودي "تهجر" بدل "تجهر" والهجر بضم الهاء الفحش من القول. قال الحافظ ابن حجر: والمعنى عليه، لكن الثابت في الروايات "تجهر".
-[فقه الحديث]-
كان المناسب لهذا الحديث أن يؤخر إلى كتاب الطلاق، كما فعل البخاري ولعل الإمام مسلماً رحمه الله تعالى لاحظ الشق الثاني من الحديث. فالشق الأول الطلاق الثلاث وحكمه، والشق الثاني نكاح من تزوجت زوجاً غير زوجها الأول الذي طلقها بثلاث فلم يمسها الثاني فوضعه في كتاب النكاح.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - قال النووي: إن المطلقة ثلاثاً لا تحل لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره، ويطأها، ثم يفارقها، وتنقضي عدتها، فأما مجرد عقده عليها فلا يبيحها للأول، وبه قال جميع العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وانفرد سعيد بن المسيب فقال: إذا عقد الثاني عليها، ثم فارقها حلت للأول، ولا يشترط وطء الثاني، لقول الله تعالى ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ والنكاح حقيقة في العقد على الصحيح، وأجاب الجمهور بأن هذا الحديث مخصص لعموم الآية، ومبين للمراد بها، قال العلماء: ولعل سعيداً لم يبلغه هذا الحديث. قال القاضي عياض: لم يقل أحد بقول سعيد في هذا إلا طائفة من الخوارج.
٢ - ومن التعبير بذوق العسيلة، وتفسيرها بلذة الجماع استدل العلماء بأنه يكفي تغييب الحشفة في قبلها، من غير إنزال المني، وشذ الحسن البصري، فشرط إنزال المني، وجعله حقيقة العسيلة، وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة الذين قالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحد، ويحصن الشخص، ويوجب كمال الصداق، ويفسد الحج والصوم.
стр. 3045
٣ - استدل بعضهم بقوله "مثل هدبة الثوب" على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محللاً الارتجاع إلى الزوج الأول للمرأة إلا إن كان حال وطئه منتشراً، فلو كان ذكره أشل، أو كان هو عنيناً، أو طفلاً لم يكف، وهذا هو الأصح عند الشافعية وعند كثير من العلماء.
٤ - واستدل بقوله "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" على اشتراط وجود الذوق واللذة من كل منهما حتى لو وطئها نائمة، أو مغمى عليها لم يكف، ولو أنزل هو، وبالغ ابن المنذر، فنقله عن جميع الفقهاء، وتعقب، فهناك من يخالف في ذلك.
٥ - استدل به على أن المرأة لا حق لها في الجماع، لأن هذه المرأة شكت أن زوجها لا يطؤها، وأن ذكره لا ينتشر، وأنه ليس معه ما يغني عنها، ولم يفسخ النبي ﷺ نكاحها بذلك ومن هنا قال بعضهم: لا يفسخ بالعنة، ولا يضرب للعنين أجل، وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرة واحدة لم يؤجل أجل العنين، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحق، وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلة أجل له سنة، وإن كان لغير علة فلا تأجيل، وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أن للمرأة حقاً في الجماع، فيثبت الخيار لها إذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعنين أجل سنة، لاحتمال زوال ما به.
٦ - واستدل بالحديث على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني، لكن شرط المالكية أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني، ولا إرادة تحليلها للأول، وقال الأكثرون: إن شرط ذلك في العقد فسد، وإلا فلا، واتفقوا على أنه إذا كان في نكاح فاسد لم يحلل، واختلفوا فيما إذا وطئها حائضاً، أو أحدهما صائم، أو محرم.
٧ - استدل بالحديث على أن السنة مبينة للقرآن، وقد نقل ابن العربي عن بعضهم أنه أورد على حديث الباب ما ملخصه أنه يلزم من القول به إما الزيادة على ما في القرآن بخبر الواحد، فيلزم نسخ القرآن بالسنة غير المتواترة، أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، مع ما فيه من الإلباس. قال الحافظ ابن حجر: والجواب عن الأول أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لم تكن إضافته نسخاً، ولا زيادة، وعن الثاني أن النكاح في الآية أضيف إليها، وهي لا تتولى العقد بمجردها، فتعين أن المراد في حقها الوطء، ومن شرطه اتفاقاً أن يكون وطأ مباحاً، فيحتاج إلى سبق العقد.
٨ - ومن موقف خالد ما كان عليه الصحابة من سلوك الأدب بحضرة النبي ﷺ .
٩ - وإنكارهم على من خالف ذلك بفعله أو قوله، ولو بحضرة النبي ﷺ .
١٠ - ومن ابتسامه ﷺ وعدم إنكاره على المرأة لتصريحها بما يستحى من التصريح به جواز وقوع مثل ذلك من النساء.
١١ - استدل بعضهم بكلام خالد على جواز الشهادة على الصوت.
стр. 3046
١٢ - وجواز طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الغير إذا كانت المباشرة بالنفس عسيرة، أو في الغير ميزة القبول وأمل الاستجابة لقرب أو عظم.
١٣ - واستدل بذوق العسيلة أن الحكم يتعلق بأقل ما يطلق عليه الاسم، فصدق نكاحها غير زوجها الأول على ذوق العسيلة ولو لحظة.
واعترض بعضهم على قوله "حتى تذوقي عسيلته" مع قولها: "ما معه إلا مثل الهدبة" فكأنه علق الأمر على مستحيل، وأجيب بأنه علقه على ممكن جائز الوقوع، فقد يتقوى الضعيف، وكأنه قال لها: اصبري حتى يتأتى منه ذلك. وإن تفارقا دون أن يتأتى المطلوب لزمها قبل الرجوع إلى زوجها الأول الزواج من آخر، يحصل لها منه ذلك.
والله أعلم
стр. 3047
(٣٧٨) باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع
٣١٣٠ - عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله، قال باسم الله. اللهم! جنبنا الشيطان. وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً".
٣١٣١ - وفي رواية كالسابق وليس فيها ذكر "باسم الله". وفي رواية عبد الرزاق عن الثوري "باسم الله". وفي رواية ابن نمير قال منصور "أراه قال باسم الله".
-[المعنى العام]-
معركة الإنسان بينه وبين الشيطان في هذه الحياة بدأت منذ خلق آدم ﵇، ومنذ وسوس إليه الشيطان لينسيه ذكر ربه، ومنذ توعد إبليس ذرية آدم بالإغواء، والإبعاد عن ذكر الله، واستخدام الشيطان من وسائل الشهوات، شهوة البطن، وشهوة الفرج، ففيهما تضعيف الروحانية، وتطغى وتعلو المادية الشهوانية الحيوانية، فكانت اللفتة الإسلامية للمؤمن، أن يصحو لعدوه وأن يأخذ حذره منه، وأن يستعين بالله على شيطانه، وأن يدعو ربه أن يبارك له في شهوته، وأن يبارك في ثمرتها، وأن يحميه ويحمي نتاجه من الشيطان الرجيم، وقد وعدنا الله تعالى على لسان نبيه أن يجيب دعاء الداعي، وأن يحفظ النطفة والمولود المحصن بهذا الدعاء من الشيطان وشباكه ومكايده وأضراره. ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
-[المباحث العربية]-
(لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: ) يقال: أتى أهله أي جامع زوجته، وفي رواية للبخاري "أما أن أحدكم لو يقول حين يجامع أهله" وفي رواية "أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله" وفي رواية "لو أن أحدهم إذا جامع امرأته ذكر الله" فبعض الروايات تطلب ذكر الله قبل الجماع وحين إرادته، وقبل الشروع فيه، وبعضها تطلبه حين الجماع، أي وقت المباشرة، وسنعرض الرأيين في فقه الحديث.
(بسم الله. اللهم جنبنا الشيطان) في رواية للبخاري "ذكر الله ثم قال اللهم جنبني" بالإفراد.
стр. 3048
(فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك) أي في ذلك الوقت، أو في ذلك الوقاع وفي ذلك الجماع، أو في ذلك الحال.
(لم يضره شيطان أبداً) بتنكير "شيطان" وفي رواية "لم يسلط عليه الشيطان، أو لم يضره الشيطان" فاللام للعهد، والمعهود الشيطان المذكور في دعائه "اللهم جنبنا الشيطان" وسيأتي في فقه الحديث تفصيل الضرر المنفي.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قال القاضي: معنى "لا يضره شيطان" أي لا يصرعه، وقيل: لا يطعنه عند ولادته، بخلاف غيره، قال: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء.
وقال الحافظ ابن حجر: واختلف في الضرر المنفي، بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كانت صيغة النفي مع التأبيد ظاهره في الحمل على عموم الأحوال، لكن هذا الظاهر غير مراد باتفاق. ثم اختلفوا. فقيل: لا يطعنه عند ولادته، فإن هذا الطعن نوع ضرر في الجملة، وقد روى البخاري "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير عيسى ابن مريم" كذا قال الحافظ ولعله يريد: فإن هذا الطعن يؤثر ضرراً مستقبلاً يحمي الله منه بذكر الله عند الجماع الذي كان منه. وقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قال الله فيهم ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢]. أقول: وبركة الذكر على هذا مرتبطة بإخلاص الذاكر وأهليته للقبول والبركة، وقيل: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته من المعصية، وقيل: لم يصرعه ولم يصبه بالخبل، وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه. قال الحافظ: ولعل هذا أقرب الأجوبة. اهـ أما متى يقول هذا الذكر؟ وهذا الدعاء؟ فمذهب الجمهور أن يقوله في مقدمات المباشرة، كتشمير ثيابه، ومداعباته وتهيئه وقبل الإيلاج، وأجاز مالك أن يقوله عند المباشرة، بل في أثنائها. ومن نسي يذكر الله، ويدعو بقلبه دون لسانه عند الجمهور.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - استحباب التسمية والدعاء عند كل عمل، والمحافظة على ذلك، حتى في حالة الملاذ كالوقاع.
٢ - الاعتصام بذكر الله، ودعاء الله من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من كل سوء.
٣ - الحث على أن يستحضر المؤمن أن الميسر لأي عمل، والمعين عليه هو الله تعالى.
٤ - أن الشيطان ملازم لابن آدم، لا ينطرد عنه إلا بذكر الله تعالى.
٥ - فيه رد على من منع المحدث من ذكر الله.
والله أعلم
стр. 3049
(٣٧٩) باب جماع امرأته في قبلها من خلفها
٣١٣٢ - عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته، من دبرها، في قبلها، كان الولد أحول. فنزلت ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾
٣١٣٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄؛ أن يهود كانت تقول: إذا أتيت المرأة، من دبرها، في قبلها، ثم حملت كان ولدها أحول. قال: فأنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾
٣١٣٤ - وفي رواية: "إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية. غير أن ذلك في صمام واحد".
-[المعنى العام]-
جعل الله المرأة سكناً لزوجها، ومتعة شهوته، وزين له حبها، وأباح الاستمتاع بخفيات جسدها، فهي تشبه الأرض يحرثها الفلاح، فيضع فيها البذرة لتنبت، وإذا كان الفلاح لا يلزم بطريقة معينة في حرث الأرض وشقها فكذلك الزوج لا يجب أن يلتزم طريقة معينة في قضاء شهوته مع زوجته، بل كيف شاء، قائمة أو راكعة أو ساجدة أو نائمة على ظهرها أو على وجهها من أمامها أو من خلفها على أن يكون الإيلاج في قبلها، وأن يتجنب الدبر، ولقد كانت اليهود تعتقد خطأ أن الزوج إذا أتى زوجته في قبلها من خلفها فحملت جاء ولدها أحول، فبين الله خطأ هذه العقيدة بقوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣].
-[المباحث العربية]-
(كانت اليهود تقول) أي كان بعض اليهود يعتقدون ويقولون كذا، فكذبهم الله تعالى.
وفي الرواية الثانية "أن يهود كانت تقول" قال النووي: هكذا هو في النسخ "يهود" غير مصروف، لأن المراد قبيلة اليهود. فامتنع صرفه للتأنيث والعلمية.
стр. 3050
(إن شاء مجبية) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء المكسورة وفتح الياء، أي مكبوبة على وجهها.
(في صمام واحد) بكسر الصاد، أي ثقب واحد، والمراد به القبل.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قال العلماء: قوله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ أي موضع الزرع من المرأة، وهو قبلها الذي يزرع فيه المني، لابتغاء الولد، ففيه إباحة وطئها في قبلها، إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها، وإن شاء مكبوبة. وأما الدبر فليس بحرث، ولا موضع زرع، ومعنى قوله ﴿أنى شئتم﴾ أي كيف شئتم. قال: واتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها، حائضاً كانت أو طاهراً، لأحاديث كثيرة مشهورة، كحديث "ملعون من أتى امرأة في دبرها" قال أصحابنا: لا يحل الوطء في الدبر في شيء، من الآدميين ولا غيرهم من الحيوان في حال من الأحوال.
وحديث الباب غير مرفوع، وإن كان له حكم الرفع عند بعض العلماء، لأن أسباب النزول لا مجال للرأي فيها، ثم الآية ليست صريحة في تحريم إتيان الزوجة في دبرها، فعلى فرض التسليم بأن المراد من الحرث القبل ليس في الجملة قصر عليه، حتى يحرم غيره، ثم إن إتيانها في مواضع أخرى غير الدبر ليس ممنوعاً باتفاق، فاحتاج القول بتحريم الدبر إلى دليل آخر، لهذا استدل النووي بالحديث المشهور، وقد رواه مرفوعاً خزيمة بن ثابت، وأخرجه أحمد وابن ماجه، وفي إسناده مجهول، واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، ورواه النسائي وأحمد وابن حبان من طريق أخرى، وفيها من لا يعرف حاله، وفي لفظ لأحمد وابن ماجه "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها" وفي لفظ لأحمد والترمذي عن أبي هريرة رفعه "من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ورواه أبو داود بلفظ مقارب، وهو ضعيف بالإرسال، وقال عنه البزار: حديث منكر، وأخرج أحمد عن علي ﵁ رفعه "لا تأتوا النساء في أعجازهن، أو قال: في أدبارهن" وعن ابن عباس رفعه "لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة أو رجلاً في الدبر" رواه الترمذي، وقال: حديث غريب، وأخرجه النسائي وابن حبان والبزار، وقال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس بإسناد حسن، ورواه النسائي موقوفاً. أمام هذه الآثار الكثيرة ذهب جمهور العلماء إلى تحريم إتيان المرأة في دبرها. وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا تحليله شيء، والقياس أنه حلال. وقد أخرجه عنه ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، وأخرجه الحاكم في مناقب الشافعي عن الأصم عنه وكذلك الطحاوي عن ابن عبد الحكم عن الشافعي وروى الحاكم عن محمد بن عبد الله بن عبد
следующие страницы →